إقتباس(مؤمن @ Nov 3 2006, 11:23 PM)
دعنا نتجاذب الحديث في هذا الموضوع أخي الجازي لعلنا نصل إلى نتيجة ..
أخي مؤمن...
يعلم الله أنني لا أريد بهذا إثارة الشبهات والتشكيك أو الخروج على أقوال العلماء، أو أن آتي بالغريب الشاذ وأنصره إعجاباً بنفسي أو برأيي، فإن هذا إن كان في نفس أحدنا فهو البلاء والداء العياء الذي لا شفاء منه، والذي يقود صاحبه إلى المهالك كما قاد إبليس من قبلنا لعنه الله وأخزاه...
نسأل الله أولاً وأخيراً أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن يجعل جدالنا هذا في ميزان حسناتنا، وأن يعلمنا ما لم نعلم، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يرزقنا العمل به. إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير...
ولنكن كما كان العلماء الأوائل في تقواهم وورعهم وتواضعهم حتى إن الواحد منهم لتقواه وورعه يتمنى أن يظهر الله الحق على يد مناظره، فنسأل الله أن يرزقنا صفاء النية وصلاح الطوية...
لقد كنت أتساءل من بداية الموضوع عن واقع قاعدة "الوسيلة إلى الحرام حرام" وعلاقتها بقاعدة "سد الذرائع". والذي أراه جلياً أن القول بأن الوسيلة إلى الحرام حرام إذا أدت إلى الحرام بغلبة الظن، هو عين القول بالذرائع. فإما أن نأخذ بقاعدة الذرائع كلها وإما أن ندعها كلها.
وقد ذكرت أن واقع الآية مما يغلب فيه على الظن أنها لا يجوز أن تعد دليلاً على أن الوسيلة إلى الحرام حرام إذا أدت إليه بغلبة الظن، ولا حتى إذا أدت بالقطع، وأن الأولى أن يكون دليل هذه القاعدة هو دليلَ قاعدة "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، فكما أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب من حيث إنه لا يتم الواجب إلا به، فكذلك ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه فهو حرام، أو الوسيلة إلى الحرام حرام إذا كانت مما يفضي إلى الحرام قطعاً إفضاءَ السبب إلى المسبب. ولا اعتبار بعد ذلك بالذرائع إلا أن يكون هناك نص من كتاب أو سنة أو إجماع صحابة أو قياس على تحريم ذريعة بعينها لا على تحريم الذرائع بشكل إجمالي.
إقتباس(مؤمن @ Nov 3 2006, 11:23 PM)
قولك بأنه لو كان الاحتمال ضعيفًا ولو كان شكًا أن يسب الكفار الله تعالى فإن هذا يوجب عدم سب آلهتهم، قول يحتاج لدليل أو لدعم من أقوال السادة العلماء، لأن سبب النزول أخي الجازي يبين أن المشركين قالوا للرسول

لئن لم تنته لنهجون إلهك، فسب الله تقريبًا متحقق إذا سب المسلمون أوالرسول الأصنام، فكيف نقول بالشك؟
دليله نص الآية الذي لا دلالة فيه على أن الأمر منوط بغلبة الظن أو القطع أو الشك، فالله سبحانه وتعالى قد نهى عن سب آله الكفار لما قد يؤول إليه ذلك من أن يسب المشركون الله انتقاماً لآلهتهم.
فسب ذات الله حرام، والآية نهت أيضاً عن سب آلهة المشركين وما يدعون من دون الله خشية أن يؤدي هذا إلى سب الله الذي هو حرام أصلاً. فالله نهى عن أن يُسب، ونهانا أيضاً عن أن نجعل للكفار ذريعة في سب الله بأن نسب آلهتهم أو نحقرها. ويدخل في هذا كل ما هو في معنى السب من الأذى لله ولرسوله ولدينه.
صحيح أن الآية نزلت بعد أن توعد المشركون المسلمين بسب الله إن هم بقوا فيما هم عليه من سب آلهة المشركين، وأن هذا كان متحققاً بغلبة الظن، ولكن القاعدة الأصولية تقول "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"، وكون السب متحققاً بغلبة الظن أو دون غلبة الظن ليس مما يؤثر في الحكم عند تنقيح مناط الحكم، فالنص جاء ينهى عن سب آلهة الكفار لما قد يؤول إليه هذا من سب الله بغض النظر عن كون هذا متحققاً بغلبة الظن أو بالشك أو بالظن المرجوح. بل لك أن تقول إنه لا يجوز أن تسب جماعة من المسلمين الصليب أو أي شيء من شعاءر النصارى أو اليهود أمام يهود أو نصارى مستضعفين خشية أن يسبوا الله حتى لو كان هذا بينهم وبين أنفسهم، لأن المسلمين بفعلهم هذا قد جعلوا لهم ذريعة لسب الله حتى لو كان هذا في مكنون نفوسهم بنص الآية الذي جاء عاماً ولم يخصص هذا بغلبة الظن أو ما دونها، وبغض النظر عن كون هذا متحققاً بغلبة الظن عند المسلمين وقتها أو بالشك في حالات أخرى.
النص جاء عاماً يا أخي ولا يجوز تخصيصه بغلبة الظن أو القطع فقط. بل إن الشك والظن المرجوح داخلان فيها والله أعلم.
إقتباس(مؤمن @ Nov 3 2006, 11:23 PM)
وصحيح أن الآية عللت التحريم لما قد يؤول إليه من سب الله، ولكن مسألة تحقيق هل سيؤول أم لن يؤول، مسألة مناط حكم شرعي وهذا يتطلب غلبة الظن حتى نقول بالتحريم، أما التحرز أو الابتعاد عن الاحتمال فذاك أمر آخر لا يوجب التحريم، فمدار الأحكام على غلبة الظن...
كون سب آلهة الكفار يمكن أن يؤول إلى سب الله تعالى – أياً كانت درجة الظن- يدخل في عموم النهي والله أعلم، هذا ما نفهمه من الآية، فإنه لو كان هناك احتمال ضئيل أنهم سيسبون الله تعالى -ولو في أنفسهم- بما رأوا من سبك آلهتهم أو شعائرهم كنت بهذا قد جعلت لهم ذريعة، ولا شأن لغلبة الظن في هذا الأمر. فيجب الانتهاء عن سب آلهتهم أمامهم مطلقاً مهما كانت درجة احتمال أن يسبوا الله تعالى. هذا ما يفهم من النص، أو قل هذا ما أفهمه من النص.
فهل من دليل لديك على أن هذا محصور فيما كان بغلبة الظن؟
ثم إن كان هذا محصوراً فيما كان بغلبة الظن، فأين الدليل على أن هذا في كل مباح أدى إلى حرام؟هذه هي النقطة الأساسية في المبحث...لو سلمت لك أن سب ما يدعو الكفار من دون الله محصور فيما كان يغلب على الظن من أنهم سيفعلون ذلك، فما شأن هذا بكل مباح أدى إلى حرام؟
ما الدليل على تعدية حكم العلة إلى غيره من الأشياء التي تؤدي إلى حرام بغلبة الظن؟ وقد كتبت في هذه النقطة في المشاركات السابقة، فلا أعيده تجنباً للإطالة.إقتباس(مؤمن @ Nov 3 2006, 11:23 PM)
وصحيح أن ظاهر الأمر محصور في سب آلهة المشركين ، ولكن سب الله تعالى علة لتحريم سب الآلهة، وبما أنها علة فإن كل جائز يؤدي إلى سب الله تعالى فهو حرام... وتحقيق المناط في القياس لا يتطلب القطع بل تكفيه غلبة الظن ..
لا أظن هذا دقيقاً...
فقد قلت لك إن مجرد التعليل لا يكفي في تعدية حكم العلة إلى ما سواها. بل لا بد مما يشير إلى اعتبار هذه العلة في غير ما وردت فيه، وهذا يعرف بنصوص أخرى أو قرائن أحوال كما أوضحت لك في مشاركات سابقة في مثال من نكحت بغير إذن وليها، وأنها تستحق المهر بما استحل من فرجها، وفي مثال النهي عن البيع وقت صلاة الجمعة وغير ذلك. وكما قلت لك في مشاركة سابقة:
إقتباس
تحقيق مناط الحكم وتقرير القواعد الشرعية العامة والكلية يكفي فيه غلبة الظن، هذا صحيح...
ولكن غلبة الظن غير متحققة هنا للأدلة المذكورة في المشاركات السابقة، فكثيرة هي الأشياء التي تؤدي إلى حرام ولم تحرم، ولم يرد نص يفيد غلبة الظن بأن كل ما أدى إلى حرام بغلبة الظن فهو حرام...إلخ.
أنا هنا أطلب غلبة الظن بأن قاعدة "الوسيلة إلى الحرام حرام إن كانت تفضي بغلبة الظن إلى الحرام" صحيحة!! فإن ثبتت صحتها بغلبة الظن، أمكننا بعد ذلك أن نحكم على أن كل ما يؤدي بغلبة الظن إلى حرام فهو حرام، وللمجتهدين أن يختلفوا بعدها فيحكم أحدهم بحرمة هذا الشيء لأنه في ظنه يفضي إلى حرام فيما يغلب على ظنه، ويحكم آخر بأن هذا ليس بحرام فيما يغلب على ظنه. ويكون حكم كل منهما فيما أفضى إليه ظنه حكمَ الله في حقه. وأذكر هنا مقولة أظنها ليحيى ابن معين القطان يقول فيها: ما برح أهل الفتوى يفتون، فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يرى المحلل أن المحرم هلك لتحريمه، ولا يرى المحرم أن المحلل هلك لتحليله.
وعليه، فإن محل النزاع هنا يا أخي هو:
هل قاعدة "الوسيلة إلى الحرام حرام إن كانت تفضي بغلبة الظن إلى الحرام" صحيحة أم لا؟
نحن هنا نبحث في أدلة القاعدة لا في تطبيقاتها، فإن غلب على ظنك أنها صحيحة بأدلة رأيتها راجحة عندك فهذا أمر بينك وبين الله، ولا حجة لك في هذا على من يقول بخلاف ذلك إلا أن تقرع الحجة بالحجة. فليست غلبة ظنك بأولى من غلبة ظني...
إقتباس(مؤمن @ Nov 3 2006, 11:23 PM)
ويستحضرني هنا حديث إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، لاحظ قوله

بسيفيهما، ورغم ذلك لم يتم حصر الأمر بالسيف وإنما تجاوزه إلى كل أداة يحملها المسلم ليقتل بها أخاه المسلم ولو كانت جرامًا من المتفجرات، لأن العلة هنا التقابل من أجل قتل الآخر ..
وهكذا هي الآية موضع البحث، فالعلة منع سب الله تعالى، وكل وسيلة جائزة تؤدي إلى ذلك تصبح حرامًا ..
أما تعميم القاعدة لتصبح تحريم كل وسيلة جائزة تؤدي لحرام، وليس تحريم كل وسيلة جائزة تؤدي لسب الله تعلى، فإنه على ما يبدو لي تم هنا قياس على العلة ...
وهذا أيضاً يعرف من قرائن الأحوال يا أخي وليس من مجرد اللفظ. أي أن ما يغلب على الظن في نص كهذا هو تحريم اقتتال المسلمين سواء كان هذا بالسيوف أم بالبنادق.
وهذا ما يسميه العلماء بـ"تنقيح مناط الحكم"...
على سبيل المثال أيضاً حديث الرجل الذي جامع امرأته في رمضان، فأوجب الرسول صلى الله عليه وسلم الكفارات المرتبة المترتبة على فعله هذا...
واختلف بعد ذلك المجتهدون...
هل يلحق من جامع جاريته وملك يمينه بمن جامع امرأته؟
والأولى والله أعلم إلحاقه...
وهل يلحق الزاني في رمضان الذي أولج في فرج محرم بالرجل الذي أولج في فرج حلال من حيث وجوب الكفارة عليه؟ وأظن أن الفقهاء لم يختلفوا في إلحاق الزاني بمن جامع امرأته في وجوب الكفارة عليهما...
قد يقول قائل: إن الحديث متعلق بجماع المرأة لا بالزنا، وقد يقول آخر: إن الكفارة متعلقة بالجماع من حيث هو سواء أكان في فرج حرام أم في فرج حلال...
وهل يلحق اللائط بمن جامع امرأته؟
فيه خلاف أيضاً وإن كان الأقرب أن اللائط وإن قارف حراماً ومنكراً عظيماً إلا أنه لا كفارة عليه ولا يعد مفطراً...
وهل يلحق بهذا من استمنى في نهار رمضان؟
فيه خلاف أيضاً، والأقرب أنه لا يلحق، بل لا يعد اللائط ولا المستمني مفطراً، لأن الأمر متعلق بجماع المرأة لا بمجامعة الرجال ولا بالاستمناء...
فانظر إلى هذه الخلافات الفقهية في إلحاق من جامع جاريته أو من زنى أو من لاط أو من استمنى بحكم من جامع امرأته.
وهناك من عمم وقال: يلحق بهذا كل من أفطر في رمضان متعمداً بجماع أو بطعام أو شراب، من حيث إن الكفارة يظهر فيها أنها متعلقة بتعمد المفطرات أياً كانت...
هذه التفصيلات كلها منقولة من كتاب "المستصفى في أصول الفقه" لحجة الإسلام الغزالي رحمه الله.
فانظر يا أخي مرة أخرى إلى كل هذه الفروع التي نشأت عن هذا النص:
منهم من ألحق الجارية ملك اليمين بالمرأة الحرة، ولم يلق بالاً لكونها امرأة أو جارية، على غرار قولك "إذا التقى المسلمان بسيفيهما" فلا اعتبار للسيوف هنا.
ومنهم من ألحق الزاني به من حيث وجوب الكفارة عليه من حيث كونه إيلاجاً في فرج مشتهى بالطبع.
ومنهم من ألحق اللائط بهم من حيث كونه إيلاجاً في فرج مشتهىً.
ومنهم من ألحق المستمني من حيث إنه أتى شهوة الفرج أولج أم لم يولج.
ومنهم من ألحق كل مفطر عمداً من حيث كونه أتى مفطراً في رمضان عمداً...
ومنهم من قال إن الكفارة تجب على الرجل وحده، وليس على المرأة شيء...
وكل هذه الوجوه تختلف قوة وضعفاً بحسب القرائن والشواهد...
فانظر بعدها إلى درجة البعد بين سب آلهة الكفار المفضي إلى سب الله، وبين جعل هذا في كل مباح أفضى إلى حرام بغلبة الظن...ولا محل هنا لقياس العلة، إذ لا بد لقياس العلة أيضاً من دليل أو قرينة حال تغلب على الظن...
كما قلت لك سابقاً مجرد التعليل لا يكفي...
ولا تكفي ملاحظة العقل بأن السب كان جائزاً، فحرم لمّا كان ذريعة للكفار في سب الله، ليقيس عليه كل مباح أدى إلى حرام بغلبة الظن. بل لا بد من دليل على اعتبار هذا المعنى بعينه.
وأما ما أوردته من نقول العلماء والفقهاء رحمهم الله وجزاهم خير الجزاء، فلها وجه لا أنكره، ولا أمنع إمكانه، ولكن هناك من خالفهم، ولا بد أن يصار في ترجيح الأقوال إلى قوة الدليل...
إقتباس(مؤمن @ Nov 3 2006, 11:23 PM)
هذا مجرد حديث بيني وبينك وليس إجابة فأنا لا أجرؤ على الخوض في مسائل أكبر مني
وحيّاكم الله أخي الباحث ..
وللحديث بقية إن شاء المولى ..
وأنا أيضاً لا أجيب إلا باعتراضات على هذه القاعدة أراها قوية متوجهة، ولا زلت أقول إنني أتساءل ولا أحكم، فهي مسألة بحاجة إلى مزيد من البحث والتدقيق
وبارك الله فيك وأجزل ثوابك...