المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
لا يصلح الإنسان في أي زمان أو مكان إلا بالإسلام
منتدى العقاب > الديوان العام > قسم المواضيع المتميزة
كشف الغمة
بسم الله الرحمن الرحيم

لا يصلح الإنسان في أي زمان أو مكان إلا بالإسلام
الحلقة الأولى
بعض معالم أعنف هجمة يتعرض لها نظام الإسلام



الحمد لله وكفى وسلاما على عباده الذين اصطفى
تعاني الأمة الإسلامية اليوم مخاضا عسيرا يعقبه ان شاء الله ولادة جديدة للدولة الاسلامية، تعيد الاسلام نمط عيش يحياه المسلمون، وفي أتون هذا المخاض، وفي خضم آلامه، تتعدد الأفهام والآراء، وتطرح التساؤلات والتشكيكات، ومع إيمان السواد الأعظم من أبناء الأمة بأن الاسلام صالح لكل زمان ومكان، وبه دون سواه يصلح الزمان والمكان، إلا أن البعض لا شغل لهم إلا التهجم على دعاة استئناف الحياة الاسلامية من باب أنهم يريدون الرجوع بالبشرية إلى القرون الوسطى، لأن الاسلام لم يعد صالحا للتطبيق في عصر التكنولوجيا والفضاء والذرة، وإذا ما تجاوز بعضهم هذه الاشكالية تراه يقول مستنكرا: وهل عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وواقعه الذي عاشه يشبه واقعنا وعصرنا؟ فكيف تريدنا أن نعيش نمطا معينا في العيش كان قبل أربعة عشر قرنا؟ وذهب البعض إلى القول بأخذ ما أنتجته البشرية من أنظمة لا تتعارض مع الاسلام، مواكبةً للعصر، حتى أنه بلغ الحد ببعض المستغربين أو المأجورين إلى الترويج إلى بدعة مفادها أن الأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها الجزئية تعد معرفة بشرية وفقها بشريا، أما الشريعة فهي وضع إلهي مصدرها المنشِئ كتاب الله ومصدرها المبيِّن سنة رسول الله .

ومن ثم تم تفريخ أنواع كثيرة مما أطلقوا عليه جزافا اسم الفقه، تهدف في جوهرها إلى الالتفاف على الحكم الشرعي، والانفلات من الانضباط بأوامر الله ونواهيه، وأطلقوا عليها ما لم ينزل به سلطان من التسميات، كفقه الواقع وفقه الأقليات وفقه الهزيمة وفقه الموازنات وفقه الأولويات وفقه المآلات.

ووقف آخرون حيادا وكأن مسألة تطبيق الاسلام مسألة من الدرجة العاشرة من الأهمية،وقام بعضهم بإحياء بدع فقهية وقواعد ناشزة على الفقه الاسلامي، ظهرت في أوج عصر الانحطاط في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، قبيل الاجهاز على الدولة الاسلامية، كبدعة تغير الأحكام بتغير الأزمان والأمكنة، وبدعة تحكم العادة، وأنزلوا المصالح منزلا قدموه على الكتاب والسنة، مغفلين عن سبق إصرار وترصد الفرق بين المصالح المرسلة عند من يقول بها والمصالح العقلية عندهم والتي لم يسبقهم بها أحد ممن يعتد برأيه، وكانوا بذا أبواقا لما جاء في تقرير مركز راند للفكر الذي تدعمه الخارجية الأمريكية بعنوان الاسلام المدني الديمقراطي ص 53 حيث جاء فيه: أن المصلحة من الممكن جعلها الأساس الذي من خلاله يمكن حتى تجاوز ما يقوله القرآن الكريم نفسه.

وادعى قسم من المتخبطين في ظلمات الواقع أن سيدنا الامام الشافعي رحمه الله غير فقهه بمجرد الانتقال من بغداد إلى مصر لاختلاف المكان، وكأن الاسلام جاء أديانا وشرائع، شريعة تخص أهل مصر وشريعة تخص أهل العراق!! وسنقف مع هذا الأمر ان شاء الله مبينين حقيقته.

وقام آخرون بإحياء فن اللعب مع الشريعة الغراء بناء على إنزال قواعد على غير واقعها الذي جاء في الشرع، فعمموها حتى كادت أن تصبح لديهم المصدر الوحيد للتشريع كقاعدة الضرورات تبيح المحظورات، وقاعدة ‏ المشقة تجلب التيسير،‏ وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (78 الحج)، واستدلوا كثيرا بحديث ‏‏عائشة ‏رضي الله عنها‏ إذ قالت ما خير رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، رواه البخاري، استدلالا على غير واقع الحديث ومفهومه، وأخيرا قام آخرون بالدعوة إلى التدرج في تغيير الواقع من خلال ادعائهم أن الشريعة تدرجت في تشريع بعض الأحكام مثل التدرج في تحريم الخمر – زعموا ، وبالتالي فالمرحلة الحالية تتطلب كذا وكذا وما لا يدرك جله لا يترك كله، وخذ وطالب، فأغفل هؤلاء وأولئك كلهم طريقة الشرع في استنباط الأحكام العملية من مصادرها الأصلية، تلك الطريقة التي لا يجوز بحال أن تتبدل أو تتعدد، فأنتجت هذه المحاولات أحكاما ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله العذاب.

لا يسع الناظر المدقق في هذه المصائب والبلايا إلا أن يعزوها إلى أحد سببين، إما أن يكون أصاب القائمين عليها جهل بطبيعة الاسلام، وانعدام ثقةٍ بأحكامه مما جر هؤلاء – إن افترضنا حسن النية لديهم – إلى الغرق في مستنقع الواقع ووحله، وبدلا من أن يغيروا الواقع تغييرا جذريا انقلابيا رأيناهم يتخذون الواقع مصدرا للتفكير لا محلا له من أجل تغييره.

والثاني أن يكون بعضهم من عملاء الاستعمار الحاقدين على الدين يدسون السم في الدسم لتضيع الأمة في ركام التيه، حتى تضمحل هويتها الثقافية وتموت حضارتها وتذوب في الحضارة الغربية فيتخلص الغرب من أكبر تحد يواجهه في العقود القليلة القادمة.

وعلى صعيد آخر، قام الغرب نفسه ومنذ أواخر أيام الدولة العثمانية بالهجوم الكاسح على مفاهيم الاسلام محاولا التشكيك بصلاحيتها للتطبيق، بل تعدى ذلك إلى القول أن الاسلام لم يطبق إلا في عصر الخلفاء الراشدين الأربعة، ومن أسلحته في هذا الهجوم، خلق واقع ممعن في البعد عن الاسلام، ومن ثم التساؤل عن الحكم الشرعي في هذه البلايا الناتجة عن الواقع الفاسد، فمن سائلٍ يسأل عن حكم الشرع في التأمين وقد أصبح إلزاميا، أو أخذ القروض الربوية مع استفحال الفقر، من أجل الحاجات الأساسية للعيش، أو سائل عن حكم الشركات المساهمة أو المعاهدات التي ينشئها الحكام اليوم مع الاستعمار لتوطيد أرجله في بلاد المسلمين، وما إلى ذلك وكأن الاسلام مسئول عن معالجة الواقع الفاسد منطلقا منه، متجاهلين كل التجاهل أن الواقع الفاسد هذا منشؤه غياب الاسلام وحلول الرأسمالية محله.

كما هاجم الغرب تعدد الزوجات والجهاد، والحجاب، وفرض على المسلمين طريقته في العيش بحيث جعل على رقابهم ديكتاتوريات مستبدة وأوهمهم أن علاج مشاكلهم بنقيض الديكتاتورية ألا وهو الديمقراطية – بزعمهم، وغيبوا عن خبث أن البديل لاستبداد الديمقراطية التي تخضع رقاب المسلمين لقلّة من المشرعين يضعون قوانين حسب أهوائهم معتدين على حق الله في التشريع، والبديل عن الديكتاتورية هو الاسلام.

كذلك عمد الغرب الكافر وأذنابه إلى استغلال الضعف العام الذي طرأ على الأذهان في فهم الاسلام، وأمعنوا في فصل الطاقة العربية عن الطاقة الاسلامية، فميعوا الكثير من المفاهيم الشرعية، من أجل التخلص منها باستبدال مفاهيمها لدى الغرب بأسمائها ومفاهيمها الشرعية، كالربا أصبح اسمه الفوائد، ولم يعد المسلم يرتجف خوفا لما يسمع أن تعامله بالربا مؤذنٌ بحرب من الله ورسوله، وبالتالي زال أثر الطاقة الاسلامية الموجودة في اللفظة العربية " الربا " و " الحرام " لتحل محلها مفاهيم الغرب وبذا يغيب الاسلام عن الواقع، ومع الوقت لا يتصور المسلمون قدرته على أن يحل محل الشركات المساهمة التي ملأت الأرض والسماء، والبنوك الربوية التي ناطحت أبراجها الغيم قرب الحرم المكي.

بعد هذه المقدمة التي توصف حال هذه الدعوات، ينبغي التذكير ببدهيات كافية لنقض هذه الدعوات جملة وتفصيلا، من خلال التذكير بطريقة الاسلام في استنباط الأحكام الشرعية والتعامل مع الواقع، ومن خلال التذكير بكيفية التقليد، والاجابة على السؤال الذي يطرحه جمع كبير من أبناء هذه الأمة البررة، هل أستطيع أن أضع المسألة في رقبة عالم وأخرج منها سالما؟

ومن خلال التذكير أيضا بطريقة الاسلام في معالجة المشاكل، والتذكير بمعنى : {إن الحكم إلا لله}، ومعنى قوله تعالى {يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ}، والتذكير أيضا بمعنى قوله تعالى: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً} ومعنى اكتمال الشريعة، متعرضين لقول القائلين بخلو الشريعة الاسلامية من نص ما يخص قضية ما، أو تأويلهم المغلوط لدائرة العفو التي تناولها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏فيما رواه ابن مردويه وصححه الحاكم من طريق محمد بن شريك عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال " كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا، فبعث الله نبيه وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه، فما أحل فيه فهو حلال، وما حرم فيه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا هذه: {قل لا أجد} إلى آخرها"، أقول: نذكر بهذا وبغيره ان شاء الله، حتى نضع أيدينا على ما يزيدنا ثقة على ثقة بأنه لا حل ولا خلاص للبشرية جمعاء إلا بامتثال فهم سيدي ربعي بن عامر رضي الله عنه في بلاط الفرس إذا قال لهم: الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الاسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

ولا بد أيضا من التطرق لكيفية معالجة الاسلام لمشاكل الانسان، إذ أنه عالج مشاكل الانسان باعتباره إنسانا، لا باعتباره زيدا أو عمرو، علاجا لا يتغير مع تغير الزمان والمكان.

نسأل الله العلي العظيم رب العرش العظيم أن يهدي المسلمين سلبهم وأن يزيدهم تمسكا بسبيل نهضتهم وعزهم، ألا وهو إرضاء رب العالمين عن طريق الامتثال لأوامره والانتهاء عن نواهيه وجعل شريعته الغراء نظام الاسلام ، النظام المطبق في حياتهم دون سواه.
والحمد لله رب العالمين

يتبع ان شاء الله تعالى


--------------
1- طه جابر العلواني في حلقة على الجزيرة من برنامج الشريعة والحياة بعنوان فقه الأقليات 3/ 10 / 2004
2- http://www.rand.org/publications/MR/MR1716/MR1716.pdf

المكتب الإعلامي لحزب التحرير
كشف الغمة
بسم الله الرحمن الرحيم

لا يصلح الإنسان في أي زمان أو مكان إلا بالإسلام
الحلقة الثانية
العوامل المؤثرة في سلوك الإنسان




الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى
تحدثنا سابقا عن الهجمة الضروس التي يتعرض لها نظام الإسلام، في محاولات مستميتة للتشكيك بقدرته على العيش، وعلى مواكبة عصر الفضاء والذرة، وعلى الوقوف في وجه المبادئ الوضعية.

بحثُنا إذن في الحكم، والحاكم، والمقصود من إصدار الحكم هو تعيين موقف الإنسان تجاه الفعل، هل يفعله أم يتركه أو يخيَّر بين فعله وتركه، وتعيين موقفه تجاه الأشياء المتعلقة بها أفعاله، هل يأخذها أم يتركها أم يخيَّر بين الأخذ والترك؛ وتعيين موقفه هذا متوقف على نظرته للشيء، هل هو حَسَن أم قبيح أم ليس بالحسن ولا بالقبيح، وبحثنا في صلاحية الأحكام والتشريعات للإنسان أينما كان.

ويقتضي البحث منا أن ندرس الموضوع من جانبين:
أولهما: ما هي الأمور التي تتعلق مباشرة بسلوك الإنسان، والتي إن تغيرت تغير سلوكه، وبالتالي التطرق إلى الأمور التي يظن أن لها تأثير على السلوك كالمكان والبيئة، والزمان، والتقدم التقني والصناعي والعمراني، لنرى علاقتها بتغير الأحكام تبعا لذلك.

وثانيهما: دراسة الطريقة التي يجب أن يسير عليها التشريع أو سن القوانين والتي تضمن علاجا للمشاكل على نحو يضمن صلاحية هذه الحلول لمشاكل الإنسان عبر الزمان والمكان.

أما بالنسبة للنقطة الأولى، فنقول بأن الإنسان في هذه الحياة يقوم بأفعال تجاه الأشياء التي سخرها الله تعالى له في الكون، من أجل إشباع غرائزه وحاجاته العضوية، ولا يمكن أن يوجد أي تصرف يتصرفه أي إنسان إلا ووراؤه حاجةٌ عضويةٌ أو غريزةٌ تدفعُه لإشباعها، فعندما يأكل إنما يأكل ليشبع جوعة البطن، وعندما يتزوج فإنه يشبع غريزة النوع، وعندما يزني الزاني أيضا فإنه يشبع غريزة النوع إشباعا خاطئا، بالحكم عليه من خلال العقيدة الاسلامية، وعند لجوئه إلى الله تعالى ليفرج كربه فإنه يشبع غريزة التدين والتقديس، وعندما يكتب مقالة صحفية مثلا فقد يكون هدفه إرضاء رب العالمين من خلال نشر الدعوة وهذا فيه إشباعٌ لغريزة التدين، أو الشهرة وفيه من مظاهر غريزة البقاء، أو مَن شاهد التلفاز من قبيل التسلية، فإن كان ما يشاهده يدور حول التدين أو كان عملا بطوليا فإنه بذا يشبع غريزة التدين والتقديس، وإن كان البرنامج حول الغذاء والصحة فمن باب مظهر التملك أو ليفضي لعمل يسد حاجة البطن، وما شابه.

فكل تصرف في الحياة الدنيا إنما هو منطلق من غريزة أو حاجة عضوية تتطلب إشباعا.

فالسلوك إذن هو أعمال الإنسان التي يقوم بها لإشباع غرائزه أو حاجاته العضوية.

تختلف مظاهر الغرائز وجودا وعدما، قوة وضعفا من شخص لآخر، ولكنه لا يمكن أن يتصرف إلا منطلقا من أحد هذه المظاهر أو من حاجاته العضوية، وهذه كلها لا تتغير في الانسان كإنسان بين زمان ومكان، فالانسان في الصين يحتاج للطعام وللنوم ويقلق إن لم يشبع غريزة النوع سواء من خلال الزواج أو العلاقات غير المشروعة، أو حنان الأم، ولا يختلف هذا عن الانسان الذي عاش في الصين أو في أمريكا منذ ألف عام أو سيأتي على الدنيا بعد ألف عام.

والمشاهد المحسوس أن الانسان إذا عزف عن الطعام لفترة معينة هلك، هكذا كان وهكذا سيكون إلى يوم الدين، بحاجة لطاقة يستمدها من طعام أو من أدوية أو حقن أو ما شئت، ولكنه لا يستغني عن الطاقة التي تعينه على العمل والسعي في الحياة الدنيا، من هنا فلا أثر للزمان في تغير الأفكار التي تسير سلوكه، طالما أن الدافع للسلوك لم يتغير، ولا يلحظ أي تأثير للوقت فيه.

يتميز الانسان عن الحيوان في إشباعه لغرائزه وحاجاته العضوية بالعقل، فالبهائم يهمها أن تشبع جوعاتها بأية طريقة كانت، بينما يتميز الانسان عنها بأنه يعقل، فتراه إزاء جوعة البطن مثلا ينظر للاشياء التي تشبع، فيتفكر فيها ليصل إلى مفاهيم عن هذه الأشياء، هل تشبع أم لا تشبع؟ ما هو مذاقها؟ ما الفوائد التي أرتجيها من أكلها؟ كيف أطهوها بشكل أفضل لتحسين مذاقها أو تسهيل هضمها؟ وما إلى ذلك، فتتكون لديه مفاهيم عن الأشياء إذن، ولكنه لا يقوم بالاشباع بناء على هذه المفاهيم فقط، بل كإنسان متحضر راق، لا بد له من مجموعة أخرى من المفاهيم لا علاقة لها بالأشياء بحد ذاتها وكونها تشبع أو لا تشبع، هذه المفاهيم هي مفاهيمه عن الحياة، أي أفكاره التي وصل إليها بحل العقدة الكبرى، والتي فسرت له الكون والانسان والحياة تفسيرا يجعل له وجهة نظر معينة عن الحياة، تضبط أفكاره تجاه الأشياء التي يريد التعامل معها، أو أفكاره التي ورثها من مجتمعه، بغض النظر أكانت عقيدة بمعنى كلمة العقيدة أم لم تكن، لكنها تتضمن قطعا مقياسا لأفعاله يمنعه من أمور ويفرض عليه أمورا أخرى، فالمسلم مثلا أفضت به هذه الأفكار العقدية، إلى جعل الحلال والحرام مقياسا لأفعاله وتصرفاته، فيدرك أن الخنزير يشبع جوعة المعدة ولكن أفكاره عن الحياة النابعة عن عقيدته والتي لم يصل إليها بالتفكر في الخنزير ولا خطر له الخنزير ببال وهو يصل لهذه الأفكار، أقول هذه الأفكار منعته من إشباع جوعته بهذه الطريقة، بينما ترى شخصا آخر يضع نصب عينيه آخر ما توصلت إليه الأبحاث العلمية، يسمح لنفسه بأن يتناول القليل من الخمر طالما أنها فيها منافع معينة بغض النظر عن الضر الذي فيها لأن الزاوية التي نظر منها لا تراعي هكذا نوع من الأضرار، إذ أن نظرته إلى الحياة مادية بحتة، وبذا اختلف السلوك الذي سلكه المسلم عن سلوك هذا الأخير تبعا لمفاهيمهما عن الحياة مع أنهما يريان أن الخمر فيها منافع ومضار.

فالسلوك إذن يبنى على مفاهيم الانسان عن الأشياء مضافا إليها مفاهيمه عن الحياة، أي عقيدته.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هذه الأفكار التي وجهت سلوك الانسان وضبطته، ما هي العوامل التي تؤثر فيها مباشرة؟ هل يؤثر فيها المكان والزمان؟ وما أثر التقدم العلمي والصناعي فيها؟ وما أثر البيئة؟

أما المفاهيم عن الأشياء، فبنظرة متفحصة لها ترى أنها تكاد تكون واحدة عند البشر، فكل الناس يجمع أن أكل التفاح يشبع الجوعة، وأنه مفيد، وحتى من لا يراه لذيذا، لا يختلف على أنه مفيد ويشبع، وأن لونه أحمر أو أصفر، وأنه يعصر وما إلى ذلك، فهذه المفاهيم أثرها على السلوك غير كبير، وقد يكون للتقدم العلمي دور ما في السلوك بتحديده بعض مضار أشياء ما على الصحة فيمتنع البعض عن التعامل معها، ولكن المشاهد المحسوس أن هذه الأبحاث عرضة للتغير والتبدل بين عشية وضحاها، وقد تضر بزيد ولا تضر بعبيد، وبالتالي فالسلوك المبني على هذه الأبحاث عرضة للتقلب، مما يجعل مراعاتها أمرا غير مأمون للتشريع، وإن كان مفيدا له، وتأثيرها غير كبير، وها أنت ترى أن الأبحاث التي تفيد بضرر القهوة كثيرة جدا ومع ذلك فأغلب سكان الأرض يشربونها.

لقد قامت الولايات المتحدة في مطلع ثلاثينات القرن المنصرم بإصدار قانون صارم يحرم الخمر، وفرضت العقوبات الصارمة عليها، ولم يزدد المجتمع الأمريكي في الخمر إلا ولوعا، مع كل الدراسات التي قدمت والتي تبين مضارها، وكذا حصل في الاتحاد السوفياتي أيام غورباتشوف، بينما ترى أن مليارا وربع المليار مسلم يمتنعون عن الخمر طواعية جراء وجود مفاهيم العقيدة لديهم والتي تحرِّمُها مع بعض الشواذ القليلين عن القاعدة، مما ينبيك أن أكبر مؤثر على السلوك هو المفاهيم عن الحياة.

ما هو أثر المكان على السلوك؟ أما الهضاب والسهول، والأنهار وما شابه من عناصر المكان فلا أثر لها البتة في السلوك وإنما الذي يؤثر هو البيئة أي الوسط المحيط، وليست المنازل ولا المتاجر.

فما هو أثر البيئة على السلوك؟ فوجود الإنسان في بيئة قامت على مفاهيم معينة كالتحرر والنفعية، تجعل سلوك الانسان مبنيا دوما على هذه النفعية، من هنا ترى أن الانسان المولود في البيئة المسلمة يأخذ مفاهيمه من بيئته وبالمثل يأخذ الغربي من مجتمعه مفاهيمه النفعية، وعلى أساسها يسلك، وهذا من المشاهد المحسوس، ويتميز الناس في مصر مثلا ببعض الضوابط المختصة بسلوكهم توارثوها لا يوجد لها نظير في الشام مثلا، وهكذا يتأثر سلوك من يعيش هنا عمن يعيش هناك!

إلا أن تقنين القوانين التي تسعد الانسان وترقى به، ووضع التشريعات التي تحل مشاكله في الحياة حلا صحيحا ينآى بسعيه في الحياة عن درك الافساد في الأرض، تجعل مثل هذه الأفكار النابعة من البيئة آخر ما يمكن اللجوء إليه، لتأثرها الشديد بالعادات والتقاليد التي غالبا ما تكون بالية ويتحكم الجهل والتخلف فيها، توارثها الأبناء عن الأجداد، ولم يراعوا في ذلك صلاحية حلولها لمشاكلهم، ولا كونها الأصلح لهم في سعيهم في الدنيا، وعلاوة على ذلك فهي من نتاج العقول التي تتناقض فيما بينها في تحديد الصالح من الفاسد، وفي تحديد المصلحة الحقيقية للانسان، وفي تحقيق العدل وإحقاق الحق، مما يجعل التشريع المبني عليها موغلا في البعد عن الصلاحية للانسان في الدنيا، ويجعل المفكر يتخذ من هذه الأفكار أول مرمى لسهام تغييره، وترى بالمقابل أن الغرق في وحل هذا الواقع الفاسد أشد مؤخر لرقي الانسان ونهضته لأن الواقع الفاسد يغير بالأفكار الجذرية الانقلابية عن الكون والانسان والحياة ولا مكان في هذه المجموعة من الأفكار لمتوارث أجداد الأجداد مما وجدهم الأبناء عليه من عادات وتقاليد.

صحيح أن البيئة تملك التأثير على السلوك إلا أن التشريع الذي يراد به صلاح البشر يجب أن لا يتأثر بالبيئة لا من قريب ولا من بعيد، وهو المراد بحثه في هذا البحث، مع ملاحظة أن المكان ليس هو المؤثر وإنما هي الأفكار الموجودة في تلك البيئة، وهذه شأنها شأن العقيدة التي يتخذها الانسان مقياسا لسلوكه، ولو أردنا اتخاذها مصدرا للتشريع، لكان علينا ونحن نعلم عالمية الاسلام أن نراعي كل البيئات التي على وجه الأرض، وبالتالي لا يكون أخذنا للاسلام من الوحي ولكن من البيئة وهذا دمار للإسلام.

رب قائل يقول أن الانسان الذي يعيش في كندا والتي تبيح زواج مثلي الجنس، وتعتبره نكاحا، سيتأثر فكره وبالتالي سلوكه نتيجة وجوده في هذه البيئة مما سيغير مفاهيمه عن الحياة وبالتالي حكمه على النكاح وسلوكه إزاء العلاقات التي يقيمها؟

والجواب أن هذا المنطق بائس، فالكلام هنا عن التشريع الصالح لحل المشاكل لا عن الغرق في مستنقع الواقع من غير إعمال للعقل في الحسن والقبيح، والخضوع لتقنينات البشر لا إيجاد الحل الصحيح لهم.

قلنا أن العلم والصناعة والعمران يعطيان أثرا ضئيلا على السلوك، من خلال التأثير ببعض الأبحاث العلمية حول منافع أو مضار الأشياء، وما عدا هذا لا أثر لها يذكر، إذن فالعلاقة بين تقدم الانسان في رحلته في الأرض، في مجالات الصناعة والعمران والعلوم بسلوكه الذي يشبع فيه غرائزه وحاجاته العضوية، ضئيلة وعادة ما لا تأثر في المشرعين، وإن كان يحسن الاستفادة منها أحيانا، ولكنها لا تعتبر بحال، العامل الحاسم في التشريع، إذ أن الأثر الأكبر هو للمفاهيم عن الحياة صحة وبطلانا، قوة وضعفا، من هنا نقول أن استخدام الانسان للسيارة لا يغير من تركيبته العضوية بحيث يستغني عن الطعام والشراب، حتى ولا أثر لسفره بالطائرة في طريقة إشباع غريزة النوع سواء أكان بالزواج أم بالزنا أم بغير ذلك؟

وبالتالي فالأثر الأكبر والعامل الحاسم في مسألة التشريع والتقنين هو المفاهيم عن الأشياء مضافا إليها المفاهيم عن الحياة، ولا أثر للمكان ولا للزمان ولا للتقدم العلمي والصناعي في هذا التشريع.

فينتقل بنا البحث إذن إلى هذه المفاهيم لنرى من له حق التشريع، وكيف نضمن صحة هذه التشريعات، وصلاحيتها للانسان وعلاج مشاكله في رحلة الحياة وكيف نضمن أنها ستوفر العلاج الناجع لمشاكل الانسان عبر العصور وفي كل الأزمنة؟

هذا ما سنتناوله لاحقا ان شاء الله تعالى
كشف الغمة
بسم الله الرحمن الرحيم

لا يصلح الإنسان في أي زمان أو مكان إلا بالاسلام
الحلقة الثالثة
المصلحة وعلاقتها بالتشريع




الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على محمد الهادي الأمين
تنشأ بين الناس علاقات دائمية في المجتمعات التي ينتمون إليها، هذه العلاقات انما تنشأ بدافع مصالحهم، فالمصلحة هي جلب منفعة أو دفع مضرة، والمصلحة هي التي توجد العلاقة ومن غير وجود مصلحة لا توجد علاقة الا ان هذه المصالح انما يبينها من حيث كونها مصلحة او مفسدة مفهوم الانسان عن المصلحة، وبما ان المفاهيم هي معاني الافكار فتكون الافكار مضافا إليها المشاعر تجاه هذه المصالح من فرح وسرور ورضا وغضب .. الخ، هي التي عينت المصلحة وبالتالي هي التي اوجدت العلاقة، ولا شك أن هذه العلاقات بحاجة لضبط من خلال الانظمة التي تعالج بها هذه المصلحة حتى يتم وجود هذه العلاقة، لذلك فان العلاقة حتى توجد بين الناس لا بد ان تتحقق بينهم وحدة الافكار والمشاعر والانظمة، فسلوك الإنسان وعلاقاته مع الآخرين إنّما تتحكّم بها مفاهيمُه الّتي هي مزيج من الفكر والشعور، كما أنّ التشريعات الّتي تقوم السلطة على رعاية شؤون المجتمع بها، تتحكّم إلى حدّ كبير بعلاقات المجتمع، وبالتالي تؤثِّر إلى حدّ بعيد في نمط العيش فيه.

إذن فالمصلحة تتحكم الأفكار والمشاعر والأنظمة في ضبطها وتبيان كونها مصلحة أو مفسدة، وهذه الأفكار تتفاوت بين إنسان وآخر، وبين زمان ومكان وآخر، فعند المسلم هذه الأفكار هي العقيدة الاسلامية، وليس العقل حتما، وعند الرأسمالي هي النفعية، والمصلحة غالبا ما لا يستطيع الانسان تحديدها بعقله، وقد يظنها مصلحة ويتبين أنها مفسدة، وقد يرى أمرا ما مصلحة له بينما يرى غيره أنه مفسدة، مع أن الأمر متعلق بالانسان كإنسان المنطلق في سلوكه من دوافعه لإشباع الغرائز والحاجات العضوية، ومن هنا كانت الحاجة للرسل كي لا يتبع الحق أهواءهم: قال تعالى:{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ(71) المؤمنون، وقال عز من قائل :"وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} 48 المائدة.

وبما أن تقدير المصلحة متفاوت وعرضة للأوهام والظنون، كان اتخاذها أساسا للحكم على الشرع، خطأ كبيرا، فالشرع لا يتطرق إليه زلل ولا خطأ، فهو من عند الله " أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً(82)" النساء، فالتعاطي مع القرآن والسنة لا يكون بالحكم عليهما أو الحكم على ما ورد فيهما بأنه يحقق المصلحة أو لا يحقق، فإن تعارض مع ما رأيناه مصلحة طرحناهما وقدمنا فهمنا القاصر وتقديرنا القاصر للمصلحة، ولكن يكون التعاطي معهما بفهمها.

فالصواب إذن في عملية التشريع الحكم على الواقع بأفكار معينة بغض النظر أكانت المصلحة التي توهمناها عقلا متحققة أم لا، فحيثما شرع الله فثم المصلحة وليس العكس، فطريقة التفكير التي تنطلق من الواقع، بالتفكير في المصلحة ابتداء ومن ثم تكييف الشرع مع ما تراءى لنا أنه مصلحة، وهو عرضة للتبدل وللأوهام والظنون، هذه الطريقة في التفكير، طريقة بعيدة عن فهم الإسلام. فهي تعتبر الواقع مصدراً من مصادر الحكم. وما هو إلا واقع يحتاج إلى حكم، والمصدر هو ما ثبت شرعاً أنه مصدر. والثبوت الشرعي هو بالأدلة الشرعية من قرآن وسنة، أو ما يرشد إليه القرآن والسنة.

وبما أن العقول تتفاوت قوة وضعفا، وبما أن الانسان لا يفتأ يتقلب في الدنيا استكشافا وفهما، وبتقدمه في رحلته هذه في الحياة تتكشف له حقائق لم تكن قد تكشفت له من قبل، كان العقل ولا شك قاصرا عن أن يقطع بأن المصلحة هنا أو أن ما قيل له أنه مصلحة هناك، فعلا هو مصلحة، فالقرآن الكريم يعلمنا أن القتال عندما شرعه الله كرهه البعض، ظنا منهم أنه ليس خيرا لهم، قال تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}(216) البقرة.

والكذب قد يحكم الانسان أنه مفسدة دوما، في حين أن الشرع أعلمنا أن الكذب في الحرب جائز، وأن الصدق في إعلام العدو مثلا بعدد المسلمين وعدتهم مفسدة أي مفسدة.

{إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ} (12)النور

روى النسائي عن‏ ‏رافع بن خديج "نهانا رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏عن أمر كان لنا نافعا وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏خير لكم" وعند أبي داود: ‏وطواعية الله ورسوله أنفع لنا وأنفع.

إن للشرع طريقة محددة في استنباط الحكم الشرعي لم تكن في يوم ولا عند فقيه معتبر قائمة على بحث المصلحة ومن ثم الحكم بالحل والحرمة، وإلا كنا رأسماليين نفعيين، بل البحث في الأدلة واستنباط الحكم منها، وهنا يكون الفقيه بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن يأخذ بحكم الله الذي وصل إليه بالاجتهاد في الأدلة والمصلحة ليس منها، فيأخذ حكم الله، أو أن يتعارض هذا الحكم مع ما ظنه مصلحة فيرمي حكم الله الحائطَ جريا وراء المصلحة فيكون اتخذ إلهه هواه.

وهنا لا بد من إدراك أمرين: أولهما أن قصر الشريعة على جلب المصالح ودرء المفاسد خطأ محض، وذلك لأنّ جلب المصالح ودرء المفاسد ليسا علة للأحكام الشرعية مطلقاً، فإنه لم يرد أي نص يدل على أن جلب المصالح ودرء المفاسد علة للأحكام الشرعية، ولا ورد أي نص يدل على أنّها علة لحكم معين ، فلا تكون علة شرعية .

خصوصا وأنهما مجهولان له على الحقيقة، وبالتالي فالحكم على تقدير المصالح عقلا يتفاوت، مما يجعل المصلحة بحد ذاتها تابعة للحكم الشرعي لا بجعل الحكم الشرعي تابعا لها.

وأمّا من قال إن جلب المصالح ودرء المفاسد علة شرعية للأحكام الشرعية وأجرى القياس بحسبها، فقد استدل بقوله تعالى: (وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين)، فجعل كونه رحمة علة للشريعة الإسلامية، ولا يكون رحمة إلاّ بجلب المصالح ودرء المفاسد، فكانت العلة الشرعية للأحكام.

وهذا الاستدلال خطأ من وجهين: الأول أن الموضوع هو إرساله أي كونه رسولاً، وليس الأحكام الشرعية، ولو سلم أن المراد من إرساله رسالته وهي شريعته فإن الموضوع يكون الشريعة كلها من عقائد وأحكام بمجموعها وليس الأحكام الشرعية وحدها. الأمر الثاني أن كون إرساله عليه السلام رحمة للعالمين إنّما هو بيان للحكمة من إرساله، أي النتيجة التي تترتب على إرساله، وذلك مثل قوله تعالى: {وما خلقتُ الجن والإنس إلاّ ليعبدون}، أي لتكون نتيجة خلقهم العبادة، فهي حكمة خلقهم وليست علة خلقهم. ومثل قوله تعالى: {ليشهدوا منافع لهم} فهو الحكمة من الحج، أي النتيجة التي قد تحصل من الحج. وقوله: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكَر} فهي الحكمة من الصلاة، أي النتيجة التي قد تحصل من الصلاة، وهكذا. فالآية هنا ليست في مقام التعليل، لأن العلة هي الشيء الذي من أجله وُجد الحكم أي شُرِّع، وحتى تُفهم العلّيّة في النص لا بد أن تكون وصفاً، وأن يكون هذا الوصف مُفهِماً العلّيّة، بمعنى سببية التشريع، أي أن التشريع كان من أجلها، وحينئذ تكون لازمة لا تتخلف، لأن السبب ينتج المسبب حتماً، ولذلك إذا وُجدت العلة وُجد المعلول. وفي قوله: {رحمة للعالمين} وبقية الآيات السابقة وإن كانت وصفاً، وفيها الحروف التي تفيد التعليل، ولكن سياق الكلام لا يفيد العلّيّة، لأنه قد يتخلف، ولأن التشريع لم يكن من أجلها. فالشريعة الإسلامية قد تكون رحمة لمن آمن وعمل بها كالمسلمين الأولين، ونقمة لمن كفر بها كالكفار. فإرسال الرسول قد كان نقمة على الكفار وهم من العالمين. وأيضاً فإن الرسالة الإسلامية موجودة اليوم. إذ الإرسال قد حصل بالفعل، ومع ذلك فإن المسلمين أنفسهم الذين آمنوا بالرسالة هم اليوم في شقاء. فلم يكن مجرد الإرسال أي مجرد وجود الشريعة رحمة، ولذلك ليست علة للإرسال. وعليه لا يكون جلب المصالح ودرء المفاسد علة شرعية، فلا تتخذ أصلاً للقياس.

وثانيا: أن على العقل أن يبحث عن علم قطعي يبين له أين المصلحة طالما أنه عاجز عن التحقق منها في كل حين، مما يجعل تقدير المصلحة قطعا من عالِم الغيب والشهادة سبحانه لا من الانسان، فما أعلمنا الله سبحانه أنه مصلحة قدرناه أنه مصلحة وإن تعارض مع أفهامنا القاصرة، ولا أدل على ذلك من تفاوت الأفهام، وتسرب النقص والضعف إليها مما يجعلها قاصرة عن بلوغ حقيقة ماهية الأشياء وتحقق المصالح فيها أو عدمه، لذا كانت القاعدة الخطأ أنه حيثما تكون المصلحة فثم حكم الله، والقاعدة الصواب هي حيثما يكون شرع الله فثم المصلحة.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }(9)الجمعة.

وقولنا هذا لا يعني أن الشرع جاء ليضر بالخلق، ولكن المصلحة الحقيقية والصلاح الذي هو مدار الشرع، لا يكون بما تقدره العقول مصلحة، ولكن بترك تقدير المصلحة إلى الله وحيثما شرعه فثم الصلاح والمصلحة.

هذا وبينما ترى الشرع ينبهنا إلى مواطن الخير والصلاح لنا خاصة ما نغفل عنه كقوله {انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (41) التوبة. ولكنه في الوقت ذاته يشرع أحكاما المصلحة ليست من ذات الحكم، فمثلا أين تجد المصلحة في رفع الاصبع في التشهد في الصلاة، أو أين المصلحة في أمره تعالى بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم؟{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}(54) البقرة. فالمصلحة في تنفيذ أوامر الله وليست بالضرورة في ذات الفعل المطلوب القيام به.

إن النصوص الشرعية من الكتاب والسنّة متعلقة بفعل معين للعبد، فهي الدليل الشرعي على حكم الشرع في هذا الفعل، وهي ليست متعلقة بالمصلحة ولا جاءت دليلاً على المصلحة. فالله تعالى حين يقول: (فرِهانٌ مقبوضة)، وحين يقول: (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه)، وحين يقول: (وأشهِدوا إذا تبايعتم) إنّما يبين حكم الرهن وحكم كتابة الديْن وحكم الشهادة عند البيع، ولم يبين أن هذه مصلحة أو ليست بمصلحة، لا صراحة ولا دلالة، ولا يؤدي النص على أن هذا الحكم مصلحة أو ليس بمصلحة لا من قريب ولا من بعيد ولا بوجه من الوجوه، فمِن أين يقال إن هذه مصالح دل عليها الشرع حتى تعتبر هذه مصلحة وبالتالي تعتبر دليلاً شرعياً؟ وأيضاً فإن العلل الشرعية جاءت كالنصوص الشرعية متعلقة بفعل العبد ودليلاً على علامة حكم الشرع في هذا الفعل، ولم تأت لتبين المصلحة ولا لتبين علامة المصلحة. فالله تعالى حين يقول: {كيلا يكون دُولة بين الأغنياء منكم}، وحين يقول: {كيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم}، وحين يقول: (المؤلَّفة قلوبهم) إنّما يبين علة توزيع المال على الفقراء دون الأغنياء بأنها لمنع تداول المال بين الأغنياء، ويبين علة تزوُّج الرسول عليه السلام بزينب رضي الله عنها بأنها لبيان إباحة تزوج امرأة الشخص المتبنى، ويبين علة إعطاء المؤلَّفة قلوبهم بأنها حاجة الدولة لتأليف قلوبهم. فلم يبين أن هذه مصلحة، وإنما يبين شيئاً معيناً هو علة لحكم معين، دون أي اعتبار للمصلحة وعدم المصلحة، بل دون أي نظر إليها لا من قريب ولا من بعيد. فمن أين يقال إن هذه العلل دل عليها الشرع حتى تُعتبر هذه المصالح دليلاً شرعياً؟ وإذا كان الشرع لم تدل نصوصه على أنها جاءت لمصلحة لا في دلالتها على الحكم ولا في دلالتها على علة الحكم فلا يجوز أن يقال إن النصوص دلت على مصالح بعينها أو على مصالح بنوعها، لأن ذلك لم يأت شيء منه في النصوص الشرعية مطلقاً. وبهذا يظهر بطلان أن النصوص الشرعية جاءت دليلاً على مصالح بعينها أو على مصالح بنوعها، فلا تعتبر هذه المصالح دليلاً شرعياً. وإذا كان هذا فيما يقولون إنه مصالح ورد نص من الشرع باعتبارها بعينها أو بنوعها فمن باب أولى أن لا تعتبر المصالح التي لم يرِد نص في الشرع يدل عليها من الأدلة الشرعية.

والحمد لله رب العالمين، يتبع ان شاء الله تعالى
كشف الغمة
لا يصلح الإنسان في أي زمان أو مكان إلا بالإسلام
الحلقة الرابعةُ
كيف يعالج الإسلام مشاكل الإنسان علاجا لا يتغير عبر الزمان والمكان




الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على محمد النبي الهادي الأمين
تناولنا في الحلقات السابقة محور العوامل التي تؤثر في سلوك الانسان، والمصلحة، وسنؤصل هنا لطريقة الاسلام في معالجة المشاكل التي تعترض الانسان في الحياة علاجا جذريا وواسعا لجميع مشاكله.

الشريعة الاسلامية، وضعت الحلول لمشاكل الناس باعتبارهم أناسا تدفعهم الطاقة الحيوية، المتمثلة بالغرائز والحاجات العضوية، لإشباع هذه الحاجات والغرائز، على نحو يضمن حسن الاشباع، فالانسان إما أن يشبع الغريزة أو الحاجة العضوية إشباعا صحيحا أو خاطئا أو شاذا، وكل فرد من أفراد هذه الحاجات العضوية أو مظاهر الغريزة يمكن أن يشبع بأحد هذه الطرائق الثلاث للاشباع، ولا يتعداها إلى غيرها، فمثلا: من مظاهرِ غريزةِ النوعِ الجنسُ، يمكن إشباع هذا المظهر إما بالزواج، أو بالزنا أو بالشذوذ، أو أن لا يشبع إطلاقا بأن يعزف المرء عنه إلى مظهر آخر من مظاهر غريزة النوع، كالانصراف عن الزوجة إلى حنان الأم، هذه هي الإمكانيات التي يمكن أن يشبع هذا المظهر لغريزة النوع من خلالها، ولا يوجد أبدا غيرها، وهنا جاءت الشريعة وبينت أن الاشباع الصحيح لا يكون إلا من خلال الزواج، والزواج علاقة الرجل بالمرأة الأجنبية عنه، فيمنع زواج المحارم، ويمنع إشباع الغريزة عن طريق الشذوذ مع ذات الجنس أو مع البهائم، ويمنع الاشباع من خلال الزنا، ويفصل الاسلام أحكام هذا كله، فيضع عقوبة للزنا سواء أكان الزاني متزوجا أم غير متزوج، ويضع العقوبات على من يقوم بالشذوذ، وبذا يكون التشريع متناولا للمشكلة من جذورها بغض النظر أتعلقت بزيد أم بعمرو، وبالتالي فكل إنسان في الدنيا يواجه دوافع تدفعه لحل مشكلة الجنس فهذه المشكلة وهذا علاجها، ومثل هذا العلاج لا يتبدل بتبدل الزمان أو المكان وهو وحده الصحيح لأنه منلدن عليم خبير، قال تعالى " ألا يعلم من خلق؟ وهو اللطيف الخبير !!"

وبالمثل، فالانسان دائما بحاجة لإشباع جوعة البطن، فجاء الاسلام وأباح كل الأشياء التي في الكون، واستثنى من هذه الاباحة أصنافا معينة فصَّلها، منها الميتة والدم ولحم الخنزير، وما إلى ذلك، فصَّل ما حرم علينا تفصيلا شاملا {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} فحيثما حل الانسان أو ارتحل يكون الخنزير حراما عليه ويكون الخمر حراما عليه، لا يتبدل ولا يتأثر بزمان أو مكان.

هذا وقد راعى الاسلام الأحوال غير الطبيعية التي يمر بها الناس، كالمجاعات والاشراف على الهلاك، فأباح ما حرم علينا في حالة الاضطرار إن ظن الانسان الهلاك إذا لم يأكل المحرم، أما إن غلب على ظنه الهلاك وأشرف عليه ففرض عليه أن يأكل من المحرم، عملا بالقاعدة الشرعية الوسيلة إلى الحرام محرمة، وهكذا فقد سد الاسلام كل ثغرة وعالج كل وضع مصاحب للانسان في سيره في الحياة، سواء أشارف على الهلاك تيها في الصحراء أم شارف عليه وهو في بيته أو في عصر الصحابة أم في قابل الزمان فالحكم لا يتغير.

وعلى الصعيد الاقتصادي مثلا، بينما نرى المفكرين الرأسماليين لا يفرقون بين النظام الاقتصادي وبين علم الاقتصاد، فالاقتصاد عندهم هو الذي يبحث في حاجات الإنسان ووسائل إشباعها، فيجعلون إنتاج السلع والخدمات التي هي وسائل إشباع الحاجات مع توزيع هذه السلع والخدمات على الحاجات بحثاً واحداً؛ وبالتالي ينطوي لديهم توزيع السلع والخدمات في بحث إنتاج هذه السلع والخدمات. وبناء على ذلك ينظرون إلى الاقتصاد نظرة واحدة تشمل المادة الاقتصادية وكيفية حيازتها، دون فصل بينهما ودون تمييز أحدهما عن الآخر؛ أي ينظرون إلى علم الاقتصاد والنظام الاقتصادي نظرة واحدة دون فرق بينهما، مع أن هنالك فرقاً بين النظام الاقتصادي وعلم الاقتصاد. فالنظام الاقتصادي هو الذي يبين توزيع الثروة وتملّكها والتصرف بها وما شاكل ذلك، وهو في بيانه هذا يسير وفق وجهة نظر معينة في الحياة.

وذلك بخلاف علم الاقتصاد، فإنه يَبحث في الإنتاج وتحسينه وإيجاد وسائله وتحسينها، وهذا عالمي عند جميع الأمم لا يختص به مبدأ دون آخر، كسائر العلوم، فالاسلام عند معالجته للاقتصاد، فصل بين النظام الاقتصادي وبين علم الاقتصاد، وبالتالي فإنه لم يحجر على تفكير البشر في إبداعاتهم في علم الاقتصاد وطريقة تحسين الانتاج مثلا، فاختراع خط الانتاج مثلا من قبيل الأمريكي فورد، سرّع في عملية إنتاج السيارات وسهلها كثيرا، فهذا الأمر عالمي وليس نابعا من وجهة النظر في الحياة وبالتالي فالاسلام يأخذه كما يأخذ نظرية فيثاغوروس في الرياضيات لأنها غير نابعة من وجهة النظر في الحياة فهي ليست خاصة باليونانيين.

وذلك بخلاف النظام الاقتصادي، فالملكيات العامة مثلا، والتعامل بالربا، أو المعاملات التي يترتب عليها حقوق مالية لا بد من ضبطها بناء على وجهة النظر في الحياة أي على العقيدة الاسلامية، من هنا فالنظام الاقتصادي الاسلامي قام بوضع قواعد تناول فيها توزيع الثروة وتملكها والتصرف بها وما شاكل بنظام ثابت لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه منلدن عليم خبير.

ومن هنا تزول الشبهة التي تدور في أذهان بعض المسلمين من موقف الاسلام إزاء تقدم البشرية في الأرض علميا وصناعيا، فالاسلام كما قلنا لا يحجر العقول ولا يمنع الابداع في مجال الأشكال المادية والصناعية والعلمية.

أما الواقع الفاسد، فقد جاءت الشريعة لتغيره تغييرا جذريا انقلابيا، فتعاملت مع الواقع لا على أساس جعله مصدر التفكير ولكن على أساس جعله محل التفكير، فالمجتمع الغارق في الفساد، لم تأت الشريعة لتلتقي معه في منطقة الوسط، بل فاصلت الجاهلية مفاصلة تامة، منطقها: {قل يا أيها الكافرون ، لا أعبد ما تعبدون ، ولا أنتم عابدون ما أعبد} ، ومنطقها: {وَلَوِاتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنفِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ} ومنطقها: وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً . وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً } الاسراء ، ومنطقها:{وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ} 88 هود.

وهنا نجد أن الاسلام ليس مسئولا عن كل المشاكل التي نتجت عن تطبيق غيره سواء الاشتراكية أو الرأسمالية، فالاسلام ليس مسئولا عن إيجاد حل مرحلي لمشكلة فرض التأمين على المسلمين إجباريا مع أنه يتناقض مع شريعتهم، وليس مسئولا عن إيجاد حل مرحلي لمشكلة الفقر التي ألجأت بعض المسلمين إلى الربا، إذ لو كان الاسلام مطبقا لمنع التأمين ولمنع الربا ولمحا الفقر، فهو لا يتخذ الواقع مصدرا للتفكير بل يغيره بمفاهيمه الجذرية الانقلابية فيمحو الكفر ويضع الاسلام موضع التطبيق فورا.

كذلك فإن الاسلام راعى في تشريعه تحقيق العبودية لله وحده، فالانسان الذي يقنن لغيره إنما ينصب نفسه إلها من دون الله، وبالتالي فالاسلام هو إخراج للعباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العالمين، وهنا تجد بعض التشريعات إنما جاءت لتختبر طاعة العباد لربهم بغض النظر أصطدمت مع مصالحهم الآنية ونظرتهم الضيقة للأمور أم توافقت معها، فالغربي يبحث عن علة لتحريم الخنزير، فلا يجد، ومقياسه النفعية وبالتالي لا يقف على حقيقة تحقيق العبودية لرب العالمين، وهي من أهم مطالب الشرع، فالتزام ما أمر الله ورسوله فيه تحقيق العبودية لله وحده وفيه تسليم له تعالى بأنه أحق بالحاكمية، وأنه وحده العليم بما يصلُح للبشر وما يُصلحهم.

وأخيرا فقد منح الشريعة ما لا يوجد في غيرها من التشريعات، فقد جعلها مقاييس مبنية على الاعتقاد، فكانت وازعا عقديا يزع الانسان للالتزام بها مخافة الله، ومحبة في الله، ورجاء في جنب الله، مما يجعل الانسان ليس بحاجة إلى قوة مصلتة عليه لتردعه ليلتزم القانون، بل تجعله يخضع لسلطان الله في السر والعلن، فلا يرى الافلات من عقوبة الحاكم في الدنيا غنيمة ولا مكسبا، فهو يعلم أن الله يراقبه، ولكنها أيضا وضعت العقوبة الحكيمة المناسبة للمخالفة لهذه الأوامر، فكانت العقوبات زواجر جوابر، تردع من تسول له نفسه التهاون في تنفيذ أوامر الله تعالى.

فهذه أمثلة ستة تضع خطوطا عريضة لطريقة الاسلام في علاج المشاكل، وهي: أن الاسلام عالج المشاكل علاجا جذريا متعلقا بجنس الانسان، وثانيها أنه راعى الظروف غير الاعتيادية والتي يظهر فيها اضطرار المسلم لما حرم عليه من مأكل ومشرب، وثالثها: تعلق نظام الاسلام بأمور معينة هي ما نبع من وجهة النظر في الحياة، وما يدخل في مفهوم الحضارة، وأما الجانب المتعلق بالمدنية فقد تركه للانسان يبدع فيه كيف شاء، ورابعها أنه لم يجعل الواقع مصدر تفكيره ولكن محل تفكير من أجل تغييره بالمفاهيم الصحيحة لا الالتقاء معه في منتصف الطريق، وخامسها تحقيق العبودية لله وحده سبحانه لأنه الحاكم وحده، وسادسها أنه وضع آلية لتطبيقها وتنفيذها تضمن التنفيذ الذاتي لها في غياب السلطان، ولكنها أيضا وضعت العقوبات الزواجر الجوابر للخارجين عليها لتضمن حسن تطبيقها.

لقد اختلف الاسلام في طريقته في حل المشاكل كليا عن القوانين الوضعية، فقد كان حلا مخالفا للتشريع الذي يحل مشاكل الناس باعتبارهم فلانا أو علانا، يريد هذا تقنينا يبيح له الزنا وذاك يبيح له الخمر، فيفصَّلُ التشريعُ على أهواء المتشرِّعين أو المحسوبين عليهم من أرباب الصناعات ورأس المال، أو على أساس المحسوبيات والنفعيات والأهواء مما يجعل التشريع قاصرا عن الصمود أياما علاوة على أن يصلح للبشرية في رحلة الحياة الدنيا.

ولقد تناولت الشريعة الاسلامية مشاكل الانسان لتنظم سلوكه، فراعت التحقق من أن يكون الحل هو الحسن وما سواه هو القبيح على الحقيقة، ولقد راعت إحقاق الحق والعدل، وضمنت أن يؤدي السلوك إلى إعمار الأرض بالعمل الصالح لا العيث في الأرض فسادا، فكان الشرع متجنبا الأهواء والمصالح الآنية الضيقة، راقيا بالانسان عن درجة البهيمية في إشباع غرائزه وحاجاته العضوية، مراعيا إنسانيته وعقله، محققا مصلحته على الحقيقة لا على التخريص، رحمةً لسائر الناس، مبنيا على نظرة صحيحة للكون والانسان والحياة قائمةٍ على حلٍ صحيحٍ للعقدة الكبرى مبنيةٍ على العقل متوافقةٍ مع الفطرة.

وعلى صعيد آخر في البحث، فإن الشريعة الاسلامية جاءت باللغة العربية، فوسعت علاج المشاكل التي كانت في زمن المصطفى صلى الله عليه وسلم، والتي ستطرأ إلى يوم الدين، فقد أكمل الله الدين، وهذا محور سنتناوله ان شاء الله في حلقة قادمة مستقلة، تتناول سعة الشريعة الاسلامية لنميز بين السعة وبين المرونة.
والحمد لله رب العالمين
كشف الغمة
لا يصلح الانسان في أي زمان أو مكان إلا بالاسلام
الحلقة الخامسة

الشريعة الاسلامية واسعة ولكنها ليست مرنة
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى،
لقد بالغت الحضارة الغربية في تقديس حرية الفرد، بحيث اتخذت من هذه الحرية محورا لتشريعاتها، فجعلت التشريع قائما على أساس تقرير الحرية أو عدمها، لكن الاسلام وهو يشرع للناس ما يعالج مشاكلهم، جعل موضع البحث أفعال الانسان، فهو لا ينظر إلى الإنسان من حيث قيامه بأفعاله على أساس الحرية أو عدمها، وإنّما ينظر على أساس أن هذه أفعال تصدر من الإنسان فما هو حكمها؟ فأنزل الأوامر والنواهي التي على الانسان القيام بالتصرفات بناء عليها، فأوجب بعضها وحرم البعض ورغب في فعل أو ترك بعضها ونص على التخيير في الأفعال الأخرى، إلا أن هذا لا يعني أنه حصر التشريع في أفعال معينة، كتحريم سرقة الذهب، ولكنه جاء بأحكام جاءت بمعانٍ عامة محددة الوصف، فتحريم السرقة يدخل تحته كل ما اعتبره الشرع سرقة، أكانت سرقة ذهب أم رغيف خبز، وأحل الله البيع، سواء أباع جلودا أم طائرات.
فالطلب المستفاد من الأوامر والنواهي جازما كان أم غير جازم، أو التخيير بين الفعل والترك، هو حكم أفعال الانسان، يفيد الخطاب أي الأوامر والنواهي لزوم الفعل أو الترك أو الإباحة أي نوع الحكم، وعليه فإن المخاطَب بالحكم هو الإنسان، ولكن محل الخطاب هو أفعال الإنسان؛ وهذا الحكم الذي خوطب به ليس إعطاءه الحرية يفعل ما يراه، ولا هو تقييد هذه الحرية، بل هو علاج كل مشكلة تقع له في هذه الحياة، أي هو بيان حكم كل فعل يصدر من الإنسان بوصفه إنساناً.
والناظر في هذه الأوامر والنواهي أي في خطاب الشارع، يجد أنه متعلق بفعل الإنسان من حيث هو إنسان، ومتعلق بأفعال موصوفة وصفاً عاماً، أي جاء بمعانٍ عامة تنطبق على كل ما يندرج تحتها؛ فالطلب والتخيير حين أعطى حلول المشاكل أي أحكام الوقائع، جعل هذا الحكم خطاً عريضاً أي معنى عاماً؛ فهو قد أعطى حكم فعل ولكنه أعطى حكم جنس الفعل أو نوعه بوصف عام، لا حكم فعل واحد أو أفعال محدودة العدد، ولذلك كان منطبقاً على كل فعل من جنسه أو من نوعه، وعلى كل ما يدل عليه الوصف العام وما يندرج تحت المعنى العام إن كان الوصف غير معلَّل، وعلى كل ما ينطبق عليه الوصف العام أو يندرج تحت المعنى العام، مع كل ما تنطبق عليه علّة الحكم للوصف إن كان الوصف معلَّلاً.
فهو يقول هذا حكم البيع أو هذا حكم خيار البيع أو هذا حكم الصرف، فيقول: (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا 275 البقرة)، ويقول: فيما رواه البخاري في باب (البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا): ‏المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار.، ويقول في ما رواه مسلم: ‏‏نهى رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏عن الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلا سواء بسواء وأمرنا أن نشتري الفضة بالذهب كيف شئنا ونشتري الذهب بالفضة كيف شئنا قال فسأله رجل فقال يدا بيد فقال هكذا سمعت.
وكذلك يقول فيما رواه أبو داود: ‏ذكر ‏ ‏عمر بن الخطاب ‏‏يوما ‏‏الفيء ‏‏فقال: ما أنا بأحق بهذا ‏ ‏الفيء‏ ‏منكم وما أحد منا بأحق به من أحد إلا أنا على منازلنا من كتاب الله عز وجل وقسم رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏فالرجل وقدمه والرجل وبلاؤه والرجل وعياله والرجل وحاجته.
فهذا حكم تقسيم الفيء، وهذه علامة على حكم تداول المال بين الأغنياء وحدهم؛ وهذا حكم مراعي الماشية، وهذه علامة حكم ما هو من مرافق الجماعة. أو هذا حكم إقطاع الدولة رعاياها مما ليس ملكاً لأحد، وهذه علامة حكم المعادن. فيقول في تقسيم الفيء على المهاجرين دون الأنصار: (مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ (7) الحشر)، ويقول فيما رواه أحمد في باقي مسند الأنصار: (المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار)، ويقول، أي النص فيما رواه الترمذي وأبو داود: ‏عَنْ ‏ ‏أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ ‏أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏فَاسْتَقْطَعَهُ ‏الْمِلْحَ‏ ‏فَقَطَعَ ‏لَهُ فَلَمَّا أَنْ ‏‏وَلَّى ‏قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمَجْلِسِ ‏ ‏أَتَدْرِي مَا ‏ ‏قَطَعْتَ‏ ‏لَهُ إِنَّمَا‏ ‏قَطَعْتَ‏ ‏لَهُ الْمَاءَ ‏‏الْعِدَّ ‏قَالَ فَانْتَزَعَهُ مِنْهُ قَالَ وَسَأَلَهُ عَمَّا ‏يُحْمَى ‏مِنْ ‏‏الْأَرَاكِ ‏قَالَ مَا لَمْ ‏ ‏تَنَلْهُ ‏ ‏خِفَافُ الْإِبِلِ فَأَقَرَّ بِهِ ‏قُتَيْبَةُ ‏وَقَالَ نَعَمْ).
ولهذا فهو أي النص أي التشريع الإسلامي هو أدلة إجمالية، وقواعد عامة، وتعاريف شرعية، وأحكام كلية أو جزئية، ينطبق على أفعال الإنسان المتجددة والمتعددة مهما تنوعت واختلفت.
ومن هنا يأتي الاستنباط من هذه المعاني العامة لكل مشكلة من المشاكل المتجددة والمتعددة للإنسان، ولهذا لا توجد واقعة حدثت إلاّ ولها محل حكم، ولا حادثة تحدث إلاّ ولها أيضاً محل حكم، ولا مشكلة يمكن واقعياً لا فرضياً أن تقع إلاّ ولها كذلك محل حكم. وقد أعطى الشارع النص على هذا الوجه وترك للعقل البشري أن يجالد ويناضل ويبذل أقصى الجهد لاستنباط أحكام المسائل المتجددة والمتعددة من هذه النصوص، وجعل الاجتهاد ليس مباحاً فحسب بل جعله فرض كفاية لا يصح أن يخلو عصر منه، وإذا خلا عصر من مجتهدين فقد أثِم كل المسلمين.
قلنا أن الإنسان في كل زمان ومكان هو الإنسان في غرائزه وحاجاته العضوية لا يتغير أبداً، فكذلك أحكام معالجاته لا تتغير والمتغير هو أشكال حياة الإنسان، فبعد ركوب الحصان أصبح يسافر في الطائرة وهذه لا تؤثر على وجهة نظره في الحياة، أما ما يتجدد من مطالب متعددة للإنسان فهو ناجم عن تلك الغرائز والحاجات العضوية، وقد جاءت الشريعة واسعة لمعالجة هذه المطالب المتجددة والمتعددة مهما تنوعت ومهما تغيرت أشكالها؛ وقد كان ذلك سبباً من أسباب نمو الفقه.
إلاّ أن هذه السعة في الشريعة لا تعني أنها مرنة بحيث تكون منطبقة على كل شيء ولو ناقضها، ولا تعني أنّها متطورة بحيث تتبدل مع الزمن، بل يعني اتساع النصوص لاستنباط أحكام متعددة، ويعني اتساع الأحكام لانطباقها على مسائل كثيرة، فمثلاً يقول الله تعالى: { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } فإن هذه الآية يستنبط منها حكم شرعي هو أن المطلقة تستحق أجرة الرضاع، ويستنبط منها حكم شرعي أيضاً أن الأجير أياً كان يستحق الأجرة إذا قام بعمله، وهذا الحكم ينطبق على مسائل عديدة منها أن موظف الحكومة، والعامل في المصنع، والفلاح في المزرعة، ومن شاكلهم يستحق كل منهم أجرته إذا أتم عمله، لأنّه أجير خاص، وأن النجار الذي عمل الخزانة، والخياط الذي خاط الثوب، ومن شاكلهم يستحق كل منهم أجرته إذا قام بعمله لأنّه أجير عام .
صحيح أن الإسلام جاء بخطوط عريضة أي معان عامة وتَرك للعقل البشري أن يستنبط من هذه المعاني العامة الأحكام الشرعية للمشاكل المتجددة كل يوم والمتعددة بتعدد الوقائع، ولكن ذلك لا يعني أن هذا مرونة وتطور فيمكن المرء أن يأخذ أي حكم يريده منها، لأنها لا تعطي إلاّ ما فيها مما دل عليه اللفظ أو المعنى الذي دل عليه معنى اللفظ ولا يعطي ما لا يُفهم دلالة في إحدى الدلالات المعتبَرة، وكذلك لا يعني أن هذه المعاني العامة تساير كل عصر وكل زمن بل يعني أن كل عصر وكل زمن يجد حلول المشاكل التي تحصل فيه في هذه الخطوط العريضة حسب وجهة النظر التي فيها وحسب ما يدل عليه منطوق جُملها أو مفهومها لا حسب العصر والزمن من وجهة نظر أو حسب ما يسود في العصر من معالجات وأحكام.
فهذا الاتساع بالنصوص لاستنباط أحكام متعددة، والاتساع بالأحكام لانطباقها على مسائل كثيرة، هو الذي جعل الشريعة الإسلامية وافية بمعالجة كافة مشاكل الحياة في كل زمان ومكان وكل أمّة وجيل وهو ليس مرونة ولا تطوراً.
إن المسلمين حين هاجمهم الغربيون بالتشريع الغربي، وتحدوا بالنظام الرأسمالي نظام الإسلام كانوا مشدوهين بالانقلاب الصناعي الهائل الذي حصل في الغرب، فانساقوا في الرد على هذا التحدي على الصعيد الخاطئ الذي وضعوه لهم وهو أن النظام الغربي يعالج المشاكل بعلاج كذا وليس في الإسلام هذا العلاج ولا مثله، فربطوا في أنفسهم العلاج الرأسمالي للمشاكل بعظمة الاختراعات والصناعات، وصاروا يبحثون في الإسلام عن علاج لهذه المشكلة كما عالجها التشريع الغربي، وهنا حصل الخلل في البحث وحصل الخلل في التفكير، فكان من جرائه حصول الخلل في الثقة في أحكام الإسلام التي يخالف علاجها علاج أحكام الغرب وتشريعه.
والاستدلال على قدرة الشريعة الإسلامية على استيعاب المستجدات، وعلى احتوائها على حكم شرعي لكل أمر طارئ يكون من خلال النصوص الشرعية الثابتة مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ. فهذه الآيات تقطع بوجود حكم شرعي لكل ما يقع، لعجز العقل البشري عن الإحاطة بالشريعة كلها.
أما الاجتهاد بمفهومه الصحيح، فهو «استفراغ الجهد في درك الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية»، فقد كان الباب الذي ينفذ منه الذهن المسلم من أجل استفادة حكم الله في القضايا والمسائل المتجددة. فإن الطريقة الشرعية التي التزمها المسلمون خلال العصور الأولى، عصور نهضتهم، في معالجة المشاكل والقضايا هي دراسة المشكلة أو المسألة على ارض الواقع دراسة عميقة دقيقة تؤدي إلى فهم حقيقة المشكلة وجوهر المسألة، وهذا ما يسمى بتحقيق المناط؛ ثم العودة إلى النصوص الشرعية أي إلى الأدلة التفصيلية المتعلقة بذلك الواقع لاستنباط الحكم أو الأحكام التي ترشد إليها تلك الأدلة، ومن ثم تطبيقها بعد ذلك على الواقع بحيث تحل المشكلة أو تعالج المسألة من خلال الوحي الذي نزل على الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، وفي هذا يغيب بالكلية أي اعتبار لموافقة التشريعات الغربية أو مخالفتها، بل لا ترد إطلاقا في الذهن.
ولم يكن دور العقل حين بحثه في المعالجات أن يكون حكماً أو مصدراً، ولو جزئياً، للأحكام التي يراد معالجة الواقع بها، وإنما كان مجرد أداة تستخدم لفهم الواقع ولفهم مراد الله من النصوص التشريعية التي نزل بها الوحي، بحيث ينطلق المجتهد مع الأدلة الشرعية بحسب مدلولها اللغوي ومدلولاتها المفهومة والمعقولة إلى حيث ترشده حتى تصل به إلى الحكم الشرعي، دون أن يكون له رأي مسبق فيما يجب أن يكون عليه الحكم الشرعي، فالنص هو الدليل وليس العقل. والعقل يتبع الدليل وليس الدليل تابعاً للعقل لأن الله تعالى و الحاكم وليس العقل إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ.
بقي أن نذكر أهمية نزول التشريع باللغة العربية بما فيها من خصب، وإمكانات وخصائص ذاتية أهمها التوسع والتأثير والانتشار، امتزجت بذات الخصائص الذاتية في الاسلام وهي التوسع والتأثير والانتشار، ففيها التصريف والإعراب، والاشتراك والمجاز والحقيقة، والتعريب والنحت والاشتقاق وما إلى ذلك مما يجعلها بحرا زخارا، ولقد برعت العرب العرباء في استعمالها وتفننت فيه حتى كان صنعتها، ويكفي أن نسوق مثلا واحدا نقف معه على قدرات هذه اللغة الضخمة التي استغلها الاسلام أحسن استغلال لتتسع لمشاكل الانسان إلى يوم الدين، وقد قال بعض علمائنا - حين ذكر ما للعرب من الاستعارة والتمثيل والقَلْب والتقديم والتأخير وغيرها من سنن العرب في القرآن فقال‏:‏ وكذلك لا يقدرُ أحدٌ من التَّراجم على أن ينقلَه إلى شيء من الألْسِنة كما نُقِل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية والرومية وترجمت التوراة والزَّبور وسائر كتب اللّه عزّ وجلّ بالعربية لأنَّ غيرَ العرب لم تتسع في المجاز اتساعَ العرب ألا ترى أنك لو أردتَ أن تنقلَ قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ وإما تَخَافَنَّ من قومٍ خيانةً فانبِذْ إليهم على سواءٍ ‏"‏‏.‏ لم تستطع أن تأتي لهذه بألفاظ مؤدِّية عن المعنى الذي أودِعَتْه حتى تبسط مجموعها وتصلَ مقطوعها وتُظهرَ مَسْتُورها فتقول‏:‏ إن كان بينك وبين قوم هُدْنة وعَهْد فخِفْت منهم خيانةً ونقضاً فأعْلمهم أنك قد نقضتَ ما شرطته لهم وآذنْهم بالحرب لتكونَ أنتَ وهم في العلم بالنَّقْض على الاستواء‏.
فلو جاءت الشريعة الاسلامية بغير اللغة العربية لاحتاجت إلى آلاف المجلدات لتعبر عن أحكامها بالتفصيل الذي وسعت العربية جميعه بقدراتها على البيان، وصدق الله العظيم إذ قال: بلسان عربي مبين.‏
كشف الغمة
لا يصلح الانسان في أي زمان أو مكان إلا بالاسلام
الحلقة السادسة

من يملك الحق في التشريع؟ الله أم البشر؟
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى
كانت الدولة في أثينا تمارس الحكم الديمقراطي، فكانت مجموعة من زعمائهم تقوم بوظيفة المندوبين فيقترح أحد هؤلاء الزعماء قانونا ويجري الاستفتاء عليه علنا في ساحة البلدة بنعم أو لا فقط من قبل بقية الناس وهم العامة، ولا يحق لأحد من العامة أن يقترح مشروع قانون، وكان عدد هؤلاء العامة لا يزيد عن عشرة في المائة من سكان أثينا أما البقية فلا يجوز لهم الاقتراع ولا يعتبرون مواطنين وهم النساء والأطفال والمحكومين والعبيد والـمَدِينـين والأجانب.
أطلق على هذا النظام كلمة الديمقراطية أي حكم الشعب بالشعب، من باب أن الشعب هو من يضع قوانينه، أي هو من يملك حق التشريع، ومع أن الديمقراطية لم تكن يوما حكم الشعب بالشعب، فها أنت ترى أن الذي يصوغ القانون أيام اليونان هو أحد الزعماء وأقلية الشعب تصوت عليه إيجابا أو رفضا، ومع أن الذي يشرع اليوم هم القانونيون في البرلمانات، ودَوْر أعضاء البرلمانات التصويت على المشروع، وهذا لا يعني بحال أن الشعب هو المشرع، بل الواضح فيه أن المشرع هو أعضاء اللجنة القانونية في البرلمانات، وثلة قليلة ممن أطلق عليهم جزافا اسم ممثلي الشعب تصوت إيجابا أو رفضا، وهذا ما يسمونه الاستبداد البرلماني، لكن السؤال الذي يطرح نفسه:
لمن الحق في التشريع؟ لله أم للبشر؟
يتفاوت الناس في قدراتهم العقلية، وفي أهوائهم وأذواقهم ونظرتهم إلى حقائق الأمور، وفي ثقافتهم وميولهم مشارب لا حصر لها تجعل إمكانية اجتماعهم على حكم معين في مسألة معينة أمرا مستحيلا، فما يراه زيد حسنا يراه عبيد متعارضا مع هواه، وما يظنه عمرو مجلبة للمنفعة يتبين له بعد حين أن المضرة تكمن في إحدى زواياه المعتمة، وفي حين أن شرب الخمر مستقبح محرم في المجتمعات المسلمة، تراه حسنا مستساغا في المجتمعات الغربية، وهكذا ترى التفاوت ما بين الناس على صعيد الأفراد كما على صعيد المجتمعات، بل وعلى صعيد المفكرين والقانونيين، مما يجعل القانون الصادر عن البشر متميزا بالقصور في الرؤية، وفي إبحاره في عالم الريبة أهو محقق للمصلحة أم هو جالب للمضرة، أهو محقق لمصلحة طائفة على حساب أخرى؟ وتراه أيضا لا يتميز بالشمول بحيث يغطي كل متعلقات المسألة المبحوثة، أو يحقق الطمأنينة والعدل لكل من يتناولهم من الرعية، مما يضطر المشرعين دوما لمراجعة الدساتير وإصدار التعديلات عليها.
ولما كان من المستحيل على الشعب كله أن يصدر الحكم في مسألة واحدة علاوة على إجماعه على دستور يحكم به كان لا بد من وضع أمر التشريع في يد مجموعة من المتشرعين والتصويت عليه، وهنا يتساوى في مسألة التصويت على مسألة اقتصادية مثلا صوت من يحمل أرفع الشهادات العلمية في الاقتصاد، من أعضاء البرلمان، مع صوت النائب في البرلمان الذي لم يتلق حظا من تعليم في الاقتصاد، مما يجعل القانون المشروع ناتجا عن رأي رؤوس تعد كما تعد الخراف لا نتاج أخذ لرأي أهل العلم والاختصاص، لأن آلية التشريع الديمقراطية تتطلب مشرعين قانونيين يصوغون القانون ومن ثم عد الرؤوس!!
ألا ترى هنا أن مسألة متعلقة بأمر فني الأصل فيها رأي أصحاب الاختصاص فقط، عرضت على التصويت لتقر بناء على رأي أناس ليسو من أهل الاختصاص، فقط لأن النظام البشري الوضعي القاصر لم يتنبه لهذه المسألة وترك آلية التشريع عامة في كل القوانين بلا تفريق بين طبيعتها؟
إن المقصود من إصدار الحكم هو تعيين موقف الإنسان تجاه الفعل، هل يفعله أم يتركه أو يخيَّر بين فعله وتركه، وتعيين موقفه تجاه الأشياء المتعلقة بها أفعاله، هل يأخذها أم يتركها أم يخيَّر بين الأخذ والترك. وتعيين موقفه هذا متوقف على نظرته للشيء، هل هو حَسَن أم قبيح أم ليس بالحسن ولا بالقبيح. ولهذا كان موضوع الحكم المطلوب هو الحُسْن والقُبْح. فهل الحُكم بالحُسن والقُبح هو للعقل أم للشرع؟ إذ لا ثالث لهما في إصدار هذا الحكم.
مثلا مشكلة التعامل بالربا، لا بد أن يكون لدى المشرع رأي يتناول القضية من جوانب ثلاثة: من ناحية واقعها ما هو، ومن ناحية ملاءمتها لطبع الإنسان وميوله الفطرية ومنافرتها لها، ومن ناحية المدح على فعلها والذم على تركها أو عدم المدح وعدم الذم، أي من ناحية الثواب والعقاب عليها أو عدم الثواب وعدم العقاب. وذلك لأننا قررنا سابقا أن الانسان السوي لا بد أولا أن يحل العقدة الكبرى وأن يوجد مفاهيم عن الحياة يسير بها أفعاله إلى جنب مفاهيمه عن الأشياء، وبالتالي فلن يقتصر في حكمه على التصرف إزاء الأشياء على ملاءمة الطبع ولا على واقعها فقط، إذ لا بد من النظام الذي يترتب عليه ثواب وعقاب، مدح أو ذم!! وقلنا أن هذا النظام هو الذي يميز الانسان الراقي المتحضر عن الراكض وراء غرائزه!!
فأمّا الحكم على الأشياء من الجهة الأولى وهي من ناحية واقعها، ومن الجهة الثانية وهي ملاءمتها للطبع ومنافرتها له، فلا شك أن ذلك كله إنّما هو للإنسان نفسه، أي هو للعقل لا للشرع؛ فالعقل هو الذي يحكُم على الأفعال والأشياء في هاتين الناحيتين، ولا يحكم الشرع في أي منهما، إذ لا دخل للشرع فيهما، وذلك مثل العلم حَسَن والجهل قبيح، فإن واقعهما ظاهر منه الكمال والنقص، وكذلك الغِنى حَسَن والفقر قبيح، وهكذا؛ ومثل إنقاذ الغرقى حَسَن وأخذ الأموال ظلماً قبيح، فإن الطبع ينفر من الظلم ويميل لإسعاف المشرِف على الهلاك، وكذلك الشيء الحلو حَسَن والشيء المر قبيح، وهكذا.
فهذا كله يرجع إلى واقع الشيء الذي يحسه الإنسان ويدركه عقله، أو يرجع إلى طبع الإنسان وفطرته، وهو يشعر به ويدركه عقله؛ ولذلك كان العقل هو الذي يحكم عليه بالحُسن والقُبح وليس الشرع، أي كان إصدار الحكم على الأفعال والأشياء من هاتين الجهتين هو للإنسان؛ فالحاكم فيهما هو الإنسان.
وأما الثواب والعقاب على الفعل وتحقق أن الفعل فعلا يحقق المصلحة، وأنه يصلح للتطبيق على كافة البشر في كل زمان ومكان فليس للعقل ولكن لله.
وهنا نتناول الحديث منطلقين من محاور ثلاثة: أولها: أن الحاكمية لله تعالى وبالتالي يعتبر إعطاء حق التشريع لغير الله عبادة له من دون الله تعالى.
وهنا نقول بأن العقول يستحيل أن تجمع على قانون واحد وبالتالي لا بد من وضع أمر التشريع في يد المتشرعين وهذا يعني أننا إما أن نكون أمام قانون وضعه مجموعة قليلة من الناس وإما ان نكون أمام تشريع إلهي، فلسنا هنا نقول أن العقل هو المشرع من باب أن كل إنسان يشرع لنفسه ولكن من باب أن يخضع الانسان إلى حكم خمسة أو عشرة من أمثاله من بني البشر لهم ما له من النقص والقصور، وتتنازع أحكامهم عين الأهواء والميول والحكم الظني على ماهية الأشياء وبالتالي القصور عن وضع العلاج الصحيح الناجع للمشاكل أو التوصيف الدقيق لماهية الأشياء، أو أن يسلم بحكم الله تبارك وتعالى.
وثانيها: الحكم الذي يصدره العقل بالحسن والقبح على الأشياء والأفعال تعروه النظرة القاصرة، وبالتالي هو حكم ظني بأن المصلحة في الفعل أو في تركه، والقادر الوحيد على تحديد المصلحة الحقيقية هو الشارع، المحيط بالغيب والشهادة، وقد أسهبنا في الحديث عنه عندما تناولنا علاقة المصلحة بالتشريع فارجع إليها.
أما وأن العقل قاصر عن الوصول إلى التحسين والتقبيح بشكل قطعي لأن التحسين والتقبيح على الحقيقة شرعيان فقط، كان وضع أمر التحسين والتقبيح في يد البشر انتحارا، وها أنت ترى المتشرعين في الشرق والغرب يتخبطون في إصدار القوانين وتعديلها وترى العجب العجاب، فمنهم من يشرع بزواج مثلي الجنس، ومنهم من يشرع قوانين تخص ( إسرائيل ) غير القوانين التي تخص المسلمين في مشاكل ظاهرها واحد.
وثالثها: أن العقول تتفاوت في تقدير التحسين والتقبيح على نحو فظيع، فالعلم حسن، ولكن من الناس من يرى أن تعلم الفلسفة حسن ومنهم من يراه قبيحا، ومنهم من يحكم على أكل لحم الخنزير بأنه حسن ومنهم من تعافه نفسه ويحكم عليه بالقبح، ولأن التشريع لا يتناول فقط توصيف العلم بالحسن أو القبح ولا توصيف الأكل بالضرورة أو لا، بل يتناول الفرعيات أيضا، كان التفاوت في الحكم على الفرعيات حتميا، وهذا التفاوت يجعل الحكم الصادر موافقا لعقل بعض الناس منافرا لعقول الباقين، مما يجعل السؤال ذاته مطروحا: أفيخضع الجميع لقانون يسنه خمسة من المتشرعين أم يخضعون لتشريع الله تعالى؟
ولحم الخنزير حرمه الشارع، سواء عرفنا العلة التي كانت الباعث على تشريع الحكم أم لم نعرفها، سواء أكان طعام الخنزير من المستقذرات أم من الطعام المعقم النظيف، لا يغير الواقع هذا الحكم الشرعي في شيء، لأن الحكم الشرعي لم يأت ليضع حلولا يرضاها عقل الانجليزي أو الفرنسي حتى تأخذ تذكرة دخول لنادي القوانين التي يستنبط منها المشرعون للقوانين الوضعية أحكامهم، بل الشارع بين لنا أحيانا الباعث على التشريع، وأحيانا دلنا على بعض الحكم التي تقف وراء تشريع حكم ما، وأحيانا جعل التشريع اختبارا لنا يختبر فيه حسن التزامنا بأوامره وانتهائنا عن نواهيه، فليس المطلوب إذن من الحكم الشرعي أن يرضي الأذواق حتى يصلح للتطبيق، بل الطريقة الصحيحة الوحيدة في التفكير إزاء هذه الأحكام هي التفكير في الكون والانسان والحياة تفكيرا مستنيرا يوصل المتفكر إلى وجود الخالق سبحانه وتعالى، ومن ثم ينطلق المتفكر ليتساءل عن الكون المخلوق وصلته بالخالق، ليصل إلى صلة التنظيم وحاجة الخلق والانسان إلى رسل يبلغونه أوامر الله ونواهيه، تلك التي بها وحدها يصلح عمران الكون وخلافة الانسان في الأرض، كيف لا وهي الأوامر والنواهي التي جاءتنا منلدن عليم خبير، ألا يعلم من خلق؟ وهو اللطيف الخبير؟
ألا ترى أن أي صانع مخترع لآلة هو الأقدر على وضع برنامج صيانتها وطريقة تشغيلها؟ ولله المثل الأعلى، فكيف إذن بالعقول القاصرة عن إدراك حقيقة الواقع إدراكا لا يتطرق إليه شك، يحيط بدقائق الأمور وبما مضى وما هو آت ليضع العلاج الناجع للمشاكل التي تعترض الانسان!
لرب قائل يقول: فما بال الأحكام الشرعية ظنية في أغلبها على العلاج الرباني في المسألة؟ ومن هنا كان اختلاف الفقهاء في تحديد حكم الله في المسألة الواحدة على رأيين غالبا؟ أوليس هذا فرارا من أمر إليه؟
نقول: الفرق بين ما يشرعه الله تعالى وما يشرعه البشر حيث أن الظن يدخل في التشريع أحيانا أمران:
مرجعية البشر لا تستند إلى مرجح بأنها قريبة من المصلحة أو أنها في غاية البعد عنها، بينما المرجعية في التشريع الالهي يغلب الظن أنها تفضي إليها وطالما أن النص يحتمل فالشارع يقرر فيه أن المصلحة متحققة في كلتا الحالتين، إذ ليس بالضرورة أن تكون المصلحة في أحدهما دون الآخر قطعا، وقد قررنا سابقا أن المصلحة كل المصلحة في اتباع أمر الله وتذكروا هنا حديث رافع بن خديج رضي الله عنه.
ومن ثم فإن أغلب التشريع جاء في صورة المحكم فالسرقة والزنا والخمر وكل ما ثبت بالقطع أحكام تؤلف القسم الكبير من التشريع، وقد أطلق على قسم كبير منها مسمى: ما علم من الدين بالضرورة.
ثم إن التحسين من جانب البشر لا يعني أن تحسينهم قد اصاب الصواب، فالقتل هو القتل قد يكون مستحسنا في حالات كقتل القاتل أو قتل العدو وقد يكون غير مستحسن إن كان بغير حق، وقد يعتبر البعض بعقولهم قتل القاتل أمرا مستنكرا، فأين القدرة على بلوغ الصواب؟
المجتمع البشري ليس مسرحا للتجارب في قضية العدل تلك القضية التي قامت عليها السموات والأرض:
"يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ" (28)ص
من هنا كان حق التشريع لله تعالى وحده، والأدلة النقلية على هذا الأمر أكثر من أن تحصى.
والحمد لله رب العالمين
كشف الغمة
جزى الله عنا الأخ خير الجزاء ، وجعل ما كتبه في ميزان حسناته اللهم آمين
أبو مالك
بسم الله الرحمن الرحيم

لا يصلح الانسان في أي زمان أو مكان إلا بالاسلام
الحلقة السابعة
اليوم أكملت لكم دينكم




الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
كثيرا ما نسمع قول بعض المسلمين، وهم يستنبطون الحكم الشرعي في مسألة ما يقولون: فيما لا نص فيه، ونسمع آخرين يقولون: المصالح بالنسبة لشهادة الشرع ثلاثة أنواع: مصالح شهد لها الشرع بالاعتبار، ومصالح شهد لها الشرع بالبطلان، ومصالح مرسلة لم يشهد لها نص بالاعتبار أو البطلان، ونسمع طائفة ثالثة تقول: هذا مما يقع في دائرة العفو التي سكت الشرع عن بيان حكمها، وبالتالي يجعلون هذه المداخل ونظائرها مولجا يدخلون فيه حكم العقل لتُبنى عليه أفعال معينة.

وبالتدقيق نجد أن هذا كله قائم على أساس غير صحيح، يتعارض صراحة مع نصوص القرآن والسنة، التي بينت أن الدين اكتمل، وأنه لا يوجد أمر إلا وتعرضت له شريعتنا.

فاعلم يرحمك الله أنه لا يوجد في الدنيا شيء ولا يوجد فعل إلا وقد بيّنت شريعتنا حكمه، قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} وقال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا}. وهذا البيان للأحكام قد يكون صريحاً بتسمية الشيء وتسمية حكمه كتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، وقد يكون هذا البيان بنص عام مثل: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} فيدخل كل شيء في الأرض تحت عموم هذا النص أنه مباح لنا إلا ما جاءت نصوص أخرى تستثنيه، وقد يكون هذا البيان بنصب علامة وهي العلة، فحيث وجدت العلة ينطبق الحكم بالقياس.

إن القول بأن شريعتنا لم تتعرض لبعض الأمور يعني أن الشريعة ناقصة، وهذا قول مردود قطعاً.
مَسْأَلَةٌ: وَالدِّينُ قَدْ تَمَّ فَلَا يُزَادُ فِيهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ وَلَا يُبَدَّلُ. قَالَ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} وَقَالَ تَعَالَى: { لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ } وَالنَّقْصُ وَالزِّيَادَةُ تَبْدِيلٌ. وقَدْ بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدِّينَ كُلَّهُ وَبَيَّنَ جَمِيعَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ تَعَالَى {وَإِنَّك لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ}.

وَحُجَّةُ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ قَامَتْ وَاسْتَبَانَتْ لِكُلِّ مَنْ بَلَغَتْهُ النِّذَارَةُ مِنْ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ وَبَرٍّ وَفَاجِرٍ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الْغَيِّ} وَقَالَ تَعَالَى: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مِنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}.
ولا يقال ان هناك امور حدثت لم تكن في ايام الرسول ولا كانت من قبل ولم يأت بها حكم فيجوز اخذها لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه البيهقي في سننه الكبرى عن عمرو بن دينارٍ قالَ: قلتُ لـجابرِ بنِ زيدٍ: إِنَّهُمْ يزعمونَ أَنَّ رسولَ الله نَهَى عن لـحومِ الـحُمُرِ الأهلـيةِ زَمَنَ خَيْبَرَ، قالَ: قَدْ كانَ يقولُ ذلكَ الـحَكَمُ بنُ عمرٍو عن رسولِ الله صلَّـى الله علـيهِ وسلَّـم، ولَكِنْ أَبَى ذلكَ البحرُ يعنـي ابنَ عباسٍ، وقَرَأَ {قُلْ لاَ أَجِدُ فِـي مَا أُوْحِيَ إِلَـيَّ مُـحَرَّمًا} الآيةَ. وقد كانَ أهلُ الـجاهلـيةِ يتركونَ أشياءَ تَقَذُّراً، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَـى كِتَابَهُ وبَـيَّنَ حَلاَلَهُ وحَرَامَهُ، فما أَحَلَّ فهو حلالٌ، وما حَرَّمَ فهو حرامٌ، وما سكتَ عنهُ فهو عفوٌ، ثم تَلاَ هذِهِ الآيةَ {قُلْ لاَ أَجِدُ فِـي مَا أُوْحِيَ إِلَـيَّ مُـحَرَّمًا عَلَـى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَـحْمَ خِنْزِيرٍ}. فقد أخرجَ البخاريُّ أَوَّلَهُ فـي الصحيح عن علـيِّ ابنِ الـمَدْينِـيِّ عن سفـيانَ.

ولو عَلِـمَ ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النبـيَّ حَرَّمَهُ تـحريـماً، لـم يَصِرْ إلـى غيرِهِ، إلاَّ أنهُ لَـمْ يَعْلَـمْهُ. انتهى، وهذا ينبيك عن فهم ابن عباس رضي الله عنهما للحديث بأن ما سكت عن تحريمه الشرع فهو عفو، ولم يفهمها على أن المسألة لا حكم فيها، فما لم يعلم دليل التحريم يبقى على أصله من الإباحة.
وقول الرسول لايعني ان ما سكت عنه الشرع بمعنى لم يبينه، فحاشا لله ان يكون كذلك لان الشرع لم يسكت عن اشياء لم يبين حكمها، ‎بل بين الشرع حكم كل شيء فما من واقعة الا ولها حكم ولا من حادثة الا ولها محل حكم ولا يحق لمسلم ان يقول ان الشارع سكت عن شيء ولم يبين حكمه
بعد ان يقرأ قوله تعالى {‎اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا} وقوله تعالى {‎وانزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} فلا يحق لاحد من المسلمين ان يذهب إلى ان تكون بعض الوقائع خلوا من الحكم الشرعي، لا يحق لاحد من المسلمين ان يذهب الى ذلك لانه بهذا يطعن في الشريعة بانها ناقصة، ويبيح تحكيم غير الشرع مخالفا بذلك قوله تعالى {‎فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما} و "ما" صيغة من صيغ العموم، واذا كان الشرع لم يأت بالحكم واخذ المسلم حكما لم يأت به الشرع فقد حكم غير الشرع وهو لا يجوز .

‎ومعنى الحديث ان الرسول صلى الله عليه وسلم يخاطب الصحابة فيقول لهم ما جاء النص به خذوه ولا تسألوا عن غيره حتى لا يحرم عليكم، فهو من قبيل قوله عليه السلام فيما روى الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللّهِ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللّهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا» فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ؟ يَا رَسُولَ اللّهِ فَسَكَتَ. حَتَّىٰ قَالَهَا ثَلاَثاً. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ : «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ. لَوَجَبَتْ. وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ». ثُمَّ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ. فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَىٰ أَنْبِيَائِهِمْ. فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ. وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ». وزاد في صحيح ابن حبان: وذكرَ أَنَّ هٰذِه الآية التي في المائدةِ نزلتْ في ذٰلك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} (المائدة:101).
فيكون معنى "‎ما سكت عنه" اي ما لم ينه عنه، فلا تسألوا عنه فقد عفا الله به ورفعه عنكم
فلا تثقلوا على انفسكم ولا تبحثوا عنه .

بدليل ان نص الحديث كاملا قد قال فلا تبحثوا عنها فان النص هو: عن أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: (إن اللَّه تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدّ حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها) حديث حسن رواه الدارقطني وغيره.

فالمراد النهي عن البحث عنها وليس المراد ان هناك امورا لم يبين الله حكمها. وفي فتح الباري: وقد أخرج مسلم وأصله في البخاري كما تقدم في كتاب العلم من طريق ثابت عن أنس قال: كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، وكان يعجبنا أن يجيء الرجل الغافل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع، فذكر الحديث ومضى في قصة اللعان من حديث ابن عمر ” فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها ”. ولمسلم عن النواس بن سمعان قال: أقمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة بالمدينة ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم ” ومراده أنه قدم وافدا فاستمر بتلك الصورة ليحصل المسائل خشية أن يخرج من صفة الوفد إلى استمرار الإقامة فيصير مهاجرا فيمتنع عليه السؤال. انتهى

واما الاستدلال بقاعدة "‎الاصل في الاشياء الاباحة" فانها خاصة بالاشياء لا بالافعال فالاشياء التي في الكون مباحة لنا بعمومات القران {‎وخلق لكم ما في الارض جميعا} {كلوا واشربوا} وغير ذلك من النصوص فالاصل فيها الاباحة لعموم النصوص فاذا حرم شيء لا بد من نص على تحريمه لان عموم الاباحة يشمل كل شيء فاستثناؤه بالتحريم من العموم يحتاج الى نص يستثنيه ومن هنا كان "‎الاصل في الاشياء الاباحة".
أما الافعال فالاصل فيها التقيد بخطاب الشارع، فاذا جاء الشارع باباحته كان مباحا واذا لم يأت الشارع باباحته لا بد من البحث عن حكمه في الادلة الشرعية فليس الاصل في الافعال الاباحة بل التقيد بالحكم الشرعي .

أما قولهم فيما لا نص فيه، فاعلم أننا مأمورون باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، قال تعالى: {قل إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني يُحببكم الله}، والرسول لا يأتي بشيء إلا من الوحي {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}{قل إنما أُنذركم بالوحي}، فنحن مأمورون باتّباع ما جاء به الوحي، ومفهومه أننا منهيّون عن اتّباع غير ما جاء به الوحي، أي عن اتّباع غير الرسول، فالحكم المستنبط الذي قالوا أنه لا نص عليه، ووضعوا له حكما من غير دليل شرعي، هو سبيل لدخول أمر من غير طريق الوحي في الدين، هو باطل، ويكفي هذا لإسقاط ما استنبط على أساس هذا الفهم من اعتبار الشرع. ولأن عدم ورود دليل من الشرع يدل على مسألة يعني نقص الشريعة، ويعني أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبين للناس ما نزل إليهم، ويتناقض مع قوله تعالى : تبيانا لكل شيء، ويتناقض مع إكمال الدين، ومع قوله تعالى: قد تبين الرشد من الغي، فخلو أمر عن حكم شرعي يعني أن الرشد لم يتبين، وأن حجة الله على خلقه غير قائمة في أمور معينة، مما يتناقض مع قوله تعالى: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مِنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}. وهذا كافٍ لردها، لأن الحكم المراد أخذه حكم الشرع لا حكم العقل، فلا بد لاعتباره من الشرع أن يَرِد دليل يدل عليه، والحكم الشرعي خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد، وليس خطاب العقل ولا الأهواء ولا المصالح، فما لم يرد عن طريق الشارع لا يعتبر حكما شرعيا، (قل إنما أنذركم بالوحي) وإنما صيغة حصر.
وقال سبحانه: {إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}.

وقد يتبادر إلى الذهن مسألة تنظيم شؤون السير فيقال أنها من الأمور التي لم تتعرض لها الشريعة بحل أو حرمة، فإنّا نقول: بل تعرضت له الشريعة بالحل. إذ أنه من المعلوم أن السير في الطرقات من الأمور المباحة والطرقات هي من الأماكن العامة، ويباح للسائر أن يمشي عن يمين الطريق أو عن شمالها، ويباح له أن يختار هذا الطريق أو ذلك. وهذا الواقع كان جارياً أمام الرسول صلى الله عليه وسلم وأقره، ويوجد في آداب الطريق أحاديث كثيرة. فإذا رأى الإمام أن ينظم السير بمنع بعض المباح وبالإلزام ببعضه الآخر كان له ذلك، لأن الشريعة أمرت بطاعة ولي الأمر ما لم يأمر بمعصية. فتكون الشريعة قد بيّنت أن ولي الأمر أمره مطاع في تنظيم المباحات، وبيّنت أن السير في الطرقات هو من المباحات، فيكون هذا المثل قد تعرضت له الشريعة وبيّنت حكمه بجلاء، فلا يصح لأحد أن يقول بأن الشريعة لم تتعرض له.

إن الله تعالى خاطب نبيه بقوله: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} وبقوله:{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ} وهذه الآيات حصرت الحكم بما أنزل الله. فإذا علمنا أن ما أنزله الله كافٍ وافٍ فهمنا أنه لم يبق مجال للحكم بغير ما أنزل الله، ولا اتخاذ غير ما أنزل الله حاكما على أفعال العباد.
والحمد لله رب العالمين.
يتبع ان شاء الله تعالى


المكتب الاعلامي لحزب التحرير
أبو مالك
لا يصلح الانسان في أي زمان أو مكان إلا بالاسلام الحلقة الثامنة:
ما جعل عليكم في الدين من حرج:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
روى الإمام البخاري رحمه الله عن عروةَ قال: «حَج علينا عبدُ اللهِ بن عمرو فسمعته يقول: سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: إنَّ اللهَ لايَنزعُ العلمَ بعدَ أن أعطاكموه انتزاعاً ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناسٌ جُهالٌ يستفتون فَيُفتون برأيهم فَيُضِلُّون ويَضِلُّون».
لا يخفى على من اشتم رائحة الفقه، علاوة على من كان من المجتهدين، أن للاسلام طريقة محددة واضحة في استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، فالمجتهد عليه أولاً أن يلاحظ حين استنباط الأحكام وحين تبنيها فهم الواقع والفقه فيه أي تحقيق المناط، فلا بد له من أن يتفهم حقيقة الحادثة أو الواقعة أو الشيء الذي يريد بيان الحكم الشرعي بشأنه، ثم فهم الواجب في معالجة هذا الواقع من الدليل الشرعي وهو فهم حكم الله الذي حكم به في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر، أي أن الحكم الذي جاء من الشرع، قد عُرِف دليله وعُرِفت علته، ولكن هل ينطبق على هذا الشيء بذاته أم لا؟ فالنظر في انطباق الحكم المعروف دليله وعلته على فرد من الأفراد هو تحقيق المناط، فمناط الحكم هو الناحية غير النقلية في الحكم الشرعي، والمراد به الواقع الذي يطبق عليه الحكم الشرعي؛ فإذا قلت: الخمر حرام، فإن الحكم الشرعي هو حرمة الخمر، فتحقيق كون الشراب المعين خمراً أم ليس بخمر ليتأتى الحكم عليه بأنه حرام أو ليس بحرام هو تحقيق المناط، فتنظر مثلا إلى واقع النبيذ لترى تحقق الاسكار فيه لتنزل عليه حكم الخمرة أي الحرمة، وبعبارة أخرى أن يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله في هذا الواقع.
وبعد أن يقف عليه ينتقل لفهم النقليات أي لفهم النص الشرعي أو النصوص الشرعية المتعلقة بالموضوع، المراد استنباط الحكم منها لتلك الحادثة أو الواقعة أو الشيء، أو لفهم الحكم الشرعي المراد تطبيقه على تلك الحادثة أو الواقعة أو الشي.
ولا يدخل في هذه الطريقة لا من قريب ولا من بعيد مسألة التيسير أو التخيير بين أحكام شرعية متعلقة بذات الموضوع، فمثلا لو أن مجتهدا توصل بعد أن درس مسألة نقض الوضوء من لمس المرأة، إلى أنه ينقض، وتوصل آخر بعد أن درس المسألة بأدلتها أنه لا ينقض، لا يصح أن يتحول أي منهما عن الاجتهاد الذي وصل إليه بحجة الأسهل أو رفع الحرج، لأنه يكون حكم الله في حقه وفي حق من قلده، ولا يجوز له وهو يقوم بالاجتهاد أن يجعل التسهيل أو التيسير مؤثرا على الحكم المستنبَطِ لأنه بذا لا يكون باحثا في حكم الله في المسألة بل في حكم أهوائه أو أهواء الناس وهذا حرام قطعا.
لا ريب أن الدين يسر، وأنه لم يأت ليجعل على المسلمين حرج، وهذا في ذات الدين، أي في ذات الأحكام الشرعية، فمثلا الصلاة يسر، فهي خمسة أوقات لا خمسين، والحج مرة في العمر، وكفارة من واقع في رمضان على الترتيب منوطة بالاستطاعة: تحرير رقبة فصيام شهرين متتابعين، فإطعام ستين مسكينا، وهذا كله من رحمة الله ومن تيسيره على عباده، أما لو جاء مفت ورأى أن الناس يستثقلون من الصلاة وأفتى بقصرها على ثلاث من باب رفع الحرج أو التيسير، أو أفتى بأن ينتقل المرء في كفارته من صيام الشهرين المتتابعين إلى الإطعام وهو قادر، بحجة التيسير، فإنه يكون قد حرف الدين واتخذ نفسه مشرعا من دون الله، ويكون في الوقت نفسه قد أقر بأن الحكم الشرعي المستنبط من الأدلة التفصيلية يسبب الحرج، فيناقض نص القرآن بأن الله ما جعل علينا في الدين من حرج، فيقع فيما يفر منه.
يقول رب العزة سبحانه: « يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ » البقرة 185، وقال «لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا» « وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» الحج 78، وقال «مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰ» أي تنهك نفسك بالعبادة وتذيقها المشقة الفادحة، كما قال الشنقيطي في أضواء البيان، وقال الزمخشري: أي ما يكلفها إلاَّ ما يتسع فيه طوقها، ويتيسر عليها دون مدى الطاقة والمجهود، وهذا إخبار عن عدله ورحمته، لقوله {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} لأنه كان في إمكان الإنسان وطاقته أن يصلي أكثر من الخمس، ويصوم أكثر من الشهر، ويحج أكثر من حجة. انتهى
من هنا فمخطئ من ظن أن معنى قوله تعالى: لا يكلف الله نفسًا إلا وُسعَها، يظن أن له هو أي للمكلَّفِ أن يُقدِّرَ أن هذا التكليفَ في وسعِهِ أو في غيرِ وسعهِ، فينتقلُ منه إلى غيره بحجَّة أنه في غير وسعه، بل الآية حجةٌ عليه، فرب العالمين يقول: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، أي لم يكلفِ اللهُ نفسًا تكليفًًا إلا وهذا التكليفُ في وسعها، لذا أَتبَعها بقوله: لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، فالتكليف في وسعها، فإن اتبعت كسبت خيرا وإلا فإثمُ عدمِ التقيدِ بالتكليفِ محسوبٌ عليها، وقد علمنا أن رب العالمين سبحانه، لما علم عدم طاقة بعض الناس القيام ببعض التكاليف في أحوال مخصوصة، فإنه خفف عنهم ورخص لهم، فقد قال تعالى: « ومَنْ كانَ مَرِيضا أوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَر» فمن لم يكن مريضا أو على سفر فهو مطيق للصيام فلا يتأتى له القول بحال من الأحوال أن التكليف ليس في طاقته، ولا عذر له، ومن يسر عليه بالسماح له بالإفطار فإنه يقر له بأن التكليف الأصلي فيه حرج، ويناقض قول رب العالمين: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فيقول لله: بل هذا كلفته ما لا يطيق، ويرد على الله حكمه، فأي شيء أشنع من هذا وأبغض؟
ولقد ابتُـليَ المسلمون في هذا العصر بمن يصف الالتزام بالحكم الشرعي على أنه تزمت، أو حنبلية، أو تشدد، وأصولية، وهذا فيه قلة أدب مع الله، إذ أن التزام شرعه هو الخير كل الخير، والتحلل من هذا الالتزام هو الضياع والضلال، كما ابتُليَ المسلمون بمن يتكؤ على هذه الآيات – جهلا بدلالاتها - وعلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: عن عائشة ‏رضي الله عنها‏ إذ قالت ما خير رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، رواه البخاري، وما رواه البخاري رحمه الله: عن أنسٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «يَسِّروا ولا تُعَسِّروا، وبَشِّروا ولا تُنَفِّروا» وفي رواية في البخاري وعند أحمد: « وَاسْكُنُوا وَلا تُنَفِّرُوا » ورواه النسائي في باب: التخول بالموعظة!.
جاء في المنتقى شرح الموطأ: يحتمل أن يريد بذلك ما خيره الله عز وجل بين أمرين من الأعمال مما يكلفه أمته إلا اختار أيسرهما وأرفقهما بأمته، ويحتمل أن يريد ما خيره الله تعالى بين عقوبتين ينزلهما بمن عصاه وخالفه إلا اختار أيسرهما، ...ويحتمل أن يريد به جميع أوقاته، وذلك بأن يخيره بين الحرب وأداء الجزية فإنه كان يأخذ بالأيسر فقبل منهم الجزية، ويحتمل أن يريد به أن أمتَهُ المؤمنينَ لم يخيروه بين التزام الشدة في العبادة وبين الأخذ بما يجب عليهم من ذلك إلا اختار لهم أيسرهما رفقا بهم ونظرا لهم وخوفا أن يكتب عليهم أشقهما فيعجزوا عنها.‏
وقوله ما لم يكن إثما إن كان المخيِّر هو الله تعالى فإنه استثناء منقطع، لأن الباري تعالى لا يخير بين الإثم والطاعة، وإن كان المخير له الكفار والمنافقون ممن بعث إليهم فيكون استثناء متصلا، ويكون معناه إلا أن يكون أيسر الأمرين اللذين خير فيهما إثما فإنه يكون أبعد الناس منه ولا يختاره، وإنما يختار الأيسر إذا خير بين جائزين مشروعين وإن كان المخيِّر له المؤمنون من أمته فالظاهر أنه استثناء منقطع، لأنهم أيضا لا يخيرونه بين التزام فعل طاعة والتزام فعل معصية، ويجوز على بعد أن يكون استثناء متصلا بمعنى أن يخيروه بين التزام ما يجوز والتزام ما لا يجوز، وهم يعتقدونه مما يجوز فيكون أبعد الناس من أن يبيح لهم ما لا يجوز بل يبين لهم المنع منه ويحذرهم من إتيانه ويعدل بهم إلى الجائز، وإن شق ذلك عليهم . انتهى
وقال ابن حجر في الفتح: ( بين أمرين ): ‏أي من أمور الدنيا، يدل عليه قوله "ما لم يكن إثما" لأن أمور الدين لا إثم فيه، ‏وقوله "ما لم يكن إثما" ‏‏أي ما لم يكن الأسهل مقتضيا للإثم فإنه حينئذ يختار الأشد. انتهى
وقال في عون المعبود شرح سنن أبي داود: ‏قال القاضي : ويحتمل أن يكون تخييره صلى الله عليه وسلم هاهنا من الله تعالى فيخيره فيما فيه عقوبتان أو فيما بينه وبين الكفار من القتال وأخذ الجزية أو في حق أمته في المجاهدة في العبادة أو الاقتصاد وكان يختار الأيسر في كل هذا؛ قال وأما قولها ما لم يكن إثما فيتصور إذا خيره الكفار والمنافقون فأما إن كان التخيير من الله تعالى أو من المسلمين فيكون الاستثناء منقطعا كذا في شرح مسلم للنووي. ‏انتهى
فكما ترى المسألة متعلقة بالتشريع، وقت التشريع، فالرسول صلى الله عليه وسلم يختار الأيسر إن خير بين أمرين، فإن وقع اختياره ثبت الحكم الشرعي وأصبح على ما اختاره في تلك الواقعة إلى يوم القيامة، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم خير في بعض الأمور واختار، ولم يخير في غيرها، فكيف يضع مفت نفسه في مقام من يتخير في كل أمر من أمور الشرع، فيجعل قاعدة التيسير عامة تعم كل حكم شرعي، وقد كانت لرسول الله بأبي هو وأمي، في بعض الأحكام فقط قبل تشريعها، فإن شرعت، وجب التقيد بها دون الحيدة عنها.
ومعلوم أن التشريع اكتمل، وبالتالي فالحكم الشرعي ثبت، فمن حاد عنه إلى حكم الهوى والعقل والمصلحة خاب وخسر.
وأما ما يتصور من التيسير على الناس بالسماح لهم بفهم معين طالما أن النص يحتمله، فهذا أيضا تحكيم للهوى، لأنه صحيح أن النص يحتمل الفهم، فمثلا يحتمل النص أن اللمس ينقض الوضوء ويحتمل أنه لا ينقضه، وإلا لما وقع الخلاف، ولكن المجتهد عليه أن يرجح الفهم الأرجح للنص بقطع النظر عن الواقع، وبغض النظر عن الشدة واليسر، ومن ثم ينزل الحكم على الواقع.
أما قوله عليه السلام «بشروا ولا تنفروا » فقد قال في عون المعبود: (بشروا) ‏‏أي الناس بقبول الله الطاعات وإثابته عليها وتوفيقه للتوبة من المعاصي وعفوه ومغفرته ‏‏(ولا تنفروا) ‏‏: بتشديد الفاء المكسورة أي لا تخوفوهم بالمبالغة في إنذارهم حتى تجعلوهم قانطين من رحمة الله بذنوبهم وأوزارهم ‏‏(ويسروا) ‏‏: أي سهلوا عليهم الأمور من أخذ الزكاة باللطف بهم ‏‏(ولا تعسروا) ‏‏: أي بالصعوبة عليهم بأن تأخذوا أكثر مما يجب عليهم أو أحسن منه أو بتتبع عوراتهم وتجسس حالاتهم . انتهى
ولرب طارحٍ شبهة بأن الكثير من المسلمين بعيدون عن الالتزام بالاسلام وأحكامه، فإن خففنا عنهم جذبناهم لجانب الدين، بدلا من أن نشق عليهم فينحرفوا، وكأني بهؤلاء يقولون أولا أن الاسلام فيه حرج على العباد، فيناقضون ما تقدم من آيات، وكأني بهم يتقربون إلى المبتعدين عن الاسلام بإبعادهم عنه، ولعمري أي شيء هذا الذي فيه إباحة للحرام من أجل جلب مبتعد عن الالتزام ليقترب من جهة الاسلام!! فكأنك تقول له لا تبتعد عن الاسلام وسأفصل لك إسلاما خاصا بك! وكفى بها جريمة!
وبعد فإن ديننا دين يسر، ما فيه من حرج، وإن الالتزام به هو الضامن لسعادة وطمأنينة الناس، فلا يضعن أحد نفسه في موضع المشرع ليرد على الله أحكامه ويفصل للناس دينا يناسب أهواءهم، ولْيبحث عن سبب بعد المبتعدين عن الالتزام، في غير نفس الأحكام لأنها سهلة، وإنما كان الابتعاد عن الالتزام بها نتيجة حتمية لعدم تطبيق الاسلام في الأرض، فالمسلمون في غربة في ديارهم عن دينهم، يعيشون واقعا ممعنا في البعد عن الله، فلا يكون إصلاح أحوالهم بمزيد من الابتعاد بل بأن تحل المشكلة من جذورها بإقامة دولة الخلافة التي تضع الأحكام موضع التطبيق فورا، فيلتزم بها المسلمون وتعين الضال أو الشارد منهم على الالتزام بتوفير الأجواء الصحية له لتقوى نفسيته وعقليته.
يتبع إن شاء الله تعالى
أبو مالك
لا يصلح الإنسان في أي زمان أو مكان إلا بالاسلام
الحلقة التاسعة
لا حكم قبل ورود الشرع




الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى
ثمة فرقٌ هائلٌ بين ما اختلف فيه الأصوليونَ في القديمِ وبين ما يُروَّجُ له من فقه حديثا، متكئٍ على فهمٍ معْوجٍّ لطروحات الأقدمين، عن سبق إصرار وترصد، بغية الوصول بالمسلمين اليوم إلى فقه غامض، لا ملامحَ له إلا صُفرةً تعلو وجهه، ولا هُويةَ له إذ أنه رجْعٌ لإملاءاتِ الغرب في حملته الهادفة إلى قلع الاسلام من جذوره، عماده وتَكُؤَتُهُ تدميرُ كل علاقة بالنص والانعتاق من النص وحتى من دلالاته والانفلات منها إلى عالم لا تحكمه إلا مصالحُ قاصرةٌ يتصورُها عقلُ المفتي أو المستفتي.

فأصبح شعار كل مفتٍ منهم وأول استدلالاته القول بمقاصد الشريعة، وروح النص، والفهم العقلي لمراد الشارع، والوسطية التي هي نقيض المغالاة، وأصبح الالتزام بحرفية النص: تشددا ومغالاة وجهلا، ومن ثم أفضى بهم هذا الفقه إلى الغرق في مستنقع الواقع الآسن، ولك أن تتصور أي فقه سيخرج من هكذا أجواء!

ولكن من الواجب علينا دوما أن نتذكر البديهيات التي استنبطها علماء الأصول من القرآن والسنة، لتكون حاجزا بيننا وبين الوقوع في شراكِ مغالطاتِ فقهاء الواقع والأقليات والوسطية والأولويات والمصالح.

وأول هذه البديهيات أن العقل ليس بمشرع، إذ الحكم لله تعالى وحده، وقد بتتنا في هذه القضية في الحلقة السادسة، وبالتالي فلا شك أن من واجب الانسان أن ينتظر حكم الله في المسألة ليعمل وفقا له.

وثاني هذه البديهيات أن الانسان مكلف، ومعنى أنه مكلف أي أنه سيحاسب على أعماله، وقد قال رب العزة سبحانه في أجمع ما جاء في القرآن الكريم: « فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ».

فلننظر في فعل الصدقة على الفقراء مثلا، لنرى أن الكافر إذا تصدق فإن جزاءه على أفعاله هو « وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ» (39) النور، بينما نفس هذا الفعل من المؤمنين يتقبله الله تعالى، ويجزي عليه خير الجزاء، فما الذي جعل نفس الفعل مقبولا عند الله من المؤمن، وعده هباء بالمقابل للكفار وهو نفس الفعل: « مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ » (18) إبراهيم؟

لا شك أن تقويم الفعل لا يكون بمجرد أنه حسن أو قبيح من منظور البشر، بل لا بد أن يكون حسنا أو قبيحا بمنظور الشارع، فما حسنه الشارع فهو الحسن، وما قبحه الشارع فهو القبيح، وإلا كان من المفروض أن يتساوى جزاء من قام بنفس الفعل، مسلما كان أم كافرا لولا أن الشارع حسن الفعل بناء على إثابته عليه، وجعل فعل الكافر بلا ثواب عليه في الآخرة.

ورب العالمين سبحانه يبين في غير موضع من القرآن أن وجودنا في الدنيا، وخلق الموت والحياة إنما هو ليبلونا أينا أحسن عملا، وحتى يكون العمل حسنا لا بد فيه من إخلاص القصد لله، وأن يكون موافقا للشرع، مستمدا من الشرع، ولهذا كان أئمة السلف رحمهم الله يجمعون هذين الأصلين كقول الفضيل بن عياض في قوله تعالى « لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً » الملك (2) قال: أخلصه وأصوبه، فقيل: يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، وإذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة.

ثم إن رب العالمين سبحانه أمرنا باتباع الشرع وحده، فقال عز من قائل: « اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ » (3) الأعراف، « قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاء إِذَا مَا يُنذَرُونَ » (45)الأنبياء، « وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ » (7)الحشر، « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً» (59) النساء، « فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31) وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى (32) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (33) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (35) أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى» (36) القيامة « إنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ » 57 الأنعام، 40 يوسف، 67 يوسف، « وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ » (10) الشورى.

يقول الشوكاني في إرشاد الفحول (ص6): «ولا خلاف في كون الحاكم هو الشرع وذلك بعد البعثة وبلوغ الدعوة»، ويقول الغزالي في المستصفى (ص40): «والمحكوم فيه هو فعل المكلّف ولا حكم قبل ورود الشرع والعقل معرِّف للحكم وليس بحاكم»، وقال النووي رحمه الله في المجموع شرح المهذب، في كتاب الطهارة: وَكُتُبِ الْمَذْهَبِ أَنَّ أَصْلَ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَمْ التَّحْرِيمِ أَمْ لَا حُكْمَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ ؟ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ مَشْهُورَةٍ الصَّحِيحُ مِنْهَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ لَا حُكْمَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ وَلَا يُحْكَمُ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي شَيْءٍ يَفْعَلُهُ بِتَحْرِيمٍ وَلَا حَرَجٍ ، وَلَا نُسَمِّيهِ مُبَاحًا لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالتَّحْرِيمِ وَالْإِبَاحَةِ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ ، فَكَيْفَ يَدَّعِي ذَلِكَ قَبْلَ الشَّرْعِ . وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ سَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالشَّرْعِ ، وَأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُثْبِتُ شَيْئًا.

وقال صاحب حاشية العطار: (وَلا حُكْمَ ) مَوْجُودٌ (قَبْلَ الشَّرْعِ) أَيْ الْبَعْثَةِ لِأَحَدٍ مِنْ الرُّسُلِ لِانْتِفَاءِ لَازِمِهِ حِينَئِذٍ مِنْ تَرَتُّبِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا كُنَّا مُعَذَّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} أَيْ وَلَا مُثِيبِينَ فَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الثَّوَابِ بِذِكْرِ مُقَابِلِهِ مِنْ الْعَذَابِ الَّذِي هُوَ أَظْهَرُ فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى التَّكْلِيفِ وَانْتِفَاءِ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْخِطَابُ السَّابِقُ بِانْتِفَاءِ قَيْدٍ مِنْهُ وَهُوَ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ (بَلْ الْأَمْرُ) أَيْ الشَّأْنُ فِي وُجُودِ الْحُكْمِ ( مَوْقُوفٌ إلَى وُرُودِهِ ) أَيْ الشَّرْعِ.

وقال الشاطبي رحمه الله في الموافقات 4 / 200: والأصل في الأعمال قبل ورود الشرائع سقوط التكليف ، إذ لا حكم عليه قبل العلم بالحكم، إذ شرط التكليف عند الأصوليين العلم بالمكلف به. انتهى

أمر آخر ينبغي الوقوف بين يديه، وهو أن القائلين بالمصالح المرسلة، كمصدر من مصادر التشريع، أمام واحدة من اثنتين: فإما أنه لا دليل على المسألة من الشرع –زعموا – وبالتالي يبحثون لها عن حكم عقلي محض، فكيف يسمى مثل هذا الحكم: بالحكم الشرعي؟ وكيف يتسق هذا الفهم مع إقامة الحجة على الناس؟ « رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً » (165) النساء، وقوله تعالى « أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى » القيامة 36، وكيف سيترتب على القيام بهذا الفعل ثواب من الله أو عقاب منه؟ أيعاقب الله من خالف رأي فلان من الناس؟

والثانية: أن يكون الدليل على المسألة ما قالوا به من مقاصد الشريعة العامة، أو الأدلة الكلية، وهنا لا تغدو المسألة مرسلة من الدليل، لأنها وقعت تحت دليل كلي، فمن هذا الدليل ينبغي أخذ حكمها، على تفصيل سيأتي ان شاء الله في حلقة قادمة.

ويكفي رد ذلك كله بما روي عن‏ ‏عائشة ‏قالت ‏قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏من ‏أحدث‏ ‏في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ‏رد. رواه مسلم وقال النووي رحمه الله في شرحه: ‏وفي الرواية الثانية : ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) قال أهل العربية: ( الرد ) هنا بمعنى المردود، ومعناه: فهو باطل غير معتد به، ‏وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات، ‏وفي الرواية الثانية زيادة وهي أنه قد يعاند بعض الفاعلين في بدعة سبق إليها، فإذا احتج عليه بالرواية الأولى يقول: أنا ما أحدثت شيئا فيحتج عليه بالثانية التي فيها التصريح برد كل المحدثات، سواء أحدثها الفاعل، أو سبق بإحداثها،... ‏‏‏وهذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات، وإشاعة الاستدلال به .انتهى.

وبالتالي فالحكمُ المستندُ إلى العقلِ المرسلُ عن الدليلِ، ردٌ لأنه إحداثٌ في أمرنا ما ليس منه أي ليس مستنبطاً منه، والعمل بناء على هذه الفتيا، عمل ليس عليه أمرنا وبالتالي فهو رد أي باطل.
وقال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21].

يقول الامام النبهاني رحمه الله في الشخصية الاسلامية الجزء الثالث: وكذلك لا يقال إن الأصل في الأفعال والأشياء الإباحة بحجة أنها انتفاع خالٍ من أمارة المفسدة ومضرّة المالك فتُباح. لا يقال ذلك لأن مفهوم الآية أن الإنسان مقيَّد بما جاء به الرسول لأنه يعذب على مخالفته، فصار الأصل اتباع الرسول والتقيّد بأحكام رسالته، وليس الأصل الإباحة أي عدم التقيّد، ولأن عموم آيات الأحكام تدل على وجوب الرجوع إلى الشرع ووجوب التقيّد به، قال تعالى: (وما اختلفتُم فيه مِن شيء فحُكمُه إلى الله)، وقال: (فإن تنازعتُم في شيء فردّوه إلى الله والرسول)، وقال: (ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء)، ولأن الرسول يقول: (كل أمرٍ ليس عليه أمرُنا فهو رَدّ)، فهذا يدل على أن الأصل هو اتباع الشرع والتقيّد به.

.... وأيضاً فإنه بعد ورود الشرع صار للأشياء وللأفعال أحكام، فالأصل أن يُبحث في الشريعة عن الأشياء والأفعال هل يوجد لها أحكام أم لا، لا أن يكون الأصل اعتبارها مباحة ووضع حكم الإباحة لها من العقل مباشرة، مع وجود الشرع.

وكذلك لا يقال إن الأصل في الأشياء التوقف وعدم الحكم. لأن التوقف يعني تعطيل العمل أو تعطيل الحكم الشرعي، وهو لا يجوز، ولأن الثابت في القرآن والحديث عند عدم العلم، السؤال عن الحكم، وليس التوقف وعدم الحكم، قال تعالى: (فاسألوا أهل الذِكر إن كنتم لا تعلمون)، ولقوله صلى الله عليه وسلم في حديث التيمّم: (ألا سألوا إذا لم يعلموا، فإنّما شفاء العيّ السؤال)، فدل على أنه ليس الأصل التوقف وعدم الحكم. وعليه فإنه بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم صار الحكم للشرع وأضحى لا حكم قبل ورود الشرع، فيُتوقف الحكم على ورود الشرع، أي على وجود دليل شرعي للمسألة الواحدة، ولذلك لا يعطى حكم إلاّ عن دليل، كما لا يعطى حكم إلاّ بعد ورود الشرع. والأصل أن يُبحث عن الحكم في الشرع، أي الأصل أن يُبحث عن الدليل الشرعي للحكم، من الشرع.

... هذا بالنسبة للأفعال، أمّا بالنسبة للأشياء وهي متعلقات الأفعال، فإن الأصل فيها الإباحة ما لم يَرِد دليل التحريم، فالأصل في الشيء أن يكون مباحاً ولا يحرم إلاّ إذا ورد دليل شرعي على تحريمه. وذلك لأن النصوص الشرعية قد أباحت جميع الأشياء، وجاءت هذه النصوص عامة تشمل كل شيء، قال تعالى: (ألم ترَ أن الله سخّر لكم ما في الأرض)، ومعنى تسخير الله للإنسان جميع ما في الأرض هو إباحته لكل ما في الأرض، وقال تعالى: (يا أيها الناس كُلوا مما في الأرض حلالاً طيباً)، وقال: (يا بني آدم خُذوا زينتكم عند كل مسجد وكُلوا واشربوا)، وقال: (هو الذي جعل لكم الأرض ذَلولاً فامشوا في مناكبها وكُلوا من رزقه). وهكذا جميع الآيات التي جاءت في إباحة الأشياء جاءت عامة، فعمومها دل على إباحة جميع الأشياء، فتكون إباحة جميع الأشياء جاءت بخطاب الشارع العام، فدليل إباحتها النصوص الشرعية التي جاءت بإباحة كل شيء. فإذا حرم شيء فلا بد من نص مخصص لهذا العموم يدل على استثناء هذا الشيء من عموم الإباحة. ومن هنا كان الأصل في الأشياء الإباحة.

ولذلك نجد الشرع حين حرّم الأشياء قد نصّ على هذه الأشياء بعينها استثناء من عموم النص، فقال تعالى: (حُرِّمت عليكم المَيْتَة والدم ولحم الخنزير)، وقال عليه السلام: (حُرِّمت الخمرة لعينها)، فيكون ما نص عليه الشرع من تحريم أشياء، هو مستثنى من عموم النص، فهو على خلاف الأصل. والأصل إباحة جميع الأشياء. انتهى

وعليه فلا حكم قبل ورود الشرع، وأي حكم صادر عن العقل في مسائل الشرع خال من الدليل رد.
والحمد لله رب العالمين
يتبع ان شاء الله تعالى







المكتب الاعلامي لحزب التحرير
أبو مالك
لا يصلح الإنسان في أي زمان أو مكان إلا بالاسلام الحلقة العاشرة
الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها!
لقد غاص المسلمون وحتى وقت قريب في لجة بحر الظلمات إلى ظلمة تراكبت فوقها الظلمات بعضها فوق بعض إن أخرج أحدهم يده فيها لم يكد يراها، تغشاهم أمواجه موجة فوق موجة، من لم يجعل الله تعالى له نورا فما له من نور، نسأل الله تعالى أن يكون ما نراه من تباشير نهوض المسلمين، إنما هو من باب تدارك الله تعالى للمسلمين ليخرجهم من الظلمات إلى نور الهداية وفقا لمنهجه وشرعه.
في هذه اللجة أصبح للمتفننين المتفانين في خدمة الغرب الكافر في حملته الشعواء على الاسلام ميدانهم الفسيح الذي يقومون فيه بتحميل النصوص غير محملها، وإنزالها على وقائع غير ما نزلت فيه، أو الاتيان بالضعيف المتروك من الأحاديث، ليبنوا عليه قواعد يضربون بها المحكم الذي لا تشابه فيه!
ذلك المحكم الذي روى الدارمي والترمذي في سننه فيه ‏عن ‏‏الحارث ‏قال دخلت المسجد فإذا أناس يخوضون في أحاديث فدخلت على ‏علي فقلت ألا ‏‏ترى أن أناسا يخوضون في الأحاديث في المسجد فقال قد فعلوها قلت نعم قال أما إني سمعت رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏يقول ‏‏ستكون فتن قلت وما المخرج منها قال كتاب الله كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو ‏الفصل ‏‏ليس بالهزل هو الذي من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله فهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا يشبع منه العلماء ولا ‏‏يخلق ‏‏عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه. انتهى
ومن هذه النصوص التي ركضت في ميدانها خيول المرجفين اليوم قاعدةُ: الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها، فقد سحبوها إلى أن جعلوها قاعدة من قواعدهم التي اجترأوا فيها على إدخال ضلالات النظام الرأسمالي ومن قبله الاشتراكي في الاسلام، وجعلوها تكُؤتهم التي يتكئون عليها في التوفيق بين الاسلام وبين الكفر، بحجة أن الحكمة ضالة المؤمن!!
يُروى هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنن الترمذي وابن ماجة وابن حبان وابن القيسراني في تذكرة الحفاظ، وذخيرة الحفاظ، ومشكاة المصابيح والسخاوي في المقاصد الحسنة وفي الفتح الكبير وفي الدرر المنتثرة، ومسند الشهاب وكلها روايات من طريق ابراهيم ابن الفضل المدني المخزومي، وقد قال فيه علماء الرجال: ضعيف الحديث متروك ليس حديثه بشيء، فهي كلها روايات ضعيفة متروكة.
وروي أيضا في إحدى روايتيه في جامع الأحاديث والمراسيل وكنز العمال عن طريق ابراهيم بن الفضل أيضا، ورواه ابن القيم في مفتاح دار السعادة وقال فيه له شواهد.
وفي فيض القدير نسب إلى الحسن رضي الله عنه، وروي عن ابن عمر رضي الله عنه موقوفًا على أنه قال: (خُذِ الحكمة ولا يضرك من أي وعاء خرجت).
جاء في كتاب كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من أحاديث عند الناس: ورواه الترمذي والعسكري والقضاعي أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفي سندهم إبراهيم بن الفضل ضعيف فلفظ العسكري والقضاعي: كلمةُ الحكمةِ ضالةُ كل حكيمٍ فإذا وجدها فهو أحق بها، ولفظ الترمذي: الكلمةُ الحكيمةُ ضالةُ كل مؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها، وقال غريب، ورواه العسكري أيضا عن أنس رفعه بلفظ العلم ضالة المؤمن حيث وجده أخذه.
ورواه أيضا عن ابن عباس من قوله بلفظ خذوا الحكمة ممن سمعتموها فإنه قد يقول الحكمة غير الحكيم وتكون الرمية من غير رام، وهذا عند البيهقي في المدخل عن عكرمة بلفظ خذ الحكمة ممن سمعت فإن الرجل يتكلم بالحكمة وليس بحكيم فيكون كالرمية خرجت من غير رام، وعنده أيضا عن سعيد بن أبي بردة قال كان يقال الحكمة ضالة المؤمن، يأخذها حيث وجدها، وعن عبد الله بن عبيد بن عمير قال كان يقال العلم ضالة المؤمن يغدو في طلبها، فإن أصاب منها شيئا حواه حتى يضم إليه غيره. انتهى
فكما ترى، فالنص هذا يتردد بين أن يكون حديثا ضعيفا متروكا، وبين أن ينسب إلى أحد الصحابة تارة أو أن يقال على التمريض كما في الرواية عن سعيد بن أبي بريدة إذ قال: كان يُقال: الحكمة ضالة المؤمن، فكأنما يعني أنها من الأمثال التي كانت مشتهرة أو معروفة، وقد نسب القول: العلم ضالة المؤمن كلما أصاب منه شيئا حواه وابتغى ضالة أخرى. إلى عبد الله بن عبيد لا إلى رسول الله عليه سلام الله!
المطلب الأول: المسلم يقيس ما يسمع من أقوال إلى كتاب الله وسنة رسوله، ويرمي بما عارضهما عرض الحائط: روى البخاري رحمه الله عن أبي السَّوّارِ العدويِّ قال: «سمعتُ عِمرانَ بن حُصينٍ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: الحياءُ لا يأتي إلاّ بخير. قال بُشيرُ بن كعب: مكتوبٌ في الحكمة: إنَّ من الحياءِ وَقاراً وإنَّ من الحياءِ سَكينة. فقال له عِمرانُ: أُحدِّثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدِّثني عن صَحيفتِك»؟
وفي رواية مسلم: أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ حَدَّثَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي رَهْطٍ مِنَّا. وَفِينَا بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ. فَحَدَّثَنَا عِمْرَانُ يَوْمَئٍذٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ : «الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ» قَالَ أَوْ قَالَ: «الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ» فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَوِ الْحِكْمَةِ أَنَّ مِنْهُ سَكِينَةً وَوَقَارا لله، وَمِنْهُ ضَعْفٌ، قَالَ: فَغَضِبَ عِمْرَانُ حَتَّى احْمَرَّتَا عَيْنَاهُ. وَقَالَ: أَلاَ أُرَانِي أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَتُعَارِضُ فِيهِ؟ قَالَ فَأَعَادَ عِمْرَانُ الْحَدِيثَ. قَالَ فَأَعَادَ بُشَيْرٌ. فَغَضِبَ عِمْرَانُ. قَالَ: فَمَا زِلْنَا نَقُولُ فِيهِ: إِنَّهُ مِنَّا يَا أَبَا نُجَيْدٍ إِنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ.
وبذا نقول بملء الفم: إن أي تشريع وضعي أو أي نظام يراد أخذه من الغرب أو الشرق، إنما يكون على حساب نظام وتشريع رباني، فنسأل الباحث عن الحكمة عند روسو وفولتير وآدم سميث وماركس: أنحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثونا بحكم أصحابكم!!
المطلب الثاني: للحكمة في الشرع معانٍ واضحةٍ منها: السنة أو القرآن الكريم والحكمة إصابة فهمه:
قال تعالى: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ (151)البقرة، قال الطبري في تفسيره: { وَيُعَلِّـمُكُمُ الْكِتَابَ } وهو الفرقان، يعنـي أنه يعلـمهم أحكامه، ويعنـي بـالـحكمة: السنن والفقه فـي الدين. وقال تعالى:
وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً (34)الأحزاب، قال القرطبي رحمه الله: قال أهل العلم بالتأويل: «آيَاتِ اللَّهِ» القرآن. «وَالْحِكْمَة» السنة.
روى البخاري ‏عن‏ ‏ابن عباس ‏قال ضمني رسول الله‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏وقال‏ ‏اللهم علمه الكتاب. قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وللنسائي والترمذي من طريق عطاء عن ابن عباس قال: دعا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أوتى الحكمة مرتين، فيحتمل تعدد الواقعة، فيكون المراد بالكتاب القرآن وبالحكمة السنة.
وفي سنن الدارمي ‏حدثنا ‏ ‏ثابت بن عجلان الأنصاري ‏‏قال ‏كان يقال ‏إن الله ليريد العذاب بأهل الأرض فإذا سمع تعليم الصبيان الحكمة صرف ذلك عنهم ‏قال ‏‏مروان ‏يعني بالحكمة القرآن.
وفي سنن الدارمي ‏عن ‏‏ابن أبي نجيح ‏عن‏ ‏مجاهد: يؤتي الحكمة من يشاء: قال ‏ ‏الكتاب يؤتي إصابته من يشاء.
وقال السندي في شرحه على ابن ماجة: ‏قوله (علمه الحكمة) ‏‏قيل المراد بالحكمة معرفة حقائق الأشياء والعمل بما ينبغي وهو المذكور في كتاب الله تعالى وقيل الظاهرأن يراد بها السنة لأنها قرنت بالكتاب قال تعالى {ويعلمهم الكتاب والحكمة {.
المطلب الثالث: الحكمة الفهم الصحيح للدين، يأتي على لسان الحكيم أو المنافق ولأخذه مقياس مهم:
ورد في سنن أبي داود باب لزوم السنة: ‏عن ‏ ‏ابن شهاب ‏أن ‏‏أبا إدريس الخولاني عائذ الله ‏أخبره أن ‏ ‏يزيد بن عميرة ‏ ‏وكان من أصحاب ‏معاذ بن جبل ‏أخبره قال ‏كَانَ لَا يَجْلِسُ مَجْلِسًا لِلذِّكْرِ حِينَ يَجْلِسُ إِلَّا قَالَ اللَّهُ حَكَمٌ‏‏ قِسْطٌ ‏‏هَلَكَ‏ ‏الْمُرْتَابُونَ‏ ‏فَقَالَ ‏‏مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ‏يَوْمًا ‏إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ فِتَنًا يَكْثُرُ فِيهَا الْمَالُ وَيُفْتَحُ فِيهَا الْقُرْآنُ حَتَّى يَأْخُذَهُ الْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَالْعَبْدُ وَالْحُرُّ فَيُوشِكُ قَائِلٌ أَنْ يَقُولَ مَا لِلنَّاسِ لَا يَتَّبِعُونِي وَقَدْ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ مَا هُمْ بِمُتَّبِعِيَّ حَتَّى أَبْتَدِعَ لَهُمْ غَيْرَهُ فَإِيَّاكُمْ وَمَا ابْتُدِعَ فَإِنَّ مَا ابْتُدِعَ ضَلَالَةٌ وَأُحَذِّرُكُمْ ‏زَيْغَةَ ‏‏الْحَكِيمِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ عَلَى لِسَانِ الْحَكِيمِ
وَقَدْ يَقُولُ الْمُنَافِقُ كَلِمَةَ الْحَقِّ قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِمُعَاذٍ ‏مَا ‏يُدْرِينِي رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ الْحَكِيمَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ وَأَنَّ الْمُنَافِقَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الْحَقِّ قَالَ بَلَى اجْتَنِبْ مِنْ كَلَامِ الْحَكِيمِ الْمُشْتَهِرَاتِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا مَا هَذِهِ وَلَا ‏ ‏يُثْنِيَنَّكَ ‏ذَلِكَ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ أَنْ يُرَاجِعَ وَتَلَقَّ الْحَقَّ إِذَا سَمِعْتَهُ فَإِنَّ عَلَى الْحَقِّ نُورًا.
فليس كل كلام يتشدق به أي حكيم إذن يسمى بالحكمة، فلا بد من أن يوافق الحق، وأن يقاس إلى الحق، أي إلى الكتاب والسنة ليؤخذ، وإياكم وما ابتُدع ، فقد كفيتم!!!!
وفي سنن الدارمي ‏عن‏ ‏المهاصر بن حبيب‏ ‏قال ‏قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم: ‏قال الله تعالى‏ ‏إني لست كل كلام الحكيم أتقبل ولكني أتقبل همه وهواه فإن كان همه وهواه في طاعتي جعلت صمته حمدا لي ووقارا وإن لم يتكلم. صدق رسول الله.
وقد علمنا أن الله لا يتقبل من كافر أي شيء، وبذا نحصر أخذ الحكمة بالمسلمين.
روى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: قَالَ وَحَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: إِنَّ هٰذَا الْعِلْمَ دِينٌ. فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ.!
وورد في كتاب جامع الأحاديث والمراسيل: قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «انْظُرُوا مَنْ تُجَالِسُونَ وَعَنْ مَنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ، فَإنَّ الشَّيَاطِينَ يَتَصَوَّرُونَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فِي صُورَةِ الرجَالِ، فَيَقُولُونَ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا، فَإذَا جَلَسْتُمْ إِلَىٰ رَجُلٍ فَسَلُوهُ عَنِ اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَعَشِيرَتِهِ فَيَفْقِدُونَهُ إِذَا غَابَ» ورواه الديلمي عن ابن مسعود.
جاء في فتح القدير للشوكاني: (إن هذا العلم) الشرعي الصادق بالتفسير والحديث والفقه وأصول الدين وأصول الفقه ويلحق بها آلاتها (دين فانظروا) أي تأملوا (عمن تأخذون دينكم) أي فلا تأخذوا الدين إلا عمن تحققتم كونه من أهله.
قال الرازي في التفسير الكبير: عن مقاتل أنه قال: تفسير الحكمة في القرآن على أربعة أوجه أحدها: مواعظ القرآن، قال في البقرة231:{ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ }
يعني مواعظ القرآن ...وثانيها: الحكمة بمعنى الفهم والعلم، ومنه قوله تعالى: { وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً }
[مريم: 12] وفي لقمان 12{ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَة } يعني الفهم والعلم وفي الأنعام 89
{ أُوْلَـٰئكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ }، وثالثها: الحكمة بمعنى النبوّة في النساء 54
{ فَقَدْ ءاتَيْنَا ءَالَ إِبْرٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ } يعني النبوّة، وفي صۤ 20{ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْحِكْمَةَ وفصل الخطاب } يعني النبوّة، وفي البقرة 251{ وَآتَـٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ }
ورابعها: القرآن بما فيه من عجائب الأسرار في النحل 125{ ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ بِٱلْحِكْمَةِ }
وفي هذه الآية { وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا } وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم.
جاء في لسان العرب: والحِكْمَة ُ عبارة عن معرفة أَفضل الأَشياء بأَفضل العلوم... الحُكْمُ: العِلْمُ والفقه؛ قال اللَّه تعالى: (وآتيناه الحُكْمَ صَبِيّاً ) ِ أَي علماً وفقهاً ... أقول: فإن كان ما يقوله الحكماء متعلقا بأمر بت فيه الشرع بتّـته وقضى قضاءه فلا حكم بعد الشرع ولا حكمة من أفواه المجانين الذين لم يعقلوا سبب وجودهم في الحياة وتنكروا لخالقهم!! أوَيُعد أولئك القوم: حكماء! إن هذا لشيء عجيب!
وقال في اللسان: الحُكْمُ: العِلْمُ والفقه والقضاء بالعدلِ وهو مصدر حَكَمَ يَحْكُمِْ .... والعرب تقول: حَكَمْتُ و أَحْكَمْتُ وحَكَّمْتُ بمعنى مَنَعْتُ ورددتِ ومن هذا قيل للحاكم بين الناس حاكِمٌِ لأَنه يَمْنَعُ الظالم من الظلم... قال الأَصمعي: أَصل الحكومة رد الرجل عن الظلمِ قال: ومنه سميت حَكَمَة ُ اللجام لأَنها تَرُدُّ الدابة؛ ... الحِكْمَة ُ: العدل: ورجل حَكِيمٌ: عدل حكيم و أَحْكَمَ الأَمر: أَتقنه... انتهى، فالحكمة من هذا الباب أخذ بزمام الأمور تجاه تحقيق العدل وإحقاق الحق، وقد علمنا قطعا أن أي تشريع غير شرع الله إنما هو مؤذن بالظلم والفساد في الأرض، فكيف يعد حكمة تبتغى عند أهلها أنى كانوا؟
روى البخاري رضي الله عنه عن قَيسِ بنِ أبي حازِمٍ قال: سمعتُ عبدَ اللّهِ بنَ مَسعودٍ قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لا حَسَدَ إلاّ في اثْنتينِ: رَجلٌ آتاهُ اللّهُ مالاً فسُلِّطَ على هَلَكَتِهِ في الحقِّ، ورَجُلٌ آتاهُ اللّهُ الحكمةَ فهُوَ يَقْضي بها ويُعَلِّمُها»
فالخلاصة إذن أنه لو صح القول بأن المؤمن يبتغي الحكمة أنى وجدها فهي إن تعلق بما شرع، عرضه على الحق فإن وافقه أخذ ما شرع وإلا نبذها ظهريا، وإن تعلقت بالعلوم الدنيوية كالفيزياء والطب أخذها من مظانها، وقد يكون المقصود مجرد ما يقوله البلغاء من جميل القول مما تجمع من خبراتهم في الحياة ينقلونها لمن جاء بعدهم فلا حرج في التفكر فيها. والله أعلم. والحمد لله رب العالمين.
أبو مالك
بسم الله الرحمن الرحيم

لا يصلح الانسان في أي زمان أو مكان إلا بالاسلام
الحلقة الحادية عشرة
هل غير سيدنا الشافعي رضي الله عنه مذهبه لتغير المكان؟



الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق محمد.
وبعد فإن من أعجب العجب ما نستمع إليه ونحن نرى البعض يحاول أن يبين أن الحكم الشرعي يتغير بتغير المكان، من استدلالٍ بأن الشافعي رحمه الله تعالى بدل مذهبه لدى انتقاله من بغداد إلى مصر، حتى لقد بلغت الجرأة بأحدهم أن قال: ما هي إلا مسافة الطريق حتى غير مذهبه!!

وهكذا جريا على عادة استغلال عموميات لا ينظر في واقعها، يروج لمثل هذا القول في هذا الزمن، مما استدعى بيان جهالة القائلين بهذا القول على هذه الصورة.

جاء في البداية والنهاية في المجلد العاشر ما ملخصه: ولد الشافعي رحمه الله في سنة 150 هـ بغزة، ومات أبوه وهو صغير فحملته أمه إلى مكة وهو ابن سنتين لئلا يضيع نسبه فنشأ بها وقرأ القرآن وهو ابن سبع سنين، وحفظ الموطأ وهو ابن عشر، وأفتى وهو ابن خمس عشرة سنة‏.‏

ولي الحكم بنجران من أرض اليمن، ثم تعصبوا عليه ووشوا به إلى الرشيد أنه يروم الخلافة، فحُمِل على بغلٍ في قيدٍ إلى بغدادَ، فدخلها في سنة أربع وثمانين ومائة وعمره ثلاثون سنة‏، فاجتمع بالرشيد فتناظر هو ومحمد بن الحسن بين يدي الرشيد، وأحسن القول فيه محمد بن الحسن، وتبين للرشيد براءته مما نسب إليه، وأنزله محمد بن الحسن عنده‏.‏

وعاد الشافعي إلى مكة ففرق عامة ما حصل له في أهله وذوي رحمه من بني عمه، ثم عاد الشافعي إلى العراق في سنة خمس وتسعين ومائة، فاجتمع به جماعة من العلماء هذه المرة منهم‏:‏ أحمد بن حنبل، وأبو ثور، وغيرهم... ثم رجع إلى مكة ثم رجع إلى بغداد سنة ثمان وتسعين ومائة، ثم انتقل منها إلى مصر فأقام بها إلى أن مات في هذه السنة، سنة أربع ومائتين‏.‏ ... وصنف بها كتابه الأم وهو من كتبه الجديدة لأنها من رواية الربيع بن سليمان، وهو مصري‏.‏ انتهى

إذن فقد أقام الشافعي رضي الله عنه في مصر قرابة السنوات الست.

نظرة سريعة على أصول الإمام الشافعي رضي الله عنه:
يقول الامام الشافعي رضي الله عنه : فَقُلْت لَهُ : فَإِنَّمَا كَانَ لِلْعَالِمِينَ ذَوِي الْعُقُولِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولُوا مِنْ خَبَرٍ أَوْ قِيَاسٍ عَلَيْهِ ، وَلَا يَكُونَ لَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهُمَا عِنْدَنَا وَعِنْدَك . (1)
وقال رحمه الله تعالى: وَأَصْلُ مَا يَذْهَبُ إلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْفِقْهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِشَيْءٍ مِنْ الْفِقْهِ إلَّا بِخَبَرٍ لَازِمٍ أَوْ قِيَاسٍ وَهَذَا مِنْ قَوْلِهِ لَيْسَ بِخَبَرٍ لَازِمٍ فِيمَا عَلِمْت وَضِدُّ الْقِيَاسِ (2)

من المعلوم أن أصول مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه تقوم على الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وتعريفه للقياس: هو إلحاق أمر غير منصوص على حكمه بأمر منصوص على حكمه لاشتراكهما في العلة وذلك بإلحاق الأشباه بالأشباه والأمثال بالأمثال.

ولأن الشافعي قد أثبت أن أصل هذا الدين هو الكتاب والسنة فإنه لم يُجِزِ الاجتهادَ بالرأيِ إلا بالاشتقاق أو البناء عليهما فقط، واعتبر أي رأي لا يحمل على أي منهما ليس من الشريعة، والشافعي لا يستند في فهم الشريعة على الفهم الشخصي بل لابد من الفهم الموضوعي المادي، فالحاكم مثلاً يحكم بالبينة على المدعى عليه أو بإقراره ولا يحكم بظنه هو في المسألة، ولذلك فإنه يرد الاستحسان الذي يرونه القياس الخفي والذي يقوم على الفهم الشخصي للأمر ويترك البناء على النص الذي يقوم على القياس الجلي.
وأما ما يسمونه باستحسان السنة، واستحسان الإجماع، واستحسان الضرورة فإن الشافعي يأخذ بها كلها لأنها إعمال للسنة والإجماع والضرورة الشرعية وليست من باب الاستحسان دون نص.

وأما المصلحة فإن الشافعي لم يعتبر منها إلا ما يشبه المصالح المعتبرة والمستندة لأصول ثابتة في الشريعة، وأما ما وضع من شروط وقيود في المصلحة من أنها لابد أن توافق مقاصد الشريعة، وتكون مقبولة ومعقولة، وترفع الحرج فلا قيمة لهذه المصلحة لدى الشافعي.

وأما الذرائع فإن الشافعي لا يعتبر منها إلا ما استند على النص أو ما دل عليه النص من إجماع أو قياس شرعي، من هنا لا نلحظ أي وجود أو أثر لما يسمى تغير الأحكام بتغير الأزمان والأمكنة لدى الإمام الشافعي رضي الله عنه، قال الأستاذ محمود عبد الكريم حسن: يقول الإمام الشافعي في الرسالة: "وإنما الاستحسان تلذذ"، ثم يقول: "على العالِم أن لا يقول إلا من جهة العلم، وجهة العلم الخبر اللازم بالقياس بالدلائل على الصواب، حتى يكون صاحب العلم أبداً متبعاً خبراً، وطالب الخبر بالقياس"، ثم قال: "ولو قال بلا خبر لازم ولا قياس كان أقرب من الإثم من الذي قال وهو غير عالم..."، وقال: "ولم يجعل الله لأحد بعد رسول الله أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله، وجهة العلم بَعْدُ الكتابُ والسنةُ والإجماعُ والآثارُ وما وصفت من القياس عليها" (3). ولذلك فإن الغزالي قال نفس ما قاله الشافعي. قال: "بل من استصلح فقد شرَّع كما أن من استحسن فقد شرّع" (4)

جاء في كتاب أحكام القرآن للشافعي أن الشافعي قَالَ : حُكْمُ اللَّهِ ، ثُمَّ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَا يَجُوزَ لِمَنْ اسْتَأْهَلَ أَنْ يَكُونَ حَاكِمًا أَوْ مُفْتِيًا أَنْ يَحْكُمَ وَلَا أَنْ يُفْتِيَ إلَّا مِنْ جِهَةِ خَبَرٍ لَازِمٍ وَذَلِكَ الْكِتَابُ ، ثُمَّ السُّنَّةُ أَوْ مَا قَالَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ، أَوْ قِيَاسٌ عَلَى بَعْضِ هَذَا . وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ وَلَا يُفْتِيَ بِالِاسْتِحْسَانِ ؛ إذَا لَمْ يَكُنْ الِاسْتِحْسَانُ وَاجِبًا وَلَا فِي وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي . وَذَكَرَ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى } [ قَالَ ] فَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ فِيمَا عَلِمْتُ أَنَّ ( السُّدَى ) الَّذِي لَا يُؤْمَرُ وَلَا يُنْهَى . وَمَنْ أَفْتَى أَوْ حَكَمَ بِمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ ، فَقَدْ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ فِي مَعَانِي السُّدَى وَقَدْ أَعْلَمَهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ لَمْ يُتْرَكْ سُدًى وَرَأَى أَنْ قَالَ أَقُولُ مَا شِئْتُ ، وَادَّعَى مَا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِخِلَافِهِ . قَالَ اللَّهُ ( جَلَّ ثَنَاؤُهُ ) لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ } ، وَقَالَ تَعَالَى : { وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ } ، ثُمَّ { جَاءَهُ قَوْمٌ ، فَسَأَلُوهُ عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَغَيْرِهِمْ : فَقَالَ أُعْلِمُكُمْ غَدًا يَعْنِي أَسْأَلُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، ثُمَّ أُعْلِمُكُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } } . { وَجَاءَتْهُ امْرَأَةُ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ تَشْكُو إلَيْهِ أَوْسًا ، فَلَمْ يُجِبْهَا حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ : } { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا } { وَجَاءَهُ الْعَجْلَانِيُّ يَقْذِفُ امْرَأَتَهُ ، فَقَالَ : لَمْ يُنْزَلْ فِيكُمَا وَانْتَظِرَا الْوَحْيَ ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ : دَعَاهُمَا ، وَلَاعَنَ بَيْنَهُمَا ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ } وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْمَعْقُولِ ، فِي رَدِّ الْحُكْمِ بِمَا اسْتَحْسَنَهُ الْإِنْسَانُ دُونَ الْقِيَاسِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ . (5)

إذن فالشافعي رضي الله عنه لا يرد إلا إلى الكتاب والسنة وما أرشدا إليه، قولا واحدا ولم يجعل المكان من الأصول ولا الفروع التي يستند إليها في فتواه، وبهذا يظهر مدى تدليس من يجعل تغير بعض فتاوى الشافعي رضي الله عنه في مصر عما كانت عليه في مذهبه القديم، نتيجة تغير المكان.

في الحلقة السابقة بينا طريقة الاجتهاد الشرعي، ورأينا أهمية الواقع في فهم حكم الله تعالى في المسألة، حتى لقد قالوا: حسن السؤال نصف الدين، وحسن السؤال إنما يبين الواقع ويصفه بدقة، فلو أن مسلمَيْن رمى كل واحد منهما يمين الطلاق على زوجته، في وضعية معينة، وبألفاظ معينة، تختلف بينهما، ورفعا أمرهما للقاضي فلا شك أنه سيستقصي الواقع بكل ما فيه، وهل كان اليمين في حال طهر المرأة، هل كان الزوج غضبانَ غضبا لا يفقه معه ما يقول، وما إلى ذلك، فهذا كله مما هو من فهم الواقع سيجعل الفتوى تأخذ منحى معينا غير الفتوى التي ستتعلق بالآخر، وهنا قد يتحقق مناط وقوع الطلاق بين أحدهما ولا يتحقق في الآخر وهذا كله لا يسمى تغيرا بالفتوى بحسب المكان أو الزمان، بل بحسب الواقع، والأحكام الشرعية إنما جاءت لتحكم على الوقائع المختلفة بالأحكام الشرعية المعينة.

ومثلا لو جاء مسلم بركوعين في صلاته عامدا تبطل صلاته، ولكن لو كان يصلي صلاة الكسوف فإن صلاته صحيحة بركوعين، وهكذا باختلاف الواقع يختلف الحكم، من هنا فقد يختلف الواقع الذي أفتى فيه الشافعي رضي الله عنه في حادثة ما حدثت في مصر عنه في العراق، وطبيعي أن يختلف الحكم الشرعي إزاءهما، ولو تكررت الحادثة التي حصلت في بغداد في الصين أو في مصر لكان حكمه فيها واحدا.

كذلك فإن العالِم لا يزال يتعلم إلى أن يموت، فتأتيه أدلة جديدة لم يكن يعلمها أو يفهم الدليل فهما غير الذي كان يفهمه لاتساع مداركه أو لسماعه برأي غيره من العلماء، فطبيعي أن يغير الفتوى تبعا لتغير الدليل، أو لتغير فهم الدليل، فما كان ناسخا قد يتضح أنه ليس بناسخ، وقد يصله حديث لم يكن قد وصله، ومن ذلك مثلا ما جاء في تاريخ بغداد: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: كنا في جنازة فيها عبيد الله بن الحسن وهو على القضاء فلما وضع السرير جلس وجلس الناس حوله قال: فسألته عن مسألة فغلط فيها فقلت: أصلحك الله القول في هذه المسألة كذا وكذا إلا أني لم أرد هذه إنما أردت أن أرفعك إلى ما هو أكبر منها، فأطرق ساعة ثم رفع رأسه فقال: إذا أرجع وأنا صاغر إذا أرجع وأنا صاغر لأن أكون ذنبا في الحق أحب إلي من أن أكون رأسا في الباطل. (6)

إنه لمن العجيب أن يعيش الإمام الشافعي رضي الله عنه أغلب عمره في اليمن ومكة، وفي بغداد والمدينة حيث قضى قرابة الست عشرة سنة يتتلمذ على مالك رضي الله عنه، ولم نسمع أن له مذهبا عراقيا ومذهبا يمانيا ومذهبا مكيا، أو مدنيا، فلئن كان اختلاف المكان يقضي لدى الشافعي بتغير الأحكام لكان له مذاهب بعدد أماكن إقامته، ولكنا سمعنا برأي جديد وقديم فقط في بعض المسائل مما يعني أن الرأي تغير ليس لتغير المكان ولا الزمان وإنما لتغير فهمه لبعض الأدلة أو لوصول أدلة إليه لم تكن وصلته من قبل.

وكذلك قد ينقل لنا رأيان للفقيه بحسب روايتين رويتا عنه، وهذا يعني أن المسألة روايات وليست أمكنة!
وإنه لمن العجب العجاب أن تخلو أصول الشافعي رضي الله عنه نفسه من أية إشارة إلى المكان أو الزمان كعوامل لها أثر في الحكم الشرعي، ونرى المتفيقهين هذه الأيام يضموها إلى أصوله بادعائهم أنها السبب في تغييرات حصلت في مذهبه.

وإن المتتبع لأغلب فقهاء هذه الأمة يرى أن لأكثرهم في كثير من المسائل أكثر من قول، فترى مثلا في كتب الفقه: على أحد قولي مالك مثلا، فهل هذا يعني أن المذهب تغير لتغير الزمان أو المكان؟

ثم إن المسائل التي استجدت في فقه الشافعي هي من المسائل العامة التي تخص كل مسلم في كل زمان ومكان، فكتاب الأم الذي يمثل بحسب بعض الروايات مذهبه الجديد، يحتوي على مسائل من الطهارة إلى الحج إلى الزكاة إلى غير ذلك، فعلى أي أساس يقال أن مذهبه تغير لوجوده في مصر؟ فهل الحج وأحكامه أم الصلاة وأحكامها أم الزكاة وأحكامها تختص بأهل مصر دون غيرهم؟ أم أن حج المصريين يختلف عن حج العراقيين؟ أم أن أصحاب هذا الرأي الفاسد يظنون أن الاسلام له نسخ مختلفة كل أهل بلد لهم نسختهم؟ ولهم شرعتهم؟
والحمد لله رب العالمين



----------------------
(1) الأم للشافعي : أبواب متفرقة في النكاح والطلاق وغيرهم : ما جاء في أمر النكاح :ما جاء في عدد ما يحل من الحرائر والإماء وما تحل به الفروج
(2) الأم للشافعي :كتاب الرد على محمد بن الحسن: القصاص بين العبيد والأحرار
(3) الرسالة، ص508، المسائل من 1464 إلى 1468.
(4) المستصفى، ج1، ص 245.
(5) أحكام القرآن للشافعي : فصل في إبطال الاستحسان
(6) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ص 1951



المكتب الإعلامي
أبو مالك
لا يصلح الانسان في أي زمان أو مكان إلا بالاسلام الحلقة الثانية عشرة
فقه الواقع والغرق في مستنقع الواقع
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى
لا نحتاج لكثير مقدمات، تظهر تلبيس فئة من الناس على المسلمين أمر دينهم تحت مسميات كبيرة، ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله العذاب، ومن ذلك ما تفتقت عنه قريحة علماء الأهواء والسلاطين، بإطلاق ما يسمى بفقه الواقع على نوع من التعطيل لأحكام الشرع، والغرق في مستنقع الواقع يبدل من خلاله الحكم الشرعي بآخر موافق للحكم العلماني، وإليك شيئا من التفصيل:
لقد بينا في السابق أن طريقة الاجتهاد تقوم على مراحل ثلاث، أولها فهم الواقع المراد بحث الحكم الشرعي المتعلق به، وهذا الجزء من الاجتهاد لا علاقة له بالنقليات، فالرسول صلى الله عليه وسلم سأل ماعزا إذ أقر بين يديه بالزنا: لعلك قبلت، لعلك لمست؟ وما زال يسائله ويتحقق حتى تبين الواقع الذي قام به على وجه يستطيع معه أن ينزل الحكم الشرعي الملائم لذلك الواقع، فواقع الزنا يجعل الحد بالنسبة لماعز الرجم، ولو كان واقع ما وقع منه اللمس أو التقبيل لما أوصله إلى الرجم، من هنا كانت أهمية معرفة الواقع بالتحديد لإنزال الحكم الشرعي الملائم له.
فالحكم الشرعي حكم يتنزل على وقائع، فكل واقعة لها حكم شرعي خاص بها، من هنا رأينا أن واقع صلاة الكسوف يختلف عن واقع صلاة الجنازة، فمن أتى بركوعين في صلاة الجنازة متعمدا بطلت صلاته، ومن لم يأت بهما متعمدا في صلاة الكسوف بطلت صلاته، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: من رآى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، الحديث، ومع أن كلمة منكر هنا واردة على التنكير لتشمل أي منكر، فإن منكر الحاكم إن لم يبلغ الكفر البواح لا يتنزل عليه الحكم بالصورة التي يتنزل فيها على غيره، فلا يجوز التغيير عليه باليد، إلا أن يظهر الكفر البواح، فواقع المنكر نسبة إلى فاعله تختلف مما يجعل الحكم الشرعي في كلتا الحالتين مختلفا.
إذن فلا بد من التفقه في الواقع، بمعنى فهمه والإحاطة به من جميع جوانبه ومن ثم تنزيل الحكم الشرعي المستنبط من الكتاب والسنة وما أرشدا إليه من إجماع صحابة وقياس عليه ليلتزم المسلم بالحكم الشرعي.
الحكم على الأشياء كما قرره أهل العلم فرع من تصورها، إذا لم يتصور العالِم ما الذي في هذا الواقع بدقة فإن حكمه عليه سوف يكون فيه نوع من القصور، قرر ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين أن العالِم لابد أن يكون عالِما بالدين وعالِما بالواقع واستعمل كلمة الواقع ثم قال عالِم بكيفية تطبيق وتنزيل أحدهما على الآخر، وهذا كله بيناه في طريقة الاجتهاد.
لكن شيئا من هذا لا تجده فيما يسمونه: فقه الواقع!! ونحن لا نقصد ببحثنا هنا من يتفقه في الواقع لينزل عليه الأحكام الشرعية المستنبطة من أدلتها، بل: دعنا نرى دعوة يروج لها لفقه آخر، نستوضح معالمه:
فما الذي يعنونه بقولهم: فقه الواقع؟
دعني أصدمك بمثال أول ينبيك عن هذا النوع من الدعوات، تظهر خبث طوية أصحابها:
ما يسمى فقه الواقع توأم لما يسمى فقه الموازنات، أي الموازنات العقلية، قالوا: أقر هارون عليه السلام عبادة العجل!! وأن الموازنة بزعمهم اقتضت أن يرضى هارون من القوم أن يعبدوا العجل وذلك كي لا يفرق جماعة المؤمنين!!
قال تعالى في سورة طه: قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94)،
لقد أخذ القوم هذه الآيات بمعزل عن باقي الآيات التي تناولت الحادثة واستخرجوا منها حكما لا أقل من أن يسمى جريمة، وهو ما سبق ذكره من رضى نبي كريم بعبادة العجل!
في الآيات الكريمات نرى ما لم يروه، ففيها قول هارون لموسى عليهما السلام: فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي، وقول موسى لهارون عليهما السلام: ألا تتبعن أفعصيت أمري؟ وقد سبق بيان أمر موسى لهارون عليهما السلام إذ قال له: { ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ } وفي سورة الأعراف، بين عليه السلام أنه ما أقرهم وإنما استضعفوه وكادوا يقتلوه!
قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150)، فهل يتصور أنهم كادوا يقتلوه إلا وقد اشتد عليهم بالانكار على فعلتهم الشنيعة؟ يقول الأستاذ محمود عبد الكريم حسن: وهل أرسل الله الرسل وأنزل الكتب إلا ليُعْبَدَ وحده، ولتكون الرسل والكتب فرقاناً بين الحق والباطل، بين الإيمان والكفر، وهل هناك ذنب وإثم بل كفر أعظم من أن يُعبد غير الله وأن يُصلَّى ويسجد لغير الله سبحانه؟ وهل يكون مؤمناً من يرضى بعبادة العجل. أيُّ وحدةٍ هذه التي يضحي الأنبياء بعقيدة التوحيد لأجلها، والله تعالى يقول على لسان موسى: قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين. [ وقول هارون عليه السلام: ولا تجعلني مع القوم الظالمين] وهل يجهل من عنده قليل من علوم الشريعة ومن فهم العقيدة أن كل دعوات الأنبياء تقتضي أن يتفرق الناس فرقتين أو فئتين: فئة المؤمنين وفئة الكافرين. ألا نجد هذا المعنى في عشرات بل مئات آيات القرآن الكريم. قال تعالى: ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير، قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرءَاءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ 4 الممتحنة
إذن هم أمتان المؤمنون يدخلون في رحمة الله، والكافرون ظالمون خارجون عن هذه الأمة. وكيف تكون عند أصحاب فقه الموازنات الوحدة مقدمة على الإيمان ولو على أساس الكفر، والله سبحانه وتعالى يقول: ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سُقُفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبواباً وسرراً عليها يتكئون. أو لم يفرق القرآن بين الأب وابنه على أساس العقيدة قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألنِ ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين.
إنه إن كان مثل هذا الفقه المزعوم، فقه الموازنات، يطال العقيدة ويسمح بالتنازل عنها أو تغييرها في سبيل مصالح الأهواء التي ناقضت عشرات الآيات، بل ناقضت أسساً قام عليها صرح العقيدة، فما هو الأمر الذي سَيَتَحَرَّجُ من تغييره أو التنازل عنه صاحب هذا الفهم أو هذا القول؟ انتهى
مصدر للتفكير أم محل للتفكير؟
لقد وصل الانحدار بالأمة الاسلامية إلى درك واقع شارفت معه على بلوغ الهاوية، كما وفرض الكافر المستعمر على المسلمين واقعا يحيونه، قوامه تطبيق أنظمة علمانية بارزت الله العداء، ولقد أخذ الكافر المستعمر يهاجم أحكام الاسلام، واصفا إياها بأنها معالجات سيئة للمشاكل، كتعدد الزوجات والتأمين والجهاد وغيرها، ومن ثم وأخذ إلى جانب ذلك يعرض حلولاً لمشاكل، ويتساءل ما هو رأي الإسلام فيها؟ وهل هو قادر على أن يوجِد حلولها لها؟ فيسأل عن التأمين ما حكمه؟ ويسأل عن العلاقات التجارية بين الدول ما هو الحكم الشرعي فيها: هل يقول بحرية المبادلة أم يقول بالحماية التجارية؟ ويسأل عن النظام النيابي والانتخابات الحرة: ما هو موقف الإسلام منها؟ ويسأل عن النزعات في التشريع: هل يقول الإسلام بالنزعة المادية أم بالنزعة النفسية؟ وهل يعتبر روح النص أم يعتبر النص وحده؟ ويسأل عن الحريات العامة كالحرية الشخصية وحرية الرأي والحرية الدينية، هل جاء الإسلام بشيء منها؟
وهكذا يتتبع المشاكل التي حدثت وتحدث للإنسان، والمشاكل التي تحصل في مجتمع كالمجتمع الرأسمالي ولا توجد في مجتمع كالمجتمع الإسلامي، فيسأل عن حلول لها سؤال استنكار بأن الإسلام قاصر عنها فهو لم يتضمن حلولاً لها، وليس فيه قابلية أن توجَد فيه هذه الحلول.
إن التشريع الإسلامي منبثق عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، أو بعبارة أخرى منبثق عن الكتاب والسنّة المقطوع بأنهما وحي من الله، فما فُهم منها من أدلة إجمالية، أو قواعد عامة، أو تعاريف شرعية، أو أحكام كلية أو جزئية هو التشريع الإسلامي. فما يَرد من مشاكل يُعرض عليها ويُستنبط حكمه منها. وعلى ذلك فإن المسائل الجديدة والمسائل التي لا تقع إلاّ في المجتمع الرأسمالي حين يهاجَم بها الإسلام بأنه لا توجد فيه معالجات لها، يجب أن يُفهم واقع المشكلة وليس حكمها المعين.
أي أن رأي الرأسمالية في التأمين ليس مصدرا من مصادر التشريع لنركن إليه ونأخذ به في عين الاعتبار.
فإذا فُهم الواقع طُبق على هذا الواقع ما في الشريعة من نصوص أو قواعد أو تعاريف أو أحكام وأُعطي الرأي الإسلامي بها. أمّا حكمها المعيَّن سواء أكان صواباً أم خطأ فإنه ليس هو المسؤول عنه، فلا يهمنا إن كانت المعالجة التي في الرأسمالية جلبت بعض المصالح لطبقة المتنفذين في مجتمعاتها لنقول بصلاح معالجتها.
فليس جعْل الشريعة الإسلامية تقول بما يقول به النظام الرأسمالي في شركات المساهمة والتأمين والتجارة الخارجية والبنوك وما شاكل ذلك هو المسؤول عنه بل المسؤولية عنه هو رأي الشريعة الإسلامية في هذه الوقائع، فإن أعطت رأيها هي في كل مشكلة متجددة فإنها تكون شريعة كاملة بغض النظر عن كون هذا الرأي وافق ما يقوله النظام الرأسمالي أم خالفه.
ثم إن الاسلام ليس بمسؤول عن إيجاد حلول لمشاكل تنشأ عن تطبيق نظام غيره على المسلمين، خاصة إن كانت هذه الأحكام المراد للاسلام أن يقول رأيه فيها، يحكم عليها من خلال مطابقتها لرأي العلمانية، فإن وافقه اطمأن المستفتي وإن خالفه حكم على الاسلام بأنه يسبب للناس العنت والحرج، وأنه لا يتماشى مع العصر!
فمثلا يحظر النظام التونسي على المسلمات العفيفات ارتداء الحجاب، فيأتي مستفتي ليسأل الاسلام عن حكم خلع المرأة الحجاب، بدلا من سؤاله عن حكم خلع مثل هذه الأنظمة!
ومثلا يعيش المسلمون في ضائقة نتيجة نهب حكامهم لخيرات بلادهم واقتسامهم معهم رغيف خبز أطفالهم، ومن ثم يسألون عن حكم الاقتراض من البنوك الربوية لبناء بيت أيأخذ حكم المضطر؟ أو مثلا: تتفشى ظاهرة العنوسة في المجتمعات ويصبح الزواج من الأمور العظام التي لا يقدر عليها أغلب الشباب، فيخلق هذا واقعا فاسدا يشجع على الزنا، فالاسلام ليس بمسئول عن مثل هذا الواقع بل العلمانية، ومن ثم لا يتخذ مثل هذا الواقع مصدرا للتفكير، لنخرج بفتاوى زوج فرِند، وزوج مسيار!
ومثلاً حين يُسأل المسلمون عن شركات المساهمة، لا يُسألون هل الإسلام قادر أن يقول بما يقوله النظام الرأسمالي في شركات المساهمة حتى يعتبر صالحاً لمجاراة العصر، وإنّما يُسأل المسلمون ما هو رأي الإسلام في شركات المساهمة؟ فيكون الجواب بدراسة واقع الشركات المساهمة وبعرض واقع الشركات في الاسلام على هذا الواقع يجد المجتهد أنها حرام.
ومثلاً المصارف "البنوك" لا يُسأل المسلمون هل الإسلام قادر أن يقول فيها ما يقوله النظام الرأسمالي من تنظيمها وإباحة الربا فيها بفائدة معقولة، وإنّما يُسأل المسلمون ما هو رأي الإسلام في المصارف "البنوك"؟ فيكون الجواب أن واقع المشكلة في البنوك هو أن البنك يقوم عمله بصورة رئيسية على الربا في القروض الطويلة الأجل والقصيرة الأجل، والحساب الجاري والاعتمادات وما شابه ذلك، ويقوم كذلك بتوصيل المال من بلد إلى بلد وبحفظ الأمانات. أمّا توصيل المال وحفظ الأمانات فهو مباح شرعاً سواء أكان بأجرة أم بغيرة أجرة. وأمّا معاملات الربا كلها فإنها حرام قطعاً لأن الله يقول: (وحرّم الربا).
وهكذا فلا يجوز اتخاذ الواقع مصدرا للتفكير، بل هو محل للتفكير ليتنزل الحكم الشرعي عليه مُستنبَـطاً من الكتاب والسنة وما أرشدا إليه.
إنه لمن الخطر الماحق بهذه الأمة أن لا تدرك أن الاسلام يأبى أن يتخذ غير الكتاب والسنة مرجعية عليا لا تقبل شريكا في الاسلام، منها تستنبط الأحكام الشرعية، وبعد فهم الوقائع المراد إنزال حكم الشارع عليها، تدرس الأدلة المتعلقة بهذه الوقائع ومن ثم تنزل على هذه الوقائع لتعطي حكم الشرع لا حكم العقل ولا الهوى ولا المصلحة.
ولا يجوز بحال إيجاد حلول في الإسلام تقول بما يقوله النظام الرأسمالي.
وبالطبع لا يمكن أن توجد هذه الحلول للتناقض البيّن بين النظام الرأسمالي وبين الإسلام، فالاسلام لا يسمى أي حكم فيه بأنه حكم الاسلام إلا إن كان مستنبطا من الوحي، فحتى لو جيء يحكم موافق لما في غير الاسلام ولم يأت به المجتهد من الكتاب والسنة وما أرشدا إليه، فإنه لا يكون حكما شرعيا ولا يسمى إسلاما.
وهذه المفاهيم المغلوطة يعني الأخذ بها ترك الإسلام واتباع النظام الرأسمالي، لأن الإسلام يناقض النظام الرأسمالي ولا يمكن إيجاد توفيق أو انسجام بينهما. فكل دعوة للتوفيق أو الانسجام بين الإسلام والكفر هي دعوة لأخذ الكفر وترك الإسلام. وفي هذا ما فيه من خطر على المسلمين وعلى الإسلام.
يتبع ان شاء الله
أبو مالك
لا يصلح الانسان في أي زمان أو مكان إلا بالاسلام الحلقة الثالثة عشرة
متفيقهون يحاكمون الشريعة الاسلامية
!


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

يرفع بعض أصحاب العمائم اليوم، ومعهم كثير من العلمانيين ألفاظاً رنانةً، وشعاراتٍ براقةً، قد يحب بعض المسلمين وقع مثلها على النفس، كشعار التجديد، وفتح باب الاجتهاد، وروح الشريعة ومقاصدها، وتحقيق المصالح، وجلبها ودرء المفاسد، والضرورات تبيح المحظورات، وأخف الضررين، ولكنك إذا نظرت في المضمون، فالأمر كلية مختلف، ولا يتطابق مع الشعار المرفوع، ولا يلتزم الأصول التي تعلقت بها قواعد هذه المسائل.
ثم يتطور بهم الأمر لرفع معاول هدامة، كالتطور والمرونة والعصرنة وعدم التحجر عند حرفية النص، وفقه الواقع والموازنات، وما إلى ذلك، تحت هذه الشعارات يتعرض الاسلام إلى حملة شعواء لتنقله من دين أساسه الوحي، والسمة الأبرز فيه التي تجعله فريدا هي أنه إلهي، رباني، إلى أن يصبح كما يحاولون تصويره، مجموعة من الآراء، أتى بها فقهاء أكل الزمان على فقههم وشرب، ولم يعد فقههم يناسب البشرية في عصر الفضاء.
وتتعرض الأحكام الشرعية لمحاكمة من قبل القائمين على هذه الدعوات بغية نسف أية علاقة بين المسلمين وبين النصوص، لينطلق المسلمون إلى فضاء رحب، يتعايشون فيه وفق أطر تتناسب مع طريقة الغرب في العيش.
أجل إن مسائل تستجد وتطرأ، والأمة الاسلامية بحاجة إلى استنباط أحكام شرعية تتعلق بهذه المستجدات، من الكتاب والسنة، وفرق كبير بين هذا وبين محاكمة الأحكام الشرعية العملية، والمحزن المبكي أنهم لم يقتصروا على محاكمة ورفض وتزوير اجتهادات الفقهاء، بل تعدوا ذلك إلى محاكمة الأحاديث والآيات ورفضها وتجاهلها ليقرروا بأنها لا تصلح، ولا أدل على ذلك من تجويز إمامة المرأة، ورفض قتل المرتد، ورفض قطع يد السارق، وإباحة الربا، وما إلى ذلك مما عم وطم من بلاء، فهم بذا يحاكمون الوحي نفسه، قطعيَّهُ وظنيَّهُ، ليرضوا الغرب الكافر!
"إن المخلصين منهم يميلون – كما يصفهم الدكتور محمد محمد حسين رحمه الله – بالقيم الاسلامية إلى أقصى ما تحتمله النصوص نحو القيم الغربية، وبذلك يقعون في الأحابيل التي دبرها الغرب لأمثالهم، فهم في سبيل دفع تهمة الجمود، التي يلصقها الغربيون بالشريعة ينحرفون إلى أقصى الطرف المناقض في بيان ما تنطوي عليه من مرونة التطبيق، حتى يبلغون بهذه المرونة حد الميوعة وانعدام الذات والمقومات، التي تجعلها صالحة لأن تكون ذيلا لأي نظام، وتبعا للأهواء، وبذلك ينتهون إلى إلغاء وظيفة الدين، لأنه بدلا من أن يُقَوِّمَ عِوَجَ الحياة بنصوص الشريعة يحتال على نصوص الشريعة حتى يسوِّغ بها عوج الحياة المعاصرة." انتهى بتصرف بسيط. (1)
ولم يكتف هؤلاء بوضع الأحكام الشرعية في موضع محاكمتهم، بل تجاوزوها إلى الأصول التي لم تكن يوما موضع خلاف بين الأمة، لينسفوا قواعدها وبنيانها، فلا يبقى منها لديهم إلا المصلحة والعرف والعادة والواقع، وهي كلها ليست منها أصلا.
أجل لو اقتصر هؤلاء على تناول أحكام تتعلق بما استجد لدى الناس من مشاكل، كالاستنساخ وأطفال الأنابيب، وعقود التأمين، والشركات المساهمة، واستعمال الأسلحة النووية، واستعمال أجهزة الإنعاش الطبي، واستعملوا طريقة الاجتهاد الصحيحة للوصول إلى حكم الله تعالى في هذه المسائل ونظائرها، بإرجاع نزاعهم فيها إلى الكتاب والسنة مصداقا لقوله تعالى: ﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ 10 الشورى، وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تأويلا ﴾ 159 النساء، وقوله تعالى: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ النحل 89، وقوله تعالى: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ 40 يوسف وغيرها، لكان خيرا وأحسن تأويلا، ولقلنا إنهم فعلا يريدون أن ينضبط المسلمون بالوحي، ولكنهم لم يفعلوا ذلك، بل إنهم تناولوا أحكاما عملية ثابتة وأوسعوها نقدا، ورفضا، واستبدلوا بها أحكاما ترضي الغرب الكافر.
ولسان حالهم أن عصرنا لا يتقبل زواج الرجل من أربعة لتعارض هذا مع حقوق المرأة، وكيف نفعله ونحن نسعى لإعطاء صورة مشرقة عن الاسلام؟ وكيف نعطي الرجل ضعفي المرأة في الميراث؟ ونقول بأن المرأة ناقصة عقل ودين؟ أو إن العصر تطور بحيث أصبح التأمين ضرورة حياتية، كي لا يفقد التاجر بضاعة تغرق أو تحترق قيمتها عشرات الآلاف من الدنانير، أو أن يدفع الرجل ما جمع خلال حياته كلها لقاء عملية جراحية في القلب؟
أو أن قطع يد السارق ورجم الزاني المحصن، يخالف الميثاق العالمي لحقوق الانسان، وهكذا، فكما ترى أن مصدر تشريعاتهم لم يستند أبدا إلى الكتاب والسنة، ولم يستنبطوا أحكامهم بفهم آخر لأدلة تحتمل مثل هذا الفهم، حتى يقال بأنهم يجددون في الفقه، أو يجتهدون فيه ملتزمين أصوله، ولكنهم اتخذوا الواقع مصدرا لفقههم، وبتروه عن حكم الله تعالى فيه، ونزعوا أيديهم من: قال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاكموا حكم الله تعالى، وقمعوه واتهموه بالتخلف وعدم القدرة على مواكبة العصر، ومن ثم راحوا يزوِّقون فعلتهم بألفاظ رنانة، ومقدمات ممجوجة يدبجونها بديباجة تنطلي على من لا يعلم حقيقة " فقههم " المزعوم، وإليك أمثلة على تلك المقدمات وشيئا يسيرا من تلك الفتاوى لتعلم إلى أين يريدون أخذ الفقه الاسلامي!!
لقد بلغت الجرأة ببعضهم مبلغا عظيما إلى حد التصريح بأن "ما كان حقا قبل ألف عام لم يعد مقبولا أن يظل محرما اليوم في ظل تطور هذا العصر،" ويتابع " ولأن علاقات الحياة الاجتماعية وأوضاعها تبدلت تماما ولم تعد بعض صور الأحكام التي كانت تمثل الحق في معيار الدين منذ ألف عام تحقق مقتضى الدين اليوم، ولا توافي المقاصد التي يتوخاها، لأن الإمكانات قد تبدلت وأسباب الحياة قد تطورت والنتائج التي تترتب عن إمضاء حكم معين بصورته قد انقلبت انقلابا تاما" (2)
ويقول أحدهم: فقه الواقع المحيط بالنازلة: ويُقصد بهذا الضابط أن يراعي الناظر في النوازل عند اجتهاده تغيّر الواقع المحيط بالنازلة سواءً كان تغيراً زمانياً أو مكانياً أو تغيراً في الأحوال والظروف وعلى الناظر تبعاً لذلك مراعاة هذا التغير في فتواه وحكمه، وذلك أن كثيراً من الأحكام الشرعية الاجتهادية تتأثر بتغير الأوضاع والأحوال الزمنية والبيئية؛ فالأحكام تنظيمٌ أوجبه الشرع يهدف إلى إقامة العدل وجلب المصالح ودرء المفاسد، فهي ذات ارتباط وثيق بالأوضاع والوسائل الزمنية وبالأخلاق العامة، فكم من حكم كان تدبيراً أو علاجاً ناجحاً لبيئة في زمن معين، فأصبح بعد جيل أو أجيال لا يوصل إلى المقصود منه، أو أصبح يفضي إلى عكسه بتغير الأوضاع والوسائل والأخلاق، والمتأمل في واقع المرأة المعاصر يلحظ التغيرات التي اعترت حياتها والتبدل الذي أصاب واقعها الراهن، فالجمود على فتاوى وقعت في زمن تغير حاله دون تغيير هذه الفتوى غلط على الشريعة وتعدٍ على صلاحيتها في كل زمان ومكان، وعلى هذا الأساس أسست القاعدة الفقهية القائلة: (( لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان ))، انتهى كلامه. (3)
لاحظ التناقض الشديد، فالاسلام كي يكون صالحا لكل زمان ومكان لا بد من أن يتغير بحسب الزمان والمكان، فصلاحيته إنما هي في تمييعه، والذي يحكم عليه بأنه لم يعد صالحا، ويقرر الحكم البديل لهذا الحكم القديم، هو العقل البشري، وبالتالي فالوحي كان خاصا بالرسول صلى الله عليه وسلم وما شابه مجتمعه من المجتمعات أما اليوم، فلا!!
لذلك لم يكن مستغربا على أحدهم أن يدعي أن النصارى واليهود مؤمنون، عليهم أن يقفوا والمسلمين موحّدين في وجه اللادينيين، يقول في مجلة (قراءات سياسية) العدد 11/12 لسنة 93: «علينا أن نعيد تصنيف التقسيمات السابقة للأديان ونضعها في إطار معادلة جديدة: «دينيون وغير دينيين». ويقول فيما يدل على فصل الدين عن الحياة في نفس المجلة: «فالدين عالمي والله للجميع، والله لم يرسم الحدود الطبيعية السياسية لأن الأديان جميعها عالمية». أليست هذه هي نفس مقولة العلمانيين: (الدين لله والوطن للجميع)، أو (أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله). أوليس قوله أن الله للجميع، يعني أن إيمان النصارى بالله مقبول، وأنه لا يحق لنا نحن المسلمين أن نختص بأننا المؤمنون فقط به تعالى؟
وقال: "إن البعد عن عصبية الدين، والتحرر من التعصب المذهبي، هو الباب المفضي إلى حوار حقيقي بين الأديان، فإذا ترك أهل الأديان التعصب كل لمذهبه وملته، وأقبل على دراسة الأديان بعقل متفتح، كان أحرى أن ينكشف له الأصل الواحد لهذه الأديان، واشتراكها في القيم الأساسية التي تدعو لها. وهذه هي دعوتنا اليوم: أن تقوم جبهة أهل الكتاب، والكتاب عندنا يطلق في القرآن يقصد به كل كتاب جاء من عند الله".
وإذن: يدعو الترابي إلى قيام جبهة أهل الإيمان (المسلمون، والنصارى، واليهود) على أساس الملة الإبراهيمية، يقول في مقابله له مع مجلة المجتمع (العدد: 736، تاريخ8/10/1985):) "إن الوحدة الوطنية تشكل واحدة من أكبر همومنا، وإننا في الجبهة الإسلامية نتوصل إليها بالإسلام على أصول الملة الإبراهيمية التي تجمعنا مع المسيحيين بتراث التاريخ المشترك وبرصيد تاريخي من المعتقدات والأخلاق، إننا لا نريد الدين عصبية عداء، ولكن وشيجة إخاء في الله الواحد". (4)
ويظهر ما يخبئه في دعوته للتجديد عندما يرفض حكم الإسلام صراحة جهاراً ويطالب بدلاً منه، بمقولة مع مجلة الوسط 07/11/94: «أنا من أشد الناس اهتماماً بالحرية بالمقارنة مع إخواني من علماء الحركة الإسلامية، وإذا حكمت سأترك للآخرين حريتهم، وإذا حكموا أريدهم أن يتركوا لي حريتي. وأنت تعلم رأيي في حرية من يخرج من الدين، على رغم ما جلب عليّ من نقد وخلاف». يقول في مقابلة له مع جريدة المحرر (العدد: 263، آب 1994) : وأزيد على كل هذا رأياً هو رأيي الشخصي حتى إذا ارتد المسلم تماماً وخرج من الإسلام ويريد أن يبقى حيث هو، فليبق حيث هو. لا إكراه في الدين.. لا إكراه في الدين.. وأنا لا أقول إنه ارتد أو لم يرتد فله حريته في أن يقول ما يشاء، شريطة أن لا يفسد ما هو مشترك بيننا من نظام". انتهى
فهذه الأحكام لم تعد تناسب العصر! وهذا هو التجديد الذي يدعون له، وهذه هي حقيقة التطورات التي حصلت في الدنيا والتي لم يعد الاسلام وأحكامه القديمة بنظرهم صالح لمعالجتها، وكما ترى فأحكامهم التي ابتدعوها لا تستند إلى الوحي ولا إلى أي دليل تفصيلي ولا تشتم منها رائحة كتاب ولا سنة، فمثلهم في هذا الفقه المزعوم مثل الأحبار والرهبان أحلوا الحرام وحرموا الحلال، بل إنهم اعتدوا على أصول الدين والعقيدة.
في [17/4/1995] أجرت مجلة "دير شبيغل" الألمانية مقابلة مع د. الترابي، وكان السؤال: ".. لكن لا يوجد تفسير موحد للشريعة، هل يجب قطع يدي ورجلي السارق؟، وهل جزاء المرتدين عن الدين القتل؟". فأجاب:
"هذه الحدود لا تقام اليوم في السودان، لأن تفسيرنا للشريعة متطور أكثر مما هو عليه الحال في البلاد الإسلامية الأخرى. لا يوجد أحد قط في مؤتمرنا الشعبي الإسلامي يُحرِّم المرأة من حق توليها مناصب عامة في الدولة، أو ينكر لها الحق في تولي منصب رئاسة الدولة أو رئاسة الوزراء".
إذن فتجديد الفقه الذي يدّعونه، إنما هو بإحلال التشريعات الغربية محل التشريع الاسلامي، وعبارات أن النازلة أو الواقع، قد اكتنفته أحوال جديدة دفعت لضرورة تغيير الفتوى المتعلقة بهذا الواقع، ما هي إلا ذر رماد في العيون، وعمومات لا تتصل بالواقع، فما هي الأمور التي أحاطت مثلا بمسألة تولي المرأة لمنصب رئاسة الدولة؟ ليس ثمة إلا وجهة نظر الغرب، ورضا أمريكا، وما الذي أحاط بالحكم القطعي الثابت في القرآن المتعلق بقطع يد السارق؟ ليس ثمة إلا ميثاق حقوق الانسان، ورضا أمريكا، وما الذي استجد بخصوص مشاركة المسلمين في الحياة السياسية في ظل أنظمة الكفر؟ ليس ثمة إلا الرضوخ لإملاءات أمريكا بخصوص نشر الديمقراطية بالقوة، وماذا عن حد الردة في الاسلام؟ أي تغير في الواقع يمكن تصوره؟ إلا أن يكون إطار حوار الحضارات، ورضا أمريكا، وحرية الاعتقاد التي جلبوها لنا من الغرب، وهو أي الغرب أول من يكفر بها، فهو يمنع المسلمين من أبسط حقوقهم لأنهم مسلمون، ويقتلهم في عقر دارهم لأنهم مسلمون.
ولو شئنا أن نضع النقاط على الحروف، ونسمي كل ظرف تعلق بالنوازل مما رآى هؤلاء المفتونون بالغرب الفاتنون للناس عن دينهم، أنه أصبح مدعاة لتغير الحكم، لما رأينا أي شيء يتعلق بالواقع نفسه، وليس ثمة إلا عمومات تندرج تحت تغير نمط العيش من عيش إسلامي إلى عيش لا سمة له، إلا النكد والضنك والانبهار بالغرب، وبالتالي فدعوتهم تلك أصبحت لا تعني إلا شيئا واحدا، وهو أن الحكم الشرعي المستنبط من الأدلة التفصيلية لم يعد صالحا للتطبيق، فأصبح لزاما عليهم اللجوء إلى نقيضه، فأصبح الحرام حلالا، والحلال مذموما، يشنون عليه حملة شعواء، وهم في كل هذا يفرون من: قال الله، وقال رسول الله، فرار الحمر المستنفرة، فرت من قسورة، وبذا فإن دعواتهم هذه، وفقههم هذا المزعوم لا يمت إلى الاسلام بصلة، وهم لا يمتون إلى العلم بصلة، وعلى المسلمين أن ينبذوهم نبذ النجاسات، وأن يعاملوهم بكل احتقار، وأن يعلن المسلمون اعتزازهم بدينهم، وبشرعة ربهم، تلك التي أعطت الحلول الصحيحة للمشاكل، وأهم ميزة لها أنها ثابتة لا تتغير، ربانية لا تخضع لهوى، عادلة لا ظلم فيها، بها وحدها يصلح الإنسان في كل زمان ومكان.
وعلى الفقيه أن يُقَوِّمَ عِوَجَ الحياة بنصوص الشريعة لا أن يحتال على نصوص الشريعة حتى يسوِّغ بها عوج الحياة المعاصرة، وأن يدرك أن نمط العيش الذي يحياه المسلون، لم يكن أبدا ليكون مصدرا للتشريع، وإنما هو المصيبة التي عليهم أن يجدوا لها حلا من الشرع، حلا يضمن حصول التغيير هذا النمط ليستأنف المسلمون الحياة الاسلامية فينعموا بخيري الدنيا والآخرة.
يتبع إن شاء الله تعالى.
(1) الاسلام والحضارة الغربية ص 160
(2) تجديد أصول الفقه الاسلامي لحسن الترابي ص 8
(3)تأملات فقهية .. في قضايا المرأة المعاصرة ، مسفر بن علي القحطاني
(4)مؤتمر الأديان الذي عقد بالخرطوم بتاريخ 8/10/1994، وكان ذلك بمحاضرة بعنوان: "الحوار بين الأديان التحديات والآفاق".
(5) http://pdf.alhayat.com/pages/11-2003/27P24.pdf
وذكرت صحيفة «العرب» التي تصدر من لندن في الأسبوع الثاني من شهر أيار 1996 أن «د. حسن الترابي - السودان» يقول بإباحة نكاح المسلمة من نصراني أو يهودي، بحجة أن لا نصّ يحرّم هذا الزواج ».علما بأن القاصي والداني يعلم قول الله تعالى: فإن علِمتُموهُنَّ مُؤمنِاتٍ فلا تَرجِعوهُنَّ إلى الكُفّار، لا هُنَّ حِلٌّ لهم ولا هم يحلُّون لهنَّ.
أبو مالك
لا يصلح الانسان في أي زمان أو مكان إلا بالاسلام الحلقة الرابعة عشرة
العادة محكمة: الجزء الأول
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
لو أردنا أن نرجع مسألة تغير الأحكام بتغير الأزمان والأمكنة إلى منبع رئيس لكانت ما يسمونها قاعدة: العادة محكمة، خير تمثيل لذلك المنبع، ولئن كان من وضعها من الأولين يقصرها على جانب صغير جدا من الفقه، مما خيل له أنه يتأثر بالعادة، كالأَيمان والأثمان، والوصايا، والدعاوى، فإن القوم اليوم يريدون سحبها على الفقه الاسلامي بطوله وعرضه، بل يريدون تقديمها على الكتاب والسنة نفسيهما، وقد دللنا على ذلك في مواطن كثيرة، كسعيهم لرد حكم قتل المرتد، ورجم الزاني وقطع يد السارق، وإباحتهم للربا، وغير ذلك من الطامات التي لا علاقة لها أصلا عند الأولين بما يسمى العادة.
وبنظرة سريعة على ما يردده بعض المسلمين هذه الأيام حول صلاح الشريعة الاسلامية لهذا العصر، نجد منطلقهم في بيان ذلك مسألة تغير الأحكام بتغير الأزمان والأمكنة، ومستندهم الأساس مسألة أن العادة محكمة، لذا ارتأيت أن أنسف هذه القاعدة الموهومة المزعومة من جذورها بحول الله تعالى وتوفيقه.
ولا بد أولا من تحديد معنى العرف والتفريق بينه وبين رأي أهل الاختصاص، وبينه وبين التقدير والاصطلاح.
جاء في لسان العرب: والعُرْف هو ما استقرَّ في النفوس من جهة شهادات العقول وتلقَّتهُ الطباع السليمة بالقبول والعادة ما استمرَّ الناس عليهِ عند حكم العقول وعادوا لهُ مرَّةً بعد أخرى، والعُرْف القوليُّ هو أن يتعارف الناس إطلاق اللفظ عليهِ، والعُرْف العمليُّ هو أن يطلقوا اللفظ على هذا وعلى ذاك ولكنهم فعلوا هذا دون غيرهِ والعُرْف العمليُّ غير مخصَّص والعرف اللفظيُّ مخصَّص ومن قبيل الأول لحم الخنزير من اللحم ومن قبيل الثاني لفظ الدابَّة فإنها تخصُّ ذا الحافر، والعُرْف يشتمل العرف العامَّ والخاصَّ ولكنهُ غلب عند الإطلاق على العُرْف العامِّ. انتهى،
إنما العرف ما اعتادت الجماعة من الناس القيام به من الأفعال، وأما الاصطلاح اللفظي أو ما يسمى بالحقيقة العرفية، فليست من العرف، بل هي استعمال بعض الألفاظ في معان يتعارف الناس على استعمالها، وهذا هو الاصطلاح بعينه، كإطلاق كلمة الدابة ويراد بها الفرس في بعض المناطق، وهذا يشبه اصطلاح أهل اللغة على تسمية شيء باسم ما، كإطلاق اسم العين على الجاسوس مثلا، وكما ترى فهذا اصطلاح وليس بعرف.
وأيضا فإن العرف عادة يكون علاجا لمشكلة ما، كتقسيم المهر إلى معجل ومأجل، وبالتالي فهو علاج لمشكلة، ولذلك اعتبرته بعض القوانين الوضعية دليلاً على بعض القوانين بينما لا ترى في إطلاق اصطلاح ما على شيء ما أي علاج فالاصطلاح اسم لمسمى بغض النظر عن أي علاج لهذا المسمى، فهو إذن ليس بعرف.
جاء في أنواع البروق في أنواع الفروق:
الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ يُقْضَى بِهِ عَلَى الْأَلْفَاظِ وَيُخَصِّصُهَا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْعُرْفِ الْفِعْلِيِّ لَا يُقْضَى بِهِ عَلَى الْأَلْفَاظِ وَلَا يُخَصِّصُهَا ) ...فَإِنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ إنَّمَا تَحْسُنُ إضَافَتُهُمَا لُغَةً لِلْأَفْعَالِ دُونَ الْأَعْيَانِ فَذَاتُ الْمَيْتَةِ لَا يُمْكِنُ الْعُرْفِيَّ أَنْ يَقُولَ هِيَ الْإِحْرَامُ بِمَا هِيَ ذَاتٌ بَلْ فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لَهَا كَالْأَكْلِ لِلْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالشُّرْبِ لِلْخَمْرِ. انتهى
وقال في البحر المحيط ما نصه: أَوْ بِعُرْفٍ قَائِمٍ بِالِاسْمِ مِثْلُ: لَا يَأْكُلُ الْبَيْضَ أَوْ الرُّءُوسَ الَّذِي يُقْصَدُ بِالْأَكْلِ فَيُخَصُّ الْيَمِينُ بِعُرْفٍ قَائِمٍ فِي الِاسْمِ، فَأَمَّا بِعُرْفِ الْعَادَةِ فَلَا يُخَصُّ.
فهو هنا يفرق بين الاصطلاح أو العرف القولي وبين العرف أو العرف الفعلي فتنبه لهذا.
إذن فالأحكام الشرعية وهي كما نعلم خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد، متعلقة بالأفعال فعلا، فالحكم على الفعل الذي مرده حكم على فعل أتى من ناحية العرف لا شك سيصطدم بالحكم على عين الفعل الآتي من ناحية الشرع، بخلاف الاصطلاحات التي هي إطلاق على ذوات لا على أفعال، فمثلا عندما نريد بحث تعلق مصطلح الطعام بالحكم الشرعي، فإن النظر في انطباق المصطلح على البُر مثلا أو أن يطلق ليشمل أنواع الطعام على إطلاقها بحث في تفسير النص من أجل استنباط حكم شرعي منه، أي نستعمل المصطلح لنفهم مراد الشارع، بينما بحث عوائد أهل بلد ما في أفعال معينة وتسليط هذه الأفعال على قضايا يقال أنها خلو من الحكم الشرعي قضية مختلفة تمام الاختلاف وفيها تحكيم للعقول في أفعال العباد وهو ما يناقض اختصاص المولى سبحانه بحق التشريع.
كما ويجب ملاحظة أمر آخر مهم هنا وهو ما جاء في البحر المحيط: فَصْلٌ فِيمَا ظُنَّ أَنَّهُ مِنْ مُخَصِّصَاتِ الْعُمُومِ [ التَّخْصِيصِ بِالْعَادَةِ ] وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: أَطْلَقَ جَمْعٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا كَالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَابْنِ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرِهِمَا بِأَنَّ الْعَادَةَ لَا تُخَصِّصُ وَنَقَلَهُ فِي الْقَوَاطِعِ " عَنْ الْأَصْحَابِ، وَحَكَوْا الْخِلَافَ فِيهِ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ . وَقَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: هَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْجَبَ شَيْئًا أَوْ أَخْبَرَ بِهِ بِلَفْظٍ عَامٍّ، ثُمَّ رَأَيْنَا الْعَادَةَ جَارِيَةً بِتَرْكِ بَعْضِهَا أَوْ بِفِعْلِ بَعْضِهَا، فَهَلْ تُؤَثِّرُ تِلْكَ الْعَادَةُ فِي تَخْصِيصِ الْعَامِّ، حَتَّى يُقَالَ: الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ الْعَامِّ مَا عَدَا ذَلِكَ الْبَعْضَ الَّذِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَرْكِهِ أَوْ بِفِعْلِهِ أَمْ لَا تُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ، بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى عُمُومِهِ مُتَنَاوِلٌ لِذَلِكَ الْفِعْلِ وَلِغَيْرِهِ؟ انْتَهَى. وَهَذِهِ الْحَالَةُ هِيَ الَّتِي تَكَلَّمَ فِيهَا صَاحِبُ الْمَحْصُولِ " وَأَتْبَاعُهُ، وَاخْتَارَ فِيهَا التَّفْصِيلَ ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ عُلِمَ جَرَيَانُ الْعَادَةِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَعَ عَدَمِ مَنْعِهِ عَنْهَا فَيُخَصُّ، وَالْمُخَصِّصُ فِي الْحَقِيقَةِ تَقْرِيرُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَإِنْ عُلِمَ عَدَمُ جَرَيَانِهَا لَمْ يُخَصَّ إلَّا أَنْ يُجْمَعَ عَلَى فِعْلِهَا ، فَيَكُونُ تَخْصِيصًا بِالْإِجْمَاعِ الْفِعْلِيِّ،
وقال:
قَالَ الصَّفِيُّ : وَالْحَقُّ أَنَّهَا لَا تُخَصِّصُ ، لِأَنَّ الْحُجَّةَ فِي لَفْظِ الشَّارِعِ ، وَهُوَ عَامٌّ ، وَالْعَادَةُ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ ، حَتَّى تَكُونَ مُعَارِضَةً لَهُ. انْتَهَى. وَهَذِهِ الْحَالَةُ هِيَ الَّتِي تَكَلَّمَ فِيهَا الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَهُمَا مَسْأَلَتَانِ لَا تَعَلُّقَ لِإِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، فَتَفَطَّنْ لِذَلِكَ، فَإِنَّ بَعْضَ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ حَاوَلَ الْجَمْعَ بَيْنَ كَلَامِ الْإِمَامِ وَالْآمِدِيَّ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُمَا تَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَمِمَّنْ ذَكَرَ أَنَّهُمَا حَالَتَانِ الْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْقِيحِ " وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْعَادَةَ السَّابِقَةَ عَلَى الْعُمُومِ يَجْعَلُهَا مُخَصِّصَةً، وَالطَّارِئَةُ بَعْدَ الْعُمُومِ لَا يُقْضَى بِهَا عَلَى الْعُمُومِ، قَالَ : وَنَظِيرُهُ أَنَّ الْعَقْدَ إذَا وَقَعَ فِي الْبَيْعِ فَإِنَّ الثَّمَنَ يُحْمَلُ عَلَى الْعَادَةِ الْحَاضِرَةِ فِي النَّقْدِ، لَا عَلَى مَا يَطْرَأُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْعَوَائِدِ فِي النُّقُودِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ مِنْ الْعَوَائِدِ مَا كَانَ مُقَارِنًا لَهَا، وَكَذَا نُصُوصُ الشَّارِعِ لَا يُؤَثِّرُ فِي تَخْصِيصِهَا إلَّا الْمُقَارِنُ. وَمِمَّنْ اقْتَصَرَ عَلَى إيرَادِ هَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِنَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ فِي الْأُصُولِ، وَسُلَيْمٌ فِي التَّقْرِيبِ " وَأَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَقَالَ : الْعَادَةُ لَا تَخُصُّ الْعَامَّ مِنْ الشَّارِعِ، فَلَوْ عَمَّ فِي النَّاسِ طَعَامٌ وَشَرَابٌ وَكَانُوا لَا يَعْتَادُونَ تَنَاوُلَ غَيْرِهِمَا، فَإِذَا وَرَدَ نَهْيٌ مُطْلَقٌ عَنْ الطَّعَامِ لَمْ يَخْتَصَّ بِالْمُعْتَادِ دُونَ غَيْرِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْعُرْفُ مِنْ الْمُخَصِّصَاتِ، وَحُمِلَ الطَّعَامُ عَلَى الْبُرِّ، لِأَنَّهُ فِي عُرْفِ أَهْلِ الْحِجَازِ كَذَلِكَ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ : لَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ . قَالَ: وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَرِدَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَبَرٌ فِي بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَعَادَةُ النَّاسِ تُخَالِفُهُ، فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِالْخَبَرِ ، وَإِطْرَاحُ تِلْكَ الْعَادَةِ. قَالَ: وَلَيْسَ فِي هَذَا خِلَافٌ. قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ قَدْ خَصَّصْتُمْ عُمُومُ لَفْظِ الْيَمِينِ بِالْعَادَةِ، فَقُلْتُمْ: إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا، أَوْ لَا يَأْكُلُ الرُّءُوسَ فَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِمَا يُعْتَادُ أَكْلُهُ مِنْ الرُّءُوسِ وَالْبَيْضِ؟ فَهَلَّا قُلْتُمْ فِي أَلْفَاظِ الشَّارِعِ مِثْلَ ذَلِكَ ؟ قِيلَ: نَحْنُ لَا نَخُصُّ الْيَمِينَ بِعُرْفِ الْعَادَةِ، وَإِنَّمَا نَخُصُّهُ بِعُرْفِ الشَّرْعِ ، مِثْلُ: لَا يُصَلِّي أَوْ لَا يَصُومُ، فَيَحْنَثُ بِالشَّرْعِيِّ
أَوْ بِعُرْفٍ قَائِمٍ بِالِاسْمِ مِثْلُ: لَا يَأْكُلُ الْبَيْضَ أَوْ الرُّءُوسَ الَّذِي يُقْصَدُ بِالْأَكْلِ فَيُخَصُّ الْيَمِينُ بِعُرْفٍ قَائِمٍ فِي الِاسْمِ، فَأَمَّا بِعُرْفِ الْعَادَةِ فَلَا يُخَصُّ، فَإِنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا بِبَلَدٍ لَا يُؤْكَلُ فِيهِ إلَّا خُبْزُ الْأَرُزِّ، حَنِثَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُعْتَادُ أَكْلُهُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ: الِاعْتِبَارُ بِعُمُومِ اللِّسَانِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِعُمُومِ ذَلِكَ الِاسْمِ عَلَى مَا اعْتَادُوهُ، لِأَنَّ الْخِطَابَ إنَّمَا يَقَعُ بِلِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى حَقِيقَةِ لُغَتِهَا، فَلَوْ خَصَّصْنَاهُ بِالْعَادَةِ لَلَزِمَ تَنَاوُلُهُ بَعْضَ مَا وُضِعَ لَهُ ؟ وَحَقُّ الْكَلَامِ الْعُمُومُ، وَلَسْنَا نَدْرِي: هَلْ أَرَادَ اللَّهُ ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ فَالْحُكْمُ لِلِاسْمِ، حَتَّى يَأْتِيَ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ.
قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى خِطَابِ اللَّهِ وَخِطَابِ رَسُولِهِ ، فَأَمَّا خِطَابُ النَّاسِ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَغَيْرِهَا ، فَيُنَزَّلُ عَلَى مَوْضُوعَاتِهِمْ كَنَقْدِ الْبَلَدِ فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ، وَغَيْرِهِ، إذَا أَرَادُوهُ، وَإِلَّا عُمِلَ بِالْعَامِّ. وَلَا يُحَالُ اللَّفْظُ عَنْ حَقِّهِ إلَّا بِدَلِيلٍ انْتَهَى . وَقَالَ سُلَيْمٌ : لَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِالْعَادَةِ ، مِثْلُ أَنْ يَرِدَ خَبَرٌ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَعَادَةُ النَّاسِ تُخَالِفُهُ، فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِالْخَبَرِ، وَإِطْرَاحُ تِلْكَ الْعَادَةِ ، لِأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا يَرِدُ لِنَقْلِ النَّاسِ عَنْ عَادَتِهِمْ، فَلَا يُتْرَكُ بِهَا. انْتَهَى . وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ مِنْ النِّهَايَةِ ": يَجِبُ فِي خَمْسٍ شَاةٌ، أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ غَنَمِ غَالِبِ الْبَلَدِ وَغَيْرِهِ . لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: { فِي خَمْسٍ شَاةٌ } ، وَاسْمُ الشَّاةِ يَقَعُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، وَلَفْظُ الشَّارِعِ لَا يَتَخَصَّصُ بِالْعُرْفِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ.
إذن فلا شك أن تخصيص العام بالعرف تحكم من غير دليل، وإبطال لدليل شرعي في موضع قد يكون مقصود الشارع إياه، من غير دليل، فمن الذي أعلم المبطل للعمل بالعام محتجا بعرف أهل البلد أن الشارع عنى أهل المدينة أو الحجاز حين تكلم عن الطعام بأنه البر بلغتهم، وأنه لم يعني ما يقع لغة تحت هذا المسمى؟
على أن الشارع إنما أراد من الأخبار أو النصوص نقل الناس عن عاداتهم إلى أحكام شرعها لهم، فهل تبطل تلك بتلك؟
جاء في كتاب درر الحكام في شرح مجلة الأحكام : ( المادة ) العادة محكمة: ما نصه: ( الْمَادَّةُ 36 ) : الْعَادَةُ مُحَكَّمَةٌ. يَعْنِي أَنَّ الْعَادَةَ عَامَّةً كَانَتْ أَوْ خَاصَّةً تُجْعَلُ حَكَمًا لِإِثْبَاتِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ . هَذِهِ الْمَادَّةُ هِيَ نَفْسُ الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي كِتَابِ الْأَشْبَاهِ وَكِتَابِ الْمَجَامِعِ ، وَمَعْنَى مُحَكَّمَةٌ أَيْ هِيَ الْمَرْجِعُ عِنْدَ النِّزَاعِ ؛ لِأَنَّهَا دَلِيلٌ يُبْنَى عَلَيْهِ الْحُكْمُ ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ الْقَائِلِ { مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ }: وَقَدْ أَوْضَحَتْ الْمَجَلَّةُ هَذِهِ الْمَادَّةَ بِقَوْلِهَا : إنَّ الْعَادَةَ عَامَّةً أَوْ خَاصَّةً تُجْعَلُ حَكَمًا لِإِثْبَاتِ ( حُكْمٍ شَرْعِيٍّ ) وَالْعُرْفُ وَالْعَادَةُ إنَّمَا تُجْعَلُ حَكَمًا لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إذَا لَمْ يَرِدْ نَصٌّ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ الْمُرَادِ إثْبَاتُهُ ، فَإِذَا وَرَدَ النَّصُّ عُمِلَ بِمُوجِبِهِ وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ النَّصِّ وَالْعَمَلُ بِالْعَادَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْعِبَادِ حَقُّ تَغْيِيرِ النُّصُوصِ ، وَالنَّصُّ أَقْوَى مِنْ الْعُرْفِ ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ قَدْ يَكُونُ مُسْتَنِدًا عَلَى بَاطِلٍ ، كَمَا سَيَأْتِي فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ ( 37 ) . أَمَّا نَصُّ الشَّارِعِ ، فَلَا يَجُوزُ مُطْلَقًا أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى بَاطِلٍ ، فَلِذَلِكَ لَا يُتْرَكُ الْقَوِيُّ لِأَجْلِ الْعَمَلِ بِالضَّعِيفِ ، . انتهى.
بقي في هذا الصدد أن نبين أن الاصطلاح هذا أصلا وهو الذي قد يكون مبنيا على باطل، غالبا لا يأتي من الأعراف، ولا من اعتياد الناس فعلا معينا، حتى يقال أنه من العرف الذي يحكم في الأفعال، بل قد يطلقه أهل اختصاص معين ومن ثم تتقبله العامة، فمصدره إذن أهل الاختصاص، من هذا عملة أهل بلد ما، يطلقها أهل الاختصاص ويعمل بها، وقد يكون هذا الاصطلاح مما يعرفه القاصي والداني فلا يقال أنه من الأعراف، كاصطلاح الدار أو الصديق،
وقد نحتج على من يريدون تحكيم العادة في الشرع بأنها مدعاة لضياع الحقوق، فهب أن بائعا يتجول بين قرى، فإن أجرى العقد على بيع الثوب بثلاثة، ولم يحدد العملة، فادعى المشتري أنها الدراهم لعمل أهل البلد، وادعى هو أنها الدنانير لاعتياده هو عقد البيع بها، ورفعا أمرهما للقاضي، ففي تحكيم عرف هذا أو عرف هذا مضيعة للحق، فالعقود الأصل فيها الألفاظ والمباني لا المقاصد والمعاني، ولا تراعى فيها النيات، فالعقد أساسا بحاجة لتحديد هذه الأمور حتى يصح ويجري بناء عليه إحقاق حقوق، وتحكيم الأعراف تعسف يضيع حق هذا أو يغمط هذا حقه، كما أن الشارع لم ينص ولا في موضع على تعلم العادات والأعراف لتجري العقود بناء عليها، فإن جهلها جاهل حاسبناه بما يضيِّع حقه، فهذا تكليف لا يطاق، فمن له أن يعرف عادات كل أهل قرية قبل أن يجري فيها العقود، أو يفتي فيها بالفتاوى، تاركا اللغة العربية ودلالات ألفاظها، راميا عرض الحائط بالنصوص من أجل مراعاة عادات بالية قد يكون أساسها عقائد شركية كتعظيم الديكة عند بعض الأقوام تبعا لمدعي نبوة ظهر منذ بضعة مئات من السنين لديهم، أو عادات ظهرت نتيجة تقليد الغرب الكافر وما إلى ذلك تتغير بناء عليها الأحكام الشرعية العملية المنصوص عليها بالنصوص الجلية التي وصفها عليه الصلاة والسلام بقوله: تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها.
يتبع إن شاء الله تعالى

البحر المحيط > مباحث العام > فصل فيما ظن أنه من مخصصات العموم
درر الحكام في شرح مجلة الأحكام > مقدمة كتاب درر الحكام محتوية على مقالتين > المقالة الثانية في بيان القواعد الكلية الفقهية >
أبو إبراهيم
هل سيطول انتظارنا للجزء الثاني أبا مالك ؟؟
أبو مالك
لا يصلح الانسان في أي زمان أو مكان إلا بالاسلام الحلقة الخامسة عشرة
العادة محكمة الجزء الثاني


الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى
فرقنا في الحلقة الماضية بين العرف القولي (الاصطلاح) والعرف الفعلي، وسنحرر هنا بحول الله تعالى الفرق بين التقدير وبين العرف، فنقول وبالله تعالى التوفيق:
الفرض بمعنى التقدير، جاء في كتاب العناية شرح الهداية: وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ التَّقْيِيدَ ثَبَتَ بِإِشَارَةِ قَوْله تَعَالَى { قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ} لِأَنَّ الْفَرْضَ بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ، وَكَانَ الْمُرَادُ بِأَمْوَالِكُمْ فِي قَوْله تَعَالَى {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ } مَالًا مُقَدَّرًا، وَبَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ مِقْدَارَهُ وَهَذَا لِأَنَّ كُلَّ مَالٍ أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ تَوَلَّى بَيَانَ مِقْدَارِهِ كَالزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَغَيْرِهَا فَكَذَلِكَ الْمَهْرُ .
جاء في الموسوعة الفقهية: فَرْضٌ التَّعْرِيفُ: الْفَرْضُ لُغَةً: مِنْ فَرَضْت الشَّيْءَ أَفْرِضُهُ فَرْضًا: أَوْجَبْته وَأَلْزَمْت بِهِ. وَيَأْتِي الْفَرْضُ بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ، فَيُقَالُ: فَرَضَ الْقَاضِي النَّفَقَةَ فَرْضًا بِمَعْنَى: قَدَّرَهَا، وَالْفَرْضُ كُلُّ شَيْءٍ تَفْرِضُهُ، فَتُوجِبُهُ عَلَى إنْسَانٍ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، وَالِاسْمُ الْفَرِيضَةُ.
وجاء في كشف الأسرار للبزدوي: فِي مَسْأَلَةِ الْمُفَوِّضَةِ وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى { قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ } وَالْفَرْضُ لَفْظٌ خَاصٌّ وُضِعَ لِمَعْنًى مَخْصُوصٍ، وَهُوَ التَّقْدِيرُ فَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ الْمَهْرَ مُقَدَّرًا شَرْعًا كَانَ مُبْطِلًا، وَكَذَلِكَ الْكِنَايَةُ فِي قَوْله تَعَالَى مَا فَرَضْنَا لَفْظٌ خَاصٌّ يُرَادُ بِهِ نَفْسُ الْمُتَكَلِّمِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِلْإِيجَابِ وَالتَّقْدِيرِ؛ وَإِنَّ تَقْدِيرَ الْعَبْدِ امْتِثَالٌ بِهِ فَمَنْ جَعَلَ إلَى الْعَبْدِ اخْتِيَارَ الْإِيجَابِ وَالتَّرْكِ فِي الْمَهْرِ وَالتَّقْدِيرِ فِيهِ كَانَ إبْطَالًا لِمُوجِبِ هَذَا اللَّفْظِ الْخَاصِّ لَا عَمَلًا بِهِ وَلَا بَيَانًا لَهُ لِأَنَّهُ بَيِّنٌ.
نلاحظ هنا أن الشارع أمرنا بتقدير مهر أو بتقدير نفقة، وما إلى ذلك، أو أنه قدر أقلها، والتقدير هذا لا شك أنه غير الاصطلاح، أي غير العرف القولي، وهو أيضا غير العرف، لأن التقدير ليس هو الحكم أي ليس هو الذي يقرر الحكم، بل يعين المقدار الذي يجري عليه الحكم، بينما العرف يعين الحكم نفسه، ولتوضيح ذلك، نضرب مثالا، هب أن العرف يقضي كما في بعض البلاد أن والد العروس يجهز لابنته بيتها ويدفع الصداق للخاطب، فهذا حكم يجري عليه القضاء على غير ما سنه المصطفى صلى الله عليه وسلم، بحيث تجد أن أهل العروس يتكفلون إلزاما بهذا كله، فهنا مثال على الحكم الآتي من جهة العرف، أو مثلا تجد في بلاد الإفرنج أن المطلقة تقتسم مع من طلقها أمواله، فهذا حكم يجري عليه القضاء ولا يخالف لديهم، وهذا كله غير تقدير ما سيجري عليه الحكم، والذي نمثل عليه أن ينفق موسر على أهله بحسب يساره وسعته، عملا بقوله تعالى لينفق ذو سعة من سعته، إلى قوله تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا ما أتاها،
فهنا الكلام عن مقدار ما سيجري الحكم عليه، أي أن الحكم قرره الشارع أصلا وهو وجوب النفقة أو المهر،
وما إلى ذلك ثم يأتي دور تقدير ما سيجري الحكم عليه فهو غير الحكم أي أن التقدير غير العرف، فحكم الإفرنج لا يتخلف لديهم، فتأخذ المطلقة نصف مال زوجها دوما، وعند تعارض هذا الحكم مع حكم الشارع لا يؤبه بحكم الشارع، فهو حكم يقضي قضاء على صورة معينة في كل مسألة من هذا النوع.
قال العلامة النبهاني رحمه الله تعالى: وأما التقدير فهو يخالف العرف ويخالف الاصطلاح، لأنه خاص بأشياء معينة يوجدها وضع السوق، أو وضع المجتمع، كتقدير الأثمان، والأجور، والمهور.
فالحَكَمُ يوجب النفقة، أو المهر، أو متعة الطلاق، أو أجرة الدار، والخبراءُ يقدرون ذلك بأنه هو الذي أوجده السوق، أو الوضع، أي هو الموجود بين الناس. إ.هـ. فأجرة بيت في دمشق تقدر بغير تقدير دار في القاهرة، يحدد هذا السوق ووضعه، ويقدره الحَكَمُ، فلا تكون له علاقة بالحكم، إذ هو لا يقرر الحُكْمَ، وإنما يعين المقدار الذي جرى الحُكْمُ عليه، ولا يخفى على عاقل أن هذا ليس مصدره العرف، بل وضع المجتمع، فهو خارج عنه، فعين المجتمع إذا جرى فيه رخاء وتوسع الناس ارتفعت الأجور، ولا تغيير لأعرافهم، وعين المجتمع الذي تسري في عروقه ذات الأعراف، تجد سعة الغني تختلف عن سعة الفقير، وهذا يأثر على مقدار ما سيجري عليه الحكم ولا يغير في الحكم شيئا، ألا ترى أن فقيرا لو طلق في ذات البلدة وطلق غني، فإن ما سيقدره القاضي أو الخبراء من نفقة سيختلف مع أن العرف هو هو، وألا ترى أن من سيقدر هم الخبراء لا العرف نفسه، والأهم من ذلك أن هذه الأمور التي تجري فيها التقديرات إنما هي ما نص الشارع على أن تقدر فيها الأمور التي سيجري الحكم عليها، فلا تسحب على قضايا غيرها من غير دليل، ولا أدل ولا أوضح لبيان ذلك من ضرب المثال التالي، لو أن العرف نص على أن لا ينفق الغني على زوجته الغنية، فلا يؤخذ به ولا يحكم، لأن الموضوع محل البحث هنا هو مقدار هذه النفقة يقدرها الخبراء بحسب سعة الغني فليس المطلوب هو تحكيم العرف ولكن تقدير ما سيجري عليه الحكم:
يقول العلامة النبهاني رحمه الله في الشخصية الاسلامية الجزء الثالث: وعلى هذا يخطئ الذين يخلطون بين العرف والاصطلاح والتقدير، لأن واقع كل منها غير الآخر، فاعتبارها كلها من قبيل العرف يخالف الواقع فضلاً عن أنه يخالف الشرع، لأن الشرع قد اعتبر الاصطلاحات اللغوية والعرفية، وجعل الأحكام بحسبها، واعتبر التقديرات وجعل أحكام الشرع سائرة بموجبها. بخلاف العُرف فإن الشرع قد جاء بمعالجات للأفعال والأشياء، ولم يعتبر العرف مطلقاً، ولم يجعل أي تحكيم له في أفعال العباد ولا الأشياء، بل حَصَر المعالجات بخطاب الشارع وحده. إ.هـ.
لقد فقد بعض من توسعوا في مسالة العرف أو العادة، فحكموها في غير المصطلحات والتقديرات، بَوْصَلَتَهُم، ولو أردنا الرد عليهم بكلمة واحدة جامعة مانعة لقلنا لهم أن المتولي للحكم على أفعال العباد هو الشارع وحده ولم يتركنا هملا ولا في مسألة واحدة وقد سبق إثبات ذلك في حلقة سابقة أجمع ما فيها قوله تعالى "أيحسب الانسان أن يترك سدى"، فلم تترك الشريعة شاردة ولا واردة إلا وبينت فيها حكم الشارع الذي سيحاسبنا بناء على التزامه، فعلام إدخال غير الله تعالى في التشريع؟ تأمل هذا القول الرائع الذي جاء في البحر المحيط،
الِاسْتِدْلَال عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ حَقٌّ عِنْدَ الْبَيْضَاوِيِّ وَغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، لَلَزِمَ مِنْهُ تَكْلِيفُ الْمُحَالِ . والله تعالى لم يكلفنا المحال، فلا يكون الحكم حكما شرعيا إلا بدليل شرعي، يبين لنا أنه خطاب الشارع المتعلق بأفعالنا، وإلا فهل يقول عاقل بأن الله تعالى سيحاسب العباد على عدم اتباع بعضهم البعض في التشريع؟ فإن أخذوا حكما من العرف أي مما تعارف البشر عليه من غير أصل وجدوه في خطاب الشارع، أو رفضوه أيحاسبهم الله عليه؟ تأمل قول الزركشي إذ قال من نفيس الكلام يرحمه الله تعالى:
إطْبَاقُ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ هَذَا الدَّلِيلُ يَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ فِي مَوَاضِعَ، كَاسْتِدْلَالِ أَصْحَابِنَا عَلَى طَهَارَةِ الْإِنْفَحَةِ بِإِطْبَاقِ النَّاسِ عَلَى أَكْلِ الْجُبْنِ، وَاسْتِدْلَالُهُمْ عَلَى جَوَازِ قَرْضِ الْخُبْزِ. وَاسْتِدْلَالُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِصْنَاعِ لِمُشَاهَدَةِ السَّلَفِ لَهُ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ مَعَ ظُهُورِهِ وَاسْتِفَاضَتِهِ، وَدُخُولُ الْحَمَّامِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ أُجْرَةٍ وَلَا تَقْدِيرِ انْتِفَاعٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَهُوَ يَقْرُبُ مِنْ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ مِنْ غَيْرِ تَقْرِيرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْفِعْلِ، مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ يَقُومُ مَقَامَ التَّصْرِيحِ بِالتَّجْوِيزِ، لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ لَازِمٌ لَلْأُمَّةِ ، بَلْ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْكَلَامِ عَلَى وُجُوبِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ : وَقَدْ يَسْتَدِلُّ الشَّافِعِيُّ عَلَى وُجُوبِ الشَّيْءِ بِإِطْبَاقِ النَّاسِ عَلَى الْعَمَلِ ، وَمَا كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ فَالْعَادَةُ لَا تَقْتَضِي تَرَدُّدَ النَّاسُ فِيهِ . انْتَهَى . وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ : هَذَا لَا يَتِمُّ إلَّا إذَا اتَّفَقَ فِي عَصْرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ . وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَتَزَايُدُ الْحَالِ إلَى هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي كَمْ فِيهِ مِنْ بِدْعَةٍ ، وَقَدْ تَوَاطَئُوا عَلَى عَدَمِ الْإِنْكَارِ لَهَا ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ الْإِطْبَاقَ عَلَى الْفِعْلِ مَعَ عَدَمِ النَّكِيرِ دَلِيلًا عَلَى الْإِبَاحَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ . وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ يُكْثِرُ الْجُلُوسَ عَلَى رَبِيعَةَ ، فَتَذَاكَرَا يَوْمًا ، فَقَالَ رَجُلٌ : لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : أَرَأَيْت إنْ كَثُرَ الْجُهَّالِ حَتَّى يَكُونُوا هُمْ الْحُطَامُ فَهُمْ الْحُجَّةُ عَلَى النَّاسِ . قَالَ رَبِيعَةُ : أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يَقْبَلُهُ إلَّا الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ .
..... قَالَ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْأَحْكَامَ وَقَعَتْ عَلَى الْعَادَاتِ فَغَلَطٌ ، بَلْ هِيَ مُبْتَدَأَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ . .
فهنا ثلاث مسائل: أولاها: أن الحجة التي أقامها الله على العباد لا تكون إلا مما جاء به الوحي، والعرف الفعلي الذي لا يستند إلى الوحي لا تقوم به حجة، وبالتالي:
وَحُجَّةُ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ قَامَتْ وَاسْتَبَانَتْ لِكُلِّ مَنْ بَلَغَتْهُ النِّذَارَةُ مِنْ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ وَبَرٍّ وَفَاجِرٍ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الْغَيِّ} وَقَالَ تَعَالَى: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مِنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}.
والمسألة الثانية قول الزركشي رحمه الله: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْأَحْكَامَ وَقَعَتْ عَلَى الْعَادَاتِ فَغَلَطٌ ، بَلْ هِيَ مُبْتَدَأَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ.
وهذا أصل عظيم ينبغي تذكير الآخذين بالعرف الفعلي به، فيه مهلكة تودي بقائلها إلى أن يحكم غير الله تعالى في أفعال العباد.
علاوة على ذلك فالاحتكام إلى الأعراف وتحكيمها في الشرع يضع المجتهد أمام أحد خيارين: إما أن يكون هذا العرف موافقا للشرع، فعليه أن يعمل بالشرع وأن لا يلتفت إلى غيره، وعمله وتقريره إنما يكون للشرع لا للعرف، ولا يقال أن الشرع أقر أعرافا معينة واعتبرها، لأن الدين بداهة لا بد أن يلتزمه المسلم لكونه من أوامر الله ونواهيه، فالأخلاق مثلا لا يتصف بها المسلم لذاتها ولا لما فيها من منفعة، بل يتصف بها لأنّ الله أمر بها فقط لا لأي شيء آخر، فلا يتصف المسلم بالصدق لذات الصدق ولا لما فيه من منفعة، بل لأنّ الشرع أمر به.
أما عدم اتصاف المسلم بالخلق لذات الخلق فيرجع إلى وصف الأفعال، فقد يكون الفعل الذي فعله الإنسان لذاته قبيحاً وهو يظنه حسناً فيقوم به، وقد تكون الصفة التي اتصف بها لذاتها صفة قبيحة وهو يظنها صفة حسنة فيتصف بها وهنا يقع الخطأ من قيام الإنسان بالأخلاق لذات الأخلاق. وما لم يعين الإسلام الصفات الحميدة والصفات الرديئة، ويقوم بها المسلم على أساس هذا البيان، لا يمكن أن يكون اتصافه بهذه الصفات متفقاً مع الأحكام الشرعية، ولذلك لا يجوز للمسلم أن يتصف بالصدق لذات الصدق، ولا يرحم الضعيف لذات الرحمة، ولا يتصف بكافة الأخلاق لذات الأخلاق، بل يتصف بها لأنّ الله أمر بها، إذ أن هذه الأخلاق إنّما تستند إلى العقيدة الإسلامية، وهذا هو الأمر الجوهري فيها. وهذا هو الذي يكفل تمكن الخلق من النفس، وبقاءه مطهراً لها من كل دنس، ويجعلها بعيدة عن أن تتسرب إليها أسباب تفسدها. ولذلك كانت الوقاية للخلق، أن يقتصر فيه على ما ورد به النص، وأن يحصر في الأساس الروحي ويبنى على العقيدة الإسلامية.
وقد بينا سابقا أن الشرع لم يترك الناس سدى، فما ثمة أمر إلا وبينت الشريعة الغراء حكمه، فلا نقص إذن يستدعي تحكيم العرف، وإما أن يخالف الحكم الشرعي العرف فعليه أن يضرب بالعرف عرض الحائط،
وجاء في الموسوعة الفقهية باب شروط اعتبار العرف ما يلي:
13 - يُشْتَرَطُ فِي الْعُرْفِ الْمُعْتَبَرِ شَرْعًا : أَلَّا يُخَالِفَ النُّصُوصَ الشَّرْعِيَّةَ ، بِمَعْنَى أَنْ لَا يَكُونَ مَا تَعَارَفَ عَلَيْهِ النَّاسُ مُخَالِفًا لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا ، وَإِلَّا فَلَا اعْتِبَارَ لِلْعُرْفِ ، كَتَعَارُفِ النَّاسِ شُرْبَ الْخَمْرِ وَتَبَرُّجَ النِّسَاءِ وَالتَّعَامُلَ بِالْعُقُودِ الرِّبَوِيَّةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ إنَّ مُخَالَفَةَ الْعُرْفِ لِلنَّصِّ تَأْتِي عَلَى وَجْهَيْنِ : فَإِذَا خَالَفَ الْعُرْفُ النَّصَّ الشَّرْعِيَّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِالنَّصِّ ، وَلَا اعْتِبَارَ لِلْعُرْفِ ؛ لِأَنَّ النَّصَّ أَقْوَى مِنْ الْعُرْفِ ، وَلَا يُتْرَكُ الْأَقْوَى لِمَا هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ ، سَوَاءٌ كَانَ الْعُرْفُ عَامًّا أَوْ خَاصًّا . وَإِذَا خَالَفَ الْعُرْفُ النَّصَّ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ ؛ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ الْعُرْفُ مُخَصِّصًا وَلَا مُقَيِّدًا لِلنَّصِّ ، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ الْعُرْفَ يُخَصِّصُ النَّصَّ وَيُقَيِّدُهُ وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ انتهى
والأمر الثالث: على أنه يلاحظ خلط بين ما أقره رسول الله عليه سلام الله وما بين ما حُكمت فيه العادة بعد ذلك،
فالرسول صلى الله عليه وسلم سنته من أصول الدين، ودليل من الأدلة التي ترد إليها الأحكام، وكذلك يلاحظ إجماع الصحابة رضوان الله عليهم أي سكوتهم وتقريرهم لأمور معينة، فهذا لا يقال عنه عرف، بل هو إقرار بأن الشارع شرع أمرا نقله لنا الصحابة من خلال إجماعهم على وجود دليل عليه، فلا يخلط هذا كله بما يسمى العرف أي بعرف العامة والدهماء والذي يبنى على الباطل في كثير من الأحيان ولا يمكن اتخاذ مثله حجة بين الله تعالى وبين الناس. يراجع كلام الزركشي أعلاه ففيه بيان ذلك أيضا
والحمد لله رب العالمين
يتبع إن شاء الله تعالى
أبو إبراهيم
أكرمك الله أخي أبو مالك

وزادك علماً وفقهاً ورفعة ً
الباحث محمد
للرفع والتذكير
الباحث محمد
للرفع
أبو مالك
لا يصلح الانسان في أي زمان أو مكان إلا بالاسلام:
الحلقة السادسة عشرة: المشكلات الزائفة وخطرها الماحق على طريقة تفكير المسلمين
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدي رسول الله،
من يطلع على الفكر الغربي ويدرس منهجية الغربي في التفكير، ويطلع على أساليب الغرب في حربه على الاسلام يدرك خطورة الموضوع الذي نتناول، ففي المصطلح الغربي هنالك مشكلات يسمونها: المشكلات الزائفة ، والتي بنيانها يقوم على ما يسمى النقائض، Antimony فبعد معارك بين الكنيسة والدولة، الدين والعقل، الايمان والعلم، أرسطو والطبيعة، الأصالة والمعاصرة، الديمقراطية والدكتاتورية، وما إلى ذلك، تركزت فكرة النقائض كمدخل لبحث أمثال هذه القضايا، بحيث يكون السؤال المطروح: هل يمكن الجمع بين الدين والعقل؟ إن لم تكن مع الديمقراطية فهل الدكتاتورية هي البديل؟
انتقلت هذه المشاكل الزائفة إلى عالمنا الاسلامي مع عصر الاستعمار الأول وقبيله، أحيانا مع نتيجتها التي وصل الغرب إليها وهي استحالة الجمع بين الدين والسياسة، ونتذكر أنه لقرون استمر الجدال حول تناقض العلم مع الايمان ما بين فريق يدافع وآخر يهاجم، وثالث بين بين.
يقوم الغرب ببث فكرة في الشارع ضمن نطاقين: هل الاسلام جامد أم متطور؟ فينقسم الناس إلى فريق مع هذا الاتجاه، وآخر مع الاتجاه الثاني وثالث بين بين.
وهذا هو المراد، فغالب الناس تميل إلى التوفيق والتلفيق، وعدم إمعان النظر للوصول إلى نتائج مبنية على أسس صحيحة في التفكير، وبالتالي سيكون رأي الغالبية تلفيقي بين بين، يكون الغرب قد حقق هدفه بأن أزاح غالبية الناس نصف المسافة بعيدا عن الفكر الأول، أو الثاني، إن كان أحدهما صحيحا، أو يكون قد ألبس على الناس البحث في قضية موهومة، زائفة لا أصل لها، فيتشكل الوعي العام على أساس أنها حقيقة ثابتة والاسلام من كلا الرأيين المتناقضين براء.
ونحن نعلم أن الاسلام لا يوصف بالجمود بالمعنى المشاع عند الناس بأنه لا يملك حلا لقضايا مستجدة، وليس بالمتطور بمعنى أنه يتغير بتغير الزمان والمكان، فالغرب أشاع المصطلح بمضمون غامض، وفهمه العامة بفهمه الغامض، واتخذوا موقفا بعيدا كل البعد عن فهم طبيعة الاسلام لأنهم انطلقوا من مشكلة زائفة لا أساس لها، وبالتالي حقق الغرب مراده بأن أوصل الناس إلى فهم أن الاسلام ليس بجامد ولا متطور مسقطا المفهوم الغربي للجمود والتطور على الاسلام والاسلام منهما براء.
وكمثال يوضح كيف أن إزاحة الناس نصف المسافة عن الفكر الصحيح يحقق للغرب مراده، نتناول الحكم الشرعي القاضي بفصل الرجال عن النساء في الحياة الخاصة، وهو ليس من المشاكل الزائفة لكن نطرحه لتقريب الفهم، هذا الحكم ثابت معلوم من الدين بالضرورة، لكن مع تغير الأحوال وانقلاب المعايير لدى بعض المسلمين، تجد بعضهم يبقى إلى جانب التزام الشرع بفصل الرجال عن النساء، والبعض يذهب إلى التحلل من هذا الحكم والتزامه، والتوفيقيين بين بين، على شاكلة ما يسمى: لا إفراط ولا تفريط، فكونهم بين بين يعني أنهم ابتعدوا نصف المسافة بين الحكم الشرعي ونقيضه، فحقق الغرب بذا مراده بفك الارتباط الوثيق بين المسلم وبين الحكم الشرعي الذي عليه أن يضبط به أعماله.
ولنطرح إشكالية العقل والنقل، كنقائض مطروحة في ضمن مشكلة زائفة، هل الاسلام يلغي العقل أم يتجمد عند النقل ولا يتطور ليواكب العصر وتقدم البشرية، هكذا يأتي الطرح داسا السم في الدسم.
فمن واقف إلى جانب أن الاسلام دين العقل، والبحث هنا في التشريع، ومن واقف إلى جانب أنه دين النقل، والغالبية ستكون في المنتصف، أزاحها الغرب عن الفهم الصحيح للمسألة، وبقيت في دائرة أنه ليس عقليا محضا ولا نقليا محضا، فحقق الغرب مراده بأن أزاحهم عن الموقف الصحيح الذي كان عليهم أن يقفوه أمام هذه المشكلة الزائفة، لأن للعقل دوره وللنقل دوره وللواقع دوره، والعقل ليس بمشرع أبدا حتى يوضع إزاء النقل كمصدر لحل المشاكل التي تعترض الانسان في سيره في طريق النهضة، وبالتالي فمن وقف بين بين جعل العقل حاكما في قضايا والنقل في غيرها، وخصوصا دائرة العبادات، فيكون الغرب قد حقق مراده بأن جعل العقل حكما في قضايا يسميها قانونية مما يشكل مدخلا لإدخال القوانين الغربية لتكون مكافئة للتشريع الاسلامي فيأخذ المتشرعون من القوانين الغربية ومن الشريعة محققين اتزانا تلفيقيا توفيقيا بين بين، أساسه مشكلة زائفة.
فالمراد إذن للناس أن يعدلوا ولو قليلا أي ينحرفوا ولو قليلا عن المراد الأصلي لهم من قبل الشارع، فما هذه إلا أفخاخ فكرية المراد منها إيجاد تيار توفيقي يصب في حرف الناس عن مراد الشارع منهم.
لنضرب مثالا يتعلق بدعوات ما يسمى بتطوير الشريعة: كتاب الرخص الفقهية للدكتور وهبة الزحيلي: قال فيه ما مفهومه: أننا في عصر نحتاج فيه إلى التشريع كثيرا، ويمكننا أن نستمد هذه التشريعات من المذاهب الثمانية (الفقهاء الأربعة والجعفرية والزيدية والإباضية .. الخ) قال المبرر لذلك: حتى لا نأخذ من الفقه الغربي، نأخذ نفس المسائل من الفقه الاسلامي، ننتقيها انتقاء.
وورد عن الشيخ مصطفى المراغي، أنه قال للمتشرعين الذين يسنون الدساتير من القوانين الغربية، أنتم قولوا لي ما القانون المراد وأنا أبين لكم المذهب المناسب لهذا القانون.
ففي النهاية الشريعة ترتمي في حضن القانون، وتتساوى الشريعة مع القانون، فإذا أخذنا بالقانون نكون قد تركنا الشريعة وهذا المطلوب من الغرب، لأن الحكم حتى يسمى إسلاما لا بد أن يكون مصدره الوحي وأن يؤخذ على أساس أنه من الوحي باستنباط على أساس أصول الفقه، ولا يكون الحكم شرعيا إن أخذناه من الغرب ووجدنا ما يوافقه أو لا يتعارض معه في الشرع لأن مصدره الغرب لا الوحي.
فعندما نوفق نكون قد صبت جهودنا في خانة الانسلاخ عن الاسلام وهذا ما يريده الغرب منا ولنا.
أمر آخر ينبغي التنبه له في تعاملنا مع هذه الفخاخ الفكرية، يقول عليه الصلاة والسلام الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات، ويعاني المسلمون نتيجة تلبيس الغرب الكافر عليهم من خلال فخاخه الفكرية من أمرين خطيرين: المصطلح والمنهاج.
فعندما يطرح مسلم إشكالية تطور الشريعة مثلا يفترض به أن لا يكون مفهوم هذا المصطلح لديه غامضا، أو ضبابيا، بل يفترض أن يكون مفهوم هذا المصطلح واضحا في الذهن ومحددا ومنضبطا.
كذلك استعمال الفكر لا بد له من منهجية لضمان أن لا تكون النتائج فوضوية ومبعثرة.
وتدور بين المسلمين الكثير من المفاهيم يرددونها ويتداولونها، وكثيرا ما يكون مرادهم منها غير مفهوم أو غير منضبط لديهم، وإنما يرددونها جراء وقوعهم في شراك الفخاخ الفكرية المار ذكرها.
فترى أحدهم يتحدث عن المصطلح من منطلق يختلف عن ما يفهمه الثاني منه ويرد الثاني عليه منطلقا مما يفهمه هو من هذا المصطلح، فيكون الحوار أشبه ما يكون بحوار الطرشان.
في علم البحث والمناظرة، ذلك العلم الذي كان أول من كتب فيه وأبدع فيه العلماء المسلمون، وهو متفرع عن علم أصول الفقه، تجد أن أول باب فيه يسمى باب الاستفسار، ومعناه قبل أن أناظر خصمي أو أخي يفترض أن أسأله ماذا يقصد بالمصطلح الذي طرحه، لأن هذا يجلو النقاش، ويمنع من حصول الرد والرد على الرد من منطلق الأفهام المتعددة لهذا المصطلح في أذهان المتحاورين.
فمثلا مصطلح تطوير الشريعة لدى من يطرحه هل هو واضح في ذهنه؟ وهل العلوم الشرعية جامدة أصلا بحاجة لتطوير؟ وهل حقا باب الاجتهاد مغلق؟ وهل اكتفى المسلمون بالأحكام التي استنبطوها من النصوص منذ عصر الأئمة الأربعة وما عاد ثمة من اجتهاد يتنزل على القضايا المستجدة؟ وهل مراد الشخص الذي يطرح مسألة التطور يصب في ما نسميه شرعا بالاجتهاد؟ بمعنى إنزال الأحكام المستنبطة من المصادر التشريعية التفصيلية: الكتاب والسنة وما أرشدا إليه على الواقع لإعطاء حكم الله في هذا الواقع؟ أم أن قصده التخلي عن هذه الأحكام وهذه المنهجية في التفكير لدى المسلمين والانسلاخ عنها وإطلاق العنان للعقل ليشرع؟ وهل الشريعة مرنة؟ ما المقصود بهذه المصطلحات الزئبقية: التطور، المرونة، الجمود... وما إلى ذلك.
وهنالك مدرستان: مدرسة تحاول أن تسقط المفاهيم والمعاني المطروحة على النصوص، فتلبس المصطلح الشرعي مفهوما غير شرعي، ومدرسة تأتي بالمصطلح غير الشرعي وتعطيه مفهوما أو معنى شرعيا، فكلتاهما تقعان في الفوضى.
فمثلا لفظة تطوير غير واضحة المعالم وغير منضبطة ويمكن أن تفهم بعشرات الأفهام، بينما مصطلح اجتهاد له مفهومه المنضبط والتعامل معه يتم من خلال منهجية مأصلة وعلى مدار قرون.
فعند قولنا اجتهاد نحدد إذن كيفية التعامل مع الواقع ومع النصوص، فهذه أول محاولة لضبط المصطلح.
ثانيا: الاجتهاد هو إعمال الفكر في النص، مع العودة إلى طرق استثمار الأحكام الشرعية من اللغة، إذن هناك ثلاثة أركان اللغة من طرف، والفكر من طرف أي الفكر الفاهم لمدلولات النص ولكيفية إنزال النص على الواقع، ولكيفية تحديد مدى انطباق النص على الواقع، والنص من طرف.
أما القول بأن العقل وحده يشرع، فهذا لا يعدو في أحسن الأحوال أن يكون دخولا في الاعتزال بجعل التحسين والتقبيح عقليين، أو في الإيغال لما وراء ذلك بجعل العقل مشرعا مكان الوحي، وبالتالي ندخل في العلمانية وفصل الدين عن الحياة، فنحن إذن أمام وقائع استجدت بحاجة لإنزال الحكم الشرعي عليها، وهذا ما يسمى الاجتهاد، أما تسميته بالتطوير فإنزال لمصطلح غربي على مفهوم إسلامي، ولكن المدرسة التي تقوم على هذا لا تكتفي بذلك، أي أن ما تقوم به ليس مجرد تغيير المصطلحات مع الإبقاء على المفاهيم الشرعية، بل إن المصطلحات التي تتعلق بها زئبقية الطابع، قابلة لأن تفهم فهما مائعا، متقلبا، بحيث لو كانت منضبطة في ذهن أحد رواد هذه المدرسة فهي ولا شك غير منضبطة لدى عامة المسلمين الأمر الذي يجعلهم يحيدون باتجاه البعد عن المفهوم الصحيح الذي كان على العالم أن يتعلق به منضبطا بمصطلحه الصحيح.
فتطوير الشريعة لتصبح مرنة يصبح مفهومه عند العامة إلغاء النص لصالح الواقع، وهو ما اصطلح عليه باسم فقه الواقع حديثا عند رواده من أتباع المدرسة الثانية، وهذا يوجد شرخا في التفكير الاسلامي، هذا الشرخ بين النص وبين الواقع ينسف التفكير الشرعي من جذوره، ويسلخ الواقع عن حكم الله فيه، لصالح الحكم الوضعي، فهم جاءوا بالمفهوم الغربي: جعل الواقع مصدرا للتفكير ليحكم العقل عليه، وألبسوه مصطلحا شرعيا: فقه الواقع، وهو المصطلح المتعلق بجزء من عمليه الاجتهاد يتناول فهم الواقع لأجل إنزال الحكم الشرعي عليه، وأمعنوا في تلبيسهم على المسلمين بقولهم: حتى إنك لترى أن ابن القيم سماه فقه الواقع!! ومراد ابن القيم صحيح ومرادهم المفهوم الغربي يبحثون له عن مصطلح شرعي ليروج في الأمة.
فتحديد المصطلح ومنهجية التعامل معه يحمينا من الوقوع في براثن المشاكل الزائفة، فلا نفكر حينها على أساس: الاسلام أهو جامد أم متطور؟ الشريعة هل هي مرنة أم متحجرة؟ والعقل أصلا ليس بحاكم، فإذا ترسخ ذلك لم نقع في أحابيل ما يسمى بتغير الأحكام بتغير الأزمان لأن قوام هذه الفكرة الفاسدة هي تحكيم العقل مكان النص، فالعرف ليس بحاكم، والعقل ليس بحاكم، فهذه الأمور الأساسية ينبغي أن ننتهي منها قبل الخوض في تفنيد هذه المشاكل الزائفة، أي أنه لا بد أولا من التأسيس لطريقة التفكير الاسلامية الصحيحة، لأن معنى تطور الشريعة ليس إلا تغيير الشريعة لأن التنازل عن الحكم الشرعي لصالح حكم العقل يعني تغيير الحكم الشرعي لا تطوره، فينتج لدينا شرع جديد لم يعرفه الأولون، وما أنزل الله به من سلطان.
أبو مالك
السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،
أبو مالك
للرفع
.
Invision Power Board © 2001-2012 Invision Power Services, Inc.