المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
التكتل الحزبي في آية
منتدى العقاب > الديوان العام > قسم المواضيع المتميزة
ابو عباده
كزرع أخرج شطأه
التكتل الحزبي في آية


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبعه وسار على نهجه الى يوم الدين !

يقول سبحانه وتعالى في محكم التنزيل:
﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا سورة الفتح آية 29 .

لا خلاف بين أهل التفسير في معاني الكلمات المذكورة في الاية الكريمة، ويكاد يصل توافقهم الى إجماع في بيان المقاصد اللغوية والشرعية، الا القليل النادر من الخلافات الصغيرة مع بعض الترجيحات هنا وهناك، والتي لم يكن لها الأثر المعتبر في بحثنا هذا. وعليه لم أذكر في هذا المقال مراجع التفسير ، واعتبر نفسي اخذت من جميعهم دون تفضيل احد منهم على آخر، فاستخلصت العظات والعبر بمجهود شخصي ، وان اخطأت بشيء فمني ومن الشيطان وان أصبت فمن الله تعالى صاحب المنّ والفضل، عليه توكلت وبه استعنت فقلت :

بعيدا عن الردود التي ظهرت تترا دفاعا عن شخص الرسول نتيجة الإساءات في حقه من قبل الكفار الحقودين، فهو كافيه المقام المحمود والدرجة الرفيعة العالية عند مليك مقتدر، وبعيدا عن رد الشبهات حول عدالة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، فهم بعدالتهم واستقامتهم أشهر من نار على علم وأوضح من الشمس في رابعة النهار.. بعيدا عن كل ذلك تعالوا بنا نسبح في رحاب هذه الاية العظيمة وننهل من معينها الذي لا ينضب فنرتوي من معانيها الفكرية العميقة، فتطمئن بها قلوبنا وترتاح بها نفوسنا وتخضع لها جوارحنا.. وذلك بنظرة بصيرة فيها وفيما حولها، وما يتعلق بها، لنستنير بنورها وهداها،عسى ان تكون لنا عبرة نأنس بروحها، وشعلة نور نستضيء بها الطريق.. طريق المصطفى مع صحابته الكرام نحو العزة والرفعة والتمكين.

تمهيد :

سورة الفتح سورة مدنية نزلت على رسول الله كاملة عقب صلح الحديبية مباشرة، في طريق العودة الى المدينة، بعد ان ابرم عليه الصلاة والسلام معاهدة الصلح مع أهل مكة،، ولو نظرنا الى ظاهر بنودها لوجدناها لا تعلو عن كونها تنازلات من رسول الرحمة ومكاسب لأهل مكة، الامر الذي دعا سيدنا عمر وهو أحد عباقرة زمانه ان يستنكر على رسول الله فعلته التي فعل، حتى اضطر النبي ان يقول: ( أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني ).
والحقيقة اثبتت فيما بعد ان الرسول ،علاوة على كونه نبيا، كان رئيس دولة لم تعهد البشرية ولن تعهد مثله قط في كيفية تعامله مع عدم الكشف السياسي، ونظرته البعيدة الى الموقف الدولي آنذاك، للتخلص من الحواجز المادية التي كانت تحول بينه وبين نشر دعوته، ليس في الجزيرة العربية فحسب، بل الى العالم بأسره. والحواجز المادية هي مكة في الجنوب المتمثلة في السيطرة على جزيرة العرب، وخيبر في الشمال التي تتمثل في السد المنيع امام نشر الدعوة الى العالم. كيف لا!! وقد كان القبول بشروط المعاهدة وحي من السماء وهو محاط بالرعاية الالهية ومحفوظ بالعيون الربانية. قبلها وهو يقول متوكلا على الله سبحانه : ( يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش، فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره أو تنفرد هذه السالفة ) .
نعم.. قالها وقلبه مليء باليقين والطمأنينة، ولم يراوده ادنى شك أن الله تعالى لن يضيعه ولن يخذله ولن يسلمه، بل فتح مبين ومغفرة ونعمة ونصر عزيز ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ● لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ● وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا حتى ان رجلا من اصحاب رسول الله قال: أي رسول الله أو فتح هو؟ قال‏ (‏ص) :‏ ( إي‏,‏ والذي نفس محمد بيده إنه لفتح ) ‏.

ابتدأ سبحانه هذه السورة الكريمة بالفتح المبين والنصر العزيز، واختتمها عز وجل بوصف تلك الجماعة التي استحقت هذا الفتح وهذا النصر، سرالفلاح والمغفرة والاجر العظيم وهو نفسه سر النصر والتمكين. هذه الجماعة ليست أي جماعة، انما هي كتلة الرسول ، وهو قائدها وأميرها، والله سبحانه وتعالى راعيها برعايته وحاميها بحمايته، وهو راض عنها، ليغيظ بهم الكفار فيمقتون ويخسأون.

اذا ، ما سر هذه الجماعة ؟ وما هي أوصافها ؟ وما هو عملها ؟ وعلى ماذا كان تكتلها ؟ وكيف كان ؟

هذه الاسئلة وغيرها يجيب عليها سبحانه جل في علاه في آية واحدة، وهي الآية الاخيرة من سورة الفتح. آية عظيمة، يستحق الوقوف عليها وتدبرها والتفكر في معانيها بعمق واستنارة، بمنظار فكري حركي تفاعلي شعوري، وخصوصا الشطر الثاني منها. فالشطر الاول منها يبحث في المواصفات الخُلقية التي سنمر عليها بأيجاز، لوضوحها الذي لا يقبل العناء في التفسير ولا في التأويل، أما الشطر الثاني وهو المواصفات التكتلية سنركز فيه وعليه أكثر لاستخلاص العبر الجلية وكشف المعاني الخفية.


المواصفات الخُلقية :

﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ
نعم الجماعة ونعم الصحبة ! يكون بانيها وقائدها ومحركها محمد رسول الله النبي الهادي. رسول الله ، هذه الصفة التي انكرها سهيل بن عمرو ومن وقف وراءه من مشركي قريش، يقرها رب العزة بالاسم ﴿مُّحَمَّدٌ تحديا وتكريما واظهارا وعلوا على معسكر الكفر والشرك والالحاد بأسره. أجمل به مربيا عظيما، وأكرم به أمينا صادقا، وأنعم به حاملا للأمانة والرسالة الى العالم والناس أجمعين، تحت ظروف يصعب علينا اليوم تصورها مهما خط القلم وبلغت الكلمات والجمل معانيها. محمد رسول الله يحمل الرسالة الخالدة بعيون الرعاية الالهية في صحراء قاحلة يسكنها أقوام وقبائل من العرب، أقل ما يوصفون به، أنهم همج مجرمون، الا القليل القليل من شيم القوم. وهو رسول الله ونبيه رغم أنف المشركين الضالين، ورغم انف الكافرين الخاسئين الحسودين. وكفى بالله شهيدا : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا .

﴿ وَالَّذِينَ مَعَه
رضي الله عنهم ورضوا عنه.. صحابة كرام بررة.. آمنوا به واتبعوه وعزّروه ونصروه.. أيدهم الله بنصره فأصبحوا ظاهرين مفلحين ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وهذه المواصفات تنطبق على كل من تبعه وتأسى به وسار على نهجه ، فكانت أول صفة لهم هي الايمان متعلق بالمعية ﴿مَعَه أي مع الرسول ، فأفاد هذا التعبير تمثيلا للبنيان المرصوص والجسم الواحد المتماسك، وهو كما قال : ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ) وشبك بين أصابعه، علامة التداخل والوحدة والقوة. ويكفي هنا اقرار نبي الرحمة حين قال : ( فوالذي نفسي بيده لو ان احدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه ) .

﴿أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ
الشدة على الكفار سبقت الرحمة فيما بينهم، وهذا هو جوهر الايمان ومتطلباته الاساسية.. أولا نبذ الكفر والطاغوت ومن ثم الاقرار والقبول بالاخوة والمحبة، فكلمة التوحيد ( لا إله الا الله ) تبدأ كذلك بالانكار وتنتهي بالاقرار. الشدة والغلظة والعزة هي صفات ملازمة للمؤمن في مواجهة الكافر حين يتطلب الامر ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ كما ويتطلب بديهيا عدم موالاتهم ابدا مهما كلف الامر، يقول عز وجل: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ويقول سبحانه: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، فليس هناك بين بين، ولا مكان وسط ، فإما كفر وإما أيمان، فلا بد اذا من المفاصلة الحتمية والقبول بها. هكذا كان الصحابة الكرام الذين تربوا على يدي الرسول الكريم الطاهرتين، فعادوا اباءهم وابناءهم وعشيرتهم واظهروا لهم الشدة والغلظة اذا ما أحبوا الكفر على الايمان، تمام الانصياع والخضوع والالتزام بامر الله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ اذا ما تطلب الامر. وتنعكس الشدة أكثر في المواجهة العسكرية وفي ساحات الجهاد، يقول تعالى : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ويقول سبحانه : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ .

﴿رُحَمَاء بَيْنَهُمْ
يقول تعالى في إتمام هذا الوصف : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين ويقول النبي : ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ) . أخوّة صادقة ومحبة لوجه الله تعالى خالصة ورحمة فيما بينهم واسعة محققة.. ينتج عنها التماسك والتعاضد الوحدويان كالجسد الواحد، يؤثر كل فرد من أفراده على نفسه ولو كان به خصاصة وحاجة ملحة، اذ انه يعلم علم اليقين ان ذلك راجع اليه بالخير والبركة عند الله تعالى وبالثواب العظيم، وكأنه يعطي نفسه، والخير الذي يصيب جزءا منه فكأنما أصاب كله. مثال لا مثيل له لبناء العلاقات الدائمية في المجتمع الصالح، وصورة فريدة للود والتعاطف والتلاحم في المجتمع السليم. إن دولة كهذه تقوم على أفراد كهؤلاء لا يمكن ان تكون الا قمة في العدل والاحسان، ونور هدى للبشرية جمعاء، لا سيما وان الرضا والتوفيق والألفة التي بينهم هي من صنيع العزيز الحكيم : ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .

﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا
أي من كثرة ركوعهم وسجودهم.. فرسان في النهار ، رهبان في الليل ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ ، روح التقرب الى الله في الخضوع والخنوع والتضرع ، لتقوية النفسية واستقامة الميول. ان كثرة الركوع تربي النفس على الاقرار الدائم لعظمة الله عز وجل، وكثرة السجود تنزع الكبر من النفس وتزرع فيها التواضع والتذلل. وقد ضرب الله تعالى الركوع والسجود مثالا لانهما أقرب ما يكون العبد فيهما الى الله العزيز الجبار. واكبر دليل على معرفة النفس هو معرفة مدى تقرب المرء الى الله سبحانه، وقياس ذلك يتحقق بمدى تقرب العبد من ربه بالنوافل، اذ ان النوافل يقوم العبد بها تطوعا ورغبة، اما العزائم فانما يقوم بها العبد وجوبا دون خيار، فيقول نبينا الكريم فيما يرويه عن ربه : ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشىء أحب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ) . كان الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين كثيري التقرب الى الله تعالى ، كثيري الصيام، كثيري القيام ، كثيري الانفاق في سبيل الله، كثيري الذكر وقراءة القرآن.. واذا قالوا قالوا خيرا، واذا سكتوا ترطبت السنتهم بذكر الله ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ .

﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا
يطلبون ويلتمسون بتقربهم الى الله تعالى الجزاء الحسن والثواب العظيم في الدنيا والاخرة، في الدنيا السعادة والطمأنينة والرزق الحسن، وفي الاخرة جنات عدن تجري من تحتها الانهار. والاعظم من ذلك انهم يطلبون ويلتمسون رضوان الله عز وجل، غاية المؤمنين ومبتغى المخلصين ﴿ وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ذلك وانهم يعلمون ان رضوان الله تعالى أعظم وأجل، وهو السعادة الكبرى في الجنة لقول النبي : ( إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً ) . إنها ذروة الاخلاص الخالص ونشوة الايمان الطيبة وسؤدد الرجاء ومعين الحلم وقمة العفو والاحسان.. لا حسد ولا رياء، لا كذب ولا مراء، عن شداد بن أوس قال: رأيت النبي يبكي ، فقلت: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال : ( إني تخوفت على أمتي الشرك، أما انهم لا يعبدون صنما ولا شمسا ولا قمرا ولا حجرا ولكنهم يراءون باعمالهم ) ذلك الشرك الاصغر، والشرك الخفي الذي هو أخفى من دبيب النمل وأخوف عند رسول الله علينا من المسيح الدجال، أعاذنا الله من فتنته.

﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ
ليس هناك قرينة تصرف المعنى وترجحه بين من قال من المفسرين ان سيماهم من اثر سجودهم ظاهر في الدنيا على وجوههم نتيجة الخشوع والوقار والتواضع، وبين من قال ان المقصود بها هي علامات النور والبشاشة يوم القيامة، كقوله جل في علاه : ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ . أيما القولان أرجح، فالعبرة هنا في أثر السجود، وقد تكرر ذكره في الاية لأهميته من حيث إلتماس الفضل والرضوان من الله تعالى. السجود الذي هو أقرب ما يكون العبد الى ربه فيه هو سائر على الدوام، قبل الفضل والرضوان تعبدا وتضرعا، وبعد الفضل والرضوان تحميدا وشكورا، في السراء والضراء، في السر والعلن، في الليل والنهار وعند الذكر وقراءة القران ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا في كل وقت وفي كل حين قائمون في صلاتهم يسبحون ويستغفرون ويذكرون.. زاد التقوى والايمان.

﴿ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ .


يتبع
ابو عباده
المواصفات التكتلية :

﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ :

﴿ كَزَرْعٍ
من هنا يبدأ السير التكويني للتكتل الحزبي الصحيح.. يبدأ بالبذرة السليمة والنواة الصالحة، انتقاءً دقيقا ، حتى تؤتي أكلها بعد حين طازجة لذيذة، تعجب الزراع، الذين قاموا بعنايتها وجدوا في رعايتها من اول لحظة، رعاية الام لطفلها، رعاية الرب عز وجل للمصطفين الاخيار من خلقه، رعاية الفلاح الذكي المجتهد لزرعه.. الفلاح الصالح الذي يحمل البذرة السليمة بعناية تامة، فيضعها في الارض الخصبة بعد ان ينبش لها بيده حفرة تناسبها، فيغطيها بالتراب حرصا عليها من مخاطر الاجواء الحارة والباردة، ومن هبوب الرياح العاصفة، ومن طمع الطيور الجائعة. ولذلك سمي الزراع بالكفار لانهم يغطون البذور كقوله سبحانه : ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ، وسمي الكافر كافرا لانه يغطي قلبه فينكر نعمة الله. ثم يترك الزارع هذه البذرة على حالها مغطاة ويقوم برعايتها وسقايتها، او الى حين ينزل عليها الغيث من السماء ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ، فتبقى البذرة الصغيرة البريئة الطرية مخبأة في التراب تحت الرعاية الالهية والتدبير الرباني تشرب وتتغذى من رزق الله عز وجل دون وجل ولا خوف، لا يراها طير جارح ولا يلمسها ريح عاصف ولا يلفحها حر ولا برد، انما تبقى تستسقي من معين الله الذي لا ينضب الى حين يأتي وقت الولادة، فتنفلق وتخرج منها الجذور لترسخ في الارض وتتثبت ﴿إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى فتقوى وتتجذر شيئا فشيئا، والغيث ينزل عليها كل حين بأمر ربه، لا ينقطع ولا ينفذ، عطاءً وغيثاً وسكينة وطمأنينة ورحمة.

أدرك نبينا الكريم ثقل الامانة وعظم المسئولية التي تنتظره، من اول لحظة نزل عليه الوحي، لذلك رجع الى اهله خائفا يرتجف وهو يقول : ( زملوني!! .. دثروني!! ) الى ان نزل عليه التكليف في العمل والجد في التبليغ : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ● قُمْ فَأَنذِرْ فلا راحة بعد اليوم ولا هزل ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ● وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ فاصبح الخلية الاولى لامر عظيم . فأخذ يجسد هذه الامانة الالهية ويصقل هذه الفكرة الربانية ( لا إله الا الله ) في تكتل خفي لبناء شخصيات متميزة. بدأ بحمل الدعوة لأفراد وآحاد من القوم المقربين انتقاءً ممن آنس فيهم الصلاح والقبول ، ليكوّن منهم الحلقة الاولى للكتلة ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ .
والحقيقة ان رسول الله بدأ بحمل الدعوة جهرا من اول يوم ادرك فيه انه نبي مرسل، ويدل على ذلك إظهار صلاته لله عز وجل امام الكعبة ووقفته المشهورة حين صعد الصفا وهتف : ( يا صباحاه ! .. يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب ! ) فاجتمعوا اليه، فقال : ( أرأيتكم أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدّقيّ ؟ ) قالوا : ما جربنا عليك كذبا . قال : ( فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ) . وعليه لم تكن السرية بحق الرسول ، لان صاحب الزرع وهو الله جل في علاه أناط به تحمل عبء العمل والرعاية والدراية والتعليم والتفقيه والتربية وحمل الدعوة.. هو الذي بدأ بضم كل من اسلم من الصحابة الكرام في التكتل، الذي اجتمع اصحابه فيه على الفكرة الواضحة الصافية المبلورة، هي عقيدة الاسلام. وللحفاظ على هذه الفكرة حديثة العهد كان يلتقي بهم في الخفاء ليلا، بعيدا عن انظار المشركين المتربصين، في دار الارقم بن ابي الارقم، يعلمهم الاسلام والعقيدة ويفقههم في دين الله تعالى. وكلما نزل عليه شيء من القران تلاه عليهم وحفّظهم اياه وعلمهم وفقههم فيه فعملوا به ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ . و في مرحلة التثقيف هذه صقل الفكرة والطريقة في هيكل التكتل وقواها في عقولهم ونفوسهم فاصبحت روحه ونواته وسر حياته، التي تستمد العقيدة من الهدي الذي ينزل من السماء كما يستمد الزرع غيثه من السماء ايضا.

﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ
هو الزرع لا يبقى على حاله.. انه ينبت الشطء بعد ان ينبت الجذور.. فتظهر الفراخ الصغيرة من حول الزرع وجوانبه، فتلحق به وهي مرتبطة به ارتباطا متينا من تحت الارض ومن فوقها، ما زالت تتغذى منه وتستسقي من معينه النقي الصافي، فاصبحت ظاهرة على السطح، ولا تتأثر بالاجواء المناخية المختلفة ولا بتقلبات الطقس المتلون ﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ .
وهكذا أوجد الحلقة الاولى من الخلية الاولى التي بدأت تتكاثر شيئا فشيئا، وآن أوان الظهور والتحدي ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ فنبتت الكتلة الحزبية بقيادة خير البشر ، والرابطة الحزبية التي تربط افرادها هي رابطة العقيدة التي اعتنقوها والطريقة من جنسها، فتكونت الكتلة الحزبية وسارت في معترك الحياة بعد ان نضجت ثقافتهم وتكونت عقلياتهم ونفسياتهم الاسلامية وانعكس كل ذلك على تصرفاتهم وسلوكهم، فتكونت شخصياتهم الاسلامية المتميزة. وبعد ان اطمأن الرسول على قوتهم وحتمية ثباتهم أظهر تكتله الحزبي في المجتمع المكي بطريقة لم تعهدها البشرية من قبل، في صفين على رأس احدهما حمزة بن عبد المطلب وعلى رأس الاخر عمر بن الخطاب ، ودخل المجتمع من مصراعيه متحديا سافرا ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ . وعلى افتراض ان الرسول لم يظهر التكتل الحزبي، فان الاخير يأبى ان يبقى حبيسا وقد تجسد المبدأ في اشخاصه، وتبلورت الفكرة والطريقة في اعضاءه، والسيرة تشهد على بعض تلك الحالات من بعض الصحابة الكرام ، الذين تحدوا المجتمع المكي الكافر المشرك في اعلان اسلامهم، لانهم لم يطيقوا ان يبقوا حبيسين، امثال ابي بكر وعمر وحمزة والفقير المسكين عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم وارضاهم اجمعين.

﴿ فَآزَرَهُ
أي الزرع يقوي الشطء ويعينه في صلابته وثباته ليكون كأصله، شبيها له من جنسه، او الشطء يقوي الزرع ولا يضعفه بل يكون له سندا وعونا. ففي كلتا الحالتين مفهوم واحد هو المؤازرة والمعونة لانهما يصبحان كالجسد الواحد يشد بعضه بعضا، متمكن في الارض وثابت، ومتراص ومتماسك من فوقها. ومن هنا جاء الإزار أي المعونة والاشتداد كما طلب موسى عليه السلام من ربه : ﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي ● هَارُونَ أَخِي ● اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ● وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي .
انتقل بكتلته الحزبية من دور الاستخفاء الى دور الظهور والاعلان، فاصبح يخاطب الناس جميعا بعد ان كان يتصل بمن يأنس فيهم استعداد القبول. وهكذا بدأت المرحلة الثانية، مرحلة التفاعل، مرحلة الصراع الفكري والكفاح السياسي، يؤازره بذلك ويناصره أفراد حزبه ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وهكذا كان دعم الصحابة الكرام لرسول الله وخصوصا أولئك منهم من كان له شأن وحماية في قومه، اما الفقراء الضعفاء فبقيوا مستخفين حرصا منهم على سلامة دينهم من فتنة الاضطهاد والتعذيب، اذ انهم لم يؤمروا بالتحدي ولا بالجهر. بل بالعكس كان النبي يحرص على عدم اظهارهم خوفا عليهم من المشركين وغلظتهم.

﴿فَاسْتَغْلَظَ
استغلظ على وزن استفعل.. وهذا الوزن يفيد عدة معان ، منها ما يفيد الطلب مثل استغفر أي طلب المغفرة ، ومنها ما يفيد الصيرورة او لزوم الصفة بشيء من المبالغة مثل استكبر أي تكبّر مع التكلف . استغلظ الزرع اي تضخمت ساقه وامتلأت، والتكلف فيها هو الاستعداد لمجابهة الصعاب عند مواجهة العواصف والتحديات البيئية المحيطة.. فلا بد من الاستغلاظ مع مرور الوقت ومع استمرار السقاية والعناية والرعاية السليمة. استغلظ الزرع والتفّ حول نفسه لانه استسقى من غيث السماء المتتابع، الذي ينصبّ بغزارة ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجًا ● لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ● وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا .
انتقل التكتل ليصبح حزبا سياسيا قويا يواجه به المشركين وجها لوجه. هذا الانتقال الموجه من نبي الرحمة والانتقال التلقائي من الصحابة الكرام الذين ابوا ان يبقوا حبيسيه، وهو يتحرك في اجسادهم تحركا حراريا في بركان يوشك ان ينفجر، ويجري في عروقهم مجرى الدم الذي يوشك ان يفور. استغلظ فيهم روح التحدي باظهار المبدأ والدعوة له بتلهف وحماس وصدق واخلاص. فاصطدمت الدعوة بذلك في صراع ملتهب مع الافكار الفاسدة وكفاح مستتب صبغته سياسية، ليأخذ القيادة نحو النهضة والعزة والتمكين. فبدأ عليه الصلاة والسلام بمرحلة مصيرية هي مرحلة التفاعل العملي والاحتكاك في المجتمع المكي.. أي التصادم بين الافكار الصحيحة النقية الصافية وبين الافكار الكفرية الفاسدة، ومن الطبيعي ان يقوم زعماء معسكر الكفر بجميع انواع المناورات السياسية والاعمال المادية لمقاومة هذه الموجة الضخمة وصدّ هذه الدعوة المميتة في حقهم ، فاستعملوا اساليب متنوعة من العذاب والقتل والتنكيل والتهديد والاذى بافراد هذا التكتل الحزبي، فما زادهم ذلك الا اصرارا وتمسكا وثباتا على دينهم ومبدأهم وروح حياتهم.. فصبروا ثم صبروا حتى نالوا رضوان الله تعالى ، وكل ذلك نتيجة الاستغلاظ المتين .

﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ
أي استقام على أصوله وجذوعه، والسوق جمع ساق ، وقد وردت بصيغة الجمع لان هذه السوق ، أي هذه الاصول، أصلها من الاشطاء التي تكونت والتفت حول الزرع وحول نفسها فاستغلظت، فاستوت واستقامت فاصبحت كتلة واحدة متلاحمة يشد بعضها بعضا كالجسد الواحد، ثابتة وصلبة، تتحدى متغيرات البيئة وظاهرة عليها. وبذلك تمكن الزرع من الاستواء، فاستقام على أصوله وتثبّت على جذوعه.
إقترب يوم الحصاد، وآن الاوان ان يؤتي الزرع أكله وتقطف الثمار. لقد استقام التكتل وثبت بثبات زرعه المتين، وهو يتلقى التأييد بالنصر من السماء.
وفي نظرة تصويرية عملية تأتي هذه المرحلة بعد الاستغلاظ أي بعد مرحلة التفاعل والاصطدام مع أفكار الكفر والكفاح والصراع.. تأتي هذه المرحلة وهي مرحلة الاستواء والاستقامة والتمكين. ولا بد لهذه الجماعة المختارة وهذا التكتل الحزبي السياسي أن يتركز على أرضية صلبة ليقيم كيانه ودولته التي يعيش فيها بأمن وأمان وطمأنينة. فبدأ الحبيب المصطفى بالبحث والتنقيب عن هذه الارضية الخصبة المؤهلة لنصرته وحماية دعوته، وذلك بأمر من الله تعالى ووحي من السماء، ليستوي هو وكتلته عليها. فسوق الدعوة هي الارضية الخصبة المؤهلة لاستقبال القادة الجدد وإقامة الكيان المنتظر من أجل الاستواء عليها، وذلك وعد الله ولن يخلف الله وعده ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ .
فالاستواء على الاصول هو الحالة الطبيعية السليمة المنتجة، والنضوج الجيد الذي يدل على صحة وسلامة الزرع.. واستواء الدعوة واستقرارها على الارضية الخصبة في كيان سياسي تنفيذي لتطبيق الشرع والحكم الذي انزل من السماء لحماية هذه الدعوة ومن ثم حملها رسالة هدى ونور الى العالم، لهو السير الطبيعي والانتقال الحتمي والتنفيذ الانقلابي لتكتل حزبي صحيح بُني على اساس سليم هو فكرته المحددة الواضحة المبلورة النقية الصافية. فلا يمكن ان يتمثل مبدأ الاسلام في الواقع المحسوس الا اذا طبق كليا دون تهاون ولا تفريط في أي جزئية من جزئياته، ولا يمكن ان يطبق الاسلام تطبيقا كاملا الا في كيان سياسي متمثل في دولة ذات مقومات حتمية تكون السيادة فيها للشرع ويكون السلطان فيها للأمة ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ .
وهكذا استقام الامر بتولي زمام الامور، وهكذا استقرت الدعوة في دور الحكم والسلطان والقوة، وهكذا تم بناء المجتمع السليم على اساس ثابت، وهكذا نزل نصر الله تعالى على هذه الفئة من الناس، وأي ناس؟ انهم الصحابة الكرام وكتلة الرسول ، انهم الحزب المؤيد بنصر الله، الحزب الذي سار منذ البداية على نهج واضح سليم خطوة بعد خطوة بقيادة خير البشر وخاتم الانبياء والمرسلين محمد .. فنعم القائد ونعم المقود ونعم النهج !


﴿ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ
من المؤكد وبعد هذه العناية التامة وهذا التعب المضني ان ينتج زرع من افضل الزرع وثمار من احسن الثمار، فيعجب بها الذين زرعوه فتطمئن له قلوبهم وتسر له نفوسهم، فيقطفوا الثمار الطازجة في موسمها المحدد ﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ هنيئا مريئا .
والعجب بميزان الله تعالى هو الرضا والقبول الحسن، أي ان هذا الامر سار منذ نشأته بمشيئة الله تعالى وتدبيره فاستحق رضاه حين استقر وتمكّن .. فالعجب بحق الله تعالى على عباده المؤمنين هو الرضا والعفو والمغفرة كقوله عليه الصلاة والسلام : ( ان ربك ليعجب للشاب لاصبوة له ) وقوله ايضا : ( ان الله ليعجب من العبد اذا قال :لا اله الا انت اني قد ظلمت نفسي فاغفر لي ذنوبي انه لا يغفر الذنوب الا انت ،قال :عبدي عرف ان له ربا يغفر ويعاقب ) .

ثم جاءت كلمة ﴿ الزرّاع بصيغة الجمع وذلك لوجهين :

الوجه الاول : هو جمع الحقيقة والمجاز، فالحقيقة من ﴿الزرّاع هم الفلاحون اصحاب الزراعة، وفي التشبيه المجازي هو الله سبحانه وتعالى صاحب زرع التكتل الحزبي.. فأصبح الفلاحون في الحقيقة، والله جل في علاه في التشبيه المجازي معا هم الزرّاع .
الوجه الثاني : جاءت على وجه التعظيم والتفخيم بما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه كقوله جل جلاله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ . فجاءت كلمة ﴿الزرّاع بصيغة المبالغة للوصف الشمولي، وهو التشبيه البليغ من ارقى انواع التشبيه واروعه بلاغة وفصاحة.
نعم ، الله عز وجل هو صاحب الزرع ﴿ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ● أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ هو الله سبحانه لا يخرج عن أمره شيء في الارض ولا في السماء، سائر بمشيئته وتقديره وتدبيره.. هو الله تعالى زارع الزرع ومدبر أمر الخلق، بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ليعلمهم ويزكيهم ويظهرهم على سائر خلقه ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ رغم أنف الطغاة المتكبرين والكفار المجرمين والفجار الخاسرين. هكذا سار تكتل الرسول منذ نشأته حتى وصل هدفه المنشود في الدنيا وهو التمكين في أرض الحكم والسلطان، سار برعاية الله تعالى وعنايته التي لا تنفذ ابدا حتى ايدهم الله سبحانه برحمته ونصره ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .

﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ
أي ليغيظ الله عز وجل الكفار بهذه النخبة المؤمنة. وهذه دلالة أخرى ان هذه الزرعة هي زرعة الله سبحانه.
واذا نظرنا في لسان العرب وجدنا ان ( الغيظ غضب كامن للعاجز.. وهو اشد من الغضب ) ، وفي محكم التنزيل قوله عز وجل : ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا أي من صوت الغليان وشدته، وكذلك قوله جل جلاله : ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ جاء في التفاسير : ( سمى سبحانه شدة التهاب النار غيظا على الكفار لأن المغتاظ هو المتقطع مما يجد من الألم الباعث على الإيقاع بغيره ) .
وهكذا هم الكفار بحقدهم وكراهيتهم للمؤمنين ﴿ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ انهم يظهرون البغضاء والحقد والكراهية ، ولكن ما خفي في صدورهم اكبر من ذلك ، هو الغيظ المُحنق من شدته ، فيرد الله عز وجل عليهم : ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ وان مرتبة الغيظ هي الدرجة القصوى للغضب وقت الهزيمة عند الكفار، فيبدأوا يتخبطون دون تفكير ولا وعي للنيل من المسلمين بكل الوسائل المادية المتاحة، وبكل الاساليب الخبيثة المتوفرة ، ولكن الله تعالى لهم بالمرصاد، فانه سبحانه لن يسلم عباده المؤمنين لهم وهو خير الماكرين وخير الناصرين، فيصدق وعده ويتم نوره ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ .

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا
أغلب اقوال المفسرين ان ( من ) في ﴿مِنْهُم هنا للبيان وليس للتبعيض، لان الحديث هنا عن النخبة المؤمنة كلها التي التفت حول الرسول منذ اليوم الاول الى ان جاء نصر الله عز وجل وهم كذلك، الذين مثلهم الله سبحانه وتعالى بالشطء الذي آزر واستغلظ واستوى على سوقه دون استثناء احد منهم، وهم محمد والذين آمنوا معه كما كان مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل.

وهذا هو حال كل تكتل حزبي يسير على نفس النهج والطريقة، وهو نهج المصطفى وطريقته البينة التي سرنا معها خطوة خطوة ، فمن زاغ عنها هلك ومن رفض السير عليها لم يحظ بتوفيق الله عز وجل كائن من كان. وكما مثلهم رب العزة في التوراة والانجيل فقد كتب في الزبور من قبل ان هذه الارض ستكون من نصيب عباده الصالحين ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ، وذهب بعض اهل التفسير ان الارض المذكورة في الاية هي الجنة، ولكني أرجح قول من قال منهم انها الارض التي نعيش عليها، ويدل على ذلك قوله تعالى : ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ فاذا كانت العاقبة هي الجنة فان الارض هي الارض. وكذلك ما صح عن النبي انه قال : ( إن الله زوى لي الارض فرأيت مشارقها ومغاربها وأن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها ) وهذا الامر لم يحصل بعد اذا ما أخذنا بعين الاعتبار ان ( من ) في ( منها ) في الحديث هي للبيان وليس للتبعيض .



اللهم انك تعلم وانت علام الغيوب ان لك عبادا مخلصين يعملون ليل نهار لإعزاز دينك ونصرة نبيك فانصرهم يا ذا الجلال والاكرام
اللهم انك تعلم وانت علام الغيوب ان لك عبادا مخلصين ساروا على نهج نبيك وحبيبك المصطفى فاحماهم بحمايتك وارعاهم برعايتك يا ارحم الراحمين
اللهم انك تعلم وانت علام الغيوب ان لك عبادا مخلصين يرجون رحمتك ويخافون عذابك ويعملون على اعادة خلافتك التي فيها حكمك فخذ بأديهم ووفقهم وأيدهم بنصرك يا رب العالمين.. يا الله !



﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ
أبو الدرداء
آمين آمين آمين
بارك الله فيك أخي الكريم ورضي عنك وأرضاك
ابو عباده
غفر الله لك ورضي عنك اخي ابا الدرداء
أبو عمر
لاحظت أخي الكريم أبا عبادة أن فكرة الموضوع غير واضحة ...

عنوان الموضوع عن التتكتل الحزبي، ولكن موضوعك لا يتحدث عن حزب بل يتحدث عن جماعة المسلمين،، وفرق كبير بين الحزب والدول أو الحزب والأمة...

فما قولك بارك الله بك؟
ابو عباده
إقتباس(أبو عمر @ Apr 29 2006, 06:01 PM)
لاحظت أخي الكريم أبا عبادة أن  فكرة الموضوع غير واضحة ...

عنوان الموضوع عن التتكتل الحزبي، ولكن موضوعك لا يتحدث عن حزب بل يتحدث عن جماعة المسلمين،، وفرق كبير بين الحزب والدول أو الحزب والأمة...

فما قولك بارك الله بك؟
*


اخي الكريم ابا عمر
لماذا فكرة الموضوع غير واضحة ؟!!!
اعرف ان الموضوع طويل نسبيا.. فهل قرأته كاملا ؟!
لاني اظن ان الفكرة واضحة .. وقد المحت بذلك في اول الموضوع
انه ينقسم الى قسمين
المواصفات الخلقية والمواصفات التكتلية
وفي قسم المواصفات التكتلية تجد التصوير جليا
ابتداء من مرحلة التثقيف ..... ( كزرع )
عبورا بمرحلة التفاعل ..... ( اخرج شطأه .. فآزره )
انتهاء بطلب النصرة واستلام الحكم .... ( فاستغلظ .. فاستوى على سوقه )

هذه هي المراحل التي يمر بها التكتل الحزبي منذ نشأته حتى استلام الحكم

اما الحديث عن جماعة المسلمين
فهو في مرحلة متأخرة من مرحلة التكوين للدولة ( الخلافة ) ولا علاقة لها بالموضوع
اذ ان جماعة المسلمين تعني الاجتماع على الامام والطاعة للسلطان
وهذا الامر واضح في احاديث النبي المتوافرة
كقوله : ( من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه فأنه من فارق الجماعة شبراً فمات إلاّ مات ميتة جاهلية )
وقوله : ( من خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة ثم مات مات ميتة جاهلية )
وقوله : ( ثلاثة لا يسأل عنهم: رجل فارق الجماعة، وعصى إمامه، فمات عاصياً، فلا تَسأل عنه!.. )
وكذلك الحديث الذي رواه حذيفة بن اليمان وسؤاله للرسول عن الشر والخير .....

فـ"الجماعة" إذن هي مجموعة من المسلمين اجتمعوا على "إمام شرعي"، وأقروا له بالطاعة
وهذا المعنى هو المعنى "الشرعي" الذي جاءت به النصوص
ولا علاقة له بالموضوع ابدا

فتنبه اخي الكريم.. كما وارجو منك ومن الجميع ان يقرأوا الموضوع كاملا قبل اصدار اي حكم !

حياكم الله !
ابو هشام
ما شاء الله.
حسن الاسلام
بسم الله الرحمن الرحيم


بارك الله فيك يا اخي وجزاك كل خير
ابو عباده
بارك الله بالاخوين :

ابو هشام وحسن الاسلام على رفعهما للموضوع

وجزاهما الله عنا كل خير !






..
أسد الإسلام
مع تفهمي لتساؤل ابي عمر

الا ان هذه اللفتة في موضوعك اخي ابا عبادة قد اعجبتني

فبارك الله في جهدك الذي عزز في النفس ثباتها وثقتها بما هي عليه وبوعد الله لهذه الفئة العاملة المخلصة

وبوركت
.
Invision Power Board © 2001-2012 Invision Power Services, Inc.