المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
الجامع الكبير لخطب الجمعة
منتدى العقاب > ديوان القضايا المصيرية > جامع الخطب والندوات
1, 2, 3, 4
صوت العقاب
خطب الجمعة والقضايا المصيرية للأمة


نصاب العلماء، الشيخ عصام، 28/7/2006
http://www.alokab.com/forums/index.php?showtopic=14695

فأنتم الابطال في زمن الأنذال، د.محمد عفيف شديد، 23/7/2006
http://www.alokab.com/forums/index.php?showtopic=14535

إن دولة الإسلام، قادمة لا محالة ولن يطول بنا الحال حتى تقوم بإذن الله،أحد شباب الدعوة، 23/7/2006
http://www.alokab.com/forums/index.php?showtopic=14540


نِصابُ النَّصَّابين ، الشيخ عصام عميرة، 21/7/2006
http://www.alokab.com/forums/index.php?showtopic=14481

نحن الأقوى، أبو ياسر، 21/7/2006
http://www.alokab.com/forums/index.php?showtopic=14434

إلى الله نشكو بثنا إلى الله نشكو دماءنا إلى الله تختلج أشلاؤنا، د.محمد عفيف شديد، Jul 11 2006
http://www.alokab.com/forums/index.php?showtopic=14186

وسرى الرعب في أفئدة الأعداء، د.محمد عفيف شديد، Jul 17 2006
http://www.alokab.com/forums/index.php?showtopic=14325

يا لها من أمة لو كان لها إمام ، العمري، Jul 14 2006
http://www.alokab.com/forums/index.php?showtopic=14258

فلسطين هي الأندلس الثانية، الشيخ عصام عميرة، Jul 14 2006
http://www.alokab.com/forums/index.php?showtopic=14248

كيف تتشكل قضية؟، الشيخ عصام عميرة، Jul 7 2006
http://www.alokab.com/forums/index.php?showtopic=14048

ولله در الرجال فينا لو كان وراءهم رجال، د.محمد عفيف شديد، Jul 4 2006
http://www.alokab.com/forums/index.php?showtopic=13954

أواه يا فلسطين!، الشيخ عصام عميرة، Jun 30 2006
http://www.alokab.com/forums/index.php?showtopic=13840

لا جرم أنك أحد إثنين : إما فاقد لعقلك غائب عن وعيك وإما يهودياً مثله
د.محمد عفيف شديد، Jun 23 2006
http://www.alokab.com/forums/index.php?showtopic=13612
الباحث محمد
بوركت اخي على هذه اللفتة الرائعة تجميع مثل هذه الخطب
صوت العقاب
وبكم بارك الله
أخي الفاضل الباحث محمد
ابو ياسر
الحمد لله, مقت الخيانة وأهلها, وقبح الغدر وأصحابه, وخاب عنده كل جبار عنيد, وهلك عنده كل ظالم, وبذلك أوحى إلى عباده ( فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ 13 ولنسكنكم الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ 14 وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ 15 مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ 16 يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ 17)
وأشهد أن لا إله ألا الله, مجير المظلومين, وناصر المستضعفين, ومهلك الظالمين, وقاصم ظهور المستكبرين, ولو بعد حين, فهو الممهل, وحاشاه أن يكون مهملا,

(وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ 5 وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ)

واشهد أن محمدا عبده ورسوله, وصفيه من دون خلقه وخليله, شرعه العزة, وبها علم أصحابه, فحكمهم في أمر من خان من يهود, أهل الغدر والخسة والخيانة, ورثوها كابر عن كابر, فحكموا بحكم ربهم من فوق سبع أرقعة, فأبيد قوم الخيانة وسبيت النساء والذراري, واستراحت الجزيرة من أهل الغدر والخيانة. فصلاة وسلام من الله عليه, وسلام على أصحابه, سلام على من اهتز عرش الرحمن لموتهم, سلام على أهل العزة والنصرة, سلام على من آووا ونصروا, سلام على أهل القوة والمنعة, سلام على من حمى الديار والذمار, وبعدا وتعسا لكل خوان كفور, وبعد:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ 1 يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ 2
أيها الناس:
قضى الله أن يجعل الأيام دولا, يدلينا مرة, ويدلي علينا مرة, وقضى الله أن تكون العاقبة للمتقين, فمهما طال الزمان, ومهما اشتد الظلام, ومهما عم الفساد, ومهما بلغ الظلم, ومهما وصل الجبروت والعناد, فنهاية المجرم معروفة, سوداء كوجهه, وقاسية كقلبه, وخيمةً ماحقة باطشة, فمصائر الطواغيت المتكبرين الفراعنة معلومة, فهذا عدو الله أبو جهل, فرعون هذه الأمة, لطالما سعى حثيثا في حرب الله ورسوله, وكم لاقى المستضعفون من المسلمين على يديه العذاب, ثم دارت عليه الدوائر, بعد أن خذل الله جيشه وجنوده, فاعتلى ابن مسعود صدره, وحز رأسه حز الغنم.

أيها الناس:
لإن كان ابو جهل وأمية فراعنة زمانهم, ورؤوس الكفر فيه, بما حادوا الله ورسوله وعباده, فكانوا هم العدو, فإن في زماننا هذا فراعنة قد بعثوا على شاكلتهم, حادوا الله ورسوله, حادوا عباد الله, وظاهروا عدوهم عليهم, واقتفوا آثار أبي جهل وطواغيت قريش, بل فاقوهم عمالة وخيانة لله ورسوله المؤمنين, بل إن أبو جهل وأمية مع كفرهم وحربهم للإسلام والمسلمين كانوا أكثر مروءة ورجولة, فمع كفرهم وضلالهم كانوا إذا مروا بقبر أبي رغال يسبونه ويرجمونه ويبصقون عليه, لأنه هو من دلَّ أبرهة الحبشي وجيشه لهدم الكعبة, فكيف بالذي قيد العباد وفتح البلاد لليهود والصليبين, ومن ديارهم انطلقت جحافل جيوشهم لغزو العراق, ومن سمائهم مرت قاذفات يهود لضرب المسلمين في قانا و صوريفا وبعلبك, وكيف بالذي يرسل ليهود الرسائل يعبر فيها عن تضامنه معهم في حربهم هذه, كما اعترف بذلك المتسول القطري, وكيف بالذي ملأ الدنيا جعجعة أنِ الموت لأمريكا الموت لإسرائيل, فلما غزت أمريكا العراق ووقعت في مستنقعه, تسام سوء العذاب على يد أبناء الأمة, مد يد العون لها عارضا العروض, ووقف على أهل لبنان متفرجا من بعيد, وكيف بالذي صم الآذان وأعمى الأعين برسالته الخالدة, وأمته العربية الواحدة, وهو واقف يتفرج, حتى اقتربت حمم يهود من حدوده, بعث مع موراتينوس, أنه سيضغط على المقاومة لوقف القتال.

قاتلهم الله أنى يؤفكون, قاتلهم الله أنى يوجدون, جعلوا أمتهم لسيف عدوهم حصيدا, بعد أن كبلوهم وقيدوهم وقعدوا لمن أراد الجهاد كل مرصد, وباعوا ثروات أمتهم بيع الدينار بدرهم, ومن راهن عليهم راهن على السهم الأخيب, قاتلهم الله وقتلهم تقتيلا.

وقاتل الله يهود أهل الجبن والغدر والخيانة والخسة والنذالة, جبنهم أطهره نحيب نخبتهم في بنت جبيل وعيطرون ومارون الراس, وخيانتهم وغدرهم قد بان حين قالوا لن نقصف ليومين, وما فيهم توقفت لهم طائرة, وخستهم قد بانت بقتلهم واسترجالهم على الأطفال والنساء والعجائز في قانا, ونذالتهم قد طهرت بقتلهم المرضى في مشفى بعلبك, و صنو يهود أمهم أمريكا الجبانة الخسيسة النذلة المستكبرة الظالمة, قاتلة الأطفال في أعراس العراق وأفغانستان, قاتلهم الله جميعا الحكام واليهود والأمريكان وقاتل الله مل جبار عنيد فرعون متكبر.

أيها الناس: لقد جمعنا هؤلاء المجرمون في صعيد واحد, لا نفرق بين أحد منهم, فكلهم حاد الله ورسوله, وأعلن حربا على الإسلام والمسلمين, ونقول لهم جميعا:

تذكروا أن الذي مكن ابن مسعود أن يعتلى صدر أبي جاهل ويحز رأسه حز الغنم, قادرٌ أن يصنع بكم ما صنع بأبي جهل, على أيدي المستضعفين الذين ما ادخرتم جهدا لحربهم وصدهم عن دينهم, ونزيدكم من الشعر بيتا, فالذي جعل في موت آبائكم حسين والأسد والسادات وكنيدي ورابين عبرة, أننا لا نشك لحظة أن نجمكم آفل لا محالة, تلك سنة الله في الذين ظلموا ...( ولن تجد لسنة الله تبديلا, فإذا جاء وعد ربي جعله دكاءَ وكان وعد ربي حقا) ويا فوز المستغفرين.

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي الأمي المصطفى آلله خيرٌ أما يشركون وبعد أيها الناس:
لقد أجلت الحوادث الأخيرة حقائق لا بد أن تثبت وأن تنسى, فإسرائيل أداة لأمريكا لا العكس كما روج البعض فلو لم تكن أداة لأوقفت الحرب من يومها, ولكنها أداة أمريكا لشرق أوسط جديد, هذه الأولى, أما الثانية, فعبثا أراد عدونا أن يجعلها قسمة سنة وشيعة تفريقا بين المسلمين ليسود, فأراد الله أن تظهر الحقيقة, أن القسمة الحقيقية هي مخلص وخائن وأن الخيانة لا تعرف طائفة ولا وعرقا ولا مذهبا.

بالأمس كنا نسمع ممن يبتغون الفتنة والإيقاع بين المسلمين، وممن انساق ورائهم من الغافلين، أن "السنة" هم من يجاهد في العراق، أما "الشيعة"، فيوالون الإحتلال، ويتربصون بالسنة الدوائر، بل ويتقصدونهم بالقتل والذبح خدمة للغرب, طبعًا مصدر هذا التقسيم (سنة وشيعة) ومروّجه هو نفسه المستفيد من زرعه وسقيه، وجني ثمره، الإحتلال نفسه, فرق تسد سياسة لم تنقرض ومكر لم يزل من أذهان أرباب الكفر.

{إنما المؤمنون إخوة} سياسة خالدة ومكر ربّاني، حبل متين لنجدة المؤمنين وحفظ هيبتهم وقوتهم، وإجهاض لكيد الكفار المستعمرين وجهودهم.اليوم نرى الجهاد في لبنان، بإمكانيات محدودة لكن بقلوب مخلصة طاهرة، يذيق يهود العذاب ومرارة اللقاء مع المسلمين!!! نرى "الشيعة" كما سماهم الغرب بالأمس، يرمون يهود بحمم وقذائف لا ترحم, ونرى "السنة" من حكام السعودية ومصر والأردن والباكستان، يتآمرون علنًا مع الإحتلال واليهود، بل يشكرهم أولمرت بكلمة له قبل يومين، على جهودهم لدعم ونصرة يهود، وكف أيدي المؤمنين عنهم, والمعادلة أوضح من الشمس في رابعة النهار: المؤمنون أمة واحدة من دون الناس, الجهاد عندهم ذروة سنام الإسلام, وأقصى أمانيهم النصر أو الشهادة, وقد سماهم الله "المسلمين" من قبل, فلا "سنة" ولا "شيعة", بل مخلصون وخونة, وأما الثالثة فإن عدوكم جبان مستكبر عاقبته كعاقبة أبي جهل حز الرأس, فاستبشروا بنصر الله ولو بعد حين واستبشروا بيوم الحز ولو بعد حين , اللهم قرب هذا اليوم واشف صدور قوم قد تاقوا للعز.
المرابط2
الجمعة 4/11/1427 هـ
الموافق24/11/2006 م
تُقتلون ولا تعملون! خسارة مضاعفة
(الخطبة الأولى) أيها الناس: إن الله سبحانه وتعالى قد حرم قتل النفس إلا بالحق، حفاظاً على الدماء أن تُهراق من غير ما ذنب أو جريرة توجب إهراقها، وعنايةً فائقةً بالنوع الإنساني وحرصاً شديداً على النفس الإنسانية. ولا عجب، فهي مادة الحياة البشرية على الأرض، فإذا أُزهقت بشكل تعسفي اختل ميزان تلك الحياة، واختل باختلاله نمط الحياة الطبيعي الذي أراده الله للإنسان. قال تعالى: {من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً}. وفي الحديث المتفق عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء".
أيها الناس: ألا ترون أن دماءنا تسيل أنهاراً في العراق وفلسطين وأفغانستان ولبنان وباقي بلاد المسلمين؟ أليس القتل فينا مستحراً؟ أليست نفوسنا تزهق في الصباح والرواح وبالليل والنهار سراً وعلانية؟ والجواب: بلى! ولكن الطامة الكبرى تكمن في أسباب القتل التي يندى لها جبين الإنسانية، وتهتز لها مشاعر العقلاء، وتأباها النفوس السوية، وفوق ذلك كله يحرمها الله ورسوله. فلو كان هذا القتل في ساحات الوغى دفاعاً عن أراضي المسلمين وأعراضهم ووحدتهم لما كان في ذلك بأس، فهو ضريبة جهاد الدفع، ولو كان القتل في جهاد الطلب نشراً لدعوة الإسلام وهدماً للحصون الكافرة التي تمنع انتشارها، وسَحقاً لجيوش الكفار التي تقف حائلاً أمام نشر الخير إلى البشر وإخراجهم من الظلمات إلى النور، لكان ذلك القتل شرفاً نفخر به ونرفع رؤوسنا عالياً. فالله سبحانه وتعالى يقول: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون}. وأعظم من ذلك، لو كان قتلهم على يد سلاطين الجور وحكام دويلات الضرار وأسيادهم بسبب حملهم الدعوة وقولهم الحق وعملهم الدؤوب لإعزاز هذا الدين وإقامة دولة الخلافة الإسلامية الثانية الراشدة على منهاج النبوة، لقلنا لهم هنيئاً لكم، فقد فزتم ورب الكعبة بالشهادة التي ما بعدها شهادة، وحشرتم مع سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب أن قُتلتم وأنتم تعملون لرفع الظلم عن المسلمين، آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر، هنيئاً لكم، قمتم إلى أئمة جائرين وحكام ظالمين فنصحتموهم فقتلوكم. وا شوقاه إلى موقع في الجنة مع سيد الشهداء، وا شوقاه إلى ورود حوض الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم نشرب من يده الشريفة شربة لا نظمأ بعدها أبداً!
أيها الناس: ولكن الأمر المحزن أن تُقتل هذه الألوف المؤلفة بلا ثمن يعادل أثمان نفوسها الغالية، بل دون مقابل أي ثمن يذكر. يقتلون من قبل عصابات القتل والجريمة المنظمة خدمة لأغراض دنيئة لا تعود على المسلمين بأي خير، يقتلون في سبيل مزيد من تمزيق بلاد المسلمين، يقتلون لتثبيت حكومات لا تحكم بما أنزل الله، أو إسقاطها للإتيان بأخرى مثلها أو أسوأ منها، يقتلون لتمرير مخططات خبيثة تفتك بالمسلمين وتنهب ثرواتهم وتقسم بلادهم وتقضي على آمالهم وتزيد من آلامهم. يقتلون ليأخذ الحكام مزيداً من الحظوة لدى أسيادهم الكفار من الأميركان وغيرهم، وليعلقوا أنواط الخيانة على صدورهم، وليتمتعوا في سدة الحكم مدة أطول، يلَغون خلالها في دماء شعوبهم وأموالهم وأعراضهم، قاتلهم الله أنى يؤفكون.
أيها الناس: إنكم تُقتلون ولا تعملون، فلا طاعةٌ ولا نتيجة، فتذهب دماؤكم هدراً، ويمر الوقت دون أي فائدة، ويبقى الحال كما هو عليه، بل يزداد سوءاً. فأولى لكم، عمل وطاعة، عمل مع العاملين لإعزاز هذا الدين، وطاعة لرب العالمين ورسوله الكريم، ونتيجة موعودة قطعاً، إستخلاف وتمكين وأمن، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: روى ابن اسحق في سيرته قال: كانت بنو مخزوم يخرجون بعمّار بن ياسر وبأبيه وأمه، وكانوا أهل بيت إسلام، إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة، فيمرّ بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول، فيما بلغني: صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة. وروى الإمام البخاري عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسدٌ بردةً، وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدّة، فقلت: ألا تدعو الله؟! وفي رواية أخرى عند غير البخاري ألا تدعو لنا ألا تستغفر لنا؟!، فقعد وهو محمرٌ وجهه فقال: لقد كان من قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيُشق باثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليُتمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله عز وجل "زاد بنان – أي أحد رواة الحديث – والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون.
أيها الناس: هذه هي بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل الإيمان الصابرين على دينهم، الصابرين على الهدف المنشود، الذي يسعون لتحقيقه في الأرض بإقامة سلطان الله فيها، ونشر الرحمة، والضياء والنور الساطع فوق ربوع الأرض وبين بني الببشر، بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم لخيرة البشر من الخلق وهم يحملون لواء التغيير، تغيير الفساد والاعوجاج والظلام والظلم والجهل، وجلب الرشاد والاستقامة والنور والعدل واليقين في الدنيا والآخرة، إنها لجائزة عظيمة حقاً! لا يستطيع إعطاءها أحدٌ سواه، فمن يستطيع مناصرة المظلوم الضعيف الذي لا حول له ولا قوة من ظالم عاتٍ متغطرس عالٍ متكبر في الأرض لا يقف أمامه أحدُ من الناس؟ من يستطيع مجازاة الصابرين على صبرهم وإيمانهم وعملهم الصالح بجنة عرضها كعرض السماء والأرض، وإعطاءهم أجرهم فيها بغير حساب؟! سوى الله تبارك وتعالى؟؟!.
أجل أيها الناس: جائزتان عظيمتان لأهل الإيمان، الصابرين على إيمانهم، العاملين على التغيير، متحملين في سبيل ذلك كل ألوان القهر والعذاب والاضطهاد وضنك العيش، والسجن والحرمان والجوع والعطش والمطاردة والملاحقة والقتل. أما الجائزة الأولى فهي في دار الدنيا، تمكينٌ واستخلاف في الأرض، وأمنٌ وعدل ورفاه وعزّة ومنعة وقوة، وفي نفس الوقت علوٌّ فوق الظالمين، وكسرٌ لأعناقهم لتتهاوى تحت الأقدام. (ونريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمةً، ونجعلهم الوارثين، ونمكّن لهم في الأرض...). وأما الجائزة الثانية ففي الدار الآخرة، جائزة الصبر والإخلاص والعمل الصالح بتضحيةٍ وتفانٍ. أولها: الرضا الذي لا سخط بعده أبداً، قال عليه السلام: "إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون لبيك ربنا وسعديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك. فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، فقالوا: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟!، فيقول: أُحِلُّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً". والثانية: أخذ الأجر بغير حساب، قال تعالى: "إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب"، والثالثة: عظم التشريف والتكريم الذي يلقاه المؤمنون العاملون الصابرون المجاهدون، عظم التشريف والتكريم من وقت خروج أرواحهم من أجسادهم حتى يدخلون الجنة، وبعد دخولهم لها، حيث تتلقاهم ملائكة السماوات تقول لهم: "بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم". ويساقون إلى الجنة زمراً في موكب مهيب تحدوهم الملائكة وتحفّهم الرحمات، وتفتّح لهم أبواب الجنان، ويخيرون من أي أبوابها يدخلون" وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً، حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين.
أيها الناس: قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، قوموا إلى العمل مع العاملين المخلصين لإعزاز هذا الدين بإقامة دولة الخلافة، قوموا ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار، وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون، قوموا فالقتل فيكم مستحر وأنتم لا تعملون، وإذا لم يكن من القتل بد، فليكن القتل مقابل العمل الصحيح المنتج. وصدق الشاعر حين قال:
إذا لم يكن من الموت بدٌ
فمن العار أن تموت جباناً
عفانه
من يأتي بخطب عصام عميرة مسموعة وله حملي بعير
محمد الأنصاري
بسم الله الرحمن الرحيم
الرجاء أن تنزلوا الخطب مكتوبة حتى نستفيد منها.
أبو محمد الراشد
اللهم نصرك الذي وعدت ، اللهم وفق العاملين لدولة الإسلام .
المستغيثة
جزاك الله خيرا يا اخي صوت العقاب
وجعله في ميزان حسناتك
محمود الخطيب
بارك الله فيك اخي صوت العقاب
محمد الأنصاري
بسم الله الرحمن الرحيم
ملاحظة هامة: هذه الخطبة مقتبس كثير من جملها من خطبة الشيخ عفيف شديد.. بارك الله به وبكم.
الفتنة
الخطبة الأولى
الحمد لله.. إلام هذا الخلف بينكم أيها الفرقاء في فلسطين ؟؟! علام هذا التصعيد بينكم أيها الأخوة على أرض الإسراء والمعراج؟؟! حتام هذا التربص ببعضكم البعض.. حتام تشفون صدور الأعداء منكم ؟؟! حتام تحققون بهذه الفتنة بينكم إرادة الألداء ؟؟!
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.. يا ربنا أيقظ عزيمة الصبر على الأذى..عند من ادعوا الأخوة والمحبة واللحمة وعدم الإنجرار إلى الفتنة.. (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55) (القصص)...حتى مع الأعداء تودد في الخطاب ومودة.. أفلا تكون مع الأخوة والأصحاب أولى؟!( قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26) (سبأ).
وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله.. وقع رجل عنده في أخيه.. فغضب صلى الله عليه وسلم.. وقال قم.. لا شهادة لك ..قال يا رسول الله: توبة لست أعود.. قال: أصبحت تهزأ بالقرآن.. ما آمن بالقرآن من استحل محارمه !!
أيها المسلمون:
قولوا للمتشاحنين المتباغضين المطلقين الرصاص على إخوتهم على الأرض المقدسة .. كفى!!
قولوا لهم : ماذا دهاكم؟! إلى أي قعر تنزلون ؟!! في أي واد تهيمون ؟؟! في أي لجة تتخبطون؟؟ ماذا تفعلون ؟؟؟ قولوا لهم ؟! لماذا تصفون حساباتكم مع بعضكم البعض على حساب الأبرياء والأطفال؟! لماذا تفتعلون هذه الأجواء المرعبة الرعيبة ؟
أيها المسلمون في فلسطين:
تستأسدون على بعضكم.. إلى أين يقودنا تهوركم ؟؟! أولا يكفينا عذاب أعدائنا حتى تأتي منكم هذه المرة ؟! ألا يكفينا الغصة في حلوقنا؟! حتى تجرعونا الحنظل المر بأيديكم؟! ألا يكفينا شر يهود حتى يصيبنا بل يحرقنا شرركم؟!
أعراق جديد في فلسطين.. أرواندا جديدة في غزة.. أصفين مستقدمة من طيات أعماق غابر الزمان.. أجمل ونهروان ؟؟؟!!! هذا التصعيد في الخطاب.. هذا التحريض من هنا وهناك .. لصالح من؟؟!
أجيبوا .. أم تريدون سكب زيت شجرتكم المباركة على نار فتنتكم؟! تكاد تقتلنا الحسرات عليكم يا أحبتنا.. إنها لحظات الحبور(السرور) لعدوكم.. إن سجانكم اليهودي الغادر يفرك يديه فرحا.. وأنتم تتهارشون في سجنه.. وتمزقون إخوتكم بين جدران زنزانته... إن مكر عبد الله بن سبأ.. ليتضاءل أمام مكركم ببعضكم البعض.. لماذا تقتلون روح المودة بينكم؟!
لماذا تغتالون براءة الأخوة والمحبة؟! لماذا تنسفون جسور التآخي؟! لماذا تحرقون شغائف قلوبنا حزنا عليكم؟! لماذا تدمون مهجنا؟! لماذا لا تصغون سمعا لنداءات الاستغاثة.. لنداءات الصريخ؟!
ويل لكم.. لا يروعن مسلم مسلما.. فإن روعة المسلم لأمر عظيم..ويل لكم.. كفى.. فإن ربكم لواحد.. وإن دينكم لواحد وإن قبلتكم لواحدة.. أنتم إخوة .. أنتم مسلمون.. يجمعكم كتاب ومحراب.. ألم تروا إخوانكم في رام الله بالأمس.. يقتلهم يهود وأنتم تقتلون بعضكم؟
أيها المتربصون ببعضكم على ساح فلسطين،
كفوا عن التحريض والتهويل والتأليب.. كفوا عن بيانات الفتنة وعبارات التهييج.. اكبحوا جماح جيادكم النافرة.. والجموا طماح أنفسكم وأهوائكم الفائرة.. فليس هناك ضحية وليس هنا لك جلاد.. بل الكل ضحايا الأثرة.. وضحايا الفتنة وضحايا الإلباس والمناكفة.. كفوا بالله عليكم.. فما أسرع ما تجد فتنتكم بين بعضكم إلى قلوب المنافقين واليهود استئناسا وقبولا ورواجا.. فلا يكن أحدكم كبش ضلال.. ولا زعيم فتنة.. ولا مسعرها.. لا تجعلوا من قومكم أغراض المنايا ولا أهداف الرزايا, وإن صاحب الفتنة ليبيت ليلة يتقلب في هم ناصب وقلب حانق.. وصاحب العفو والتسامح يبيت طيب النفس سليم السريرة منشرح الخاطر مبلول الفؤاد ندي القلب قرير العين, وما يلقاها إلا الصابرون, وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ، فما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا ونصرا, ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور، فهيا يا قوم إلى العفو إلى الصفح إلى المحبة .
أيها المسلمون:
ما لي أرى الغربان تنعق في سماء المسلمين؟ ما لي أرى البوم تنعب في ليل المسلمين؟
غرابان عراقيان مشبوهان طفقا يصيحان لإطلاق الفتنة من عقالها.. ذئبان جائعان متوحشان مسعوران أرسلا في غنم العراق، الحكيم والهاشمي، كلاهما يمم نحو عدو الله أمريكا يستعديها على أخيه وفئته، ويعيد التاريخ الأسود نفسه، أبو عبد الله الصغير يستعدي القوط بقيادة فردناندز على أخيه وابن عمه، ويستجيب المجرم..ويقتل الأخ أولا.. ثم عبد الله ثانيا.. ثم يجهز على المسلمين ثالثا.. ثم كانت محاكم التفتيش لإبادة ملايين المسلمين وتنصيرهم.
إن أمريكا اليوم.. قد وجدت فرصة عمرها لأخذ ثأر أجدادها من دماء المسلمين.. عدو الله الملعون تشيني يؤلب السنة في السعودية والعراق على إخوتهم الشيعة ويعدهم بنصرهم عليهم وإعانتهم.. وبوش يعد عبد العزيز الحكيم السفيه.. بنصره وإعانته وفئته على إخوتهم السنة ..وإمعانا في إذكاء نار الفتنة .. وإمعانا في إذلال المسلمين.. واستهزاءا بهم في أول أيام العيد.. أمرت أمريكا عملاءها بالقيام بعملية الإعدام التي رأيناها.. في أول يوم من عيد الأضحى.
إنها الفتنة قادمة تولول وتصيح..إنها الفتنة قادمة تذر بقرينها.. إنها الفتنة تلوح في الأفق القريب.. حتى لا تذر مسلما على أرض العراق وأرض فلسطين.. البسوس في دياركم .. عبد الله بن سبأ ينتشي في قبره..الحريق يرمي بشرر كالقصر.. في كل بيت من بيوتات العراق.. ألحدوا اللحود في كل بيت يا أبناء العراق.. حضروا الأكفان لكل الأجساد.. لا حاجة للتوابيت فلن يكفي كل خشب العراق...لعنك الله يا هاشمي ولعنك الله يا حكيم.. ولعنك الله يا من تحرض على الفتنة...ألعنك بلعنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها..
ويا أيها العلماء الفاتنون المفتونون، أنتم لستم علماء، ولا أمناء على العلم، ولا أمناء على الأمانة التي استودعكم إياها ربكم، لستم أمناء على هذا الدين.. يا من تؤججون نار الفتنة في العراق.. يا من تسكبون نفط العراق على لهيبها.. ليس بمسلم على الإطلاق من يحرض على قتل أخيه المسلم.. سنيا كان أو شيعيا.. ليسوا روافض يا علماء الفتنة في السعودية وغيرها.. ولسنا نواصبا.. بل نحن مسلمون لله رب العالمين.. إنما النواصب والروافض والسبئيون.. هم من يريدون إبادة هذه الأمة بضربها بعضها ببعض...أما شبعتم من سفك الدماء البريئة؟ ألا ترتجفون حين يذبح المسلم أخاه أمام ناظريكم... فإن عرش الرحمن والله ليرتجف؟ ألا تتزلزلون حين يفجر الشيعي أو السني نفسه في أبرياء المسلمين وأنتم تتفرجون وتشهدون.. فإن السماء تتزلزل؟
يا أيها العلماء الموقدون على وقود نار أخدود الفتنة..يا أيها الحشاشون لحطبها من لحوم المسلمين ومهجهم..أغربوا عنا.. أريحونا من تبريراتكم الإجرامية.. فارقوا سوادنا.. ابعدوا عن سوادنا وعيوننا.. انعقوا وانعبوا في غير أجوائنا..شبعنا دماء..شبعنا أشلاء.. شبعنا يتما.. شبعنا تنكيلا لأمهاتنا وأخواتنا.. شبعنا خوفا وفتنة..قبحكم الله من طليعة فتنة.. ومن محرضين عليها.. حكمتم أهواءكم وصدق عليكم إبليس ظنه.. وغركم أنكم علماء يشار إليكم بالبنان.. خنتم أمانة العلم وضيعتموها.. ولئن أطاعوكم المتربصون.. فقد أوردتموهم معكم النار وبئس الورد المورود.

الخطبة الثانية
الحمد لله.. نجأر إليك يا ربنا جأر المظلومين.. نستغيث بك يا ربنا استغاثة الغرقى.. نستنزل فرجك يا ربنا فقد خنقنا دمع حزين.
الحمد لله..فرج عنا يا ربنا ما نحن فيه.. أعذنا من مضلات الفتن...( رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) (الدخان) .. ناجاه المكروبون فأنجدهم.. وناداه الأبعدون فقربهم.. وهتف به المشرفون على الهلاك.. فأنجاهم.. (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)(الأنبياء).
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له..وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله.. هتف بالحبيب القريب سبحانه..مكلوم الأعقاب.. سخي العبرات.. مهموم الفؤاد..قائلا: اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى لا حول ولا قوة إلا بك).

لن ينال الفاسدون من وهج نورنا وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال..
أيها المسلمون،
إن مطفئ نار الفتنة بين المسلمين قادم.. إن الذي سيجمعهم... ويلم شعثهم وينزع الشحناء من قلوبهم قادم.. إن الذي سيحقن دماءهم ..ويسكن روعتهم ويؤمن خائفهم قادم.. ويجب أن يسارع الخطا.. ويجب علينا أن نسارع في لقائه.. يجب علينا أن نسارع مسرعين لاستعجاله... واستصحابه فما عاد في الإمكان تحمل أسوأ مما كان.
أيها المسلمون،
لا يلفتنكم عن الحق من يزخرف لكم معسول الكلام وغروره... لا يلفتنكم عن الحق من يفرق بين الأخ وأخيه... ولا يلفتنكم عن الحق مقام هذا الشيخ أو مكانة هذا الداعية.. ففي الفتن تزل أقدام.. وتثبت أقدام.. ولنا فيمن ثبتوا في الفتن نور وبرهان.
دخل علي بن أبي طالب على الحكم بن عمر الغفاري.. فقال له: إنك أحق من أعاننا على هذا الأمر.. قال الحكم: حدثني خليلي ابن عمك صلى الله عليه وسلم... أن إذا كان هكذا أو مثل هذا ( الفتن ) فاتخذ سيفا من خشب.. وقد اتخذت سيفا من خشب..
ولما بعث يزيد بن معاوية.. إلى عبد الله بن أبي أوفى.. رضي الله عنه في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فقالوا يا عبد الله: ما تأمرنا وما تأمر الناس؟ قال: أوصاني أبو القاسم صلى الله عليه وسلم.. أن إذا أدركت شيئا من هذا.. أن لا أعمد إلى أحد.. وأن أكسر سيفي وأن أقعد في بيتي.. قلت يا رسول الله..فإن دخل علي في بيتي.. قال: اقعد في مخدعك فإن دخل عليك فاجث على ركبتيك.. وأن تقول: بؤ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار..
فهل بقي هناك من عذر أو تبرير ..
إلا من أراد أن يتخذ من أعداء الله سبيلا.. فموقد الفتنة ليس قرشيا هذه الأيام ولا ينتمي إلى أبي جهل.. إنما هو يهودي أو أمريكي.. والله بريء منه ورسوله والمؤمنون ؟؟!
من تيقن أن دين الله هو الذي يصلح الأرض ومن عليها، فلا يجتزئن منه ما تروق له ثم يستغني عما بقي منه.. فويل للذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب.
ملاحظة هامة: هذه الخطبة مقتبس كثير من جملها من خطبة الشيخ عفيف شديد.. بارك الله به وبكم.
ضياء الكرمي
لسماع الخطبه أو حفظها :

http://up.9q9q.net/up/index.php?f=jjh76zGED

http://up.9q9q.net/up/index.php?f=jjh76zGED
ابو بكر الشامي
بارك الله فيك أخي ضياء ،
ونحن ننتظر بفارغ الصبر خطب الشيخ الدكتور عفيف ، بارك الله فيكم جميعا .


_____________

ابو جندل
الخطبه الاولى
ماذا بقي من الرجولة

الحمد لله,أشهد زعماء العرب العالم كله على هزالهم وضعفهم وقلة مقدارهم ووجوب استبدالهم,

الحمد لله سلب منهم الرجولة والهيبة فعادوا جثامين تتحرك بلا حياة ولا عزة ولا نور,

وأشهد أن لا إله إلا الله,ضرب مثلا وحكى لنا عن شخصيتين,أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج فيها,وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم,

وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله,ضرب مثلا لزعمائنا بالأرض الجدباء,ومنها أجادب لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ,وذلك مثل لمن لم يرفع رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به

أيها المسلمون:ماذا بقي من ماء في وجوه حكام مصر والسعودية والأردن والعراق والإمارات,ماذا بقي من رجولتهم,كلبة أمريكية سوداء تسحبكم من نسعكم إلى أوكار الهوان,يا أسفي على الرجال,هيئات وشخصيات وخشب مسندة,يحسبون كل صيحة عليهم,ما أذل غساسنة هذا العصر وما أدنى مستوياتهم,لقد حرموا حتى من التعبير والمراوغة والمداهنة,صارت وقاحتهم جرأة,وصار العيب والرذيلة والخيانة والتبعية لأمريكا مصلحة وطنية,صار الولاء لأمريكا بعد نظر,فهلا تسكتون على الأقل ولا تخزونا بين العالمين,ألا أصابكم البكم والعي,لقد فضحتمونا حتى عند الأنذال,فقال قائلهم ما سمعنا بنذالة الحكام العرب في العالمين,

طفقت المبتذلة الأمريكية تقسم أدوار العبيد,فمصر لإضفاء المشروعية على خطتها,والسعودية لتمويل المدد من جيشها والأردن أسند له دور التخابر والتجسس على عباد الله,دور الجاسوس الأكبر في المنطقة,صفقة ملغومة مع أمريكا,إذا اصطففتم وراءها فلتدفعوا الثمن هوانا وطأطأة هامات,ما هذه الحفاوة,ما هذا الإندفاع,ما هذه الأريحية في خدمة إستراتيجية رجل كافر سفيه قال عنه خادمه العراقي وذنبه المالكي قال عنه أنه رجل ضعيف في أمريكا,إنما أحدكم بعرة في ذيل كبش معلقة وذاك الكبش يمشي,لقد تفاجأ العالم كله بهذا الإندفاع المجنون الغير معهود,ويستجدي حكام العرب أمريكا أن ترفع الحرج عنهم أمام شعوبهم فتحرك ولو ظاهريا,ولو ذرا للرماد في العيون قضية الشرق الأوسط,ولتلتق هي ولتجمع حاكم اليهود مع حاكم فلسطين ولو كان صوريا يهودي الصنعة أمريكي الطابع,فهل يرضى من يحملون الإسلام رسالة إلى الحياة ومن يعش ير؟؟

أيها المسلمون:عندما أعدم الأمريكيون وربانيتهم العراقيون حاكم العراق السابق,فرد المعارضون لهم بشنق عشرين عراقيا وتعليقهم على الأشجار في شارع حيفا ببغداد,إن الثأر المتفجر والانتقام الطائفي هو الحاكم الآن في أرض الرافدين وعليها مفتتحا عهدا مرعبا من الحروب الطائفية والمذهبية في المنطقة برمتها,انقض نيرون أمريكا على النار المشتعلة في أتون العراق فصب عليها نفطا فارتفع أديم لهيبها إلى عنان السماء,وازداد سعير الحرب تميزا من الغيظ أملا بانتصار موهوم بعد أن طاح حظه وتلوثت سمعته,وطاش سهمه واضطرب عقله,إنه السعار المجنون بين السنة والشيعة على خلفية امتلاك آبار النفط,وتصفية حسابات القرون

أيها المسلمون:أمريكا وإيران تنقاد فإن الآن كرة اللهب في العراق,فإيران تريد أن تنتزع الإعتراف بها من أمريكا كقوة إقليمية تمتد من سواحل الخليج إلى شواطئ سوريا ولبنان,إنها حرب مصالح سياسية وإقتصادية تظلها سحابات مذهبية وطائفية,وانفتحت الجراح القديمة وعلت صيحات الإنتقام وتبادلوا القتل على الهوية في مذبحة خجل من فعلها حتى يهود

وسقطت بغداد العظيمة في براثن الطائفية الهمجية الروافض المجرمين,فالرصافة شرق نهر دجلة صارت شيعية كاملة بعد أن هجر منها كل أهل السنة وغرب دجلة الكرخ,صارت سنية في مجازر مروعة وتهجير جماعي,وأجادت إيران الصفوية المجرمة استغلال ذلك سياسيا وعسكريا,والعراق مقبل على عاقبتين سوداويين أحلاهما زقوم وحنظل,فإما أن يستمر الصدام الإيراني الأمريكي (والذي قد يكون مفتعلا)

سيستمر بعنفه وشراسته ودمويته,متثقلا بالتلقائية إلى أطراف عربية ودولية وقد يتوج بضربة نووية يهودية لإيران,وإما أن يتجه الطرفان الأمريكي والشيعي الإيراني العراقي إلى التهدئة وتقسيم النفوذ وتقاسم المصالح لتتحول العراق والدول العربية إلى وجبة شهية لذيذة على المائدة الإيرانية الأمريكية,ونحن الضحية دائما,نحن الجسد الهزيل المثخن بالجراح,نحن وجبة هذا,الموتور,وذلك المتربص الجبان,إن العراق لن يخلصها مما هي فيه إلا ميلاد دولة الإسلام العظيمة,لتسحت الكفار من على أرضها سحتا ولترجع شيطان الطائفية إلى قمقمه,وليلزم الروافض حدهم,وليتقوقعوا في شرانقهم وأصدافهم,لكننا لن نبيدهم كما يحلمون هم بإبادتنا,إنما نعاملهم كما عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم المنافقين وعلى رأسهم شيخ المنافقين عبد الله بن أبي,كلما أوقدوا فتنة أطفأناها وفضحناهم,

وكلما حفروا حفرة دفناهم فيها,وكلما تحركت أذيالهم قطعناها,وكلما أقاموا مسجد ضرار هدمناه وكلما آذونا بألسنتهم وإيعازهم وغمزهم ولمزهم أدبناهم ونبذناهم,ولعلهم يتوبون إلى رشدهم كما تاب فرات بن حيان ومالك بن الدخشم ورهط من المنافقين,إن أمريكا قد فجرت في العراق جماجم المسلمين ولن ترحل عنه حتى تتركه خرابا يبابا,فيا أيها المسلمون جدوا واعملوا وسارعوا وأنقذوا الأمة وأنقذوا العراق من الإبادة وأنقذوا فلسطين ممن يهمون ولا يكادون بإيقادها فتنة عمياء,أسرعوا أيها المسلمون واجعلوا همكم إنقاذ كل مسلم من براثن أخيه أولا ومن براثن الكفار ثانيا,الوقت يمضي بسرعة والأعاصير الجارفة قادمة وبناؤنا غير محكم وجسورنا مهدمة,والأنفس مريضة والقلوب سقيمة,أقدمي يا دولة العز وأقبلي أقبل يا نطاسي المسلمين,سارعوا فالأمة مريضة مدنفة مشرفة على الهلاك,والجراثيم التي دخلتها فتاكة,والأجسام المضادة فيها تقتل بعضها بعضا,أسرعوا,أحيوا الأمة وإلا فالحساب عسير,والعدو مجرم وما على الرسول إلا البلاغ المبين,
إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
ابو جندل
الخطبة الثانية


الحمد لله الذي قيض لهذا الدين أنصارا وجعل له شهداء,

الحمد لله جعل الهجرة إيذانا بيوم النصر الأكبر,يوم إضاءة الخافقين بنور الإسلام العظيم,

وأشهد أن لا إله إلا الله,أراد الخلق كلهم عبادا صالحين وهم له عبيد داخرون,
يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا,فالذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما,

وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله أرسله ربه لا ليبلغ الرسالة فحسب بل ليكون وأمته أسيادا للوجود وحكاما للبشرية,

وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم,

وقد أمره أن يخاطب الناس كلهم بعد بعثته الشاهد منهم والغائب والقادم من عالم الأرحام في سديم الغيب,
قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا,فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون,

أيها المسلمون:ما كانت الهجرة من الديار دائما إلا فررا من الأخطار,وهيمانا على الوجوه في البراري والقفار وإلى مصير مجهول وتحكم من الأغيار,إلا هجرة النبي الكريم وصحبه الأبرار فكانت لعمران الديار,ودرءا للأخطار وإلتحاقا بالأنصار ودولة تحكم كل الأمصار ودينا يهيمن على كل الأغيار,هجرة من الضيق إلى الرجاء ومن الملاحقة والعذاب إلى التمكين والإصطفاء والإجتباء وكان يوما للمسلمين كريما,وكان عهدا للمؤمنين عظيما,كان إيذانا ببدء الهيمنة بالنور وإلى الأبد وفي كل العصور,وما كان التأريخ بها كافيا لعظمتها,إنما اكتتب أصحابها كخير البرية في الأرض وفي دار مقام بهية علية,لا أحد يلحقهم,وعلى الإطلاق,

الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون,يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم,

من ساق الأوس والخزرج من اليمن إلى سبخات يثرب ومن ادخرهم لأعظم يوم في الوجود,إنه الذي اصطفى محمدا وصحبه وصنعهم على عينه واصطفاهم واصطنعهم لنفسه,رحم الله الأنصار وأجزل لهم مثوبته كانوا شطر المجد,أدوا رسالتهم وأرضوا ربهم واكتتبوا مقاعدهم العلوية,ثم بدأوا بالتلاشي جيلا بعد جيل حتى غابوا عن الأنظار,لم تدم شمسهم طويلا,وكأن نهارهم قصيرا,لكنهم كانوا هم السابقين,رضي الله عنهم رضوا عنه,

إن يوم الهجرة لا يستحق أن يحتفي به ويحتفل له إلا من أراد أن يعيد للإسلام عزته وللأمة دولتها وللدين ألقه وانتصاره,هذا يوم يستشعره العاملون لإعادة الخلافة على منهاج النبوة ويفهم حقيقته من عرف تأصيله وتحقيقه,هذا يوم لا ينفع من لا يريد الإنتفاع برمزيته وإشارته ودلالته,وما كان أبو بكر ثاني إثنين في الغار,إلا يكون ثاني حاكم لدولة الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم,وما أخرج الكفار محمدا من مكة إلا ليرجع فاتحا لها,ما هاجر محمد ليطلب اللجوء السياسي في يثرب,بل ليكون سيدا لأهلها,في أرض ممهدة وقلوب بالحب متقدة,وما كان مصعب بن عمير إلا ممهدا لنقطة الإرتكاز ليوم تسطع فيه الأنوار من طيبه,ليوم تشع منه الضياء من الجابرة المجبورة,ليوم يعلن فيه ميلاد دولة العز من المحبوبة,من المحبة,يوم يشرق المنافقون في يثرب القاصمة,إنه يوم الرحمة للعالمين أعلن من مدينة المرحمة من يثرب المرحومة,لقد كتب الله في التوراة وقراها يهود عن أول عاصمة لدولة الإسلام,يا طيبه يا طابه يا مسكينه لا تبتلي الكنوز,إرفعي أحاجرك على أحاجر كل القرى,أنشأها عملاق من العماليق,اسمه يثرب بن عبيد بن مهلاييل بن غوض بن عملاق بن لاذ بن إرم بن سام ابن نوح عليه السلام,ودشن دولة الإسلام الأولى فيها عملاق الوجود عملاق الثقلين سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم,إنه يوم الهجرة هو أول يوم في حقيقة دولة الإسلام,إنه يوم عينه اليقين وقد كان أول يوم بعثته صلى الله عليه وسلم هو أول يوم حق اليقين لتقرير مصير الأرض ومن عليها سيادة وحكما وهداية ورحمة للعالمين,
ابو جندل
اللهم أكرم هذه الأمة وأعد لها مجدها وأعد لها وظيفتها وأعد لها هيمنتها وأعد لها حكم الأرض ومن عليها,

اللهم تاقت أنفسنا للإستعلاء بالحق الذي أنزلته , واستشرقت أفئدتنا ذرى سمت العزة فارفعنا إليها,


اللهم هلك الحرث والنسل وظهر الفساد في البر والبحر,

وضاقت على خلقك الأرض بما رحبت وغشيهم الضنك واللاواء والبلواء,

اللهم فمن علينا بإنقاذهم واستعملنا للأخذ بأيديهم وإرقائهم إلى شاطئ الأمان في ظلال دولة الحق والبرهان,

اللهم وفقنا لإزاحة الظلمة والمفسدين عن عروشهم ولنرحم عبيدك بنورك المبين وشرعك الحكيم ومنهاجك القويم

خطبة الجمعة
محمد عفيف شديد
مسجد بلال بن رباح طولكرم
19/1/2007 م
إبن الزيتونة
اللهم وفقنا لإزاحة الظلمة والمفسدين عن عروشهم ولنرحم عبيدك بنورك المبين وشرعك الحكيم ومنهاجك القويم

اللهم آمين

خطبة رائعة بارك الله في القائل والناقل.
مسلم الشامي
ماذا بقي من رجولتهم ؟؟؟

وهل كانوا يوماً من الأيام رجالاً وتناقصت رجولتهم حتى لم يتبق منها شيء ؟؟

فلا أذكر لهم موقف فيه رجولة , ولم يكونوا في يوم من الأيام في عداد الرجال بمعنى الرجال .
أبو بدر
بارك الله في دكتور عفيف.
حقيقةً، ألفاظه وتعبيراته تهز النفس هزا.
ابن الإسلام
بسم الله الرحمن الرحيم

أهذه هي النهاية يا ابن إنساني الجنة

الخطبة الأولى


الحمد لله, كانت الفتنة نائمة فلعن الله من أيقظها أو من يدفع لإيقاظها لعنة تمسك بلعنه, ولعنة تتبعها لعنات بعدد قطرات الدماء التي تسيل, والدموع التي تذرف,وبعدد زفرات الحسرات التي تزفر من مجامع القلوب المكلومة,
وأشهد أن لا إله إلا الله, لعن يهودا بعد إذ نقضوا ميثاق ربهم في عدم سفك دمائهم, وإذا أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون, ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم, أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون, فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية,
وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله, قبح الفتنة بما لم يقبح في منكر غيرها, فارتج المسلمون وأهمهم الأمر, ووقف وائل بن حجر يقول: يا رسول الله ما الفتنة هذه, قال إذا التقى المسلمان بسيفهما فاعتزلهما.

أيها المسلمون,
لا ميثاق يوقف دماء المسلمين إلا ميثاق مع الله, وتحت رايته وامتثالا بحكمه, ونزولا عند آياته, لا ميثاق يستحق أن يلتف حوله إلا ميثاق رب العزة, واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا, لا ميثاق يناقش إلا ميثاق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الأمة عندما نادى عليها في سديم الغيب فأسمع حاضرها ومقبلها, ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض,

فيا أيها المتنادون بوأد الفتنة, يا أيها الحريصون على الدماء المسلمة الطاهرة البريئة,
يا أيها المحزونون لأجل هذه الأمة,
يا أيها المكلومة قلوبكم, المتفطرة أفئدتكم لأجل جمع شملها ولم شعثها,
يا أيها المخلصون في جهودكم برتق الفتق, وتضميد الجراح,
تيقنوا أنه لا يصلح الخلق إلا خالقهم, ولا ينضبط البشر إلا بأمر ربهم, ولا ينفع لماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم إلا شريعة أرادها لهم من لا يرضى لهم الكفر, و يحب أن يعذبهم, فلا تشرقوا ولا تغربوا ولا تنفتحوا ولا تتفيهقوا, فما عندكم ضحل وعاجز وغير مبصر وقصير العمر, لأنه صدر عن عاجز محتاج فقير جاهل بائس, ويجب أن تتفطر قلوب الجميع فرقا وغضبا لما يجري, وليتصور كل امرئ منا إن الذي يقتل قد يكون إبنه أو أباه أو أخاه أو حبيبه أو صديقه أو لسنا كلنا هؤلاء جميعا,
ليتصور أحدنا هذا المشهد الفزع في عرصات يوم القيامة أمام محكمة الديان القاضي فيها هو الله الجبار,والشهود هم كل ذرية آدم والمدعي هو المقتول في الفتنة ظلما يحمل رأسه يقطر دما, ينادي يسمع الأولين والآخرين ليشهدهم على ظلم قاتله له: يقول يا رب سل أخي هذا الذي بين يديك ويشير إليه, سله فيم قتلني ..
فبأي رد ستردون يا قتلة إخوتكم,
بأي عذر ستعتذرون يا أيها القساة القلوب الغلاظ الأكباد,
يا من تسفحون دماء إخوتكم هدرا على مذابح أهوائكم وأطماعكم وطاعة لعدوكم,
بأي وجه ستقابلون ربكم, بأي لغة ستبررون لذرية آدم كلها يوم التناد, وهي تشهد على جريمتكم, رأس أخيكم يشخب دما, إنه الخزي والعار .. إنه الندم والحسرات, إنه الإحراج المخجل, إنها الفضيحة المجلجلة,
يا من تستهترون بهذا الدم الغالي النفيس,
يا من تشدخون رؤوسا مهللة مكبرة راكعة ساجدة,
يا من تروعون من كان لزاما عليكم أن تؤمنوا روعتهم,
يا من أنتم الصدر الحنون لهم لو تعقلتم,
يا من أنتم الحصن الحصين لأخيكم لو ترويتم,
يا من أنتم العضد والنصير لأخيكم لو علمتم معنى الأخوة, لو لمستم ما في هذه الأخوة من وداد ومحبة وحنان ورقة وصفاء, لو فكرتم في عاقبتكم ومآلكم ,
يا أيتها النفوس النافرة,يا أيتها الأفئدة المشحونة,
يا أيتها الأجواء الملغومة غدرا, وبغضاء .. أغربي عن حياتنا, وانزوي بعيدا عنا, وادلفي إلى مجاهل النسيان,
يا لها من كارثة, يا لساعة الندم ما أشد حسراتها وعذابها, يا للحظة الآهات بعد فوات الأوان, يا للحظة خسارة العمر خسارة الأخ والحبيب, ماذا بقي لي بعد موت أخي على يدي؟
يا للدموع, يا للويل, يا للثبور, يا لسوء الخاتمة, يا حسرة بعد حسرة بعد حسرة, فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين,
ولكن بعد فوات الأوان يا قابيل, الآن يا قابيل, لقد صار غراب الشؤم والنعيب أحسن حالا مني وأفهم مقالا وأغزر عاطفة وأرق فؤادا مني أنا قابيل ذو القلب القاسي, ذو النفس المريضة, ذو الطبع اللئيم, ذو الغدر الوبيل,
أهذه هي النهاية يا قابيل,يا ابن خليفة الأرض,يا ابن من نزل ليعمرها ؟
أهذه هي النهاية يا ابن إنساني الجنة ؟
أهذه هي النهاية من عبد للرحمن إلى ولي للشيطان, من أنس الإنسان ورحمته وعطفه, إلى وحشيته ووحشته وقسوته وحقده ؟
شتان بين الرحيم وبين اللئيم شتان بين الودود وبين الفظ العنود,
شتان بين أصحاب النار وأصحاب الجنة, أصحاب الجنة هم الفائزون,
يا للشقاء يا أتباع قابيل, يا للحسرات يا للوعة, يا للخسارة والندم, يا قابيل من أنبأك كيف تقتل أخاك؟ قال أنبأني الشيطان الرجيم،

أيها المسلمون:
يا من تظنون أننا أوجعناكم بالحق الذي قدمناه لكم نصحا وإشفاقا وإرشادا, وجع الدنيا يعقبه شفاء ووجع الآخرة يعقبه شقاء, ويا ليتني ويا ليت شعري أن يبعث الله لي من يؤلمني بخالص نصيحته, وقارع مقالته, يدفعني دفعا إلى حق تنكبت عنه ومن قبل أن يدع أحدنا إلى جهنم دعا,
ومن قبل أن يقال: إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون, ومن قبل يوم عبوس قمطرير, ينادى على قتلة إخوتهم هذه جهنم التي كنتم بها تكذبون, أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون, اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون.

أيها المسلمون:
عصفوران فلسطينيان هزيلان يتقاتلان ويدميان بعضهما بعضا وهما في قفص الإحتلال المعلق في فناء حديقته, ما هذا الجنون الذي لا يمكن وقفه ؟
يا من تقاتلون بعضكم من أجل وهم سلطة ذاتية تحت احتلال يهودي, إنها لحظات خزي لكم, إنها لحظات حرجة ومناظر مؤلمة معيبة مخجلة, يكاد يتوارى المرء لئلا تنتسبون إليه, أو ينتسب لكم, المشهد مؤلم ومثير, والممثلون بسطاء سطحيون بادي الرأي, والمخرج مجرم عريق في الإجرام, والضحية هم دماء هذه الأمة والتي انقلبت جموعها إلى نظارة يتفرجون لا مبالين على مسرح الدمى البشرية الدامي, نعم متفرجون, يتفرجون بصمت مريب تراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون, شدهوا, وصدموا وذهلوا, لا يستطيعون الحراك والتدخل, ولاتستطيعون حماية الأرواح البريئة بل لا يريدون, والرصاص الأمريكي الغادر واليهودي الفاجر بيد المسلم ضد أخيه المسلم هو رصاص أعمى يقتل حتما سواء انطلق من بندقية الإحتلال أو بندقية الأبطال حماة الديار والاستقلال.

أيها المسلمون:
عندما يكتمل مشهد الفتنة وتغرق أحجار الزيت بدماء المسلمين الأبرياء, وتستهلك قدراتهم, وتتآكل عزائمهم, وتفنى إرادتهم, عندها يرتاح العدو, ويتمطى فرحا حذلانا, فقد تلاشت مقومات القوة والقدرة على ردعه وقتله وإخراجه من الديار,
بعدها تصبح الأرض والمقدرات والثروات مستباحة, إن أمريكا ويهود يحاولون صنع عدو بكل قوة في بلادنا من أنفسهم, حتى إذا تم له ذلك, غذى الفريقين بالمال والسلاح وشحن البغضاء في الأفئدة وأغرى كل أخ بأخيه,
حتى إذا أطارت سيوفنا هامات بعضنا البعض فإذا صفين تعود وكربلاء جديدة وإذا الجمل مشؤومة في غزة والجامعة الإسلامية وبغداد والحلة وكركوك والموصل وتعز والحديدة وصعدة ودارفور ومقديشو وبيدوا,
وكم من اشتر ستشهد ساحاتنا, وكم من عبد الله بن زياد سيقطع رؤوس المخلصين، وكم من ذي خويصرة مجرم يخرج على حين فرقة من الناس,
يا أبطال الفتنة، ويا صناع مجدها ويا موقدي نيرانها, ويا حشاشي لهيبها, شكرا خالصا لكم من القلب من بوش ومن أولمرت ومن سيدكم الشيطان, ولعنة عليكم تتبعها لعنة من المنتقم الجبار ومن الملائكة ومن المؤمنين ومن الناس أجمعين.
ابن الإسلام
الخطبة الثانية


الحمد لله, رحماك يا ربنا, أحيط بنا, نحن في خطر ومقدساتنا في خطر, وعقيدتنا في خطر, رحماك يا ربنا جاءتنا المصائب والويلات من فوقنا ومن أسفل منا, وزاغت أبصارنا وبلغت قلوبنا الحناجر, فلا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك,
وأشهد أن لا إله إلا الله حكى لنا عن جمع الخائفين من عدوهم ساعة الحسم واللقاء، وحكى لنا عن رد الموقنين بنصر ربهم لهم عليهم, فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده, قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين,
وأشهد ان محمدا عبد الله ورسوله قال للمستعجلين نصرا قبل أوانه !! وبعد أن ذكر تمشيط المخلصين بأمشاط الحديد دون لحمهم وعظامهم والله ليسيرن الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه, ولكنكم تستعجلون .

أيها المسلمون:
لماذا نظل نترحم على ماضينا التليد المجيد ونحن قادرون ونبكي حاضرنا المؤلم ونندب حظنا العاثر, ونسير في الأرض حيارى تائهين بلا هدى ولا هادي,وننتظر أن تمطر السماء علينا نصرا, وماذا ينفع المطر ولو كان وابلا على أرض سبخة جدباء,
أما الذين يعرفون حقيقة الأمر ويقولون غير ما يعرفون فكبر مقتا عند الله, وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين, إن حساب الأمور في إطارها كما تريدون يا أحباب يهود من هذه الأمة هو الذي أوصلنا إلى الدرك الأسفل من الذل والمهانة بوجودكم, إن حمد يهود وشكرهم على توزير عربي عندهم من قبل حكام العرب ومفكريهم ليدل كم هم تافهون أولئك الحكام والمفكرون, وكم هم دنيئون ومعيبون, وكم هم قذى في عيوننا وهم في صدورنا,

إن من سقط لحمه عن جسمه واهترأت أعصابه وتهتكت أنسجته وصار هيكلا عظميا مرعب القسمات, ما كان لنا أن نكسوه أعصابا ولحما وأنسجة فالهيكل قد نخرت عظامه ولم يعد صالحا للحياة ولا للأحياء,
وما كان منبر صلاح الدين لينعش الأمل بقرب تحرير المسجد الأقصى ما دام الأموات هم الذي يحكمون الأحياء فينا,أموات الكرامة وأموات الإحساس والشرف,غاب الأصيل والأصلاء وسيد الغوغاء والدهاء,وبعد غد ستهدم يهود باب المغاربة الملاصق لجدار الأقصى ورويدا رويدا سينقض ذو السويقتين اليهودي ومعه جيش من الأعاريت بيت المقدس حجرا حجرا .
فماذا سيغني منبر جديد كمنبر صلاح الدين إذا غاب صلاح الدين ؟ وهل يحق لأحد غير مثيل صلاح الدين أن يعتلي أعواده,وفي يوم نصر كيوم حطين, وما تغني الفرس الأصيلة إذا فقد فارسها, وما تغن الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ؟

أيها المسلمون:
إن بيتنا الأمين والدافئ هو دولة الإسلام العلية لا سواها وكل بيت سواها فهو خرب مرعب, وإنما هو بيت الوهن والتربص والريبة والموت, وكم من بيوت خربة كدويلات الضرار؟ كم من بيوت خربة قتل أصحابها ثعابين تلك البيوت وعناكبها وعقاربها وهواؤها الملوث وظلامها الدامس؟
فسارعوا إلى هدم بيوتكم العنكبوتية هذه والتي شيدها عدو الله وبالغ في إخفاء أسرارها, اهدموها مع خفاياها, وأقيموا صرحا شامخا منيرا, أصله ثابت وسقوفه تكاد تبلغ الأسباب,
أقيموا صرحا مضيئا منعشا نسيمه, شافيا هواؤه, كراما أهله, آمنين رواده, أعزة بناته سيدا في الدنيا والآخرة المشرف عليه! هذا هو الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال, فأنى تصرفون.
ابن الإسلام
اللهم امنحنا عزائم الصديقين، ويقين المقربين، وإرادة الأبرار، وإخلاص المخلصين،
وصدق الصادقين,

اللهم استحكم بنا البلاء, وحلت بديارنا الدهماء, وغشيت جموعنا اللأواء, فبك ننزل ما نزل بنا فلا كاشف لهم سواك ولا مفرج لكروبنا إلاك, ولا مخرج لنا مما نحن فيه إلا إذا أنخنا على بابك وتمرغنا على أعتابك, وتبتلنا برحابك,

ففرج عنا ما نحن فيه, لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
_________________________________________

خطبة الجمعة، د.محمد عفيف شديد
الجمعة 14/محرم/1428 هـ الموافق 2/شباط/2007 مـ
مسجد بلال بن رباح، طولكرم.
عبد القادر
بارك الله فيك أخي ابن الاسلام

والله أنها خطبة تفجر الصخور ولكن هل من مجيب

نسأل الله رب العرش العظيم أن يعجل لنا بالخلافة الاسلامية الثانية على منهاج النبوة
عبد الحميد
السلام عليكم

بارك الله فيك أيها الخطيب المفوه، فإن كلماتك توحي بأنها تخرج من قلب صادق مكلوم فتدخل في قلب كل من يقرأها .

لكن عتبي لماذا الخطبة غير مسجلة بالصوت ؟؟؟
محمد الأنصاري
بسم الله الرحمن الرحيم
بارك الله بهذا الرجل.. فهو خطيب مفوه.. ولغته قوية .. وإن دل على شيء فيدل على سعة إطلاعه وثقافته .. وحفظه للقرآن الكريم والسنة النبوية.
وإنا ولله الحمد أستفيد كثيرا من خطبه وأفكار ولغته .. وأقتبس كثير من كتابته .. فأن معجب به .. وأسأل الله لنا وله ولكل المسلمين الثبات على الحق .. وقول كلمة الحق.. نصدع بها عاليا إن شاء الله تعالى.
ولا يفوتني أن أشكر الأخ إبن الإسلام على الجهد الذي يبذله في إنزال خطب الدكتور عفيف ..وأشكر جميع من عمل في إنزالها وكذلك القائمين والمشاركين في منتدى العقاب ... وجزاكم الله كل خير.
ابن الإسلام
بارك الله بك أخي الكريم، محمد الأنصاري ..

وإنما الشكر والفضل يعود لله وحده من قبل ومن بعد ..

ونسأل الله أن يعيننا على حمل تبعات هذه الدعوة الغراء،
وأن يثبتنا على ذلك، إنه سميع مجيب الدعاء.
الدر الكامن
جزاك الله عنا كل خير يا أخي محمد عفيف شديد وجعل خطبتك في ميزان حسناتك
فأنت شديد في الحق شديد على الظالمين والمنافقين
ضياء الكرمي
بارك الله فيكم ..
أبو يحيى
إقتباس(ابن الإسلام @ Feb 3 2007, 12:37 AM)
........

وإذا أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون,
البقرة 84

ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم, أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون
البقرة 85

أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون,
البقرة 86

فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية
المائدة 13

..........
*
أبو يحيى
هذا رابط الخطبة هنا، وقد ضعه الأخ ضياء الكرمي في موضوع جديد فأرجو من المشرفين حذفه كي لا يظن الإخوة أن الموضوع مكرر:

http://up.9q9q.net/up/index.php?f=8b4MPLGeB
ابو رافت
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


أسأل الله سبحانه أن يجزي شيخنا الفاضل عصام عميرة خير الجزاء
وأن يبارك لنا بجهود أخانا المرابط ثبته الله


راجيا من الله أن تعم الفائدة للجميع


الجمعة 6/ربيع الأول/1426هـ 15/نيسان/2005م



فلا يسبقنكم الدنمركيون إلى الخلافة

(الخطبة الأولى) أيها الناس: جاء في كتاب "زاد المعاد في هدي خير العباد"، لابن القيم ما نصه: (وكان مما صنع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن الأوس والخزرج كانوا يسمعون من حلفائهم من يهود المدينة أن نبياً من الأنبياء مبعوث في هذا الزمان سيخرج فنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم، وكانت الأنصار يحجون البيت كما كانت العرب تحجه دون اليهود، فلما رأى الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الله عز وجل وتأملوا أحواله، قال بعضهم لبعض: تعلمون والله يا قوم أن هذا الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقُنَّكم إليه...قال أبو الزبير عن جابر: (إن النبي صلى الله عليه وسلم لبث بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في المواسم ومجنة وعكاظ يقول من يؤويني؟ من ينصرني؟ حتى أبلغ رسالات ربي وله الجنة، فلا يجد أحداً ينصره ولا يؤويه، حتى إن الرجل ليرحل من مضر أو اليمن إلى ذي رحمه فيأتيه قومه فيقولون له: إحذر غلام قريش لا يفتنك، ويمشي بين رجالهم يدعوهم إلى الله عز وجل وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله من يثرب فيأتيه الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام، وبعثنا الله إليه فائتمرنا واجتمعنا وقلنا: حتى متى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة ويخاف؟ فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم، فواعدنا بيعة العقبة...فقمنا نبايعه فأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغر السبعين فقال: رويداً يا أهل يثرب إنا لم نضرب إليه أكباد المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجَه اليوم مفارقةُ العرب كافة، وقتلُ خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر لكم عند الله. فقالوا: يا أسعد أمط عنا يدك فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها، فقمنا إليه رجلاً رجلاً فأخذ علينا وشرط يعطينا بذلك الجنة)...فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالهجرة إلى المدينة فبادر الناس إلى ذلك...) أهـ. ثم تبعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقامت الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة.
أيها الناس: إن الذي حصل مع الخزرجيين في الماضي يمكن أن يتكرر من أي قوم يؤمنون بالله ورسوله، ويعرفون الحق فيقررون نصرته، خصوصاً بعد أن هدمت دولة الإسلام وغاض سلطان الله من الأرض، واستحوذ على الناس سلطان الشيطان، والخير في الأمة لا ينعدم حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وقد أصبحت نصرة هذا الدين في حالة استحقاق كامل بعد الجهود المضنية التي بذلها حملة الدعوة الإسلامية المخلصين الجادين والهادفين لإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، حيث بلغت نداءات استغاثتهم عنان السماء، هل من مجير؟ هل من ناصر؟ هل من مغيث؟ وقد أحاط بهم الظالمون من كل جانب، وصدرت التعليمات تترى بملاحقتهم والتضييق عليه، واعتقالهم وإذا استدعى الأمر قتلهم قتلوهم، بل قد وصلت التحذيرات والتهديدات إلى هذا المنبر الذي أقف عليه. وتتالت التحذيرات على مستوى العالم من نتائج دعوتهم، وهم يقولون: إحذروا دعاة الخلافة، وإن الخلافة قد أصبحت وشيكة، وأنها تشكل الخطر الحقيقي على حضارة الغرب ومصالحه فضلاً عن خطرها على عملائهم في العالم الإسلامي الذين سيسحقون سحقاً بطوفان الخلافة الذي لا يبقي منهم أحداً ولن تحس بعد قيامها منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً. وقد سمعنا تصريحات أساطين الكفر من أميركا وبريطانيا وفرنسا وروسيا وغيرها من بلاد الكفار ما يفيد صراحة دون مواربة خوفهم من عودة الخلافة وصعود نجم الإسلام السياسي، ورعبهم من قيام المارد الإسلامي. واليوم تضيف ملكة الدنمارك مارغريت الثانية بعداً جديداً للمسألة بقولها "إنه من الضروري أخذ التحدي الذي يشكله الإسلام على محمل الجد، على الصعيد المحلي (في مملكتها) والعالمي"، وذلك في كتاب مذكرات جديد نشر مؤخراً.

وحذرت في الكتاب الذي حمل اسم "مارغريت" من "أنه تحد، ونحن مرغمون على أخذه على محمل الجد". لقد تركنا هذه المسالة قائمة لفترة طويلة جدا لاننا متسامحون ويسيطر علينا الخمول". وكتبت الملكة البالغة من العمر 64 عاما تقول: "هناك شيء مدهش بعض الشيء لدى أولئك الذين يشكل الدين كل حياتهم ويشبع حياتهم اليومية من الصباح حتى المساء ومن المهد إلى اللحد"، في إشارة إلى المسلمين. وتابعت: "يجب التصدي للإسلام ويجب من حين لآخر أن نواجه مخاطر، أن نوصف بأننا أقل مجاملة، لأن هناك بعض الأمور التي لا يمكن التسامح حيالها". وقالت الملكة التي تعتلي العرش منذ 1972: "وحين نكون متسامحين، يجب أن نعرف ما إذا كان ذلك عن قناعة أو عن راحة". وبعد أن شجبت الأصولية دون تسميتها، لفتت الملكة المطلعة على أصول الإسلام بفعل ميولها لعلم الآثار، إلى "أنه من الواضح أن الشباب من دين الإسلام يمكن أن يشعروا بأنهم منجذبون إلى القيم المطلقة لدينهم الذي يلجأون إليه نظراً لانهم مستبعدون عن مجموعاتنا بسبب عدم كفاية معرفتهم اللغوية". والملكة هي رئيسة الكنيسة الانجيلية-اللوثرية التي يتبعها 85% من سكان الدنمارك البالغ عددهم 5.4 ملايين نسمة، وهناك حوالي 3% من المسلمين.
أيها الناس: 3% من المسلمين الدنمركيين يشكلون خطراً على مملكة الدنمرك العتيدة، وليس غريباً، فقد كان المسلمون في يثرب أقل من 3% بالتأكيد، ومع ذلك استطاعوا أن يغيروا مملكة يثرب، وأن يقطعوا الطريق على ملك عبد الله بن أبي بن سلول، وفي زمن قياسي قضوا على ممالك اليهود ومملكة قريش وباقي ممالك العرب، ولم يطل الإنتظار بمملكة قيصر حتى تهاوت وتبعتها مملكة كسرى والناس ينظرون، وأظهر الله سلطانه على سلطان الشيطان. {والله متم نوره ولو كره الكافرون}.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: ليس غريباً أن يتمكن إخواننا في الدنمرك من إدخال الإسلام إلى كل دار من دور الدنمركيين، ثم يهيئ الله لهم النصرة في بلادهم فيقيموا الخلافة في الدنمرك، ثم يقاتل أهل دار الخلافة في أوسلو بعد تغيير اسمها إلى المدينة المنورة المستنسخة، يقاتلون جيرانهم الاسكندنافيين ليضموا بلادهم إلى دار الخلافة بعون الله ونصره، ثم يخوضون الجهاد المقدس لحمل دعوة الإسلام إلى باقي أوروبا، ولينصرنهم الله عليهم، فهو القائل: {وكان حقاً علينا نصر المؤمنين}، حتى يصلوا إلى المدينة المنورة الأصلية فيوحدوهما تحت راية الإسلام، وهكذا تكون التوأمة بين المدن وإلا فلا.
أيها الناس: تعلمون والله أن الخلافة قادمة وقد أظل زمانها، فلا يسبقنكم إليها الدنمركيون. وكونوا السباقين إليها، فالأمر عندكم معشر المسلمين أسهل وأقرب، والقضية قضيتكم كما هي قضية المسلمين من أهل الدنمرك. واجعلوا من همة المسلمين من أهل الدنمرك ونشاطهم حافزاً لكم على أن تغذوا السير في طريق العمل الجاد لإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة في أرضكم، أرض الإسلام، وبين أهلكم من بني الإسلامي، وأنتم الغالبية وتشكلون النسبة العالية، فأنتم والله أحق بإقامتها من قوم يشكلون أقلية في بلدانهم.
أيها الناس: أيها المسلمون: يا أهل القوة والمنعة في بلاد المسلمين، إن لشرف عظيم لكم أن تسبقوا أهل الدنمرك في إقامة الخلافة، وإنه لخزي وندامة أن يسبقوكم إليها، وأنتم أهل الإسلام ومادته، والقرآن يتلى بين ظهرانيكم في كل آونة وحين، والمؤذن يرفع صوته بالتكبير خمس مرات في اليوم وأنتم تسمعون، فلا تجعلوا للشيطان عليكم سبيلاً، وكونوا من أنصار الله، فالله أكبر من أميركا، والله أكبر من أوروبا مجتمعة ومتفرقة، والله أكبر من روسيا والصين، والله أكبر من حكام المسلمين الغاصبين لسلطان الله، والله أكبر من أتباعهم وأشياعهم ومخابراتهم وجلاوزتهم، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، والله أكبر من كل كبير، فهو الكبير المتعال، وبيده الخير كله، يجير ولا يجار عليه، هو ربكم ورب آبائكم الأولين، فاتقوه وأطيعوا رسوله لعلكم تفلحون.

................................................................................
........

الجمعة 20/ربيع الأول/1426هـ
29/نيسان/2005م

الجيوش والعروش
(الخطبة الأولى)
من بطن لبنان ثعبانٌ بدا شرهاً
وينفث السم فيها وهو يفتخر
إذا تحققت تلقى عنده ذنباً
للغرب يمتد أو في الشرق يندثر
وفي الرياض تقضّى أمس مؤتمر
فيه من الكيد شعب سوف يندمر
تآمرت فيه أشباه الرجال على
ركن من الشعب في لبنان يستجر
واستمرت المؤامرة بعد أن أحكمت حلقاتها، واجتاحت القوات الإسرائيلية جنوب لبنان عام 1982م، ثم دخلت القوات المسلحة السورية أرض لبنان قبل أكثر من خمسة وعشرين عاماً لوقف ما كان يعرف بالحرب الأهلية التي حصدت أرواح الآلاف من الأبرياء وغير الأبرياء. وألقت تلك القوات بجرانها في بلد صغير كان ولا يزال مسرحاً لأحداث سياسية أكبر من حجمه بكثير، لا لتُرابط فيه وتخيفَ العدو الذي يتربص به الدوائر، ولا لتتخذ منه ثغراً تنطلق منه الجيوش المسلمة إلى البلدان المجاورة لضمها وإكمال المسير إلى غيرها في خطوات توحيدية لبلاد المسلمين، ولا لحماية واجهة بحرية وبرية وجوية عريضة من تسلل الغزاة والطامعين والجواسيس الذين يحيكون المؤامرات القاتلة للإسلام والمسلمين في أرض لبنان الذي يعتبر من أهم المراكز العالمية للمؤامرات والغزو الفكري والثقافي والسياسي والعسكري على المسلمين. ولكن تلك القوات المجحفلة قد جاءت إلى لبنان تنفيذاً لاتفاق الطائف الأميركي. وبغض النظر عن ممارسات الجيش السوري في لبنان وسطوة أجهزة المخابرات المصاحبة له، فإن لبنان قد تعرض خلال وجود الجيش السوري فيه لأبشع أنواع انتهاك السيادة والتفجير والقصف واختراق الأجواء ونشاط عملاء الاستخبارات وغير ذلك من ممارسات قامت بها دول معادية لسوريا ولبنان، بل إن الجيش السوري نفسه قد تعرض للقصف عدة مرات، ولم نسمع أنه رد على النار بالمثل أو غضب من مثل تلك التحرشات! ناهيكم عن عدم مشاركته في أعمال المقاومة اللبنانية التي استمرت اثنين وعشرين عاماً، ويزعمون بعدها أنهم رفقاء سلاح وزملاء خنادق، وإخوة في العروبة والإسلام.
أيها الناس: إن نشاط الجيش في أي دولة من دول العالم منوط بقرارات المستوى السياسي فيها، فإذا أردنا أن نعرف عمل الجيوش فلننظر إلى العروش، فإذا كانت العروش تحكم بالحق فإن الجيوش تخوض غمرات المعارك دفاعاً عن الحق، وأما إذا كانت العروش باطلة خائنة فلا شك أن الجيوش ستخدم مصالح الباطل، وتغوص في رمال الخيانة، وتغرق في أوحال الظلم والإجرام والنذالة. وهكذا هو الجيش السوري، فإنه أمضى من عمره أجيالاً متعاقبة في خدمة طائفة علوية كافرة قفزت إلى الحكم في غفلة من حراس العقيدة وحُماة البلاد الحقيقيين، بدلاً من خدمة قضايا المسلمين والدفاع عن عقيدتهم وأرضهم وأعراضهم، فكانوا أعواناً لهؤلاء الكفرة الظلمة الفسقة. عشرات الآلاف من الجنود المسلمين أمضوا عشرات السنين في مهمات عسكرية خارج إطار جدول أعمال الجيش الإسلامي، إذ المفروض أن الجيش سياج الوطن، فما هذا السياج الذي يضرب داخل الوطن في حين أن حدود الوطن مخترقة، بل إن جزءً كبيراً من أرض الوطن محتل منذ عام 1967م، ولم نسمع عن رائحة خطة لتحريره أو حتى مجرد إزعاج المحتلين كما حصل في الجنوب اللبناني. ولو افترضنا جدلاً وجود مصلحة من دخول الجيش السوري إلى لبنان قبل ثلاثين عاماً، فهل تحققت تلك المصلحة اليوم كي يحصل الانسحاب؟ ولماذا تم مباشرة بعد مقتل الحريري، وطلب بوش المباشر من سوريا أن تنسحب فوراً؟ أم أن المستوى السياسي السوري لا يعرف إلا مصلحة المستوى السياسي الأميركي الذي يخضع له فينفذ تعليماته وفق قانون السمع والطاعة العمياء؟
أيها الناس: لقد حصل في التاريخ أن دخلت الجيوش الإسلامية بلاداً غير بلادها، وحصل أيضاً أن انسحبت تلك الجيوش من البلاد التي دخلتها، ولكن ذلك لم يحصل إلا وفق ضوابط معينة تحقق المصلحة الأكيدة للمسلمين، وضمن الأحكام الشرعية والقواعد المقررة في أحكام القضاء وفقه الجهاد. من ذلك ما حصل في زمن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز – رحمه الله – عندما جاءه وفد من أهالي سمرقند وشكا له قائده قتيبة بن مسلم الباهلي بأنه فتح بلدهم سمرقند مع جيشه قبل أن يوجه لهم الإنذار حسب قواعد الحرب والسلم. فكتب الخليفة إلى عامله في العراق أن ينصّب لهم قاضياً خاصاً، فنصب لهم قاضياً خاصاً يدعى جُميع بن حاضر الباجي فسمع شكواهم، وحاكَمهم مع قائد سمرقند، وقضى بأن يعود أهل سمرقند إلى حصونهم، وأن ينابذهم قتيبة على سواء، ثم يحاربهم إن أبوا. وقد خضع القائد العظيم وجيشه الذي وصل بفتوحاته إلى الصين لحكم القاضي جُميع، وهمَّ بالانسحاب قائلاً: وهل يجرؤ قتيبة على مخالفة حكم القاضي، والخليفة قد نصبه؟ وحين همّ الجيش بالانسحاب، ورأى أهلُ سمرقند عدالةً مُثلى لم يشهدوها من قبل، قالوا: مرحباً بكم، سمعنا وأطعنا، ولكن أهل لبنا كسروا الجرار الفخارية بعد رحيل الجيش السوري. وتشهد سمرقند اليوم غَيرة فريدة على الدين، وتضحية يعز نظيرها في سبيل إعادة الخلافة الإسلامية التي تحكم بالشريعة الإسلامية، كي يرجع المستوى السياسي الصحيح الذي يوجه المستوى العسكري توجيهاً صحيحاً.
أيها الناس: شتان بين عرش عمر وعرش بشار، وشتان بين جيش قتيبة بن مسلم وجيش علي بن حبيب ونظيره ميشال بن سليمان، وشتان بين قرار القاضي جُميع وقرار الأمم المتحدة رقم 1559، وشتان بين المعارضة السمرقندية والمعارضة اللبنانية!
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: حقاً إننا لم نشعر بفارق كبير بين الانسحاب السوري من لبنان وبين الانسحاب الإسرائيلي منه، فهما متشابهان في الخضوع للإرادة الأميركية بشكل أو بآخر، ومتشابهان في المآسي التي خلّفها الاحتلالان وراءهما في لبنان خصوصاً في مجال الأسرى والمعتقلين، ومتشابهان في تكريس دويلات الضرار وغصب سلطان المسلمين في لبنان وسوريا وفلسطين على حد سواء، ومتشابهان في فصل المسلمين على الأسس القومية والعرقية الفاسدة ومنع الوحدة العقائدية بينهم، ومتشابهان في ربط قضايا المسلمين السياسية بالأمم المتحدة ومؤسساتها الكافرة وما يعرف بتدويل الأزمات والمطالبة بالحماية الدولية وغير ذلك من بسط سلطان الكفار على بلاد المسلمين تحت شعارات خبيثة ليس أقلها نصرة المعارضة والمحافظة على الاستقلال وغير ذلك من الهرطقات السياسية الحديثة.
أيها الناس: قد يتوهم بعض المسلمين أن النظام السوري يعيد انتشار قواته المسلحة بقصد التحرف إلى قتال أو التحيز إلى فئة، وأنه عقد صفقة لشراء صواريخ روسية لخدمة ذلك التوجه الموهوم، كلا، والله، فما هو من أهلها ولا أحق بها، فتاريخ "الأسود" السوريين معروف جيداً منذ أن اعتلوا عرش دمشق عام 70 من القرن الميلادي الماضي، كما وصفهم الشاعر المرحوم بإذن الله في قوله:
ويا ثعيلب ما في صرحكم أسد
ذئب وتيس وملعون ومحتقر
ويصدق فيهم المثل العربي الشائع: أسد عليّ وفي الحروب نعامةٌ، واسألوا أهل حماة وحلب ودمشق وتدمر إن كنتم لا تعلمون. وما منا من أحد قد سمع أن الجيش السوري قد أعاد انتشاره من لبنان إلى الجولان، فتلك آمالنا وأحلامنا وأحاديث نفوسنا، وبالقطع لم ينسحب من لبنان لأنه قد أجل المواجهة مع المحتلين الإسرائيليين ليتفرغ لقتال المحتلين الأميركيين في العراق الشقيق، كون المعركة هناك أكثر سخونة وأشد إلحاحاً، ثم يتفرغ بعدها لتسوية الوضع في فلسطين وتصفية الحسابات الصغيرة مع الغاصبين! كلا، والله، إنه ولى دبره، وطأطأ رأسه، وخرج من لبنان مذموماً مدحوراً. أما الصواريخ الروسية فقد نبأنا الله من أخبارها على لسان رئيس روسيا الذي يزور حالياً "إسرائيل" و "فلسطين" حيث وصف صفقة الصواريخ الروسية لسوريا بأنها تساهم في تعزيز السلام في المنطقة، وهذا يعني أنها لحماية العرش السوري والمحافظة عليه حتى يكمل مسيرته السلمية التي بدأها بالسكوت عن احتلال الجولان عقوداً طويلة، وضبط النفس المطلق حيال كافة الاستفزازات، ومروراً بانسحابه من لبنان والمصافحة الإيطالية البابوية، وانتهاءً بالتوقيع والمصافحة والعناق الخياني كما فعل أسلافه وأقرانه من حكام مصر والأردن وفلسطين وموريتانيا وقطر والجزائر وباقي الزمرة المتهالكة من الحكام العملاء.
مهازل لم تر الدنيا قرينتها
مما نراه تكاد الأرض تنفطر
يوماً سنصبح للتأريخ مسخرة
ماذا سيكتب بل عنا سيعتذر
ماذا نقول لأجيال ستسألنا
يندى جبينهمُ لو غيرهم فخروا
ماذا نقول لرب العرش يسألنا
يوم اللقاء ويوم الناس قد حشروا
أيها المسلمون: إن لبنان جزء لا يتجزأ من بلاد الإسلام والمسلمين في بلاد الشام، وإن مشكلته ستبقى قائمة ما بقي بعيداً عن حضن المسلمين، ولن تحل إلا بإقامة دولة الخلافة الإسلامية الراشدة الثانية على منهاج النبوة قريباً بإذن الله لتضمه من جديد إلى حضنها الدافئ، وتقطع صلته بالفرنسيين والأميركيين والإنكليز واليهود والنصارى والروس والإيطاليين وغيرهم من القوى الطامعة في بلاد المسلمين. ونقول للأسد المزعوم وباقي حكام المسلمين:
إن لم تكن لبلوغ النصر مقتدراً
فغادر العرش إنا نحن نقتدر
وغادرونا فإن الصبح منفلق
سيفضح الصبح كفاً كلها وضر
هذي أساور كسرى سوف نلبسها
أبشر سراقة فالدنيا ستزدهر
{ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز}، فكونوا من العاملين المخلصين الجادين لإقامة الخلافة يرحمكم الله.

ابو رافت
الجمعة 3/جمادى الأولى/1426 هـ 10/حزيران/2005 م

الأحزاب السياسية وصالونات الحلاقة

(الخطبة الأولى)
أيها الناس: تدير شئونَ بلاد العالم الإسلامي اليوم مجموعةٌ من عصابات الحكم تطلق على نفسها أحزاباً سياسية، بعضها يتخفى تحت شعارات القبلية، والبعض الآخر يتستر بلافتات القومية والوطنية والاشتراكية والبعثية وغير ذلك مما شاع استخدامه في بلادنا ردحاً طويلاً من الزمن. وأبرز ما يميز هذه الأحزاب الحاكمة أنها جميعاً قد حكمت الناس بغير ما أنزل الله، وبالغت في الاستئثار بالثروة، وأفرطت في ظلم الناس بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ. وقد تجلت وطأة هذه الأحزاب الحاكمة على الناس عندما برز في المسلمين من يعترض على كفرها وظلمها وفسقها، ويطالبها بالتنحي بعد الفشل الذريع الذي منيت به، ما أورد البلاد والعباد مهالك ومزالق تنوء من ثقلها الجبال الراسيات. وقد تزامن مع تلك المطالب ضغوط أميركية تحتم على تلك الأحزاب الحاكمة تبني ضرب من ضروب "الديمقراطية" التي تتيح للقاعدة الشعبية نصيباً من المشاركة في ممارسة أعمال الحكم، ولو بشكل رمزي. فالتقى الماء على أمر قد قدر، وبدأت تلك الأحزاب بإجراءات مواجهة هذه الضغوطات لعلها تبقي على نفسها ومكتسباتها مدة أطول، حتى لو كان هذا البقاء بفعل أجهزة التنفس الإصطناعية. فوجدنا كثيراً من الأحزاب السياسية الحاكمة في بلاد المسلمين قد بدأت تعقد المؤتمرات الحزبية، وتطرح البرامج السياسية، وتدعو باقي القوى والتكتلات إلى المشاركة في نشاطاتها، وغير ذلك من أعمال توحي بأن الحزب الحاكم قد بدأ يلتفت إلى الشارع، وأنه لا يريد أن يظهر بمظهر المتسلط والحاكم الأوحد في محاولة لتخفيف نقمة الناس المنكوبين بحكمه من جهة، وطوفان الضغط الأميركي عليهم من جهة أخرى. فكانت الانتخابات في فلسطين والعراق ولبنان، وتم تعديل بعض مواد الدستور في مصر وسوريا والجزائر والمغرب والكويت وغيرها. ولكي ندرك حجم هذه الإجراءات الشكلية ومدى جديتها في الوصول إلى تعديل أمور جوهرية، دعونا نلقي نظرة على بعضها مما حصل في سوريا مثلاً، فقد اختتم حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم في سوريا مؤتمره العاشر بإقرار تغييرات محدودة على قوانين الطوارئ والأحزاب، والتوصية بإصدار قانون جديد للإعلام وتشكيل مجلس أعلى له وتعديل قانون المطبوعات والنشر. ووافق الحزب في ختام جلساته التي استغرقت أربعة أيام متواصلة على تعديل قانون الطوارئ المعمول به في البلاد منذ عام 1963 ليشمل الانتهاكات المتعلقة بالأمن القومي. ويفترض أن يقلص التعديل الجديد حالات الإعتقال التعسفي ومحاكمة الأشخاص أمام محكمة أمن الدولة. وقرر المضي قدماً في الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والإداري. وتبنى الحزب الحاكم "مبدأ اقتصاد السوق الاجتماعي" وأقر "ضرورة إصلاح القطاع العام والعمل على تطويره ودعم القطاع الخاص". كما أقر المؤتمر تعديلا لقانون الأحزاب السياسية على أن تكون هذه "غير طائفية وغير عرقية وغير دينية وغير مناطقية"، وفصل الحزب عن الدولة، وتخفيف بند في الدستور ينص على أن البعث هو الحزب القيادي في المجتمع والدولة. وأصدرت القيادة القطرية لحزب البعث في سوريا تعميماً جديداً نص على إعفاء السوريين من الموافقات المسبقة من قبل الأجهزة الأمنية في 67 حالة، بينها تنظيم الأعراس وفتح صالونات الحلاقة وأفران الخبز والمطاعم ومحلات البقالة ومتاجر الثياب الجاهزة. كما بات أيضا بإمكان السوريين استيراد قطع السيارات الحديثة والمستعملة، وفتح "استوديو" للتصوير أو محل لألعاب الكمبيوتر أو سيرك من دون طلب الإذن المسبق من السلطات الأمنية، إضافة إلى الانتساب للجامعات. وطلبت القيادة القطرية في هذه المذكرة التي عممتها على جميع فروع الأمن والاستخبارات وتم نشرها في وسائل الإعلام، "عدم التدخل في الحياة الاجتماعية والثقافية للمواطنين". وتشمل حالات الإعفاء أيضا "قبول الطلاب بالجامعات والمعاهد المتوسطة ومدارس التمريض وإقامة الندوات الطبية والدعائية للتعريف بمنتجات الشركات". ولكم أن تتصوروا كيف كان الوضع قبل هذه التخفيفات الشكلية، ولكم أن تتصوروا كم من الوقت يلزم القوم حتى يصار إلى اعتماد المزيد منها، ومتى سيصلون إلى تبني تخفيفات حقيقية، كالسماح للجيش السوري بتحرير أرض الجولان المحتلة؟
أيها الناس: إن حزب البعث هذا قد عبث بالأمة عقوداً طويلة، وأحكم قبضته على المسلمين في العراق سابقاً وسوريا حالياً وأخذ الحكم في البلدين. فأي واقع وأي مصير سار بالعراق وسوريا؟ أخذ العراق وعاث به فساداً، أدخله في حروب متلاحقة، وأحدث فيه مقابر جماعية، وملأه تماثيل لفرعونه الهالك، وجلب عيه الحصار والدمار والإحتلال. وأخذ سوريا فأحدث فيها من الفظائع ما تعجز الألسن عن وصفه، وسلم الجولان بسلاسة ويسر، وأدخل البلاد في تحالف مع أميركا في حرب الخليج، ثم في دهاليز مدريد ومشاريع السلام، وأخيراً أخضعها لضغوط أميركية ليس لها آخر.
أيها الناس: ليست الأحزاب الحاكمة في باقي بلاد المسلمين أفضل من بعث العراق أو سوريا، بل هي مثلها وربما تفوقت عليها في الخيانة والعمالة وسوء الرعاية والتنكيل في الناس، فضلاً عن أنها جميعاً لم تحكم بما أنزل الله. وإنه من نافلة القول التصريح بأن بلداً من بلدان العالم الإسلامي لم ينج من وطأة تلك العصابات المجرمة، والتي كان آخرها مقتل الآلاف من المسلمين العزل في شوارع أنديجان في أوزبكستان على أيدي الجزار كريموف عليه من الله ما يستحق.
(الخطبة الثانية)
لقد آن الأوان لوضع النقاط على الحروف في مسألة الأحزاب السياسية الواجب إقامتها في بلاد المسلمين، فالشرع الإسلامي لا يقف عاجزاً أمام هذه المسألة أو غيرها، ففيه التمام والكمال، قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا}. وقبل بيان رأي الإسلام في هذه المسألة، أود التنبيه إلى مسألة في غاية الأهمية وهي أن الإسلام أشمل من القومية وأكبر من الوطنية وأوسع من المناطقية، فلا يصح أن يكون المسلم عضواً في تنظيم قومي أو وطني أو مناطقي، بل يحرم إقامة أحزاب على تلك الأسس وما هو في حكمها. وقد جربناه في بلاد المسلمين فما زادتنا غير تخسير. وضابط ذلك قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون}. فلا بد أن يكون الحزب السياسي مؤسساً على الدعوة إلى الخير وهو الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى يكون أعضاؤه من المفلحين. فلا يكون مفلحاً من دعا إلى قومية، أو وطنية أو اشتراكية أو مناطقية أو رأسمالية أو اشتراكية أو إلى دين غير دين الإسلام. ولا مكان البتة في حياتنا السياسية لما يسمونه اليوم تعددية، فالشرع يحرم علينا احترام الكفر أو السماح له بالنمو في دار الإسلام، ثم كيف ستتسع تعدديتنا لهم بعد أن ضاقت تعدديتهم بنا؟ ألا فليعلموا أن لكل قوم تعدديتهم، فمن ينج منهم يومئذ من السيف فالجزية تنتظره والجزية أدهى وأمر. وأما الحزب المخلص التقي النقي فهو الذي يسير على هدي الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم تأسيساً وتشكيلاً وسلوكاً وأهدافاً، فإن قيض الله له النصرة واستلم بلاداً من بلاد المسلمين فلا بد وأن يحيلها والعالم الإسلامي بأسره إلى دولة خلافة للمسلمين جميعاً، تطبق الإسلام في الداخل كاملاً، وتحمله رسالة هدى ونور إلى العالم أجمع عن طريق الجهاد في سبيل الله، لتكون كلمه الله هي العليا، ويظهر الدين الإسلامي على الدين كله ولو كره المشركون. وندعو في هذه المناسبة جميع المسلمين أن لا يعملوا مع أي حزب غير إسلامي سواء كان في بلاد المسلمين أم خارجها، كما وندعو الأحزاب الإسلامية أن لا تنسق أعمالها مع أي حزب علماني كافر وطني أو غير وطني، فإن ذلك كله حرام شرعاً. وندعو المسلمين أن ينزعوا يد الطاعة من حكام دويلات الضرار، وأن ينبذوهم نبذ النواة والنجاسات، وندعوهم إلى العمل السياسي على أساس الإسلام فقط، لإقامة الخلافة الإسلامية، ثم محاسبة الخلفاء والولاة ضمن أحكام الشريعة الغراء. واعلموا أيها المؤمنون أن مفارقة أحزاب الشيطان أساس كل براء، واتباع أحزاب الله أساس كل ولاء. نسأل الله أن يعجل بزوال أنظمة الطاغوت والجاهلية وأحزابها الكريهة، وأن يفتح قلوب المسلمين للعمل السياسي على أساس الإسلام وحده، إنه سميع قريب مجيب.
..............................................................................

الجمعة 10/جمادى الأولى/1426 هـ 17/حزيران/2005 م

صدقت "رايس" وهي كذوبة!

(الخطبة الأولى)
أيها الناس: روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه أتاه آت يحثو من الصدقة، وكان قد جعله النبي صلى الله عليه وسلم عليها ليلة بعد ليلة، فلما كان في الليلة الثالثة قال: لأرفعنَّك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها. قلت ما هي؟ فقال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم} حتى تختم الآية، فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدقك وهو كذوب ذاك شيطان.
أيها الناس: دأبت إيران منذ الأيام الأولى لثورة الخميني على وصف أميركا بالشيطان الأكبر، واستطاعت من خلال التقمص بعباءة الدين والظهور بمظهر معاداة الأميركيين أن تأخذ موقعاً متقدماً بين دول المنطقة، وتشارك بفاعلية كبيرة في صياغة شكلها السياسي والسكاني بل والجغرافي. وقد ظن الناس أن وصول بعض الملالي إلى سدة الحكم سيشكل نقلة نوعية وقفزة واسعة نحو تطبيق الإسلام في ذلك الجزء من العالم. ولكن توقعاتهم قد فشلت وذهبت آمالهم أدراج الرياح بعد الذي شاهدوه من موافق تلك الدولة "الإسلامية" الجديدة. حيث لم تغب الدماء عن الساحة الإيرانية وما جاورها من الساحات الأفغانية والعراقية، ولم تسلم من شظايا ثورتها مناطق الحج الآمنة، وباكستان وكردستان والبحرين وجنوب لبنان. ولقد كنا لنتجاوز عن تلكم الدماء لو كان التململ والتمدد خدمة لنشر الإسلام وتوسع الدولة الإسلامية الواحدة، فهذا شأن الدول الإسلامية التي تعاقبت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. فالفتوحات عملهم الأصلي لنشر الدعوة الإسلامية، والجهاد في سبيل الله يعتبر من أقوى الأسلحة التي تهدم حصون الكفر وتدك معاقله. ولكن الدماء التي سالت، والقلاقل التي حدثت لم تكن إلا تنفيذاً لمخططات أميركية خبيثة يراد منها السيطرة على بلاد المسلمين بعامة، وحقول النفط بخاصة، ولو كان ذلك تحت شعار الإسلام والأسلمة والدين والتدين والعمائم واللحى. فحرب العراق وإيران تجسيد لصراع الإنجليز والأميركيين، وأحداث العراق القديمة والجديدة تصب في معظمها في تلك الخانة، وأما أحداث باكستان والبحرين وجنوب لبنان فتهدف إلى خلق بؤر نفوذ مذهبية تشكل قنابل موقوتة وألغاماً أرضية جاهزة للتفجر في الوقت المناسب لإحباط أي تغير يضر بالمصالح العليا لأصحاب النفوذ الجدد في بلاد المسلمين.
أيها الناس: إن الذي تشهده إيران اليوم من انتخابات يطغى فيها تيار الإصلاحيين والمجددين تحت عباءة الملالي والمتشددين، ما هو إلا دليل صارخ على فساد التدبير وسوء التقدير، وخلل في العقيدة واضح. فمن كان الإسلام بوصلته لا يلتفت إلى ديموقراطية شرقية أو غربية، بل يسير حنيفاً مسلماً. ومن كان الإسلام دينه يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ولو جاءه بأعظم القرآن، ويتبرأ من الشيطان الأكبر أميركا وأتباعها وأشياعها وأوليائها. ومن كانت ثورته إسلامية فلا أقل من تطبيق الإسلام في مناطق حكمه ونفوذه فلا يسمح بربا أو خمور أو سفور في بلاده، ولا يعطل الجهاد في سبيل الله بعد أن ملك مقوماته، ولا يسمح بسلطان للكفار على برامجه النووية وغير النووية، ولا يكون عضواً في منظمة دولية كافرة تنقص من سيادته، ولا يعترف بكيانات طاغوتية مستبدة تذيق إخوانه المسلمين صنوف العذاب وتنزل بهم أفظع ألوان البلاء، ولا يلاحق المجاهدين، ولا يسكت إذا دنس القرآن ومزق وديس بالأقدام. والله الذي لا إله غيره لو كانت على الناس إمام عادل لأعلن الحرب على كل من دنس القرآن ولو فني المسلمون عن بكرة أبيهم.
أيها الناس: هذا النظام بكل ما نعرفه عنه وما لا نعرف، تقول عنه وزيرة الخارجية الأميركية اليوم إنه يسير إلى الوراء وليس إلى الأمام! صدقت "رايس" وهي كذوبة، إنه فعلاً يسير إلى الوراء بعد أن أوهم المسلمين أن إيران هي دولتهم القوية، ونواة ثورتهم على الظلم والاستبداد البهلوي وكافة أشكال الحكم الجبرية. صدقت رايس في وصف حكام طهران، فهي تعلم قبل غيرها أن النظام هناك موالٍ لها ولإدارتها الشريرة، وأنه سار بالقضية الإسلامية إلى الوراء، فبعد أكثر من 25 عاماً في الحكم نجده يبحث عن مخرج لأزماته الخانقة في الديمقراطية العفنة، وقد أعمى الله بصره عن الإسلام. وتعلم "رايس" هذه أن زعيم التيار الإصلاحي ومن هم على رأيه في القيادة الإيرانية ينادون بتفعيل الديمقراطية الغربية وطمس آثار التوجه الإسلامي، وتعلم "رايس" أيضاً أن زعماء الدين الموصوفين بالتشدد ليسوا معنيين بتطبيق الإسلام في الداخل وحمله إلى العالم أجمع رسالة هدى ونور عن طريق الجهاد في سبيل الله، فلماذا إذن تصفهم بأنهم يسيرون إلى الوراء وليس إلى الأمام؟ والجواب لأنها تريدهم أن يخلعوا برقع الحياء دفعة واحدة، ويعلنوها صراحة من غير مواربة أنهم أعداء لله ورسوله وجماعة المسلمين، وأن قبلتهم الصريحة هي البيت الأبيض، وأن الطائفية هي سمة العصر.
أيها الناس: إن النظام في إيران لا يختلف عن باقي الأنظمة القائمة في العالم الإسلامي، فكلها أنظمة حكم جاهلية طاغوتية لا تحكم بما أنزل الله مهما اختلفت براقعها وأقنعتها، ولا بد من تغييرها بهدم الأسس التي قامت عليها، وبناء الدولة الإسلامية الواحدة على أنقاضها، دولة الخلافة التي توحد بلاد المسلمين على إمام واحد وتحت راية واحدة. فاللهم اجعلنا من جنودها وشهودها.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: يقول رئيس أميركا بوش: إن حكام طهران قلة غير منتخبة، وهذا يتنافى مع أسس وقواعد الديمقراطية. ما أكذب هذا الرجل، وإن قال كلاماً صحيحاً! فلماذا يثني على رئيس أوزبكستان القاتل مجرموف، ويستقبل ولي عهد السعودية في مزرعته بتكساس؟ ولماذا يجتمع بحاكم باكستان لا شرفه الله؟ ولماذا يشن حرباً عالمية لإعادة حاكم الكويت بعد طرده؟ أهؤلاء حكام منتخبون؟ أيتناسب وجودهم مع أسس وقواعد ديمقراطية بوش؟ أم أنها المصلحة التي اتخذوها إلهاً يعبد من دون الله في زمن الرأسمالية الأغبر؟ أليس رافسنجاني الذي يخوض الانتخابات اليوم قد شغل منصب رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية في فترة سابقة وتعاطوا معه رغم وجود القلة الحاكمة من الملالي غير المنتخبين؟ ألا يعد رفسنجاني هذا من المحافظين الذين يميلون إلى الانفتاح على الغرب ومن مؤيدي تحرير الاقتصاد الإيراني الذي تهيمن عليه الدولة؟ ألم تترعرع الديمقراطية وما يسمونه بالحرية في زمن الرئيس الحالي خاتمي؟ عن أي قلة يتحدثون، وأيّ إسلام يريد هؤلاء المخادعون؟ قاتلهم الله أنى يؤفكون. ونحن نتحداكم أيها الكافرون أن تمكنوا المسلمين من حرية اختيار حاكمهم ومنهاج حياتهم - ولو من باب التجربة - واقرأوا النتائج بأنفسكم لتدركوا أكثر وأكثر أن التحول العميق الذي حدث عند المسلمين ينذركم بالاستئصال والذبح، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن النصر قريب، وأن الصبح قد آذن بالانبلاج، وأن الخلافة قادمة لا ريب فيها، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
أيها الناس: فلتسمع رايس هذه الكلمات عشية زيارتها إلى المنطقة، ولتعلم أن السلام والاستقرار في المنطقة لا يتحققان أبداً بما تطلق عليه العملية الديمقراطية، فتلك بضاعة مزجاة لا تساوي في أسواق المسلمين شروى نقير. بل إنها أتلفت أسواق الكفار وأفسدتها، ودمرت كافة القيم الرفيعة في مجتمعاتهم، فهل يصح أن نجعل سبب دمارهم وهلاكهم أكسيراً لحياتنا وسبيلاً لنهضتنا؟ ألا ساء ما يحكمون. بل إن العدل والاستقرار في المنطقة والعالم أجمع لا يكون إلا بتطبيق الإسلام، والإسلام فقط لا غير. ولتعلم رايس أيضاً أن أعمال إدارتها في السودان ولبنان ومصر والعراق وفلسطين وغيرها من بلاد المسلمين أعمال مكشوفة، وهرطقات مذمومة، ومغالطات مفضوحة، وأنها ستنتج في أحسن الأحوال كرزايات جديدة في تلك الدول كما فعلت في أفغانستان.
أيها المسلمون: إنكم تتوقون إلى التغيير ولا ريب، وتتطلعون إلى التخلص من حكامكم ولا شك، وإنكم تتشوقون إلى النهضة، ولا يماري أحد في أنكم تحبون الله ورسوله، فإن أردتم التغيير والتخلص من هؤلاء الحكام الأشرار والسير في طريق النهضة، فعليكم بطريق رسول الله صلى الله عليه وسلم في التغيير والنهضة والتخلص من أساطين الكفر وزعاماته، ولا تتبعوا أساليب أميركا في التغيير فتهلككم كما أهلكت الذين من قبلكم. فأي الفريقين أحق بالإتباع، أميركا أم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
أيها الناس: قولوا لأميركا "لا"، وقولوا "نعم" للداعين إلى سلطان الله على خطى الحبيب رسول الله. وقولوا لمن يسير في ركاب أميركا من المسلمين: اتقوا الله وثوبوا إلى رشدكم، ولا تتخذوا الذين قتلوا المسلمين ودنسوا الكتاب الكريم أولياء. إقتربوا أكثر وأكثر من العاملين المخلصين لإعزاز هذا الدين بإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة. كونوا لهم سنداً وعضداً، كثروا سوادهم، وتفقهوا في دعوتهم، واحذروا التضليل والتشويش. واعلموا أن الدعوة إلى الله من أجل الأعمال وأفضل الأقوال. قال تعالى: {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين}. وقال جل شأنه: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء، أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}.
ابو رافت
الجمعة 17/جمادى الأولى/1426 هـ
24/حزيران/2005 م

الاستضعاف والاستخلاف

(الخطبة الأولى)
أيها الناس: أخرج الإمام أحمد وابن حبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أحد يحملني حتى أبلغ كلام ربي فإن قريشاً منعتني أن أبلغ كلام ربي". وجاء في سيرة ابن هشام أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول حين يطلب النصرة من القبائل: يا بني فلان إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي وتمنعوني (وفي رواية وتنصروني) حتى أبيّنَ عن الله ما بعثني به.
هذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ودأب على فعله سنوات طويلة قبل أن تنتقل الدعوة من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة الاستخلاف، ولم يكن ذاك باجتهاد شخصي من النبي عليه السلام، إذ لا يصح في حقه الاجتهاد، كون المجتهد معرضاً للخطأ والصواب، وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فلا ينطق عن الهوى، كما قال تعالى في حقه: {وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوى}. وورود لفظة "شديد القوى" هاهنا رغم أن المقام مقام تعليم يعتبر قرينة دالة على أن موقف الاستضعاف البشري الظاهر تقف وراءه قوى شديدة، تتدخل في الوقت المناسب لإنهاء حالة استضعاف الدعوة عندما يحين موعد الانتقال إلى حالة الاستخلاف والدولة.
أيها الناس: تلك هي السنة التي عملت مع رائد الدعوة الأول وقائدها ومعلم البشرية وقدوتها محمد صلى الله عليه وسلم، وتلك هي قوانين الاستضعاف والاستخلاف التي أقرها الله سبحانه وتعالى في الدعوات التي جاء بها الأنبياء جميعاً، وعلى رأسهم محمد صلى الله عليه وسلم، فمن فقه تلك السنة وعمل بمقتضاها أفلح ونجح في الوصول إلى غاياته المنشودة، ومن خالفها جهلاً أو عناداً فالفشل هو مصيره المحتوم، {ولن تجد لسنة الله تبديلاً}.
أيها الناس: هناك فرق كبير بين حمل السلاح للنيل من الكفار – خصوصاً إذا كانوا غاصبين محتلين – وبين العمل لإيجاد دولة خلافة المسلمين واستئناف الحياة الإسلامية التي انقطعت منذ أكثر من ثمانية عقود. فالأول يعبر عن شعور بالغضب والحرقة من تصرفات الكفار المتغطرسة ضد المسلمين، تماماً كما حصل من مسلم في سوق بني قينقاع عندما تعرضوا لامرأة مسلمة تبيع حليها فاستغاثت، فوثب المسلم على الصائغ فقتله، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، ثم لجأوا إلى حصونهم يحتمون بها. وأما الثاني فهو كفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة عندما كان يقوم بأعمال الدعوة فيها وما حولها للوصول إلى إقامة الدولة التي يتحصن فيها المسلمون كما يتحصن الكفار كل في دولته، رغم تعرض المسلمين في مكة للقتل والتعذيب الشديد، ولكنهم لم يدخلوا في صراعات مسلحة مع خصومهم، لأن الوقت لا زال مبكراً لخوض غمرات الصراع العسكري، كونه لم يحن الوقت بعد.
أيها الناس: هذا هو الفرق الجوهري بين العمل الدعوي بالكفاح السياسي والصراع الفكري وبين العمل الجهادي بالقتل والقتال. وإن السبب الداعي لبيان هذا الأمر اليوم هو ما تناقلته وسائل الإعلام حسبما أفاد مصدر أفغاني مسؤول بأن القوات الأميركية والأفغانية تحاصر حاليا منطقة تقع بين ولايات قندهار وزابل وأروزجان جنوب غرب أفغانستان، يعتقد أن زعيم حركة طالبان الملا محمد عمر مختبئ فيها. وقال متحدث باسم وزارة الدفاع الأفغانية إنه يعتقد بأن عددا من قياديي الحركة من ضمن الأشخاص المحاصرين بالمنطقة إلى جانب الملا عمر. ومن ضمن هؤلاء الملا داد الله الذي يعتقد أنه أحد القياديين العشرة الأوائل في الحركة، بالإضافة إلى الملا عبد الحكم والملا عبد الحنان والملا عبد البصير، فضلا عن نحو 150 مسلحا من عناصر الحركة.
وحسب مصادر عسكرية أفغانية فإن القوات الأميركية والأفغانية حاصرت قيادات الحركة من ثلاث جهات حتى تتمكن من اعتقالهم، مشيرا إلى أن هذه العملية ستكون الأقوى من نوعها في عهد الرئيس الأفغاني حامد كرزاي. وتأتي هذه العملية بعد تصريحات لمسؤولين أميركيين الأسبوع الماضي أكدوا فيها أن لحظة القبض على زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن قريبة جداً. وأما الرئيس الباكستاني لا شرفه الله فلا يزال خادماً للأميركيين، وقاتلاً للمسلمين.
أيها الناس: ليس الذي يحصل في فلسطين مختلفاً عما يحصل في أفغانستان، ففي لقاء عباس مع شارون قبل أيام قليلة قال له شارون وهو يحاوره: أنت ملزم بوقف هذا الإرهاب، أنا مستعد لأن أساعدك، ولكن يجب أن أعرف إلى أين أنت تسير، أنا لا أريد أن أقوم بالعمل بدلا منك، ولكن الوضع الحالي الذي تعمل فيه المنظمات، لا يمكن أن يستمر". قال له عباس وهو يحاوره: يتعين علينا أن نعمل معا من أجل الأمن والسلام، كل رصاصة أو قذيفة تطلق نحوكم هي كرصاصة تطلق نحوي. لأنها تمس بالمصلحة الفلسطينية، يوجد لدينا أناس يحاولون إفشال السلام، ولكن يوجد أيضا نشاط من جانبكم يؤثر على المزاج عندنا، أقدر شجاعة الشعب في إسرائيل وهو يسير نحو فك الارتباط...
أيها الناس: ليس الذي يحصل في العراق مختلفاً عما يحصل في أفغانستان وفلسطين، وما حصل في مصر ولبنان والشيشان وكشمير وأوزركستان وداغستان وغيرها من بلاد المسلمين التي قامت فيها حركات مقاومة مسلحة يندرج في نفس السياق، حيث أصبحت الحركات المقاوِمة - جهادية كانت أم وطنية - فلولاً مطاردةً بعد أن كانت عنواناً مقدساً، وصار الحديث عن نزع أسلحتها وترويضها أقوى من الحديث عن فعالياتها ومواصلة دعمها، فاغتيلت زعاماتها أو اعتقلت أو شُرِّدت، وتبدلت أهدافها، وتغير لون جلدها، وأوشكت أن تقع في الشراك القاتلة التي أعدتها لها أميركا وحليفتها اللئيمة بريطانيا. هذه الشراك القاتلة تتلخص في إفساح المجال لإشراك الحركات الإسلامية وهي في وضع منهزم منهك في الحكم، ولكن ليس على أساس إيجاد أحكام الإسلام في واقع الحياة وتغيير الأنظمة، بل من خلال الأنظمة الوضعية القائمة في بلاد المسلمين. فأميركا لا تريد تغيير الأنظمة القائمة في بلاد المسلمين، حيث قدمت هذه الأنظمة العفنة لأميركا خدمات جُلّى في حفظ مصالحها، ولكنها تريد أن تُلبس هذه الأنظمة ثوباً مزركشاً بإشراك الحركات الإسلامية في الحياة السياسية للسلطة تحت ضجة (ديمقراطية الانتخابات)، وهكذا تصبح الحركات جزءاً من الأنظمة القبيحة المنهارة، تحسن صورتها، وتطيل عمرها، وتضلل المسلمين بحدوث التغيير المنشود والإصلاح المقصود، مع أن كل ذي بصر وبصيرة يدرك أن هذه الأنظمة تحتاج تغييراً جذرياً يوجد نظام الإسلام مكانها، لا أن تُرقَّع هذه الأنظمة لتبدو جديدة في الوقت الذي هي فيه خرقة بالية.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: لقد بدأت تتضح ثمار هذه السياسة الأميركية الخبيثة من خلال ظاهرتين: تطعيم الحركات الإسلامية بأفكار علمانية على النمط الغربي كما صرح بذلك بعض أعضاء الحركات الإسلامية في الكويت ومصر والأردن وفلسطين وغيرها، ثم بمحاولة الإدارة الأميركية الاتصال السري والعلني ببعض الحركات الإسلامية في مصر وسوريا والكويت ولبنان وفلسطين وإيران وأفغانستان وتركيا وغيرها. ولا يخفى عليكم ما قامت به بعض الدول الأوروبية من اتصالات مع بعض الحركات الإسلامية بالعلن أحياناً وبنصف العلن أحياناً أخرى.
أيها المسلمون: إن أمريكا رسمت وترسم خطة خبيثة وشركاً لئيماً توقع فيه الحركات الإسلامية في حبائل مؤامراتها، فتشركها في أنظمة الحكم الفاسدة عن طريق لعبة الانتخابات المسماة ديمقراطية، حتى تصبح هذه الحركات جزءاً من تلك الأنظمة، فتجمل صورة الأنظمة، وتفرغ الحركات من محتواها الإسلامي، وتطفئ جذوة الإسلام المشتعلة في صدور المسلمين، وتعوق التيار الجارف نحو تطبيق الإسلام من خلال نظام الخلافة، وذلك بأن تُظهر للمسلمين أن الإسلام وصل إلى الحكم بوصول الحركات الإسلامية إلى جزء منه دون أي فاعلية تذكر، وما شاهد الزور الحاكم في تركيا منكم ببعيد.
أيها المسلمون، يا زعماء وأتباع الحركات الإسلامية: إن نظام الحكم في الإسلام نظام متميز لا يقبل التشويه أو التضليل، بل هو نظام الخلافة الذي يُحكم من خلاله بما أنزل الله، فهو الذي ارتضاه الله لعباده وفرضه عليهم، وطبقه رسوله صلوات الله وسلامه عليه من غير تدرج أو مشاركة، وسار عليه الخلفاء الراشدون من بعده، وكل خليفة عادل بعدهم. نظام حكم إسلامي صاف نقي، وخالٍ من الشوائب الشركية، {ولا يشرك في حكمه أحداً}. وهذا النظام سيعود بإذن الله مصداقاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه الإمام أحمد "... ثم تكون خلافةً على منهاج النبوة".
أيها المسلمون، يا قادة وأتباع الحركات الإسلامية، إننا نحذركم من الاستهانة بمخططات أميركا، ومن الشَّرَك الذي تنصبه للمسلمين ولكم، فلا تنخدعوا بمعسول التصريحات ودفء المفاوضات ففيها والله السم الزعاف والداء العضال. إقرأوا إن شئتم قول الله عز وجل {لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمةً، وأولئك هم المعتدون}. ولا تتعجلوا الانتقال من الاستضعاف إلى الاستخلاف، واخضعوا لسنة الله ولا تُخضعوها للهوى والمصلحة ورغبة الأعداء.
أيها المسلمون: إننا بعد هذا التحذير نبشركم بأن خلافة المسلمين لا بد قائمة بإذن الله، وإنها لمنتصرة بعون الله على أميركا ومن شايعها ووالاها وسار في ركابها واعتمد عليها وعبدها من دون الله. فوعد الله معنا وكفى به ناصراً، وبشرى رسوله صلى الله عليه وسلم تطمئننا، وعظمة هذه الأمة وإقدامها يؤازرنا، ورسوخ قدم العاملين للخلافة التي تأخذ بخير الزاد وقوة الإعداد تمنحنا الثقة العالية بقيادة واعية، ومن كانت هذه أسلحته فإنه لمنصور بإذن الله.
{إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد}.
................................................................................
...................

الجمعة 24/جمادى الأولى/1426 هـ
01/تموز/2005 م

متى ننتهي منهم؟

(الخطبة الأولى) أيها الناس: ما أشق وأصعب أن يتولى أمر الناس كسول أو بليد يزحف كالسلحفاة، فاقد الهمة، قليل العزم، بطيء الحركة، قال الشاعر:
بعثتك مائراً فمكثت حولاً
متى يأتي غياثُك من تُغيث
ولا يقل مشقة وصعوبة أن يتولى أمرهم جاهل صغير السن قليل الخبرة غلام حدث تعصف به الرياح العاتية، ويلعب به رجال السفارات وخونة المستشارين والأوصياء، قال الشاعر الجاهلي الأفوه الأودي:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
ولا سراة إذا جهالهم سادوا
والأشق والأصعب أن يتولى أمرَهم جبانٌ رعديد لا يخوض الغمرات، ولا يغشى الوغى، متمترس خلف الأسوار الحصينة والحرس الشديد، يُضرب شعبه، وتنهب خيراتهم، ويعتدى على أراضيهم، وتدنس مقدساتهم، ثم نجده لا يذب عن حياضهم، ولا يسعى لاسترداد حقوقهم المغصوبة. وأما منتهى المشقة وقمة الصعوبة فهو أن يتولى أمرهم عميل خائن يرتع في مقدراتهم ويخدم مصالح أعدائهم، ويكشف عوراتهم، ويكبت أحرارهم، ويمص دماءهم بعد قتلهم، ويُسلمهم ويخذلهم ويقفز فوق دماء شهدائهم وجراح الجرحى منهم، يخدعهم ويروغ عنهم كما تروغ الثعالب، يعدهم ويمنيهم، وما يعدهم إلا غروراً، فهو والشيطان صنوان متلازمان، وأخوان توأمان.
أيها الناس: نحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه أن حكامنا يتمتعون بجميع الصفات المذكورة، وكثير منهم يتمتع بصفات أخرى كثيرة لا تقل سوءاً عن تلك التي ذكرت، ولا يتسع المقام لمجرد ذكرها. ونظرة سريعة إليهم تجعل المطلع على أحوالهم يولي منهم فراراً، ويتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعه خجلاً من سلوكياتهم الشائنة وتصرفاتهم الغادرة. بل تجعله يعقد العزم على تغييرهم ولو قطعت في الجسم منه البواترُ، دون كلل أو ملل. ولنبدأ من فلسطين، فبعد أربعين عاماً من إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، ينشغل دهاقنة السياسة الفلسطينية لا في تحرير فلسطين كما زعموا، ولكن في بحث قضايا خلافية عالقة بين عباس ورفاقه في اللجنة المركزية بالخارج لا سيما القدومي، والعلاقات السياسية بين مختلف الفصائل الفلسطينية! وأوضح مصدر قريب من القدومي أن المعضلة ستكون في التوصل إلى تسوية لموضوع منصب رئيس دولة فلسطين الذي يطالب القدومي بأن يتم تعيين نائب له، في حين لم يتخذ عباس موقفاً نهائياً من المسألة! وأوضح المصدر بأن اجتماعاً سيعقد قريباً ليبحث مسألة انضمام حركتي حماس والجهاد الإسلامي إلى منظمة التحرير واحتمال عقد المجلس المركزي! فمتى ننتهي من ترتيبات إقامة الدولة الفلسطينية العتيدة التي لن تبدأ قبل الانتهاء من معالجة إسرائيل مسألة إخلاء المستوطنين من قطاع غزة ومحاكمة العصاة منهم، ودفع التعويضات للطائعين؟ وعلى رأي المثل الشعبي (موت يا حمار حتى يجيك العليق).
وأما في السودان، فقد أوشكت أعمارنا على النفاد والقوم على حالهم، ويكررون أنفسهم بطريقة مبتذلة بين انقلابات مصطنعة تتبدل فيها الوجوه دون تغير يذكر في السياسات، وأشغلونا بأخبار حبس الزعيم الإسلامي السوداني حسن الترابي تارة، وأخبار إطلاق سراحه تارةً أخرى، ولم نسمع من ذلك الزعيم الإسلامي قبل حبسه وأثناءه وبعد كل مرة يطلق فيها سراحه أنه يريد تطبيق الإسلام في السودان، ولكنه يكتفي بالقول إنه يريد الدفاع عن حرية الشعب والالتزام بالعهود السياسية والدستورية ومراقبة ما وصفه بالفساد، رغم أنه وصل يوماً إلى منصب رئيس البرلمان. وقال الترابي بشأن تحالفه مع حزب الأمة: "نتحالف ونجتمع لنعدل الموازين بالضغوط السياسية". فمتى ننتهي من هذه المهزلة التي مضى عليها عقود طويلة، شهد السودان خلالها فصل الجنوب وأحداث دارفور ومات الملايين فقراً وجوعاً وجفافاً ونهر النيل يجري من تحتهم، وها هي طلائع القوات الإيطالية المحتلة قد وصلت أرض السودان! ومن السودان إلى سوريا حيث أعلن مصدر إعلامي سوري مسؤول أن قرار وزارة الخزانة الأميركية تجميد أموال كنعان وغزالة هو لتحويل الأنظار عن العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إن بلاده دعت سوريا باستمرار إلى الاعتراف بلبنان كدولة "منفصلة ومستقلة وإقامة سفارة فيها". فمتى ننتهي من مهزلة سوريا ولبنان وفصل الدولتين تارة، ثم هيمنة إحداهما على الأخرى تارة أخرى، ثم الانسحاب أو الجلاء، ثم الاعتراف وتبادل السفراء، ثم التحقيق في ملفات الفساد وتجميد الأرصدة التي تكدست من عرق الناس. فمتى ننتهي من هذه المهزلة وهذا الحمق السياسي الذي مضى عليه عقود طويلة، اقتطع خلالها الجولان الذي يبلغ خُمس مساحة الضفة الغربية، وخضع جنوب لبنان للاحتلال عقدين من الزمان، ولم نتوصل إلى حل لمزارع شبعا وغيرها من ملايين المشاكل العالقة، ويكفي للدلالة على بطء الحركة السياسية أنه بعد خمسين عاماً ونيف يسمح للاجئين الفلسطينيين المولودين على الأراضي اللبنانية والمسجلين في شكل رسمي في سجلات وزارة الداخلية بالعمل في المهن التي كانوا ممنوعين من ممارستها، والتي يبلغ عددها 73 مهنة! وقد مضى على قانون الاصلاح الزراعي في سوريا أكثر من خمسين عاماً ولم يتم تطبيقه بعد بشكل كامل!
أيها الناس: متى ننتهي من مشاكل الجزائر وسفاهة وتفاهة الحكام هناك حيث صرح بن بيلا بعد أربعين عاماً من الانقلاب الذي أطاح به أنه لا يحمل ضغينة للذين انقلبوا عليه بعد أن ألغوا الاحتفال بذلك اليوم وعدم اعتباره عيداً قومياً ووطنياً لهم وللشعب الجزائري المنكوب بهم وبمن انقلبوا عليه؟ ومتى ننتهي من مشاكل مصر وحكامها والمعارضة بكافة أطيافها؟ ومتى ننتهي من مشاكل الأردن والعراق والسعودية واليمن ودويلات الخليج؟ ومتى ننتهي من مشاكل أندونيسيا وماليزيا؟ ومتى ننتهي من ألاعيب حكام طهران وأفغانستان وتركيا والباكستان؟ ومتى ننتهي من مشاكل المغرب وموريتانيا والصحراء الغربية ومضيق جبل طارق والجزر المحيطة به؟ ومتى ننتهي من مشاكل الشيشان وكشمير وتيمور الشرقية؟ ومتى سيتوصل مؤتمر لندن للمعارضة الليبية إلى الإطاحة بذلك الطاغية؟ وإذا أطيح به فمن سيطغى بعده أربعة عقود أخرى؟ ألم تكفنا تجربتا أفغانستان والعراق؟ وما الفرق بين كرزاي وعلاوي أو الجعفري؟ ما لكم كيف تحكمون؟
(الخطبة الثانية) أيها الناس: هذا السؤال المتكرر: متى ننتهي منهم؟ ينبغي أن نرفعه شعاراً لنا نطرحه في كل آونة وحين. أجل، أيها المسلمون: متى ننتهي منهم؟ فلا بد من نهاية للظلم والفساد، ولا بد من نهاية للبطء والخمول، ولا بد من نهاية للخيانة والعمالة، ولا بد من نهاية لفساد العقيدة والنظام في بلاد المسلمين، بل والعالم أجمع؟ فمتى ننتهي من ذلك كله؟ سؤال سأله من كان قبلكم في عهد النبوة والتشريع، سؤال سأله من هو خير مني لمن هو خير مني ومنكم، سؤال سأله الصحابي الجليل خباب بن الأرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم. يحدثنا خباب عن ذلك فيقول: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فجلس محمراً لونه أو وجهه فقال لنا: لقد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض؛ ثم يجاء بمنشار فيجعل فوق رأسه ثم يجعل بفرقتين ما يصرفه عن دينه؛ ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم وعصب ما يصرفه عن دينه؛ والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب منكم من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله؛ ولكنكم تتعجلون). وفي تفسير قوله تعالى: ‏{‏وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها‏}‏ قال الإمام القرطبي: (وهكذا كان الصحابة مستضعفين خائفين، ثم إن الله تعالى أمنهم ومكنهم وملكهم، ... وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال أصحابه‏:‏ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح‏؟‏ فقال عليه السلام‏:‏ ‏لا تلبثون إلا قليلا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس عليه حديدة‏‏.‏ فكان كما أخبر صلى الله عليه وسلم‏.‏ فالآية معجزة النبوة، لأنها إخبار عما سيكون فكان‏).
أيها الناس: إن الجواب على هذا السؤال اليوم يكمن في العمل مع العاملين المخلصين لإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة، حتى ننهي عهوداً طالما ظلمت، ونقضي على حكام طالما خانت، ونعز بالإسلام رجالاً طالما ذلت، ونخلص به شعوباً طالما كبتت، ونرفع رايات طالما نكست، وننكس رايات طالما بالظلم رفعت، ونكون بأمر الله عاملين، ولوعده منتظرين، وللخلاص الحقيقي مما نحن فيه آملين. فاللهم حققه لنا قريباً.
ابو رافت
الجمعة 8/جمادى الثانية/1426 هـ
15/تموز/2005 م

هل يحتاج النهار إلى دليل؟

(الخطبة الأولى) أيها الناس: لقد جاء الإسلام بخطاب واضح للعقول السليمة لتأسيس العقيدة وبناء الفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة، وعن الحياة الدنيا وعلاقتها بما قبلها وما بعدها، ضمن سياق المعطيات الحسية والمسلمات العقلية وقواعد التفكير السليم الذي يقوم على التسليم بالبدهيات، وعدم المجادلة في الحق بعد تبيانه. ووصف الذين يغالطون البدهيات ويجادلون في الحقائق بعد تبيانها، وصفهم بأبشع الأوصاف، ونعتهم بأسوأ النعوت في قوله تعالى {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ}. وقد قيل بأن توضيح الواضحات من المشكلات، وقال الشاعر:
وليس يصح في الأذهان شيء
إذا احتاج النهار إلى دليل
ونحن في هذا الزمان قد ابتلينا بذهاب عقول عامة أهله، ودخول الناس في غيبوبة فكرية أفقدتهم القدرة على الحكم على أبسط الأمور، مما تسبب في وقوع البشرية بشكل عام والمسلمين على وجه الخصوص في أخطاء قاتلة أودت بحياة الملايين بل ومئات الملايين من بني البشر، وقلبت موازين الحياة، وأدت إلى تشكل الصورة البشعة للبشرية اليوم في عهود الرأسمالية العفنة والديمقراطية الخربة، وصار التخبطُ سمةً من سمات عصرنا، وأصبحنا والشقاءَ صِنوان لا يفترقان. عن أبي موسى الأشعري رضي الله ‏تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أخاف عليكم الهرْج، قالوا: وما الهرج يا رسول ‏الله؟ قال: القتل، قالوا: وأكثر مما يقتل اليوم؟ إنا لنقتل في اليوم من المشركين كذا وكذا، فقال النبي ‏صلى الله عليه وسلم: ليس قتل المشركين، ولكن قتل بعضكم بعضاً، قالوا: وفينا كتاب الله؟ قال: ‏وفيكم كتاب الله عز وجل، قالوا: ومعنا عقولنا؟ قال: إنه ينتزع عقول عامة ذلك الزمان، ويخلف ‏هباء من الناس يحسبون أنهم على شيء وليسوا على شيء).
أيها الناس: وعملاً بالقاعدة الفكرية أن النهار لا يحتاج إلى دليل، فلن أخوض اليوم في فساد الرأسمالية، وسوء تدبير أساطينها لشئونهم وشئون العالم الذي يسيطرون عليه، فإجرامهم أظهرُ من أن تخطئَه العين، وأعظم من أن يخفى على كل ذي بصر وبصيرة، ولكن الشيء الذي كنت أظنه واضحاً بيناً لا يحتاج إلى دليل، ويمكن قراءته على ظاهر الكف هو النتيجة القطعية المترتبة على موالاة المسلمين للكفار، وأن الكفار لا تحل موالاتهم حتى لو لم يكونوا ظاهرين، فكيف بموالاتهم عندما يكونون ظاهرين، وعلى المسلمين مسيطرين؟ إن حرمة موالاتهم عندئذ تكون أعظم ولا شك. وحتى تتضح الصورة أكثر وأكثر، فإني أضرب مثالين اثنين هما: السودان وفلسطين، وبعد وضوح المثالين فإن القياس يكون – إن شاء الله - سائغاً وصحيحاً على كل ما يشترك مع هذين المثالين في وجه العلّيّة، فيأخذ نفس الحكم، وتنطبق عليه نفس النتيجة. أما السودان فإن حكومةَ البشير غيرَ الرشيدة قد أوصلت زعيم المتمردين الذين قتلوا خيرة أبناء السودان، واقتطعوا خيرة أرضه، واستأثروا بعزيز ثروته، أوصلته إلى حِفْشِ أُمِّ الحكمِ في الخرطوم، وجعلوه نائباً أول لرئيس الجمهورية، ورئيساً لوزراء الجنوب في خطوة هي الأخطر من نوعها على طريق فصل جنوب السودان عن شماله وتفتيت بلاد المسلمين وضياع ثرواتهم. فكيف بالله عليكم يصبح عدو الأمس صديقاً حميماً، دون أن يغير عقيدته النصرانية الكافرة، أو نهجه التمردي على الحكومة المركزية، ودون أن يقدم أي تنازل يذكر عبر مفاوضات طويلة، واتفاقات إطارية في مشاكوس وغيرها من العواصم الإفريقية؟ كيف يسوغ أن تعلنوا الجهاد على جون قرنق وحركة تمرده المسماة بالشعبية بالأمس، وتقدموا الشهداء وتنفقوا الأموال على تلك الحرب الضروس، ثم تغيرون استراتيجيتكم بين عشية وضحاها لتقربوا البعيد وتبعدوا القريب، وتتنصلوا من وعودكم لشعبكم بمحاربة المرتدين والحفاظ على وحدة بلاد المسلمين؟ أليس هذا من السفه السياسي الذي لا يقبله عاقل أو مؤمن؟ وماذا ستفعلون بقول الله عز وجل: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً}؟ لماذا فعلتم ذلك؟ إن الجواب الوحيد الذي أملكه لهذه الأسئلة هو موالاتُكم للكفار، وطاعتكم لأسيادكم الأميركان، وتخاذلُكم عن السير في طريق الحق، وقد كشف الله أمركم، ونبأنا الله من أخباركم، وأرجو أن لا يجادل أحد من القوم بعد اليوم أن السودان دولةٌ إسلامية بعد أن أصبح زعيم المتمردين النصراني الكافر من بطانة حاكم الخرطوم لا بشره الله بأي خير! ومن لم تقنعه هذه الحجة فإني أحيله إلى قول الشاعر:
ومن البلية زجر من لا يرعوي
عن غيه وخطاب من لا يفهم
واستمع يا عمر البشير لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا تستضيئوا بنار المشركين..."، الذي فسَّره الحسن رحمه الله بقوله: "أراد عليه السلام أن لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم...، واستمع لما قاله عمر رضي الله عنه: لا تستعملوا أهل الكتاب فإنهم يستحلون الرِّشا، واستعينوا على أموركم ورعيتكم بالذين يخشون الله تعالى. ولما قيل لعمر إن ها هنا رجلاً من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه، ولا أخط بقلم، أفلا يكتب عندك؟ فقال: لا آخذ بطانة من دون المؤمنين. وعندما استكتب أبو موسى الأشعري ذمياً كتب إليه عمر يعنفه، وقال عمر له: لا تدنهم وقد أقصاهم الله، ولا تكرمهم وقد أهانهم الله، ولا تأمنهم وقد خونهم الله. قلت: إذا كان هذا في اتخاذ كاتب، فكيف باتخاذ الكفار من أهل الكتاب مستشارين وأمناء وأصدقاء وحلفاء؟!! قال القرطبي رحمه الله بعد أن أورد تلك الآثار عن عمر رضي الله عنه: (وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ كتبة وأمناء، وتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة والأمراء).
أيها الناس: يجب علينا أن ننكر على الزعماء والقادة والرؤساء والحركات ما هم فيه من موالاة محرمة، ويجب علينا أن ننصحهم ونعزم عليهم أن ينزعوا عما هم فيه، وأن يثوبوا إلى رشدهم، وليقطعوا كل اتصال محرم مع الكفار وأشياعهم ووكلائهم في بلاد المسلمين وخارجها. وكفانا ما أوصلونا إليه، فقد آن أوان إعادة النظر في مسيرة المولاة المحرمة التي مزقتنا كل ممزق، وفرقتنا أيادي سبأ.
أيها الناس: هذا من السودان، وأما فلسطين، فقد حصد الإخوة في الحركات الإسلامية ما زرعوا، وأصبحت التهدئة المزعومة في مهب الريح، وكشّرت الذئاب عن أنيابها، وصدرت التهديدات تترى من الطرف الأول والطرف الآخر – طبقاً لمصطلحاتهم – وشُحذت السيوف ولبس القوم لهم جلود النمور، وعادت الاجتياحات والاغتيالات، وسقطت مقولة حرمة الدم الفلسطيني، وتم اجتياز جميع الخطوط الحمراء! فلماذا حصل ذلك كلُّه؟ ولا أملك لكم إلا جواباً واحداً هو: الموالاة المحرمة التي وقعتم فيها. فتذكروا قول الله عز وجل: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون}، وتذكروا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين)، وتذكروا قول الشاعر: العبد يقرع بالعصا والحر تكفيه الإشارة. فمن يستجب منكم بعد سماع هذه الحجج الواضحات فذا والله ما نبغي، ومن لم تقنعه تلك البينات القاطعات فلا أقل من أن نعتبره مشكلة مستعصية،
وليس يصح في الأذهان شيء
إذا احتاج النهار إلى دليل
(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن المستبصر والمتفكر في أحوال المسلمين وما وصلت إليه خصوصاً في السودان وفلسطين، يستطيع أن يأخذ العبرة، ويقيس الأمر بالأمر ليصل إلى نتيجة مفادها أن الذي يحصل في العراق لا يخرج عن نفس القاعدة التي تم تخريج ما حصل في السودان وفلسطين عليها، ويحكم بأن الذي حصل في أفغانستان يسقى من ماء واحد، وأن الذي جرى في البوسنة وكوسوفا وأوزبكستان وغيرها من بلاد المسلمين قد خرج من مشكاة واحدة، وأن جُماعَ ذلك كلِّه الموالاةُ المحرمة للكفار وأعوانهم وأشياعهم، من خلال السير في مخططاتهم الخبيثة، وأعمال التنسيق معهم. فهل يصح أن نأمن من حذرنا الله منهم؟ وهل يجوز شرعاً أن نتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين؟ لقد حذر الله ورسوله والخلفاء الراشدون من موالاة الكافرين ومظاهرتهم، قال تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء}. وقال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودُّوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون}. قال القرطبي رحمه الله في تفسيرها: (أكد الله تعالى الزجر عن الركون إلى الكفار، وقال: نهى الله عز وجل المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وولجاء، يفاوضونهم في الآراء، ويسندون إليهم أمورهم، ويقال: كل من كان على خلاف مذهبك – العقدي – ودينك فلا ينبغي لك أن تحادثه). قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}. وقال جل شأنه: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل}.
أيها المسلمون: إنها لحقيقة ساطعة أن الكفار المستعمرين يختلفون كثيراً في مؤتمراتهم وأهوائهم تبعاً لمصالحهم، ولكنهم يجتمعون بل ويُجمعون عندما يتعلق الأمر بعودة المسلمين أمةً واحدةً في دولة وإنهم عند أول فرصة سانحة يظهرون عداوتهم وحقدهم علانية، وإن ما حدث بعد تفجيرات لندن من تصريحات متطرفة حاقدة لبوش وبلير وبوتين وشيراك وشرودر وبرلسكوني، حتى اليابان وكندا ثم أستراليا من بعيد، كل ذلك يكشف هذا الحقد الدفين على الإسلام والمسلمين حتى قبل أن يتبينوا حقيقة ما جرى أو يحققوا فيه.
أيها الناس: إن عالمكم اليوم مضطرب جداً، وإن دوله الكبرى أكثر اضطراباً، بل هي سبب اضطرابه، وإن الإسلام هو وحده المؤهل لقيادة العالم وإنقاذه ونشر الخير في ربوعه، فاعملوا مع العاملين لإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تضع أمر العالم في نصابه، وتعيد الحق لأهله، وتنشر الخير في ربوع العالم، اللهم إني قد بلغت، الله فاشهد.
............................................................................




الجمعة 15/جمادى الثانية/1426 هـ

22/تموز/2005 م

لندن: أم العواصم

(الخطبة الأولى) أيها الناس: يقول البعض إن روما هي أم العواصم الأوروبية
من حيث الطبيعة والتاريخ، وإن استانبول هي أم العواصم الإسلامية من حيث القوة والامتداد التاريخي، والقاهرة هي أم العواصم العربية نظراً لوجود الجامعة العربية فيها ودورها في قيادة بني يعرب، وكذلك يطلق على بانكوك بأنها عاصمة الإباحية نظراً لرواج تجارة الجنس فيها، وأخيراً وليس آخراً باتت واشنطن تعرف بأنها عاصمة الطاغوتية والاستكبار العالمي نظراً للدور الإجرامي الذي تمارسه الولايات المتحدة الأميركية ضد شعوب الأرض المستضعفة من غير رادع يردعها. وهكذا تتميز كل عاصمة من عواصم الدنيا بشيء يغلب على باقي جوانب الحياة الأخرى التي توجد في كل العواصم. وأما لندن عاصمة بريطانيا فإنها تتمتع بميزات مخصوصة لم تتوفر قط في عاصمة من عواصم الدنيا عبر التاريخ، تلكم الميزة هي الخبث والدهاء، لدرجة أنها استطاعت – على صغر حجمها – أن تكوِّن امبراطورية لا تغيب عنها الشمس، واستطاعت القيام بعمل متفرد في تاريخ البشرية وهو القضاء على الدولة الإسلامية التي دامت ثلاثة عشر قرناً من الزمان، واستطاعت أن تصنع حربين عالميتين بشكل غير مسبوق في تاريخ الدول، واستطاعت أن تقسم العالم الإسلامي إلى قوميتين عربية وأعجمية، وهي التي صنعت معظم دويلات الضرار القائمة في العالم الإسلامي اليوم، وإليها كان يرجع أمر تصريف شئون تلك الدويلات، وهي التي أنشأت الكيان الإسرائيلي في فلسطين ليهود، وهي التي خلقت معظم بؤر الصراع العالمية، وهي التي كانت وراء إنشاء منظمة الأمم المتحدة، ولا تزال بريطانيا تزخر بالمستعمرات والدول التابعة لها ولو بشكل رمزي كما هو الحال مع رابطة دول الكومنويلث البريطانية، حتى أن الولايات المتحدة الأميركية كانت مستعمرة بريطانية في يوم من الأيام، ولا زالت أميركا تعالج نفوذ بريطانيا في مناطق عدة من العالم أهمها المناطق الغنية بالنفط، فاستحقت لندن بعد كل ما صنعت بعواصم العالم لقب أم العواصم.
أيها الناس: بعد أفول نجم بريطانيا العظمى أصبحت عاصمتها لندن ملاذاً آمناً للمطلوبين في عواصم بلدانهم الأصلية، وتقاطر اللاجئون السياسيون على أبواب دوائر الهجرة البريطانية، وظن كثير منهم أنهم بإقامتهم فيها قد أصبحوا بمنأى عن الإساءة والمساءلة والمتابعة، ولم يعلموا بأنهم قد استقروا في بطن الحوت!
أيها الناس: منذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمان وبريطانيا تعد العدة للوصول إلى هذا اليوم الذي تستطيع فيه أن تغلق آخر المنافذ في وجه الفارين من بلدانهم، وخصوصاً ما يطلق عليهم بالإسلاميين. وقد نما إلى علمي أن السفارات البريطانية ومخابراتها كانت وربما لا زالت هي الجهةَ المخولة بمعالجة ملفات العاملين للخلافة عندما يتعرضون للإعتقال والمساءلة، وهي الجهة المخولة بقضايا أمن الدولة العليا في الدول التي كانت تحكمها مباشرة كالأردن والكويت وباقي إمارات الخليج واليمن وليبيا وغيرها من الدول. بل إن السفارات البريطانية في بعض الدول كانت منشأة ضمن أسوار قصور الحكام! وعليه فإن الصورة الإسلامية التي تشكلت في بريطانيا لم تكن بمعزل عن العيون الراصدة والعقول التي تدير دفة السياسة. ولما حان القطاف بدأت الإجراءات اللازمة تُفعّل، وصار الحديث عن اعتقالات وتسفيرات ومداهمات وحظر أنشطة كانت بالأمس مباحة، وغير ذلك من أعمال تضرب عُرض الحائط بحقوق المواطَنة وقوانين الهجرة والإقامة، وتتجاوز حقوق الإنسان الذي طالما تبجح به الغرب وعلى رأسهم بريطانيا. فهل يُعقل أن تهتز أمُّ العواصم لحوادث صغيرة يقل حجمها عن حوادث الطرق العادية، فتتخذ إجراءات التأهب لتطال الملايين من سكانها دون ضرورة تذكر لولا أن الأمور مبرمجة؟ وكيف تصنع لو حصل فيها ما يحصل في العراق مثلاً أو في فلسطين؟ ثم لماذا لندن دون باقي المدن الأخرى، والتي يزيد عدد سكان بعضها عن سكان دولة بأكملها في مناطقنا؟ مما يثبت أن المقصود هو البعدُ الإعلامي للحدث وليس أثرُه المادي. ثم لماذا يؤخذ الكل بجريرة البعض؟ أهذه هي عدالتكم أيها القوم؟ ثم لماذا صرفتم الموضوع عن طبيعته التفجيرية إلى صعيد الصراع الحضاري، وبدأتم تضعون النتائج أمام المقدَّمات، كما صرح بلير رئيس وزراء أم العواصم عند لقائه برئيس وزراء أستراليا هوارد قائلاً: "إن قيمنا ستنتصر في النهاية"؟ بل إنه قالها صريحة لا تحتمل التأويل: "إن مشكلتنا تكمن في العاملين لإقامة الخلافة".
رويدكم أيها البريطانيون، لا تتسرعوا بشحذ أسلحتكم ضد الآمنين، ولا تتعسفوا في إجراءاتكم التي تحكمها صليبيتكم الحاقدة على الإسلام والمسلمين، فقد تغير الزمان، وذهب الوقت الذي كنتم فيه سادة العالم، واعلموا أنكم على أبواب حقبة جديدة سيبزغ فيها فجر الإسلام الذي يحمل إلى العالم دولة الخلافة الثانية على منهاج النبوة التي تعرفونها جيداً، ويعرف أجدادُكم الفرنجةُ والرومان سلفَها، دولةَ الخلافة الأولى. رويدكم أيها البريطانيون، فسجلاتكم عندنا سوداء، وذاكرتنا مليئة بأخطائكم في حقنا، ولم ننس بعدُ أنكم هدمتم دولتنا، وأقمتم علينا حكاماً عملاء عطلوا شرع الله في أرضنا، وتراكمت علينا في عهودهم النحسة كافةُ أنواع الجهل والفقر والمرض ومظاهر التخلف والتبعية. رويدكم أيها البريطانيون، ولا يجرفنكم تيار بدعة العصر التي أطلقها الأميركيون وهي ما يعرف بمكافحة الإرهاب، فأنتم وهم مصدر الإرهاب العالمي، وأنتم وهم مَن قتل من بني البشر مئات الملايين وأباد شعوباً بأكملها، وسرق ثروات أمم بأسرها، وجثم ولا يزال على صدور شعوب كثيرة دون وجه حق. رويدكم أيها البريطانيون، فنحن المسلمين لا نجيز قتل المدنيين، ولا نجيز إلحاق الأذى بالناس الآمنين، وإننا نفرق بين ساحة القتال في ميدان المعركة بين الجيوش وبين الأعمال المادية داخل المدن، وقد ضرب الإسلام نماذج رائعةً في حروبه ومعاملاته أثناء فتوحات الخير التي يقوم بها لنشر العدل في ربوع العالم، وأعمال صلاح الدين عندما حرر القدس من الصليبيين شاهدة على ذلك، فلم يسفك دماً ولم يقتل أسيراً، رغم ما قام به الصليبيون من أعمال قتل وحشية عندما احتلوه أول مرة. رويدكم أيها البريطانيون، فالحرب سجال والأيام دول، وأعداؤكم أكثر مما تتصورون، فقدموا لأنفسكم، واعلموا أن الزائد في الشيء كالناقص فيه، وقد قيل قديماً: "وعلى الباغي تدور الدوائر".
(الخطبة الثانية) أيها الناس: كشفت الحكومة البريطانية عن بعض الخطوات التي تعتزم اتخاذها في اعقاب تفجيرات لندن الاخيرة لمنع من تطلق عليهم بدعاة "الارهاب" من التأثير في الشباب المسلم الحانق في البلاد. منها منع اولئك الذين يشك في دعمهم "للارهاب" من دخول البلاد وطرد الموجودين فيها. كما سيصار الى وضع جدول للفعاليات الممنوعة كالدعوة إلى "الارهاب" ونشر المقالات التحريضية وتأسيس مواقع إنترنيت تدعو إلى "الارهاب". وسيوضع الاشخاص الذين يقومون بهذه الاعمال في أي مكان في العالم على هذه القائمة، بينما سيواجه المقيمون منهم في بريطانيا احتمال طردهم من البلاد. واستصدار قوانين تحظر نشاطات معينة تشمل الاعداد للاعمال "الارهابية" وتمجيدها والتدريب لها، والدعوة الى مؤتمر دولي يخصص لدراسة سبل القضاء على التشدد الاسلامي. وأعلنت الحكومة البريطانية عن توصلها إلى اتفاق من حيث المبدأ مع الاردن لإعادة المواطنين الأردنيين الذين يثبت تورطهم في التحريض على "الارهاب" أو دعم الأعمال "الارهابية" إلى بلادهم. وقالت الحكومة البريطانية إن الاتفاق سيتضمن تأكيدات من الحكومة الأردنية بأن المسفَّرين لن يتعرضوا للتعذيب أو الاعدام لدى إعادتهم إلى الأردن. ويقول مراسل لبي بي سي إن الاتفاق الجديد سيؤثر على سير عدد من الدعاوى القضائية التي تنظر فيها المحاكم البريطانية الآن. أما أنتم أيها المسلمون في بريطانيا فلا نقول لكم إلا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لآل ياسر: صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة، فصبراً أيها الأحبة، ولا تصرفنكم إجراءات البريطانيين عن السير الحثيث نحو خلاصهم وخلاصكم وخلاص العالم أجمع من جحيم الرأسمالية بإقامة الخلافة الإسلامية التي ستملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً، وستُنهي الخلافة القادمة بإذن الله تخبطَ أمِّ العواصم وباقي العواصم، فينعم العالم أجمع بحياة أفضل، ومستقبل أكثر إشراقاً.
اللهم عليك بالكفر والكافرين، ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم، واجعل بأسهم بينهم، وأشغل الظالمين بالظالمين، وسلّط عليهم من لا يرحمهم، وأنزل عليهم أشد أنواع العذاب كما أنزلت عذابك على قوم نوح ولوط، وإنتقم من فراعنة العصر كما انتقمت من فرعون وباقي الجبابرة.
ابو رافت
الجمعة 30/جمادى الثانية/1426 هـ
05/آب/2005 م

دعوة السفور دياثة

(الخطبة الأولى) أيها الناس: حفل الأسبوع المنصرم بجملة من الأحداث تجلت فيها قدرة الله عز وجل على أخذ الطواغيت من قادة وزعماء دويلات الضرار أخذ عزيز مقتدر، مهما وصلت مراتبهم، ومهما بلغت أرصدتهم في البنوك المحلية والأجنبية، ومهما طالت أعمارهم، ومهما استطالت فترات حكمهم، ومهما كان عدد أبنائهم وإخوانهم وحراسهم ومنافقيهم، ومهما كانت قوة أسيادهم الذين أوصلوهم إلى مراكزهم، وحرصوا على عدم المساس بهم ردحاً طويلاً من الزمن، وسواء كانوا من قادة الصف الأول أو الثاني، ملوكاً كانوا أم رؤساء، أو نواباً لملوك ورؤساء، وسواء منهم من كان أحمر أو أسود، عربياً أم أعجمياً، فإن ربك لبالمرصاد، وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون، ولا راد لقضائه.
مهما تطاول ذو بغي بقدرته
فقدرة الله تأتيه فينزجر
مات من مات، وعُزل من عزل، وأمرهم الآن بيد الله الذي لا يظلم أحداً، رغم أني أكاد أجزم أنهم يتجلجلون في نار جهنم، فما من عبد استرعاه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة. كم طلب منهم أن يحكموا بما أنزل الله، وأن يتقوا الله في شعوبهم، كم تعالت أمامهم نداءات الاستغاثة من المستضعفين! وكم استصرخهم الغيورون من أبناء الأمة أن ينتصروا للقرآن الذي دُنّس، والمقدسات التي نُجست، والبلاد التي احتلت، والنساء الحرائر العفيفات اللواتي اغتصبن، والأطفال الذين شردوا وماتوا من المرض والفقر! فأصموا آذانهم، وأغمضوا أعينهم، واستغشوا ثيابهم، وأصروا واستكبروا استكبارا، وأتوا بالأميركيين إلى جزيرة العرب، وأقاموا العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، وهرولوا نحو الطبيع معها، وضعوا العراقيل الهائلة في وجه المسلمين، وقدموا التسهيلات تترى للغرب الكافر في حربه على الإسلام والمسلمين. كم تركوا من جنات وعيون، وزروع ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، كذلك وأورثناها قوماً آخرين، فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين.
أيها الناس: لسنا بصدد محاسبة الأموات أو المعزولين، فلدينا الكثير من الأحياء والمتنفذين ما تنوء به العصبة أولو القوة، فالجاثمون على صدور الأمة الإسلامية أكثر من أن يحصوا في عجالة، ولا يزال أمامنا الكثير الكثير من جولات الصراع معهم، ولن نقف في صراعنا معهم حتى نقضي عليهم ونعزلهم من مواقع نفوذهم الظالمة، ونعيد الحق إلى نصابه بتولية الصالحين الذين يحكمون بما أنزل الله. وسنبقى نلاحقهم حتى نجردهم من كل صلاحية تولوها بالباطل، ونحن نتربص بهم أن يصيبهم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا. ويبدو أن الذي وقع في شر أعماله اليوم من هذه الزمرة الفاسدة رجل يقال له الدكتور زكي بدوي، ويشغل منصب رئيس مجلس المساجد والأئمة في بريطانيا. يقول هذا الرجل إن بإمكان المسلمات في بريطانيا نزع حجابهن في الحياة العامة إذا كان ذلك سيساعد على ضمان سلامتهن الشخصية. ويضيف المدعو الدكتور زكي بدوي: "في هذا الموقف المتوتر ومع زيادة الاعتداءات على المسلمين، ننصح المسلمات اللاتي يخشين من التعرض لاعتداءات جسدية أو إهانات لفظية بخلع الحجاب حتى لا يعرفن من قبل هؤلاء المعادين للمسلمين"! جاءت هذه التصريحات في الوقت الذي كشفت فيه إحصاءات الشرطة عن ارتفاع نسبة جرائم الكراهية الدينية في لندن منذ تفجيرات السابع من يوليو/ تموز بنسبة 600%.
أيها الناس: إن للقضية أبعاداً متعددة، فنقول أولاً للدكتور زكي بدوي: إن الدعوة لخلع الحجاب سواء في بريطانيا أو فرنسا أو مصر أو السودان أو موسكو تعتبر دعوة صريحة لضرب من ضروب الدياثة التي وصف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم من لا يغار على عرضه. وقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله ‏عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يغار وإن المؤمن يغار، وإن غيرة الله ‏أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه". وعكس الغيرة الدياثة، والديوث من الرجال هو الذي يرى الفاحشة في أهله ولا يغار على عرضه، والدياثة خلق ذميم طبعاً ومحرم ‏شرعاً، والديوث مردود الشهادة عند الشافعية والحنابلة. روى الإمام أحمد في مسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة قد حرّم الله عليهم الجنة مدمن الخمر والعاق والديوث الذي يقر الخبث في أهله). قال ابن القيم: "وذكر الديوث في هذا الحديث يدل على أن أصل الدين الغيرة، ومن لا غيرة له لا دين له. فالغيرة تحمي القلب، فتحمي له الجوارح فترفع السوء والفواحش، وعدمها يميت القلب فتموت الجوارح فلا يبقى عندها دفع البتة، والغيرة في القلب كالقوة التي تدفع المرض وتقاومه فإذا ذهبت القوة كأنه الهلاك". فأين غيرتك أيها الدكتور عندما تعم فتواك الشريرة وفتوى شيخك طاغوت الأزهر؟ أين غيرتك وأنت ترى المسلمات كاسيات عاريات في شوارع لندن وباريس؟ ولكن لا عجب، فلو كان عندك وعند شيخ الأزهر وأمثالكم غيرة لتحركتم لمنع السفور والخمور والربا في قلب القاهرة وعمان وغيرها من بلاد المسلمين! وأما البُعد الثاني فيتعلق بالمسلمين والمسلمات في بريطانيا وغيرها من دول الكفر، نقول لهم: إصبروا على دينكم، واستعدوا للدفاع عن أعراضكم، {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين}، وأعلنوها صراحة بأن كل من تسول له نفسه التعرض لكم بسوء فسيواجه ردة فعل عنيفةً تتمثل في إجراء الموت أو الحياة، ولا أقل من ذلك. فعندما عدا اليهودي على المرأة المسلمة في قينقاع قام إليه مسلم فقتله، فقام اليهود فقتلوا المسلم، فمات شهيداً دون عرضه، وفتح رسول الله صلى الله عليه وسلم حصن بني قينقاع بعد حصاره. ولما استغاثت امرأة هاشمية أسيرة في عمورية بالمعتصم، أجابها المعتصم وهو على سريره: لبيك لبيك، وأعلن النفير وفتحت عمورية. وعندما حاول نذل من أنذال سرايا الدفاع في دمشق خلع حجاب امرأة مسلمة في سوق الحميدية قام زوجها بقتله فوراً فقام البعثيون الأراذل بقتله فقضى شهيداً دفاعاً عن عرضه. وعندما قام علج يهودي في بلدة شفا عمر بقتل أربعة من أهلها في حافلة قاموا إليه فقتلوه، ولما قام غولدشتاين بقتل المصلين في صلاة الفجر بالمسجد الإبراهيمي في الخليل اجتمع عليه المصلون فقتلوه. ألا فليعلم كل علج يريد الشر بمسلم أو مسلمة أن جاهزية الدفاع الشخصي عندنا في أعلى درجاتها، ومرحباً بالموت دفاعاً عن العرض والنفس والدين والمال.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: لقد كشفت فتوى الدكتور زكي بدوي عن أمور كثيرة كانت خافية على كثير من المسلمين، منها أن الدعوة التي قادها بعض العلماء لإرساء قواعد لفقه الأقليات رغم تجاهلهم لفقه الأكثريات، أن تلك الدعوة تحمل في طياتها السمَّ الزعاف، وأنها بدايةُ التحلل من الالتزامات الشرعية، وأنها دعوة صريحة لمخالفة أوامر الله ونواهيه. فماذا يبقى من دين المسلم إذا أكل الربا وباع الخمر وصار ديوثاً؟ ماذا يبقى من دين المسلمة إذا كشفت عورتها للرجال الأجانب؟ ولماذا كل هذا التنازل والفسق الظاهر؟ أمن أجل لقمة العيش ومجرد الإقامة في بلاد الكفر؟ فلا كانت تلك اللقمة ولا نامت أعين الجبناء! وهل يقبل مسلم أن يدخل النار مقابل لقيمات أو جنيهات؟ ما لكم كيف تحكمون؟
أيها المسلمون في بلاد الغرب: استعدوا للمواجهة الفردية، وأعلنوا ذلك صراحة في كل الوسائل المتاحة بأن من أراد أن تثكله أمه وييتم أطفاله فليتجرأ على لمس حجاب امرأة مسلمة. وإنهم والله لجبناء، وقد قال الله فيه: {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا}. ولا تخرجن امرأة إلى شارع عام يمكن أن تتعرض فيه للأذى، ولو أدى ذلك إلى عدم الخروج من بيتها إلا إلى القبر. وهناك حل آخر، إحزموا حقائبكم وعودوا من حيث أتيتم أو أتى آباؤكم وأجدادكم، ولتُخلق أزمة جديدة للغرب الذي سخّركم، ولحكام دويلات الضرار الذين خذلوكم، وكونوا رأس حربة في الاتجاهين، فعسى أن يؤدى هذا التغير السكاني إلى الانفجار في وجه الطغاة وإسقاطهم.
أيها الناس: إن جميع الخيارات قد أصبحت الآن مفتوحة، ويجب علينا أن نجري مفاصلة تاريخية مع الكفار وعملائهم الأنذال الديوثين في بلادنا وبلادهم، وقد آن الأوان لتضافر الجهود المخلصة كي تقام دولة الخلافة الإسلامية الراشدة الثانية على منهاج النبوة، فهي الدولة التي تحمي ذمار المسلمين وتدافع عن أعراضهم، وهي الدولة التي تطبق الإسلام وتحمل دعوته، وهي دولة منصورة بإذن الله على أعدائها مهما عظمت قوتهم. إن الخلافة التي ندعوكم لإقامتها ليست بالخيال ولا بالأمر المستحيل، فهي الدولة التي ستكسر الأيدي التي مُدَّت لخلع الخمار من على رؤوس العفيفات، وستقطع الألسن التي تطاولت عليهن، وستحاسب الذين اشتركوا في ذلك الظلم حساباً عسيراً. واعلموا أن الأمة الإسلامية قد أفاقت من غفلتها، وأن الإسلام قد انتقل من شرارة إلى نار تلظى، تضيء الظلمات وتحرق الباطل وأعوانه، وتحولهم إلى رماد. {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً، وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً}.

................................................................................
.......

الجمعة 14/رجب/1426 هـ
19/آب/2005 م

اللاجئون لا بواكي لهم

(الخطبة الأولى) أيها الناس: استحوذ إجلاء حفنة من اليهود من مستوطنات قطاع غزة على الإعلام العالمي والمحلي بطريقة استفزازية تثير في النفوس شعوراً بالمرارة والأسى، وتذكرها بملايين اللاجئين الذي شُردوا قسراً من كافة أنحاء فلسطين، بما فيها غزة. ومنذ عشرات السنين وهو يعانون شظف العيش من فقر ومهانة وسوء المسكن والملبس والمأكل والمشرب والصرف الصحي، وقد تحملوا كل ألوان العذاب وظلم ذوي القربى طمعاً في العودة يوماً إلى ديارهم التي أخرجوا منها. ولكن تلك الآمال تلاشت واحترقت في لظى الخيانة التي حولت كارثة اللاجئين إلى بقرة حلوب تدر لبناً وعسلاً على تجار القضية وأصحاب المشاريع السياسية وسمان القطط الذين وضعوا خطط الخوارط وخرائط الخطط، وأما اللاجئون فلا بواكي لهم! ضجة إعلامية كبرى صورت نقل غاصب محتل من سكنه المريح الآمن إلى مكان سكن أكثر راحة وأمناً، إضافة إلى مبلغ كبير من المال النقدي الفوري كتعويض على هذا الإزعاج، وتشكيل دائرة للإنفصال تعمل بصورة متواصلة استعداداً لاستقبال حوالي 8500 مستوطن من قطاع غزة وأربع مستوطنات من الضفة الغربية، تتلخص مسؤوليتها في إستقبال وإسكان وتأهيل أولئك المستوطنين المرحلين، صورت تلك الضجة الإعلامية الكاذبة كلَّ ذلك بأنه كارثة إنسانية، وشحنت الموقف بالعواطف الجياشة والمشاهد المحزنة، وكأن المرحَّلين (بفتح الحاء) يساقون إلى الموت وهم ينظرون، والمرحِّلين (بكسرها) قواتٌ نازيّة ترتكب جرائم ضد الإنسانية!
أيها الناس: هكذا تصنع الخُدع السياسية، وبمثل هذا الإعلام تنفذ المكائد، وتصب فوق رؤوس المستضعفين المصائب. مَن هؤلاء المرحلون المرفهون؟ ومتى جاءوا إلى قطاع غزة؟ وما هي حقوق المواطنة التي خسروها؟ وكم عددهم؟ وكم قُتل وجرح من مواطني قطاع غزة بسبب وجودهم؟ كم من البيوت هدم للمحافظة على أمنهم ورفاههم؟ وكم من الأراضي جرف؟ وكم من الأشجار قلع؟ أسئلة لا تنتهي، ومعاناة جد طويلة، والحق ضائع، وأهل غزة لا بواكي لهم.
أيها الناس: في خضم هذه الأحداث ينبغي علينا ألا نفقد البوصلة التي توجهنا نحو الخط المستقيم وخارطة الطريق القويم، فلا يخدعنا الإعلام الكاذب، ولا تنطلي علينا الحلول العرجاء، ولا نركض خلف سراب خادع. ينبغي علينا أن ندرك الحقائق كاملة، وأن نرى بنور الله، وأن نسلط الأضواء الكاشفة على ظلمات الجهل السياسي كي تستبين سبيل المجرمين فلا نسلكها، ونتبع سبيل المؤمنين ونتمسك بها، وقد حذرنا القرآن الكريم من مغبة اتباع غير سبيل المؤمنين في قوله عز وجل {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً}. فالسير في خطة خارطة الطريق هو اتباع لغير سبيل المؤمنين، والولوج في اللعبة السياسية التي أودت بأرض فلسطين كاملة هو اتباع لغير سبيل المؤمنين، والتوهم بأن إسرائيل ما فككت مستوطناتها في القطاع إلا نتيجة لضربات المقاومة هو مبالغة لا تجدي في التعاطي مع مستوطنات الضفة الغربية شروى نقير. فالقرار بالانسحاب كان نتيجة لضغوط أميركية واضحة غير خفية، كما أن مشاركة بعض المسلمين في الانتخابات الفلسطينية كان نتيجة لضغوط أكثر وضوحاً، كالتهديد بالقتل مثلاً! وقد كتبت بعض الصحف العربية كلاماً مثيراً حول الموضوع عندما قالت إحداها بأن خطة خارطة شارون قد باتت معالمها أكثر وضوحاً، انسحابه من غزة، والتمسك بمعظم الضفة والقدس وضمها الى الدولة العبرية بشكل نهائي، وربما يتلقى شارون مكافأة من إدارة بوش بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. وقالت صحيفة أخرى: إن تصوير الانسحاب من جانب السلطة الفلسطينية، والادارة الاميركية، وبعض العرب، باعتباره نجاحاً للجهد السياسي، ودليلاً على جدية اسرائيل في المضي في عملية السلام المزعومة هو أبرز ملامح الخديعة في هذا الانسحاب.
أيها الناس: لماذا يحظى المرحَّلون اليهود من مستوطنات غزة بهذا الزخم الإعلامي وهذا التعاطف العالمي وتُتجاهل معاناة اللاجئين الفلسطينيين؟ بل إن الذي يلوح في الأفق هو التوطين ونزع الأسلحة وسحق الهوية ونسيان القضية وزيادة البلية. ثم، لماذا تقوم الدنيا ولا تقعد لوجبة وحيدة من القتلى البريطانيين أو الأميركيين أو الإسبان، وهم يشكلون أقل من وجبة يومية واحدة من القتلى العراقيين أو البوسنيين أو السودانيين أو الفلسطينيين، لماذا تمر هذا الوجبات بلا عداد وكأنها مسألة فيها نظر، وأما وجبة الأوروبيين والأميركيين فجريمة لا تغتفر؟ لماذا ترتفع أسعار النفط الإسلامي ثم يكون مردوده غلاءً في أسعار مشتقاته لمُصدِّره الإسلامي، ومزيداً من الرفاهية لمستورده الكافر؟ ثم، لماذا تصان مقدسات الكفار وتدنس مقدسات المسلمين؟ ولماذا يهيم المسلمون على وجوههم في الأرض حيارى، ويقذفون بالأذى البليغ من كل جانب، دحوراً منبوذين، ويتقلب الكفار في نعم الله قياماً وقعوداً على جنوبهم؟ هذه الأسئلة وغيرها كثير يجاب عليها بجواب واحد ليس له ثانٍ هو: غياب دولة الخلافة الإسلامية، واتباع حكام دويلات الضرار القائمة في العالم الإسلامي غير سبيل المؤمنين، وسكوت الغالبية الإسلامية بمن فيهم أهل القوة والمنعة عن ممارسات أولئك الحكام وتعطيل شرع الله.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن لكل أهل ملة دولة ترعى شؤونهم وتقوم على ضمان عيشهم بكرامة، وتعمل على الدفاع عن ملتهم ونشرها بين الأمم والشعوب، وقد كان لأهل ملة الإسلام دولة وأيُّ دولة، حفظت دينهم ونشرته في الأفاق، وحافظت على مصالح الشعوب الإسلامية على اختلاف أصولها ومنابتها، ولقنت الكفار من أعدائها دروساً لا تنسى عبر مسيرة طويلة تركت بصماتها على التاريخ والجغرافيا والفكر والحضارة والعلوم وباقي مناحي الحياة البشرية. وتلك حقيقة ساطعة أولى، توازيها حقيقة أخرى ثانية، أن تلك الدولة قد انهارت بعد أن تضافرت عليها عوامل الضعف من كل حدب وصوب، وصار الحال إلى ما لا يخفى عليكم. ولكن هناك حقيقة ثالثة لا يصح التغافل عنها، بل ويجب العمل على تحقيقها تتمثل في أن الدولة الإسلامية ستعود ثانية من جديد، وستكون كسالفتها الراشدة على منهاج النبوة، وأنها ستتبوأ مقعدها على رأس الأمم وليس بينها كما كان الحال في السابق. وستكون هي الدولة الوحيدة في العالم يوماً ما، ولربما كان قريباً. هذه الحقيقة تتعارض مع انشغال بعض المسلمين بالإعداد لقيام دويلة فلسطينية أو جنوب سودانية، وتتعارض مع بقاء دويلات الضرار القائمة في العالم الإسلامي على حالها من التجزئة والانفصال والضعف والتبعية، وتتعارض مع نظرة التشاؤم التي يبديها البعض لما رأى تقدم الغرب في مجالات العلوم التقنية، وتتعارض مع الولاء الذي يبديه بعض العلماء لحكام الكفر والظلم والفسق، وتتعارض مع ما يتسرع به بعض المفتين في مجال فقه الأقليات وعيش المسلمين في بلاد الغرب، وتتعارض مع ما يبثه المرجفون من استحالة قيام الخلافة، وتتعارض مع ما يذهب إليه أصحاب المذاهب المنحرفة من خرافة إقامة الدين القويم تحت مظلة الكفر والكافرين، وتتعارض مع سلوك بعض المسلمين في محاولاتهم الإصلاح دون التغيير.
أيها الناس: إن سبيل المؤمنين واضح بيِّن، ولا يحتاج إلا إلى إخلاص في النية، وتفقه في دين الله، واتباع لطريق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما لنا ألا نتبع طريقه في إقامة الدولة التي أقامها هو بنفسه والوحي يوجهه؟ وما لنا ألا نتوكل على الله الذي خلقنا ورضي لرسوله صلى الله عليه وسلم ما قام به حتى أقام الدولة الإسلامية الأولى؟ أفلا نكون مبتدعين إذا خالفناها؟ ما لنا نركض خلف سراب الوطنية الفاسدة، والقومية البائدة، والاشتراكية الفانية والرأسمالية المتساقطة؟ ألا ترون أنا دخلنا في جحر الضب الذي دخله اليهود والنصارى؟ وأنا نبحث عن ذات أنواط لنا كما لهم ذات أنواط؟ سبحان الله كيف ذهبت عقول عامة أهل زماننا، وبقي هباء من الناس يحسبون أنهم على شيء وليسوا على شيء. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول فيما أخرجه الإمام أحمد: "إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ الْهَرْجَ قَالُوا وَمَا الْهَرْجُ قَالَ الْقَتْلُ قَالُوا أَكْثَرُ مِمَّا نَقْتُلُ، إِنَّا لَنَقْتُلُ كُلَّ عَامٍ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا، قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمْ الْمُشْرِكِينَ وَلَكِنْ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا، قَالُوا: وَمَعَنَا عُقُولُنَا يَوْمَئِذ؟ٍ قَالَ: إِنَّهُ لَتُنْزَعُ عُقُولُ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَيُخَلَّفُ لَهُ هَبَاءٌ مِنْ النَّاسِ يَحْسِبُ أَكْثَرُهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ وَلَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ قَالَ عَفَّانُ فِي حَدِيثِهِ قَالَ أَبُو مُوسَى: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مِنْهَا مَخْرَجًا إِنْ أَدْرَكَتْنِي وَإِيَّاكُمْ إِلَّا أَنْ نَخْرُجَ مِنْهَا كَمَا دَخَلْنَا فِيهَا لَمْ نُصِبْ مِنْهَا دَمًا وَلَا مَالًا"‏. فاللهم أخرجنا منها كما دخلنا فيها، وعجل لنا بإقامة خلافتنا.
ابو رافت
الجمعة 21 رجب 1426 هـ
الموافق 26 آب 2005 م

لِيَكُن للمسلمين خلافة وخليفة!



الخطبة الأولى

أيها الناس: يشكو ديفيد وارن من صحيفة أوتوا سيتيزن بأنه لا يوجد هناك شخص واحد يمكن أن يتكلم أو يتحدث باسم جميع المسلمين اليوم، وهو يعتقد أن سبب ذلك هو إلغاء دولة الخلافة عام 1924. لذلك فليُعطَ المسلمون حق تقرير المصير والحكم، ولتكن هناك خلافة وخليفة يمكنه القول: " أتكلم بالنيابة عن جميع المسلمين وهذا هو موقفنا نحو مختلف القضايا"! جاءت هذه الشكوى في نهاية مقال مثير للجدل كتبه مؤلف يدعى عابد الله جان، صاحب كتاب "نهاية الديمقراطية" وكتاب "نشوء الصليبية الأخيرة في أفغانستان" الذي سيصدر قريباً.

وقد ذكر الكاتب في مقاله أموراً عجيبة يندر وجودها في صحف تصدر في العالم الإسلامي، بل إن جرأة الكاتب في فضح الرأسمالية وكشف النوايا الصليبية لباب الفاتيكان، لو تمثلت في كاتب مسلم لاعتبر إرهابياً من الطراز الأول، ولقدم إلى محكمة مكافحة الإرهاب مكبل اليدين والرجلين ومعصوب العينين مكمماً.

ذلك بأنه أثبت بالدليل التاريخي الذي لا يقبل الطعن والمراء أن المسلمين اليوم لا يطبقون دينهم الذي طبقوه بالأمس، وأثبت مسؤولية الاستعمار الأوروبي والأميركي الشره مصاص دماء الشعوب وثرواتها، بدعم من صليبية الفاتيكان الحاقدة على الإسلام والمسلمين، أثبت مسؤوليتهم عن المذابح التي جرت للمسلمين وغير المسلمين في العالم منذ القرن الخامس عشر الميلادي وحتى يومنا هذا.

ومن جملة ما ذكر أن الغرب يتحمل مسؤولية القتل المتعمد لما بين اثني عشر وخمسة عشر مليون إنسان منذ الحرب العالية الثانية قبل نحو ستين عاماً، والتسبب في قتل مئات الملايين من بني البشر الذين دمر اقتصادهم، وخضعوا للعيش وفق معايير الرأسمالية الجشعة، وأن مئات الآلاف من أبناء تلك الشعوب المضطهدة قضوا تحت وطأة تعذيب فرق المخابرات الأوروبية والأميركية.

ويضيف الكاتب لفتة هامة جداً عندما يعقد مقارنة بين ما يدعيه الغرب من مسؤولية المسلمين عن أعوام أربعة من الفوضى والهلع الذي حصل في العالم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي لم يوجد بعد دليل قاطع يحملهم تلك المسؤولية، وبين ما أحدثه الغرب من فوضى وهلع في أوساط المسلمين على مدى قرون أربعة أو خمسة، وكل الأدلة قاطعة على مسؤوليتهم عنها وعن غيرها في بلاد أخرى.


أيها الناس: لنترك المقال وصاحبه جانباً، ولننظر فيما قاله بابُ الفاتيكان أثناء زيارته لمسقط رأسه ألمانيا قبل أيام قليلة، واجتماعه مع ممثلي الجالية الإسلامية هناك. لقد قال بالحرف الواحد:

أدعو المسلمين الى العمل مع المسيحيين للعمل على محاربة الارهاب و«التطرف المتوحش». ورفض «الضغينة» و«عدم تقبل الآخر» و«العنف» للحد من انتشار الارهاب. ورأى الباب بأن للقادة المسلمين «مسؤوليةً كبيرة» لتعليم جيل الشباب المسلم وتوعيته بمخاطر الارهاب، معبراً عن قلقه إزاء انتشار الارهاب الذي يتعارض مع «الحق المقدس في الحياة»، ومبدياً ثقته بأنه يعبر بذلك عن رأي المسلمين. وقال إن الحوار بين المسيحيين والمسلمين «ضرورة حيوية».

ولمح الى أنه لا يكفي إدانة الاعتداءات فقط، داعياً إلى تجاوز مشاعر الحقد التي تولد الارهاب. وقال: «إن تمكنا معا من استئصال مشاعر الحقد والتصدي لأي شكل من اشكال رفض الآخر وأي مظهر من مظاهر العنف، فسنوقف موجة التعصب الأعمى التي تعرض للخطر حياة العديدين وتمنع انتشار السلام في العالم». ودعا الباب الألماني الأصل اليهودَ والمسيحيين إلى العمل معا لكي لا «تتمكن قوى الشر من الوصول مجدداً إلى السلطة.. ولكي تبني الاجيال المستقبلية عالماً مسالماً واكثر عدالة يتساوى فيه جميع المواطنين».


أيها الناس: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيأتي على الناس سنوات خدّعات، يُصَدق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة"، قيل وما الرويبضة؟ قال: "الرجل التافه يتكلم في أمر العامة". قال اللغوي ابن منظور: "الرويبضة: هو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور وقعد عن طلبها، والغالب أنه قيل للتافه من الناس لُِربُوضِه في بيته، وقلة انبعاثه في الأمور الجسيمة".

ولنترك مؤقتاً هذا الباب الذي قبع في صومعته وقعد عن طلب الحقائق العقائدية الساطعة، وتجاهل ما يعرفه عن الإسلام، وضرب الذكر صفحاً عن بشرى المسيح عليه السلام بنبي من بعده واجب الاتباع من قبل جميع الناس بمن فيهم أصحاب عيسى من الذين قالوا إنا نصارى، ولنتجاوز عن ثقته المفرطة بأنه يعبر عن رأي المسلمين فيما طرحه على المسلمين في ألمانيا من الذين أخطأوا خطأً كبيراً بمجرد قبولهم لقاءه والسماع منه، ولننتقل إلى أعجوبة جديدة في مجال الفكر والكتابة والتأليف حيث كشر أحد كبار العلماء في عصرنا عن أنيابه وهاجم أطروحة دكتوراه نال صاحبها الدرجة العلمية بامتياز، من قبل أساتذة متخصصين وجامعات معتمدة، هاجمها بعنف ومن غير دليل من الكتاب والسنة لمجرد مخالفتها لمنهج الإسلام الوسطي أو المعتدل كما يسميه هو وشيخ الأزهر وأضرابهم!


أيها الناس: لماذا لا يوجه هذا الباب النداءات إلى الشباب النصراني في أوروبا وأميركا وباقي أنحاء العالم كي ينبذوا الزنا وشرب الخمور والشذوذ المثلي الذي يمارسونه بينهم والقتل الذي تمارسه حكوماتهم ضد الشعوب المستضعفة، وأن يتخلقوا بأخلاق الحواريين الذين قالوا لعيسى عليه السلام: "نحن أنصار الله"، وأن عليهم أن ينبذوا فصل الدين والكنيسة عن الحياة والدولة، وأن يثوروا ضد حكامهم المتطرفين وغلاة المحافظين الجدد؟ ولماذا لا يثير الشباب النصراني ضد بوش وبلير الزعيمين المستأجرين من قبل الرأسماليين والذين خالفوا كبار مفكري ومنظري الرأسمالية فلم يطبقا المبدأ الحر والنظام الديمقراطي الذي يزعم أنه يحترم حقوق الإنسان، وأنهما وباقي زعماء الغرب قد خانوا الأمانة، وحكموا بغير ما نصت عليه مواثيق حقوق الإنسان، وانحرفوا عن قواعد مبدأ الديمقراطية، وطلبوا من المسلمين في العراق الموافقة على دستور الحكم الكافر؟ أفلا يرون أن حكامهم لا يختلفون كثيراً عن حكام المسلمين في حكمهم بغير ما أنزل الله، وانحرافهم عن مبدأ الإسلام الذي أنزله الله من فوق سبع سماوات؟ فيا أيها الباب، يا حكام الكفر الغربي: من كان بيته من زجاج فلا يرجمن بيوت الآخرين بالحجارة.


الخطبة الثانية

أيها الناس: ماذا يقصد هذا المتباكي على حياة الأرواح البريئة بعودة قوى الشر مجدداً إلى السلطة؟ إني أجزم أنه لا يعني نظام صدام العراقي أو نظام الطالبان الأفغاني الذين أطيح بهما مؤخراً، ولا يعني نظام ولد الطايع الموريتاني أو أريستيد الهاييتي، ولكنه يعني قطعاً نظام الخلافة الإسلامي. ذلك النظام الذي يخشى الغرب قدومه المباغت، لينزل على رؤوسهم كالصاعقة، يحرق الفساد وينير الظلمات، ذلك النظام الذي بات يشكل هاجساً قوياً يقلق زعماء العصابات الرأسمالية الجشعين، وينذرهم بقرب زوال نفوذهم عن بلاد المسلمين أولاً، ثم عن بلادهم تحت وطأة ضربات جند الخلافة. ولذلك نجدهم يسدون المنافذ أمام العاملين المخلصين لإقامتها، يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.

أيها الباب، أيها المحافظون الجدد، يا زمرة حكام الشر في العالم الغربي والشرقي، يا أقزام العرب والعجم من حكام المسلمين، اسمعوا وعوا، الخلافة قادمة، والمسلمون إلى الحكم زاحفون، وإلى قلع نفوذكم يعملون، وعلى قطع دابركم مصممون، ولإخراج شعوبكم من ظلمكم عاملون، ولحكم الأرض كلها بما أنزل الله يطمحون، وهم على ثقة تامة بنصر ربهم، ولا عجب، فهم على ربهم يتوكلون.

أيها الناس: إن الخسارة الكبرى ستكون من نصيب العلماء والمفكرين من أنصار الغرب في أوساط المسلمين، فهؤلاء سينبذون نبذ النواة في ظل الخلافة القادمة، وسينظر إليهم دوماً بعين الريبة بما قدمت أيديهم من موالاة للكفار وأعوانهم من الحكام، وبما أجرموا في تغطية الحقائق الساطعة عن العامة والخاصة من المسلمين، وبما كتموا من العلم، ولبسوا على الناس يلبسون.

وأما المسلمون الذين تقاعسوا عن العمل مع العاملين، وخذلوا إخوانهم فلم ينصروهم في المعركة الحقيقية ضد الكفر والكافرين، وانشغلوا في معارك ما أنزل الله بها من سلطان كمعركة سلام الشجعان وغيرها من معارك الأوهام والأحلام، هؤلاء المسلمون المتقاعسون سيندمون على تقصيرهم وخذلانهم لإخوانهم، وسيتمنى أحدهم لو استقبل من أمره ما استدبر ليكون عوناً للعاملين المخلصين وسنداً لهم...... فأدركوا أنفسكم أيها المترددون، والتحقوا بصفوف العاملين، فقد دنت المفاصلة، وأزفت ساعة التغيير.

جاء في البداية والنهاية عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: نزلنا المدائن فكنا منها على فرسخ فجاءت الجمعة فحضر أبي، وحضرت معه، فخطبنا حذيفة، فقال: إن الله تعالى يقول: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار، وغدا السباق. فقلت لأبي: أتستبق الناس غداً؟ فقال: يا بني، إنك لجاهل إنما هو السباق بالأعمال. ثم جاءت الجمعة الأخرى فحضرها فخطب حذيفة، فقال: ألا إن الله يقول: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار، وغداً السباق، ألا وإن الغاية النار، والسابق من سبق إلى الجنة. فاللهم اجعلنا من السابقين إلى الجنة، والعاملين المخلصين لإعزاز هذا الدين.

..............................................................

الجمعة 28/رجب/1426 هـ
02/أيلول/2005 م

!!!دينكم خير من دينه!!!

(الخطبة الأولى) أيها الناس: أتدرون في أي يوم أنتم؟ إنكم في يوم الجمعة 28 رجب 1426هـ. وفي يوم الجمعة 28 رجب 1342هـ أي في مثل هذا اليوم قبل 84 عاماً بالتقويم الهجري صدر قرار من المجرم الخائن مصطفى كمال بإلغاء نظام الخلافة، معطلاً بذلك تطبيق شرع الله في أرض الله، وهادماً لصرح الدولة الإسلامية التي أرسى قواعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ في مثل هذا اليوم كُفّنت الخلافة ودفنت، ودفن معها عز المسلمين وشرفهم ورفعتهم في قبر العلمانية الكمالية الذي حفره الإنجليز الماكرون. في مثل هذا اليوم سقط الاعتبار والاحترام عن العرب أن تخلوا عن الإسلام الذي أخرج آباءهم من الجاهلية الأولى ليدخلوا في جحر ضب الجاهلية الثانية. في مثل هذا اليوم بكت السماء والأرض، وضجت المنابر والمآذن تبكي على فقد الخلافة بالمدامع السحاحة، وثكلت الأمة الإسلامية قاطبة بغياب شمس الخلافة عن ربوعها، وحق لها أن تبكي وهي الأم الثكلى بما لم تثكل به أم قبلها ولا بعدها. فهل كانت مصادفة أن يلتقي وزيرا خارجية كيان يهود وكيان باكستان في مدينة اسطنبول - آخر عاصمة للدولة الإسلامية – ليبرما اتفاقية إقامة علاقات دبلوماسية بين بلديهما؟ وهل هي محض مصادفة أن يكون اللقاء في اليوم الذي يحيي فيه المسلمون ذكرى هدم الخلافة الإسلامية وذكرى الإسراء والمعراج؟ لماذا لم يجتمع الطرفان في أنقرة، عاصمة تركيا السياسية؟ لماذا في اسطنبول قرب توب كابي سراي ومسجد السلطان أحمد وقصر السلطان عبد المجيد ومسجد آيا صوفيا وغيرها من مظاهر العظمة وبصمات الحضارة الإسلامية؟ ولماذا تكون تركيا بالذات الوسيط بين الباكستان وإسرائيل؟ أسئلة كثيرة يجب طرحها والبحث عن إجابة لها؟ ولكن ما نقطع به هو أن ما تم ليس مجرد صدفة؟
فيهود ما كانوا ليحلموا بنيل فلسطين يوم كان للمسلمين دولة، وما رد الخليفة عبد الحميد الثاني عنا ببعيد. ومصطفى كمال كان يهودياً من يهود الدونمة، جاءت به بريطانيا ليهدم في مثل هذا اليوم دولة الخلافة الإسلامية ويقيم كياناً علمانيا عميلاً للكفار عدواً للمسلمين.
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة حييُّ بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق وأبو رافع والربيع بن أبي الحقيق وأبو عامر ووحوح بن عامر وهودة بن قيس، فأما وحوح وأبو عامر وهودة فمن بني وائل وكان سائرهم من بني النضير فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتاب الأول، فاسألوهم: أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم فقالوا: دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه. فأنزل الله عز وجل "ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب" إلى قوله عز وجل "وآتيناهم ملكاً عظيما"، وهذا لعن لهم وإخبار بأنهم لا ناصر لهم في الدنيا ولا في الآخرة لأنهم إنما ذهبوا يستنصرون بالمشركين، وإنما قالوا لهم ذلك ليستميلوهم إلى نصرتهم وقد أجابوهم وجاءوا معهم يوم الأحزاب حتى حفر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حول المدينة الخندق، فكفى الله شرهم "ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزاً".
أيها الناس: ما أشبه اليوم بالبارحة، ففي الوقت الذي تتوق فيه الأمة الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها إلى العودة إلى دينها والحكم بما أنزل الله على نبيها محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتشرأب الأعناق نحو الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، وتتعلق آمال المسلمين بالبشرى التي تطوي عنهم صفحة الذل والمهانة وغضب الله وسخطه، وفي الوقت الذي يعمل المخلصون من أبناء الأمة الإسلامية ليلاً ونهاراً، وسراً وجهراً لإقامة الخلافة واستئناف الحياة الإسلامية التي قطعها أحفاد حيي بن أخطب وسلام بن الحقيق وأبي رافع وأضرابهم بالتعاون مع أحفاد أبي جهل وأبي لهب وأضرابهم، في هذا الوقت الذي نحيي فيه تلك الذكريات الأليمة يأتي رئيس باكستان – لا شرفه الله – ليضع الملح على الجروح والقروح، ليضيف بُعداً ثالثاً لأعماله الشريرة بإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل بعد أن قدم خدمات تاريخية غير مسبوقة لأميركا في محاربة المسلمين في أفغانستان وما جاورها، وبعد أن غدر بالمسلمين في كشمير، ولسان حاله يقول: دين أميركا خير من دين محمد، ودينكم أيها الهندوس خير من دين محمد، واليوم يقول لليهود: دينكم معشر يهود خير من دين محمد! فهل يصح لهذا الحاكم وأمثاله بعد اليوم الانتماء إلى دين محمد بعد أن كفروا به وقتلوا وسجنوا وأعلنوا الحرب على كل من يريد إعلاء كلمة الله وإظهار دين محمد؟
أيها الناس: لم يقف الأمر عند برويز وأردوغان من مسلمي العجم، بل تعداه إلى مسلمي العرب – لا رفع الله لهم راية، ولا أدام لهم ولاية - فقد افتُتحت بالأمس ممثليةٌ تجارية إسرائيلية في دبي، وهي إحدى مدن ما يسمى بدولة الإمارات العربية المتحدة! وعلى ذمة وزير الخارجية الإسرائيلي فإن هناك اتصالات تجري الآن مع جميع دويلات الضرار القائمة في بلاد العرب لإقامة علاقات مع إسرائيل، وهو يأمل أن تحذو باقي الدويلات القائمة في العالم الإسلامي حذو مصر والأردن وموريتانيا والباكستان. والمفارقة العجيبة تكمن في احتجاج السلطة الفلسطينية على خطوة برويز الباكستانية كونه زعم أنها جاءت فرحاً بتحرير غزة، فالمنطق يقضي مباركةَ خطوةٍ كهذه من قبل السلطة باعتبارها أول من فتح باب الاعتراف وهرول نحو التطبيع وأعلن أن التنسيق الأمني لم يعد تهمة وطنية تهدُرُ دمَ أصحابها! وقد علق أحد الظرفاء على الحدث قائلاً: "إن إسرائيل تطمح أن تعترف بها دولة عربية أو إسلامية واحدة مقابل الانسحاب من كل مستوطنة". ووفقاً لتعليق صاحبنا فإن الإنسحاب من 21 مستوطنة في قطاع غزة يوازي عدد جميع الدول العربية، ويوجب عليها أن تعترف بإسرائيل، وتبقى تلك الدول مدينةً بأربع مستوطنات كون أربع من الدول العربية قد اعترف قبل الصفقة، فيمكن التفاوض حول هذه النقطة لتعويض إسرائيل عربياً فقط بمنحها قواعد عسكرية قرب خيبر، أو إمدادها بالغاز القطري المجاني مدة 99 عاماً، أو كلتا الجائزتين معاً، وكيف سيكون الحال إذا فاز نتنياهو وكثف الاستيطان وأصبح عدد المستوطنات في فلسطين يفوق عدد دول العالم أضعافاًُ كثيرة؟ فحسبنا الله ونعم الوكيل.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن لسان حال الحكام وأشياعهم في جميع بلاد العالم الإسلامي يقول: كل الأديان خير من دين محمد، وكل الدساتير خير من القرآن والسنة، وإن العيش في ظل أنظمة الطاغوت والجاهلية وكذلك ما يسمى بالأنظمة الديمقراطية خير من العيش في ظل خلافة إسلامية، وإن الأمم المتحدة أمُّنا ولا يمكن لنا الاستغناء عنها، وإن أميركا هي ولي نعمتنا ولا سبيل لمعاداتها حتى لو أكلت مالنا واحتلت أرضنا وجلدت ظهرنا، فالسمع والطاعة لها ولبريطانيا، ونعصي من يعاديهما أو يفكر بالنيل منهما، ونحن له بالمرصاد، وإنا قد شحذنا أسلحتنا لنقطع أوصال "الإرهابيين والفئات الضالة" إرْباً إرْباً! أجل، أيها المسلمون، هكذا يقول حكامنا بألسنتهم، وهكذا يترجم قولهم إلى أفعال إجرامية تهلك الحرث والنسل، وتفتك بالمخلصين من أبناء الأمة. وأما نحن المسلمين فنقول: خابوا وخسروا! فدين محمد خير من كافة أديانهم ومللهم، وسيظهره الله عليها جميعاً، فلننصر دين محمد صلى الله عليه وسلم، ولنأخذ بحُجَز هؤلاء المهرولين المتخاذلين الذين يطعنون هذا الدين في صدره وظهره وخاصرته ويضربونه على أم رأسه، ويتربصون الدوائر بالعاملين لإعزازه. فما صبرنا على قوم هذا حالهم، يجاهرون بالكفر والمعاصي، ويسوموننا سوء العذاب، وقد فتحوا الباب على مصراعيه لكل الآفات أن تدخل إلينا؟ ما صبرنا على قوم نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم، وطعنوا في ديننا، وأخرجونا من ديارنا؟ ما صبرنا على قوم يسكتون على تدنيس قرآننا، وشتم نبينا، وتعطيل شرعنا، ويعملون على مدار الساعة لتثبيت الغاصبين في بلادنا، ويعيثون فساداً في مقدساتنا وثرواتنا، ويقتلون أبناءنا ويستحيون نساءنا، ويثيرون الهلع في أوساطنا لنسقط صرعى كأننا أعجاز نخل خاوية؟ ما صبرنا على من أعلن الحرب علينا ووقف ضدنا، وقطع أوصال بلادنا، وتآمر مع أعدائنا علينا؟
أيها الناس: تمر اليوم ذكرى أخرى لمناسبة هدم الخلافة ومناسبة الإسراء والمعراج ولا زال الأقصى أسيراً، وفلسطينُ والعراق وأفغانستان وكشمير والشيشان من أراضي المسلمين محتلةً، وجميع بلاد المسلمين تخضع مباشرة أو غير مباشرة لسلطان الكفار، فمتى يا رب تنقشع هذه الغمامة لنعود خير أمة؟ هلموا أيها المسلمون لإقامة دولة الخلافة بعزم من حديد، فنحيي في العام القادم ذكراها الأولى إن شاء الله من جديد.
ابو رافت
الجمعة 5/شعبان/1426 هـ
09/أيلول/2005 م

أسد حطوم خير من سلطان غشوم

(الخطبة الأولى) أيها الناس: لقد امتن الله تعالى على العباد بنعمتين من أعظم نعمه على خلقه وهما نعمة الإطعام ونعمة الأمن، لقوله تعالى:''فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ''، وإذا كان الإطعام من الجوع يحفظ على الإنسان حياته الجسدية المادية، فإن الأمن يحفظ كذلك على الإنسان حياته من القتل والعدوان، ويحفظها أيضاً من القلق والخوف والفزع. ولربما كان الأمن الكامل أهم من الشبع الكامل، ولذلك قال العلماء قديماً: (سلطان غشوم خير من فتنة تدوم). وعن علي رضي الله عنه قال: (أسد حطوم خير من سلطان غشوم، وسلطان غشوم خير من فتنة تدوم)، وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: (إمام عادل خير من مطر وابل وإمام غشوم خير من فتنة تدوم ولما يزع الله بالسلطان أكثر ما يزع بالقرآن). وقد ذكر القرآن الكريم كيفية تحقيق الأمن، فهو الذي يأتي من الإيمان بالله وبقدره وبأنه القاهر فوق عباده الفعال لما يريد. كما يأتي من عبادته ومن ذكره والإنابة إليه كما قال تعالى: ''الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ، أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ''، وقال تعالى: ''الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ''.
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن النقص في الدين يأتي بترك الدعوة وتعليم الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ''إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإِنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعضٍ''. وعن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لكل شيء إقبال وإدبار، وإن من إقبال هذا الدين ما كنتم عليه من الجهالة وما بعثني الله به، وإن من إقبال هذا الدين أن تفقه القبيلة بأسرها حتى لا يوجد فيها إلا الفاسق والفاسقان فهما مقهوران ذليلان، إن تكلما قمعا وقهرا واضطهدا.. وإن من إدبار هذا الدين أن تجفو القبيلة بأسرها حتى لا يرى فيها إلا الفقيه والفقيهان فهما مقهوران ذليلان إن تكلما وأمرا ونهيا عن منكر قمعا وقهرا واضطهدا، فهما مقهوران ذليلان لا يجدان على ذلك أعواناً ولا أنصاراً.. رواه الطبراني
أيها الناس: حفلت الأيام القليلة الماضية بجملة من الأحداث المحلية أشاعت الهلع والفوضى في أوساطنا، وأشغلت رجال الإصلاح، واحتلت مساحات واسعة في حديث الناس على اختلاف طبقاتهم ومواقعهم، وتسببت في خسائر مادية ومعنوية كبيرة، إضافة إلى الجروح والكسور التي أصيب بها معنيون وغير معنيين من عابري السبيل. تلكم الأحداث المؤسفة تتلخص في مشاكل بين الإخوة والجيران ولأسباب بسيطة أو تافهة، تطورت - نتيجة العنجهية المقيتة والعنترية الفارغة - إلى شجار عائلي كبير، أفسد على الناس معايشهم، وأفقدهم الأمن والراحة والسكون، وتسبب لهم في خسائر مادية ومعنوية فادحة، رغم أن بعض المتشاجرين يصلي مع البعض الآخر في صف الصلاة في المسجد الواحد! فما الذي دهاكم أيها القوم؟ وكيف تغفلون عن قول الله عز وجل {إنما المؤمنون إخوة}، وأين هو منكم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر"؟ ألم تسمعوا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يسلمه، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم"؟ وليس ما حدث في الأيام القليلة الماضية طفرة أو فلتة، ولكنه تيار مستمر حصل قبل ذلك مثله كثير، وما سمعنا عنه وتعاملنا معه أقل بكثير مما لم نسمع عنه ولم نتعامل معه، فالحال متشابهة في قرانا ومدننا وباديتنا، وما يحدث عندنا يعتبر صورة مصغرة عما يحدث عند غيرنا من أبناء الأمة. فالمشاكل بين الأفراد والعائلات تشبه المشاكل بين الفصائل والتنظيمات، وتشبه المشاكل بين دويلات الضرار، وهي انعكاس طبيعي لغياب سلطان الإسلام والمسلمين الذي يضبط الأمن، ويفصل بين المتخاصمين بالنصفة والعدل، ويعطي كل ذي حق حقه، ويحكم بين الناس بما أنزل الله، فيشيع جراء ذلك الأمن والأمان. فمن إقبال هذا الدين أن يتفقه الناس في الدين، ومن إدباره أن يجهل الناس أمور دينهم. وهذا ما نعانيه اليوم، فنحن نعيش حقبة زمنية غارقة في أوحال الجهل والجاهلية نظراً لغياب الدين وإدباره، بعد هدم الخلافة الإسلامية منذ نيف وثمانين عاماً. وقد شاعت في أجوائنا آثار هذا الدمار الشامل الذي أصاب المسلمين بسبب غياب دولتهم، وتعطيل قرآنهم وسنة نبيهم، وسيطرة الكفار عليهم. فنحن نتعايش اليوم مع جيل مدمَّر مسحوق، فاقد لمعاني الغيرة الإسلامية التي يريدها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توجد في المسلمين بقوله عليه الصلاة والسلام: "مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحُمَّى".
أيها الناس: نحن في فتنة دائمة، وهي شر من سلطان غشوم، والسلطان الغشوم شر من أسد حطوم، فتصوروا أيها المسلمون كم من الدمار أحدثه هذا الأسد الحطوم في أوساطنا، ففي كل يوم يهجم علينا هذا الوحش الكاسر يدمر ويقتل ويخرب ويحرق ويصطلم، ويفعل أموراً غير ذلك كثيراً. تخيلوا كم من الوقت والجهد والمال يضيع في علاج هذه المشاكل من قبل رجال الإصلاح والأطباء والممرضين والأهل المصابين، والفنيين الذين يصلحون الأعطاب الناتجة عن تكسير الزجاج وتلف المنشآت والآليات وإزالة مخلفات القصف بالحجارة وغيرها، إضافة إلى الهلع الذي يصيب الآمنين والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً. تخيلوا حالنا في فلسطين مثلاً جراء هذه الفتنة الدائمة، وحال إخواننا في العراق الذين يعانون فتنة دائمة أشد، ولا يكاد ينجو من هذه الفتنة شعب من شعوب الأمة الإسلامية، وذلك بسبب غياب السلطان الإسلامي الغشوم. فكيف لو كان على الناس إمام عادل؟ وتخيلوا ماذا يفعل أعداؤنا في نفس الوقت ممن لديهم سلطان غشوم، حيث نجوا من الأسد الحطوم، ولم يتعرضوا لفتنة تدوم. إنهم يقضون أوقاتهم في التفكير والتدبير لتحقيق مصالحهم، وإيقاع المزيد من المشاكل بيننا، فهم الذين أهلكوا سلطاننا الغشوم، ومنعونا حتى الساعة من إقامة سلطاننا العادل، وهم الذين سلطوا علينا حكاماً أقلُّ ما يقال فيهم أنهم أسودٌ حُطمة، أوجدوا فينا فتنة دامت أكثر من أي فتنة تعرض لها المسلمون في أي زمان مضى. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: إننا نعيش اليوم فترة عصيبة جداً تشكّل انتقالاً من قمة ما وصلت إليه الأمة من إدبار عن هذا الدين، وما ترتب على ذلك من فساد في التفكير والتدبير، وظهور الكفر والفتن الدائمة والأسود الحاطمة، إلى بداية الإقبال على الدين، وتلمّس الأمة طريق نهضتها، والتطلع إلى تحكيم شريعتها من الكتاب والسنة، ومبايعة إمامها، وتنصيب خليفتها، وإقامة دولتها الإسلامية الثانية الراشدة على منهاج النبوة، وقد أظل زمانها إن شاء الله. ينبغي علينا في هذه الفترة أن نساهم في تعزيز إقبال الدين بكل ما نستطيع، وأن نتجه إلى التفقه في دين الله، ومعرفة حلاله وحرامه، وكشف إجرام الحكام وأسيادهم الكفار، والعمل مع العاملين لإعزاز هذا الدين، وإيجاد السلطان العادل الذي يُشيع الأمن والأمان في حياة الناس، بعد أن يحكمهم بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وهذا يقتضي في الوقت نفسه منا جميعاً أن نعلن وبكل صراحة أننا لا نقبل بالفتنة التي تدوم، ولا نقبل بالسلطان الغشوم، ولا نقبل بالأسد الحطوم، بل نصر على أن يكون على الناس إمام عادل، يرفق بالرعية، ويدفع عنهم الأذية، ويعاملهم بالرفق والروية. فالعمل لإيجاده فرض فرضه الله على المكلفين من المسلمين، وأهميته لهم أكبر من الماء والهواء والغذاء، فبه نشرب الماء صفواً دون تعكير، ومعه نتنسم الهواء العليل، وتحت سلطانه نأكل غذاءنا بكرامة منقطعة النظير.
أيها الناس: إن العمل لإيجاد الإمام العادل يقع على رأس سلم الأولويات عند المسلمين اليوم، ذلك أن إيجاده يضع الأمور في نصابها، وينهي حالة الضياع التي تعاني منها الأمة، ويشكل نقطة تحول بين إدبار الدين وإقباله، ولا بد للناس من إمارة برةً كانت أم فاجرة، فبها تقام الحدود وتأمن السبل ويجاهد العدو ويقسم الفيء. أخرج الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ ‏"‏إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَلَ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرٌ، وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ"‏‏. فاللهم اجعلنا ممن يُقبلون على الدين، ويُقبل الدين على أيديهم، اللهم ارزقنا الصبر، وحقق لنا النصر.

..............................................................

الجمعة 12/شعبان/1426 هـ
16/أيلول/2005 م

وعد شارون ووعد بلفور

(الخطبة الأولى) أيها الناس: روى أصحاب السير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في أول خطبة خطبها في مكة: "إن الرائد لا يكذب أهله"، ولن نكذبكم بصفتنا رواداً لكم، حتى تكون الأمة الإسلامية دوماً على بينة من أمرها، تدرك ما يحاك لها من مؤامرات، وتتخذ الموقف الشرعي المناسب لها. جاء في مستهل بيان لما يسمى بالاتحاد البرلماني العربي نشر في العدد الحادي والعشرين من مجلة البرلمان ما يلي: (وتشير حقائق التاريخ إلى أن توافق المصالح الاستعمارية - الصهيونية الذي دشنه وعد بلفور الصادر في تشرين الثاني نوفمبر 1917م قد أدى إلى زرع كيان غريب في قلب الوطن العربي يفصل مشرقه عن مغربه، ويقف حائلاً دون توحيد الأمة العربية، وعائقاً في وجه نهوضها وتطويرها، مما يسهل على تلك القوى إبقاء الوطن تحت هيمنتها الكاملة). وقد صرح أحد الساسة الإنجليز القدامى بأن بريطانيا تسعى لزرع كيان غريب داخل الشرق الأوسط وتحديداً في فلسطين لمنع أي مشروع للوحدة العربية بين الأقطار التي جزأتها اتفاقية سايكس بيكو يمكن أن تشكل خطراً على الحضارة الغربية وفي نفس الوقت سيكون هذا الكيان امتداداً استراتيجياً لتحقيق أي أهداف تتطلبها المصالح الاستعمارية لاحقاً.
أيها الناس: لست بهذا أقدم الدليل على نظرة الكفار الأوروبيين ومن بعدهم ومعهم قرناؤهم الأميركيون، تلك النظرة التي تقوم على العداء السافر للإسلام والمسلمين، وبذل كل جهد مستطاع للهيمنة على بلادنا، فهذا يعتبر من نافلة القول عند كل مراقب بعد الذي شاهدناه ونشاهده في فلسطين والعراق وغيرها من بلاد العالم الإسلامي عبر عقود طويلة. ولست أحب اجترار المعلومات حول وعد بلفور أو غيره من المكائد والمصائد التي جلبت علينا الويلات والمصائب، فقد أصبح هذا الأمر تاريخاً تجاوزناه، وصفحة سوداء نسعى لتبييضها قريباً بإذن الله. ولكن الأمر الذي لا نستطيع تجاوزه والقفز عنه، بل إننا نظن أنه واقع بنا هو وعد شارون الذي ذكره في خطابه أمام الأمم المتحدة يوم أمس من اعتراف إسرائيل بحقوق للفلسطينيين منها العيش بسلام جنباً إلى جنب مع اليهود ... إلى آخره من هرطقات السياسة المعاصرة المبتذلة.
أيها الناس: انظروا كيف انقلبت الأمور، فبعد أن كان اليهود ينتظرون تحقيق وعد بلفور بفارغ الصبر في إقامة وطن قومي لهم في فلسطين، أصبحت إسرائيل تقدم الوعود للفلسطينيين بحق الإقامة في وطنهم فلسطين! وشتان بين وعد بلفور ووعد شارون، فالظروف التي واكبت وعد بلفور كانت تصب جميعاً في خدمة اليهود، حيث تزامن ذلك الوعد مع هدم الدولة الإسلامية العثمانية، وتواطئ الدولة الأولى في العالم وقتئذ، وخيانة جميع حكام العرب المنصّبين على عروش ممالك سايكس بيكو، وتلاشي الوعي السياسي عند المسلمين وأمورٍ بين ذلك كثيراً حققت الوعد وزيادة. وأما الظروف التي تواكب وعد شارون فهي على النقيض تماماً بالنسبة للفلسطينيين الموعودين، فالدولة صاحبة الوعد عدوة وليست صديقة كما كانت بريطانيا ليهود، وحكام الدول العربية عملوا على مدى عقود طويلة لكبت الفلسطينيين وقهرهم أينما وجدوا وحيثما حلوا وإلى أين ارتحلوا، وكفى بها شبهة أن تكون فلسطينياً. وقد ازدادت هرولة الدول العربية ومن ورائها من يسمون زوراً دولاً إسلامية لإقامة العلاقات مع كيان يهود، وهم يزدادون طرباً مع كل بادرة تطبيع جديدة معه، وإني أقرأ في نفوس بعضهم أنه يتمنى لو كان عبداً حبشياً يهودياً، وأنه يتوارى من القوم من سوء ما بشر به من جنسية عربية أو عقيدة إسلامية! ثم إن أبواب الهجرة اليهودية إلى أرض فلسطين قد فتحت على مصراعيها، وأما اليوم فإن الهجرة إلى القمر أو المريخ أهون من عودة لاجئ فلسطيني واحد إلى أرض فلسطين. وإن الإجراءات الأمنية المصرية والإسرائيلية على حدود قطاع غزة اليوم خير دليل على ذلك الطوق المحكم الذي فرض على سكان غزة لتحجيم حركتهم وتعطيل مصالحهم، ومنع تواصلهم مع إخوانهم في الضفة الغربية وباقي أنحاء العالم الإسلامي. يضاف إلى كل ما تقدم انتقال السلطة الفلسطينية من رام الله في الضفة إلى غزة، لتضع ثقلها في كبح جماح التنظيمات المسلحة هناك، وإثبات قدرتها على الانتقال إلى مفاوضات الحل النهائي طبقاً لخطة خارطة الطريق. وقد صرح رئيس السلطة لإذاعة مونت كارلو في 19/8 قائلاً: (لا أعتقد أن هناك ضرورة للمقاومة والسلاح، وإن التنظيمات تريد أن تذهب إلى صندوق الاقتراع وهي تسير حثيثاً نحو التحول الديمقراطي والحزبي). والسؤال الذي يطرح نفسه: بماذا سيختلف النواب الإسلاميون في مجلس عباس التشريعي عن نظرائهم المسلمين في الكنيست الإسرائيلي؟
أيها الناس: هذا عن سجن غزة الكبير، وقد أصبحت قبلةُ الفلسطينيين فيه مصرية، أما الضفة الغربية، فإلى أين تسير الأمور فيها؟ وأين هي قبلتها بعد وعد شارون لها بتكثيف الاستيطان فيها، وإكمال تشييد الجدار الفاصل، وإحكام القبضة على المعابر بين المفاصل الرئيسية فيما يبدو لنا وكأنه نقاط حدود تقليدية شاملة بينها، واعتبار المستوطنات الكبيرة جزءاً لا يتجزأ من أرض إسرائيل، والتأكيد على أن القدس عاصمة أبدية، وأمورٍ بين ذلك كثيراً؟ يعطينا كل ذلك مؤشرات على كيفية سير المفاوضات المستقبلية، وماذا سيجني الفلسطينيون الضفاويون من وعد شارون لهم. ولكن الأمر الأهم بالنسبة للضفة الغربية ما أوردته صحيفة الرأي الأردنية على لسان المدعو عبد السلام المجالي رئيس الوزراء الأردني السابق، والذي قاد الوفد الفلسطيني المفاوض تحت مظلته إلى مواخير مدريد السياسية عام 1991م. فماذا قال المجالي في محاضرته التي ألقاها في منتدى المدارس العصرية قبل أيام قليلة بعنوان: "مستقبل العلاقات الأردنية الفلسطينية"؟ لقد قدم تصورات لمستقبل هذه العلاقة، أبرزها اتفاق الدولة الفلسطينية المستقلة بعد قيامها مع الأردن لإقامة دولة تسمى "الدولة العربية المتحدة/الاتحادية"، يتم فيها انتخاب الحكومة بطريقة ديمقراطية، كما يتم انتخاب النواب والأعيان مناصفة بين البلدين، أي بمعنى أن تكون هناك سلطتان أساسيتان هما: التنفيذية والتشريعية، ويتبادل البلدان رئاسة كل سلطة، فإذا كان رئيس الوزراء من الأردن يكون رئيس مجلس النواب من فلسطين وهكذا، ويكون الملك رئيساً للدولة العربية المتحدة ليس بصفته ملكاً للأردن بل بصفته وريثاً للسلالة الهاشمية، ومظلة لجميع المواطنين. وتابع المجالي يقول: أما بالنسبة لموضوع الجنسية فستصدر جوازات السفر باسم الدولة العربية المتحدة/الأردن للأردنيين، وفلسطين للفلسطينيين، كما هو معمول به في الاتحاد الأوروبي...، وأضاف أنه بإمكان الفلسطينيين في الناصرة والجليل الدخول في هذه الصيغة وفقاً لتصورات تحفظ حقوقهم وبقاءهم في أرضهم ووطنهم....
أيها الناس: هذا هو عين المشروع الذي طرحه الملك حسين الإنجليزي عام 1972م بعنوان مشروع المملكة المتحدة الكونفدرالي، فلماذا يُبعث من جديد بعد أن قبرته المخططات الأميركية، وأقسم حسين بعدها من شدة وطأة الضغط الأميركي أنه سيشطب كلمة الكونفدرالية من قاموسه السياسي؟ عجباً كيف تبعث التوابيت السياسية العفنة من قبورها، ولا تعمل الأمة لإنعاش خلافتها التي تفوح رائحتها كالمسك رغم طول رقادها في تابوتها؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن حكام العرب والمسلمين وأعوانهم وأشياعهم وأسيادهم قد أغفلوا جملة من الحقائق وهم يسيرون في مخططاتهم الخيانية لله ولرسوله ولجماعة المسلمين، ليس في فلسطين فحسب، بل في كل مكان من العالم الإسلامي، لقد أغفلوا حقائق برزت اليوم أكثر من أي وقت مضى لتقول لهم: على رسلكم معشر المتآمرين، فالأمة الإسلامية اليوم ليست هي التي كنتم تعرفون، وأهدافها غير ما كنتم تعلمون، وتطلعاتها تختلف تماماً عن تلكم التي كنتم تعهدون. فالأمة اليوم تتطلع لإقامة خلافتها الراشدة الثانية على منهاج النبوة، تلك الدولة التي تعرفون جيداً أسلافها الذين مضوا، والأمة الإسلامية اليوم تدرك مكركم وتآمركم أكثر من أي وقت مضى بعد أن وجد فيها عمالقة العمل السياسي المبني على أصول حمل الدعوة الإسلامية، فالواحد منهم أعزل من كل سلاح وحديد يخيف طابوراً منكم مسلحاً مثقلاً بالحديد، ومنطوق كلماته يهز عروشكم، ومفهومها يخلع قلوبكم بشهادة قادتكم وأساطين سياستكم. وزيادة على ذلك فإن الأمة اليوم تعرف تماماً طريق تحرير فلسطين والعراق، وتدرك تماماً كيف يكون الانسحاب الحقيقي من بلاد المسلمين المحتلة تحت وطأة ضربات جيش الخلافة الذي نصره الله بالرعب مسيرة شهر. فلم تعد تنخدع بالانسحابات التافهة، ولم يبق فيها إلا بقية من جهل وعنجهية وعناد وضلال في طريقها إلى الزوال قريباً بإذن الله. والأمر الأكثر إغفالاً عند هؤلاء القوم المجرمين أن الله عندما يأذن بالاستخلاف للذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنه سيمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وسيبدلهم من بعد خوفهم أمناً. فمن كان هذا حاله، فهل له من غالب؟ {إن ينصركم الله فلا غالب لكم}.
ابو رافت
الجمعة 19/شعبان/1426 هـ
23/أيلول/2005 م

نسوا الله فأنساهم أنفسهم
(الخطبة الأولى) أيها الناس: قال تعالى {ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون}، قال سفيان: نسوا حق الله فأنساهم حق أنفسهم، وقيل: نسوا الله في الرخاء فأنساهم أنفسهم في الشدائد، وقيل: تركوا طاعته فأنساهم أنفسهم أن يقدموا لها خيراً. وقال الإمام القرطبي: أي تركوا أمره فأنساهم أنفسهم أن يعملوا لها خيراً، وقال سهل بن عبد الله: نسوا الله عند الذنوب فأنساهم أنفسهم عند التوبه. ونسب تعالى الفعل إلى نفسه في "أنساهم" إذ كان ذلك بسبب أمره ونهيه الذي تركوه. وقيل: نسوا الله بترك شكره وتعظيمه فأنساهم أنفسهم بالعذاب أن يذكر بعضهم بعضاً، حكاه ابن عيسى. وهنا مربط الفرس وبيت القصيد! لماذا لم يعد بعض المسلمين يذكر البعض الآخر؟ ولماذا يعاني بعضهم من الويلات الشديدة، وتعصف بهم المذابح الرهيبة ولا يتألم البعض الآخر بل لا يكاد يحس بها؟ وهل يتصور أن يفتك العدو ببعض المسلمين ونرى البعض الآخر لا يحرك ساكناً؟ والأنكى من ذلك أن البعض الآخر هذا لا يعرف ماذا يحصل للبعض الأول، بل لا يعرف عنه شيئاً، وأكثر من ذلك فإنه يغلط في أبجديات الأخوة الإسلامية، بل إنه يهرف بما لا يعرف، ويتلفظ بألفاظ لا تمت بصلة لموضوع السؤال. وإليكم البيان: قام أحد مراسلي محطة فضائية واسعة الانتشار بالتجول مؤخراً في أحد شوارع المسلمين، وسأل عينةً عشوائية من الشباب المسلم عن أنديجان، فكانت الإجابات مخيبة للآمال، وتعكس حالة من الجهل المطبق عند شباب المسلمين على كثير من قضايا الأمة الساخنة في زماننا. حيث قال كثير منهم: لا نعرف ما هي أنديجان، ولا أين تقع، وقال آخرون: إنه فريق كرة قدم أوروبي، وقال آخرون: إنه اسم لأغنية أو مسرحية أو ممثلة، ولربما قال البعض إنه حيوان بحري غريب، أو أكلة شعبية من مشتقات الباذنجان، أو مرض خبيث يصيب المسلمين المهتمين بقضايا الأمة.....
أيها الناس: ما هذا النسيان لبعضنا البعض؟ ألسنا بالمؤمنين الذين قال الله فيهم {إنما المؤمنون إخوة}؟ ألسنا من وصفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى؟ لماذا لا يهتم البعض منا بشؤون البعض الآخر؟ وما هو الجواب على كل هذه الأسئلة؟ فإن لم يوجد جواب بعد فلا بد لنا من البحث عنه مهما كلف الأمر.
أيها الناس: إن الجواب بسيط جداً، فأجزاء الجسد الإسلامي مقطعة بفعل الكيانات التي أقامها الكفار في بلاد المسلمين لمنع التواصل بينها، فكيف يحس العضو المبتور من الجسد بما يحصل للعضو الآخر؟ وهذه قضية عضوية، فإن لم تكن عضوية فهي "ميكانيكية" إن صح التعبير، فكيف لقطعة غير مثبتة في موقعها من الجهاز أو "الموتور" أن تؤدي دورها؟ فليس غريباً بعد ذلك أن يشكل السودان حكومة بعد قتل مليونين من أهله فيما عرف بالحرب الأهلية، ثم يقفز حاكمه فوق كل تلك الجثث والجماجم ليشكل حكومة تضم أعداء الأمس وخصوم الأمة والمتمردين على الحكومة المركزية فيصير زعيم المتمردين من البطانة، ويصبح الناطق الرسمي باسمها وزير خارجية كافر! وليس غريباً أن يحاكم المسلمون في الأردن ومصر وباكستان وتركيا وغيرها من بلاد المسلمين وكل ذنبهم أنهم يقولون ربنا الله، ويريدون إقامة خلافة راشدة على منهاج النبوة! وليس غريباً أن تقبع أمهاتهم وزوجاتهم وبناتهم وكل من يناصرهم من النساء العفيفات المؤمنات في سجون الطواغيت، ويلاقين أشد ألوان العذاب والقهر والعدوان على أنفسهن وأعراضهن وأطفالهن. وليس غريباً أن يهب الغرب لسحق الحركات الإسلامية فيه وفي العالم أجمع، وقد رمانا الغرب عن قوس واحدة! فها هي بريطانيا تقيم مجلساً استشارياً للأئمة فيها مفصلاً على مقاسها، وتنشئ منتدى وطنياً وتشن حملة وطنية لمكافحة ما يسمونه بالإرهاب والتطرف، وتعمل لإرساء قواعد ما يسمونه بالاسلام الوسطي أو المعتدل. وليس غريباً أن يُقتل المجاهدون في جنين والفلوجة والقائم وتلعفر وغيرها من البؤر الساخنة دون أن يتحرك من بيدهم القوة والمنعة من أبناء المسلمين لوقف تلك المجازر الرهيبة! وليس غريباً أن تدير أميركا شبكةً محترفة من الحرب القذرة في العراق، يقال لها الفئران القارضة، لا تعترف بقيم ولا بخلق، تغزو بمتفجراتها الأسواق الشعبية والمساجد وأماكن تجمع العمال وتتقصد العلماء في علوم الدين والدنيا، لتقتل المئات من المسلمين وتلقي باللائمة على أشخاص لا يعلم إلا الله إن كانوا أحياءً أو أمواتاً، ليبرءوا أيدي الأميريكيين منها، ولتجفف المستنقع الذي وقعت فيه قوات أولئك الكفار المستعمرين! وليس غريباً أن يذبح الآلاف في أنديجان برصاص الغدر والقتل بدم بارد، ويمنع الصحافيون ودعاة حقوق الإنسان من مشاهدة ما حصل أو التحقيق فيما حصل، وتمر المأساة وكأن شيئاً لم يكن في تعتيم إعلامي كامل يشبه التعتيم الإعلامي الذي يرافق عادة مذابح الشعوب البريئة كما حصل في أميركا مع الهنود الحمر، وفي أستراليا مع الأبروجينيز، وفي بعض مناطق آسيا وأفريقيا. وليس غريباً أن تتجاهل زعامات فلسطين دماء الشهداء وجراحات الجرحى لتقفز إلى حلول ناتئة مبتورة أشبه ما تكون بألهيات كاذبة تسكت صراخ أطفال الحجارة، وما في القدر إلا ماء وحجارة!
جاء في الحديث الذي أخرجه الشيخان في صحيحيهما، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). فاعملوا أيها المسلمون على أن تكونوا كالجسد الواحد، وهذا لا يتأتى إلا بالعمل مع العاملين المخلصين الواعين على قضايا المسلمين، والهادفين لإقامة دولة خلافة المسلمين الراشدة الثانية على منهاج النبوة التي تجمع شتات المسلمين، وتنظم حبات خرزهم المتناثرة ليعودوا خير أمة أخرجت للناس. فاللهم اجعلنا من جنودها وشهوها، ومن العاملين المخلصين لإقامتها. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن هناك قضية خطيرة لا بد من التنبيه عليها في هذا السياق الخطير، فالقضية متعلقة ببقاء الأمة أو هلاكها، والتحذير من الله شديد بأن لا ننساه فينسينا أنفسنا، وإذا نسينا أنفسنا فقدنا اتصال بعضنا ببعض على أساس العقيدة والشريعة، وإذا فقدنا هذا الاتصال تمكن العدو منا، واخترق الذئب المتربص صفوفنا، ودمرنا وأهلك حرثنا ونسلنا. تلكم القضية الخطيرة هي الإعلام ودوره في تخريب العقول وإفساد الأذواق وتفتيت وحدة الأمة وتفريق جماعتهم ومنع رجوعهم إلى دينهم. فبالله عليكم، لو سألتم أحداً من أولئك الشباب الذين سُئلوا عن أنديجان فلم يعرفها أحد، لو سُئلوا عن ممثلة سينمائية ساقطة أو لاعب كرة قدم عقله في قدميه، فهل كان سيتردد أحدهم لحظة واحدة قبل الإجابة الصحيحة؟ كلا، فعقله محشوٌّ بالمعلومات عن أمثال هؤلاء، ونفسه مثقلة بالبرامج واللقاءات والعروض المتكررة عنهم، والإعلام يذكرهم أكثر من ذكره لله ورسوله والصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان. ووالله إني أجريت اختباراً عفوياً لبعض قومي فسألتهم عن رجل من أهل بيعة العقبة الثانية واسمه العباس بن عبادة بن نضلة فلم يعرفه أحد، ولما سألتهم عن ممثل مشهور تدافعت الإجابات لتعطي اسم ذلك الممثل وأشهر أفلامه ومعلومات أخرى عنه وعن أقرانه من الممثلين والممثلات الأحياء منهم والأموات!
أيها الناس: هذا الإعلام الكاذب المضلل تشرف عليه أجهزة الحكم القائمة في العالم الإسلامي التي لا تحكم بما أنزل الله، وتنفق عليه تلك الحكومات أموالاً طائلة، بغرض تخريب العقول، وتغييب الحقائق عن أبناء المسلمين، وإلهائهم في أمور تافهة سفسافة، وتصرفهم عن عظائم الأمور وسبل النهضة الحقيقية، وتحرفهم عن مسار التغيير الصحيح الذي يخلصهم مما هم فيه من شقاء في المعيشة، وغضب من رب البرية. فلنعمل جميعاً لقطع رأس الأفعى المتمثلة بالحكام الخونة، ولنضربهم على أمهات رؤوسهم ضربة رجل واحد، وقد أزف وقت التغيير، والأمة اليوم مهيأة بإذن الله لعمل نظيف مخلص جاد، وترنو للخلافة، وقد ملت الألاعيب وحرق الوقت والتضليل. وكذلك فإن الظرف العالمي مهيأ لإقامة الخلافة، والانتظار أكثر يضر بالقضية، فسارعوا يرحمكم الله إلى العمل، وانضوا عن أعطافكم الكلل والملل، وقوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فهذا وعد الله، ولن يخلف الله الميعاد.
.......................................


الجمعة 11 رمضان 1426 هـ
الموافق 14 تشرين أول 2005 م

مَنْ للإسلام والمسلمين؟
(الخطبة الأولى) أيها الناس: تتصدر أخبار قتل المسلمين وذبحهم وتشريدهم معظمَ وسائل الإعلام العالمية والمحلية، وتضيق مساحات الإعلام تلك عن الإحاطة بمآسي المسلمين اليومية من فقر وجهل ومرض، ولا يخلو جدول أعمال اجتماع قمة لصانعي القرار في العالم أو أدنى من ذلك من مكيدة من المكائد التي تحاك ضد المسلمين، أو قرار من القرارات التي تحظر أو تهدد بحظر جماعة أو جماعات من المسلمين، وطرد أو ملاحقة أو اعتقال بعض أفرادها. ولا يمر يوم إلا وتمخر عباب السماء فيه أنّات المعذبين في غياهب السجون والزنازين، يسمعها الثقلان إلا من أصم الله قلبه وأعمى بصيرته وطبع على قلبه، وقد لامست صرخات أولئك المعتقلين والمعتقلات أسماع الدنيا بأسرها، ولكنها لم تلامس نخوة معتصم أو رشيد أو عزيز أو فاروق.
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً
فالظلم ترجع عقباه إلى الندم
تنام عينك والمظلوم منتبهٌ
يدعو عليك وعين الله لم تنم
أيها الناس: من الذي تولى كبر هذا الظلم الفاضح بحق الإسلام والمسلمين؟ من الذي يمكر بهم بالليل والنهار ليذيقهم بأسه، ويقضي على البقية الباقية منهم؟ تعالوا بنا نحدد أعداءنا ونسميهم بأسمائهم، فنحن لا نحارب أشباحاً، ولا نصارع مجهولين، ونحن نعلم أن كل مصيبة تقع على رؤوسنا فإنه يقف وراءها جهة أو جهات حاقدة على الإسلام والمسلمين، يتربصون بنا الدوائر، ويودون لنا العنت، قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر. فهذا وزير الداخلية البريطاني يصرح لدى اجتماعه مع نظيره الأميركي بعد أن طار إليه ليبلغه بحظر خمسة عشر تنظيماً إسلامياً تحت ستار مكافحة ما يسمى بالإرهاب، يصرح بإن هناك قضايا لا يمكن التفاوض بشأنها وهي: إعادة الخلافة الإسلامية، وفرض تطبيق الشريعة الإسلامية، والإجحاف بما أسماه المساواة بين الجنسين، والقضاء على حرية التعبير. وقد أطلق على هذه القضايا بأنها ثوابت قيمية عندهم لا تخضع للمساومة. وهذا رئيس الولايات المتحدة الأميركية يقولها بملء الفم: "إن العقيدة القاتلة للمسلمين هي التحدي الكبير في زماننا، كما كانت العقيدة الشيوعية في الماضي، وذلك لأنهم يريدون إقامة خلافة إسلامية تمتد من إسبانيا وحتى أندونيسيا". وهذه وزيرة الخارجية البرتغالية تقول لدى زيارتها المفاجئة لبغداد: "إن العراق لن يصبح دولة إسلامية". وهذا غيض من فيض من أقوال قادة الكفر الغربي، وليس قادة الكفر الشرقي أقلَّ خوفاً من نهوض المسلمين من كبوتهم، وليست قبضتهم الحديدية على المسلمين بأقل من قبضة الغربيين، فالكل في حرب الإسلام والمسلمين سواء.
أيها الناس: قد يقول قائل لماذا تلومون الكفار على أقوالهم وأفعالهم، فتلك سجاياهم مع المسلمين منذ أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم، وستبقى حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولكن لوموا حكام المسلمين الذين فتحوا لهم البلاد وسخروا لهم العباد. فهم الذراع الباطشة المتقدمة للغرب والشرق في بلاد المسلمين، وأعمالهم وأقوالهم وتقصيراتهم في رعاية المسلمين قد أصبحت واضحة فاضحة تنطق بكل لسان، ويشهد بها كل بنان. فمن الذي سهل للأميركان احتلال أفغانستان والعراق؟ ومن الذي يعينهم في كبت الشعوب وقتل الأبرياء وصياغة الدساتير الكافرة؟ ومن الذي أقام لهم القواعد العسكرية والفكرية والإعلامية في بلاد المسلمين؟ ومن الذي يلاحق المطلوبين من المجاهدين وحملة الدعوة المخلصين؟ ومن الذي يدجن بعض الإسلاميين حتى يتسموا بالوسطيين أو المعتدلين ليقفوا في وجه المتشددين بزعمهم؟ أليس من يقوم بكل ذلك هم الحكام الطواغيت وأجهزتهم وجلاوزتهم وزبانيتهم؟
أيها الناس: بعد أن عرفنا أعداءنا وشخصناهم، فماذا ينبغي علينا أن نفعل بهم؟ ويأتيكم الجواب مباشرة من القرآن الكريم في قول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط}، وفي قوله سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء}، وتبرز المفاصلة التامة في قوله صلى الله عليه وسلم: (والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه). هكذا وبكل وضوح نحن وإياهم على طرفي نقيض، ما نلتقي لو ينطق القمر.
أيها الناس: في خضم هذه الحرب الضروس، يظن أصحاب القوة المادية المتغطرسون أنهم قادرون على كبح جماح المستضعفين من المؤمنين، ويقولون بلسان فرعون: إن هؤلاء لشرذمة قليلون، وإنهم لنا لغائظون، وإنا لجميع حاذرون. وهذا اعترافٌ من الفراعنة أياً كانوا على أن أهل الحق خطرون ومزعجون لهم ولنظامهم ولدولتهم، ويشكلون خطراً مباشراً عليهم وعلى حضارتهم وقيمهم. فإذا كانوا شرذمة قليلين، لا وزن لهم ولا قيمة، فكيف يكونون غائظين لدول كبيرة وخطرين عليها؟ ولماذا كل هذا الحذر منهم ومن أهدافهم؟ إنه تناقضٌ آخر يقع فيه الفراعنة فإذا كنا شرذمة قليلين فلماذا كل هذا الانشغال بنا والاستنفار لنا والحذر منا؟ نفوض أمرنا إلى الله، عليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: لا يعلم هؤلاء الذين يحادون الله ورسوله ويكبتون المسلمين أنهم في الأذلين، وأن الله كتب بأنه سيغلب هو ورسله وأتباع رسله في معركة فاصلة وشيكة، تقلب الطاولة في وجوههم، وتردهم على أعقابهم خاسرين، فالله مولانا ولا مولى لهم. وبما أنهم لا يعلمون، وفي غيهم سادرون، فلا يضيرنا أن نعلمهم بذلك، فسيزيدهم غيظاً فوق غيظهم، فنقول: أيها الكفرة، أيها الظلمة، أيها الفسقة: لقد أعدتم لنا ما أعدتم، وظننتم أنكم قادرون على حسم المعركة معنا عاجلاً لا آجلاً، ولكنكم لا تعلمون ماذا أعتدنا لكم في المقابل. وسنكشف لكم أسلحتنا التي نتوعدكم بها، ليهلك من هلك عن بينة، يحيى من حي عن بينة. إننا نتوعدكم بوعد الله لنا بالنصر، ونتوعدكم بالشياطين تؤزكم أزاً، ونتوعدكم بالملائكة ترعانا وتدعو لنا وعليكم، ونتوعدكم بالتزامنا بشرع الله ومعاصيكم التي تنوء بالعصبة أولي القوة، ونتوعدكم بسهام دعائنا التي نطلقها في جوف الليل عليكم، ونتوعدكم بعاملين مخلصين كخلايا النمل والنحل، يواصلون الليل مع النهار على خطى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، يهدفون إلى بناء بيت الخلافة الإسلامية الثانية الراشدة على منهاج النبوة، والتي ستدك معاقلكم، وتهدم عروش الكفر والطغيان، وما قوم فرعون منكم ببعيد.
أيها الناس: بالله عليكم، أي الفريقين أحق بالأمن؟ وأيهما ستكون له الغلبة؟ وهل يهزم جمع فيهم هذه الأصناف من الرجال والنساء العاملين المؤمنين المخلصين، ومعهم جبار السماوات والأرض؟ وأما جمع الكفار فقد مضت فيهم سنة الأولين: سيهزم الجمع ويولون الدبر، بل الساعة موعدهم، والساعة أدهى وأمر.
ابو رافت
الجمعة 18 رمضان 1426 ه
الموافق 21 تشرين أول 2005 م

محاكمة صدام ورفاقه المجرمين
(الخطبة الأولى) أيها الناس: بدأت أخيرا محاكمة الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين ورفاقه بعد عامين على اعتقاله أمام المحكمة العراقية الخاصة التي أنشأها الحاكم الأميركي السابق للعراق بول بريمر، وسط متابعة عالمية غير مسبوقة. وقد أثارت كل من المحكمة والمحاكمة في يومها الأول الكثير من التساؤلات سواء عن شرعيتها أو إجراءاتها الفنية من صوت وصورة وإعداد الشهود وتكافؤ الادعاء مع فريق الدفاع، وغير ذلك من الأمور التي يراقبها القانونيون باهتمام بالغ. ورأى خبراء قانونيون أن هناك مشكلة تتعلق بتوقيت المحكمة والكيفية التي تأسست بموجبها، وتوقيتها حيث جاءت بعد الاستفتاء على الدستور، وما أحدثه من شرخ طائفي وعرقي في المجتمع العراقي. وتحدث محامو صدام عن وجود خلط غير منطقي وغير قانوني في المحاكمة، وأنها معدة سلفاً وليست بثاً مباشراً، وغير ذلك من أمور يطول شرحها، لا بل مجرد نقلها.
أيها الناس: ما هذه المهزلة؟ وما هذا القانون؟ ولماذا تعقد أصلاً مثل هذه المحاكمة لشخص يشهد عليه القاصى والداني في الأرض كلها، وعلى الأقل في العالم الإسلامي، بل قل في العراق بأنه قاتل مجرم بعثي كافر عميل سفك الدماء وحكم بما أنزل الله، وعاث هو وأبناؤه وأزلامه في الأرض فساداً ردحاً طويلاً من الزمن؟ ما هذا الاستهتار بعقول الناس بل بعقول المسلمين، فتعرض عليهم هذه التمثيليات الحقيرة والمسرحيات القذرة والمسلسلات الدموية القاتلة من قبل أعدائهم الأميركيين والحلفاء الكفار من ورائهم ليوهموهم بأن الأمور تسير من سيء إلى حسن، وأن عهد الطغيان قد ولى، وأن المجرمين في قبضة العدالة، وأن مع العسر يسراً؟ لماذا كل هذه الجلبة؟ فالمسألة في غاية البساطة، إذ لو ولي الناس إمام عادل لتصرف فيها على النحو التالي: رجل ملك أمر الناس في غفلة منهم، فظلم وتجبر واستكبر وعلى في الأرض، ثم قدروا عليه وتمكنوا منه، يهدر دمه فيفوز بقتله أول من يتمكن منه والسلام فرغ الدعاء. وإليكم الدليل من الكتاب والسنة. يقول الله تعالى {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم، إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم). وقد أهدر النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح دماء رجال ونساء وسماهم بأسمائهم وقال: إن وجدتموهم تحت أستار الكعبة فاقتلوهم، فقتل بعضهم وهو متعلق بأستار الكعبة. منهم الحويرث بن نقيذ فإنه كان يؤذي النبي، فأهدر دمه، فبينا هو في منزله يوم الفتح قد أغلق عليه، وأقبل علي يسأل عنه، فقيل هو في البادية، فأخبر الحويرث أنه يطلب، وتنحى علي عن بابه، فخرج الحويرث يريد أن يهرب من بيت إلى بيت آخر، فتلقاه علي فضرب عنقه. وروى أن رجلا كان يسب النبى فقال: من يكفينى عدوى؟ فقال خالد: أنا، فبعثه النبى إليه فقتله. وقال ابن إسحاق: حدثني الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: مما صنع الله لرسوله أن هذين الحيين من الأنصار، الأوس والخزرج، كانا يتصاولان معه تصاول الفحلين، لا يصنع أحدهما شيئاً إلا صنع الآخر مثله، يقولون: لا يعدون ذلك فضلاً علينا في الإسلام وعند رسول الله، فلما قتل الأوس كعب بن الأشرف تذكرت الخزرج رجلاً هو في العدواة لرسول الله مثله، فتذاكروا ابن أبي الحقيق بخيبر، فاستأذنوا رسول الله في قتله، فأذن لهم، وذكر الحديث إلى أن قال: ثم صعدوا إليه في علية له، فقرعوا عليه الباب، فخرجت إليهم امرأته، فقالت: من أنتم؟ فقالوا: حي من العرب نريد الميرة، ففتحت لهم وقالت: ذا كم الرجل عندكم في البيت، وذكر تمام الحديث في قتله. وعن محيصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه، فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنية رجل من تجار يهود كان يلابسهم ويبايعهم فقتله. وكان حويصة بن مسعود إذا ذاك لم يسلم، وكان أسنَّ من محيصة، فلما قتله جعل يضربه ويقول: أي عدو الله قتلته، أما والله لرب شحم في بطنك من ماله، فوالله إن كان لأول إسلام حويصة، فقال محيصة: فقلت له: والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لضربت عنقك، فقال: لو أمرك محمد بقتلي لقتلني؟ فقال محيصة: نعم والله، فقال حويصة: والله إن ديناً بلغ هذا منك لعجب. وفي الصحيحين من حديث الزهري عن أنس أن النبي دخل مكة عام الفتح، وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: اقتلوه. وعن ابن المسيب أن أبا برزة أتاه وهو متعلق بأستار الكعبة فبقر بطنه. وذكر الواقدي أن ابن خطل أقبل من أعلى مكة مدججاً في الحديد، ثم خرج حتى انتهى إلى الخندمة، فرأى خيل المسلمين ورأى القتال، ودخله رعب حتى ما يستمسك من الرعدة، حتى انتهى إلى الكعبة، فنزل عن فرسه وطرح سلاحه فأتى البيت فدخل بين أستاره. وكان جُرمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمله على الصدقة، وأصحبه رجلا يخدمه، فغضب على رفيقه لكونه لم يصنع له طعاماً أمره بصنعه فقتله، ثم خاف أن يقتل فارتد واستاق إبل الصدقة، وأنه كان يقول الشعر يهجو به رسول الله ويأمر جاريتيه أن تغنيا به، فهذا له ثلاث جرائم مبيحة للدم: قتل النفس، والردة، والهجاء.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: هكذا كان يجب أن يُفعل بصدام ورفاقه المجرمين لو أن الخلافة قد قامت في العراق قبل الغزو الأميركي لها، ولكن قدر الله وما شاء فعل، وتلك أرض الله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. ولكن هذا الحكم الذي كان سيصدر بحق صدام ورفاقه المجرمين لا يتغير بتغير الزمان والمكان، وسيبقى عاملاً حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وعندما تقوم الخلافة الإسلامية في أي قطر من أقطار العالم الإسلامي فإنها ستطبق هذا الحكم على حكامه ورفاقهم المجرمين من أساطين المخابرات والوزارات وجنرالات التعذيب والإعدام وسارقي أموال الناس وناهبي ثروات الأمة، ولن تأخذنا بهم رأفة في دين الله ولو تعلقوا بأستار الكعبة. ويا لها من ساعة تعيد للمسلمين اعتبارهم بعد طول معاناة وأذى أصابهم من حكامهم! ويا له من يوم ننتظره بفارغ الصبر ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة! ويا لها من مشاهد تشفي صدور قوم مؤمنين، يرضى عنها ساكن الأرض وساكن السماء عندما تُزلزل عروش الطغاة الظالمين، ويطاح بهاماتهم التي طالما ارتفعت بالباطل، وتُسترد أموال الأمة التي سلبت. عندها لن يكون لدينا متسع من الوقت لإجراء محاكمات لهم، فصدام وميلوزوفيتش وباقي الملوك والرؤساء الذين فتكوا بالأمة سيصدر عليهم حكم واحد هو إهدار دمائهم، ولا يهمنا بعد ذلك من يفوز بذلك، والمهم أنا سنعجل بهم إلى الله، فهو العزيز الجبار المنتقم. فاللهم مكنا من رقابهم وامنحنا أكتافهم وانصرنا على كافة أعدائنا.

..............................................................

الخميس 1 شوال 1426 هـ
الموافق 03 تشرين ثاني 2005 م

المهاجرون ضيوف فأكرموهم

(الخطبة الأولى) الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أيها الناس: كثير هو الظلم في الأرض، ويكبر حجم هذا الظلم أحياناً إلى حد يدفع المظلوم للزهد في أرضه وداره وأهله وماله وذكرياته، ليهيم على وجهه في أرض الله الواسعة طلباً للأمن والأمان، عند قوم فيهم مظنة تحقق قدر من الأمن والأمان يحفظ عليه كرامته ودينه وما تبقى لديه من مال.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، فإذا كان المضيف صاحب أريحية وخلق رفيع فإنه يحفظ على ضيفه كرامته، ويسكن من روعه، ويحتضنه فلا يحس بمرارة الغربة، بل وينسيه قساوة الظالمين الذين أخرجوه من أرضه وداره وأهله وماله وذكرياته، وهذا هو المأمول، ولولا ذلك لما هاجر إليه المظلوم.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، إن حسن الضيافة خلق كريم وحكم شرعي أكيد وعرف عام صالح عند الأقوام التي تحترم نفسها، وتحافظ على دينها وقيمها، وأما الإساءة للضيف فهي خلق ذميم وحرام شرعاً وتصرف بذيء، ولا يقوم به إلا من خان دينه وخالف ربه وأساء إلى سلم القيم الرفيعة التي تواضع عليها الناس عبر العصوروالآوان. فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه".
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، وقد روى لنا التاريخ الموثوق صوراً من حسن الضيافة وإكرام المهاجرين ما يجعلنا ننحني لها إكباراً واحتراماً وتقديراً. فهذا نجاشي الحبشة قد فتح ذراعيه للمهاجرين من المسلمين الذين وفدوا إليه بعد الظلم الفاضح الذي ألحقه بهم طواغيت قريش. قال ابن إسحاق:‏‏ فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يُصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، بمكانه من الله ومن عمه أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم‏‏:‏‏ لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة، وفراراً إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة كانت في الإسلام، فانحاز المهاجرون إلى مملكة أصحمة النجاشي آمنين. تقول السيدة أم سلمة رضى الله عنها: "فخرجنا إليها أرسالاً حتى اجتمعنا بها فنزلنا بخير دار إلى خير جار، أمنا على ديننا ولم نحس منه ظلما. وقال لهم: اذهبوا فأنتم سيوم أو شيوم بأرضي من سبكم غرم، والسيوم أو الشيوم: الآمنون في لسانهم، ثم قال‏‏: ما أحب أن لي دبراً من ذهب، يقول جبلاً من ذهب وأني آذيت رجلاً منكم. وكان مما قال‏‏:‏‏ والله لا أُسلمهم، ولا يُكاد قومٌ جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي. وقد فرح المهاجرون بانتصار النجاشي على عدوه لما قام بانقلاب عليه، ودعوا له بذلك.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أيها الناس: هناك صورة أروع منها، وقد أثنى الله على أصحابها الأنصار في كتابه الكريم لِما فعلوه بضيوفهم من المهاجرين، حيث أكرموهم أيما إكرام. وهل هناك إكرام أعظم من أن يبلغ الأمر ببعض الأنصار أن يعرض على أخيه المهاجر نصف ماله، وأن يطلق إحدى زوجتيه ليتزوجها بعد عدتها؟!
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، يا لها من مؤاخاة حقيقية صادقة، فكما أثنى الله على المهاجرين، أثنى على من أحسنوا استقبالهم ونصرتهم، فقال جل شأنه {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجرى تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم}، وقال سبحانه {والذين تبوأوا الدار والأيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار". ووضع ميثاقاً عظيماً لتنظيم العلاقة بين المقيمين من المهاجرين والأنصار واليهود فى المدينة المنورة، وسميت المدينة بدار الهجرة والسُّنة، وصارت الهجرة إليها من سائر الأنحاء الأخرى التى بلغها الإسلام تقوية للدولة إلى أن قال النبى صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة ودخول الناس فى دين الله أفواجأ: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية واذا استنفرتم فانفروا"، وبقى معنى الهجرة فى هجر ما نهى الله عنه، وبقيت تاريخا للأمة المجيدة.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أيها الناس: هل أتاكم نبأ المهاجرين إلى بلاد الحرية وحقوق الإنسان فرنسا؟ وهل علمتم ماذا يفعل المضيفون بضيوفهم في هذا الزمان الذي أهدرت فيه كرامة الإنسان وهو في بلده ووطنه الذي ولد فيه هو وآباؤه وأجداده، فضلاً عن كرامته إذا كان ضيفاً عند غيره؟ حيث تواصلت أعمال العنف التي انطلقت شرارتها الأولى الخميس الماضي إثر وفاة مراهقين في ضاحية فقيرة من ضواحي باريس أثناء محاولتهما الاختباء داخل غرفة محول كهربائي بعد أن ظنا أن الشرطة تلاحقهما. واتسعت دائرة العنف لتشمل تسع دوائر أخرى بالضاحية الباريسية، وقال مصدر في الشرطة إن أكثر من مائة سيارة أحرقت، كما تعرضت ثكنة لرجال الإطفاء لرمي الحجارة، واعتقلت الشرطة عشرات الأشخاص مما أعاد الهدوء النسبي. وقال الرئيس الفرنسي شيراك أمام مجلس الوزراء: "على النفوس أن تهدأ، ويجب تطبيق القانون بشكل صارم لكن بروح الحوار والاحترام"، مؤكدا أن "غياب الحوار وانعدام التقدير يمكن أن يقودا إلى وضع خطير". وطلب من الحكومة أن تتقدم ضمن مهلة شهر في مجلس الوزراء باقتراحات لتسريع وتعزيز فاعلية التدابير المتخذة من أجل إيجاد فرص متكافئة للجميع في المجتمع الفرنسي. خيبك الله وخيب حكومتك، وأين كانت سياسة تكافؤ الفرص قبل ذلك؟ وهل أنتم بحاجة إلى ثلاثة قرون أخرى حتى تطبقوا ما ناديتم به في ثورتكم الفرنسية من الإخاء والحرية والمساواة قبل ثلاثة قرون؟ ألا ساء ما تحكمون!
(الخطبة الثانية) الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أيها الناس: ليس الأمر مقتصراً على فرنسا وإساءاتها للمهاجرين الذين خُدعوا بها وظنوها أُمّاً للحضارة فإذا هي عالة على الحضارات كلها، بل إن أميركا وبريطانيا وإسبانيا وغيرها من الدول الاستعمارية قد آذت المهاجرين إليها أذىً بليغاً، ولحقت بعضهم إلى عقر دارهم تغزوهم وتنهب ثرواتهم وتقتل رجالهم وأطفالهم وتستحيي نساءهم، وقد علوا في الأرض بطريقة فرعونية بشعة. ويا ليت الأمر وقف عند تلك الدول الكافرة المستعمرة، بل إن أعراض المرض قد انتقلت إلى حكام وشعوب دويلات الصرار القائمة في العالم الإسلامي، ولم تكن أقل سوءاً من أسيادها، فظلم ذوي القربى أشد مضاضة. وما حصل في السودان والأردن ومصر ولبنان والمغرب والكويت وغيرها من أقزام الفراعنة تجاه المهاجرين والوافدين منكم ببعيد، وهو حري أن يسجل في صفحات التاريخ السوداء.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ماذا بقي مغطىً من عورات هؤلاء القوم وأتباعهم وعملائهم؟ وهل لا زال فينا من يثق بهم ويأمل منهم أن يعالجوا قضايانا؟ وهل ما زال بعض علمائنا ينادي بخلافة على منهاج الاتحاد الأوروبي المضياف؟ أفيقوا أيها الناس، فالحل يكمن في خلافة على منهاج النبوة، ولا داعي لإضاعة الوقت بعد أن انكشف المعلوم، وافتضح أمر القوم، وأصبحت الخلافة على الأبواب، فانزعوا عن تبعيتكم للغرب وانخداعكم بحضارته الزائفة التي لا تكرم ضيفاً، ولا ترقب في مؤمن إلاً ولا ذمة، وعودوا إلى دينكم وأمتكم وحضارتكم التي ضربت أروع الأمثلة في المحافظة على حقوق الإنسان وتحقيق القيم الرفيعة في كل مجالات الحياة، بل ويأمن فيها الذمي على نفسه وماله أكثر مما يأمن المسلم، حيث لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من آذى مسلماً فقد آذاني، بل قال: من آذى ذمياً فقد آذاني.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أيها الناس: في هذا اليوم الفضيل وبعد انقضاء الشهر الفضيل أسأل الله أن يتقبل منا ومنكم الطاعات، وأن يكرمنا الله قريباً بخلافة راشدة ثانية على منهاج النبوة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وسِّعوا على عيالكم، وصِلوا أرحامكم، واصفحوا الصفح الجميل، وكل عام وأنتم بخير.

.
ابو رافت
الجمعة 2 شوال 1426 هـ
الموافق 04 تشرين ثاني 2005 م

هل الإسلام حلٌ أم بديل؟
(الخطبة الأولى) أيها الناس: روى البخاري في صحيحه بسنده عن أبي موسى الأشعري، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أحدٌ أصبر على أذى سمعه من الله، يدَّعون له الولد، ثم يعافيهم ويرزقهم). وأي صبر من أن يؤذي المخلوق الضعيف الحقير، يؤذي ربه وخالقه، ومع هذا الأذى يصبر الله عز وجل عليه، ولا ينتقم منه، بل يعافيه في بدنه، ويرزقه من الطيبات. هل تعلمون صبراً أعظم من هذا؟ لو أن أحدكم لحقه ضرر أو أذى من أي شخص، تجده لا بد أن ينتقم منه، ولو صار طيباً فإنه يتجاوز عنه، لكن أن يصل الأمر أن يحسن إليه، فهذا لا يحصل إلا من عظماء النفوس. لكن السؤال الآن: كيف يكون أذى الإنسان لربه؟ أو ما هي الصور والمجالات التي يؤذي فيها الإنسان ربَّ العزة. إن صور الإيذاء كثيرة، وكثيرة جداً، منها بل أعظمها، ما ذكر في الحديث، وهو نسبة الولد إلى الله عز وجل. ومن الإيذاء، ارتكاب المنهيات، والإصرار عليها، فكل معصية يفعلها العبد، تعتبر أذية لله عز وجل، وكل مخالفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، تعتبر أذية لله عز وجل. فتأملوا كل هذه المعاصي التي يفعلها العباد، وكلها أذية لله عز وجل، وفي المقابل صبر الله علينا. أما تخشون من قوله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً}، قال ابن جرير رحمه الله تعالى: "أي الذين يؤذون ربهم بمعصيتهم إياه، وركوبهم ما حرم عليهم".
أيها الناس: لم تشهد عصور المسلمين عصراً أكثر أذىً لله ورسوله من عصرنا هذا، ولم يعرف تاريخ المسلمين تجاوزاً للخطوط الحمراء أكثر من عصرنا هذا، ولم نر أجرأ من مسلمي اليوم على انتهاك حرمات الله وإيذاء الله ورسوله. وطبقاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الله عز وجل قد صبر علينا أكثر مما صبر على غيرنا من عصاة المسلمين، وهذا يجعلنا في خطر شديد أن ينفذ فينا قرار رباني بفتنة لا تصيبن الذين ظلموا منا خاصة، أو يستبدل بنا قوماً غيرنا لا يكونون أمثالنا. ويا لها من ساعة خزي عندما نقف بين يديه أذلاء منكسرين، لا خشوعاً وإجلالاً، بل مهانةً خجلاً من تقصيرنا الفاضح، وفَرَقاً من العقوبة بسبب الأذى الذي بدر منا تجاهه وتجاه رسوله!
أيها الناس: إن من أهم ما يميز عصرنا في مجال إيذاء الله ورسوله هو الحكم بغير ما أنزل الله على رسوله، فالأمة الإسلامية اليوم لا تُحكم بالشريعة الإسلامية، فهل لا زالت تستحق أن تسمى أمة إسلامية بعد أن تخلت عن الحكم بنظامها المنبثق عن عقيدتها، وهل يمكن أن نقول هناك أمة شيوعية إذا لم يحكمها نظام شيوعي، أو أمة رأسمالية إذا لم يحكمها نظام رأسمالي، أو أمة فرعونية بعد غرق فرعونها في اليم ونظامه؟ وتأسيساً على هذه القاعدة فإن دعاة التغيير أو الإصلاح في الأمة الإسلامية هم الذين يتحملون الوزر الأكبر في ذلك إن هم حادوا عن الدرب الصحيح للتغيير أو الإصلاح. ولا عجب فهم الأئمة، وهم الرواد، وهم الطلائع، وهم ربابنة سفينة النهضة، فإذا خربت بوصلتهم أو تشوشت فستنحرف السفينة عن مسارها، وسيكون الهلاك والضياع مصيرَ ركابها.
أيها الناس: لقد اشتعل الجدل مؤخراً في مصر حول قضية خلط الدين بالسياسة، وذلك قبل أقل من أسبوع على بدء ما يسمى بالانتخابات التشريعية. ويريد الحزب الوطني الحاكم وعدد من السياسيين العلمانيين منع الاخوان المسلمين من استعمال شعار "الاسلام هو الحل" الذي ترفعه الجماعة منذ عقود. لكن الاخوان يرفضون التخلي عن رفع هذا الشعار ويقولون إنه يتماشى مع الدستور المصري الذي يعتبر الإسلام دين الدولة ومصدراً رئيسياً للتشريع. ويتحدث بعض المراقبين عن "إعادة أسلمة مصر" حيث يتزايد دور الاسلام باعتباره المعيار الحصري للسلوك الاجتماعي والسياسي والثقافي. وتخصص وسائل الاعلام الرسمية التي تخضع لسيطرة الحزب الحاكم، مساحة واسعة من البث للبرامج الدينية، لموازاة التأثير الاشد راديكالية للإسلاميين.
أيها الناس: كفاكم أذىً لله ولرسوله، وأسقطوا شعار "الإسلام هو الحل"، وارفعوا مكانه شعاراً أكثر جديةً وأدق تعبيراً، قولوا "الإسلام هو البديل"، وأسقطوا عبارة "الإسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع"، وقولوا "الإسلام هو المصدر الوحيد للتشريع"، وكفوا عن الدعوة إلى "الإصلاح"، وادعوا "للتغيير"، واقطعوا صلتكم بالحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله، واعملوا لإيجاد الخليفة الذي يطبق شرع الله، وانبذوا دعوات الوطنية والقومية والإقليمية، وادعوا لإقامة الجماعة الإسلامية، وهي الأمة على إمام دار العدل، فنحن لا نعترف بحدود بين بلاد المسلمين، ولا نقر بتقسيمات سايكس-بيكو، ولا ندين بدين الأمم المتحدة وشرعتها الدولية، ولا نقبل أن يكون دين الدولة هو الإسلام بل نصر على أن تكون الدولة مؤسسة على عقيدة الإسلام ونظامه. واجتنبوا التنسيق السياسي في مواقفكم مع العلمانيين والوطنيين والشيوعيين، ولا تنخدعوا بشعار الوحدة الوطنية الكاذب. وإياكم ثم وإياكم والانتخابات المفصلة على مقاس الحكام، فإنها والله المَهلكةُ العقائدية والمحرقة السياسية، وهي عين الأذى لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم. ولا تغرنكم النسب المئوية التي يضعها الحكام، فإنها ترتفع وتنخفض طبقاً لهواهم وهوى أسيادهم الكفار، وما انتخابات العراق وفلسطين منكم ببعيد. ففي العراق قصمت الانتخابات ظهر المسلمين، وشرخ الدستور لُحمتهم، وكسر شوكتهم. وفي إحدى دوائر الانتخابات البلدية الفلسطينية تحالف الإسلاميون والشيوعيون ضد الفتحاويين ونصبوا عليهم رئيساً شيوعياً يجاهر بالإفطار في رمضان! فاتقوا الله واستغفروه وتوبوا إليه، فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: لقد آن الأوان لنا أن ننضج في العمل السياسي نضوجاً ينسجم مع متطلبات الإسلام واستحقاقات المرحلة الخطيرة التي تعيشها الأمة الإسلامية اليوم، فالمسألة ليست مسألةَ مشاركة في العمل السياسي أو عدمَ مشاركة، ولا هي قضية إشغال حيز في الحياة الاجتماعية أو الثقافية أو الفكرية في الساحة الإسلامية، وليس المطلوبُ أبداً هو إيجادَ مأوى لحركة إسلامية ما، بعد طول تشرد وعذاب. بل إن المسألة أعظمُ من ذلك كله، إنها ظهور الإسلام على غيره، وسيادة الشريعة على غيرها، وإزالة كافة مظاهر السيادة الكافرة عن أرض الإسلام والمسلمين أولاً، ثم عن العالم أجمع بعد ذلك. بهذا فقط يرفع الأذى عن الله ورسوله، فمن كان يعُد نفسه من المؤمنين المدافعين عن الله ورسوله، ومن الذين يغضبون لله ورسوله إذا أوذوا، ومن الذين يرجون لقاء الله، فلا يرضى أن يؤذى اللهُ ورسولُه بمخالفة المنهج القويم والشرع الحنيف في قول أو عمل، دق ذلك أو جل.
أيها الناس: لم يردْنا أيُّ دليل على مهادنة الرسول صلى الله عليه وسلم لكفار قريش أو غيرهم عندما كان يدعوهم إلى الإسلام، خصوصاً وأنه لم يكن يدعوهم للدخول في الإسلام فقط، بل كان يدعوهم أن يخضعوا لحكم الإسلام بعد أن يؤمنوا ويؤيدوا وينصروا. فالقضية ذاتُ بُعدٍ سيادي، وليست مجردَ دعوةٍ عقائدية أو عبادية! ألا ترون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان دوماً يتوعدُ الكفار بالويل والثبور، ويعِدُ المسلمين بإتمام الأمر بالاستخلاف والتمكين والأمن؟ وأن الشيطان كان يتوعد المؤمنين بالخذلان وضعف الصمود، ويمنّي الكافرين بالمجد والخلود وبقاء الحدود وضلال الجدود. فماذا كانت النتيجة؟ وأي الفريقين كان أحق بالأمن؟ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون.
أيها الناس: إن صبر الله على أذاه وأذى رسوله لا يعنى أننا في مأمن من غضبه وعقابه، فإن الله سبحانه وتعالى يملى للظالم، فإذا أخذه لم يفلته. ومن ناحية أخرى، فإن الله سبحانه وتعالى لن ينصر قوماً يؤذونه ويؤذون رسوله، بل لا بد من التبرؤ من ذلك حتى يرضى الله ورسوله، فالله عز وجل يقول للمؤمنين {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً، يعبدونني لا يشركون بي شيئاً}، ويقول للكافرين {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}.
فاللهم انصر عبادك المؤمنين العاملين المخلصين الجادين والهادفين لإقامة دولة خلافة المسلمين الراشدة الثانية على منهاج النبوة، واهد عبادك الذين يؤذون الله ورسوله واغفر لهم وردهم إلى دينك رداً جميلاً، واخذل اللهم عبادك المستكبرين في الأرض، والذين يظلمون الناس بغير الحق ويسعون في الأرض فساداً، إنك على كل شيء قدير.
...............................

الجمعة 9 شوال 1426 هـ
الموافق 11 تشرين ثاني 2005 م

تفجيرات أم مبررات
(الخطبة الأولى) أيها الناس: بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وفي مقدمته الاتحاد السوفياتي سعت الولايات المتحدة الأميركية عبر استخدام مكثف لكل حلفاءها ووكلائها إلى تقديم نفسها على أنها منقذة العالم. وكان لا بد لها أن تجد وسيلة لتسريع فرض هيمنتها شبه المطلقة على العالم، فأوجدت عدواً وهمياً أطلقت عليه الارهاب، وألبسته ثوب الإسلام. واستخدمت احداث الحادي عشر من سبتمبر عصاً حديدية تلوح بها بوجه كل من يحاول الوقوف في طريقها، واتخذت منها ذريعة للاستيلاء على افغانستان والعراق، ثم نشر قواتها العسكرية في كل مكان حيوي من المنطقة الإسلامية والعالم. وهي تتقدم بقوة لفرض هيمتنها الكاملة على أوروبا وأميركا الجنوبية بالترغيب تارةً، والترهيب وتصدير الارهاب إلى تلك البلدان ومستعمراتها تارةً أخرى، وذلك للدفع بهذه البلدان إلى الالتحاق بركبها رغماً عن أنوفهم كمنفذين لسياساتها لا كشركاء لها.
أيها الناس: لم نسمع عن الإرهاب إبان الثورة الخمينية في طهران، ولا طيلة فترة الجهاد في أفغانستان، ولم تكن تطلق كلمة الإرهاب على المنظمات الفلسطينية أو الأيرلندية أو الإسبانية أو الجنوب إفريقية ضد أنظمة الدول المحتلة أو القمعية أو العنصرية، بل كان الإعلام يشيد بالخميني الذي حل محل الشاهنشاه البهلوي، ويثني على المجاهدين الأفغان باعتبارهم يجاهدون في سبيل الله لإخراج الروس الكفار الغزاة من أرض المسلمين، وكانت سمعة العمل الفدائي الفلسطيني في إعلامهم عطرة تفوح بالبطولة والتضحية والفداء والشهادة وغير ذلك من معاني التقدير والاحترام، وكم سمعنا من إشادة وتأييد ومؤازرة لحركات التحرر من نير الاستعمار والأنظمة العنصرية! وفجأة، وبلا مقدمات معقولة، صار النظام الإيراني الجديد خارجاً عن القانون الدولي، وأصبح المجاهدون الأفغان مجرمي حرب، وانقلب السحر على الساحر، وإذا بالفدائيين الفلسطينيين إرهابيون مطاردون ومطلوبون للمخابرات المحلية والعالمية، بعد تحول قادتهم السياسيين إلى دعاة سلام وحملة أغصان الزيتون، يستجدون الأمن والأمان من أعداء الأمس المفترضين. ثم أسدل الستار على نشاط الجماعات الإسلامية في مصر، ولم تلبث الحركات الإسلامية في فلسطين أن وصمت بالإرهاب، وبلغ الأمر بأميركا أن تجهز قائمة بأسماء التنظيمات والحركات الإسلامية أطلقت عليها قائمة الإرهاب، ولم تستثن منهم أحداً تقريباً، فمن لم تعلنه إرهابياً فورياً قالت إنه إرهابي محتمل. وأُعلن عن عدو جديد لا يعرف أحد من عامة الناس وربما خاصتهم عنه الكثير، ولكن الشيء البارز في هذا العدو أنه إسلامي أولاً، وأنه يقتل المدنيين عن طريق التفجيرات بكافة أنواعها، وأنه يهدد الحضارة الغربية وقيمها، وأنه يسعى لطمس معالم النظام العالمي الجديد. ثم بدأت أميركا تقدم الأدلة لإثبات مقولتها تلك من خلال إتهام ذلك العدو بأنه وراء كافة التفجيرات التي تمت في إفريقيا وآسيا وأوروبا والأميركيتين، ووجهت كافة أجهزة الإعلام المتاحة، وكذلك السياسيين والكتاب وأشباه العلماء وكثير من الناس لخدمة هذا التوجه الجديد، والنيل من هذا العدو المفترض، وتخويف الناس من ذلك الشبح الذي يطاردهم. فعلت كل ذلك من أجل تحقيق أغراض كثيرة من أبرزها: تشويه صورة الإسلام في أذهان المسلمين وباقي الناس، والثاني هو اتخاذ تلك الأعمال ذريعة لغرز مخالبها في جسد الأمة الإسلامية المليء بالثروات والمثخن بالجراح، والثالث أن تقنع العالم بأن نظامها هو الذي يزيل شقاء البشرية كونها قادراً على ملاحقة الإرهابيين وإبادة خضرائهم، وأما الرابع، وهو الأهم والأخطر، فمنع إقامة دولة الخلافة الإسلامية الثانية الراشدة على منهاج النبوة، والتي أصبح ضوءها يسطع في سمائنا. تلك أمانيهم، قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين! ولا يسعني إلا أن أقول إن معظم تلك التفجيرات هي مبررات لصرف الناس عن العدو الحقيقي إلى العدو المفترض من خلال موجة تضليل عاتية.
أيها الناس: لا يمكن لتلك الجريمة الأميركية الكبرى أن تستمر إلى الأبد، فهناك حكمة تقول: (لو دامت لغيرك ما وصلت إليك)، وهل استمرت جريمة بريطانيا وفرنسا بتحويل فكرة مساعدات الشعوب النامية بواسطة الانتداب الى نهب خيرات تلك الشعوب بالاستعمار؟ أم هل استمرت جريمة تحويل الشيوعية الأممية إلى قرارات لخدمة الدولة وقيادتها في الاتحاد السوفياتي؟ والتاريخ مليء بأمثلة لا حصر لها حول ذلك. لكن السؤال الضروري هل يمكن ان تتوقف الجريمة من تلقاء نفسها أو تهرم بفضل الزمن وتموت، أم أنه لا بد لذلك من مقومات تتمثل في أعمال مضادة تبطل كيد الظالمين وتقطع السبيل على المجرمين؟ يقول كاتب أميركي يدعى جور فيدال: إن الإنجليز كانوا في غاية السرور عندما أخذنا مكانهم، فقد كانوا قليلي العدد بدرجة لا تمكنهم من حمل مهمة ثقيلة مثل تلك، وكانوا في بداية القرن متحمسين لنا، ليس فقط من أجل مساعدتهم على الخروج من مشاكلهم المالية، ولكن أيضا لكي نحمل عنهم عبء القدر الذي كتب على الجنس الأنجلو سكسوني، وهو القيام بشجاعة بحمل عبء الإنسان الأبيض. ويؤكد فيدال أنه كان على حكامنا إقناعنا بأن كل مشاكلنا هي بسبب امبراطورية الشر ويقصد بها الاتحاد السوفيتي المستعدة دائما لتدميرنا خلال الليل. ويبدو واضحاً أن اختلاق عدو وهمي خارجي يمثل الحجة التقليدية للإدارة الأمريكية لخوض حروب خارجية لا تتوقف. وجاء في الوثائق الفيدرالية: «إننا لن نكون نظاماً ملكياً، ولن نكون ديمقراطية»، وحتى اليوم لا تملك أمريكا أياً منهما، وكان لديها طوال مائتي عام نظام «أوليجاركي»، وهو النظام الذي تسيطر فيه القلة، ويحقق فيه أصحاب المال مطامعهم بينما يترك الآخرون وشأنهم، أو كما أوضح بروكس أدامز إن المشكلة الوحيدة أمام طبقتنا الحاكمة هي هل نقمع أم نرشو الأغلبية التي لا حول لها ولا قوة؟ وتمت رشوة ما يطلق عليه بالمجتمع العظيم، واليوم، يبدو الإكراه منتشراً جداً، ويفضل المحافظون الجدد الآن وسائل الإكراه الفاشية، ولا يميلون إلى الوسائل القديمة. وهذا يفسر بجلاء ووضوح جميع ما يجري في فلسطين والعراق، وما يجري في فرنسا وباقي دول أوروبا الغربية. جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبة حجة الوداع: يا أيها الناس، إن ربكم واحد وأباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى، رواه أحمد.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن الولايات المتحدة تمتلك الرصيد الأكبر والأوسع من كراهية شعوب العالم، ولولا مجيء القوات الأمريكية إلى العراق لما كان في العراق مقاومة للاحتلال أو ما تطلق عليه الدولة العظمى (عمليات إرهابية) في سياق التضليل الواسع الذي تمارسه. ولماذا تسمي مقاومة المسلمين في العراق لأميركا وبريطانيا إرهاباً، وقد سمّت نفس العمل في أفغانستان جهاداً؟ وما هو الفرق بين إبادة الآلاف من الأكراد بالسلاح الكيماوي وبين إبادة مئات الآلاف من اليابانيين بالسلاح الذري؟ ولماذا يعتبر غزو الأميركيين لأفغانستان والعراق وإزالة نظامي الطالبان وصدام غزواً شرعياً، ويوصف دخول صدام إلى الكويت وإزالة حكم آل الصباح بأنه عمل غير مشروع، وجريمة لا تغتفر، ثم تقوم الدنيا ولا تقعد حتى يعود الفأر إلى جحره؟ ولماذا يختلف قصف الآمنين في ملجأ العامرية بأقوى الصواريخ والمقذوفات النارية عن نسف اللاهين والعابثين في فندق أو سفارة أو منتجع بالمتفجرات؟ ولماذا تذهب دماء الناس هدراً إذا قتلوا في مسجد أو حسينية، ولا يرف لهم جفن، ولا يفكر أحد في مجرد تذكرهم أو معرفة أعدادهم، وأما ضحايا الأبراج والأنفاق والحافلات فتذرف عليهم الدموع، وتوقد الشموع، وتخلد ذكراهم، وتدفع لذويهم الأموال الطائلة؟ والله إنها أمور تذهب بلباب العقول، وتجعل الحليم حيران.
أيها الناس: إن الحل لكافة المشاكل التي تعاني منها البشرية قاطبة في زماننا لا يكون إلا بالإسلام، والإسلام وحده لسببين بارزين، أولاهما: أن الإسلام دين من عند الله وارتضاه للناس كافة، وهو خاتمة الشرائع السماوية، وهذا ما تحدثت به النصوص القطعية، وثانيهما: أن الإسلام قد تمت تجربته عندما حكم قطاعاً واسعاً من البشر ردحاً طويلاً من الزمن، على مساحة واسعة جداً من الأرض، وهذا ما نطقت به النقول التاريخية القطعية. فمن كان الإسلام عنده، هل يبحث عن بديل، ومن رأى ظلم الرأسمالية فحق له ألاّ يكف عن الصراخ والعويل. فاللهم إنك تعلم أنا مغلوبون فانتصر لنا، وعجل لنا بفرجك وبنصرك وبقيام دولة الإسلام التي فيها حكمك.
ابو رافت
الجمعة 16 شوال 1426 هـ
الموافق 18 تشرين ثاني 2005 م

أسلمةُ الديمقراطيةِ مُحال
ٌ
(الخطبة الأولى) أيها الناس: إن الله عز وجل قد حرم لحم الخنزير تحريماً قاطعاً، وقد استفاضت الأقوال بنجاسة الخنزير، وهي نجاسة عينية شاملة لجميع أجزائه، ولا يطهر شيء منه إلا إذا استحال تماماً، أي انقلب إلى عين أخرى. وقد تقرر عند العلماء أن ما حرم على العباد حرم بيعه، وإذا حرم بيعه فقد حرم تسويقه أو إهداؤه أو ترويجه بأي شكل من الأشكال، بل يجب أن يهمل ولا يُلتفت إلى شيء منه، وأن يحقّر شأنه، ولا يقام له وزن. عن جابر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويَستصبح بها الناس؟ فقال: لا، هو حرام. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه". رواه البخاري. ويستصبح أي يستعمله وقوداً في السراج وهو المصباح، وجملوه أذابوه. قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري شرح صحيح البخاري: والأكثر على المنع حملاً للنهي على ظاهره، والظاهر أن النهي عن بيعها للمبالغة في التنفير عنها.
أيها الناس: شاع في زماننا أمر الديمقراطية، وما أمر الديمقراطية برشيد، ذلك أنها إفراز قذر من إفرازات المبدأ الرأسمالي الكافر، وهي والخنزير في الحرمة على المسلمين سواء، وكل محاولات أسلمة الديمقراطية بزعم وجود منفعة مباحة فيها باطلة، كمحاولات طهارة الخنزير بزعم وجود منفعة مباحة فيه. وإن الذي دفعني لإبراز هذه البطاقة الحمراء في وجه بعض الإسلاميين من الذين دخلوا في أتون الديمقراطية من باب الانتخابات، هو أن ما دخلوا فيه باطل من أساسه، فهو حرام، وكل ما يتصور أنه منفعة متحققة منه فكله وهم وحرام. فالله سبحانه وتعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين}، نزلت في يهودي أراد تجديد الفتنة بين الأوس والخزرج بعد انقطاعها بالنبي صلى الله عليه وسلم، فجلس بينهم وأنشدهم شعراً قاله أحد الحَيَّين في حربهم. فقال الحي الآخر: قال شاعرنا في يوم كذا وكذا، فكأنهم دخلهم من ذلك شيء، فقالوا: تعالوا نرد الحرب جذعاء كما كانت. فنادى هؤلاء: يا آل أوس، ونادى هؤلاء: يا آل خزرج، فاجتمعوا وأخذوا السلاح واصطفوا للقتال، فنزلت هذه الآية، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى وقف بين الصفين فقرأها ورفع صوته، فلما سمعوا صوته أنصتوا له وجعلوا يستمعون، فلما فرغ ألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضاً وجعلوا يبكون، ثم انصرفوا مع النبي صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين.
أيها الإسلاميون المتهافتون على الديمقراطية وانتخاباتها في مصر والأردن والعراق وفلسطين والجزائر وغيرها من بلاد المسلمين: هلا سألتم أنفسكم سؤالاً: من جعلكم مصريين وأردنيين وعراقيين وفلسطينيين وجزائريين وغير ذلك من التقسيمات الوطنية الكافرة التي ما أنزل الله بها من سلطان؟ أليست هي دول الكفر وأذنابها من حكام المسلمين الذين يسوقونكم إلى مسلخ الديمقراطية والانتخابات، وهم يطعنون في ديننا ويخافون عودته إلى سدة الحكم، وقد قال قائل منهم بعد تفجيرات عمان: إن المشكلة ليست الأردن أو السعودية أو الولايات المتحدة، ثمة مشكلة في الإسلام؟! ثم اسألوا أنفسكم سؤالاً ثانياً: من الذي سماكم المسلمين؟ أليس هو الله الذي خلقكم وأنزل عليكم الشريعة الإسلامية لتحكموا بها، وتسيروا في هديها؟ فلماذا أغمضتم أعينكم عن شريعة الله واتبعتم شريعة الشيطان وعصيتم الرسول من بعد ما تبين لكم الهدى؟ ثم اسألوا أنفسكم سؤالاً ثالثاً: ماذا حققتم من وجودكم في مجلس الأمة الأردني ردحاً طويلاً من الزمن؟ وهل استطعتم أن تحولوه من ملكية مطلقة إلى خلافة إسلامية؟ وقد أقسم أحد النواب الأردنيين بالله العظيم – وهو من الإسلاميين – أن المجلس قد أقر قانونين مخالفين للشريعة الإسلامية وهما قانون الخمر وقانون الفتنة غير المسلحة، وذلك في وقت كان للنواب الإسلاميين أكبر عدد من المقاعد في تاريخهم؟! وهل تظنون أنكم بحصولكم على بعض المقاعد في مجلس الشعب المصري ستغيرون خط سير الحكم اللامبارك في أرض الكنانة؟ أم تراكم تطمحون إلى رمي اليهود في البحر، وإقامة خلافة راشدة ثانية في فلسطين المحتلة بعد فوزكم ببعض المقاعد في انتخابات السلطة العباسية؟ وماذا أسفرت عنه انتخابات مجلس الحكم الانتقالي في بغداد غير إقرار لدستور كفر، وقتل وتعذيب لعباد الله في أرض الرافدين؟ أرأيتم أن أسلمة الديمقراطية محالٌ، وأنها ضد الإسلام، ما لكم كيف تحكمون؟
(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن الانتخابات وسيلة مباحة من وسائل اختيار الناس لممثليهم، ولكنها أصبحت اليوم وسيلة موصلة إلى ضرر محقق على المسلمين، وهو تمرير خُدعة الديمقراطية عليهم، وهذا حرام، والقاعدة الشرعية تنص على أن: الوسيلة إلى الحرام حرام. هذا فضلاً عن الألاعيب التي يمارسها الحكام الأشرار في قضية الانتخابات، حيث لا تخلو جولة انتخابية من تزوير وطعونات ورشاوى وعبث بصناديق الاقتراع، بل إن بعض الدوائر الانتخابية قد شابها أعمال عنف واشتباكات بين أتباع المتنافسين، وبينهم وبين السلطات الحاكمة، أدت إلى وقوع قتلى وجرحى، ما يدل على أن اللعبة قذرة غير نظيفة ولا نزيهة.
أيها الناس: بقيت مسألة مهمة في هذا السياق، وهي أن هناك فرقاً كبيراً بين المحاسبة والمعارضة، فإن الأولى فرض فرضه الله على المسلمين أن يحاسبوا حاكمهم المسلم الذي يحكم بما أنزل الله، فتكتمل الصورة الحكمية بين الحاكم والمحكوم، ولا عجب، فمرجعيتهم هي الإسلام وحده. وأما الثانية - وهي المعارضة - فإنها حرام، كون المعارِض والمعارَض يختلفان في المرجعية، فلا فائدة تذكر من المعارضة إن لم تفض إلى تغيير النظام، وإلا كانت جزءاً لا يتجزأ منه طبقاً لقوانين الديمقراطية التي تجبر الأقلية على الخضوع للأكثرية. وبما أن الأكثرية في بلاد المسلمين اليوم مع الحاكم الكافر طوعاً أو كرهاً، فالمعارضة شكلية تزين صورة النظام لا غير، وإنَّ لكم في المعارضات الأميركية والبريطانية والألمانية والإسرائيلية دليلاً على أن الحكم والمعارضة وجهان لعملة واحدة، فهل سيكون الحال عندنا أفضل؟
أيها الناس: إن البديل عن كل هذه الترهات هو العمل السياسي الجاد المخلص والهادف لإقامة دولة الخلافة الإسلامية الراشدة الثانية على منهاج النبوة، وقد أظل زمانها بإذن الله، فلا يخدعنكم بريق الديمقراطية الكاذب، ولا تسيروا خلف مخططات حكام الضلال والفسق والظلم، وليكن شعاركم التغيير وليس الإصلاح. فلا ينفع مع هؤلاء الحكام إلا التغيير الجذري القائم على أساس الإسلام، وأما المحاسبة والإصلاح فإنهما يكونان في ظل حكم الإسلام وليس حكم الطاغوت والجاهلية. اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد.
.................................................

الجمعة 23 شوال 1426 هـ
الموافق 25 تشرين ثاني 2005 م

عبدُ اللهِ الثاني وأبو الحَيْسَر

(الخطبة الأولى) أيها الناس: دعا عبد الله الثاني حكومته الأردنية إلى شن حرب لا هوادة فيها ضد ما أسماه "التطرف الإسلامي"، وقال: "إن مواجهة المتطرفين لا يجب أن تتم عبر الإجراءات الأمنية فقط، بل أيضا عبر المضي قدما بالإصلاحات السياسية". وقال: "إن الهجمات الأخيرة في عمان عززت تصميم الأردن على التمسك بالاصلاح وعملية التحول نحو الديموقراطية". ودعا رئيسَ الوزراء المعين إلى عدم الاكتفاء بالتعامل مع البعد الأمني، بل التركيز أيضا على المجالات الإيديولوجية والثقافية والسياسية لمواجهة من اختاروا طريق التدمير والتخريب لتحقيق أهدافهم. كما دعا إلى شن حرب شعواء ضد المدارس التكفيرية التي تحتضن التطرف والتخلف والعزلة والظلمة وتقتات على الجهل وسذاجة الناس البسطاء. وقال الملك الأردني إن الفتاوى التي تصدرها المدارس التكفيرية تشكل تهديداً للمجتمع الأردني ومصالحه.
أيها الناس: تذكرنا هذه التصريحات بقصة حصلت مع النبي صلى الله عليه وسلم مع وفد من الأوس قدموا إلى مكة يلتمسون حلفاً من قريش يتقوّون به على الخزرج بعد أن أشعل اليهود نار فتنة جديدة بينهما في يثرب. فخرج وفد من بني عبد الأشهل إلى قريش بزعامة أبي الحيْسر (أنس بن رافع)، وأرادوا أن يخفوا هذا الأمر عن أعدائهم الخزرج، فتظاهروا بأنهم يريدون العمرة، فحلقوا رؤوسهم، ويمموا شطر المسجد الحرام. وخرج مع الوفد فتية من بني عبد الأشهل، وكان معهم غلام صغير فطن عاقل، اسمه إياس بن معاذ، أصرّ أن يخرج معهم. وعندما وصل الوفد إلى مكة، طافوا حول الكعبة، وأكملوا عمرتهم، ثم ذهبوا إلى عتبة بن ربيعة، الزعيم القرشي، فأكرم عتبة ضيوفه غاية الإكرام، ولكنه اعتذر عن تلبية طلبهم، بأن يحالفوهم ضدّ الخزرج، ثم وضح سبب هذا الرفض، قائلاً: "إن لقريش قوافل تجارية كبيرة ولا يتعرض لها أحد، لأنها لا تعادي أحداً، ولها هيبة واحترام بين القبائل، وهذا التحالف سيجرّ عليها خصومات هم في غنى عنها. وهناك أيضاً ما يشغل قريشاً ويقضّ مضجعها، وهو ظهور رجل يدّعي النبوة، ويستنكر علينا دين آبائنا وأجدادنا، ونحن به مشغولون". خرج الوفد محزونين مكسوري الخاطر، وقد عادوا بخفيّ حنين. سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بما جرى لوفد بني عبد الأشهل، فذهب إليهم، وطيّب خاطرهم، ثم قال لهم: هل لكم في خير مما جئتم له؟ فقال رئيسهم: وما ذاك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أنا رسول الله، بعثني الله إلى العباد، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، وأنزل عليَّ الكتاب}. دُهش أبو الحيسر بما سمع من رسول الله، ولم يُحرْ جواباً. فسأل أحدُ الفتية: وما هذا الدين الذي جئت به؟ فبيّن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام وماذا يعني، وأنه يدعو إلى عبادة الله الواحد، وإلى مكارم الأخلاق، ونبذ الرذائل، وأنهم إن اتبعوه فسيجمع الله عليه قلوب أهل يثرب جميعاً، أوسهم وخزرجهم، ويريحهم من هذه الحروب التي دمرتهم وكادت تقضي عليهم. أعجب الفتية بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أصغرهم إياس بن معاذ: اتلُ علينا بعض ما أُنزل عليك، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض آيات من القرآن الكريم. ازداد إعجاب الوفد برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنهم نظروا إلى رئيسهم أبي الحيسر ليروا ما سيقوله للنبي، وإذا بإياس يتكلم ويحسم الأمر بسرعة وذكاء - مع أنه أصغرهم سناً - قال لهم: يا قوم، هذا والله خير مما جئتم به. فغضب أبو الحيسر غضباً شديداً، ورمى وجه الغلام الصغير إياس بحفنة من التراب، وهو يقول: دعنا منك، فأنت صغير لا تفقه شيئاً، فلعمري لقد جئنا لغير هذا. شعر إياس بحرج شديد، وقام من مجلسه وهو يجرّ أذيال الخيبة والمرارة لأن قومه سيضيّعون فرصة ذهبية تريحهم من عناء الحرب، إذا آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه أدرك أن خلاصهم سيكون على يدي هذا النبي الكريم. ونظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرة حب وامتنان، فجاءه صوت أبي الحيسر من بعيد وهو يقول: ... ما قدم وفد على قوم بشرّ مما قدمنا به على قومنا. إنا خرجنا نطلب حلف قريش، فنؤوب بعداوتها وعداوة الخزرج. إن هذا للرجل الذي أخبرنا عنه عتبة بن ربيعة. ثم نظر أبو الحيسر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال له: أيها الرجل.. لا حاجة لنا بما تدعوننا إليه...وعاد الوفد إلى يثرب خائبين، لكن إياساً عاد وقد آمن بدعوة محمد، فربح ربحاً كبيراً، لم يفطن إلى هذا الربح كبار بني عبد الأشهل. وعادت الحروب من جديد بين الأوس والخزرج، وأكلت الأخضر واليابس، وأفنت شبابهم، ويتّمت أطفالهم، وكانت الحرب سجالاً، فكان الطرفان خاسرين، في كل الأحوال. حزن إياس حزناً شديداً لما أصاب قومه من ويلات الحروب، ولأنهم رفضوا دعوة الحق، فمرض مرضاً لا شفاء منه، ولما شعر بدنو أجله، أخذ يردد بصوت ضعيف نديّ: لا إله إلا الله والله أكبر، الحمد لله وسبحان الله، لا إله إلا الله والله أكبر. عجب أهله وقومه من حوله من كلامه هذا، فأخذوا يسألونه: ماذا تقول يا إياس؟ ولكن إياساً أعرض عنهم، وبقي يردد هذه الكلمات المضيئة، حتى فاضت روحه إلى بارئها.
أيها الناس: نقول للملك عبد الله الثاني، هل لك في خير مما عزمت عليه وأبرمته مع رئيس وزرائك الجديد؟ وهلا سمحت لنا أن نبصرك بما يحقق المصلحة للأردنيين وباقي الشعوب المسلمة؟ أقبل على الله بعد طول إدبار، وانبذ حلفك مع الإنجليز والأميركيين على حد سواء، واحكم بما أنزل الله على رسوله النبي الأمي العربي الهاشمي محمد صلى الله عليه وسلم، وأعلن عمان عاصمةً للخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، وابدأ من حيث بدأ منه مَن هو خير منك ومن جميع ملوك الأرض وحكامها، رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسترى أن الدنيا ستتغير من حولك لصالحك ولصالح أمتك التي تنتمي إليها، وعندها لن تأتيك التفجيرات من أبناء أمتك، بل من أعدائها. واعلم أن دول الكفر الطامعة في بلاد المسلمين هي المستفيد الأول بل الوحيد من مثل هذه الأعمال الإجرامية. لا تتكبر على هذه الدعوة، فإن أنت أحسنت التفكير والتدبير والتقدير في هذا الأمر، ووزنت الأمور بميزان الشرع، فستنجح حساباتك بإذن الله، وسيجيرك الله من بأس القوم إن أرادوا بك سوءاً وسيكفيكهم، واعلم أن الله يدافع عن الذين آمنوا وهو مولاهم، وأما الكافرون فلا مولى لهم، فخير لك أن تلتمس الحلف مع الله من أن تلتمسه من تلك الدول، وخير لك أن تتخذ تدابير تنجيك وقومك من عذاب الله وسخطه من أن تنهمك في شن حرب على الإسلام والمسلمين مهما كانت الذرائع، فتنفق الأموال والجهود والأوقات لتصد عن سبيل الله في حرب خاسرة نتيجتها محسومة سلفاً، فالله سبحانه وتعالى يقول: {إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين. كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز}.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: إني أهيب بملك الأردن وباقي ملوك الطوائف ورؤساء دويلات الضرار القائمة في العالم الإسلامي أن لا يكونوا مثل أبي الحيسر، يُعرِضون عن التذكرة كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة، بل يكونون كإياس بن معاذ أو سعد بن معاذ، تلين قلوبهم لنداء الحق والخير، فيجددون إيمانهم الذي صدأ بفعل تبعيتهم للكفار المستعمرين، وبُعدهم عن تطبيق شرع الله القويم واتباع صراطه المستقيم، ثم يهبون لنصرة هذا الدين، وقلب الطاولة في وجوه الغاصبين المحتلين لبلاد المسلمين ومقدساتهم. هذا هو المطلوب منكم أيها الحكام المتنفذون، وهذا هو المطلوب منكم أيها الضباط والجنود المسلمون، وهذا هو المطلوب منكم يا رؤساء الوزارات ويا أيها الوزراء والمستشارون والنواب المنتخبون والمعيّنون. فديننا والله خير من الرأسمالية الكافرة وديمقراطيتها الزائفة، وإنا والله لندعوكم لخير مما جاءتكم به أميركا وبريطانيا، فهل أنتم مجيبون قبل فوات الأوان؟ {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين. يهدي به الله من اتّبع رضوانَه سُبُلَ السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراطٍ مستقيم}.
ابو رافت
الخميس 30 شوال 1426 هـ
الموافق 01 كانون أول 2005 م

"الإيدز" بين أميركا والمسلمين

(الخطبة الأولى) أيها الناس: ورد في الأنباء خبر يثير الاشمئزاز ويرفع من ضغط الدم، ويجعله يغلي في العروق، ويود المرء لو أنه مات قبل أن يسمع عن حصوله في بلاد المسلمين، حيث قال مسؤولون في دولة الإمارات العربية بأن الشرطة قد ألقت القبض على ستة وعشرين شخصاً يوم الأحد الماضي بعد أن دهمت منزلاً في العاصمة أبو ظبي كانوا يشاركون في حفل زواج للمثليّين. وأن بعض الحاضرين كانوا يرتدون ملابس الزفاف التي ترتديها العرائس، ويضعون المساحيق، بينما كان البعض الآخر يرتدي ملابس العرسان الرجال. والأمر الأكثر اشمئزازاٌ وخطورة هو إدانة وزارة الخارجية الأميريكية أنباء تفيد أن بعض الأشخاص المحتجزين سيتم علاجهم إجبارياً بالهرمونات! وهذا يكشف عن علاقة مباشرة بين انتشار اللواط في أوساط المسلمين وبين أميركا. وليس الأمر مقتصراً على الإمارات العربية المتحدة، بل وجدت له شواهد قوية مكشوفة في مصر والكويت وعُمان والسعودية، وما خفي في تلك البلدان وغيرها كان أعظم!
أيها الناس: ندخل بعد هذه المقدمة المؤلمة إلى الحديث عن مرض نقص المناعة المكتسب والمشهور بالإيدز، حيث تفيد الإحصاءات بأن عدد المصابين بهذا المرض في العالم يبلغ 50 مليوناً نصفهم من النساء، ويعيش 95% منهم فيما يسمى بالدول النامية. وأما في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فتقترب الإصابات من المليون. ويموت جراء هذا المرض واحد كل إحدى عشرة ثانية! ويموت نحو 1400 طفل في العالم ما دون الخامسة عشرة كل يوم من الأمراض المرتبطة بالإيدز. وقد قضى الإيدز على 20 مليون إنسان على مستوى العالم، ويعتبر الإيدز من الحالات الرئيسية للوفاة في أفريقيا وفي المرتبة الرابعة من حالات الوفاة على مستوى العالم. كما أن هناك أكثر من خمسة ملايين امرأة في سن الحمل مصابة به. وحوالي 10.3 مليون شاب تتراوح أعمارهم ما بين 15-24 عامًا مصابون بالإيدز، وأكثر من 11 مليون طفل باتوا يتامى في إفريقيا بسبب هذا المرض، وهناك إحصاءات أخرى مثيرة لا يتسع المقام لذكرها.
أيها الناس: إن أسباب الإصابة بهذا المرض الفتاك متعددة، أهمها تعاطي المخدرات عن طريق الحقن والبغاء والعلاقات الجنسية بين المثليين من الرجال. وينتقل أيضاً عن طريق الأم إلى الجنين والطفل، وعن طريق زرع الأعضاء البشرية الملوثة، وعن طريق عمال العناية الصحية، وعن طريق النشر الإجرامي للمرض وتعذيب السجناء كما حصل في أوزبكستان، وعن طرق أخرى مثل أدوات الحلاقة والوشم وثقب الأذن والختان وغيرها إذا لم تكن الأدوات معقمة. وقد اكتشف فيروس الإيدز أول مرة في ولاية كاليفورنيا عام 1981، (وفي سان فرانسيسكو وحدها اليوم ما يزيد عن مليون شاذ جنسياً يعملون عمل قوم لوط). والإيدز عبارة عن فيروس يتتبع كريات الدم البيضاء المدافعة عن جسم الإنسان فيدمرها الواحدة تلو الأخرى حتى يفقد الجسم أهم وسائل الدفاع، ويصبح بعد ذلك عاجزاً كل العجز عن مقاومة الأمراض التي يتغلب عليها الجسم السليم في الظروف العادية، ويظل المصاب كذلك حتى يقضي عليه الموت بعد معاناة طويلة وآلام مبرحة وتشوه في المنظر وعذاب للنفس ووصمة عار اجتماعية تلحق به. ويعد هذا المرض من أخطر الأمراض التي ظهرت في العصر الحاضر، ولم يتمكن الأطباء بعدُ من اكتشاف علاج يمكنه القضاء على فيروس الإيدز، وكل ما توصلوا له مسكنات من شأنها تخفيف بعض أعراض المرض المؤلمة جداً. وهناك تقارير عديدة تؤكد أن المصابين يبلغ أضعافاً مضاعفة عن العدد المصرح عنهم، وأن هذا الوباء يتخذ نمطاً متسارعا.
رحماك ربي من هذا الوباء، ونستجير بك ربنا من مصدره والمصابين به وناقليه، ونسألك اللهم علاجاً ناجعاً له في القريب العاجل، يقضي عليه وعلى آثاره، ويهزم مصدره، ويطرد حضارة الرأسماليين الموبوءة من العالم إلى غير رجعة.
أيها الناس: لقد حرص الإسلام كل الحرص على إيجاد مجتمع عفيف طاهر لا تثار فيه الشهوات ولا تنتهك فيه المحرمات، وذلك حفاظاً على الأعراض من التدنيس، والأنساب من الاختلاط، فسن التشريعات التي تكفل المحافظة على هذا الهدف السامي، وأمر بالحجاب وغض البصر، ورغب في الزواج، وشرع الحدود. ومن أجل ذلك جاء التحذير في كتاب الله من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وجاءت أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم تبين عاقبة إشاعة الفاحشة وإعلانها بين الناس، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم (لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا). فالعلاقة مطردة بين ظهور الفاحشة وإعلانها وبين الأمراض الخطيرة، فكان أول ظهور لمرض "الزهري" أثناء الحرب الإيطالية الفرنسية، وعندما غزا الاستعمار الغربي البلاد الإسلامية حملوا معهم هذا الداء، وفي العصر الحديث ظهر مرض "الهربس" كوباء جنسي واسع الانتشار، حتى إن معدل الإصابة السنوية بهذا المرض في الولايات المتحدة وصلت إلى نصف مليون حالة، وقد انتشر هذا المرض بسرعة رهيبة في أوساط الشاذين جنسيا، وتقدر منظمة الصحة العالمية عدد الذين يصابون بالسيلان بأكثر من 250 مليون شخص سنويا، كما تقدر عدد المصابين بالزهري بـ 50 مليون شخص سنويا. إضافة إلى ظهور أمراض أخرى مختلفة ومتنوعة بسبب انتشار الفاحشة وشيوعها وانتشار الشذوذ الجنسي في البلاد الإباحية.
أيها الناس: هذا ما يحصل في المجتمعات حين تحيد عن منهج الله وتتمرد على الفطرة السليمة، وهو يكشف لنا كذلك الوجه الآخر القبيح للحضارة الرأسمالية التي كشفت كل مستور، وانتهكت كل فضيلة، ولم يعد عندها معنى للشرف والعفة، فأراد الله أن يبعث هذا المرض في هذا العصر لينتبه الناس ويستيقظوا ولا ينخدعوا بزيف الحضارة وبريقها، وليكون وصمة عار على أولئك الذين عزفوا عن الطريق السوي، واتخذوا الفاحشة والشذوذ وسيلة لتصريف شهواتهم.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: لقد جاء الوقت الذي نتساءل فيه بجدية عن سبيل الخروج من هذه المآزق التي وقعنا فيها، وقد آن أوان إعلان الحقائق على الملأ، وأن جميع الباحثين المنصفين وغير المنصفين يقولون بأن طرق الوقاية ورفع المستوى الثقافي والتقيد بـ"التعاليم" الدينية السليمة هي الأساس في منع الإصابة بالإيدز، وهذه العبارات العامة تفيد بأن إحصان الفرج عما حرم الله هو السبيل الوحيد للوقاية من هذه الآفات. فهل نجد أحكام هذا الإحصان إلا في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟ وهل يوجد الأجواء المناسبة لهذا الإحصان غير دولة الخلافة الإسلامية التي ترفع مستوى الناس الثقافي، وتغذيهم بالمفاهيم الدينية الصحيحة، وتمنع الاختلاط المحرم بين الرجال والنساء، وتوقع العقوبات المقدرة من الشارع على المخالفين فتزجرهم وتزجر غيرهم ممن قد تسول له نفسه الوقوع فيما حرم الله. إضافة إلى نشر الوعي على أوسع نطاق والتحذير من هذه الأخطار، وتبني سياسة إعلامية نظيفة تحجب برامج العهر والرذيلة عن الناس بمن فيهم جيل الشباب حتى لا تثار الغريزة من غير داع، فتشبع عندئذ في غير ما أحل الله.
أيها الناس: إن هذا هو الحل الوحيد لشيوع الفاحشة في أوساطنا، وهو الحل الوحيد لجميع الآفات والأخطار التي تهددنا، فإن أميركا وحلفاءها قد حملوا لنا ما هو أخطر من الإيدز الحقيقي من مفاهيم تفتك بالناس والمجتمعات، بل تجاوزوا ذلك إلى قتلنا وترويعنا ونهب ثرواتنا ومنعنا من تطبيق شرع الله في أرضنا، ثم بعد ذلك يقولون لنا: احتفلوا باليوم العالمي لمكافحة وباء الإيدز! هكذا نحتفل. فالحذر الحذر أيها المسلمون من اتّباع سنن أميركا وحلفائها، والحذر الحذر من الوقوع في حبائلهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية وغير ذلك، فهم والله إيدز هذا العصر وآفته. ويجب على المسلمين أن يوطنوا أنفسهم لمقاومة هذه الآفة الخطيرة ومن يقف وراءها وينفذ برامجها في بلاد المسلمين كائناً من كان، وأن يقع هذا الفعل على رأس سلم أولويات العمل الإسلامي، إذ يحرم الانشغال عنه بأعمال أخرى تطيل عمر الفساد، وتجعل هذا المرض الفتاك يقطع أوصالنا، ويشل الحركة في مجتمعاتنا، ويعطل تطبيق شرع الله في بلادنا. قال تعالى {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، والله يعلم وأنتم لا تعلمون}. فإلى العمل مع العاملين المخلصين لإعزاز هذا الدين بإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة أدعوكم أيها المسلمون، حتى نحتفل باليوم التاريخي الذي نقضي فيه على أميركا وحلفائها وأعوانها من حكام المسلمين، فتُطهّر بلاد المسلمين من رجسهم ومن الإيدز الذي جلبوه.
.................................................

الجمعة 8 ذو القعدة 1426 هـ
الموافق 09 كانون أول 2005 م

مكة بين طواغيت الأمس وأنذال اليوم
(الخطبة الأولى) أيها الناس: يقول الله عز وجل {وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون}. تقضّى بالأمس مؤتمر قمة استثنائي باهت لما يسمى بمنظمة المؤتمر الإسلامي، حضره زمرة من أنذال العرب والمسلمين -وفيهم نصارى وموالي يهود وعملاء لأميركا وأوروبا - يمثلون سبعاً وخمسين دويلةَ ضرارٍ تحت شعار "الدفاع عن الإسلام". وقد دعا مضيفُهم في كلمة الافتتاح إلى الوحدة والتسامح في مواجهة "التطرف والتخلف". وأضاف أنه كي تنهض الأمة فلا بد من تطهيرها من "الفكر المنحرف الذي ينادي بالتكفير وسفك الدماء وتدمير المجتمعات". وشدد الأمين العام للمنظمة المشؤومة على ضرورة مكافحة الإرهاب من جذوره وأسبابه سواء ارتكبه أشخاص أو جماعات أو دول، مشيرا إلى أن الإرهاب جريمة يجب على كل مسلم محاربتها! وركز أحد المتحدثين على معالجة ما يتعرض له الإسلام من هجمة شرسة من قبل الأعداء في الخارج وبعض أبنائه ممن يحملون "أيديولوجيا" منحرفة، وعلى ترسيخ التعاون الإسلامي وإصلاح المنظمة وحل مشكلات الدول الأعضاء وتصحيح صورة الإسلام في الخارج. ومن المقرر أيضا أن تعتمد القمة "إعلان مكة" الذي يشكل رؤية عامة للواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية! وأعربت منظمة المؤتمر الإسلامي عن "قلقها البالغ" لوضع الأماكن الدينية والتاريخية في مدينة القدس جراء الحفريات الإسرائيلية، داعية المجتمع الدولي إلى "تحمل مسؤولياته" في إلزام إسرائيل – وكأنها عضو في مؤتمرهم - بعدم تغيير معالم المدينة المقدسة. وأكد الأمين العام للمنظمة أنها المنظمة "لن تدخر جهدا في الحفاظ على الهوية التاريخية والدينية والإسلامية للقدس الشريف بما في ذلك ترميم وصيانة أماكنها الدينية والتاريخية".
أيها الناس: لقد اشتهرت مكة بطواغيتها الذين كانوا يعبدون الأصنام ويئدون البنات ويطففون في الكيل والميزان وغير ذلك من الموبقات، ولكنهم لم يفرطوا في مقدساتهم وأرضهم وسمعتهم، بل إنهم أنشأوا حلف الفضول لنصرة المظلومين في مكة وما حولها، ولم يمنعوا أحداً من دخولها حاجاً أو معتمراً أو زائراً أو تاجراً. ثم خرج منها خيرُ البرية وأول داعية للتغيير الجذري في العالم أجمع محمدٌ صلى الله عليه وسلم، وحصل فيها الحدث الذي غير مسار التاريخ وهو بيعة العقبة الثانية، ما لبثت مكة أن فُتحت وضُمت إلى دار الإسلام بعد قيام الدولة الإسلامية الأولى في المدينة، وطهرت من رجس الأصنام وفساد العبادات، ومن سوء الأخلاق والعادات، فرجعت إليها مكانتها الصحيحة كونها تحوي أول بيت وضع للناس. ولبثت ردحاً طويلاً من الزمن آمنة لم يمسسها سوء، ولم يقربها مشرك، حتى خان أميرُها، وتمرد على أوامر الخليفة العثماني وعمل مع الإنجليز أعداء الإسلام والمسلمين. وكان ذلك مدعاة لسقوط الخلافة وسقوط مكة تحت الاحتلال البريطاني السعودي، ثم الأميركي السعودي. وهكذا سقطت بلاد المسلمين الواحدة تلو الأخرى تحت الاحتلال، وتولى أمر المسلمين أكابر المجرمين الذين يطلق عليهم حكام العرب والمسلمين المنتظمين فيما يسمى بمنظمة المؤتمر الإسلامي. وهم أنذال لا يقارنون بطواغيت مكة الجاهليين، ذلك بأنهم خدم للغرب الكافر، وسدنة للبيت الأبيض وقصر بكنغهام. وها هم اليوم يأتمرون في مكة ليمكروا بالإسلام والمسلمين في ظرف دقيق أحوج ما يكون فيه المسلمون إلى قيادة واعية مخلصة تنجيهم من الغرق وتخرجهم من المأزق.
أيها الناس: إن هذا المؤتمر الباهت وما تمض عنه يكشف مدى استهتار الحكام بمصالح شعوبهم، ويعكس تفاهة منقطعة النظير في أسبابه ونتائجه، ويظهر بشكل فاضح أن المؤتمرين إمّّعات يقولون كما تقول أميركا وأوروبا، خصوصاً عند الحديث عمن يسمونهم إرهابيين أو فئات ضالة أو منحرفة، حيث اختزلت قضايا المسلمين في محاربتهم واستئصالهم! ولو كان هؤلاء المجرمون لربهم عابدين، ولأمتهم مخلصين، وبالقيادة جديرين، لحكموا بما أنزل الله وأقاموا وجوههم للدين حنفاء غير مشركين به، ولظهرت عليهم علامات الذلة على المؤمنين والعزة على الكافرين، ولوحدوا صفوف الأمة خلف جيوشها لدحر المعتدين على بلاد المسلمين ومقدساتهم، ولثأروا للدماء البريئة التي سالت، وللنساء العفيفات التي اغتصبت، ولحاسبوا سفهاء الإمارت الذين بنوا مدينة للثلج والتزلج عليه في الصحراء القائظة بكلفة ألفين ومائتي مليون دولار، ولرفضوا حكام العراق القدامى والجدد الذين قتلوا العباد وباعوا البلاد، ولطردوا حكام فلسطين الذين فرطوا فيها والمقدسات، ولصفعوا حاكم باكستان بالنعال على ولائه غير المسبوق للأميركان، ولأطلقوا الرصاص على حاكم أوزبكستان الذي قتل شعبه بالجملة والمفرق... ولو استرسلت في شروطي عليهم ما وسعني مقام كهذا، فكلهم تكبر وإجرام وخطايا وآثام. ولكني أقول إنهم ليسوا لذلك أهلاً، ولا للأمة أملاً، بل هم قوم خصمون.
أيها الناس: إننا جميعاً نتفق على انتقاد ذاك الجيل الذي شهد إضاعة بلاد الأندلس، ونلوم الذين ساهموا في حياكة ونسج أكفان الخلافة الإسلامية وشهدوا هدمها حتى تفرقت الأمة الإسلامية شذر مذر، وتفرقت إلى أحزاب حاكمة تتربع على العروش الكرتونية يلعن بعضها بعضاً ويقتل بعضها بعضاً، بل إن المؤتمرين في مكه هم أبناؤهم وأحفادهم وورثة عروشهم وسلائل خياناتهم؟ وإننا ولا شك ننحي باللائمة على الذين أضاعوا أولى القبلتين وثالث المساجد التي لا تشد الرحال إلا إليها؟ فما دمنا نعيب أولئك، ونرى أنهم تخلوا عن تحمل تلك المسؤولية، فماذا ستقول الأجيال القادمة عنا؟ ألا يحق لهم أن يتحدثوا عنا باللغة نفسها؟ ألا يحق لهم أن يصفونا بما نصف به أولئك؟ وما الذي يميزنا عن غيرنا ونحن نشهد المؤتمرات تتلوها المؤتمرات، والخيانات تتبعها الخيانات؟ ثم لا نحرك ساكناً وكأن الأمر لا يعنينا! ماذا نقول لرب العرش يسألنا، يوم اللقاء ويوم الناس قد حشروا؟
(الخطبة الثانية) أيها الناس: لقد كانت مكة من القرى الظالمة، فقد لقي الرسول صلى الله عليه وسلم فيها وصحبه من أساليب البطش ما يجل عن الوصف، وكان الله تعالى يقصّ عليه قصص القرى الظالمة الأولى عزاءً وتسرية وعبرة "وكأين من قرية هي أشدّ قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم". وإن المجرمين في تلك القرى متشابهون في جرائمهم "وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون"، وقال تعالى "ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد"، وقال جل شأنه "وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكم موعدا". وإن الذي واجهه أنبياء الله ورسله عليهم السلام من أقوامهم في القرى الظالمة شبيه بالذي واجهه رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في قريته التي أخرجته وهي مكة المكرمة، ومن قومه الذين لم يختلفوا عن غيرهم ممن سبقوهم. وشبيه أيضاً بما يواجهه حملة الدعوة اليوم من وسائل القمع وأساليب التعذيب والإذلال في الدول القائمة في العالم الإسلامي "وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون". وإن أكابر المجرمين في بلاد المسلمين اليوم هم عظماؤها وأمراؤها، وهم أنفسهم الذين نصبهم الكفار المستعمرون حكاماً على الدويلات القائمة في العالم الإسلامي بعد أن أجهزوا على دولة الخلافة العثمانية. وقد أخذ هؤلاء الحكام (وهم أكابر المجرمين) على أنفسهم عهداً أن يجيدوا خدمة أسيادهم الكفار الحاقدين في كل المجالات، خصوصاً في مواجهة كل حركة أو حزب أو جماعة تعمل لإعادة الخلافة وتوحيد الأمة وتطبيق شرع الله الذي غاب بغياب الخلافة عن الأرض. وقد تفنن هؤلاء الأكابر المجرمون في أساليب القمع حيث أوردوا الدعاة والمجاهدين الزنازين وغياهب السجون وعذبوهم، وقتلوا منهم من قتلوا، ونفوا منهم من نفوا. إنهم يمكرون، ولكنهم لا يشعرون بعواقب مكرهم الذي سيكون وبالاً عليهم، كما كان وبالاً على أكابر المجرمين الذين سبقوهم.
أيها الناس: لما فتحت مكة، وعلى الرغم من العفو العام، فقد أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح دماء عشرة من أكابر المجرمين، وأمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة. وعندما ستقوم الخلافة قريباً بإذن الله، ويطاح بعروش هؤلاء الأكابر المجرمين فسيصدر نوع من العفو العام، ولكنه لن يشملهم أو من شاركهم في جرائمهم، وسيقتلون ولو تعلقوا بأستار الكعبة التي تآمروا فيها.
وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ. فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ.
ابو رافت
الجمعة 15 ذو القعدة 1426 هـ
الموافق 16 كانون أول 2005 م

العقلاء والمجانين

(الخطبة الأولى) أيها الناس: يشتد الصراع الفكري والكفاح السياسي في أيامنا هذه مع الكفار وعملائهم أكثر من أي وقت مضى منذ نشوء الإسلام وبدء الصراع الفكري والكفاح السياسي الأول بين المسلمين وكفار قريش وما حولها. وقد وجد في كفار قريش وما حولها عقلاء استجابوا للدعوة الإسلامية واعتنقوا العقيدة وحملوا الدعوة أصبحوا بحق نخبة زمانهم والأزمان التي تأتي بعدهم إلى يوم القيامة وهم جيل الصحابة الكرام رضي الله عنهم. ووجد بعض العقلاء ممن أعلنوا صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وصحة نسبة القرآن إلى الخالق الذي أنزله على رسوله، وصدقوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنهم لم يدخلوا في الإسلام لسبب أو لأخر إما للمحافظة على مكاسب دنيوية زائلة من منصب أو جاه كابن المغيرة وأبي جهل، وإما للوفاء بعهود ومواثيق مع الفرس والروم كبني شيبان، وإما لخوف من سطوة الطواغيت، أو غير ذلك من الأسباب التي تتحكم عادة في قرارات الناس، وكان مما قاله بيحرة بن فراس من بني عامر بن صعصعة: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب. ثم قال للرسول صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من يخالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمر لله يضعه حيث يشاء. قال: فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك. فأبوا عليه، فلما صدر الناس، رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم قد كان أدركه السن حتى لا يقدر أن يوافي معهم الموسم، فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم، فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم فقالوا: جاءنا فتى من قريش، أحد بني عبد المطلب، يزعم أنه نبي يدعونا إلى أن نمنعه، ونقوم معه، ونخرج به إلى بلادنا. قال: فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال: يا بني عامر هل لها من تلاف؟ هل لذناباها من مطلب؟ والذي نفس فلان بيده ما تقوّلها إسماعيلي قط، وإنها لحق فأين رأيكم كان عنكم؟ ووجد من أسلم وكتم إيمانه خوفاً وضعفاً أو لصغر سنه وعدم الأخذ برأيه كإياس بن معاذ. بل إن من الحكام من قد أسلم ولكنه لم يكن يملك القدرة على فرض دينه على قومه كالنجاشي وأحد الهرقلة.
أيها الناس: كذلك هو الأمر في زماننا، حيث يوجد في غير المسلمين من يرى أن دين الإسلام هو الدين الصحيح فيعتنق عقيدته ويدخل فيه معلناً ذلك أو مخفياً وفقاً لظروفه التي يعيشها مع قومه. وتفيد الإحصائيات أن عدد الذين يدخلون في دين الله يتزايد يومياً، ففي عام 2005 م اعتنق دين الإسلام حوالي 20،000 روسي و1000 ألماني، وأن هناك زيادة في هذه الأرقام بنسبة 25% عن العام الماضي. ولا شك أن أعداداً أخرى من العقلاء تعلن إسلامها في باقي بلدان الغرب والشرق على حد سواء. وهناك بعض العقلاء من الكتاب والمفكرين وأصحاب العقول الراجحة يصرحون من وقت لآخر بأن دين الإسلام هو الحق، وأنه من السفه تجريم الإسلام والمسلمين بأخطاء بعضهم، بل إن بعض أولئك الكفار العقلاء قد دعا إلى إقامة دولة الخلافة الإسلامية لتحل مشاكل الزمان المستعصية، وينعم بالعيش في ظلها كما صرح بذلك الحاخام اليهودي مائير كابلان، والكاتب اليهودي التركي إسرائيل شامير. وآخر نموذج لهؤلاء العقلاء، أشهر كاتب وصحافي سويسري يدعى أرنولد هوتينغر، متخصص في شؤون الشرق الأوسط، وقد حذر من زيادة الضغوط على المسلمين وقمعهم سواء في بلدانهم أو في أوروبا، لأن ذلك لن يؤدي إلا إلى مزيد مما وصفه بالعنف والإرهاب. وقال هوتينغر في افتتاح المنتدى الدولي الأول للأديان الذي نظمته مؤخرا جامعة فريبورغ السويسرية، إنه ليس من الإنصاف ربط كل حدث عنيف بالإسلام والمسلمين، وطالب بالبحث عن الخلفيات والدوافع والتعامل معها بشكل عملي ومنطقي، قبل إلقاء التهم جزافاً على الإسلام والمسلمين. وأكد الصحفي السويسري أن الإسلام لا يحث لا على التطرف أو الإرهاب، وفقا للمفاهيم السائدة الآن في الغرب. وأكد هوتينغر أن "الإسلاميين يسعون إلى نشر أيديولوجيتهم على نطاق واسع لأنها تحمل لهم دعائم النجاح في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بعد الإحباط والفشل الذي يشعر به العرب والمسلمون منذ عهود الاحتلال". وأقر بعدم نجاح التيارات الفكرية الغربية في تقديم أي علاج لمشكلات تلك الشعوب، بل تفاقمت مشكلاتها بشكل كبير. وأكد أن ما وصفه بظواهر التطرف المرتبطة بالإسلام، نشأت دائما كرد فعل على ضغوط وقمع، سواء من قبل الحكومات والأنظمة أو من قبل القوى الأجنبية، وضرب أمثلة مختلفة على ذلك، من العراق وفلسطين وباكستان والجزائر وتركيا. وشدد في هذا السياق على أن التطرف لا يرتبط بالإسلام وحسب، بل أيضا بجميع الأديان، منتقدا الغرب الذي يركز فقط على "التطرف الإسلامي" وكأنه المشكلة الوحيدة في العالم. في الوقت نفسه أكد هوتينغر أن دعم سياسة الرئيس الأميركي جورج بوش لما يوصف بالحرب على الإرهاب هي "من الأدوات التي تدعم انتشار الإرهاب" وأن الإدارة الأميركية شجعت من خلال حرب العراق على إضفاء شرعية على الفكر المتطرف. ويعتبر هوتينغر (79 عاما) أول صحفي سويسري يعمل لمدة نصف قرن كامل في العالم العربي كمراسل مقيم لأشهر وسائل الإعلام السويسرية. واكتسبت مقالاته وتقاريره شهرة واسعة بفضل دراسته المتعمقة للتاريخ العربي والحضارة الإسلامية. كما ساعد إتقانه للغة العربية على تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة لدى السويسريين عن الصراع العربي الإسرائيلي، وله أكثر من كتاب يصنف على أنه مرجع للباحثين في مجال تاريخ الشرق الأوسط الحديث.
أيها الناس: إن نظرة هذا الكاتب وأمثاله من العقلاء للدين الإسلامي ولأحوال المسلمين أرقى وأفضل مئات المرات من نظرة بعض المنتسبين إلى الإسلام من أبنائه والحكام، وهذا واضح جلي في تخلي الحكام عن العمل بكتاب الله وسنة رسوله، وانسياق الكتاب والصحافيين وكثير من العلماء وأتباعهم وراء دعوات الترويج للديمقراطية وموالاة الغرب، بل والطعن في الإسلام وأحكامه، والصد عن سبيل الله بمحاربة العاملين المخلصين لإعزاز هذا الدين، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: لقد وقع المسلمون بين مطرقة مجانين الكفار الرأسماليين الجشعين وسندان مجانيننا المغفلين والمضبوعين بالغرب وأسباب بين ذلك كثير. وأصبح الأميركيون ولاة أمورنا، يطيعهم الحكام ومحاسيبهم وأزلامهم في كثير من الأمر، فما يقرره بوش في واشنطن تجده مطبقاً بحذافيره في دمشق والرياض وعمان والقاهرة وكابول وإسلام أباد وغيرها من عواصم بلاد المسلمين وحواضرهم، وحتى في قراهم وأريافهم وبواديهم. وما قرار المشاركة في الانتخابات العراقية والفلسطينية إلا خير شاهد على هذه التبعية الببغاوية. وقد سمعت مؤخراً فتوى من ألف عالم في العراق توجب الانتخابات تحت حراب الأميركيين. وأين هذه الفتوى من فتوى ألف عالم أفغاني زمن الطالبان تحرم تسليم ابن لادن للأميركيين؟ شتان بين الفتوتين، فأصحاب الأولى يسقون المسلمين ماء الحياة بذلة، والأخرى سجلت في الصحائف البيضاء لأصحابها وماتوا بكرامتهم أن شربوا بالعز كأس الحنظل. وقد سمعت يوم أمس فتوى لأحد المنتسبين إلى العلم والفقه في فلسطين يقول إن الانتخابات المباحة تصبح فرضاً على المسلمين إذا تم التيقن من أنها تحقق مصلحة راجحة لهم! فأين هي المصلحة الراجحة اليقينية من الانتخابات الفلسطينية أيها المفتي المبجل؟ وهل الدولة الفلسطينية العلمانية بلا سيادة على بر أو بحر أو جو مصلحة راجحة للمسلمين؟ ما لكم كيف تفتون؟ ثم، ألا ترون أن الذي يتحكم في سير السياسات اللبنانية والسورية هو ديتلف ميليس، ومن ورائه كوفي أنان وأميركا وأوروبا؟ وما هي الحكمة العظيمة الكامنة وراء بقاء لبنان منفصلاً عن أصله سوريا؟ ألفتح المزيد من المقابر الجماعية عندما يتقاتل الجيشان السوري واللبناني في حرب تحرر مخابراتية مصطنعة؟ أمن رجاحة العقل أن يخضع 500 شخص للتحقيق في مقتل الحريري، ويستدعى المزيد من المسؤولين السوريين واللبنانيين إلى فيينا للتحقيق معهم وكأنهم بلا حصانة أو كرامة؟ أليس هذا هو الجنون المطبق يا سادة؟
أيها الناس: إن العقل كل العقل في اتباع الشرع الإسلامي الحنيف، وإن العقل كل العقل يكمن في العمل مع العاملين المخلصين لإعزاز هذا الدين بإقامة دولة الخلافة الإسلامية الثانية الراشدة على منهاج النبوة، وإن العقل كل العقل يتمثل في رفض جنون الكفار وأتباعهم من المجانين في بلاد المسلمين. والله سبحانه وتعالى يقول {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه}، ويقول جل شأنه {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء}. فاللهم اشرح صدورنا، ويسر أمورنا، واجعلنا من العقلاء، وقنا شر المجانين.

.........................................................................







الجمعة 22 ذو القعدة 1426 هـ
الموافق 23 كانون أول 2005 م


مناشدة إلى الحُجاج


(الخطبة الأولى) قال تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى، وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ.


أيها الناس: يكثر العلماء والخطباء والوعاظ والمدرسون في هذه الأيام، ونحن نودع حجاج بيت الله الحرام، يكثرون من الحديث عن الحج ومناسكه وشعائره والصفات الواجب توفرها فيمن سُمح له بالحج، ويتكلمون في كل أمر من شأنه أن يمكن الحاج من أداء حجه على الوجه الأكمل، ولا عجب، فهو مُقْدِم على عمل جليل وشعيرة مباركة إن وفقه الله لأدائها فهو على خير عظيم. فنجدهم يسمونه موسم الطاعات، ويحضون الحاج على الإخلاص فيه، ويحذرونه من الرياء، وأن يستحضر النية، وأن يجاهد نفسه، وألا يكون من أولئك الذين خرجوا إلى الحج رياء وسمعة، حتى يقال لأحدهم: إنه حجّ بيت الله الحرام، وأن ذلك رياءً، والرياء محبط للعمل. ويشدد العلماء والخطباء والوعاظ والمدرسون بأن أيام الحج هي أيام تلبية ودعاء فليغتنمها الحاج، خصوصاً يوم عرفة.


قال الإمام النووي في يوم عرفة: (وينبغي أن يكرر الاستغفار والتلفظ بالتوبة من جميع المخالفات مع الندم بالقلب وأن يكثر البكاء مع الذكر والدعاء، فهناك تسكب العبرات وتستقال العثرات وترتجى الطلبات، وإنه لمجمع عظيم وموقف جسيم يجتمع فيه خيار عباد الله الصالحين وأوليائه المخلصين، وهو أعظم مجامع الدنيا). حقاً إنه كذلك، فكم من قلوب ذابت شوقاً للحلول بتلك الربوع الطاهرة، وشهود تلك المواسم! ولفضل هذه الأيام وانشغال الخلق فيها بالطاعات يغتاظ إبليس ويصيبه الذل والصغار، فما رئي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة. ولا ينسى أحد من العلماء والخطباء والوعاظ والمدرسين القول بأنها أيام الغفران والطاعات، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو يتجلى ثم يباهي بهم الملائكة.


نعم، إنها أيام الطاعات وأسواق التقوى فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج. ولا يفوت أحد من العلماء والخطباء والوعاظ والمدرسين كذلك أن يذكر الحاج بألا يؤذي أخاه المسلم، وأن يتحلى بالسكينة والوقار، وعدم المزاحمة الشديدة عند الحجر الأسود، وعند رمي الجمار، ويذكرونهم بالتراحم والتواد بين المسلمين، ويحشدون الأدلة من الكتاب والسنة وسير الصحابة وأقوال العلماء على كل ما ذُكر وغيره، وهذه أمور طيبة لا غبار عليها.


أيها الناس: إن الأمر الأهم الذي أغفله العلماء والخطباء والوعاظ والمدرسون – إلا من رحم الله - وهم يثقفون الحجاج ويودعونهم إلى بيت الله الحرام، هو تبصيرهم بأحوالهم وأحوال المسلمين، وعقد مقارنة ولو بسيطة بين حجاج اليوم وحجاج الأمس. تلكم التبصرة وهذه المقارنة تستوجب بيان الأمور التالية:

1. إن الذي حج بالناس أول مرة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفته نبياً ليعلمهم المناسك، وليرعاهم بصفته رئيساً لدولة الإسلام الأولى، في إشارة واضحة إلى وجوب وجود أمير للمسلمين يحج بهم كل عام، أو ينيب عنه أميراً للحج يتولى هذه الولاية العظيمة. وكذا فعل الخلفاء من بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، عندما كان للناس جماعة وإمام. وأما اليوم فلا جماعة للمسلمين ولا إمام، فالجماعة هي الأمة على إمام دار العدل، وقال فيها عبد الله بن المبارك: إن الجماعة حبل الله فاعتصموا # منه بعروته الوثقى لمن دانا. كم يرفع الله بالسلطان مظلمة # في ديننا رحمة منه ودنيانا. لولا الخلافة لم تأمن لنا سبل # وكان أضعفنا نهباً لأقوانا.

2. كانت خطبة حجة الوداع بياناً سياسياً شاملاً لكافة القضاية المهمة، مما يدل على أن خطبة عرفة ينبغي أن تتناول أهم القضايا التي تواجه المسلمين في كل عام، فكيف بالله عليكم ترون خطبة عرفة منذ أن ولي السفهاء أمر المسلمين؟

3. لم نسمع ولم نقرأ في كتب التاريخ المعتمدة أو غير المعتمدة عن نفر من المسلمين أرادوا الحج فمُنعوه، ولم نسمع أو نقرأ في تاريخنا عن تخصيص عدد معين من الحجاج لكل مجموعة من الناس يعيشون في قطر من الأقطار، واستثناء آخرين من ذلك النظام القاصر المبتدع.

4. كان الحاج يسير من بلاده ولو كانت بالفج العميق إلى البيت العتيق يتنقل بحرية تامة، لا يوقفه أحد ليسأله عن جواز سفره، أو يفتش أمتعته، أو يخضعه للاستجواب الطويل إذا قال كلمة تفيد من قريب أو بعيد أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر. كان يمر من القرى عزيزاً مكرماً، آمناً على نفسه ومتاعه، يلقى على طول الطريق تكايا وخانات تطعمه إذا جاع، وتؤويه إذا نزل، وتؤمنه إذا خاف، يستريح فيها من عناء السفر وطول المسير، فكانت استراحات حقيقيقة غير مزيفة، لا تشبه استراحات اليوم على نقاط الحدود إلا في الإسم والرسم، وما هي إلا مراكز إذلال تكرس التجزئة المقيتة بين بلاد المسلمين، وتذر قوافل الحجيج كمّاً مهملاً عند نقاط قطع الطريق، يتحكم فيهم موظفو تلك المراكز الجائرة كيف يشاؤون.

5. كان المسلمون في أزمنة العز والسؤدد يعظمون حرمة الدماء والأموال والأعراض أكثر مما يعظمون حجارة الكعبة وكسوتها وسدانة البيت وسقاية الحاج، مع أنهم يعظمونها أيضاً، ولكنهم اليوم قلبوا الموازين، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير. فدماء المسلمين تسيل أنهاراً في العراق وفلسطين والشيشان وأفغانستان وتايلند وكشمير وغيرها من بلاد المسلمين، ولا يأبه أحد بها، ولا يذكرونها إلا لماماً، وأما حجارة الكعبة فمعظمة، وكسوتها فخمة، وفناؤها أبيض نظيف، غير أن قلوب حكامها سوداء، وبطونهم جرباء، وعقولهم خربة، أن حكموا بغير ما أنزل الله، ووالوا أعداء الله، وعادوا أولياءه.

6. كان الحجيج يسيرون في بلاد المسلمين تحت راية العقاب ليس لكافر سلطان عليهم، يحملون تابعية واحدة مهما اختلفت ألوانهم وألسنتهم، وأما اليوم فما من حاج إلا ويخضع لنوع من أنواع السلطان الكافر من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه، تظله رايات سايكس بيكو الكافرة، ويحمل وثيقة سفر صادرة من جهات معادية للإسلام والمسلمين، يُلزم بتعريف نفسه بها، والتجمع في المشاعر على أساسها، فهؤلاء حجاج فلسطينيون، وآخرون إسرائيليون، وأولئك حجاج أردنيون، وسوريون ومصريون وعراقيون وأندونيسيون وصينيون وما شاكل ذلك من قوميات ووطنيات... إن هي إلا أسماء سماها حكامكم وأسيادهم ما أنزل الله بها من سلطان.

7. كانت إدارة الحج ولاية من ولايات الحكم والسلطان، وكان القائمون عليها موظفي دولة، واليوم أصبح القائمون عليها من القطاع الخاص، وصار الحج تجارة يستأثر بربحها المقربون من سلاطين الجور والمقاولون، منهم الصالحون ومنهم دون ذلك.
أيها الناس: لماذا لا تكون هذه المسائل المصيرية والقضايا الجوهرية هي محل اهتمام العلماء والخطباء والوعاظ والمدرسين، حتى يكون الناس ومنهم الحجاج على بينة من أمرهم، ولا يكون أمرهم عليهم غمة، فيهبوا إلى العمل لإنهاض أمتهم من كبوتها، ويكون موسم الحج بحق مؤتمراً عاماً مفيداً للمسلمين، تعالج فيه القضايا المهمة إضافة إلى أداء المناسك؟ هذا ما أنشد حجاج بيت الله الحرام فيه، وأقول قولي وأستغفر الله لي ولكم.




(الخطبة الثانية) أيها الناس: يا ليت كل حاج يتمثل هذه المعاني السامية، ويدرك هذه القضاية المهمة، ويوطن نفسه على أن يقول الحق لا يخشى في الله لومة لائم، فعندما يستلم الحجر أو يقبله يلعن حكام المسلمين الذين عطلوا شرع الله وحكموا بغير ما أنزل الله، وعندما يسير بين الركن والمقام ويصلي عنده يتمنى أن يبايع إماماً للمسلمين على السمع والطاعة للحكم بالكتاب والسنة، وعندما يطوف بالبيت يدعو ربه أن يطوف طائف بالكفار وأعوانهم من الحكام والزبانية فيهلكهم ويبيد خضراءهم، وعندما يقف بعرفة عند الصخرات السود كما وقف الرسول صلى الله عليه وسلم يرفع يديه إلى الملك الجبار ويلهج إليه بالدعاء أن يقصم ظهور الجبارين في واشنطن ولندن وباريس وموسكو وبكين وباقي الجبارين في الأرض، وأن يبدل الناس خيراً منهم خليفة راشداً يحكمهم بشرع الله الذي نزل من فوق سبع سماوات.

وعندما يزور قبر الرسول صلى الله عليه وسلم يقف عنده مطولاً ويصرخ بأعلى صوته أن قد ضيعنا حكامنا يا رسول الله، وقد خلفنا أقوام ليسوا كصاحبيك الذين يرقدان إلى جوارك، حكام يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لنا، عطلوا شرع الله ومنعوا الجهاد في سبيله واستأثروا بالفيء، لا ينكرون منكراً ولا يعرفون معروفاً. بل إنهم ذهبوا أبعد من ذلك، فقد أعزوا أعداءنا الكفار وأذلوا إخواننا المؤمنين، ومكنوا الكفار من رقابنا، سيرتهم سيئة، ورائحتهم نتنة، قلوبهم كقلوب الشياطين في جثمان إنس.


أيها الناس: لسنا بحاجة إلى زيادة أعداد الناس الذين يقال لهم "الحاج فلان"، ولكننا بحاجة ماسة إلى زيادة أعداد العاملين المخلصين من أبناء المسلمين لإعزاز هذا الدين بلا أدنى تأخير، فكونوا منهم يرحمكم الله.
ابو رافت
الجمعة 29 ذو القعدة 1426 هـ
الموافق 30 كانون أول 2005 م

بين حانا ومانا ضاعت لحانا

(الخطبة الأولى) أيها الناس: تزوج رجل بامرأتين إحداهما اسمها حانا والثانية اسمها مانا، وكانت حانا صغيرة السن عمرها لا يتجاوز العشرين بخلاف مانا التي كان يزيد عمرها على الخمسين والشيب لعب برأسها، فكان الرجل كلما دخل الى حجرة حانا تنظر إلى لحيته وتنزع منها كل شعرة بيضاء وتقول: يصعب علي أن أرى الشعر الشائب يلعب بهذه اللحية الجميلة وأنت ما زلت شاباً، فيذهب الرجل الى حجرة مانا فتمسك لحيته هي الأخرى وتنزع منها الشعر الأسود وهي تقول له: يكدرني أن أرى شعراً أسوداً بلحيتك وأنت رجل كبير السن جليل القدر. ودام حال الرجل على هذا المنوال إلى أن نظر للحيته في المرآة يوماً فرأى بها نقصاً عظيماً، فمسك لحيته بعنف وقال: "بين حانا ومانا ضاعت لحانا". ومن وقتها صارت مثلاً.
أيها الناس: إن السبب الذي أوصلني إلى البحث عن مثل هذا المثل لأصدّر به خطبة اليوم هو قراءتي لمقال كتبه كاتب مقدسي مخضرم قبل أسبوع فقط بعنوان: "هل أصبح شارون أهون الشرين؟" ونشر هذا المقال في موقع شبكة الانترنت للإعلام العربي (أمين). ولما قرأت المقال طافت ذاكرتي السياسية والتاريخية المتواضعة في أرجاء قضية فلسطين بدءاً من وعد بلفور وانتهاءاً بوعد شارون، ومروراً بالمبعوثين الأوروبيين والأميركيين والروس والمصريين، يغدون ويروحون لعشرات السنين، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر المزيد من الغدوات والروحات. وفي كل مرة يغدون فيها ويروحون ينتفون شعرة من لحية أهل فلسطين، فتارة ينتفون شعرة وطنية من هذه اللحية، وتارة أخرى ينتفون شعرة إسلامية. وما أن أوشكت الانتخابات الفلسطينية التشريعية أن تطل برأسها، وإذا باللحية الفلسطينية قد تطايرت شعراتها من كثرة النتف الأميركية والأوروبي والروسي والمصري، إضافة إلى النتف الفلسطيني الداخلي الذي يمارس في السر والعلن. وأصبح من الصعوبة بمكان القول بأنه ما زال للفلسطينيين لحية بعد كل إجراءات التشويه الناتج عن النتف والقصف والاجتياح والإغلاق والإغتيال والإعتقال والحواجز الثابتة والطيارة والجدر الحقيقية والمجازية، مما أدى إلى انهيار الجسد الفلسطيني فضلاً عن ضياع لحيته!
أيها الناس: نعود إلى المقال الذي افتُتح بالكلمات التالية: "ما زلت اذكر نصيحة قديمة قدمها لي الملياردير السعودي الأشهر "عدنان خاشقجي" في قوله لي: هناك شخص واحد قادر على أن يحقق السلام بين العرب واليهود.. هو .. أرئيل شارون!" ولم أناقش صديقي "عدنان" في هذا الرأي لأني كنت أعلم مدى قوة صداقته مع رئيس وزراء إسرائيل! ثم تحدث الكاتب عن حزب شارون الجديد، وعرج في الحديث على نتنياهو رئيس الحزب الجديد لحزب شارون القديم، وتابع القول: وهكذا ما زلنا وسنبقى ندور في دوامة لا تنتهى قوامها (شارون ونتنتياهو) فقط لا غير! الاثنان لا يحتاجان إلى التعريف، فقد عمل نتنياهو كوزير للمالية عند "رئيسه" شارون! كما سبق أن عمل شارون كوزير للخارجية عند "رئيسه " نتنياهو، ومن شارون إلى نتنياهو يا قلبي لا تحزن! ثم يقول الكاتب: واليوم، وقد سقطت الأقنعة أصبح لزوما أن نواجه ساعة الحقيقة.. معا!! وساعة الحقيقة تقول – من هذا اليوم – أن لا خير يرجى من أي فريق حزبي إسرائيلي يشترك في انتخابات الكنيست القادمة ويفوز بأغلبية المقاعد، ويضمن تشكيل الحكومة الاسرائيلية القادمة! واسمحوا لي أن أضيف بأن أي قرار "للسلم" ترضى به أية حكومة إسرائيلية قادمة- برئاسة شارون أو نتنياهو- لن يكون متجاوباً ولا متضمناً ولا معترفاً بشيء اسمه خريطة الطريق ولا بمسألة اللاجئين ولا بموضوع القدس! ويسأل الكاتب سؤاله المهم: ترى، هل من المنطق في شيء أن نهرع إلى إجراء انتخابات برلمانية ديمقراطية بينما البلاد غارقة في صراع عسكري ودموي، بعضها ضد بعضها الآخر، وبعضها الآخر ضد العدو الاخر؟ ويختم مقاله بقوله: ومن شارون الى نتنياهو.. يا قلب لا تحزن..! وعشر رجبا ترى عجباً. ويتابع قائلاً: ورفعت القلم وكتبت الى الصديق الملياردير عدنان خاشقجي سطوراً قلت له فيها: عزيزي عدنان، إن كلامك القديم معي عن قدرة شارون الوحيدة الفريدة في تحقيق السلام مع العرب، قد كان صحيحا ومقبولا في القرن الماضي، عندما رافقك شارون إلى كينيا والسودان، من أجل قضية "الفلاشا"..! أما اليوم، فقد تغيرت الظروف، وتبدلت مواقف الناس، وجرت "انقلابات كثيرة" في صفوف القادة والأحزاب الاسرائيلية، ولم يعد شارون قادراً أو راغباً في تحقيق مثل هذا السلام مع العرب...
أيها الناس: سأبدأ بالتعليق من حيث انتهى كاتب المقال، حيث الأموال تبعثر في فلسطين بلا حساب إنفاقاً على الحملات الانتخابية، ولا أحد يستطيع مساءلة المشرفين على هذه النفقات حول مصدر تلك الأموال الطائلة. وكشف تقرير حول المال الأجنبي الذي يدخل الانتخابات الفلسطينية مفاده أن الأموال تتدفق من كل حدب وصوب على جميع الجهات المشاركة في الانتخابات، لدرجة أن كثيراً من الموظفين الحكوميين قد حصلوا على إجازات غير مدفوعة الأجر ليلتحقوا بفرصة العمل المؤقتة التي توفرها اللجان الانتخابية، لا لسبب سوى أنها تدر عليهم دخلاً إضافياً جيداً. وأما القانون الفلسطيني فلم يوفر آليات لتتبع مصادر تلك الأموال! ويورد التقرير معلومات حول الحملة الانتخابية الأخيرة للرئاسة الفلسطينية حيث بلغت تكلفة حملة الرئيس الفلسطيني الحالي مليار ونصف المليار دولار، وأما منافسه فقد بلغت تكاليف حملته ثمانمائة ألف دولار تقريباً. وأن أميركا هي التي أنفقت على مطبوعات دليل الناخب، وأن الجهة الأميركية التي أنفقت على تلك المطبوعات قد وعدت بعض المرشحين بتوفير دعم مالي لهم بهدف خلق حالة من التوافق والانسجام لدعم السلام والاستقرار في المنطقة، ولمزيد من التطبيع...
أيها الناس: أرأيتم كيف تشترى ذمم المرشحين والناخبين على حد سواء؟ وإني لأرجو الله أن تمر زوبعة هذه المهزلة الانتخابية دون أن تحصد أرواحاً بعد أن حصدت الذمم، وليس كما حصل في انتخابات العراق ومصر التي لم تمر إلا بعد أن حصدت أرواحاً وذمماً.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: نُقل عن الكاتب نفسه صاحب المقال أنه ذهب إلى القاهرة في يوم من الأيام ليزور واحدة من عملاء الاستخبارات البريطانية في فلسطين بعد أن طعنت في السن واختارت مصر بلداً لإقامتها الدائمة، فقالت له: اسمع يا فلان، إن في قضية فلسطين لسراً عجيباً، فقال لها: وما هو؟ قالت: كلما كانت تأتينا خطة من لندن ومعها الأموال والرجال، كنا نسير فيها حتى حد معين، وإذا الأمور قد انقلبت، والأموال قد أهدرت، والأهداف قد فشلت، ثم يعاود ساسة لندن بإرسال خطة جديدة وأموال جديدة ورجال جدد، ما تلبث أن تلحق بسابقتها، ويكون الفشل الذريع هو نصيبها، وهكذا دواليك...
أيها الناس: عندما غزا الجراد المدينة المنورة دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أن يصرفه عنهم الى بيت المقدس، فقال الصحابة: يا رسول الله، إنه إذاً يؤذيهم، فقال عليه السلام: (لا يعمَّر فيها ظالم) يعني في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس. حقاً إنها الأرض التي لا يعمر فيها ظالم، ففيها كانت نهاية الدولة الرومانية الشرقية في معركة اليرموك، وكذا نهاية الاجتياح المغولي في عين جالوت، والغزو الصليبي في حطين، وتحطمت أحلام نابليون على أسوار عكا، وفيها سينتهي الإفساد اليهودي المعاصر الذي تحدثت عنه آيات الإسراء، والذي بدأ يأخذ أبعاداً عالمية، وما أمر الهجرة منكم ببعيد، وستكون فيها نهاية المسيح الدجال، ونهاية يأجوج ومأجوج، وهي أرض المحشر والمنشر.
أيها الناس: إن في ربط القرآن الكريم بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى عبرةً لمن اعتبر، وتحذيراً لمن غفل وأنكر، وبشرى لمن آمن وادّكر، وتهديداً لمن طغى وتجبر، ولعنة على من أدبر واستكبر. ولقد آن الأوان لنا نحن المسلمين أن ننبذ كل الترهات السياسية التي نتفت لحانا، وضيعت دماءنا، وأهملت شهداءنا، وأدارت ظهرها لجرحانا، وقسمت بلادنا، وأفسدت ذممنا، وسلختنا عن إخواننا والأصدقاء، وشمتت بنا الأعداء، وأورثتنا الهمّ والبلاء. وقد آن الأوان لنا أن نضع أيدينا في أيدي المخلصين من أبناء الأمة الإسلامية الذين يعملون بجد واجتهاد على بصيرة، من أجل إقامة دولة الخلافة الإسلامية الثانية الراشدة على منهاج النبوة، فهي الدولة الوحيدة القادرة على وقف المهازل الفلسطينية وغير الفلسطينية في العالم الإسلامي، بل هي الوحيدة القادرة على إنقاذ البشرية جمعاء من براثن الرأسمالية العفنة والديمقراطية الكافرة الجائرة.
....................................................................

الجمعة 6 ذو الحجة 1426 هـ

الموافق 06 كانون ثاني 2006 م

البرامج السياسية والبرامج الانتخابية



الخطبة الأولى

أيها الناس: هناك خلط كبير في أوساط المسلمين اليوم بين البرامج السياسية والبرامج الانتخابية. وبيان ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما خاض غمرات العمل السياسي ضد الكفار في مكة وما حولها، ثم في باقي أنحاء الجزيرة، كان يركز على القضايا الشمولية العامة دون الالتفات إلى القضايا الفرعية أو الثانوية، خلافاً لما أصبح عليه الحال بعد أن أقيمت الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة، حيث دخل في تفاصيل التفاصيل، وبين مواصفات القوانين والتشريعات، وخاض في تحديد الأطر الشخصية الأمثل لرجل الدولة والقاضي وموقع المرأة وغير ذلك من الأمور التي تضبط سير الأمة في الدولة والمجتمع.

فكان عليه الصلاة والسلام في مكة يدعو إلى نبذ كل ألوان الشرك والطاغوت وما ينبثق عنهما من تشريعات بشرية وتقنينات قاصرة، ويؤكد على الأهمية القصوى للتوحيد وتبعاته ومتعلقاته، والصبر وتحمل الأذى في سبيل هذه الدعوة التي تحيي الإنسان وتخرجه من الظلمات إلى النور، وتقوده إلى العيش ضمن نظام إلهي عادل. وكلنا يعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس: "قولوا لا إله إلا الله، محمد رسول الله تفلحوا". وكان يقول فيما بعد لمن يطلب النصرة والمنعة منهم: "أن تؤمنوا بي وتنصروني، حتى أبلغ عن الله ما أمرني، فإن قريشاً قد منعتني". ولم يدخل معهم في تفاصيل عيشهم الحالي أو العيش في ظل نظامه الجديد، اللهم إلا ما يشوقهم إليه، كقوله صلى الله عليه وسلم: "وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخش إلا الله، وزاد في رواية: والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"، كناية عن الوعد بالأمن.



أيها الناس: ولما قامت الدولة الإسلامية الأولى في المدينة، لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم شاردة ولا واردة إلا وأتى على ذكرها، وبينها بياناً شافياً وشرحها شرحاً وافياً. فلما كانت حجة الوداع، وهي اللقاء الجماهيري الأخير مع المسلمين، قال لهم بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أيها الناس: اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا، أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت، فمن كان عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها... ووضع الربا كله ودماء الجاهلية. ونهى عن النسيء، وبين عدة الشهور والأربعة الحُرُم، ووصى بالنساء خيراً وشدد في ذلك، وأن كل مسلم أخ للمسلم وأن المسلمين إخوة فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه فلا تظلمن أنفسكم وأكد على ضرورة أن يعقل الناس قوله، وأنه قد ترك فيهم أمراً بيناً ما إن اعتصموا به فلن يضلوا أبدا، كتاب الله وسنة نبيه. ثم قال: اللهم هل بلغت؟ فقال الناس: اللهم نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اشهد".



أيها الناس: دأب السياسيون المسلمون بعد ذلك على الحرص بشدة على كافة الثوابت الشرعية في برامجهم سواءً كانوا في سدة الحكم أم خارجه، وكانوا يتبارون في تبني الأحكام الشرعية في المسائل الخلافية طبقاً للاجتهاد الأقوى الذي يفرع المسألة بشكل أقرب للأصل الذي جاء به الوحي من كتاب وسنة وإجماع صحابة. ولم نعهد عن أحد منهم دعا ولو بطريق الخطأ إلى مراعاة الموقف الدولي أو التركيبة السكانية أو معطيات الاحتلال أو غير ذلك من ترهات البشر واختلاقاتهم مما شاع في زماننا، كالوطنية أو القومية أو الانظمة الاتحادية أو سياسة المعسكرات أو غير ذلك مما يخوض فيه الخائضون، ويهيمن على برامجهم الانتخابية.

فمن أراد خوض غمرات العمل السياسي اليوم، فعليه أن يتأسى بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في برنامجه السياسي الذي خاضه عندما لم تكن للمسلمين دولة، وأن يربأ بنفسه عن الخوض فيما خاض فيه الخائضون. فالله سبحانه وتعالى يقول {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأُ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم، إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً}. وأما بعد قيام الدولة الإسلامية الثانية الراشدة على منهاج النبوة قريباً بإذن الله، فإن الباب مفتوح على مصراعيه أمام الأحزاب والجماعات الإسلامية لتبني البرامج السياسية التفصيلية تبعاً للخلافات الفقهية والرؤى الفكرية، مع المحافظة بشكل تام على الثوابت الشرعية.



الخطبة الثانية


أيها الناس: قرأت مؤخراً بيانين سياسيين صادرين عن جهتين إسلاميتين، واحدة في تركيا وأخرى في فلسطين، وأحببت أن أطلعكم على ملخص موجز لهذين البيانين لتحددوا أقربهما إلى المطلوب الشرعي في زماننا. أما البيان الأول فمن تركيا وجاء فيه: "إن أياً من الدول التي جاهرت بعدائها للإسلام والمسلمين من مثل أميركا وبريطانيا لن تتمكن من الإفلات من قبضة دولة الخلافة الراشدة بل وستتلقى الرد المناسب على ما جنت، فالمسافات مهما طالت لن تكون مانعاً لتلقينهم درساً ينسيهم وساوس الشيطان، لا هم ولا إمعاتهم الطواغيت في البلاد الإسلامية، فنحن المسلمين الذين رضينا بالله رباً وبمحمد رسولاً وبالإسلام ديناً نقسم بل الله العظيم، أن ذلك اليوم آتٍ، بَعُد أم قَرُب، وعند مجيئه فسنفرح بنصر الله الذي مَنَّ به على عباده المُخلَصين، وسنجعل الحاكمية المطلقة على الحياة للإسلام وحده، وسنسقط أنظمة الكفر قاطبة ونلقي بها في مزبلة التاريخ، وسنجفف منابع الفساد والضلال المخالفة للإسلام.

ولن نقبل بأقل من تطهير فلسطين قاطبة من رجس يهود، وسنحرر العراق وأفغانستان، والشيشان وكشمير وكافة بلاد المسلمين الرازحة تحت نير الاحتلال من تسلط الكفر والكفار. وسنقوم بإغاثة كل ملهوف ومظلوم، أكان مسلماً أم غير مسلم، وسننتقم لهم بالعدل، وبإذن الله فسنقلب خوفهم أمناً. وسنوحد جيوش الأمة الإسلامية في جيش واحد جرار، لننتقم بإذن الله بأيدينا من الكفار وننتصر عليهم ونزيل كل عائق مادي يقف في وجه انتشار الإسلام، لنعيد بذلك الفرح إلى صدور المسلمين. وسنحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم رسالة هدى ونور بالدعوة والجهاد...وسنجعل كفار أوروبا وروسيا والصين يدفعون الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، إن لم يدخلوا في دين الله أفواجاً...وهذا وعد الله سبحانه الذي لا يخلف وعده، وبشرى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهي الحقيقة التي تثبتها الفراسة العقلية والنظرة السياسية الثاقبة. فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾.


وأما البيان الثاني فمن فلسطين و جاء فيه: "نلتزم بهدف دحر الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وحماية الشعب الفلسطيني بالوسائل الممكنة كافة. والمحافظة على التواجد الفلسطيني في القدس ودعم ذلك سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، وحماية المقدسات من التدنيس الصهيوني. ومقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني، وتشجيع الشعوب العربية والإسلامية والصديقة وحكوماتهم على ذلك. والعمل على ترميم العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية بما يخدم الأهداف الوطنية الفلسطينية، ويحترم مجالات الاختصاص. والحفاظ على الوقف الفلسطيني الإسلامي والمسيحي... وبناء علاقات سياسية متوازنة مع الأسرة الدولية، تحافظ على وحدة الأمة وتقدمها، وتخدم الإنسانية وتحفظ حقوقها لحماية قضيتها ورد العدوان عنها. والعمل على بناء نظام اقتصادي مع الدول العربية والإسلامية، والانفتاح على باقي دول العالم. وإجراء إصلاحات دستورية تكون مدخلاً لإصلاحات وتنمية سياسية شاملة. وتعزيز مبدأ الشورى وترسيخ مسيرته... وإقرار مبدأ تداول السلطة عملياً، وإشراك الطاقات البشرية الفلسطينية كافة في برنامج التطوير الشامل. والاعتراف بالقوى السياسية والاستفادة من جهودها الإيجابية. والمساهمة الفاعلة في إعادة صياغة منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيل دورها فيما يخص العلاقات الخارجية وقضية حق العودة...وجعل الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع في فلسطين. وترسيخ ثقافة الحوار، واحترام كل الآراء، بما لا يتناقض مع عقيدة الشعب وموروثه الحضاري... ولا نرى فرقاً بين المواطن الفلسطيني المسلم والمسيحي في كل مجالات حقوق المواطنة... ونسعى لتعزيز مكانة المرأة، بعيدا عن العادات الوافدة والتقاليد الجامدة الغريبة عن ثقافتنا. ونؤكد على حقوق المرأة الشرعية من خلال تفعيل التشريعات المنصفة لها...


أيها الناس: رغم أني لست هنا في منبر انتخابي، ولكني أسأل نفسي وأسألكم: أي البرنامجين أحق بالعمل وأجدر بالاتباع وأقرب إلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام؟
ابو رافت
الجمعة 13 ذو الحجة 1426 هـ
الموافق 13 كانون ثاني 2006 م

حجوا قبل أن يقتلكم حكامكم

(الخطبة الأولى) أيها الناس: إن لسان حال حكامنا القتلة ينطق بفصاحة ووقاحة قائلاً لنا معشر المسلمين: سنقتلكم ولو تعلقتم بأستار الكعبة! أجل سنقتلكم إذا ركعتم وسجدتم، وسنقتلكم إذا حججتم واعتمرتم، وسنقتلكم إذا بالمعروف أمرتم وعن المنكر نهيتم، وسنقتلكم إذا المحتلَّ قاومتم، وسنقتلكم مجاهدين وقاعدين، وسنقتلكم إذا عملتم للحكم بما أنزل ربكم أو طالبتم به، وسنقتلكم إذا انتخبتم أو امتنعتم، وسنقتلكم في منى والمشعر الحرام وحول البيت العتيق، وسنقتلكم قادمين ومغادرين، وسنقتلكم زُرافات ووحداناً، وسنقتلكم ثُباتٍ أو جميعاً، وسنقتلكم قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم.
أيها الناس: إن الذي جعلني أقرأ هذا المقال في حال حكامنا أننا لا نكاد نخرج من مذبحة حتى ندخل في أخرى، ولا تكاد بيوت العزاء تقفل بعد مقتلة إلا وقد فتحت مرة أخرى إثر مقتلة جديدة، ولا يكاد ينتهي موسم حج مليء بالقتل إلا ويحمل الموسم الذي يليه قتلاً أكثر وأشد تنكيلاً. وما سمعناه وشاهدناه يوم أمس عن مئات القتلى ومئات الجرحى في منى أثناء رمي الجمرات دليل على صدق القراءة للسان حال حكامنا المجرمين القتلة. فلماذا يقتل حجاج بيت الله الحرام وضيوف الرحمن دهساً تحت الأقدام، أو تردياً من الجسور العالية والآكام، أو خنقاً في الآنفاق وأماكن الزحام؟ مما أحدث مشاهد مأساوية داخل المستشفيات وخارجها، حيث الجثث الملقاة على الأرض، والجرحى بملابسهم المضرجة بالدماء، وبعضهم ينعي أقارب فقدهم في الكارثة، وأمور تهز المشاعر والأبدان، وتذهب بلباب العقول، ويصبح الحليم فيها حيران، بل إن المسلم قد أصبح يتوقع القتل في كل وقت من الأوقات! ما هذا الاستهتار بأرواح الناس ودمائهم أيها الحكام، وخصاصاً حكام الجزيرة العربية؟ ألم يؤتكم الله نفطاً تنفقون من ريعه على تهيئة أماكن المشاعر المقدسة لأداء المناسك؟ ألم تستأجروا المهندسين البارعين وجهابذة المخططين لاستيعاب الأعداد القليلة التي تصلكم كل عام؟ فلماذا يقتل الحجيج جراء سوء الرعاية والتقصير الفاضح؟ وماذا ستفعلون لو حج جميع الراغبين، وبلغت أعداد الحجيج عشرات بل مئات الملايين؟ أم أن الإنفاق مقنن على ملاهيكم ومرافقكم الخاصة، وإنشاء المدن الرياضية والثلجية، ولا تبالون بما يحصل لعموم المسلمين؟
أيها الناس: ليس في هذا العام وحده قُتل المئات من الحجاج، ولكنهم يُقتلون في كل عام. فعلى ذمة الإعلام الرسمي عام 1987 قُتل 400، وفي عام 1989 قتل حاج واحد، وفي عام 1990 قتل 1426، وفي عام 1991 قتل 261، وفي عام 1994 قتل 270 ، وفي عام 1997 قتل 343، وفي عام 1998 قتل 119، وفي عام 2001 قتل 35، وفي عام 2003 قتل 14، وفي عام 2004 قتل 251، وفي عام 2006 قتل 76 في حادثة سقوط الفندق، وقتل 300، والله أعلم بأعداد الجرحى، والله أعلم كذلك بحقيقة الأرقام الرسمية المعلنة وغير المعلنة، في الأعوام المذكورة وفيما سبقها من أعوام!!!
أيها الناس: ليت أرقام القتلى ناتجة عن التدافع وحسب، لقلنا إن الجهل وقلة الوعي وهامش الخطأ البشري أسباب كافية لحصول ما يحصل من قتل الحجاج بعضهم بعضاً، رغم عدم إعفاء الحكام من مسؤولية حصوله، ولكن الطامة الكبرى أن يُقتل الحجاج الأبرياء الضعفاء لإفساح المجال لحجاج أقوياء من المسؤولين وأشياعهم وزبانيتهم كي يؤدوا المناسك دون مدافعة الآخرين لهم! فقد نقل شهود عيان إنهم فوجئوا بالجنود السعوديين يفرضون طوقاً لمنع الحجاج من المرور، وأجبرهم على الخروج من منطقة الجسر مما أدى للتدافع والفوضى، بسبب وجود أحد كبار المسؤولين ومحاولة قوات الأمن إفساح الطريق له لرمي الجمرات. ما هذه العنجهية، وما هذا التكبر والتعالي على خلق الله؟ وهناك أسباب أخرى كثيرة تشي بسوء الرعاية والتدبير وسوء الإدارة والتقدير، حيث قال رئيس قسم عمليات الإنقاذ في مكة المكرمة إنه لم يكن بالإمكان إجلاء المصابين بالمروحيات بسبب الاكتظاظ الكبير في الموقع! فهل هذا مما يتعذر بها أيها المسؤول؟ وقد ذكر البعض أن تزاحم مئات الآلاف ممن لم يأخذوا بفتاوى التيسير بشأن إمكانية الرمي قبل زوال الشمس، كان سببا رئيسيا في الحادث. فهل تعلقون أخطاءكم على اتباع الفقه الراجح دون المرجوح، أم تريدون أن تلعبوا بالمناسك والعبادات حتى تسيروا الناس وفق دينكم وأهوائكم، وفتاوى علماء قصوركم؟ في حين ذكر البعض أن اصطحاب الآلاف لأمتعتهم ساهم في حالة الفوضى التي سادت، فأين عيونكم الساهرة التي تدعون؟ وهل حمل الحقائب من قبل المتعجلين أمرٌ لا يخطر بالبال؟ فقد تحدث بعض الحجاج عن سوء حالة وسائل المواصلات وسوء التنظيم الذي اقتصر فقط على الدور البشري لقوات الأمن، إضافة لتراكم كميات كبيرة من النفايات. ولكنكم في غمرتكم ساهون، وعن رعاية ضيوف الرحمن مقصرون، قاتلكم الله أنى تؤفكون.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: حج أمير المؤمنين هارون الرشيد ذات مرة، فرآه الناس وقد تعلق بأستار الكعبة يقول: "يا من خشعت له الأصوات بأنواع اللغات يسألونه الحاجات، إن من حاجتى إليك أن تغفر لى ذنوبى إذا توفيتنى، وصُيِّرت فى لحدى، وتفرق عنى أهلى وولوا، اللهم لك الحمد حمداً يفضل كل حمد، كفضلك على جميع الخلق، اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد صلاة تكون له رضا، وصلّ عليه صلاة تكون له ذخرًا، واجزه عنا الجزاء الأوفى، اللهم أحينا سعداء، وتوفنا شهداء، واجعلنا سعداء مرزوقين، ولا تجعلنا أشقياء مرجومين." وكان الرشيد ديِّنا محافظًا على تكاليف الاسلام، وصفه مؤرخوه بأنه كان يصلي في كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا، وينفق على الفقراء من ماله الخاص، ولا يتخلف عن الحج إلا إذا كان مشغولاً بالغزو والجهاد، وكان إذا حج صحبه الفقهاء والمحدثون. فماذا كان يفعل حكامنا في موسم الحج هذا العام؟ لقد كانوا منشغلين في خدمة أسيادهم الكفار الذين يسعون لفصل لبنان عن أصله سوريا، وترسيم الحدود بينهما، وتبادل السفارات بينهما. وكانوا منشغلين بالجلطة الدماغية التي ألمت بأقرب أوليائهم من الحكام، وكانوا منشغلين بترسيخ الطائفية في العراق، والبحث عن مخرج لأميركا من ورطتها فيه، وكانوا منشغلين بكيفية التعامل مع رئيس فريق التحقيق في مقتل الحريري، وكانوا منشغلين في تفتيت السودان، وتعبئة المخازن الأميركية بالنفط الخام، وزيادة منسوبها ما أدى إلى انخفاض أسعار النفط في العالم، وكانوا منشغلين في تقديم فلسطين وأهلها قرباناً لليهود. أجل، إنهم كانوا منشغلين في هذا وأمثاله مما لا يجلب على المسلمين إلا العار والدمار. وأما علماؤنا فإني أسأل الله لهم الإفاقة من غيبوبتهم الاختيارية، وأن يردهم إلى دينهم وأمتهم رداً جميلاً.
أيها الناس: إن الحل الوحيد لمثل هذه الكوارث التي تحل بالمسلمين في ظل حكام الجور وعلماء السوء، هو العمل مع العاملين المخلصين لإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة، حتى تحجوا آمنين لا يقتلكم حكامكم. فلا تنشغلوا بعمل سواه، ولا تبتغوا المخرج من أزماتكم ومصائبكم فيما عداه، وقولوا كما قال الله عز وجل على لسان موسى عليه السلام في سورة يونس: {وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين. فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين. ونجنا برحمتك من القوم الكافرين}.

.................................................................

الجمعة 27 ذو الحجة 1426 هـ
الموافق 27 كانون ثاني 2006 م

حماس بين المطرقة والسندان


(الخطبة الأولى) أيها الناس: ما أن أُعلن عن فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية حتى انطلقت أبواق السيارات والألعاب النارية والهتافات تعبيراً عن هذا الفوز من أنصارها، تماماً كما يفعل الفائزون بزعامات الأحزاب السياسية غير الإسلامية، أو الفائزون بالمباريات الرياضية وباقي المسابقات التي شاعت في أزمنة السقوط الفكري والتردي الحضاري. فإن كان الفوز في الانتخابات الفلسطينية التي نعرفها جيداً نصراً حقيقياً، ودخله المسلم من منطلقات شرعية، فالواجب الشرعي يحتم على من فاز أن يتمثل قول الله عز وجل: {إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره، إنه كان تواباً}.

وأما إن كان الفوز ورطة كبرى تضع الفائز بين مطرقة أميركا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وإسرائيل والسلطة وحكام دويلات الضرار، وسندان الشعب الذي انتخبهم لأنه يريد الإسلام ويكره الفساد، بل ويريد تحرير البلاد والعباد والمقدسات من رجس الاحتلال وأنظمة الطاغوت والجاهلية، إن كان الأمر كذلك فإن الفائز ينبغي له أن يبكي دماً على ورطته الكبيرة تلك، وأن يقنت في محراب السياسة طويلاً قبل أن يصرح شيئاً أو يقول قولاً أو يفعل فعلاً أو يعد وعداً، فكلام ابن آدم كله عليه لا له. فقد روت أم حبيبة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر لله".


أيها الناس: رغم أن حرمة المشاركة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية قد بلغت كل أذن واعية أو غير واعية، ولكن الإعلام الخبيث لم يذكر شيئاً ذا بال عن تلك الحرمة، ما أبقى الجمهور الفلسطيني خصوصاً والإسلامي عموماً في فلسطين وخارجها تحت تأثير طوفان الديمقراطية يعصف بهم كالإعصار، وهدير الإعلام المضلل واسع الدمار، وبريق المال الذي يخطف الأبصار. ومع ذلك فقد جائت النتائج صحوة وصفعة، صحوة للأمة التي تلتف حول شعار الإسلام، وتلفظ من يرفع شعارات تافهة يرضعها من الغرب كما يرضع دولاراته، وصفعة مؤلمة له ولمن خلفه، ولعلها تشرّد من خلفهم جميعا عندما تحين ساعة الحسم النهائي.… فالأمة تصوت للإسلام، وسترفع صوتها عالياً وعالياً جداً خلف نداء ساعة الصفر الذي يقلب موازين العالم. هذه صحوة يجب أن نسعد بها رغم "الجهل" السياسي الذي ألقى بظلاله الكثيفة على حجم المؤامرة التي لا يكشفها إلا المخلصون الواعون الذين يتقدمون حثيثاً لقيادة الامة نحو التغيير الجذري.



أيها الناس: بعيداً عن نشوة الإنتصار، تعالوا بنا نتفكر في حجم الورطة التي وقع فيها إخواننا في حماس عقب اجتيازهم خندق الانتخابات. وهذا التفكر ينطلق من واجب المسلم الشرعي تجاه أخيه بالنصح، وتنفيذاً لوعد أعطيته لأحد الإخوة الحمساويين في بيت من بيوت الله قبل يومين من الانتخابات حين طلب مني بشكل ودي نادر أن لا ننساهم من النصيحة بعد أن يستقروا في مقاعد المجلس التشريعي. وليس هذا التفكر محصوراً في بيان الورطة فقط، بل فيه سبيل الخروج منها، وذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ذلك أن أبرز جوانب الورطة يكمن في تقدم حماس إلى الواجهة السياسية مكان فتح لمقارعة السلطة السياسية ذات الارتباطات الوثيقة

أولاً بأوسلو وخارطة الطريق وما شاكلها من اتفاقيات ما يسمى بالسلام،

وثانياً بإسرائيل التي تعتبر قطب الرحى في أي تسوية سياسية على أرض فلسطين،

وثالثاً بمصر والأردن وسوريا ولبنان باعتبارها دول ما يسمى بالطوق العربي على فلسطين،

ورابعاً بباقي الدول العربية التي تواد إسرائيل وتخشى من وصول المد الإسلامي الجماهيري والسياسي إلى ديارها.

وخامساً بدول الاتحاد الأوروبي التي نددت جميعاً بفوز حماس في الانتخابات، وسادساً بالولايات المتحدة التي جددت رفضها للتعاون مع "قادة فلسطينيين لا يعترفون بحق إسرائيل في الوجود". وقال بوش إنه لا يرى "كيف يستطيع حزب سياسي يدعو إلى تدمير إسرائيل أن يكون شريكا للسلام". وقالت وزيرة الخارجية الامريكية: "إن القوى الرئيسية التي تقوم بالوساطة في عملية السلام في الشرق الاوسط تتفق على أنه يجب على حركة حماس أن تنبذ العنف بعد فوزها المفاجيء في الانتخابات الفلسطينية". وقالت: "لقد أكدنا من جديد أنه لا يجوز أن تكون لك قدم في الارهاب والأخرى في العمل السياسي". وقال بيان الرباعية: "يتطلب حل الدولتين للصراع أن ينبذ كل المشاركين في العملية الديمقراطية العنف والارهاب، ويقبلوا حق إسرائيل في الوجود وينزعوا أسلحتهم". وفي ردة الفعل الاسرائيلية الأولى على انتصار حماس قال رئيس الحكومة الاسرائيلية المؤقت: "إن بلاده لن تتفاوض مع حكومة فلسطينية تضم، ولو جزئيا، مجموعة إرهابية تدعو إلى تدمير دولة إسرائيل".


أيها الناس: إن البعد الثاني للورطة يكمن في محاربة الفساد والقضاء على المحسوبيات وسوء التصرف في المال العام وغير ذلك من القضايا التي تعتبر مطالب ملحة للمواطنين، فكيف يتأتى لمن كان ذا سلطة ضعيفة ومنقوصة السيادة أن يعالج ملفات تتطلب العدل من جهة، وضرب المفسدين بيد من حديد من جهة ثانية، والتخطيط الاقتصادي في بلد لا يملك من مقومات الاقتصاد شيئاً؟

أيها الناس: هناك تحديات أكبر مما تقدم تؤكد الورطة الكبرى التي وقع فيها إخواننا في حماس بعد فوزهم بانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني تتمثل في سيرهم طواعية بالقضية الفلسطينية إلى حتفها، فالذين أفسحوا لهم المجال بالدخول في الانتخابات وتحقيق ما حققوه من فوز هم أنفسهم الذين لا يزالون يمسكون بخيوط اللعبة السياسية على أرض فلسطين وخارجها. فالسلطة لا زالت في مواقعها رغم خسارة عمادها في الانتخابات، بل هي التي أصرت على إجراء الانتخابات في موعدها، وهي التي وفرت الأمن والحماية للمراكز الانتخابية عبر قوات أمنها البالغة نحو ستين ألفاً، وهي التي سارعت إلى تسريب أخبار الفوز قبل تمامها، وقدم رئيس وزرائها استقالته قبل إعلان النتيجة الرسمية. وأما التحدي الأكبر فهو الوفاء باستحقاقات طلب الله عز وجل في قوله: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم}. فكيف نطبق شرع الله في دويلة وطنية علمانية محتلة لا تملك زمام أمرها، بل إن الذي أوجدها هم أشد الناس رفضاً لتحكيم شرع الله؟


(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن الذي يدير اللعبة السياسية في فلسطين والعراق وباقي دويلات الضرار في العالم الإسلامي هم الأميركيون ويصارعهم في إدارتها الأوروبيون، وأما أدوات اللعب فحكام تلك البلاد بلا أدنى شك أو ريب، ومن يعتقد خلاف ذلك يكون في أحسن الأحوال واهماً.

فإسرائيل وباقي دويلات الضرار لا زالت تمسك بزمام الأمور السياسية والأمنية والإدارية والمالية والإعلامية في فلسطين وما حولها، وأميركا وأوروبا هما المتحكمتان في السياسات الدولية والإقليمية والمحلية، وهما اللتان وفرتا التغطية الإعلامية والمالية للانتخابات الفلسطينية! فهل يمكن أن يسمحوا لأحد غيرهم أن يمسك بزمامها؟ فماذا يعني ذلك كله؟ إنه يعني التوطئة لمرحلة جديدة، بوجوه جديدة، وفرسان سياسة جدد، يقومون بما لم يستطع أسلافهم أنجازه، ويدخلون في جحر الضب الذي حذرنا منه رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام. فالمشروع الأميركي الذي يحكم اللعبة السياسية برمتها هو وحده الذي فاز حقاً في هذه الانتخابات، فليحذر من يسير في هذا المشروع من أن يصبح واحداً من تلك الأدوات! بل إنه سيكون أخطر تلك الأدوات كونه يتعاطى مع قضية مقدسة أحرقت في أتونها جميع من عبث بها، فبيت المقدس لا يعمَّر فيها ظالم.


أيها الناس: إن المخرج المباشر من هذه الورطة يكمن في قرار المجلس التشريعي الفلسطيني في أول جلسة قادمة له إلغاء اتفاقات أوسلو واتفاقات واي ريفر وخارطة الطريق، ليضع العالم من جديد في أزمة حقيقية. فإن قبلوه تكون ديمقراطيتهم عليهم حسرة، وعليهم تحمل تبعاتها، فهذا هو رأي الشعب الذي يعتبر عندهم مقدساً؟ وإن رفضوه فسينقلب السحر على الساحر، ويفضح الله ديمقراطيتهم، وليكن ما يكن بعد ذلك، فلعله يكون كفارة لإثم المشاركة.


أما باقي التحديات في هذه الورطة، فالخوض فيها سابق لأوانه، وسابق لزمانه. وأما إذا شكلت الوزارة وأعلنت الدولة، ورسمت الحدود وضربت الطرق، فسيكون لنا مع تلك الدولة وحكومتها شأن آخر نفتح فيه ملفات المعابر والحدود والمقدسات والمستوطنات وما تبقى من فلسطين تحت الاحتلال ولو كان شبراً واحداً. وإني لأرجو الله أن تقوم الخلافة الإسلامية الثانية الراشدة على منهاج النبوة قبل أن تعقد تلك الجلسة، وقبل أن يصادق الفائزون على اتفاقيات بيع فلسطين كما صادق الخاسرون. ونحن اليوم على أبواب ذكرى الهجرة التي أوصلت المسلمين الأوائل إلى الدولة الإسلامية الأولى، فعسى أن توصلنا ذكراها المسلمين الأواخر إلى الدولة الثانية على منهاج الأولى، وما ذلك على الله بعزيز.
ابو رافت
الجمعة 5 محرم 1427 هـ
الموافق 3 شباط 2006 م

شتمُ النبي بين الاستنكار والاستكبار
(الخطبة الأولى)
أيها الناس: في ظل الغضب العارم الذي أظهره المسلمون في كل مكان من العالم على تطاول دانمركي حاقد على مقام حضرة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، فإننا نضم غضبنا إلى غضبهم، ونشد على أيديهم في كل ما ذهبوا إليه وعقدوا العزم على فعله، ونعلن رفضنا القاطع لما قام به ذلك العلج الكافر، ونتوعده بالقتل ولا أقَل، ونضم إليه كلَّ من آزره وساهم في إعادة نشر رسوماته المنكرة، أو ردد مقولاته الكافرة، أو دافع عن سلوكه الشائن تحت أي ذريعة مهما كانت. فهذا الأمر من الخطوط الحمراء التي إن تجاوزها الشخص فلا عودة إلا إلى القبر وبعده النار وبئس القرار.
أيها الناس: رغم الاستنكار الواسع الذي أبداه المسلمون وربما غير المسلمين أيضاً لهذا الصنيع الدانمركي القبيح، إلا أن حكومة الدانمرك قد تأخرت كثيراً في الاعتذار ومحاسبة ذلك العلج، وحاولت تقديم الأعذار الواهية كحرية التعبير وغيرها من هرطقات الرأسمالية العفنة والمستكبرة، بل إن قريناتها في الكفر ألمانيا وفرنسا وإسبانيا قد حذت حذوها في التطاول على رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، في هجمة منسقة من الغرب الكافر ضد الإسلام والمسلمين. ويا ليت الأمر وقف عند حدود الغرب، بل امتد إلى عقر دار الإسلام والمسلمين، إلى الأردن، حيث أعادت صحيفة شيحان الخبيثة نشر تلك الرسوم المسيئة!
أيها الناس: أورد ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة قال: "كان النصارى ينشرون دعاتهم بين قبائل المغول طمعاً في تنصيرهم، وقد مهد لهم الطاغية هولاكو سبيل الدعوة بسبب زوجته الصليبية ظفر خاتون، وذات مرة توجه جماعة من كبار النصارى لحضور حفل مغولي كبير عقد بسبب تنصر أحد أمراء المغول، فأخذ واحد من دعاة النصارى في شتم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان هناك كلب صيد مربوط، فلما بدأ هذا الصليبي الحاقد في سب النبي صلى الله عليه وسلم زمجر الكلب وهاج ثم وثب على الصليبي وخمشه بشدة، فخلصوه منه بعد جهد، فقال بعض الحاضرين: هذا بكلامك في حق محمد عليه الصلاة والسلام، فقال الصليبي: كلا، بل هذا الكلب عزيز النفس، رآني أشير بيدي فظن أني أريد ضربه، ثم عاد لسب النبي وأقذع في السب، عندها قطع الكلب رباطه ووثب على عنق الصليبيي وقلع زوره في الحال فمات الصليبي من فوره، فعندها أسلم نحو أربعين ألفاً من المغول. وروى أبو داود عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلاً أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَشْتُمُهُ، فَأَخَذَ الْمِغْوَلَ [سيف قصير] فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا. فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَّا قَامَ. فَقَامَ الْأَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا صَاحِبُهَا، كَانَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَأَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ، وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً، فَلَمَّا كَانَ الْبَارِحَةَ جَعَلَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ، فَأَخَذْتُ الْمِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا حَتَّى قَتَلْتُهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَلا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ). وروى أيضاً عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: {أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَشْتُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقَعُ فِيهِ، فَخَنَقَهَا رَجُلٌ حَتَّى مَاتَتْ، فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذِمَّتَهَا}.
الكلب يغضب والعمى قتّال # إن كان شتم حبيبنا منوال
ما بال أصحاب العيون من الورى # قد طاب عيشهمُ وهدأ البال
نفسي فداك رسولنا والمال # ما عاش بعد شتمك خائن قوال
تبت يداه فكل رسم بثه # سهم يشق صدورنا جوال
يا للخليفة يقطع دابر الأنذال # ويصيبُ علجَهمُ ذلٌّ وأغوال
أيها الناس: إن هناك تبايناً واضحاً تجاه هذه الجريمة بين ردود الفعل الشعبية الإسلامية وبين مثيلاتها عند الحكام والعلماء. فالشعوب انتفضت كالأسد، تزأر على كل من تطاول على نبيها وحبيبها محمد صلى الله عليه وسلم، وتود لو تمزقه إرباً إرباً، والحكام باهتون يستدعون السفراء على استحياء، ويسيرون في قنوات الخيانة والعمالة والنفاق، وتلك شنشنة نعرفها من أخزم. وأما علماؤنا وكتابنا فقد انشغلوا بالدعوة لاتخاذ إجراءات لا تعتبر كافية أبداً، كمقاطعة المنتوجات الدانمركية، ونشر سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام وشمائله بكل لغات العالم، وإقامة المعارض السنوية لها، والدعاء على الكفار، وإرسال رسائل الاستنكار والتنديد، وإجراء المسابقات ووضع الجوائز لأفضل الوسائل العملية للذب عن الإسلام وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومساندة المسلمين المقيمين في الغرب والاستفادة من خبراتهم في فهم مزاج المجتمعات الغربية، ونشر مقاطع مختارة من السيرة النبوية والإعجاز العلمي في القرآن والسنة كإعلان مدفوع الأجر في القنوات الفضائية الغربية وفي مجلاتهم وصحفهم، ودعوة الأمم المتحدة لإصدار قرار يجرّم من يتطاول على المقدسات الإسلامية، ودعوة منتدى جدة الاقتصادي لإصدار قرار يجرّم التطاول على المقدسات الإسلامية، وفضح مبادئ الحرية لدى الغرب، وإقامة كرسي للسيرة النبوية في بعض الجامعات الغربية تشرف عليه إحدى الجامعات الإسلامية، والطلب من الشركات الدنمركية أن تتولى الإنفاق على نشر السيرة النبوية الصحيحة، وغير ذلك من الأفكار المتواضعة التي لا تحسم الأمور، ولا تشفي الصدور. ولو رافق تلك الغضبة الشعبية موقف رسمي متناغم في إيقاعه مع الموقف الشعبي لتَغيَّر وجه التاريخ في وقت قياسي، ولركع الغرب قاطبة عند أقدام المسلمين يطلب السماح منهم، بل ويسلمونهم كافة المسيئين ليقتص المسلمون منهم بالطريقة التي تعجبهم وتحقق قول الله سبحانه وتعالى: (فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ). ولا يحقق ذلك إلا العمل لإقامة دولة الخلافة الثانية الراشدة على منهاج النبوة التي تجمع شمل المسلمين، وتوحد صفهم، وتضع كافة مواردهم البشرية والمادية تحت تصرف خليفة يحكمهم بشرع الله، ويستنفر الجيوش الإسلامية المجحفلة العملاقة لقتال أعدائهم والذب عن نبيهم وعقيدتهم ومقدساتهم وأعراضهم وأموالهم، ويعلن حالة الحرب الفعلية مع كل دولة توفر الحماية لشاتم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ولو فني المسلمون عن آخرهم. فلا تكتفوا بالمقاطعة، ولا تقبلوا مجرد التنديد، فالخطْب جلل، والعدوان كبير، والمصاب فادح، والقضايا العظيمة تحتاج إلى رجال عظماء يتخذون قرارات عظيمة.

(الخطبة الثانية)
أيها الناس: ليست هذه هي الإساءة الوحيدة للإسلام والمسلمين، فالولايات المتحدة الامريكية وأعوانها من الكفار قد أجبرونا على تغيير مناهجنا المدرسية، وطردوا بعض الخطباء والأئمة الذين تعرضوا لهم ولليهود، وألقى علوجهم المصاحف في المراحيض، ورسموا عليها الصليب، وقتلوا المصلين في مساجد العراق وفلسطين، واحتلوا أفغانستان والعراق، وقتلوا الأبرياء ودنسوا المقدسات، واغتصبوا الحرائر العفيفات في البوسنة وكوسوفا، ونهبوا ثروات الأمة، فماذا بقي من شائنة يفعلونها كي نتحرك؟
أيها الناس: إن الكفار في غيهم سادرون، وللإساءة لديننا مستمرون، فقد قال أحد الصحفيين: هناك معايير أخلاقية في الغرب يلتزم بها كل العاملين في حقل الاعلام، ويتعرض كل من يخرقها للعقاب، ومن المؤسف أن التطاول على الاسلام والانبياء والرسل ليس من بينها!
أيها الناس: يقول الإمام مالك رحمه الله: "ما بقاء أمة بعد شتم نبيها، من سب الأنبياء يقتل، ومن سب الصحابة يجلد". هذه هي قوانيننا، ورحمك الله أيها الإمام، ورزقنا أمثالك في هذا الزمان، أئمةً يقولون الحق لا يخشون لومة لائم، أئمة يرفضون حوار الحضارات، ويصدعون بقول الحق تبارك وتعالى: "إن الدين عند الله الإسلام"، ويواجهون الحكام الكفرة الفجرة قائلين: تنحوا قبل أن تُنحوا، وارحلوا قبل أن تُرحّلوا، وأدركوا أنفسكم قبل أن يجتاحكم طوفان أصحاب محمد وأحبابه.
................................................................................
..........

الجمعة 12 محرم 1427 هـ
الموافق 10 شباط 2006 م

السياسات العلقمية والفتاوى الطوسية
(الخطبة الأولى)
أيها الناس: مخطئ من يظن أن هناك فرقاً جوهرياً بين ملل الكفر تجاه الإسلام، فالدول كلها عدوة للإسلام والمسلمين، فمن لم يكن محارباً فعلاً فهو محارب حكماً. هكذا يجب أن تكون النظرة لدينا واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، كما كانت كذلك عندما أصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يسود الإسلام الدنيا بأسرها، وأن يهدم كيانات الكفر عن بكرة أبيها، ليكون الدين كله لله. ومخطئ كذلك من ينظر إلى ملل الكفر من غير منظار الإسلام فنظرته مشتتة، وهو مصاب بالعمى السياسي، وفاقد للبوصلة الصحيحة المرشدة إلى الاتجاه الإسلامي الذي يرضي الله ورسوله. وإليكم نبذة من مواقف دول الكفر تجاهنا، خصوصاً بعد تفاعل قضية الإساءة لمقام نبينا وحبيبنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: حث الرئيس الأميركي جورج بوش حكومات العالم على التصدي لما أسماها ردود الفعل العنيفة على الرسوم المشينة بحق النبوة الكريمة وطلب العمل على وقفها. وقال بوش أثناء استقباله ملك الأردن: "نحن نرفض العنف كوسيلة للتعبير عن الاستياء مما يمكن أن ينشر في الصحافة الحرة". ودعا وزير الإصلاحات الدستورية والعضو بحزب رابطة الشمال الإيطالي إلى استخدام القوة ضد المسلمين، كما دعا هذا الوزيرُ البابا للتدخل بحملة صليبية جديدة "على غرار أسلافه في القرنين السادس عشر والسابع عشر". وأضاف "إبان معركتي فيينا وليبانتي ضد الأتراك العثمانيين عامي 1571 و1683 حل الباباوات محل الحكومات، وشكلوا تحالفات كبيرة للتغلب على الخطر الإسلامي". أما رئاسة الاتحاد الأوروبي فقد دافعت عن حرية الصحافة في قضية الرسوم المسيئة للإسلام، وحذرت مفوضيتُها الدولَ العربية من مقاطعة السلع الدنمركية، وأنها ستقاطع من يقاطعها، وأن الخاسر في حرب المقاطعة هم المسلمون، إذ كيف يقاطعون وهم لا ينتجون؟ وهذا سؤال سأله السفير الدانمركي في الجزائر. ودعا وزير الدفاع الإيطالي أوروبا إلى ضم إسرائيل إلى حلف شمال الأطلسي...كي يصبح أي اعتداء محتمل على إسرائيل اعتداءاً على الحلف كله. وقال تعقيبا على نتائج الانتخابات الفلسطينية "إن أول ما يتعين عمله اليوم هو ضمان أمن دولة إسرائيل، معتبراً أن الأوضاع الحالية "جسيمة ومقلقة". وكان الرئيس الحالي لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا وزير الخارجية البلجيكي وجه نداءاً لوقف ما أسماها أعمال العنف غير المبررة إثر نشر الرسوم الكاريكاتيرية، ودعا إلى صحافة حرة ومسئولة. أما وزيرة الخارجية الأميركية فقد اتهمت كلاً من سوريا وإيران بتعمد إذكاء غضب المسلمين بسبب الرسوم.
تفرق شملُهم إلا علينا # فصرنا كالفريسة للكــلاب
أيها الناس: يثبت مما تقدم أن ملة الكفر واحدة، وأن ملة الكفر بعضها من بعض، فالله سبحانه وتعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانةً من دونكم لا يألونكم خبالاً، ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون}. قال الطبري: نزلت في قوم من المسلمين كانوا يخالطون حلفاءهم من اليهود وأهل النفاق منهم، ويصافونهم المودة بالأسباب التي كانت بينهم في جاهليتهم قبل الإسلام، فنهاهم الله عن ذلك وأن يستنصحوهم في شيء من أمورهم.
أيها الناس: هذه هي حقيقة مواقف الكفار تجاه قضايا المسلمين، فما هي حقيقة مواقف حكام المسلمين وزعاماتهم وعلمائهم اليوم؟ وهل هي منسجمة مع مواقف الكفار أم مع قول الله ورسوله ومصلحة المسلمين؟ يقول الأستاذ حسن السوداني: "لقد اتفق ابن العلقمي والطوسي مع ملة الكفر ضد الخلافة الإسلامية بحجة الدفاع عن أنصار الإمام علي رضي الله عنه وشيعته. وتجمع المصادر التي وصفت الساعات الأخيرة من حياة الخلافة العباسية الإسلامية على أن هولاكو قد استشار أحد المنجمين قبل أن يبدأ غزوته، وكان المنجم الفلكي حسام الدين مسلماً غيوراً على المسلمين وحياتهم فقرأ له ما يلي: إن كل من تجاسر على التصدي للخلافة والزحف بالجيش إلى بغداد لم يبق له العرش ولا الحياة، وإذا أبى الملك أن يستمع إلى نصحه وتمسك برأيه فسينتج عنه ست مهالك: تموت الخيل، و يمرض الجند، ولن تطلع الشمس، ولم ينزل المطر، ثم يموت الخان الأعظم. لكن مستشاري هولاكو قالوا بغزو بغداد، وعدم الاستماع لرأي المنجم، فاستدعى هولاكو العلامة نصير الدين الطوسي الذي نفا ما قاله حسام الدين وطمأن هولاكو بأنه لا توجد موانع شرعية تحول دون إقدامه على الغزو، ولم يقف الطوسي عند هذا الحد بل أصدر فتوى يؤيد فيها وجهة نظره بالأدلة العقلية والنقلية، وأعطى أمثلة على أن كثيرا من أصحاب الرسول قتلوا ولم تقع الكارثة، وغزا هولاكو بغداد بفتوى الطوسي وبمعلومات ابن العلقمي وهما وزيراه الفارسيان.
ولما خرج المستعصم ومعه 1200 شخصية من قضاة ووجهاء وعلماء قتلهم هولاكو مرة واحدة، ووضع المستعصم في صرة من القماش وداسته سنابك الخيل وكان قتلى بغداد كما تقول المصادر المعتدلة 800 ألف مسلم ومسلمة كانوا هم ضحايا ابن العلقمي والطوسي والأخير كان قد أصدر فتوى بجواز قتل المستعصم حين تردد هولاكو عن قتله، فافهمه الطوسي أن من هو خير منه قد قتل ولم تمطر الدنيا دماً، وقد استبيحت بغداد في اليوم العاشر من شباط عام 1258.
أيها الناس: لكل زمان علقميُّه وطوسيُّه، فقد احتلت أميركا أفغانستان بمعونة علقمي باكستان وطوسي إيران، واحتلت العراق بعلقمي خائن وطوسي حاقد، ودخلت مصر في أتون المعاهدات الخيانية بسياسات علقمية وفتاوى طوسية، وجرت الانتخابات الفلسطينية بعد أن تناغمت السياسة العلقمية مع الفتوى الطوسية، بل قد ضاعت فلسطين وضاع الأقصى بين علقمي وطوسي، وهدمت من قبل خلافة المسلمين بتنسيق الإنجليز مع كل علقمي وطوسي من أبناء الأمة الإسلامية. وعندما سئل طوسي الأزهر عن الاساءة الفاجعة بحق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أجاب بأننا لا نقبل الخطأ في حق الأموات أياً كانوا!!! هكذا ضاعت قضايا المسلمين بين الحكام العلاقمة والعلماء الطَوَسة. فلا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل!
(الخطبة الثانية) أيها الناس: بما أننا نعيش في زمان تطغى عليه السياسات العلقمية والفتاوى الطوسية، فلا بد لنا من التنصل من كليهما، وخوض غمرات العمل الإسلامي على صُعُدٍ مختلفة تماماً. فندير ظهورنا لتلك السياسات والفتاوى، ونكافحها بكل قوانا، ونقبل على العمل السياسي النظيف الذي ينطلق من فتاوى صحيحة، فنمزج النظيف مع الصحيح كي نحصل على خليط صحي نافع، وهذا كله يكمن في العمل مع العاملين المخلصين لإعزاز هذا الدين، بإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة، والقائمة قريباً بإذن الله، فهي الدولة الوحيدة القادرة على رد الاعتبار للسياسة الإسلامية والفقه الإسلامي، وهي المؤهلة لردع المسيئين للإسلام ونبيه وقيمه ومقدساته، وهي التي ستطبق الإسلام كاملاً في الداخل، وتحمله رسالة هدى ونور إلى العالم أجمع عن طريق الجهاد في سبيل الله. وهي التي تحطم حصون الكفار مهما عظمت، وتطيح بعروشهم مهما قويت، وتقتص من المجرمين الذين تطاولوا على رسول الله، وغصبوا سلطان المسلمين، وفتكوا بأعراضهم، ونهبوا ثرواتهم، وسيطروا على بلادهم. بل إن دولة الإسلام القادمة ستحاسب كل من فرط في قضايا المسلمين من أحفاد ابن العلقمي وأتباع الطوسي، وهي التي ستلقن العالم أجمع دروساً لا تنسى في الحرب والسلم، وستخلع قلوب الكفار من أول ضربة تضربها، كما فعل المسلمون يوم بدر بقريش، وهي التي تعرف كيف تفاوض ومتى تفاوض وعلام تفاوض، وهي التي ستصبح الدولة الوحيدة في العالم فضلاً عن أن تكون الأولى. فاعملوا مع العاملين لإقامتها يرحمكم الله، ولا تكونوا من الذين يسارعون في أميركا وأوروبا وروسيا وغيرها من دول الكفر خشية أن تصيبكم دائرة، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فتصبحوا على ما أسررتم في أنفسكم نادمين، فلا نامت أعين الجبناء، وقد خاب من افترى.
ابو رافت
الجمعة 19 محرم 1427 هـ
الموافق 17 شباط 2006 م

التنافس الحقير وتكادم الحمير؟

(الخطبة الأولى)
أيها الناس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: "فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم". وروى الطبراني برجال ثقات عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أول هذا الأمر نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكاً ورحمة، ثم يكون إمارة ورحمة، ثم تكادمون عليها تكادم الحمير، فعليكم بالجهاد، وأن أفضل جهادكم الرباط، وأن أفضل رباطكم عسقلان.
أيها الناس: إن التنافس والتكادم من طبيعة البشر، بل إنه سمة طاغية من سمات التصرف عندهم وعند باقي المخلوقات الحيوانية من دواب الأرض وهوامّها. قال في المحيط: تنافسوا في الأَمر: تسابقوا فيه وتباروا، وقال تعالى: {خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسونَ}. قال القرطبي: أي وفي الذي وصفناه من أمر الجنة فليرغب الراغبون، وإلى ذلك فليتبادر المتبادرون في العمل، نظيره {لمثل هذا فليعمل العاملون}. وهكذا يبين القرآن الكريم أعلى مجالات التنافس التي تهون دونها المجالات، وتنزل عن مرتبتها كل المراتب. ومضمار هذه التنافسات هو الحياة الدنيا، وذلك بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة التي توصل أصحابها إلى جنات النعيم، ليسقوا من الرحيق المختوم بمسك ومزاجه من تسنيم، وليس مضمارها أن تكون الدنيا غايةً لها. هذا ما يؤكده حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الأمام مسلم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: ‏"‏الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ‏"‏.‏
أيها الناس: عندما ننظر إلى حالة التنافس القائمة بين البشر اليوم، مسلمهم وكافرهم، فإننا نرى العجب العجاب، حيث نراهم يتنافسون في مضامير دنيوية بحتة، يتكادمون فيها تكادم الحمير، فيُذهبون أنفسهم، ويهدرون أوقاتهم وأموالهم، ويذكون العداوة والبغضاء بينهم، ويشعلون نيران الفتنة التي تحرق أصابعهم، وتحلق دينهم، وتجعلهم كهشيم المُحتظِر. فهم يتنافسون في نيل أكبر قسط من المتع الجسدية، ويتنافسون في السيطرة على أكبر مساحة من الأرض، ويتنافسون في فتح أوسع الأسواق لمنتجاتهم، ويتنافسون في توظيف الأيدي العاملة الرخيصة، ويتنافسون في الاستيلاء على منابع الثروة بكل أشكالها ومواقعها ومخزوناتها، ويتنافسون في فنون العري والإباحية، ويتنافسون في الربا وأشكاله، والزنا ومتعلقاته، والخمر وأصنافه، والشر وألوانه، وذلك دأب الأقوياء منهم. أما الضعفاء ومنهم المسلمون فإنهم يتنافسون في خدمة الأقوياء والسير في مخططاتهم وتبوءِ مناصبهم، ويتنافسون في المباريات الرياضية، فهل تصدقون أن سعر التذكرة العادية لحضور المباراة النهائية على كاس إفريقية في مصر قد بلغ ثلاثمائة جنيه، وبيعت في السوق السوداء بألف جنيه؟ ويتنافسون في سباقات الجِمال ومسابقات الجَمال، ويتنافسون في أشكال الإنفاق الباذخ على شراء السلع والخدمات، ويتنافسون في ركوب السيارات الفارهة بعد أن أوهموا بعضهم بأنهم قادة وزعماء!
أيها الناس: في الوقت الذي يتنافس قادة العالم وزعماؤه في المتاع القليل، تنتشر القبور الجماعية، ويتضور بعض الناس جوعاً حتى الموت، ويعاني المضطهدون منهم خلف القضبان من كل ألوان العذاب والمهانة، ويلهث الباقون وراء ما تبقى من فتات يتنافسون فيه ويتكادمون تكادم الحمير، يأكل قويهم ضعيفهم، ولا يعين غنيهم فقيرهم، ولا يجل صغيرهم كبيرهم، ولا يوقر جاهلهم عالمهم، لم يجمّر ولاتُهم ثغورَهم، بل كانوا أكبر الضرر عليهم فاستباح عدوهم بيضتهم، وأهلك حرثهم ونسلهم. وهذا تفسير واضح لكثرة المجاعات، وأحكام الإعدامات، وقمع المظاهرات، وغرق العبارات، وسقوط الطائرات، والسماح بإجراء الانتخابات، وإبراز الشخصيات والزعامات، وتواتر الأخبار عن أفظع الإساءات والإهانات للسجناء والسجينات، بل والتجرؤ على شتم الأنبياء والمرسلين، والتطاول على إمامهم وسيدهم محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
أيها الناس: يقول تقرير لمنظمة "أوكسفام" إن الصومال تمر بأسوأ موسم للجفاف تشهده البلاد منذ أربعين عاما، وانهم وجدوا سبعة أشخاص قد ماتوا عطشا، وان عشرات الالاف معرضون لنفس الخطر. ولا يحصل السكان على أكثر من ثلاثة أكواب من الماء في درجة حرارة تتجاوز 40 مئوية. ويتسول الناس الماء على قارعة الطريق، وبعضهم يمشي مسافة 70 كلم بحثا عن المياه. ويضطر السكان الى استخدام أقل من ليتر من الماء للشرب والطبخ والغسل. وأن بعض الأطفال يضطرون لشرب بولهم أو يموتون عطشاً. وتقدر الأمم المتحدة ان أكثر من 11 مليون شخص في كل من كينيا واثيوبيا والصومال واريتيريا وتنزانيا سيحتاجون الى اغاثات غذائية في الشهور الستة القادمة. وأما صور أبو غريب وغوانتانامو وباقي السجون والمعتقلات في العالم، وصور ضرب الصبية البصريين فلا تحتاج إلى إي تعليق. ويجري أمثال هذا التعذيب وأبشع منه في مؤسسات ما يسمى بأمن الدولة في جميع دويلات الضرار القائمة في العالم الإسلامي.
أيها الناس: كيف لنا أن ننهي هذه المأساة الكبرى، ونوقف هذا التنافس الحقير وتكادم الحمير؟ والله لقد أصبحت معيشتنا أسوأ من معيشة الحيوانات في الحظائر أو البراري والغابات والأغوار، ولحقت بنا الأضرار، وكثر فينا الأشرار وقل الأبرار. وكل ذلك بسبب حكامنا الذين هم كالأنعام بل أضل سبيلاً. فإذا أدركنا هذه الحقيقة، فإن العجب الذي يتملكنا يزول، والغمامة التي على أعيننا ستنقشع، ونعلم أن بلاءنا يكمن في قادتنا وزعمائنا، فكيف بمن هم أضل من الأنعام أن يرفعوا شعوبهم إلى مستوى الأنام، فضلاً عن أن يجعلوهم خير الأنام؟ وهل يُجتنى من القتاد إلا الشوك؟ فعلينا أن نشمر عن ساعد الجد، ونهب لنعمل مع العاملين لإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة. فهي التي تقيم العدل وتنشره في ربوع الأرض، وهي التي توقف عذابات الناس جميعاً بحسن رعايتها وسداد خططها وقراراتها، وهي التي تطأ أعناق الجبابرة المفسدين من الكفار والظالمين، وهي التي تفهم معنى الرعاية حق الفهم، وتطبقه حق التطبيق. فاللهم اجعلنا من جنودها وشهودها.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: دخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان، فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: قل السلام عليك: أيها الأمير، فقال السلام عليك أيها الأجير فقالوا: قل أيها الأمير، فقال السلام عليك أيها الأجير فقالوا قل الأمير فقال معاوية: دعوا أبا مسلم فإنه أعلم بما يقول فقال: إنما أنت أجير استأجرك رب هذه الغنم لرعايتها، فإن أنت هنأت جرباها، وداويت مرضاها، وحبست أولاها على أخراها وفاك سيدها أجرك، وإن أنت لم تهنأ جرباها ولم تداو مرضاها، ولم تحبس أولاها على أخراها عاقبك سيدها".
فهل حكام العالم اليوم وخصوصاً حكام المسلمين يرعون شعوبهم كما يريد الله ورسوله؟ وهل هم أجراء عند الله رب الناس، أم هم أجراء لدى الشيطان وأعوانه من الرأسماليين الغربيين والشرقيين، يتكادمون تكادم الحمير؟
أيها الناس: إن أوجب الواجبات وأولى الأولويات في زماننا هو العمل للخلاص من هذه الزمرة الطاغوتية التي تملكت أمر الناس فأهلكتهم، وهذا لا يكون بالدوران في دوائر السياسة العالمية أو الاقليمية أو المحلية، والتكادم مثلهم كما تتكادم الحمير، بل يكون بالعمل الجاد المخلص على خطى الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم لكسر تلك الدوائر واعتراض دورانها المعكوس، حتى تسير الأمور في اتجاهها الصحيح، ويحكم الناس بما أنزل الله، وتتهاوى الرأسمالية وديمقراطيتها العفنة في الأودية السحيقة، فلا نُحِسُّ من أهلها وأتباعهم من أحد ولا نسمع لهم ركزاً.
..........................................................

الجمعة 26 محرم 1427 هـ
الموافق 24 شباط 2006 م

العراق الجريح
(الخطبة الأولى) أيها الناس: وأخيراً وقع المحذور، وثارت ثائرة الجمهور، بعد الاعتداء على المساجد والقبور، ليزداد جرح العراق اتساعاً، ولتغرز أنياب الكفار المحتلين في أحشائه وأضلاعه بعد أن أحكمت القبضة على رأسه وأطرافه. تلك هي الفتنة الطائفية التي طالما حذرناها وحذرنا منها، تلك هي ضريبة عدم الوعي السياسي والعقائدي، وتلك هي النتيجة الحتمية للسير في مخططات الكفار المحتلين من أصحاب الأطماع الاستعمارية البشعة، وتلك هي الحالقة التي تحلق الدين ولا تبقي منه شيئاً ولا تذر. فالله سبحانه وتعالى يقول {هو سماكم المسلمين}، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه"، ويقول عليه الصلاة والسلام "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". فمن يعمل بمقتضى هذه الأدلة يسعد ويرشد، ومن يضرب بها عرض الحائط يهلك ويفسد، بل يُهلك ويُفسد كلَّ من حوله.
أيها الناس: إن الذي يجري في العراق اليوم لأمر محزن يدمي القلوب ويفتت الأكباد، ويجعل الحليم حيران. فكيف يقبل أهلنا وإخواننا في العراق أن يعبث بهم الكفار بهذا الشكل المكشوف أمره والظاهر خبثه؟ فمن أولى بالقتال أيها القوم، أإخوانكم وجيرانكم وأبناء جلدتكم أم الكافر المستعمر الذي يحتل بلادكم ويقتل أبناءكم وينهب ثرواتكم؟ وأيهما أحق أن تنتقموا له، دينكم وقرآنكم ورسولكم الذي تطاول عليه كل كافر من شذاذ الآفاق وأبناء السفاح وعَبَدةِ الطاغوت، أم حجارةُ القباب والمراقد والمساجد؟ إن حجارة الكعبة المشرفة لا تتمتع بأي حرمة إذا انتهكت حرمة المسلم، ما لكم كيف تحكمون؟ جاء في سنن النسائي عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم". ونظر ابن عمر - رضي الله عنهما - يوما إلى البيت أو إلى الكعبة فقال: "ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك". وجاء في كتاب كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس: لهدم الكعبة حجرا حجرا أهون من قتل المسلم‏. قال في المقاصد: لم أقف عليه بهذا اللفظ، ولكن معناه عند الطبراني في الصغير عن أنس رفعه "من آذى مسلما بغير حق فكأنما هدم بيت الله"، ونحوه عن غير واحد من الصحابة أنه صلى الله عليه وسلم نظر إلى الكعبة فقال لقد شرفك الله وكرمك وعظمك والمؤمن أعظم حرمة منك، وفي حديث المؤمن، "ليس شيء أكرم على الله من المؤمن"‏.‏ وأخرجه النسائي عن بريدة مرفوعا بلفظ "قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا"‏.‏ وابن ماجه عن البراء مرفوعا بلفظ "لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مؤمن بغير حق"، والنسائي عن ابن عمر رفعه بمثله‏.‏
أيها الناس: لقد أكلت نار الحرب العراقية الإيرانية أكثر من مليون مسلم، وقتل الطغاة من حكام هذين البلدين المنكوبين عبر عقود طويلة مئات الآلاف من المسلمين، وحصدت قوات الاحتلال الكافرة من الأميركيين والبريطانيين وحلفائهم عشرات الآلاف من أرواح المسلمين، وقتل منذ الاحتلال الأميركي وحلفائه للعراق حتى اليوم ما لا يقل عن مائتي ألف مسلم، فهل قتل من الكفار الغزاة المحتلين لأرض الرافدين عشر معشار هذا العدد؟ ما هذه الاستهانة بأرواح المؤمنين أيها القوم؟ ما بقي بيت في العراق الجريح إلا وفيه فقيد أو أكثر، فإلى أين أنتم ذاهبون؟ وفي أي طريق أنتم سائرون؟
أيها المسلمون في العراق: لا تنساقوا وراء المخططات الكافرة، ولا تقعوا في شراكها القاتلة، واعلموا أنكم الآن على مفترق طرق خطير، إن سرتم في الاتجاه الخطأ فستدمرون أنفسكم، وستهلكون إخوانكم، ولن تخدموا إلا أعداءكم، وإن أنتم هديتم لأرشد أمركم، ووحدتم صفكم الإسلامي، ولا أقول الوطني، ونبذتم الفتنة الطائفية، وألقيتم السلاح عند لقاء إخوانكم، وحملتموه في وجه أعدائكم، فستنجحون في تفويت الفرصة على أعدائكم ومبغضيكم. أناشدكم الله يا أهل العراق أن تثوبوا إلى رشدكم، وألا تدخلوا النار طواعية بملء إرادتكم. تعوذوا بالله من الشيطان الرجيم، وكونوا عباد الله المخلصين، وتذكروا قول الله عز وجل {هو سماكم المسلمين}. أناشدكم الله يا علماء المسلمين من جميع المذاهب والطوائف والتيارات والحركات والأحزاب والاتجاهات أينما كنتم، أن تتحركوا لوأد هذه الفتنة الطائفية قبل أن تكبر وتستفحل، فنندم ولات ساعة مندم، فاتقوا الله وأصلحوا ذات بين إخوانكم في العراق.
أرى خلل الرماد وميضَ نارٍ # وأخشى أن يكون لها ضِرَامُ
فإن النار بالعودين تذكى # وإن الحرب مبدؤها كلام
فقلت من التعجب ليت شعري # أأيقاظ أمية أم نيام
يا أهلنا في العراق! أأيقاظ أنتم أم نيام؟ بالله عليكم، لا تفجعونا بأخبار فتنتكم، فلدينا من الأخبار المفجعة ما تنوء به العصبة أولو القوة، بالله عليكم لا تزيدونا رهقاً باستباحة دماء إخوانكم والله قد حرّمها، ويكفينا ما فجعنا به من أنبائكم التي تذهب بلباب العقول. فمن عبث البعث بكم عقوداً طويلة، إلى حرب الثماني سنوات مع إيران، ثم إلى غزو الكويت الأرعن، ثم إلى انهيار الجيش العراقي أمام أول ضربات الغزاة الكفرة دون ثبات يذكر، ثم إلى حكوماتكم المؤقتة العميلة، ثم إلى انتخاباتكم الباطلة المحرمة التي شرخت تركيبتكم السكانية المعقدة، واليوم تريدون أن تفجعونا بفتنة عمياء صماء بكماء؟ فاللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
(الخطبة الثانية) أيها المسلمون في العراق: احذروا هذه الجريمة النكراء، واحذروا من التهافت في النار تهافت الذباب في المرق كما قالها ابن عمر، وتذكروا ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ويل للعرب من شر قد اقترب، من فتنة عمياء صماء بكماء القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي ويل للساعي فيها من الله تعالى يوم القيامة}. وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يمنع أحدكم إذا جاء من يريد قتله أن يكون مثل ابني آدم القاتل في النار والمقتول في الجنة رواه أحمد. وعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الفتنة: كسروا فيها قِسِيَّكم وقطعوا أوتاركم واضربوا بسيوفكم الحجارة، فإن دخل على أحدكم بيته فليكن كخير ابني آدم رواه الخمسة إلا النسائي. وعن سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، قال: أرأيت إن دخل علي بيتي فبسط يده إلي ليقتلني؟ قال: كن كابن آدم رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وعن أبي ذر عند أبي داود والترمذي بلفظ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر قلت: لبيك وسعديك، قال: كيف أنت إذا رأيت أحجار الزيت قد غرقت بالدم؟ قلت: ما خار الله لي ورسوله، قال: عليك بمن أنت منه، قلت: يا رسول الله أفلا آخذ سيفي فأضعه على عاتقي؟ قال: شاركت القوم إذن، قلت: فما تأمرني؟ قال: تلزم بيتك، قلت: فإن دخل علي بيتي؟ قال: فإن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألق ثوبك على وجهك يبوء بإثمك وإثمه. وعن المقداد بن الأسود عند أبي داود قال أيم الله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ثلاثا: إن السعيد لمن جنب الفتن ولمن ابتلي فصبر فواها معنى قوله " فواها " التلهف.
أيها الناس: إن لم نعمل لإقامة خلافتنا الراشدة الثانية على منهاج النبوة فسندفع الثمن غالياً فوق الذي دفعناه من أثمان باهظة، فلا حل لنا إلا بالخلافة، ولا ينقذنا من براثن الفتن ومن يثيرها إلا الخلافة، فالله سبحانه وتعالى يقول {إنما المؤمنون إخوة}، ولا يلم شعث الاخوة المؤمنين اليوم إلا دولة المؤمنين الثانية كما لمت شعثهم دولة المؤمنين الأولى على يد الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، فاعملوا مع العاملين لإيجادها حتى ندرك ما يمكن إدراكه، وننقذ ما يمكن إنقاذه.
ابو رافت
الجمعة 3 صفر 1427 هـ
الموافق 3 آذار 2006 م

قوة الخلافة روحية ومادية
(الخطبة الأولى) أيها الناس: تصادف اليوم الذكرى الثانية والثمانون لهدم الخلافة الإسلامية العثمانية حسب التقويم الميلادي، حيث أعلن الطاغية الملعون مصطفى كمال عن قرار إلغاء نظام الخلافة في مثل هذا اليوم من عام 1924م. ومنذ ذلك الحين وقف العمل بتطبيق الشريعة الإسلامية في جميع بلاد المسلمين لأول مرة في التاريخ منذ أن طبقها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة. إن وقف تطبيق الشريعة الإسلامية قد أوقع بالمسلمين كوارث كثيرةً هزت كيانهم، وزلزلت أركانهم، وجعلتهم في عداد دول ما يسمى بالعالم الثالث، فضلاً عن غضب الله الذي حل بهم لمخالفتهم أمره الصريح {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك}. وقد أدى زوال كيان المسلمين السياسي إلى زوال هيبتهم بعد ضمور قوتهم، وأدى إلى إقصائهم عن المرتبة الدولية اللائقة بهم وفق قول الله عز وجل {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيداً}.
أيها الناس: لقد استخدمت الدولة الإسلامية عبر عهودها الطويلة أسلحة تناسب مقتضى العصر، وأبدع علماؤها في تطوير تلك الأسلحة، وبرع جنودها في استخدامها على نحو يحقق الغاية التي ينشدها المسلمون من حملٍ للدعوة الإسلامية عن طريق الجهاد في سبيل الله، أو ردٍ للمعتدين الغاصبين عن بلاد المسلمين وأموالهم وأعراضهم. وكانت تلك الأسلحة حاسمة قوية تعمل في أيدي أبطال مؤيَّدين بنصر الله عز وجل، وقد حفلت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم العملية والخلفاء من بعده بما يدل على أنهم لم يدخروا وسعاً في الإعداد لمواجهة العدو، فأعدوا الجنود وهيأوا السلاح، وشدوا الازر، ورفعوا الناحية الروحية، وبنوا معسكرات الـتـدريـب، واخـتاروا الزمان المناسب للهجوم، وعملوا على استعمال مختلف الاساليب الحربية، ولم يتركوا صغيرة ولا كبيرة في ذلك. ومـعـروف أن النبي عليه الصلاة والسلام لمّا بلغه أن سلاحاً جديداً مؤثراً صنع في اليمن أيام معركة حنين، أرسل جماعة إلى اليمن لشرائه فوراً، تحقيقاً لقول الله عز وجل {وأعدوالهم ما استطعتم من قوة}. وحوادث الرشيد ونقفور، والمرأة العمورية والمعتصم والخيل البلق والمنجنيق، وغيرها من الحوادث في تاريخ أمتنا المجيد، لا تزال ماثلة أمام أعيننا تشهد على جدية الإعداد وعظمة تطبيق الإسلام وقوة الانتصار للمظلومين. ولا زالت الكتب والموسوعات العلمية العسكرية تتحدث عن سلاح البحرية العثماني وفعالياته في المتوسط وغيره من البحار والمحيطات، كما أن أكاديمية عسكرية بحرية فرنسية تدرس اليوم نظرية وضعها عالم مسلم في علم العسكرية البحرية.
أيها الناس: إن أبرز الأسلحة في زماننا هو السلاح النووي، وهو الذي جعل أميركا مثلاً تهيمن على العالم أجمع، ذلك أنه سلاح يقتل بالجملة ويدمر مدناً بكاملها، بل ويزيل دولاً عن الخريطة السياسية بكبسة زر واحدة. ولا يمكن لدولة من دول العالم أن تفرض نفسها في الحلبة الدولية، وأن تكون مرهوبة الجانب إلا إذا ملكت السلاح النووي الرادع. ولذلك تسعى كل من بريطانيا وفرنسا والصين لتعزيز قدراتها النووية، ونلاحظ شغف كوريا والهند على تطوير البرامج النووية، وسعت إسرائيل لامتلاكه بعد نشوئها بسنوات معدودة، وأخيراً وليس آخراً فإن هناك بلدين مسلمين تسعيان لامتلاك السلاح النووي وهما باكستان وإيران. وبغض النظر عن تبعية كلتا الدولتين لأميركا سياسياً، فإن العالم - ومعه أميركا - قد أحدثوا جلبة كبيرة حول هذا الموضوع، لا لشيء إلا خوفاً من حدوث تحولات سياسية في هذين البلدين تجعل قرار استخدام السلاح النووي بأيدي مخلصين لله ولرسوله ولجماعة المسلمين، وهذا ما يحاذره الغرب والشرق على حد سواء.
أيها الناس: يقول جيفري كمب من المركز الدولي لدراسات أمريكا والغرب معلقاً على زيارة الرئيس الأميركي المرتقبة إلى الهند، وقرار الإدارة الأميركية الخاص ببيع تكنولوجيا نووية إلى الهند لصالح برنامجها المدني: "إن كل شيء تغير بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، فبين عشية وضحاها أصبحت باكستان حليفاً ضرورياً...وصارت المراهنة على الهند للوقوف أمام بروز الصين كقوة إقليمية عظمى...وترى وزارة الدفاع الأميركية والبيت الأبيض أن على الولايات المتحدة الآن أن تخوض "الحرب الطويلة" بدلاً مما كان يعرف في السابق بـ"الحرب على الإرهاب" وفيما بعد بـ"الكفاح ضد التطرف العنيف"، وباختصار، وكما وصفته إحدى دراسات البنتاغون، حرباً ضد "الخصم الكوني". وأعلن الرئيس الأميركي في خطابه حول "حالة الاتحاد" الشهر المنصرم، أن هدف إدارته هو هزم "الإسلام الراديكالي".
أيها الناس: إنهم يكيدون لنا كيداً عظيماً، ويمكرون بنا مكراً كُبّاراً، ويجب علينا أن نرتقي بمستوى تفكيرنا إلى خوض غمرات العمل السياسي على قاعدة إيجاد دولة قوية للإسلام والمسلمين، يمكن من خلالها تطوير كافة أنواع الأسلحة وتصنيعها، بما فيها السلاح النووي، وبأيدي إسلامية وعلماء مسلمين وأموال إسلامية، لتصبح في وقت قياسي خلافة نووية قادرة على تبوّء مقعد متقدم بين أقرانها بل وتبزُّهم وتنفرد بقيادة العالم أجمع، ولا عجب، فلدينا كل المقومات اللازمة، ولا ينقصنا إلا القرار السياسي الذي يفعِّلها ويوجهها الوجهة الصحيحة، وما ذلك على الله بعزيز. وهذا لا يتحقق بإقامة دولة فلسطينية هزيلة، أو بالسير في برامج السياسة المتبناة من قبل دويلات الضرار القائمة في العالم الإسلامي، والخاضعة جميعاً لإرادة الكفار، فأزمتنا أزمة إرادة وسيادة ودولة واحدة للمسلمين، لا أزمة إمكانيات ومقومات ومزيد من الدويلات.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: رغم أننا نسعى لإقامة خلافة إسلامية ثانية راشدة على منهاج النبوة تملك كافة الأسلحة العصرية بما فيها السلاح النووي، إلا أننا ندرك عقائدياً أن منطق التوازنات شيء مختلف لا يحسمه تفوق القوى العسكرية، بل إن التوازن في القوى يعتبر مجرد لحظة عابرة تنقضي سريعاً طبقاً لمفهوم قذف الرعب بالتعبير القرآني. وهذا يسحق تفوق الكفار الظاهر، إقرأوا إن شئتم قول الله سبحانه وتعالى {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب، فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان}، وقوله سبحانه {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين}، وقوله الله عز وجل {وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم}، ومع ذلك فلا بد من الإعداد والأخذ بالأسباب.
أيها الناس: لقد آن الأوان لنا أن ندرك أن عزنا لا يكون إلا بالخلافة الإسلامية، فهي النظام الذي أمرنا الله بتطبيقه، وهو النظام الذي أعز الله به المسلمين عبر عهودهم الطويلة، وهو النظام الذي يملك الإرادة السياسية المستقلة التي تعتبر أول مقومات السيادة. ولما طبقه المسلمون سطروا أروع أمثلة البطولة في كافة الميادين، وبلغ عزهم عنان السماء، وخضعت لهم البلاد الواسعة، ودانت لهم رقاب الجبابرة، وتنزلت معهم ملائكة السماء تقاتل نصرةً لدين الله وجنده، فلا تتوانوا عن العمل لإيجادها أيها المسلمون لعلكم تفلحون. أما أنتم أيها اللاهثون خلف سراب السياسة الدولية الحالية الخاطئة الكاذبة، ثوبوا إلى رشدكم، وارجعوا إلى حضن أمتكم، فلا روسيا تنفعكم، ولا أوروبا تجيركم، ولن تتمكن أميركا من تثبيتكم إن كان الله يريد أن يزعزعكم كما زعزع الذين من قبلكم، فاعتبروا يا أولي الأبصار!

.................................................

الجمعة 10 صفر 1427 هـ
الموافق 10 آذار 2006 م

الحوار الوطني في ميزان الإسلام
(الخطبة الأولى) أيها الناس: تدور - ومنذ أمد بعيد - حوارات وطنية داخل كل قطر من أقطار العالم الإسلامي الممزق، وتصرف في هذه الحوارات جهود مضنية وأموال طائلة وأوقات طويلة، ويدخل المتحاورون في كثير من الأحيان في سجالات عقيمة قد تفضي إلى حد الاقتتال الداخلي أو الحرب الأهلية. ثم تستأنف هذه الحوارات الوطنية بوساطات خارجية بحجة رأب الصدع، ولم الشمل، وتوحيد الجهود الوطنية، وما بات يعرف بالوحدة الوطنية. ثم تنطلق الشعارات التي تنادي بالوحدة الوطنية، وأنها خط أحمر لا يجوز تخطيه بأي شكل من الأشكال، ويتحدثون عن حرمة إراقة الدم الوطني، وما شابه ذلك من مصطلحات يكررها الساسة والمسؤولون، ويرددها الإعلاميون أكثر من التسبيح والتهليل والتحميد والحوقلة. وصار سقف هذه الحوارات الوطنية لا يتعدى وئاماً وطنياً مؤقتاً يحافظ فيه الفصيل الوطني المسيطر على مكتسبات الحكم وغنائمه، وترضى باقي الأطراف الوطنية الأضعف بنصيبها من تلك الغنائم، ولا عزاء لشهداء الوطن الذي قضوا في سبيل تلك الأهداف المتواضعة، بل إن التنظيمات الوطنية قد اتخذتهم جسراً تعبر فوقه إلى مصالحها ومصالح أسيادها في الوطن وخارجه.
أيها الناس: إننا نلاحظ أن الذي يدير هذه الحوارات الوطنية في العالم الإسلامي ومنه العربي هم الساسة الغربيون وسفراؤهم في بلاد المسلمين، وأحياناً توكل مهمة إدارة تلك الحوارات إلى مدراء الأجهزة الأمنية ورجال المخابرات الذين تشكلت عقلياتهم على أسس إجرامية تجسسية، وينحصر سجل إنجازاتهم في قمع إخوانهم خدمة لأسيادهم. وهذا عين ما هو حاصل في الحوار الوطني اللبناني اليوم حيث يعتقد سياسيون ومحللون لبنانيون أن واشنطن وباريس والرياض ودمشق وطهران وحتى تل أبيب تتدخل في الحوار الوطني اللبناني بشكل واضح حيناً وخفي حيناً آخر. ويشير هؤلاء إلى أن الأميركيين والفرنسيين يتدخلون عبر سفاراتهم النشطة في بيروت، ولا يمر يوم دون أن يلتقي مسؤولون من سفارتي الدولتين بمسؤوولين لبنانيين معنيين بالحوار الوطني. وأكثر من ذلك يشير البعض إلى أن وجهة نظر إسرائيل الأمنية فيما يتعلق بسلاح المقاومة اللبنانية والفلسطينية، موجودة في جلسات الحوار. وقد شوهد السفير الأميركي أكثر من مرة في ساحة النجمة ببيروت يدور بسيارته أثناء عقد جلسات الحوار في علامة لا تقبل النفي أو النقاش على التدخل الأميركي. وأكد نائب لبناني أن التدخل الأميركي ليس خفياً، بل واضحاً وضوح الشمس، وحمل نائب آخر سوريا مسؤولية أي إرباك يمس الحوار، ولا يستبعد محلل سياسي لبناني أن تكون هناك دول خارجية تدفع بالحوار من أجل مصلحتها.
أما الحوار الوطني الفلسطيني فحدث عنه ولا حرج، حيث اللقاءات المصرية الفلسطينية المعلنة وغير المعلنة، مع مختلف القوى الوطنية والإسلامية في غزة والقاهرة، وزيارات مدير المخابرات العامة ونوابه المتكررة، وغير ذلك من متعلقات الحوار الوطني الفلسطيني كتدخل إسرائيل وأميركا والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة، كل ذلك قد مهد لما يعرف بالتهدئة، وأوصل الحركة الإسلامية إلى سدة الحكم في بلد ليس للمسلمين فيه سدة ولا حكم.
أيها الناس: إن الذي يسري على الحوار الوطني اللبناني والحوار الوطني الفلسطيني يسري في نفس الوقت وبنفس القوة وعلى نفس النمط على الحوار الوطني العراقي والسوداني والجزائري والمغربي وكل أنواع الحوار والوئام الذي يقوم على أسس الوطنية، سواء كان في داخل الوطن الواحد أم خارجه، كالحوار بين دول الجامعة العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي أو منظمة الوحدة الافريقية أو مجلس التعاون الخليجي، فهي جميعاً محكومة بقواعد الحوار المتبناة من قبل الدول الكافرة التي لا ترقب في مؤمن إلاً ولا ذمة.
أيها الناس: ليس من تفسير لحضور مندوبين عن دول الكفر ومؤسساته السياسية والاقتصادية والإعلامية وحتى الاجتماعية لمؤتمرات الحوار الوطني في العالم الإسلامي إلا أنه تدخل سافر في شؤون المسلمين، وفرض إراداتهم على أعمال هذه المؤتمرات، وتوجيهها الوجهة التي تتفق مع مصالحهم وتحقق أغراضهم، فهل بعد هذا البيان نقول إنهم أصدقاؤنا ولا غنى لنا عنهم؟
أيها الناس: لقد أصاب المسلمين من الحوارات الوطنية غم كبير وشر مستطير، وقد انحرفوا عن مسار الحوار الصحيح الذي يقوم على أسس الإسلام بين المسلمين أنفسهم، وبينهم وبين الكفار، وخرجوا عن الخط التحاوري الذي رسمه لهم رسول الله صلى اله عليه وسلم عندما حاور الأوس والخزرج لما فتنهم اليهود قائلاً: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا}. وخاطب على أساسه الكفار من أهل الكتاب قائلاً: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}. ثم جابه المعاندين بقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرِّمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}. جاء في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل كما في صحيح مسلم: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله - إلى قوله: فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون".
أيها الناس: هكذا كانت خصال قواد المسلمين في الفتوحات الإسلامية الأولى، ولم يتعد حوارهم ذلك أبداً، وكان لهم ما أرادوا. فقد طلب زعماء الروم من أبي عبيدة أن يرسل إليهم رجلاً ليعرفوا حاجة المسلمين، فأرسل إليهم أبو عبيدة معاذ بن جبل وكان ذلك في سنة 13 هـ، قبل معركة اليرموك، فقال معاذ لترجمانهم: أفهم عني أن أول ما أنا ذاكر حمد الله الذي لا إله إلا هو، والصلاة على محمد نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن أول ما أدعوكم إليه أن تؤمنوا بالله وحده وبمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن تصلوا صلاتنا، وتستقبلوا قبلتنا، وأن تستنوا بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وتكسروا الصليب، وتجتنبوا شرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، ثم أنتم منا ونحن منكم، وأنتم إخواننا في ديننا، لكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فأدوا الجزية إلينا في كل عام وأنتم صاغرون، ونكف عنكم، وإن أنتم أبيتم هاتين الخصلتين فليس شيء مما خلق الله عز وجل نحن قابلوه منكم، فابرزوا إلينا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، فهذا ما نأمركم به وندعوكم إليه. فلما فرغ معاذ من خطابه قالوا: ما نرى بيننا وبينك إلا متباعداً، وهذه خصلة نحن نعرضها عليكم، فإن قبلتموها منا فهو خير لكم، وإن أبيتم فهو شر لكم، نعطيكم البلقاء وما إلى أرضكم من سواد الأرض، وتنحَّوا عن بقية أرضنا وعن مدائننا، ونكتب لكم كتاباً نسمي فيه خياركم وصلحاءكم. فقال معاذ: هذا الذي عرضتم علينا وتعطونه كله في أيدينا، ولو أعطيتمونا جميع ما في أيديكم مما لم نظهر عليه ومنعتمونا خصلة من الخصال الثلاث التي وصفت لكم ما فعلنا. فغضبوا عند ذلك، وقالوا: نتقرب إليك وتتباعد عنا؟ اذهب إلى أصحابك، إنا لنرجوا أن نفرقكم في الجبال غداً. فقال معاذ: أما الجبال فلا، ولكن والله لتقتلننا عن آخرنا، أو لنخرجنكم من أرضكم أذلة وأنتم صاغرون. فانصرف معاذ إلى أبي عبيدة فأخبره بما قالوا، وبما رد عليهم. ثم بعث الروم إلى أبي عبيدة رجلاً يخبر به عنهم قالوا: إنك بعثت إلينا رجلاً لا يقبل النَّصَف، ولا يريد الصلح، ولا ندري أعن رأيك ذلك أم لا، وإنا نريد أن نبعث إليك رجلاً منا يعرض عليك النَّصَف. فقال لهم أبو عبيدة: ابعثوا من شئتم. وعندما وصل رسولهم قام أبو عبيدة فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: إن الله بعث فينا رسولاً نبياً، وأنزل علينا كتاباً حكيماً، وأمره أن يدعو الناس إلى عبادة ربهم، رحمة منه للعالمين...إلى أن قال: وأمرنا رسولنا فقال: إذا أتيتم المشركين فادعوهم إلى الإيمان بالله ورسوله، وبالإقرار بما جاء به من عند الله عز وجل، فمن آمن وصدَّق فهو أخوكم في دينكم، له ما لكم وعليه ما عليكم، ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية حتى يؤدوها عن يد وهم صاغرون، فإن أبوا أن يؤمنوا أويؤدوا الجزية فاقتلوهم وقاتلوهم، فإن قتيلكم المحتسب بنفسه شهيد عند الله، وهو في جنات النعيم، وقتيل عدوكم في النار، فإن قبلتم ما سمعتم مني فهو لكم، وإن أبيتم ذلك فابرزوا. أجل أيها المسلمون، هكذا يكون الحوار وإلا فلا.
(الخطبة الثانية) أيها الناس، يا أصحاب الحوار الوطني، يا من يممتم وجوهكم شطر أميركا وروسيا وأوروبا والأمم المتحدة: إن لكم فيمن سبقكم من المتحاورين عبرة! فلقد كانت نتيجة حوار أسلافكم من القادة المسلمين أن فتح الله عليهم البلاد ودانت لهم العباد وخضعت لهم رقاب الجبابرة، وكانت نتيجة حوار أسلافكم من الوطنيين الأتراك مع بريطانيا هدم الخلافة الإسلامية، وصيرورة تركيا بلداً فقيراً لم يرفع رأساً منذ نيف وثمانين عاماً. وكانت نتيجة حوار الوطنيين السعوديين مع الإنجليز سلخَ جزيرة العرب عن جسم الدولة الأم، وقتلَ إخوانهم الأتراك والعرب من المسلمين، ومنذ نيف ومائة عام وهم ينفقون ثروة الأمة بسفه بالغ، وقد أصبحت الجزيرة في عهودهم النحسة مرتعاً للكفار وقواعد لهم وإرصاداً لحرب المسلمين. وكانت نتيجة حوار عبد الناصر مع أصدقائه السوفييت الاشتراكيين وبالاً على مصر أجيالاً متعاقبة، وليست معاناتهم من الرأسمالية العفنة أقل سوءاً. وكانت نتيجة حوار السودانيين الوطني أن تفسخ السودان وتمزق وهم ينظرون. وماذا بالله عليكم كانت نتيجة الحوار الوطني الصومالي أو النيجيري أو الموريتاني أو الباكستاني أو اليمني أو الكويتي أو غيرها من الحوارات الوطنية التي تُجمع جميعاً على إقصاء الإسلام عن الحياة الوطنية، وفي أحسن الظروف توظيفه لخدمة أغراضها الوطنية.
أيها الناس: رب مريد للخير لا يصيبه، فمن كان قصده الخير لشعبه من تلك الحوارات ونيته صادقة، فإنا نقول له إن صدق النية وحده لا يكفي، فلا بد من موافقة ذلك لما جاء به الشارع الحكيم، والتزام الشرعية الإسلامية واتخاذها مرجعية وحيدة. فالله سبحانه وتعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا}.
أيها الناس: هذه هي الخصال التي ينبغي أن يحاور فيها المسلمون الكفار، ليختاروا ما يرونه، أما ما سوى ذلك فلا مجال فيه للحوار.
وقد يقول قائل: هذا إن كان للمسلمين قوة ومنعة وعدة على ذلك، فماذا يصنعون اليوم وحالهم ما تعلم؟ والجواب: إن عليهم أن يعدّوا لذلك العدة، وأن يغيروا ما بأنفسهم حتى يغير الله ما بهم، وأن يعملوا مع العاملين لإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة التي تتولى ذلك الحوار حسب الأصول، فليتنحوا جانباً حتى يأخذ القوس باريها.
ابو رافت
الجمعة 24 صفر 1427 هـ
الموافق 24 آذار 2006 م

ولا يزالون يقاتلونكم

(الخطبة الأولى) أيها الناس: اتصلت وزيرة الخارجية الأميركية هاتفياً بالرئيس الأفغاني طالبة منه التدخل لإيجاد حل مناسب لقضية الأفغاني الذي يواجه عقوبة الإعدام بسبب ارتداده عن الإسلام واعتناقه النصرانية. وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن رايس أكدت لكرزاي على ضرورة أن يدرك الشعب الأفغاني أهمية حرية المعتقد وحرية التعبير لا سيما وأنهما يعدان جزءاً لا يتجزأ من الدستور الأفغاني، مشيراً إلى أنها لم تطلب صراحة منه وقف المحاكمة أو الإفراج عن الأفغاني المعتقل. وكان الرئيس الأميركي قد أعرب كذلك عن "قلقه الشديد" إزاء مصير الأفغاني، ودعا الحكومة الأفغانية إلى احترام المبدأ العالمي للحرية، مؤكداً رغبته في العمل مع كابل للحرص على احترام حرية الأديان. وفي فيينا قالت وزيرة الخارجية النمساوية إن الاتحاد الأوروبي الذي تتولى بلادها رئاسته الدورية سيبذل ما بوسعه لإنقاذ حياة الأفغاني الذي يواجه عقوبة الإعدام. وأضافت في بيان أن رئاسة الاتحاد ستتابع الوضع عن كثب وستقرر الخطوات القادمة حسب تطورات القضية، مشيرة إلى أن النمسا والاتحاد يتوقعان من القاضي الذي يرأس المحاكمة مراعاة الالتزامات الدولية لأفغانستان كما ورد في دستور هذا البلد. في المقابل أكدت السلطات الأفغانية رغبتها في تسوية لتجنب إعدام الأفغاني عبد الرحمن (40 عاما) الذي اعتقل الشهر الماضي بالعاصمة كابل بعد أن رفعت عائلته شكوى ضده إلى الحكومة لارتداده عن الإسلام. وقال القاضي المكلف برئاسة المحاكمة إن هناك محاولة لمعالجة هذه القضية بسرعة والتوصل إلى حل مرض يتضمن محاولة إقناع عبد الرحمن بالعودة إلى الإسلام، مؤكدا أن المسألة حساسة جداً. وصرح متحدث باسم المحكمة بأن عبد الرحمن قد يكون مختلاً عقلياً، وسيخضع لفحص لقدراته العقلية والنفسية. وقال محللون إن هذا سيكون مخرجاً سهلاً بالنسبة لكابول وسط مخاوف من أن تسبب هذه القضية شرخاً بينها وبين الدول الغربية التي تعتمد عليها البلاد في إعادة الإعمار والتصدي للهجمات المتصاعدة التي تشنها حركة طالبان. ويعتقد أن عبد الرحمن هو أول أفغاني مرتد يحكم عليه بالإعدام طبقاً للشريعة الإسلامية لرفضه العودة إلى الإسلام. وكان عبد الرحمن الذي عاش في ألمانيا لسنوات عديدة قد تحول إلى النصرانية منذ 16 عاماً أثناء عمله بمنظمة إغاثة في باكستان.
أيها الناس: هذه القصة وما يرافقها من ملابسات تصلح أن تكون مثالاً مناسباً يقدم لكل من تسول له نفسه اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، وتمثل نموذجاً صارخاً لكل من يوهم نفسه أنه قادر على تطبيق الشريعة الإسلامية بالتنسيق مع أميركا والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين مجتمعين أو متفرقين. وتعتبر هذه الحادثة دليلاً ساطعاً قاطعاً على أن الكفار يعملون جاهدين، بل ويحرصون على صرف المسلمين عن دينهم جملة وتفصيلاً، وصدق الله العظيم إذ يقول: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا}. فالآية مبينة للقاعدتين معاً: حتمية الصراع (ولا يزالون يقاتلونكم)، وغايتهم من الصراع (حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا)، إذن لا بد أن يكون هذا الامر واضحاً عند المسلم غاية الوضوح، فمن يحاربك فهو يطاردك أو يقاتلك أو يفاوضك وهدفه أن يردك عن دينك حتى يتسلل الخلل إلى شخصك وأمتك ليغير اتجاه مسيرتها. قال الزمخشري في الكشاف: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ} إخبار عن دوام عداوة الكفار للمسلمين وأنهم لا ينفكون عنها حتى يردّوهم عن دينهم، وحتى معناها التعليل كقولك: فلان يعبد الله حتى يدخل الجنة، أي يقاتلونكم كي يردّوكم. و{إِنِ اسْتَطَاعُواْ} استبعاد لاستطاعتهم كقول الرجل لعدوّه: إن ظفرت بي فلا تُبق عليَّ، وهو واثق بأنه لا يظفر به. وأما ابن كثير فيقول في تفسيره لهذه الآية {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَاعُواْ}: أي، ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين!
أيها الناس: إن الذي فرض الحكومة الأفغانية ونصَّب عليها الفاسق كرزاي العاجز عن تطبيق حكم الردة على واحد من رعيته هي أميركا، وكذلك فعلوا في باكستان عندما نصبوا عليها الجنرال غير المشرف ليقول للمسلمين المجاهدين من غير الباكستانيين والمقيمين في باكستان: إرحلوا وإلا سنسحقكم كما سحقنا إخوانكم في إقليم وزيرستان! وأما ما يفعله في الشيشان فرائحته تزكم الأنوف، وهكذا تفعل أميركا في باقي مزارعها السياسية الكائنة في بلاد المسلمين. فلماذا يكون الحال مختلفاً في فلسطين، وأميركا هي راعية العملية السلمية فيها؟ أليست هي صاحبة اليد الطولى في تثبيت إسرائيل، ويتم الاستيطان وضم الأراضي الشاسعة في القدس والجولان والأغوار تحت سمعها وبصرها؟ أليست هي التي تعتبر المسلمين بأنهم الخصم الكوني؟ فلماذا يكون مسلموا فلسطين استثناءً من القاعدة؟ ألا ترون أن ذلك استدراجاً لبعض الفئات كي تقع في الشّرك القاتل؟ أفيقوا أيها الإخوة، فوعد الله أوثق من وعد أميركا، وقوته أكبر، ومكره أعظم، فلا تسيروا في مخططاتهم، ولا تركنوا إلى وعودهم، فوالله لن تستطيعوا أن تضربوا عنق مرتد يجاهر بقول "لا إله والحياة مادة"، ولن تستطيعوا أن تعاقبوا امرأة خرجت سافرة إلى الحياة العامة السياحية وغير السياحية، ولن تستطيعوا أن تسنوا قانوناً يسمح بتعدد الزوجات، ولن تستطيعوا أن تغلقوا بنكاً ربوياً واحداً، ولن تستطيعوا أن تقطعوا يد سارق، ولن تستطيعوا أن تعاقبوا تارك صلاة أو ترجموا زانياً أو زانية أو تجلدوهما، ولن تستطيعوا أن تأخذوا جزية من "إخوانكم" النصارى، ولن تستطيعوا أن تقلعوا شجرة غرسها مستوطن في الأغوار، وستقضوا عمركم السياسي كله قبل أن تستطيعوا استعادة المنطقة الأمنية شمال قطاع غزة، ولن تستطيعوا بناء جيش قوي قادر على حماية أهلكم من الاجتياح والقصف والاغتيال، فضلاً عن اضطلاعه بمهمة حمل الدعوة الإسلامية عن طريق الجهاد في سبيل الله، ولن تستطيعوا أن تثأروا ممن تطاول على رسول الله ودنس القرآن، ولن تستطيعوا إنقاذ الأقصى من الخطر الذي يتهدده فضلاً عن تحريره كاملاً، ولن تستطيعوا أن تجمعوا شتات شعبكم المقسم إلى مزق جغرافية وسياسية مريعة في الشتات والمهجر وأرض الإسراء، ولن تستطيعوا تحرير الأسرى، ولن تستطيعوا تسمية أحد منكم أو من غيركم ليكون خليفة للمسلمين، يبايعه الناس على السمع والطاعة للحكم بكتاب الله وسنة ورسوله صلى الله عليه وسلم، فيتخلصوا من إثم الميتة الجاهلية التي تتربص بهم. فإن لم تفعلوا ذلك، ولن تفعلوا، فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة، وثوبوا إلى رشدكم، وارجعوا إلى حضن أمتكم، واعملوا مع العاملين المخلصين لإعزاز دينكم بإقامة خلافتكم، وثقوا بوعد ربكم، ولا تهنوا ولا تحزنوا، والله معكم ولن يتركم أعمالكم.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن أخطر ما يواجه المسلمين في دينهم ودنياهم هو المسارعة في الكفار من اليهود والنصارى وموالاتهم مهما كانت الذرائع. فالتحذير من موالاتهم والمسارعة فيهم ليس فيه استثناء لذريعة أو مصلحة مظنونة أو محققة. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنهم منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين. فترى الذين في قلوبهم مرض يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين}. هكذا هو ديننا، وهذا ما علمناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ما قاله علماء السلف والخلف من المتقدمين والمتأخرين، فمن خالفه فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً.
أيها الناس: كل رأس لم تصادمه الخطوب فهو ذنب، وقال الشاعر: تصبر ولا تبد التضعضع للعدى # ولو قطعت في الجسم منك البواتر. سرور الأعادي أن تراك بذلة # ولكنها تغتم إذ أنت صابر.
فيا إخواننا في العراق، ويا إخواننا في فلسطين، قد علمتم ماذا فُعل بإخوانكم في أفغانستان والجزائر وباكستان ومصر وغيرها من بلاد المسلمين، فلا تقعوا فيما وقعوا فيه، ولا تتولوا قوماً غضب الله عليهم، ولا ترتدوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين. فخسارتكم تنعكس على أمتكم، ومواقفكم تحسب عليها، فلا تكونوا سبباً في نكبة جديدة تضاف إلى نكباتها، يرحمكم الله، بل كونوا عوناً لها للخلاص مما هي فيه، ولا تكونوا عوناً للشيطان وأوليائه عليها، بل أعينوها على الشيطان وأوليائه، واستعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
....................................................

الجمعة 2 ربيع الأول 1427 هـ
الموافق 31 آذار 2006 م

خرطوم الفيل العربي
(الخطبة الأولى) أيها الناس: شهد الاسبوع المنصرم جملة من الأحداث البارزة التي لا يمكن تجاهلها أو إغفال تزامنها، فهي ذات إيقاع متناغم يدل على أن قائد الجوقة واحد. فانعقاد مؤتمر القمة العربية في الخرطوم، وتشكيل الوزارة الفلسطينية الجديدة، وإجراء الانتخابات الإسرائيلية تبدو وكأنها أحداث مترابطة في سياقها وتوقيتها، بل وفي نتائجها وبياناتها وتصريحات رموزها حيال القضية الفلسطينية على وجه التحديد. ولست اليوم بصدد فضح تخاذل حكام العرب عن نصرة قضايا شعوبهم، فقد أصبح ذلك مكشوفاً وعلى ظاهر الكف ومن نافلة القول، ولست كذلك ممن يرجون أن تتمخض مؤتمرات القمة عن غضبة مضرية نرفع به رأساً أو نغيظ عدواً، فذلك سراب يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، ولكني أشير إلى تواطؤ هذه المؤتمرات بزعاماتها الحاضرة والغائبة مع الكفار من أعداء هذه الأمة لكبتها وإثخان جراحها وسوقها إلى الرضوخ لمطالب أعدائها.
أيها الناس: لما احتلت الضفة الغربية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء والجولان عام 1967م بعد الهزيمة العربية فيما عرف بحرب الأيام الستة، عقد في الخرطوم مؤتمر قمة وحضرت جميع الدول العربية باستثناء سوريا التي دعت إلى حرب تحرير شعبية ضد إسرائيل. وصدر عن القمة مجموعة من القرارات أهمها اللاءات العربية الثلاث (لا للاعتراف، لا للتفاوض، لا للصلح)، وتأكيد وحدة الصف العربي، والالتزام بميثاق التضامن العربي، والتعاون العربي في إزالة آثار العدوان عن الأراضي الفلسطينية، والعمل على انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي العربية، واستئناف ضخ البترول إلى الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وألمانيا الغربية، وإقرار مشروع انشاء صندوق الإنماء الاقتصادي العربي، وسرعة تصفية القواعد الأجنبية في البلاد العربية! وبعد نحو أربعين عاماً عقد مؤتمر قمة عربي في الخرطوم أيضاً، ولم يتحقق من مقررات المؤتمر الأول فيما أعلم، والله أعلى وأعلم، إلا بند استئناف ضخ البرول إلى أميركا وبريطانيا. أما اللاءات فتحولت إلى نعمات وخضوع للإملاءات ومزيد من التنازلات، وأما وحدة الصف فلا زالت قائمة وازدادت قوة على قوتها في وجه الإسلام والمسلمين، وأما التعاون العربي في إزالة آثار العدوان فقد نجح العرب نجاحاً منقطع النظير في عدم اعتباره عدواناً فزالت آثاره تلقائياً! وأما سرعة تصفية القواعد العسكرية في البلاد العربية فأمرٌ قد عفا عليه الزمن كون البلاد العربية قد أصبحت جميعاً قواعد عسكرية، فلا معنى لبحث الموضوع! ولكن الجديد القديم هو الاعتراف بإسرائيل والإصرار على انسحابها من أراض احتلت عام 67. فمنذ أربعين عاماً وهم معترفون ضمناً بدولة إسرائيل، ولكنهم كانوا متحيرين في الإخراج. فلما قامت السلطة ذهبت الحيرة عنهم وقالوا في مؤتمرهم الأخير: أما في الشأن الفلسطيني فقد أشار الأمين العام لجامعة الدول العربية إلى التزام الجامعة بمساعدة الفلسطينيين خصوصا إذا تأخر تمويل السلطة من الجهات الملتزمة لأي سبب من الأسباب.
أيها الناس: أرأيتم حجم التواطؤ من هؤلاء الحكام الزنادقة مع أسيادهم وإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب؟ ألا تشهدون عليهم بعد ذلك بأنهم أعداء لكم يتربصون بكم الدوائر؟ ما معنى مساعدة السلطة التي قال فيها أحد الساسة اليهود إنها مصلحة إسرائيلية؟ هذه السلطة التي لم تقم إلا بموافقة أميركية أوروبية إسرائيلية، وثبتوها بأموالهم وساستهم وخبرائهم وسماسرتهم. ولما صارت السلطة في يد الجناح الإسلامي للطائر الفلسطيني الجريح، ظهر الغرب بمظهر الممتنع عن التأييد لها وضخ الأموال اللازمة لتسيير أمورها، فكان لا بد من طرح البديل، فأبت النخوة العربية إلا أن تمد خرطومها لسد العجز واستمرار ضخ المخدر في هذا الجسد الذي يرقد تحت التشريح في غرفة العمليات السياسية القاتلة. ولا عجب، فمن الخرطوم تم امتصاص النقمة العارمة التي تولدت بعد حرب الأيام الستة، وللخرطوم تجارب عظيمة في المشاكل بين المتجاورين فلها عشرة جيران، ولها باع طويل في إجهاض أعمال قمع المتمردين وجعلهم شركاء في الحكم، ومن الخرطوم تنفث سموم الحرب الأهلية في إقليم دارفور الذي يسير على طريق الانفصال كما فصل الجنوب، وكل فعاليات خرطوم الفيل العربي تسير على هذه الوتيرة.
أيها الناس: هناك تزامن بين مد خرطوم الفيل العربي نحو فلسطين الجريحة بالتخدير والتسكين والتهدئة، وبين تصريحات الفائزين في الانتخابات الاسرائيلية حول خطوات أحادية الجانب، وفصل الشعبين، وضم بعض الأراضي في الأغوار وتسليم البعض الآخر في مناطق أخرى، وإزالة المستوطنات الصغيرة، وضم كثيفات السكان منها، وترسيم الحدود النهائية لما يسمى بدولة إسرائيل، وغير ذلك من إجراءات من شأنها خنق الطائر الجريح بجناحيه وشعبه المنكوب بقادته وأعدائه وأصدقائه المفترضين، فيحيط اليهود به من كل جانب. وهذا كله ينذر بحلول الكارثة، تلك الكارثة التي تكمن في السير في إجراءات الحل النهائي لما يسمى بقضية فلسطين أو مشكلة الشرق الأوسط، وإذا حصل ذلك – لا سمح الله – فإن كل شيء ينهي القضية ويصفيها تصفية نهائية سيكون مباحاً عندهم. فقتل المعارضين أو سجنهم واعتبارهم أعداءً أمر وارد، والاعتراف وارد، والتنازل عن الحقوق المشروعة والتاريخية والشرعية وارد، والخضوع للإملاءات الغربية والشرقية وارد، وتذويب الإسلام في الوطنية والديمقراطية وارد، والقبول بالسيادة المنقوصة وارد، والتسول الدائم لسد العجز في الميزانيات وارد، ورهن الإرادة السياسية بالكفار وارد، وغضب الله على رؤوس الناس وارد. نعوذ بالله من غضبه ونستغفره ونتوب إليه.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن أرض فلسطين ليست ملكاً للطائر الفلسطيني الجريح العاجز عن الطيران شبراً واحداً فوق الأرض، وليست ملكاً للفيل العربي البليد ثقيل الظل، يوجهه أبرهة الغربي كيف يشاء، وإنما فلسطين ملك للمسلمين جميعاً، وأرضها خراجية، وأقصاها وقفي إلى يوم القيامة. فمن أراد الخوض في قضيتها فليلتزم بما رواه الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). وذكرت كتب السيرة: أن أهل المدينة فزعوا في إحدى الليالي على صوت دويّ في بعض جنباتها، فانطلق أناس تجاه الصوت، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاهم راجعا - بعد أن سبقهم إلى مكان الصوت واستبرأ الخبر- على فرس عري والسيف في عنقه، وهو يقول لهم مطمئنا: "لن تراعوا، لن تراعوا" أي: لا تخافوا، لا تخافوا.. وأنتم أيها المسلمون بين خيارين لا ثالث لهما، فإما أن تكونوا عرباً متدابرين متناحرين متفرقين تحت رحمة خرطوم الفيل العربي وصاحبه أبرهة، ينفث في وجوهكم سموم التآمر والخيانة والعمالة والتقصير الفاضح والنكبات المتتابعة على رؤوسكم، ويفعل بكم الأفاعيل كما فعل بأشياعكم من قبل، وكما فعل الأردنيون والكويتيون والعراقيون واللبنانيون والسوريون بالفلسطينيين، وكما فعل السوريون باللبنانيين، وكما فعل المصريون بالسودانيين، وكما فعلت باكستان بأفغانستان، وأوزبكستان في أنديجان، والقائمة طويلة جداً. وإما أن تكونوا مسلمين متكاتفين متوادين متراحمين متعاطفين كالجسد الواحد تتكافأ دماؤكم ويسعى بذمتكم أدناكم، وأنتم يد على من سواكم، يقودكم أمير المؤمنين الذي يسهر حين تنامون، ويتخذ الاجراء المناسب حين تغضبون، ويرفع عنكم الفقر والذل والمهانة حين تصابون، ويجاهد بكم عدوكم دفعاً وطلباً، ويحمي ذماركم إذا انتهكت، ويقسم بينكم الغنائم إذا حضرت، ويقيم الحدود إذا وجبت، وتأمن به السبل إذا خيفت. فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟ فاعملوا يرحمكم الله مع العاملين المخلصين الجادين والهادفين لإقامة دولة خلافة المسلمين الراشدة الثانية على منهاج النبوة، ففيها قطع للطريق على الفيلة أصحاب الخراطيم الشريرة من العرب والعجم، وفيها هزيمة الكفار من الغرب والشرق والبجم.
أيها الناس: ما أعظم تحقيق مرضاة الله بإقامة شرع الله في أرض الله، وما أروع أن يرضى عنا خالقنا ولو غضب من في الأرض كلهم جميعاً. وما أجمل وصف الشاعر عندما قال:
فليتك تحلو والحياة مريرة
وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر
وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين
وكل الذي فوق التراب تراب
فاللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
ابو رافت
الجمعة 16 ربيع الأول 1427 هـ
الموافق 14 نيسان 2006 م

فليخرس لسان الترابي

(الخطبة الأولى) أيها الناس: إساءة أكبر من إساءة الصحيفة الدانمركية للإسلام والمسلمين، واستهزاءٌ أشنع من استهزائها، وجريمة في الإسلام لا تغتفر (ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا), ولكنها اليوم من بين ظهرانينا، حيث أفتى ما يسمى بالدكتور حسن الترابي زعيم حزب المؤتمر الشعبي المعارض السوداني أفتى بجواز زواج المسلمة من كتابي (نصراني أو يهودي)، وجدد فتواه السابقة بحق المرأة في إمامة الرجال. وقال الترابي في ندوة بأم درمان مؤخراً عن دور المرأة في تأسيس الحكم الراشد نظمها حزب الأمة والاصلاح والتجديد بزعامة مبارك الفاضل: "إن من حق المرأة أن تتزوج كتابياً مسيحياً كان أو يهوديا"، وقال إن الأقوال التي تحرم ذلك ليست من الشرع ولا من الدين،ولا ادري عن أي شرع يتكلم أو من أي معين من الدين يغرف , ووصفها بالتخرصات والأباطيل ومجرد أوهام وتضليل وتجهيل وإغلاق وتحنيط للعقول، والإسلام على حد زعمه منها براء!!! ولا توجد آية أو حديث تحرمان زواج المسلمة من كتابي مطلقاً، وإن الحرمة في الماضي كانت مرتبطة بالحرب والقتال بين المسلمين وغيرهم، وقد زالت بزوال السبب. وقال الترابي إن من حق المرأة المسلمة ان تؤم الرجال وتتقدم الصفوف للصلاة إذا كانت أكثر علماً وفقهاً في الدين من الرجال، وقال الترابي ليس هنالك ما يمنع ذلك، فقط، يجب ألا يلتصق الرجال بالنساء التصاقاً قوياً في الصفوف حتى لا تحدث الشهوة والانصراف عن الصلاة. وأضاف بأن شهادة المرأة تساوي شهادة الرجل تماماً. واعتبر الترابي أن الحجاب للنساء يعني الستار وهو الخمار لتغطية الصدر وجزء من محاسن المرأة، ولا يعني تكميم النساء بناءاً على الفهم الخاطئ لمقاصد الدين والآيات التي نزلت بخصوص الحجاب والخمار.
أفتى خزعبلة وقال ضلالة
وأتى بكفر في البلاد بواح
أيها الناس: ألا فليخرس لسان هذا الكذاب الأشر، فلو كان على الناس إمام عادل لأمر بجلبه معصوب العينين مكبل اليدين مسحوباً من لسانه إلى دار القضاء ليستتاب، فإن رجع وإلا فمنصة الإعدام بحد الردة. فالعلماء غير معصومين عن الخطأ والوهم ولربما الخيانة والطعن في الدين. فالواجب اجتناب زلاتهم، وعدم الاقتداء بهم فيها، بل ومحاسبتهم أشد الحساب عليها. وقد حذر السلف من زلة العالم، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق، وأئمة مضلون. وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: وأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة ضلالة على لسان الحكيم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ويل للأتباع من زلة العالم. قيل: وكيف؟ قال: يقول العالم الشيء برأيه، فيلقى من هو أعلم منه برسول الله فيخبره فيرجع، ويقضي الاتباع بما حكم. وقد أجمع أهل العلم على تحريم تلقط الرخص المترتبة على زلات العلماء، قال سليمان التيمي: لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع الشر كله. وعلق ابن عبد البر على ذلك بقوله: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً. وقال الأوزاعي: من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام. فزلة عالم قد تهدم الدين إذا اتبعت، وعن عمر مرفوعاً: إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان. وقال معاذ: إحذر زلة العالم، وجدال المنافق".
أيها الناس: إن مثل الترابي في أقواله الشاذة كمثل الكلب الذي ضربه الله في القرآن الكريم حيث شبه الله تبارك وتعالى بلعام بن باعوراء فى دناءته وحقارته بالكلب فى أخس وأحقر حالاته، أي فى تعبه ولهثه وشقاوته، وليس في وفائه. فالكلب دائماً وفى كل الحالات يلهث، وبلعام هو مثل لكل من آتاه الله عز وجل آياته وعلمه العلم النافع، فترك العمل به، واتبع هواه، وآثر سخط الله على رضاه، ودنياه على أخراه، ولذلك شبهه بالكلب لأن الكلب همته لا تتعدى بطنه. وتشبيه كل من آثر الحياة الدنيا على رضا الله والحياة الآخرة بالكلب اللاهث باستمرار، يدل على مدى جشع وشدة لهث ذلك الكافر المنسلخ من آيات الله على الدنيا، وهو لهاث مستمر لا ينقطع على المتاع الزائل. قال سبحانه: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ. وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ}.
فالترابي وأمثاله من علماء السوء هم الغاوون، وهم اللاهثون وراء السراب الأمريكي الصليبي الحاقد على الإسلام، يريدون أن يبدلوا كلام الله، ويريدون أن يجعلوا دين الله دينين، ديناً وسطياً، وآخر متطرفاً. ويْله من الله، ومرّغ أنفه في تراب جهنم إن لم يتب ويرجع، ما ضرُّه لو بقي ساكتاً عن المنكرات التي ملأت بلاد المسلمين شرقاً وغرباً، من ذبحٍ للمسلمين، واحتلالٍ لبلادهم، واعتداءٍ على مقدساتهم، واغتصابٍ لنسائهم، وأنظمةٍ تحكم بغير ما أنزل الله، وحكامٍ لا يهتدون بهدي محمد صلى الله عليه وسلم، وقعودٍ للجيوش عن نصرة المسلمين. ما ضره لو بقي ساكتاً كسكوت أقرانه من أشباه العلماء يتقلبون في نعمة أسيادهم الحكام الزائلة؟ ولكنه أبى إلا أن يكون رأساً في الباطل، وينطق بالكفر البواح الذي إن اعتقد صحته حُكم بردته وحل دمُه.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: من أصدق هذا الدعيُّ أم اللهُ القائل: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءَكم المؤمنات مُهجِراتٍ فامتَحِنوهُنَّ، اللـه أَعلَمُ بإيمانهِنَّ، فإن علِمتُموهُنَّ مُؤمنِاتٍ فلا تَرجِعوهُنَّ إلى الكُفّار، لا هُنَّ حِلٌّ لهم ولا هم يحلُّون لهنَّ)؟ ومن أصدق هذا الغويُّ أم الله القائل: (وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى)؟ ومن أصدق هذا الشقي أم الله القائل: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون}؟ ومن أصدق هذا الظلامي أم رسول الله القائل (يا أسماء إذا بلغت المرأة المحيض فلا يحل أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه)؟ قبحك الله يا حسن، تدعو للسفور وتفتري على الله ورسوله، وتطعن في ديننا بحجة الوسطية! قبح الله وسطيتك الخائبة إن كانت تعني التنازل عن حكم الله القطعي، أو حتى الظني، قبح الله أمثالك وأسيادكم وكل من سكت عنك ووافقك على ضلالك وفساد دينك.
أيها الناس: الوسط يعني الأعدل والأقوم والأقسط، ولا أعدل ولا أقوم ولا أقسط من التمسك بأحكام الله، وكذب من قال بخلاف هذا. فإلى متى تسكتون على هذه الإساءات والمهاترات؟ وإلى متى ستبقى أنظمة الكفر والظلم والفسق مسيطرة على ربوع المسلمين وإعلامهم وثرواتهم وكافة مقدراتهم؟ وإلى متى سيبقى أمثال هذا الثعبان الشَّرِه ينفث سمومه في عقول أبنائنا؟
أيها الناس: لا يوقف هذا الأفاكَ الأثيمَ وأمثالَه إلا دولةُ الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة التي تنصب ميزان القضاء العادل، فتصوِّبُ كلَّ انحراف في العقيدة والفتوى، وتؤدب كل المتجاوزين لحدود الله، وتقتص من المسيئين لشرع الله حسب إساءاتهم ولو أدى ذلك إلى الإطاحة برؤوسهم. فاعملوا أيها المسلمون لإيجادها، فإيجادها فرض، وقدومها وعد، ولن يخلف الله الميعاد.
أيها الناس: حتى لا نغمط أحداً حقه، فإن من الانصاف أن نذكر علماءَ مسلمين رفضوا أقوال الترابي هذه وفتاواه الباطلةَ رفضاً قاطعاً، وقالوا – ولو على استحياءٍ - إن هذه الفتاوى تخالف تماماً نصوص القرآن الكريم والسنةَ النبوية، فالحمد لله رب العالمين، وجزاهم الله خيراً. قال تعالى: {من عمل صالحاً فلنفسه، ومن أساء فعليها، وما ربك بظلام للعبيد}.

..................................................

الجمعة 23 ربيع الأول 1427 هـ
الموافق 21 نيسان 2006 م

صنفان من أهل النار رأيناهما

(الخطبة الأولى) أيها الناس: روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صنفان من أهل النار لم أرهما، قومٌ معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا". قال ابن عبد البر رحمه الله: "أراد صلى الله عليه وسلم من النساء اللواتي يلبسن من الثياب الشيء الخفيف الذي يصف ولا يستر، فهن كاسيات بالاسم، عاريات في الحقيقة". والبخت هي الجِمال طِوالُ الأعناق.
أيها الناس: أصبحنا نرى أهل النار على الأرض يمشون، ووجدنا الأقوام لهم يخضعون، وعن منكراتهم يسكتون، وفي مقدمة الصفوف يوضعون، وكأن الأرض وما عليها لهم يفعلون فيها ما يشاءون. أجل، أيها المسلمون، صنفان من الناس رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في النار في رحلة الإسراء والمعراج ولم يرهما في الدنيا، وأما نحن فقد رأيناهما بأعيننا في زماننا! صنفان من أهل النار يأكلون الطعام معنا، ويمشون في أسواقنا! صنفان من أهل النار يصولان ويجولان في هذه الحياة الدنيا، وإذا نظرنا إليهما بعين الذي اطلع على الغيب رأيناهما يعذبان عذاباً أليماً، تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون، إذ يعذب الله الصنف الأول بتعذيبهم الناس، ويعذب الصنف الثاني بإغوائهم لهم. أما الصنف الأول فهم رجال الشرطة والمخابرات وجلاوزة الأنظمة الذين يطلق عليهم اليوم رجال الأجهزة الأمنية، حيث يسومون الناس سوء العذاب بدلاً من حمايتهم من أعدائهم! والعجيب الغريب أن قصص وروايات التعذيب التي تمارسها تلك الأجهزة تملأ أذهان الناس وتطغى على الحديث في مجالسهم من كثرتها وشدتها وبشاعتها، ولكنها لا تحظى بحديث العلماء والوعاظ والمدرسين ومشايخ الفضائيات العتيدة، فضلاً عن تجاهل ذكرها تماماً من قبل الحكام وإعلامهم الرسمي. وأما شعار تلك الأجهزة المكتوب والمكتوم فهو: ما تسمعه هنا وتراه هنا أُتركه هنا!!
يا ويل أصحاب السياط التي تنهال على الأبرياء من مشهد يوم عظيم، أبصر بهم وأسمع، فالله بهم بصير وسميع، ونحن قد أبصرناهم وسمعناهم، ومن واجبنا أن نبصر الناس بخطرهم، ونسمع الناس أخبارهم الظالمة، ونحدثهم عن فعالهم الشريرة. فقد وردت مؤخراً تقارير موثوقة من سجن الجويدة الأردني تحمل أخباراً تقشعر منها الأبدان، وتشمئز منها النفوس، وتأباها الشرائع والأعراف الصالحة، وفوق كل ذلك يرفضها الإسلام رفضاً قاطعاً. حيث أرسل النظام أعداداً كبيرة من قوات الأمن المجهزة بسياط كأذناب البقر إلى ذلك السجن المشئوم، وجمعوا نزلاءه - وخصوصاً السياسيين من حملة الدعوة الإسلامية العاملين لإقامة شرع الله في أرض الله - وأجبروهم على خلع ملابسهم كاملة أمام الجميع، ولما رفض البعض من كبار السن وأهل الحياء فعل ذلك، هاجمتهم تلك القوات ومزقت ملابسهم عن أجسادهم بالقوة وكشفت عوراتهم، وفعلت بهم ما يشبه فعلة الأميركيين الكفار الحاقدين في سجن أبي غريب وغوانتانامو! وليس الحال في مصر وسوريا ولبنان والعراق واليمن والسعودية وليبيا وتونس وباقي دويلات الضرار بأفضل من الأردن.
قبحكم الله يا أهل النار، وقبح أنظمتكم التي لا ترقب في مؤمن إلاً ولا ذمة. ما أجرأكم على انتهاك حرمات الله! وما فائدة صلاتكم وصيامكم؟ ألم يأتكم نبأ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه حكيم بن حزام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا"، وأنه صلى الله عليه وسلم قال: "من ضَرب بسوط ظلماً اقتُص منه يوم القيامة".
أيها الناس: روي في تفسير قول الله تعالى {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم}... الآية، قيل: يؤتى بهم والناس وقوف يوم القيامة فيقضي بينهم حتى أنه ليؤخذ للشاة الجلحاء من الشاة القرناء، حتى يقاد للذرة من الذرة ثم يقال لهم كونوا تراباً، فهنالك يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً. وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عذبت امرأة في هرة ربطتها حتى ماتت جوعا لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض أي من حشراتها". وقال ابن مسعود: كنا مع رسول الله في سفره فانطلق لحاجته فرأينا حمّرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت ترفرف، فجاء النبي وقال: من فجع هذه بولدها ردوا عليها ولديها.
يا رجال المخابرات، كم أماً حرمتموها من فلذة كبدها وفجعتموها بولدها أياماً وشهوراً وسنين طويلة؟ كم زوجة فرقتم بينها وبين زوجها ظلماً وعدواناً على الأسر المتدينة المستورة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر؟ يا أهل النار، إنا نراكم تعذبون فنشفق عليكم، وندعوكم أن تنزعوا عن تعذيبكم الناس من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله، يومئذ يصدعون!
(الخطبة الثانية) أيها الناس: لا يجوز تعذيب المجرم في الإسلام فضلاً عن المتهم الذي لم تثبت إدانته، فما بالكم بالبريء النقي التقي الطاهر الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر؟ كما لا يجوز حمل الشخص على الاعتراف بجريمة لم يرتكبها، ومهما كانت جريمة الفرد، وكيفما كانت عقوبتها المقدرة شرعاً، فإن إنسانيته وكرامته الآدمية يجب أن تظل مصونة. جاء في موسوعة العذاب لعبود الشالجي، بأجزائها السبعة، استعراض لبعض حوادث التعذيب التي مورست من مسلمين ضد مسلمين بأساليب غاية في الوحشية، وتساؤل عما يلقاه المعارضون السياسيون في الدول المسماة بالإسلامية من أهوال على يد الأجهزة الأمنية. ثم يقول المؤلف: «ألا نخجل ونحن نرى القيامة تقوم في الغرب عند ضبط شرطي واحد متلبساً بضرب مواطن واحد، بينما يُعتبر ضربُ المواطنين في بلاد المسلمين عملاً روتينياً يومياً يمارسه الشرطي كما يمارس بقية روتينه اليومي؟ لو كان لي من الأمر شيء لوضعت في كل كلية أمنية في بلاد المسلمين مادة اسمها «إن الله يعذبُ الذين يعذبون الناس في الدنيا»، ولو كان لي من الأمر شيء لفرضت دراسة المادة فرضاً على كل من يملك سلطة الأمر بضرب أو حبس أو تغطيس!». وكتب الشيخ محمد العوضي في جريدة الرأي الكويتية قائلاً: فلنقف جميعاً بجميع الاتجاهات الفكرية وألوان الطيف السياسي والانتماء المذهبي ضد هذا الذي ينتهك انسانيتنا وهو التعذيب.
أيها الناس: هذا هو الصنف الأول من أصناف أهل النار الذين نراهم ونسمع عنهم في زماننا، أما الصنف الثاني فهن النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات، وضررهن معروف، والحديث عنهن مألوف، وما على الرجال فتنة أضر منهن. عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء". رواه البخاري ومسلم. قال ابن حجر: وفي الحديث أن الفتنة بالنساء أشد من الفتنة بغيرهن، ويشهد له قوله تعالى: {زين للناس حب الشهوات من النساء}، فجعلهن من حب الشهوات، وبدأ بهن قبل بقية الأنواع إشارة إلى أنهن الأصل في ذلك. وقال ابن القيم رحمه الله: ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة. واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة. ويقول ابن عبد البر رحمه الله تعالى: يجب على الإمام أن يحول بين الرجال والنساء في التأمل والنظر.
أيها الناس: ما أحوجنا لإمام عادل يريحنا من هذين الصنفين الخطرين على مجتمعاتنا، ما أحوجنا لإمام عادل ينقذ أبنائنا وبناتنا المنتسبين إلى هذين الصنفين فيردهم إلى دينهم رداً جميلاً، ويمنعهم من تقحم النار، ما أحوجنا لعمل العاملين المخلصين لإيجاد دولة خلافة المسلمين الراشدة الثانية على منهاج النبوة، وما أحوجنا لمؤازرتهم وشد عضدهم ورص صفوفهم وتكثير سوادهم! والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
.
Invision Power Board © 2001-2012 Invision Power Services, Inc.