بسم الله الرحمن الرحيم
لا يصلح الإنسان في أي زمان أو مكان إلا بالإسلام
الحلقة الأولى
بعض معالم أعنف هجمة يتعرض لها نظام الإسلام
الحمد لله وكفى وسلاما على عباده الذين اصطفى
تعاني الأمة الإسلامية اليوم مخاضا عسيرا يعقبه ان شاء الله ولادة جديدة للدولة الاسلامية، تعيد الاسلام نمط عيش يحياه المسلمون، وفي أتون هذا المخاض، وفي خضم آلامه، تتعدد الأفهام والآراء، وتطرح التساؤلات والتشكيكات، ومع إيمان السواد الأعظم من أبناء الأمة بأن الاسلام صالح لكل زمان ومكان، وبه دون سواه يصلح الزمان والمكان، إلا أن البعض لا شغل لهم إلا التهجم على دعاة استئناف الحياة الاسلامية من باب أنهم يريدون الرجوع بالبشرية إلى القرون الوسطى، لأن الاسلام لم يعد صالحا للتطبيق في عصر التكنولوجيا والفضاء والذرة، وإذا ما تجاوز بعضهم هذه الاشكالية تراه يقول مستنكرا: وهل عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وواقعه الذي عاشه يشبه واقعنا وعصرنا؟ فكيف تريدنا أن نعيش نمطا معينا في العيش كان قبل أربعة عشر قرنا؟ وذهب البعض إلى القول بأخذ ما أنتجته البشرية من أنظمة لا تتعارض مع الاسلام، مواكبةً للعصر، حتى أنه بلغ الحد ببعض المستغربين أو المأجورين إلى الترويج إلى بدعة مفادها أن الأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها الجزئية تعد معرفة بشرية وفقها بشريا، أما الشريعة فهي وضع إلهي مصدرها المنشِئ كتاب الله ومصدرها المبيِّن سنة رسول الله .
ومن ثم تم تفريخ أنواع كثيرة مما أطلقوا عليه جزافا اسم الفقه، تهدف في جوهرها إلى الالتفاف على الحكم الشرعي، والانفلات من الانضباط بأوامر الله ونواهيه، وأطلقوا عليها ما لم ينزل به سلطان من التسميات، كفقه الواقع وفقه الأقليات وفقه الهزيمة وفقه الموازنات وفقه الأولويات وفقه المآلات.
ووقف آخرون حيادا وكأن مسألة تطبيق الاسلام مسألة من الدرجة العاشرة من الأهمية،وقام بعضهم بإحياء بدع فقهية وقواعد ناشزة على الفقه الاسلامي، ظهرت في أوج عصر الانحطاط في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، قبيل الاجهاز على الدولة الاسلامية، كبدعة تغير الأحكام بتغير الأزمان والأمكنة، وبدعة تحكم العادة، وأنزلوا المصالح منزلا قدموه على الكتاب والسنة، مغفلين عن سبق إصرار وترصد الفرق بين المصالح المرسلة عند من يقول بها والمصالح العقلية عندهم والتي لم يسبقهم بها أحد ممن يعتد برأيه، وكانوا بذا أبواقا لما جاء في تقرير مركز راند للفكر الذي تدعمه الخارجية الأمريكية بعنوان الاسلام المدني الديمقراطي ص 53 حيث جاء فيه: أن المصلحة من الممكن جعلها الأساس الذي من خلاله يمكن حتى تجاوز ما يقوله القرآن الكريم نفسه.
وادعى قسم من المتخبطين في ظلمات الواقع أن سيدنا الامام الشافعي رحمه الله غير فقهه بمجرد الانتقال من بغداد إلى مصر لاختلاف المكان، وكأن الاسلام جاء أديانا وشرائع، شريعة تخص أهل مصر وشريعة تخص أهل العراق!! وسنقف مع هذا الأمر ان شاء الله مبينين حقيقته.
وقام آخرون بإحياء فن اللعب مع الشريعة الغراء بناء على إنزال قواعد على غير واقعها الذي جاء في الشرع، فعمموها حتى كادت أن تصبح لديهم المصدر الوحيد للتشريع كقاعدة الضرورات تبيح المحظورات، وقاعدة المشقة تجلب التيسير، وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (78 الحج)، واستدلوا كثيرا بحديث عائشة رضي الله عنها إذ قالت ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، رواه البخاري، استدلالا على غير واقع الحديث ومفهومه، وأخيرا قام آخرون بالدعوة إلى التدرج في تغيير الواقع من خلال ادعائهم أن الشريعة تدرجت في تشريع بعض الأحكام مثل التدرج في تحريم الخمر – زعموا ، وبالتالي فالمرحلة الحالية تتطلب كذا وكذا وما لا يدرك جله لا يترك كله، وخذ وطالب، فأغفل هؤلاء وأولئك كلهم طريقة الشرع في استنباط الأحكام العملية من مصادرها الأصلية، تلك الطريقة التي لا يجوز بحال أن تتبدل أو تتعدد، فأنتجت هذه المحاولات أحكاما ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله العذاب.
لا يسع الناظر المدقق في هذه المصائب والبلايا إلا أن يعزوها إلى أحد سببين، إما أن يكون أصاب القائمين عليها جهل بطبيعة الاسلام، وانعدام ثقةٍ بأحكامه مما جر هؤلاء – إن افترضنا حسن النية لديهم – إلى الغرق في مستنقع الواقع ووحله، وبدلا من أن يغيروا الواقع تغييرا جذريا انقلابيا رأيناهم يتخذون الواقع مصدرا للتفكير لا محلا له من أجل تغييره.
والثاني أن يكون بعضهم من عملاء الاستعمار الحاقدين على الدين يدسون السم في الدسم لتضيع الأمة في ركام التيه، حتى تضمحل هويتها الثقافية وتموت حضارتها وتذوب في الحضارة الغربية فيتخلص الغرب من أكبر تحد يواجهه في العقود القليلة القادمة.
وعلى صعيد آخر، قام الغرب نفسه ومنذ أواخر أيام الدولة العثمانية بالهجوم الكاسح على مفاهيم الاسلام محاولا التشكيك بصلاحيتها للتطبيق، بل تعدى ذلك إلى القول أن الاسلام لم يطبق إلا في عصر الخلفاء الراشدين الأربعة، ومن أسلحته في هذا الهجوم، خلق واقع ممعن في البعد عن الاسلام، ومن ثم التساؤل عن الحكم الشرعي في هذه البلايا الناتجة عن الواقع الفاسد، فمن سائلٍ يسأل عن حكم الشرع في التأمين وقد أصبح إلزاميا، أو أخذ القروض الربوية مع استفحال الفقر، من أجل الحاجات الأساسية للعيش، أو سائل عن حكم الشركات المساهمة أو المعاهدات التي ينشئها الحكام اليوم مع الاستعمار لتوطيد أرجله في بلاد المسلمين، وما إلى ذلك وكأن الاسلام مسئول عن معالجة الواقع الفاسد منطلقا منه، متجاهلين كل التجاهل أن الواقع الفاسد هذا منشؤه غياب الاسلام وحلول الرأسمالية محله.
كما هاجم الغرب تعدد الزوجات والجهاد، والحجاب، وفرض على المسلمين طريقته في العيش بحيث جعل على رقابهم ديكتاتوريات مستبدة وأوهمهم أن علاج مشاكلهم بنقيض الديكتاتورية ألا وهو الديمقراطية – بزعمهم، وغيبوا عن خبث أن البديل لاستبداد الديمقراطية التي تخضع رقاب المسلمين لقلّة من المشرعين يضعون قوانين حسب أهوائهم معتدين على حق الله في التشريع، والبديل عن الديكتاتورية هو الاسلام.
كذلك عمد الغرب الكافر وأذنابه إلى استغلال الضعف العام الذي طرأ على الأذهان في فهم الاسلام، وأمعنوا في فصل الطاقة العربية عن الطاقة الاسلامية، فميعوا الكثير من المفاهيم الشرعية، من أجل التخلص منها باستبدال مفاهيمها لدى الغرب بأسمائها ومفاهيمها الشرعية، كالربا أصبح اسمه الفوائد، ولم يعد المسلم يرتجف خوفا لما يسمع أن تعامله بالربا مؤذنٌ بحرب من الله ورسوله، وبالتالي زال أثر الطاقة الاسلامية الموجودة في اللفظة العربية " الربا " و " الحرام " لتحل محلها مفاهيم الغرب وبذا يغيب الاسلام عن الواقع، ومع الوقت لا يتصور المسلمون قدرته على أن يحل محل الشركات المساهمة التي ملأت الأرض والسماء، والبنوك الربوية التي ناطحت أبراجها الغيم قرب الحرم المكي.
بعد هذه المقدمة التي توصف حال هذه الدعوات، ينبغي التذكير ببدهيات كافية لنقض هذه الدعوات جملة وتفصيلا، من خلال التذكير بطريقة الاسلام في استنباط الأحكام الشرعية والتعامل مع الواقع، ومن خلال التذكير بكيفية التقليد، والاجابة على السؤال الذي يطرحه جمع كبير من أبناء هذه الأمة البررة، هل أستطيع أن أضع المسألة في رقبة عالم وأخرج منها سالما؟
ومن خلال التذكير أيضا بطريقة الاسلام في معالجة المشاكل، والتذكير بمعنى : {إن الحكم إلا لله}، ومعنى قوله تعالى {يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ}، والتذكير أيضا بمعنى قوله تعالى: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً} ومعنى اكتمال الشريعة، متعرضين لقول القائلين بخلو الشريعة الاسلامية من نص ما يخص قضية ما، أو تأويلهم المغلوط لدائرة العفو التي تناولها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن مردويه وصححه الحاكم من طريق محمد بن شريك عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال " كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا، فبعث الله نبيه وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه، فما أحل فيه فهو حلال، وما حرم فيه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا هذه: {قل لا أجد} إلى آخرها"، أقول: نذكر بهذا وبغيره ان شاء الله، حتى نضع أيدينا على ما يزيدنا ثقة على ثقة بأنه لا حل ولا خلاص للبشرية جمعاء إلا بامتثال فهم سيدي ربعي بن عامر رضي الله عنه في بلاط الفرس إذا قال لهم: الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الاسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
ولا بد أيضا من التطرق لكيفية معالجة الاسلام لمشاكل الانسان، إذ أنه عالج مشاكل الانسان باعتباره إنسانا، لا باعتباره زيدا أو عمرو، علاجا لا يتغير مع تغير الزمان والمكان.
نسأل الله العلي العظيم رب العرش العظيم أن يهدي المسلمين سلبهم وأن يزيدهم تمسكا بسبيل نهضتهم وعزهم، ألا وهو إرضاء رب العالمين عن طريق الامتثال لأوامره والانتهاء عن نواهيه وجعل شريعته الغراء نظام الاسلام ، النظام المطبق في حياتهم دون سواه.
والحمد لله رب العالمين
يتبع ان شاء الله تعالى
--------------
1- طه جابر العلواني في حلقة على الجزيرة من برنامج الشريعة والحياة بعنوان فقه الأقليات 3/ 10 / 2004
2- http://www.rand.org/publications/MR/MR1716/MR1716.pdf
المكتب الإعلامي لحزب التحرير