بسم الله الرحمن الرحيم
أهذه هي النهاية يا ابن إنساني الجنة
الخطبة الأولى
الحمد لله, كانت الفتنة نائمة فلعن الله من أيقظها أو من يدفع لإيقاظها لعنة تمسك بلعنه, ولعنة تتبعها لعنات بعدد قطرات الدماء التي تسيل, والدموع التي تذرف,وبعدد زفرات الحسرات التي تزفر من مجامع القلوب المكلومة,
وأشهد أن لا إله إلا الله, لعن يهودا بعد إذ نقضوا ميثاق ربهم في عدم سفك دمائهم,
وإذا أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون, ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم, أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون, فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية,
وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله,
قبح الفتنة بما لم يقبح في منكر غيرها, فارتج المسلمون وأهمهم الأمر, ووقف وائل بن حجر يقول: يا رسول الله ما الفتنة هذه, قال
إذا التقى المسلمان بسيفهما فاعتزلهما.
أيها المسلمون,
لا ميثاق يوقف دماء المسلمين إلا ميثاق مع الله, وتحت رايته وامتثالا بحكمه, ونزولا عند آياته, لا ميثاق يستحق أن يلتف حوله إلا ميثاق رب العزة,
واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا, لا ميثاق يناقش إلا ميثاق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الأمة عندما نادى عليها في سديم الغيب فأسمع حاضرها ومقبلها,
ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض,
فيا أيها المتنادون بوأد الفتنة, يا أيها الحريصون على الدماء المسلمة الطاهرة البريئة,
يا أيها المحزونون لأجل هذه الأمة,
يا أيها المكلومة قلوبكم, المتفطرة أفئدتكم لأجل جمع شملها ولم شعثها,
يا أيها المخلصون في جهودكم برتق الفتق, وتضميد الجراح,
تيقنوا أنه لا يصلح الخلق إلا خالقهم, ولا ينضبط البشر إلا بأمر ربهم, ولا ينفع لماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم إلا شريعة أرادها لهم من لا يرضى لهم الكفر, و يحب أن يعذبهم, فلا تشرقوا ولا تغربوا ولا تنفتحوا ولا تتفيهقوا, فما عندكم ضحل وعاجز وغير مبصر وقصير العمر, لأنه صدر عن عاجز محتاج فقير جاهل بائس, ويجب أن تتفطر قلوب الجميع فرقا وغضبا لما يجري, وليتصور كل امرئ منا إن الذي يقتل قد يكون إبنه أو أباه أو أخاه أو حبيبه أو صديقه أو لسنا كلنا هؤلاء جميعا,
ليتصور أحدنا هذا المشهد الفزع في عرصات يوم القيامة أمام محكمة الديان القاضي فيها هو الله الجبار,والشهود هم كل ذرية آدم والمدعي هو المقتول في الفتنة ظلما يحمل رأسه يقطر دما, ينادي يسمع الأولين والآخرين ليشهدهم على ظلم قاتله له: يقول يا رب سل أخي هذا الذي بين يديك ويشير إليه, سله فيم قتلني ..
فبأي رد ستردون يا قتلة إخوتكم,
بأي عذر ستعتذرون يا أيها القساة القلوب الغلاظ الأكباد,
يا من تسفحون دماء إخوتكم هدرا على مذابح أهوائكم وأطماعكم وطاعة لعدوكم,
بأي وجه ستقابلون ربكم, بأي لغة ستبررون لذرية آدم كلها يوم التناد, وهي تشهد على جريمتكم, رأس أخيكم يشخب دما, إنه الخزي والعار .. إنه الندم والحسرات, إنه الإحراج المخجل, إنها الفضيحة المجلجلة,
يا من تستهترون بهذا الدم الغالي النفيس,
يا من تشدخون رؤوسا مهللة مكبرة راكعة ساجدة,
يا من تروعون من كان لزاما عليكم أن تؤمنوا روعتهم,
يا من أنتم الصدر الحنون لهم لو تعقلتم,
يا من أنتم الحصن الحصين لأخيكم لو ترويتم,
يا من أنتم العضد والنصير لأخيكم لو علمتم معنى الأخوة, لو لمستم ما في هذه الأخوة من وداد ومحبة وحنان ورقة وصفاء, لو فكرتم في عاقبتكم ومآلكم ,
يا أيتها النفوس النافرة,يا أيتها الأفئدة المشحونة,
يا أيتها الأجواء الملغومة غدرا, وبغضاء .. أغربي عن حياتنا, وانزوي بعيدا عنا, وادلفي إلى مجاهل النسيان,
يا لها من كارثة, يا لساعة الندم ما أشد حسراتها وعذابها, يا للحظة الآهات بعد فوات الأوان, يا للحظة خسارة العمر خسارة الأخ والحبيب, ماذا بقي لي بعد موت أخي على يدي؟
يا للدموع, يا للويل, يا للثبور, يا لسوء الخاتمة, يا حسرة بعد حسرة بعد حسرة, فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين,
ولكن بعد فوات الأوان يا قابيل, الآن يا قابيل, لقد صار غراب الشؤم والنعيب أحسن حالا مني وأفهم مقالا وأغزر عاطفة وأرق فؤادا مني أنا قابيل ذو القلب القاسي, ذو النفس المريضة, ذو الطبع اللئيم, ذو الغدر الوبيل,
أهذه هي النهاية يا قابيل,يا ابن خليفة الأرض,يا ابن من نزل ليعمرها ؟
أهذه هي النهاية يا ابن إنساني الجنة ؟
أهذه هي النهاية من عبد للرحمن إلى ولي للشيطان, من أنس الإنسان ورحمته وعطفه, إلى وحشيته ووحشته وقسوته وحقده ؟
شتان بين الرحيم وبين اللئيم شتان بين الودود وبين الفظ العنود,
شتان بين أصحاب النار وأصحاب الجنة, أصحاب الجنة هم الفائزون,
يا للشقاء يا أتباع قابيل, يا للحسرات يا للوعة, يا للخسارة والندم, يا قابيل من أنبأك كيف تقتل أخاك؟ قال أنبأني الشيطان الرجيم،
أيها المسلمون:
يا من تظنون أننا أوجعناكم بالحق الذي قدمناه لكم نصحا وإشفاقا وإرشادا, وجع الدنيا يعقبه شفاء ووجع الآخرة يعقبه شقاء, ويا ليتني ويا ليت شعري أن يبعث الله لي من يؤلمني بخالص نصيحته, وقارع مقالته, يدفعني دفعا إلى حق تنكبت عنه ومن قبل أن يدع أحدنا إلى جهنم دعا,
ومن قبل أن يقال:
إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون, ومن قبل يوم عبوس قمطرير, ينادى على قتلة إخوتهم
هذه جهنم التي كنتم بها تكذبون, أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون, اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون.
أيها المسلمون:
عصفوران فلسطينيان هزيلان يتقاتلان ويدميان بعضهما بعضا وهما في قفص الإحتلال المعلق في فناء حديقته, ما هذا الجنون الذي لا يمكن وقفه ؟
يا من تقاتلون بعضكم من أجل وهم سلطة ذاتية تحت احتلال يهودي, إنها لحظات خزي لكم, إنها لحظات حرجة ومناظر مؤلمة معيبة مخجلة, يكاد يتوارى المرء لئلا تنتسبون إليه, أو ينتسب لكم, المشهد مؤلم ومثير, والممثلون بسطاء سطحيون بادي الرأي, والمخرج مجرم عريق في الإجرام, والضحية هم دماء هذه الأمة والتي انقلبت جموعها إلى نظارة يتفرجون لا مبالين على مسرح الدمى البشرية الدامي, نعم متفرجون, يتفرجون بصمت مريب تراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون, شدهوا, وصدموا وذهلوا, لا يستطيعون الحراك والتدخل, ولاتستطيعون حماية الأرواح البريئة بل لا يريدون, والرصاص الأمريكي الغادر واليهودي الفاجر بيد المسلم ضد أخيه المسلم هو رصاص أعمى يقتل حتما سواء انطلق من بندقية الإحتلال أو بندقية الأبطال حماة الديار والاستقلال.
أيها المسلمون:
عندما يكتمل مشهد الفتنة وتغرق أحجار الزيت بدماء المسلمين الأبرياء, وتستهلك قدراتهم, وتتآكل عزائمهم, وتفنى إرادتهم, عندها يرتاح العدو, ويتمطى فرحا حذلانا, فقد تلاشت مقومات القوة والقدرة على ردعه وقتله وإخراجه من الديار,
بعدها تصبح الأرض والمقدرات والثروات مستباحة, إن أمريكا ويهود يحاولون صنع عدو بكل قوة في بلادنا من أنفسهم, حتى إذا تم له ذلك, غذى الفريقين بالمال والسلاح وشحن البغضاء في الأفئدة وأغرى كل أخ بأخيه,
حتى إذا أطارت سيوفنا هامات بعضنا البعض فإذا صفين تعود وكربلاء جديدة وإذا الجمل مشؤومة في غزة والجامعة الإسلامية وبغداد والحلة وكركوك والموصل وتعز والحديدة وصعدة ودارفور ومقديشو وبيدوا,
وكم من اشتر ستشهد ساحاتنا, وكم من عبد الله بن زياد سيقطع رؤوس المخلصين، وكم من ذي خويصرة مجرم يخرج على حين فرقة من الناس,
يا أبطال الفتنة، ويا صناع مجدها ويا موقدي نيرانها, ويا حشاشي لهيبها, شكرا خالصا لكم من القلب من بوش ومن أولمرت ومن سيدكم الشيطان, ولعنة عليكم تتبعها لعنة من المنتقم الجبار ومن الملائكة ومن المؤمنين ومن الناس أجمعين.