كزرع أخرج شطأه
التكتل الحزبي في آية
التكتل الحزبي في آية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبعه وسار على نهجه الى يوم الدين !
يقول سبحانه وتعالى في محكم التنزيل:
﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ سورة الفتح آية 29 .
لا خلاف بين أهل التفسير في معاني الكلمات المذكورة في الاية الكريمة، ويكاد يصل توافقهم الى إجماع في بيان المقاصد اللغوية والشرعية، الا القليل النادر من الخلافات الصغيرة مع بعض الترجيحات هنا وهناك، والتي لم يكن لها الأثر المعتبر في بحثنا هذا. وعليه لم أذكر في هذا المقال مراجع التفسير ، واعتبر نفسي اخذت من جميعهم دون تفضيل احد منهم على آخر، فاستخلصت العظات والعبر بمجهود شخصي ، وان اخطأت بشيء فمني ومن الشيطان وان أصبت فمن الله تعالى صاحب المنّ والفضل، عليه توكلت وبه استعنت فقلت :
بعيدا عن الردود التي ظهرت تترا دفاعا عن شخص الرسول
نتيجة الإساءات في حقه
من قبل الكفار الحقودين، فهو
كافيه المقام المحمود والدرجة الرفيعة العالية عند مليك مقتدر، وبعيدا عن رد الشبهات حول عدالة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، فهم بعدالتهم واستقامتهم أشهر من نار على علم وأوضح من الشمس في رابعة النهار.. بعيدا عن كل ذلك تعالوا بنا نسبح في رحاب هذه الاية العظيمة وننهل من معينها الذي لا ينضب فنرتوي من معانيها الفكرية العميقة، فتطمئن بها قلوبنا وترتاح بها نفوسنا وتخضع لها جوارحنا.. وذلك بنظرة بصيرة فيها وفيما حولها، وما يتعلق بها، لنستنير بنورها وهداها،عسى ان تكون لنا عبرة نأنس بروحها، وشعلة نور نستضيء بها الطريق.. طريق المصطفى
مع صحابته الكرام نحو العزة والرفعة والتمكين.تمهيد :
سورة الفتح سورة مدنية نزلت على رسول الله
كاملة عقب صلح الحديبية مباشرة، في طريق العودة الى المدينة، بعد ان ابرم عليه الصلاة والسلام معاهدة الصلح مع أهل مكة،، ولو نظرنا الى ظاهر بنودها لوجدناها لا تعلو عن كونها تنازلات من رسول الرحمة
ومكاسب لأهل مكة، الامر الذي دعا سيدنا عمر
وهو أحد عباقرة زمانه ان يستنكر على رسول الله
فعلته التي فعل، حتى اضطر النبي
ان يقول: ( أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني ).والحقيقة اثبتت فيما بعد ان الرسول
،علاوة على كونه نبيا، كان رئيس دولة لم تعهد البشرية ولن تعهد مثله قط في كيفية تعامله مع عدم الكشف السياسي، ونظرته البعيدة الى الموقف الدولي آنذاك، للتخلص من الحواجز المادية التي كانت تحول بينه وبين نشر دعوته، ليس في الجزيرة العربية فحسب، بل الى العالم بأسره. والحواجز المادية هي مكة في الجنوب المتمثلة في السيطرة على جزيرة العرب، وخيبر في الشمال التي تتمثل في السد المنيع امام نشر الدعوة الى العالم. كيف لا!! وقد كان القبول بشروط المعاهدة وحي من السماء وهو محاط بالرعاية الالهية ومحفوظ بالعيون الربانية. قبلها
وهو يقول متوكلا على الله سبحانه : ( يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش، فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره أو تنفرد هذه السالفة ) .نعم.. قالها
وقلبه مليء باليقين والطمأنينة، ولم يراوده ادنى شك أن الله تعالى لن يضيعه ولن يخذله ولن يسلمه، بل فتح مبين ومغفرة ونعمة ونصر عزيز ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ● لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ● وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ حتى ان رجلا من اصحاب رسول الله
قال: أي رسول الله أو فتح هو؟ قال (ص) : ( إي, والذي نفس محمد بيده إنه لفتح ) .ابتدأ سبحانه هذه السورة الكريمة بالفتح المبين والنصر العزيز، واختتمها عز وجل بوصف تلك الجماعة التي استحقت هذا الفتح وهذا النصر، سرالفلاح والمغفرة والاجر العظيم وهو نفسه سر النصر والتمكين. هذه الجماعة ليست أي جماعة، انما هي كتلة الرسول
، وهو قائدها وأميرها، والله سبحانه وتعالى راعيها برعايته وحاميها بحمايته، وهو راض عنها، ليغيظ بهم الكفار فيمقتون ويخسأون.اذا ، ما سر هذه الجماعة ؟ وما هي أوصافها ؟ وما هو عملها ؟ وعلى ماذا كان تكتلها ؟ وكيف كان ؟
هذه الاسئلة وغيرها يجيب عليها سبحانه جل في علاه في آية واحدة، وهي الآية الاخيرة من سورة الفتح. آية عظيمة، يستحق الوقوف عليها وتدبرها والتفكر في معانيها بعمق واستنارة، بمنظار فكري حركي تفاعلي شعوري، وخصوصا الشطر الثاني منها. فالشطر الاول منها يبحث في المواصفات الخُلقية التي سنمر عليها بأيجاز، لوضوحها الذي لا يقبل العناء في التفسير ولا في التأويل، أما الشطر الثاني وهو المواصفات التكتلية سنركز فيه وعليه أكثر لاستخلاص العبر الجلية وكشف المعاني الخفية.
المواصفات الخُلقية :
﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ﴾
نعم الجماعة ونعم الصحبة ! يكون بانيها وقائدها ومحركها محمد رسول الله
النبي الهادي. رسول الله ، هذه الصفة التي انكرها سهيل بن عمرو ومن وقف وراءه من مشركي قريش، يقرها رب العزة بالاسم ﴿مُّحَمَّدٌ﴾ تحديا وتكريما واظهارا وعلوا على معسكر الكفر والشرك والالحاد بأسره. أجمل به مربيا عظيما، وأكرم به أمينا صادقا، وأنعم به حاملا للأمانة والرسالة الى العالم والناس أجمعين، تحت ظروف يصعب علينا اليوم تصورها مهما خط القلم وبلغت الكلمات والجمل معانيها. محمد رسول الله
يحمل الرسالة الخالدة بعيون الرعاية الالهية في صحراء قاحلة يسكنها أقوام وقبائل من العرب، أقل ما يوصفون به، أنهم همج مجرمون، الا القليل القليل من شيم القوم. وهو رسول الله ونبيه رغم أنف المشركين الضالين، ورغم انف الكافرين الخاسئين الحسودين. وكفى بالله شهيدا : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ .﴿ وَالَّذِينَ مَعَه ﴾
رضي الله عنهم ورضوا عنه.. صحابة كرام بررة.. آمنوا به واتبعوه وعزّروه ونصروه.. أيدهم الله بنصره فأصبحوا ظاهرين مفلحين ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وهذه المواصفات تنطبق على كل من تبعه
وتأسى به وسار على نهجه ، فكانت أول صفة لهم هي الايمان متعلق بالمعية ﴿مَعَه﴾ أي مع الرسول
، فأفاد هذا التعبير تمثيلا للبنيان المرصوص والجسم الواحد المتماسك، وهو كما قال
: ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ) وشبك
بين أصابعه، علامة التداخل والوحدة والقوة. ويكفي هنا اقرار نبي الرحمة
حين قال : ( فوالذي نفسي بيده لو ان احدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه ) .﴿أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ ﴾
الشدة على الكفار سبقت الرحمة فيما بينهم، وهذا هو جوهر الايمان ومتطلباته الاساسية.. أولا نبذ الكفر والطاغوت ومن ثم الاقرار والقبول بالاخوة والمحبة، فكلمة التوحيد ( لا إله الا الله ) تبدأ كذلك بالانكار وتنتهي بالاقرار. الشدة والغلظة والعزة هي صفات ملازمة للمؤمن في مواجهة الكافر حين يتطلب الامر ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ كما ويتطلب بديهيا عدم موالاتهم ابدا مهما كلف الامر، يقول عز وجل: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾ ويقول سبحانه: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ ، فليس هناك بين بين، ولا مكان وسط ، فإما كفر وإما أيمان، فلا بد اذا من المفاصلة الحتمية والقبول بها. هكذا كان الصحابة الكرام الذين تربوا على يدي الرسول الكريم
الطاهرتين، فعادوا اباءهم وابناءهم وعشيرتهم واظهروا لهم الشدة والغلظة اذا ما أحبوا الكفر على الايمان، تمام الانصياع والخضوع والالتزام بامر الله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ﴾ اذا ما تطلب الامر. وتنعكس الشدة أكثر في المواجهة العسكرية وفي ساحات الجهاد، يقول تعالى : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ويقول سبحانه : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ .﴿رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ﴾
يقول تعالى في إتمام هذا الوصف : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين﴾ ويقول النبي
: ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ) . أخوّة صادقة ومحبة لوجه الله تعالى خالصة ورحمة فيما بينهم واسعة محققة.. ينتج عنها التماسك والتعاضد الوحدويان كالجسد الواحد، يؤثر كل فرد من أفراده على نفسه ولو كان به خصاصة وحاجة ملحة، اذ انه يعلم علم اليقين ان ذلك راجع اليه بالخير والبركة عند الله تعالى وبالثواب العظيم، وكأنه يعطي نفسه، والخير الذي يصيب جزءا منه فكأنما أصاب كله. مثال لا مثيل له لبناء العلاقات الدائمية في المجتمع الصالح، وصورة فريدة للود والتعاطف والتلاحم في المجتمع السليم. إن دولة كهذه تقوم على أفراد كهؤلاء لا يمكن ان تكون الا قمة في العدل والاحسان، ونور هدى للبشرية جمعاء، لا سيما وان الرضا والتوفيق والألفة التي بينهم هي من صنيع العزيز الحكيم : ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا ﴾
أي من كثرة ركوعهم وسجودهم.. فرسان في النهار ، رهبان في الليل ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ ﴾ ، روح التقرب الى الله في الخضوع والخنوع والتضرع ، لتقوية النفسية واستقامة الميول. ان كثرة الركوع تربي النفس على الاقرار الدائم لعظمة الله عز وجل، وكثرة السجود تنزع الكبر من النفس وتزرع فيها التواضع والتذلل. وقد ضرب الله تعالى الركوع والسجود مثالا لانهما أقرب ما يكون العبد فيهما الى الله العزيز الجبار. واكبر دليل على معرفة النفس هو معرفة مدى تقرب المرء الى الله سبحانه، وقياس ذلك يتحقق بمدى تقرب العبد من ربه بالنوافل، اذ ان النوافل يقوم العبد بها تطوعا ورغبة، اما العزائم فانما يقوم بها العبد وجوبا دون خيار، فيقول نبينا الكريم
فيما يرويه عن ربه : ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشىء أحب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ) . كان الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين كثيري التقرب الى الله تعالى ، كثيري الصيام، كثيري القيام ، كثيري الانفاق في سبيل الله، كثيري الذكر وقراءة القرآن.. واذا قالوا قالوا خيرا، واذا سكتوا ترطبت السنتهم بذكر الله ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ ﴾ .﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ﴾
يطلبون ويلتمسون بتقربهم الى الله تعالى الجزاء الحسن والثواب العظيم في الدنيا والاخرة، في الدنيا السعادة والطمأنينة والرزق الحسن، وفي الاخرة جنات عدن تجري من تحتها الانهار. والاعظم من ذلك انهم يطلبون ويلتمسون رضوان الله عز وجل، غاية المؤمنين ومبتغى المخلصين ﴿ وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ ذلك وانهم يعلمون ان رضوان الله تعالى أعظم وأجل، وهو السعادة الكبرى في الجنة لقول النبي
: ( إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً ) . إنها ذروة الاخلاص الخالص ونشوة الايمان الطيبة وسؤدد الرجاء ومعين الحلم وقمة العفو والاحسان.. لا حسد ولا رياء، لا كذب ولا مراء، عن شداد بن أوس قال: رأيت النبي
يبكي ، فقلت: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال : ( إني تخوفت على أمتي الشرك، أما انهم لا يعبدون صنما ولا شمسا ولا قمرا ولا حجرا ولكنهم يراءون باعمالهم ) ذلك الشرك الاصغر، والشرك الخفي الذي هو أخفى من دبيب النمل وأخوف عند رسول الله
علينا من المسيح الدجال، أعاذنا الله من فتنته.﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ﴾
ليس هناك قرينة تصرف المعنى وترجحه بين من قال من المفسرين ان سيماهم من اثر سجودهم ظاهر في الدنيا على وجوههم نتيجة الخشوع والوقار والتواضع، وبين من قال ان المقصود بها هي علامات النور والبشاشة يوم القيامة، كقوله جل في علاه : ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ﴾ . أيما القولان أرجح، فالعبرة هنا في أثر السجود، وقد تكرر ذكره في الاية لأهميته من حيث إلتماس الفضل والرضوان من الله تعالى. السجود الذي هو أقرب ما يكون العبد الى ربه فيه هو سائر على الدوام، قبل الفضل والرضوان تعبدا وتضرعا، وبعد الفضل والرضوان تحميدا وشكورا، في السراء والضراء، في السر والعلن، في الليل والنهار وعند الذكر وقراءة القران ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ﴾ في كل وقت وفي كل حين قائمون في صلاتهم يسبحون ويستغفرون ويذكرون.. زاد التقوى والايمان.
﴿ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ﴾ .
يتبع
