المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
تفهيم أولي الألباب أن للموت أسباب
منتدى العقاب > الديوان العام > قسم المواضيع المتميزة
1, 2
سيف الخلافة
بسم الله الرحمن الرحيم


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

اخواني في الله، سؤالي لكم هل مسألة الموت بانتهاء الاجل اوانتهاء الاجل هو السبب الوحدي للموت هي مسألة اختلف بها العلماء اي بمعنى اخر هل هنالك من العلماء من قال ان الموت ليس سببه انتهاء الاجل!!!!!!!

افيدونا بارك الله بكم


أخاكم سيف الخلافة
جمال الشرباتي
المعتزلة

يفرقون بين الموت والقتل
جمال الشرباتي
قال تعالى

(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) الأعراف 34

وقال تعالى (وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) المنافقون 11

ولا أميل إلى اعتبار الآية الأولى دالة على الأجل المحدود لكل نفس ---إنّما هي تعني الأمة بمعنى الجماعة التي عتت عن أمر ربها وأن لها موعدا مع العذاب لا يتخلف

أمّا الآية الثانية -فهي ذات العلاقة المباشرة بأجل كل نفس---ففيها دليل على الأجل المحدود لكل نفس والذي عنده تغادر النفس الجسد
سيف الخلافة
بارك الله فيك يا شيخ جمال


هو سبب سؤالي كالتالي:-

سئل احد المسلمين رجل ممن ُيطلق على نفسه او الناس ُيطلقون عليه لقب " الشيخ" ، سئله عن حزب التحرير فأجابه باسطوانة الافتراءات المعتادة ومن ضمن هذه الافتراءات قال له ان حزب التحرير يقول بان الموت بانتهاء الاجل وان هذا خطأ فمثلا ان طُعن رجل بسكين ومات أثر هذه الطعنه فسبب الموت الطعنه .......

واعرف ان هذا الكل غير صحيح واعرف كذلك الرد عليه

لكني اريد ان اعرف هل هنالك فرق او علماء قالوا بان الموت ليس بانتهاء الاجل !!!!!!!
جمال الشرباتي
المعتزلة قالوا أن المقتول لم يمت بأجله
خالد بن الوليد
و هل هذا صحيح شيخ جمال
؟؟؟
جمال الشرباتي
هناك شخص يسمى "أمين ذياب"

كتب هذا الكلام الذي لا أرضاه

-------------------------------------

الأجل في فكر حزب التحرير

" الأجل وقت مخصوص لحدث معين وأجل الموت هو عين وقت الموت وليس سببه".

(قال الرجل بعد مقدمة وكلام كثير).
-----------------------------------
وهنا يحق لنا أن نتساءل أيضاً عن استقراء النبهاني للنصوص، من حيث الاستيفاء أو النقص، والنصوص المهمة لاستكمال الفهم هي نصوص القتل، لأن القتل يؤدي إلى سلب روح المقتول، ثم تبدأ الخلايا الحية بالأنسجة بالتحلل أي موت الأنسجة.

ونصوص القتل كثيرة فنتخير النصوص، التي يظهر فيها شدة مسائلة القاتل أو القتلة، وهي أيضاً كثيرة، وهذه بعض منها يوفي بالغرض (( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ ))(الأنعام: من الآية140) (( قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ))(البقرة: من الآية91) (( وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ )) (التكوير:8-9) (( مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ))(المائدة: من الآية32) (( نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً ))(الاسراء: من الآية31) مع الاكتفاء بهذه الآيات مع وجود آيات كثيرة غيرها .

فإذا كان هؤلاء المقتولون قد ماتوا بأجلهم، والأجل بيد الله وفعل الموت له. فكيف نفسر شدة المسألة الظاهرة في هذه الآيات الكريمة؟ النبهاني لا يذكر هذه الآيات، وبالتالي لا يقيم مثل هذا التساؤل، وكل ما يقوله هو بحث في الأسباب والحالات دون أن يتبع الحوادث والآيات، بل يورد الآيات بما يجعلها تخدم فكرته.

يقول النبهاني ـ قافزاً عن كل المعطيات السابقة في موضوع القتل ـ : "وأما ما يحصل من حوادث القتل وغيرها ، من أوضاع ينتج عنها الموت ، فإنها حالات يحصل فيها الموت ، وليست أسباباً فليست هي سبب الموت ، بل سبب الموت هو انتهاء الأجل ، والفرق بين السبب والحالة : أنَّ السبب ينتج المسبب حتما، والمسبب لا يمكن أن ينتج إلا عن سببه ، بخلاف الحالة فإنها وضع أو ظرف يحصل فيه الشيء، ولكن حصوله فيه ليس حتماً ، فقد لا يحصل وقد يحصل من غير الحالة " (1 ).

النبهاني وهو مشدود بمقولات الأشاعرة عن الجبر والاختيار، وما تفرع عن ذلك يحاول أن يعطي تبريراً معاصراً لتلك المقولات، ومع ملاحظة سكوت النبهاني عن السؤال المثار قديماً وهو " إذا مات النقتول بأجله فما ذنب القاتل؟ " لكن الأشعري أمام إلحاح المعتزلة بالسؤال، يجيب قائلاً: " إن ذنب القاتل هو في تعديه في قتله، وهو غير موته وبه يتعلق القصاص والغرامة دون أن يتعلق بما ليس بمقدورٍ له على كل حال " (2 )

لكن القرآن الكريم يرفض رفضاً جازماً بدلالة المنطوق التي هي أقوى الدلالات على الإطلاق، تفسير الأشعري وتبرير النبهاني، إذ القرآن أسند القتل إلى القاتل إسناداً واضحاً جلياً، في آيات عديدة والإسناد الوحيد الذي أسند به القتل إلى الله تعالى هو قوله : (( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )) (الأنفال:17) والقراءة المتأنية لهذه الآية تبين أنها في أمور التدبير، سواء المراد المعركة وما ظهر فيها من ألطاف الله تعالى، أعانت الرسول والصحابة على قتل الكفار، أو المراد تقدير القتل فيهم أي القابلية للقتل بفعل القاتل، فالآية من المتشابه ويصار إلى فهمها بردها إلى المحكم وإلى ما تعلقه العقول من أن المقتول يموت بقتل القاتل له.

إنَّ وجود فعل القتل لا يتأتى بدون قاتل، يمارس فعل القتل، فالموت الناتج عن القتل هو فعل القاتل، وليس فعلاً لله تعالى، ولو تركه القاتل لعاش حتى يستوفي أرماقه، فهو قد مات قبل أجله، أي خرم القاتل أجله، والقتل وعدم القتل يدور عليه التكليف، والإنسان مخير فيه، على أن أجل الموت هو مجرد حصول الموت، وليس سببه، فللموت أسباب ظاهرة مثل الشمس " فالحي يموت للأجل لا بالأجل ".

---------------------------------------------------------------------------
ولدينا رد على كلامه----

وأرغب بتلقي ردودكم على كلامه أولا
يوسف الساريسي
الإخوة الكرام

السلام عليكم

الشخص المذكور فيما نقلت أستاذ جمال برأيي لم يفهم تماما مقولة أن سبب الموت انتهاء الأجل ولذلك هو يريد الخروج من ورطة الموت قتلا بقطع الرأس أو بطعنة القتل وغيرها بنسبة الموت الى فاعل ظاهري هو القاتل وليس الى ملك الموت. لذلك يريد تخطئة قول الشيخ تقي الدين رحمه الله والاشاعرة عموما بنسبة النظر المجتزأ الى استدلالاتهم وهو استكمل النظر في جميع الأدلة وخرج برأيه المأخوذ كما اشرت من المعتزلة وهذا أيضا من الإشكالات التي وقع فيها المعتزلة بتحليلهم لنصوص القرآن وفق ما تبنوه من المنطق والفلسفة اليونانية. لذلك فاني اكتب بعض السطور أدناه لشرح الإلتباس لديه لعل الله يهديه سبيل الرشاد.

لقد خلق الله تعالى الإنسان في أحسن تقويم وزوده بأعضاء مختلفة في جسده ليقوم بالوظيفة التي أناطها الله به في هذه الدنيا ليكون خليفة في الأرض وليتمكن من إعمارها وفق ما أمره الله تعالى، وتعتبر بعض الأعضاء في جسد الإنسان غير أساسية لبقاء الحياة فيه كالإصبع أو اليد أو الرِجل أو الأذن، فهي ليست من الشروط اللازمة لبقاء واستمرار الحياة، وإنما هي شروط أفضلية وكمالية تلزم الإنسان في أداء بعض الوظائف السببية، وإذا انعدمت بمعنى أتلفت بالاستئصال بالكلية أو بجزء منها أو تعطل أداؤها لأي سبب، فذلك لا يؤدي إلى موت الإنسان عادة وإنما تضعِف أداءه لوظائفه المختلفة.

والحياة في الانسان لها شروط خارجية يجب توفرها وهي الحاجات العضوية كالماء والغذاء والتنفس والاخراج والنوم فاذا نقص احد هذه الشروط او اكثرها عن الحد الادنى ادى ذلك الى هلاك الانسان بمعنى انه ادى الى تعطل الطاقة السببية في الانسان وهي طاقة الحياة او الطاقة الحيوية التي خلقها الله فيه، والتي هي نتيجة وجود الروح في الإنسان.

فسبب الحياة في الانسان والحيوانات هو وجود الروح وقبض الروح منها هو سبب نهاية الحياة اي الموت، ولا يوجد شيء ينهي الطاقة السببية في الحيوانات الا خروج الروح والذي يقبضها هو ملك الموت. اما العطش والجوع وغيرها فانها شروط للحياة وليست اسبابا لهذه الحياة، ونقصانها دون الحد الادنى اللازم يؤدي الى تعطيل الفاعلية السببية (الطاقة الحيوية) وبالتالي الموت. فالسبب الوحيد للموت هو خروج الروح من الكائن الحي اي انتهاء اجله، و فقدان الشروط اللازمة لاستمرار وبقاء الحياة ليست اسبابا للموت وانما هي ما يلزم لطاقة الحياة (السبب) حتى تستمر في فعلها وتأثيرها ويترتب على فقدان وانعدام هذه الشروط انعدام الحياة.

واما الشروط الذاتية التي يجب ان تتوفر في الكائن الحي لتستمر الحياة فيه وبالتالي تستمر الطاقة الحيوية فاعلة فيه، فهي مثل ضخ القلب للدم الى اجزاء الجسم وعمل الجهاز الهضمي لهضم وامتصاص الجسم للطعام، والتحكم في الاعضاء من قبل الدماغ والنخاع الشوكي وبقاء اتصال اجزاء الجسم الحيوية فانها كلها شروط ذاتية لابد منها لبقاء واستمرار الحياة، وفي حالة حدوث خلل فيها او نقصان او تلف يترتب عليه موت الانسان مثل قطع الرأس واتلاف الدماغ والطعنة القاتلة في القلب يترتب عليها فقدان الشروط اللازمة الذاتية في الكائن الحي لاستمرار وبقاء الحياة فيه وليست هي اسبابا للموت وانما هي ما يلزم لطاقة الحياة حتى تستمر في فعلها وتأثيرها و التي يترتب على فقدانها بمعنى انعدام الشروط اللازمة لبقاء الحياة انعدام الحياة. اما تلف بعض الاعضاء غير الحيوية في الانسان كقطع الاصبع او اليد او الرجل او الاذن او استئصال احدى الكليتين او تلف جزء من الرئتين فانها لا تؤدي الى الموت عادة لان وجودها ليس من الشروط اللازمة لبقاء واستمرار الحياة وانما هي شروط افضلية وكمالية اذا انعدمت لا تؤدي الى موت الانسان وانما تضعف اداءه لوظائفه المختلفة.

والخلاصة ان سبب الحياة هو وجود الروح وسبب الموت هو خروجها، وبقاء الحياة اذا تعلق بشروط معينة لا يعني ان انعدام هذه الشروط هو سبب الموت بل السبب هو خروج الروح من الكائن الحي عند انتهاء اجله وذلك لترتب بقاء الحياة على هذه الشروط وانعدامها بانعدامها وهذا هو واقع الشرط اللازم وهو يختلف عن واقع السبب.

فالقاتل هو فاعل القتل وهو من أتلف جزءا حيويا من شروط بقاء الحياة في الكائن الحي وأدى فقدان أحد الشروط اللازمة الى انتهاء الأجل ولا يحاسب القاتل على إخراج الروح وانهاء الأجل لأن هذا ليس بيده وانما يحاسب لأنه وضع المقتول في وضع يؤدي عادة الى الموت بخروج الروح. فهو قاتل ولكنه ليس المميت لأن الفاعل الحقيقي للموت هو الله تعالى

ولكم التحية
يوسف الساريسي
حضرة الأستاذ جمال

نحن بانتظار ما لديكم من ردود على من يدعى بـ "امين ذياب" كما وعدت

وبودي ان تعقب على ما ذكرته آنفا من قول

وكذلك اريد تعقيب الأخوين سيف الخلافة وخالد

والسلام عليكم
المهندس
إقتباس(خالد بن الوليد @ Jul 17 2005, 04:32 PM)
و هل هذا صحيح شيخ جمال
؟؟؟
*


إذا بدّك تصحح من ورا المعتزلة بتغلب يا ابن الوليد...
مستهدي
أهلا وسهلا بالشيخ أمين نايف ذياب !!!
يا جماعة .....
مستنير
يوجد كتاب لسعيد فوده كتبه خصيصا يرد فيه على أمين نايف ذياب بعد ان كتب كتابه الذي يهاجم به حزب التحرير .

و هو بعنوان الإنتصار للأشاعرة يرد على كل ما كتبه امين نايف بطريقة الأشاعرة في الرد و النظر و الإستدلال .

و للأسف هاجم في الكتاب حزب التحرير و قد ذكر عنه أمور غير صحيحه .
أبو مالك
السادة الأشاعرة، يقولون أن للموت أسباب كثيرة وأن الأجل هو الظرف الذي يحصل فيه الموت

يقول الأستاذ سعيد فودة: قال العلامة المحقق السعد التفتازاني في شرح العقائد النسفية: " (والمقتول ميت بأجله) أي بالوقت المقدر لموته" اهـ .

وعلق المحشي على كلامه فقال: "قوله بأجله الباء للظرفية، أي موته كائن في الوقت الذي علم الله في الأزل" اهـ .

فظهر هنا أن الأجل عند السادة الأشاعرة والماتريدية ليس إلا ظرفاً يحدث فيه الموت.

وورد هنا السؤال التالي :"إذا حاول إنسان قتل إنسان آخر، فلم يمت المغدور، فهل يبقى المغدور حياً أو إنه يموت؟؟"

هذا السؤال يوضح الجواب عليه أصلاً وقدراً كبيراً من معنى الأجل عند الأشاعرة، وقد أجابوا عليه كما قرره المحشي على الشرح بقوله:"ولو لم يقتل لجاز أن يموت في ذلك الوقت وأن لا يموت من غير قطع بامتداد العمر ولا بالموت بدل القتل" اهـ.

وقد أشرت إلى معنى قول السادة الأشاعرة في مسألة الأجل في متن التحصيل الذي ألفته قبل أكثر من ثماني سنوات، فقلت: " فصلٌ: الله تعالى مقدِّرُ الآجال، والأجل هو المدة المقدرة التي يموت الحيوان عقبها، أو اللحظة التي علم الله تعالى حصول الموت فيها سواءاً بسبب ظاهر كالقتل أو لا. ولو لم يقتل لجاز أن يموت وأن يبقى حياً " اهـ .

انتهى

قال المعتزلي نايف:

إنَّ وجود فعل القتل لا يتأتى بدون قاتل، يمارس فعل القتل، فالموت الناتج عن القتل هو فعل القاتل، وليس فعلاً لله تعالى، ولو تركه القاتل لعاش حتى يستوفي أرماقه، فهو قد مات قبل أجله، أي خرم القاتل أجله، والقتل وعدم القتل يدور عليه التكليف، والإنسان مخير فيه، على أن أجل الموت هو مجرد حصول الموت، وليس سببه، فللموت أسباب ظاهرة مثل الشمس " فالحي يموت للأجل لا بالأجل ".


حقيقة لقد شعرت بالاشمئزاز من سخافة أمين نايف هذا، وأنا أقرأ فلسفته الفارغة!!

النقطة الأولى التي يكاد يجدف فيها أمين ، وقد نعذره إما بالجهل أو الخرف:

قال:

القرآن الكريم أسند فعل الموت إليه تعالى، كما أسند لنفس الموت، وأسنده إلى الناس، فالله الذي يقول : (( رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ))(البقرة: من الآية258) هو الذي يقول : (( أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ ))(البقرة: من الآية133) ثم تراه يقول في أكثر من آية : (( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ )(البقرة: من الآية161) فقضية الإسناد ليست هي القضية التي يعول عليها لمعرفة سبب الموت، انتهى

تأمل يا رعاك الله!! أين تجد إسناد فعل الموت إلى الموت نفسه أو إلى الناس؟ حضر يعقوب الموت، هل بعد حضور الموت سيستطيع يعقوب عليه السلام أن يسأل أبناءه أي سؤال؟

قال ابن عطية في تفسيره: ومعنى الآية حضر يعقوب مقدمات الموت، وإلا فلو حضر الموت لما أمكن أن يقول شيئاً،

إذن فالآية فيها كناية عن أن الذي حضر يعقوب هي مقدمات الموت، فالآية في واد وأمين في واد!!

أما آية وماتوا وهم كفار، فقد قال البيضاوي فيها: { إِن ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ } أي ومن لم يتب من الكاتمين حتى مات

يعني بقي على كفره إلى أن وافته منيته فمات وهو على الكفر، فهي لا تتحدث عن الموت يأتيهم أو أنهم هم من يميت أنفسهم كما فهمها نايف، إذ أنه ادعى أن الموت أسند إليهم!! وكأنهم هم من يقتل نفسه، أقول: بقي على الكفر إلى أن وافته منيته فعليه اللعنة.

القضية خطيرة لأن المميت هو الله تعالى، ويبدو أن منهج المتكلمين دوما يسحب المتكلم إلى منطقة تقديم العقل على النقل ومن ثم لي أعناق النصوص!!!


إذن فالمميت بحسب أمين: هو القاتل وليس الله تعالى!!!!


قال أمين:

لكن القرآن الكريم يرفض رفضاً جازماً بدلالة المنطوق التي هي أقوى الدلالات على الإطلاق، تفسير الأشعري وتبرير النبهاني، إذ القرآن أسند القتل إلى القاتل إسناداً واضحاً جلياً، في آيات عديدة
انتهى قوله

فالقاتل هو من أمات، وبالتالي فسبب الموت: القتل، القتل يؤدي إلى سلب الروح ومن ثم الموت

بل إن أمين يتساءل مستغربا أشد الاستغراب بقوله:

فإذا كان هؤلاء المقتولون قد ماتوا بأجلهم، والأجل بيد الله وفعل الموت له. فكيف نفسر شدة المسألة الظاهرة في هذه الآيات الكريمة؟ انتهى

يقصد: وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت.

دعونا من لعب الأطفال، ومن خلط أمين، لنقول له:


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) البقرة

ظن النمرود أنه بقتله محكوما عليه بالموت يكون قد أماته، ولكن الله هو المحيي والمميت.

وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) آل عمران

وهذه وحدها كافية لصفعه حتى يستفيق من غيه!! وكذلك هذه الآية توضح أن ما ذهب إليه الأستاذ سعيد فودة أيضا خطأ محض.

وقال تعالى في سورة الروم:

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40)

ومن شركاء من أشرك بشر ادعوا الألوهية وقتلوا ومات على أيديهم خلق كثير فلو كان هذا أنهم هم من أماتهم لتناقض ذلك مع الآية، فالنمرود إذ قال أنا أحيي وأميت أتى بشخصين قتل أحدهما وعفا عن الآخر فلم يكن بذلك قد أمات الأول بل الله أماته، والنمرود لا يقدر على الإماتة.

كنت أظن هذه من البديهيات أو من ألف باء الاسلام لكن يبدو أن ....

إذن فالقتل شيء، والإماتة شيء غيره، القاتل شيء والمميت غيره.

القتل أم القاتل سبب الموت؟

بحسب أمين: القتل هو سبب الموت، والقتل لا يتم من غير قاتل، والقتل يدخل في التخيير، لذا تحصل العقوبة عليه.

إن الأب حين يلقح الأم، ويحصل منهما الحمل، لا يقال بحال أنه هو الذي أحيا الوليد، فهما فعلان مختلفان تماما، ولا يقال للأم حين تلد بأنها أحيت الوليد!!

فالإحياء نفخ للروح، والإماتة سلب لهذه الروح سر الحياة، وهما من فعل الله تعالى أي بأمره.

يتبع ان شاء الله تعالى


كتاب أمين نايف:

كتاب الانتصار للأشاعرة
جمال الشرباتي
سلمت يمناك يا أبا مالك

واصل
أبو مالك
يقول العلامة البحر تقي الدين النبهاني رحمه الله تعالى:

قد يقال نعم إن هذه الأشياء التي تحصل ويحصل منها الموت عادة هي حالات وليست أسباباً لأنها قد تتخلف، ولكن هنالك أسباباً مشاهَدة محسوسة يحصل منها الموت قطعاً ولا يتخلف فتكون هي سبب الموت، فمثلاً قطع الرقبة وإزالة الرأس عنها يحصل منها الموت قطعاً ولا يتخلف، ووقف القلب يحصل منه الموت قطعاً ولا يتخلف. فهذه وأمثالها من أعضاء جسم الإنسان مما يحصل منه الموت قطعاً هو سبب الموت. نعم إن ضربة الرقبة بالسيف حالة من حالات الموت وليست سبباً للموت، وإن طعنة القلب بالسكين حالة من حالات الموت وليست سبباً للموت، وهكذا، ولكن قطع الرقبة ووقف القلب سبب للموت، فلِمَ لا نقول إن هذا سبب الموت؟
والجواب على ذلك أن قطع الرقبة وإزالة الرأس عن الجسم لا يحصل من نفسه، فلا يحصل من الرقبة نفسها، ولا من الرأس، فلا يحصل إلاّ بمؤثر خارجي عنها، فلا يصلح حينئذ أن يكون قطع الرقبة سبباً، بل الذي فعل القطع هو مظنة السبب وليس نفس القطع، لأنه لا يحصل من ذاته بل بمؤثر خارجي. وكذلك وقف القلب لا يحصل من نفسه بل لا بد من مؤثر خارجي عنه، فلا يصلح حينئذ أن يكون وقف القلب سبباً، بل الذي سبّب توقيف القلب هو مظنة أن يكون سبب الموت، وليس نفس وقف القلب، لأنه لا يحصل من ذاته بل بمؤثر خارجي. وعلى ذلك فلا يمكن أن يكون نفس قطع الرقبة أو ذات وقف القلب مظنة أن يكون سبباً للموت مطلقاً، فلم يبق مظنة السبب للموت إلاّ المؤثر الخارجي.


انتهى

تأمل يا رعاك الله: قطع الرقبة لا يحصل من نفسه، لا يحصل من الرقبة ولا من الرأس، بل يحصل بمؤثر خارجي.

هذا الفعل الذي يسمونه القتل: ما هي حقيقته؟

رجل أطلق رصاصة على قلب رجل آخر، توقف القلب، القلب لم يتوقف لوحده بل بمؤثر خارجي، فالقلب حتى يتوقف لا بد له من مؤثر خارجي، وبالتالي ليس هو سبب الموت، بل المؤثر الخارجي مظنة السبب.

ثم : رجل أطلق رصاصة على قلب رجل آخر، هذا يسمى الشروع في القتل، فإن انتهى الأمر بخروج الروح إلى بارئها، سمي قتلا.

قد يحصل أن يسعف المرء بعد توقف قلبه فيعود القلب للخفقان، فلا يعود لنسبة السببية إلى توقف القلب من معنى إذ أنها حصلت ولم يحصل الموت

وقد تستقر الرصاصة بين جوانحه ولكنه يعيش بعدها سنين، وهذا أيضا ينفي جعل الشروع في القتل سببا للموت.

إذن الرصاصة استقرت في القلب، فتوقف القلب، لم يتوقف القلب من تلقاء نفسه بل من وجود الرصاصة وهي غير القلب، أي هي المؤثر الخارجي.

فعلينا هنا التفريق بين أمرين: توقف القلب.

والرصاصة.

وتوقف القلب قد يحدث ولا يحصل الموت بوجود إسعاف مثلا، أو قد توجد الرصاصة ولا يتوقف القلب أصلا ولا يحدث أي موت.

فالرصاصة هي المؤثر الخارجي الذي هو مظنة السبب لا السبب نفسه.

بالمثل قطع شخص رأس شخص آخر.

علينا التفريق بين أمرين: قطع الرقبة ، بالمؤثر الخارجي أي السيف مثلا

ونزف الدم وانفصال الخلايا العصبية والعضلات وما إلى ذلك مما يحدث بعد القطع ولولا القطع لما حدث.

فالنزف لم يحصل بذاته ولا وحده بل بوجود المؤثر الخارجي، فهو قطعا ليس السبب،

كذلك الأمر قد يحصل قطع رقبة في مشفى ، يتخذ فيه الأطباء كافة الإجراءات اللازمة التي يتخذون مثلها في عمليات نقل القلب ليحافظوا على الدم، ومن ثم يقوم الأطباء بإعادة الرأس إلى الرقبة بوصله من خلال عملية جراحية، ويعود للحياة، تماما كما يقومون باستبدال القلب ، بقلب إصطناعي في عملية تستغرق ساعات، ولئن لم تحصل مثل هذه العملية إلى اليوم فقد تحصل مستقبلا، ولا شيء يمنع من حصول مثلها.

نعود للحديث السابق الذي سقناه، فنقول:

قد يحصل الشروع في القتل ولا يحصل فعل الإماتة، وبالتالي فالإماتة ليست من القاتل، وإلا لما تخلف الموت عن كل عملية قتل لحرص القاتل الشديد على قتل من يشرع في قتله، وما التفجيرات منكم ببعيد ، يقتل المرافقون وينجو الرئيس!!

وبالتالي ففعل القتل غير فعل الإماتة، ولو شرع القاتل في فعل القتل ولم يحصل الموت فإنه يعاقب عقوبة معينة ويأثم عند الله تعالى، وليت أمين يتفكر في هذا المعنى بالتحديد.

لا أريد أن أطيل، وقد فعلت ، ولعلي أعقب لاحقا ان شاء الله تعالى ولعلنا نسمع منكم ما نستفيد منه

وبارك الله بكم
جمال الشرباتي
ربما نحتاج إلى بلورة موضوع القتل من خلال النظر في الآيات التالية


# قل لن ينفعكم الفرار ان فررتم من الموت او القتل واذا لا تمتعون الا قليلا (16) الأحزاب



# والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا او ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وان الله لهو خير الرازقين (58) الحج


# ولئن متم او قتلتم لالى الله تحشرون (158) آل عمران


# وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل افان مات او قتل انقلبتم على اعقابكم 144 آل عمران


قد يفيد النظر في هذه الآيات التي فرقت بين الموت والقتل
يوسف الساريسي
حضرة الأخ أبا مالك

السلام عليكم ورحمة الله

أرجو أن تعقب على التفريق الذي ذكرته أعلاه بين سبب الحياة وشروطها اللازمة وأن القتل والانتحار والموت جوعا أوعطشا في الصحراء وغيرها، ما هي الا فقدان لشروط بقاء الطاقة الحيوية في الانسان وأن فقدانها هو فقدان لشروط الحياة وليس لسبب الحياة إذ إن سبب الحياة هو وجود الروح وسبب الموت هو خروج الروح لاغير

وما ذكره الشيخ رحمه الله من الحالة والوضع يعني بتعبير آخر الشروط اللازمة لفعالية الأسباب عموما واذا عدم الشرط عدم المشروط (الحياة)

يانتظار رأيكم

ولكم جميعا التحية العطرة
المهندس
إقتباس(أبو مالك @ Jul 21 2005, 02:58 AM)
يقول العلامة البحر تقي الدين النبهاني رحمه الله تعالى:
*


ما أجملها من فمك يا أبا مالك.
أبو مالك
سبحان الله الذي جعل هذا القرآن لا تنقضي عجائبه

والله إنه لعجب عجاب!!

الآيات التي تناولت الموت والقتل معا، ويلاحظ أنها خمس، ثلاث منها في آل عمران متتابعة

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (143) وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) آل عمران

وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا الحج 58

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ (158) آل عمران

لاحظ أنها جميعها تتعلق بالجهاد!!

والله تعالى يقول:

وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ (154) البقرة

لذلك، فصل بين الموت والقتل في سبيل الله

لأن المقتول في سبيل الله ليس بميت بل حي

فسبحان الله العظيم
أبو مالك
أخي يوسف أكرمك الله، ما تفضلت به من عيون الفكر ، وأنا من أرجوك أن تصوب ما أقول

وجزى الله الشيخ جمال خير الجزاء على ما تفضل به والإخوة جميعا
أبو محمود
السلام عليكم
أخوتي الكرام
هذا بحث قديم لي قد كتبته قبل أن يمن الله علي وأنضم إلى الحزب وأدرس في حلقاته
وقد رأيت أن أطرحه للمناقشة مع أني قد تراجعت طبعا عن كثير من الأفكار الواردة في البحث كمسألة اجماع العلماء ولكن هناك بعض النقاط التي مازالت تحتاج لتوضيح
وسوف اقتبسها فيما بعد وأركز عليها
وأتمنى من الأخوة مناقشتي في بحثي هذا إن أمكن وأسأل الله الفائدة للجميع



بســــم الله الرحمن الرحيم

تفهيم أولي الألباب
أن للموت أسباب

مقدمة :
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
وبعد، فهذه مناقشة علمية لطيفة لما ذهب إليه أحد الأئمة الأعلام من أنه لا يصح أن يقال أن للموت أسباب متعددة وأن سبب الموت محصور فقط في انتهاء الأجل وأنه هو السبب الوحيد للموت .
وهذا الإمام هو العلامة المفكر الإسلامي الكبير الشيخ تقي الدين النبهاني رحمه الله وأحسن إليه ، فقد تكلم في كتابه القيم الشخصية الإسلامية في الجزء الأول منه عن سبب الموت وقرر أنه لا يجود سوى سبب وحيد للموت ألا وهو انتهاء الأجل وأن قول الناس بتعدد أسباب الموت هو قول خاطئ ومفهوم مغلوط يجب أن يصحح ، وهذا الذي تبناه الشيخ رحمه الله هو أحد المفاهيم التي يحاول حزب التحرير بيانها للناس لكي يصححوا بناءاً على ذلك مفاهيمهم الموروثة وبالتالي يصححون ألفاظهم فتستخدم الألفاظ الصحيحة المطابقة للمفهوم الصحيح .
ولقد نجح الحزب نجاحاً باهراً في حمل كثير من أفكاره للواعين من هذه الأمة ومن هذه الأفكار التعاريف ، التي بها يوضع كل لفظ في موضعه الصحيح ويستخدم بشكل صحيح ، ولكن في مسألة السبب قوبلت فكرة أن للموت سبب وحيد وهو انتهاء الأجل وأنه لا يصح أن يقال أنه ثمة أسباباً أخرى للموت ، قوبلت هذه الفكرة بالرفض التام من جمهور الناس حتى المثقفين والعلماء منهم .
ذلك أن الحجج التي قدمها الشيخ تقي الدين رحمه الله لم تكن بمستوى وقوة حجج الأفكار الإسلامية الأخرى المتبناة التي تميزت بأدلة قوية من الكتاب والسنة الصحيحة غالباً، لذلك لم تلقى فكرة الحزب حول أسباب الموت قبولاً عند الناس ، صحيح أن الحزب لا يأبه لمخالفة الناس له ، لكن هذا في حال لم يكن عند هؤلاء الناس حجج قوية يتصدون بها لأفكار الحزب وآرائه ، لذلك لا بد للحزب أن يواجه الحجة بالحجة ويبين لهؤلاء الناس الحجة الأقوى ، وأنا باعتباري واحد من هؤلاء الناس وأحد المعجبين بالحزب وأفكاره ، أريد أن أقدم للحزب رأيي في هذا الموضوع فإن كنت مخطئاً ، فأرجو من الأخوة في الحزب أن يبينوا لي خطأي وإلا لابد من اتباع الحق وترك الرأي الخطأ .

الغاية من هذه المناقشة :
وغايتي من هذه المناقشة هو النقد العلمي البناء ، ذلك انطلاقاً من كوني أريد أن يتألق الحزب بأفكاره أكثر وأكثر وألا يشوب هذا التألق شائبة تعيق تفاعله مع الناس في المجتمع الإسلامي لتحقيق هدفه العظيم في إقامة دولة الإسلام المنشودة واسترجاع عزة المسلمين، وليس هدفي التجريح ومجرد التخطئة كما يفعل كثير من المسلمين اليوم مع بعضهم البعض .
معاذ الله أن أكون من الطاعنين في الشيخ وحزبه أو من الطاعنين في إخلاصه وإرادته للحق وحرصه على اتباعه ، لا أبداً ليس هذا مرادي ، وإنما الشيخ بشر كغيره يخطئ ويصيب وهو يرد على من خالفه ويُرد عليه ، ذلك أنه لا أحد معصوم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ورد عن الإمام مالك قوله :كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم ، وقال أيضاً : كل واحد منا إلا رَد ورُد عليه .

معنى السَّبب :
لقد بحث الشيخ رحمه الله السبب عموماً ووضع شرطين لا بد من توافرهما لكي يكون الشيء سبباً وهما :

1-أن السبب ينتج المُسبَّب حتماً . فسقوط كأس من مكان مرتفع على الأرض يؤدي إلى انكساره، فإذاً سقوطه هو سبب انكساره.

2-أن هذا الإنتاج الحتمي لا يتخلف ولا حتى مرة واحدة . ففي مثالنا السابق أن سقوط الكأس من مكان مرتفع كان سبباً لانكساره ، فإذا سقط مرة ولم ينكسر لم يكن سقوطه عند الشيخ سبباً لانكساره في جميع الحالات التي انكسر فيها مسبقاً ولو كانت الحالات التي انكسر فيها الكأس تعد بالمئات بل بالآلاف وإنما يكون حالة من الحالات فقط !

أما الشرط الأول فأوافق الشيخ عليه لأنه شرط يوافق الواقع وبالتالي فهو شرط مستنبط من واقع ملموس يدركه العقل وعلاوة على ذلك فإن هذا الشرط هو مقتضى المعنى اللغوي لكلمة السبب كما سيأتي .

وأما الشرط الثاني فلا أوافق الشيخ رحمه الله عليه ، ذلك أنه شرط لا دليل عليه مطلقاً لا من العقل ولا من اللغة وهو شرط خيالي لا يمت للواقع بأي صلة.

ففي القواميس(مختار الصحاح ( 1/119 ) ، لسان العرب ( 1/458 ) ، النهاية في غريب الحديث لابن أثير ( 2/329 ) . ) : السَّبَبُ هو الحَبْل الذي يُتوصًّل به إلى الماءِ ثم استُعِير لكلّ ما يُتَوصَّل به إلى شَيءٍ كقوله تعالى: (وتقطَّعَت بهمُ الأسْبابُ ) [ البقرة : 166 ] أي الوُصَل والمودَّاتُ .

وأخرج ابن حبان بسند صحيح عن أبي شريح الخزاعي قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبشروا أبشروا ، أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ؟ قالوا: نعم، قال: فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبداً .(صحيح ابن حبان (122) )
فهل في تعريف السبب عند أئمة اللغة أنه لا بد أن يوصل السبب إلى المُسبَّب حتماً ولا يتخلف ولا حتى مرة واحدة ، فإذاً الصحيح الذي يوافق العقل واللغة هو أن السبب إذا لم ينتج المُسبَّب في حالة معينة أو عدة حالات، لا يكون سبباً في تلك الحالة أو الحالات التي تخلف فيها فقط ولا دخل ولا تأثير لهذا التخلف في الحالات التي لم يتخلف فيها السبب عن مُسبَّبه، وإنما يبقى السبب سبباً في الحالات التي لم يتخلف فيها السبب عن المُسبَّب ولا شك .
والخلاصة أننا نقرر كون حدثٍ ما سبباً أم لا ، بالنظر إلى ما ينتجه هذا الحدث ، فإذا أنتج حدثاً آخر أو كان بالإمكان عادة أن ينتجه ، كان الحدث الأول سبباً في إنتاج الحدث الثاني ، فالنظرة إذاً إلى تحقق النتيجة انتهاءً أو إمكان تحققها عادة ابتداءً ، وليست النظرة إلى وجوب تحقق النتيجة دائماً .

سبب الموت:
ثم انتقل الشيخ رحمه الله بعد الكلام عن السبب بشكل عام إلى الكلام عن سبب الموت بشكل خاص واستنتج بناءً على تصوره الخاطئ للسبب أن للموت سبباً واحداً فقط ألا وهو انتهاء الأجل وأن ما تبقى من حوادث التي قد تؤدي إلى الموت والتي يسميها الناس أسباباً إنما هي حالات وليست أسباباً لأنها لا تنتج المُسبَّب حتماً في كل الحالات وإنما تتخلف ، وقد مر مناقشة هذا الشرط وبينا خطأه ومخالفته للعقل واللغة ، لكن العجب كل العجب من الشيخ رحمه الله عندما ناقش من يعترض عليه أن هناك حوادث تؤدي إلى الموت ولا تتخلف ولا مرة واحدة كقطع رقبة إنسان أو توقف قلبه يؤدي إلى الموت حتماً ويستحيل عادة أن يتخلف، فما كان جواب الشيخ على هذا الاعتراض جواباً يشفي الغليل مع أن اعتراض قطع الرقبة وتوقف قلب الإنسان اعتراض قوي قد أبطل تفرد انتهاء الأجل بسببية الموت .
وينحصر جواب الشيخ على أن قطع الرقبة وتوقف القلب ليسا سببين للموت في نقطتين :
1-أن قطع الرقبة لا يتم إلا بمؤثر خارجي عنها، ولا يتم من ذاته لذلك فالقطع ليس سبباً وإنما هو مظنة السبب !
2-أن القلب من خاصيته الحياة فإذا انعدمت خاصية الحياة في القلب لم تكن سبباً لفقدان الحياة وبالتالي الموت لأن وجود خاصية الحياة وحدها ليس سبباً في الحياة حتى يكون انعدام هذه الخاصية سبباً للموت ! [ الشخصية ج1ص51]

وهذا الذي قرره الشيخ رحمه خطأ بيَّن وإليك البيان :
أما الكلام عن النقطة الأولى فهو أن الشيخ يشترط أن يقع قطع الرقبة ذاتياً أي بدون مؤثر خارجي لكي يكون القطع سبباً للموت عنده ، فهذا الشرط يتحقق فقط في خوارق العادات التي يجريها الله بقدرته على يد نبي أو ولي له ، وإلا فالأصل أن أي شيء في هذا الكون لا يتغير حاله من حالة إلى أخرى إلا بمؤثر خارجي ويكون عمل هذا المؤثر الخارجي هو سبب لتغير حاله من حالة إلى أخرى ، فقطع قطعة من الخبز بمؤثر خارجي كسكين هو سبب لانقطاعها قسمين ، وقطع رقبة إنسان هو سبب لفصلها عن جسده وبالتالي موته ، ولا شك أنه سيموت لأني لم أسمع بأحد فقد رأسه عاش لحظة واحدة بعدما فقد رأسه ، فلا يقال إن قطع الرقبة مظنة السبب بل هي السبب بعينه كيف والموت يقيني ومحقق فلا مجال للظن إطلاقاً والله أعلم .
أما جواب النقطة الثانية فهو أنه صحيح أن القلب بخاصية الحياة الموجودة فيه ليس وحده سبباً للحياة ولكن تعطله سبب للموت ، وبرهان ذلك أن جسم الإنسان مكون من عدة أعضاء لا يقوم إلا بها ، فإذا تعطل في هذا الجسم عضوٌ من أعضاءه ، فإما أن يكون هذا العضو ذو أهمية يؤدي تعطله إلى تعطل الجسم كله وبالتالي موته ، وإما أن يكون أقل أهمية يؤدي تعطله إلى التأثير السلبي على الجسم بحيث يضعف من نشاطه ، وليس عضو القلب فقط العضو الوحيد ذو الأهمية بحيث يؤدي تعطله إلى الموت وإنما هناك أعضاء أخرى لا تقل عنه أهمية ويسبب تعطلها الموت ، كالدماغ والكبد والرئتين والكليتين وغيرها مما يعرفه الأطباء ، فلا بد من وجودها مجتمعة لكي يبقى الجسم على قيد الحياة ، وتعطل أحدها يؤدي إلى الموت عادة .
فلا ضرورة أن يكون القلب وحده سبباً للحياة لكي يكون سبباً للموت ولا تلازم بين الأمرين البتة .
ومثال آخر يقرب المقصود :
فإذا افترضنا وجود سيارة مكونة من عدة عناصر من محرك وبطارية ودواليب وغيرها ، فهذه السيارة لا تعمل إلا بوجود محرك وبطارية ودواليب فإذا تعطلت إحدى تلك العناصر لن تسير ، فإذا تعطل المحرك ، كان تعطل المحرك سبباً في تعطل السيارة غير أن المحرك ليس وحده سبباً في قدرة السيارة على السير . فهل يقال أنه لا بد أن يكون المحرك وحده سبباً في تسيير السيارة حتى يكون تعطله سبباً في تعطلها ، هذا لا يقوله أحد .

والملاحظ في جواب الشيخ على الاعتراضات الموجهة إليه أمران :
الأول : أن قطع الرقبة أو توقف القلب يؤديان إلى الموت حتماً وفي كل مرة وهذا بعينه ما اشترطه الشيخ لكي يكون الشيء سبباً ، وبالتالي لزمه حسب شروطه التي وضعها بنفسه أن يقول بسببية هذان الأمران في الموت ، أو على الأقل أن يناقش المعترض ضمن الشروط التي وضعها ولا يخرج عن الموضوع وينتقل إلى الاحتجاج بأمور أخرى خارجة عن الشروط التي وضعها .
الثاني : أن الشيخ رحمه الله سلك في الرد على الاعتراضات الموجهة إليه مسلك أهل الكلام من المتكلمين ، وذلك باستخدام براهين عقلية معقدة ، يصعب على من يمتلك ثقافة إسلامية جيدة أن يفهمها فضلاً عن أن يفهمها عوام الناس ، ولا يقال على الناس الإتباع والتسليم ولو مع عدم الفهم ، لا يقال ذلك في أمر من أمور العقيدة التي يجب أن يقتنع بها العقل ولا يصح فيها التقليد الأعمى .

تعدد أسباب الموت :
أما بحث تعدد أسباب الموت فهو أنه في الواقع لا يوجد سبب مباشر للموت إلا انتهاء الأجل، وانتهاء الأجل قد ينفرد في التسبب بالموت وقد يسبقه عوارض معينة تؤدي إلى انتهاء الأجل فتكون أسباباً غير مباشرة للموت ، وجاز لغة أن يطلق على الأسباب غير المباشرة للموت بأنها أسباباً للموت ، وبرهان ذلك أنه قد تتعدد الحوادث التي هي أسباب ضمن سلسلة أسباب ومُسبَّبات ، فتبدأ السلسلة بحدث يؤدي إلى حدث آخر ، أي أن سبباً ينتج مُسبَّباً وهذا الأخير بدوره ينتج حدثاً آخر أي أن المُسبَّب الأول ينقلب ويتحول إلى سبب ينتج مُسبَّباً ثانياً، وهكذا حتى تنتهي السلسلة بحدث نهائي ويكون هو المُسبَّب الأخير . وجاز لغة أن يسمى الحدث الأول في السلسلة سبباً للحدث الأخير وهو المسبَّب الأخير . ومثال ذلك أننا نقول كان إعلان الحرب سبباً في دمار المدينة الفلانية ، والواقع أن إعلان الحرب كان سبباً لبدء القتال وبدء القتال كان سبباً لإطلاق النار على المدينة وإطلاق النار على المدينة سواءً بالقذائف أو الصواريخ كان سبباً لتدميرها، وهو السبب المباشر وما تبقى من الأسباب المذكورة هي أسباب غير مباشرة، وإنما جاز من ناحية لغوية القول بأن أي سبب من الأسباب غير المباشرة المذكورة هو سبب لتدمير المدينة .
وهكذا هو الحال بالنسبة للموت ، فإن سببه المباشر الوحيد هو انتهاء الأجل وهذا عقيدة كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وهذه العقيدة مصدرها الدليل القطعي الثبوت قطعي الدلالة المتمثل في قوله تعالى :
(وَمَا كَانَ‏ ‏لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلا ) [ آل عمران :145]
وقوله تعالى :
( فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ) ‏[ الأعراف :34]
ولكن هذا لا ينفي وجود أسباب غير مباشرة للموت، ففي مثالنا السابق عن إعلان الحرب يمكن أن نقول أن إعلان الحرب كان سبباً في مقتل أو موت عدد معين من الناس ، ونجري على التسلسل التالي : إعلان الحرب كان سبباً لبدء القتال وبدء القتال كان سبباً لإطلاق النار على المدينة وإطلاق النار على المدينة كان سبباً لانتهاء أجل عدد من الناس وانتهاء أجل هؤلاء الناس كان سبباً في موتهم .
فهذه السلسلة تبين أن هناك سلسلة من الحوادث أدت إلى الموت وأن السلسلة تحوي سبباً مباشراً للموت وهو انتهاء الأجل وما كنا لنضع انتهاء الأجل كسبب مباشر للموت في السلسلة لولا أنه قد أوحي إلينا من خالق الأجل أن انتهاء الأجل هو سبب الموت المباشر الوحيد .
ومن ثم جاز لغوياً أن نقول بأن أي سبب من الأسباب غير المباشرة لموت هؤلاء الناس ، هو سبب لموتهم ، فيمكن أن نقول أن موتهم كان بسبب إطلاق النار أو أن موتهم كان بسبب بدء القتال مع إيماننا أنهم ما كانوا ليموتوا لولا انتهاء آجالهم .

هذا وقد كان نقاشنا السابق عقلياً بحتاً ولنأتي الآن إلى ما ثبت لنا من النقل من الأدلة الدالة على جواز القول بتعدد أسباب الموت ، فقد روى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : خط النبي صلى الله عليه وسلم خطاً مربعاً وخط خطاً في الوسط خارجاً منه وخط خُططاً صغار إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط وقال هذا الإنسان وهذا أجله محيط به أو قد أحاط به وهذا الذي هو خارج أمله وهذه الخطط الصغار الأعراض فإن أخطأه هذا نهشه هذا وأن أخطأه هذا نهشه هذا .(صحيح البخاري (6054) )
وهذه صورة المخطط الذي رسمه النبي صلى الله عليه وسلم مع بعض الإضافات والتوضيحات :



وقد علق على هذا الحديث الدكتور أحمد راتب حموش فقال :
( الخط الأوسط في المربع هو الإنسان ، وامتداده إلى الخارج المربع هو الأمل ، والمربع نفسه هو الأجل يحيط بالإنسان من كل جانب ، والخطوط الصغار هي أعراض الدنيا التي تحل بالإنسان في الدنيا من خير أو شر ، فإن سلم من آفة أهلكته أخرى ، وإن سلم من الجميع حل به الأجل المحيط به من كل جهة قبل أن يصل إلى أمله البعيد عنه ، فالإنسان في الدنيا إذن ، يرنو إلى الأمل وتتقاذفه الأعراض ، وبينما هو كذلك إذ يحل به الأجل قبل بلوغه الأمل . وفي الحديث التحريض على قصر الأمل والاستعداد لبغتة الأجل . وفيه أيضاً للمهتمين بالتربية والتعليم درس عظيم جليل من المعلم الأعظم سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتمد على وسائل الإيضاح المعينة والمقربة الأمور للأفهام ، قبل أن تعرف هذه الوسائل في التعليم بزمن طويل )( تخريج رياض الصالحين (3/574) د. أحمد راتب حموش .) .

قلت : وحسب المخطط نرى أن الأعراض لا تؤدي إلى الموت مباشرة لكنها تؤدي إلى انتهاء الأجل وبالتالي قد تكون الأعراض التي تصيب الإنسان سبباً لانتهاء الأجل وبالتالي الموت ، لأن انتهاء الأجل يؤدي إلى الموت حتماً .

وقد دل على الجواز أيضاً الإجماع فقد درج علماء الإسلام من القدم بذكرهم أن للموت أسباب دون أن يُنكر ذلك أحد عليهم ، فكان إجماعاً سكوتياً منهم وإليك بعض النقول عن بعض هؤلاء العلماء :

قال الإمام الشافعي (150 -204 هـ) عن الذي يوجد في أرض المعركة مقتولاً : ( لا يغسل بحال لاحتمال أنه مات بسبب القتال ) . [ المُغْني لابن قدامة (2/207) ]
قال الإمام أبي حامد الغزالي(450-505 هـ) : (والشهيد من مات بسبب القتال مع الكفار ) . [ الوسيط (2/377) ]
قال الإمام النووي (ت 676 هـ)sad.gif أما إذا مات في معترك الكفار لا بسبب القتال بل بمرض أو فجأة فالمذهب أنه ليس بشهيد ) [ المجموع (5/216) ، الروضة (2/119) ]
قال الإمام السرخسي الحنفي (ت490 هـ) نقلاً عن عيسى بن أبان : ( أن مرض الموت ما يكون سببا للموت) ، وقال أيضاً : (وقد يكون للموت سببان) . [ المبسوط للسرخسي (6/168) ]

ومن المعاصرين قال الدكتور مأمون حموش أحد العلماء السلفيين المشهورين في دمشق وهو ابن الدكتور أحمد راتب حموش محقق رياض الصالحين المنقول عنه قبل قليل ، فقد قال في كتابه القيم أصل الدين والإيمان :
( وسبب الموت انتهاء الأجل ، سواءً كان بسبب ظاهر أو بلا سبب ، والأجل نوعان : مطلق ومقيد . فالأجل المطلق هو الموت الحتمي ، والأجل المقيد هو الموت نتيجة عوارض من قتل أو مرض ، والموت الذي كتب بالسبب لا يتخلف عنه أبداً ، فإن تعاطى سببه أدركه الموت ).(أصل الدين والإيمان عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان (2/868) . )

وقد ورد سؤال للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية بأنه هل تجوز الجملة: (الموت واحد والأسباب كثيرة)؟
فكان الجواب : نعم , يجوز التعبير بذلك ، ولا حرج فيه إن شاء الله .(فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء – المجلد الأول في العقيدة ص19 )

تناقض الشيخ تقي الدين في مسألة السبب :
واللافت للنظر أن الشيخ رحمه الله قد تبنى في مسألة السبب تعريفاً انفرد به وخالف فيه كل الناس من علماء سابقين ولا حقين ، غير أنه عند استعماله لكلمة السبب في مؤلفاته قد سلك مسلك من خالفهم في تعريف السبب واستعمل كلمة السبب بما يخالف ما قرره من تعريف وشروط تجعل السبب سبباً عنده . خذ مثالاً على ذلك كلامه رحمه الله عن أسباب التملك ، فقد ذكر في كتابه النظام الاقتصادي في الإسلام أنه ثمة أسباباً للتملك وذكر من هذه الأسباب العمل للآخرين بأجر، والمدقق في العمل للآخرين بأجر يرى أن هذا العمل لا ينتج المُسبَّب حتماً وفي كل الحالات، أي أنه لا ينتج التملك حتماً وإنما قد يتخلف وهذا وارد جداً ، فقد يأكل المستأجر على الأجير أجره ولا يعطيه شيئاً من أجرته ، وبالتالي كان لازماً عند الشيخ أن يكون العمل للآخرين بأجر هو حالة للتملك وليس سبباً له .
هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن العمل للآخرين بأجر هو ليس السبب المباشر للتملك وإنما هو سبب غير مباشر للتملك وإنما العمل هو سبب مباشر لاستحقاق الأجر، وسلسلة الأسباب هي كالتالي : العمل بأجر هو سبب لاستحقاق الأجر من قبل المستأجر واستحقاق الأجر هو سبب لدفع الأجر من المستأجر إلى الأجير ودفع المال للأجير هو سبب لتملك الأجير للمال .
فإذاً السبب المباشر لتملك الأجير للمال هو دفعه له من قبل المستأجر، والعمل هو سبب غير مباشر للتملك وإنما جاز لغة أن يعبر عن العمل بأجر بأنه سبب لتملك المال ، وهذا عين ما فعله الشيخ رحمه الله وهو عين ما قررناه في جواز تسمية الأسباب غير المباشرة للموت أسباباً له .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وبارك على سيد محمد .

أبو محمود 3/2/2003
أبو محمود
إقتباس
الصحيح الذي يوافق العقل واللغة هو أن السبب إذا لم ينتج المُسبَّب في حالة معينة أو عدة حالات، لا يكون سبباً في تلك الحالة أو الحالات التي تخلف فيها فقط ولا دخل ولا تأثير لهذا التخلف في الحالات التي لم يتخلف فيها السبب عن مُسبَّبه، وإنما يبقى السبب سبباً في الحالات التي لم يتخلف فيها السبب عن المُسبَّب ولا شك .
والخلاصة أننا نقرر كون حدثٍ ما سبباً أم لا ، بالنظر إلى ما ينتجه هذا الحدث ، فإذا أنتج حدثاً آخر أو كان بالإمكان عادة أن ينتجه ، كان الحدث الأول سبباً في إنتاج الحدث الثاني ، فالنظرة إذاً إلى تحقق النتيجة انتهاءً أو إمكان تحققها عادة ابتداءً ، وليست النظرة إلى وجوب تحقق النتيجة دائماً .


ما التعليق على هذا الكلام؟
أبو مالك
السلام عليكم اخي ابا محمود

قلت :

الصحيح الذي يوافق العقل واللغة

السؤا ل ما هي شواهدك?

ثانيا:

قلت:

أن السبب إذا لم ينتج المُسبَّب في حالة معينة أو عدة حالات، لا يكون سبباً في تلك الحالة أو الحالات التي تخلف فيها فقط

السؤال:

هذه الحالات وهذا البحث عن علاقة تلك الحالات / الاسباب
بشيء واحد ينتج عنها وهو الموت
ام باشياء متعددة وبالتالي حالة/ سبب يتخلف عن نتيجته هنا ويفضي اليها هناك?

طالما ان البحث عن علاقة سبب ما او اسباب متعددة بنتيجة واحدة تنتج عنها اذن فحتى يكون هذا الامر من الاسباب لا بد وان لا يتخلف
اخ الاسلام
الا يدخل تعريف السبب عند الاصوليين في هذا البحث؟
وهو ما لزم من وجوده وجود ومن عدمه عدم
فعندما بتحدث الشيخ تقي رحمه الله عن السبب في الموت فيكون هذا التعريف ما قصده ؟
وعندما يتحدث عن الحالات في الرزق فمجازا يطلق عليها اسبابا؟
التملك: اذن الشارع........... وليس الرزق ، فالرزق قطعا من عند الله ، وقد تحصل الحيازة بطريق غير شرعي ولا يغيب هذا الامر عن الشيخ ليقول عن اسباب التملك انها اسباب رزق ، وتنمية الملكية كذلك لم يدرجها في اسباب الملك .
واذا عدنا الى التعريف اعلاه ، ......ومن عدمه العدم لظهر لنا ان من راسه بمكانه للزم وجود حياة في جسده ، مع ان كل ميت ليس بمقطوع الراس او توقف قلبه.
جمال الشرباتي
السلام عليكم

في قوله تعالى ({أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً }النساء78

بيان واضح جلي على أنّ انتهاء الأجل هو السبب الوحيد للموت---أي أن المميت هو الله ولكل نفس أجل تموت عنده-------
ترى كيف يكون ذلك؟؟

لو سمحتم

إرجعوا للتفاسير ثم نتحاور
يوسف الساريسي
السلام عليكم

أخي الكريم أبا محمود

لك تحياتي ومباركتي بالعيد وأدعوه جل وعلا أن يعيده علينا وقد تحقق للأمة الإسلامية ما تصبو إليه من عزة ورفعة ونصر في دولة الخلافة بإذن الله، إنه سميع مجيب.

لقد أثارني مبحث علاقة السببية منذ فترة ليست بالقصيرة، وحاولت التعمق فيه بشكل كبير وأعانني الله على التوصل فيه إلى بعض الحقائق، وأجد أنها تفيدك هنا بشكل كبير وتحسم الموضوع بإذن الله. وأود قبل أن أناقش موضوعك الجدي جدا وبحثك السابق لدخول الحزب حول موضوع "أسباب الموت" أن نتفق على تعريف واضح للسبب وحول العلاقة السببية بين السبب والمسبب أو النتيجة، وحول التفريق بين الأسباب والشروط وكذلك حول النظام السببي وكذلك حول الموانع والمعيقات. وإذا اتفقت معي على واقع هذه الأمور يمكن الانتقال إلى ما سطرته في بحثك وسيتم حل الإشكال نهائيا بإذن الله. فأقول وبالله التوفيق ما يلي:

واقع السبب:

إن الشيء الذي يكتسب طاقة التغيير في زمن معين يستطيع بامتلاكه هذه القوة السببية أن يؤثر في غيره من الأشياء القابلة للتأثر ونقلها من حالة معينة إلى حالة جديدة مغايرة للحالة السابقة.هذا الشيء المغير هو "السبب". وهو ما يعرّف بأنه "ما يتوصل به إلى غيره" ويعرف في اللغة بأنه "كل شيء يتوصل به إلى المطلوب".

تعقيب: وقد ذكرت أخي أبا محمود في مقالتك كلاما جوهريا رائعا عند محاولتك نقض ما قرره الشيخ رحمه الله ولكنك لم تستعمله في بناء معنى حقيقيا للسبب مأخوذ من الواقع غير ذلك الذي ذكره أهل اللغة أو ما قاله المتكلمون. وهذا في قولك "وإلا فالأصل أن أي شيء في هذا الكون لا يتغير حاله من حالة إلى أخرى إلا بمؤثر خارجي ويكون عمل هذا المؤثر الخارجي هو سبب لتغير حاله من حالة إلى أخرى". إن ربطك بين التغير وحالة الشيء والتأثير وأن المؤثر في التغيير هو السبب هذا بالضبط هو التعريف الحقيقي الواقعي للسبب مع نقص بسيط لسؤال ربما يبدو تافها وهو لماذا تكون السكين أحيانا سببا في القطع وتكون في أحيان أخرى ساكنة مستقرة وليست سببا؟

وأجيبك لاستكمال معنى السبب وواقعه بما يلي:

من الصفات الملازمة للسبب وجود الحركة والنشاط والفعالية فيه، ويحتاج السبب ليكون فعالا إلى التضامن والتعاون مع عوامل أخرى تساعده وتحفزه على التأثير وهي ما نسميها "الشروط"، ويستتبع عملية التأثير التي يقوم بها السبب حدوث النتيجة (المسبّب) على نحو ضروري لازم أي حتمي. إن النتيجة أي الحالة الجديدة للأشياء لا يمكن أن تحدث لولا وجود السبب، فإذا تخلف السبب فان ذلك يؤدي حتما إلى انتفاء النتيجة، وبكلمات أخرى يترتب على وجود السبب وجود النتيجة ويترتب على عدمه عدم حصول النتيجة. فللسبب ثلاث صفات هي وجود طاقة التأثير، والتعاون مع الشروط، وحتمية الإنتاج للمسبّب.

فالسكين وهي ساكنة مستقرة لا تعتبر سببا وإنما تكمن فيها خاصية القطع ولكنها تتحول إلى سبب إذا اكتسبت طاقة دافعة من غيرها كيد الإنسان مثلا فتصبح فيها القدرة والقوة السببية اللازمة لإنتاج القطع مادامت الطاقة لم تنتهي منها. وكذلك البنزين لا يعتبر سببا إلا إذا أشعلت النار فيه فيكتسب طاقة سببية تجعله قادرا على الحرق والتأثير في تحويل أشياء أخرى من حال إلى آخر، فالذي أعطى هذه الأشياء صفة السببية هو اكتسابها للطاقة من غيرها وقابليتها للتأثر وإنتاج المسبّب.

إن الطاقة السببية الدافعة والمحركة هي حالة تكسب الشيء الذي يحملها الاستطاعة أو القوة الدافعة أو القدرة على التأثير والفعل والحركة والنشاط الفعّال وبذل الجهد. والطاقة السببية ليست متولدة ذاتيا من الأشياء وإنما تنتقل إليها وتكتسبها من غيرها، ثم يعود الشيء الذي كان سببا في حالة كونه مالكا للطاقة السببية يعود إلى الحالة الأصلية للأشياء ونعني بذلك حالة الاستقرار عقب نفاد الطاقة السببية منه. فاصطدام جسم متحرك بجسم ساكن مستقر يكسب الأخير طاقة تدفعه للتحرك باتجاه محدد له علاقة باتجاه الطاقة السببية التي أثرت فيه. وجسم الإنسان يأخذ الطاقة التي تلزمه للعمليات الحيوية التي يقوم بها من الطاقة التي يستخلصها من المواد الغذائية ويقوم بتحويلها إلى طاقة ميكانيكية لتحريك أعضائه لتكون هذه الحركة سببا في أحداث التغيير المطلوب في العالم الخارجي. والتوربين الذي يولد الكهرباء من الطاقة الهيدروليكية (الميكانيكية) للمياه المندفعة إلى طاقة كهربائية تكون سببا يستخدم في الانتفاع في مجالات كثيرة كالإنارة والتدفئة وتدوير المحركات الميكانيكية...الخ.

فمثلا عندما يحرك الإنسان يده أو أي عضو من أعضاء جسمه، فانه يأخذ الطاقة التي تلزمه من الطاقة التي يستخلصها الجسم من المواد الغذائية التي يأكلها والتي تفعّل وتنشط لوجود طاقة الحياة لديه. فالطاقة الحيوية في الإنسان تقوم بتحويل الطاقة الكيميائية الموجودة في الغذاء إلى طاقة ميكانيكية، بحيث تصبح هذه الطاقة الميكانيكية سببا في أحداث التغيير الذي يريده الإنسان، ومثال آخر على كيفية انتقال الطاقة عندما يقوم محرك السيارة بحرق الوقود (البنزين) لإنتاج طاقة الانفجار الحرارية التي يقوم المحرك بتحويلها إلى طاقة ميكانيكية تدفع السيارة إلى الحركة والانتقال من مكان إلى آخر. ويتم تحويل الطاقة الكيميائية في البطاريات إلى طاقة كهربائية. ويتم تحويل الطاقة الذرية من اليورانيوم المخصب إلى طاقة كهربائية في الاستخدام السلمي أو إلى طاقة تفجيرية على شكل قنبلة تدميرية في الاستخدام العسكري.

أما واقع الشرط فهو كما يلي:

إن السبب والشروط كلها عوامل لازمة لإحداث النتيجة أي المسبّب، واللزوم نعني به هنا اللزوم الضروري والحتمي. ويتميز الشرط عن السبب انه عامل مستقر غير مكتسب لطاقة التأثير والتغيير. فلا يستطيع الشرط أن يحدث النتيجة لكونه عاملا ساكنا وسلبيا وغير فعال أي انه لا يحوي الطاقة وهذا هو أساس التفريق بين السبب والشرط، ودور الشرط في العلاقة السببية هو توفير البيئة والوسط الملائمين لفعل القوة السببية حتى يباشر السبب تأثيره بفاعلية. وبدون وجود الشروط اللازمة للسبب والتي يحتاج إليها وتحفزه وتعاونه على تغيير الحالة التي توجد بها الأشياء إلى حالة جديدة، فان فعالية السبب تحبط وتتعطل منه الطاقة السببية وكذلك قدرته على التأثير في حالة انعدام هذه الشروط أو بعضها.

والشرط هو صفة يجب تحققها في الشيء المنفعل أو في بيئته المحيطة به حتى يتوفر الظرف أو الحالة الملائمة بحيث يستطيع السبب التأثير في ذلك الشيء لنقله إلى حالة جديدة مغايرة، فالشرط هو أمر مكمل للسبب ولا يترتب من وجود الشرط في الشيء حصول الانتقال من حال إلى حال ولكن يترتب على فقدانه عدم استطاعة السبب على التأثير. فلا يترتب من وجود الشرط وجود النتيجة ويترتب من عدمه عدم حدوث النتيجة.

والشرط يتحقق بأمرين:
أ‌- أمر في الشيء ذاته كصفة أو خاصية فيه.
ب‌- أمر خارج عن ذات الشيء وموجود في محيطه بنسبة معينة.


أريد منك أخي أبا محمود قراءة ما كتبته لك بإمعان وأن تعقب عليه وإذا اتفقنا على التفريق بين واقع السبب وواقع الشرط انتقلنا خطوة أخرى في البحث لبلورته تماما بإذن الله. بانتظارك!

يتبع
يوسف الساريسي
السلام عليكم

استكمالا لما سبق ذكره أود أن أذكر هنا أنواع الشروط والنظام السببي كما يلي:

أنواع الشروط:

تنقسم الشروط المعاونة لفعالية الأسباب إلى قسمين هما شروط اللزوم وشروط الأفضلية، والفرق بينهما أن نقصان أي شرط من شروط اللزوم يخل ويعطل فعالية وقدرة السبب على التأثير أي يترتب على عدم وجودها عدم حصول النتيجة، أما شروط الأفضلية فإن فقدانها لا يعطل فعالية الطاقة السببية عن التأثير ولا يترتب على عدم وجودها عدم حصول النتيجة إذ هي كمالية وليست أساسية. وبالتالي يمكن القول أن شروط الأفضلية هي عوامل ايجابية غير فاعلة ولا تحوي الطاقة السببية وتدخل على العلاقة السببية بحيث تؤدي إلى زيادة فعالية الطاقة السببية بحيث يكون وجودها محفِّزا ومفعِّلا لعمل وتأثير الأسباب أو مسرِّعا يعجل زمنيا في حصول التغيير أو يقلل من مقدار الطاقة السببية اللازمة لإحداث النتيجة.

النظام السببي:

إن اجتماع مجموعة من الأعضاء أو الأجزاء لا تكون نظاما وإن كان لا بد أن يتكون النظام من أجزاء، لأنه لا يجب أن ينظر إلى هذه الأجزاء في النظام كمكونات مستقلة عن بعضها كمن ينظر إلى كومة من الحصى، بل يجب النظر إلى النظام بأجزائه وإلى ما يجمع هذه الأجزاء معا، وهو وجود مجموعة أو –لنقل- شبكة من الروابط بين هذه الأجزاء ويجب أن ننظر إلى أشكال الربط فيما بينها والى ترتبها في نسق معين وفق برمجة محددة.

لذلك لا يجب النظر إلى الكائن الحي مثلا بأنه يتكون من مجموعة من الأجزاء هي عناصر طبيعية أصلها من تراب الأرض فحسب، بل يجب النظر إلى ترتيب هذه الجزيئات فيما بينها وإلى أهم ما يميز هذه المجموعة من الأجزاء وهي الروابط والتي تتشكل وفق نسق أو نمط خاص من البرمجة، وكذلك يجب النظر أيضا إلى سبب الحياة في هذا الكائن أي مصدر الطاقة الحيوية، وهو سر الحياة في هذا الكائن ألا وهي وجود الروح كما نعرف من الأدلة الشرعية.

هذا الأمر ينطبق تماما عندما ننظر إلى جهاز حاسوب أو كمبيوتر فهو وإن كان مكونا من ذرات من السيليكون والموجودة في حبات الرمل، ولكن الفرق بينهما هائل وجوهري وهذا يتعلق بطريقة ترابط هذه الذرات وتشكلها فيما بينها لتكوين هذا الجهاز الذي يشكل نظاما متكاملا. فهناك الهيكل المكون من مجموعة من الأجزاء وأشكال ترابطها، وهناك أيضا نظام البرمجة الذي يشغل هذا النظام ويشكل في الأساس جوهر هذا النظام، كذلك لا بد لهذا النظام حتى يشتغل من وجود طاقة سببية فاعلة تحرك هذا النظام للقيام بمهامه. إذن يمكننا تحديد واقع النظام بأنه مجموعة من الأجزاء أو الأعضاء تتفاعل فيما بينها وتعمل ككل للحفاظ على وجودها الجماعي في الأساس كأول هدف، ولتحقيق أهداف أخرى يسعى النظام للوصول إليها.

طاقة الحياة في الإنسان:

إن الإنسان يعيش كنظام داخل عالم من الأنظمة ولا يمكن فهم هذا الإنسان إلا بفهم النظام ذاته والفكر السببي للأنظمة، إن لوجود النظام نفسه وظيفة أو هدف يسعى لتحقيقه، ولنأخذ مثلا من هذه الأنظمة المجتمع الإنساني، الذي هو نظام يشتمل بداخله مجموعة من الأنظمة التي تجمع وتحكم مجموع الناس. وكل إنسان في هذا المجتمع هو نظام بذاته، فجسم الإنسان ككل يعمل كنظام، ودماغ هذا الإنسان وقاعدته الفكرية التي يحكم وينتج الأفكار على أساسها، كل منها يشكل نظاما مستقلا بذاته داخل نظام أكبر منه، وكذا النظام البيئي، وكذا الأنظمة الميكانيكية التي صنعها الإنسان كالسيارة والكمبيوتر والثلاجة.

إذن وبما أن الإنسان هو نظام سببي فيجب أن تنطبق عليه خصائص الأنظمة السببية ومنها الآتي:

1. وجود الهدف الذي يسعى النظام لتحقيقه.
2. الميل إلى الاستقرار والثبات في بنية النظام ومقاومة تغييره.
3. الحاجة إلى طاقة سببية لأداء المهمات والوصول إلى الأهداف.
4. مقياس دقيق لتقييم الفارق بين الوضع الراهن والوضع المرغوب.

أما الأنظمة السببية الحية فلها ميزات إضافية منها:
1. الهدف الأول هو الحفاظ على بقاء وجود النظام ذاته.
2. الهدف الثاني هو الحفاظ على بقاء النوع ومنه السعي للتكاثر.
3. المقياس للتقييم هو الحواس والدماغ المميز.

يتبع بإذن الله
يوسف الساريسي
السلام عليكم

سبب الحياة وسبب الموت:

أن النظام السببي الحي كما رأينا بحاجة إلى طاقة سببية لأداء المهمات والوصول إلى الأهداف، والإنسان هو واحد من الأنظمة السببية الحية فهو بحاجة إلى طاقة سببية لبقائه حيا ومؤديا لمهامه. والطاقة السببية في الإنسان وتسمى طاقة الحياة أو الطاقة الحيوية التي خلقها الله فيه والتي هي نتيجة وجود الروح في هذا الإنسان. فسبب الحياة في الإنسان والحيوانات هو وجود الروح وقبض الروح منها هو سبب نهاية الحياة أي الموت، ولا يوجد شيء ينهي الطاقة السببية في الحيوانات إلا خروج الروح والذي يقبضها ملك الموت كما نعرف من الأدلة النقلية.

فالأصوب في رأيي أن يقال سبب الحياة ولا يقال سبب الموت لأن غياب سبب الحياة يعني الموت، فالأصل في جميع الأشياء التي خلقها الله السكون والاستقرار والخمول أي عدم التغير. ويستحيل أن تتغير هذه الحالة للأشياء إلا بمؤثر خارجي قاهر يغيرها ويحولها عن حالتها الأصلية تلك إلى حالة أخرى، وبعد انتهاء وجود الطاقة السببية في الأسباب تعود جميع الأشياء إلى حالتها الأصلية أي حالة الاستقرار.

شروط استمرار الحياة:

إن النظام السببي أيضا يلزمه شروط معينة لأداء وظائفه، والحياة التي في الإنسان لها شروط مختلفة منها داخلية وخارجية، أما الخارجية والتي يجب توفرها وهي الحاجات العضوية كالماء والغذاء والتنفس والإخراج والنوم فإذا نقص احد هذه الشروط أو أكثرها عن الحد الأدنى أدى ذلك إلى هلاك الإنسان بمعنى انه أدى إلى تعطل الطاقة السببية في الإنسان. وبالتالي فالعطش والجوع وغيرها هي شروط للحياة وليست أسبابا لهذه الحياة، ونقصانها دون الحد الأدنى اللازم يؤدي إلى تعطيل الفاعلية السببية (الطاقة الحيوية).

أما الشروط الداخلية الذاتية فتتمثل في أن الله تعالى قد خلق هذا الإنسان في أحسن تقويم وزوده بأعضاء مختلفة في جسده ليقوم بالوظيفة التي أناطها الله به في هذه الدنيا ليكون خليفة في الأرض وليتمكن من إعمارها وفق ما أمره الله تعالى، وتعتبر بعض الأعضاء في جسد الإنسان غير أساسية لبقاء الحياة فيه كالإصبع أو اليد أو الرِجل أو الأذن، فهي ليست من الشروط اللازمة لبقاء واستمرار الحياة، وإنما هي شروط أفضلية وكمالية تلزم الإنسان في أداء بعض الوظائف السببية، وإذا انعدمت بمعنى أتلفت بالاستئصال بالكلية أو بجزء منها أو تعطل أداؤها لأي سبب، فذلك لا يؤدي إلى موت الإنسان عادة وإنما تضعِف أداءه لوظائفه المختلفة.

وهناك من الشروط الذاتية اللازمة والتي يجب أن تتوفر في الكائن الحي لتستمر الحياة فيه أي تلزم حتما لتستمر الطاقة الحيوية فاعلة فيه، من مثل ضخ القلب للدم إلى أجزاء الجسم وعمل الجهاز الهضمي لهضم وامتصاص الجسم للطعام، والتحكم في الأعضاء من قبل الدماغ والنخاع الشوكي وبقاء اتصال أجزاء الجسم الحيوية فإنها كلها شروط ذاتية لابد منها لبقاء واستمرار الحياة، وفي حالة حدوث خلل فيها أو نقصان أو تلف يترتب عليه موت الإنسان مثل قطع الرأس وإتلاف الدماغ والطعنة القاتلة في القلب يترتب عليها فقدان الشروط اللازمة الذاتية في الكائن الحي لاستمرار وبقاء الحياة فيه وليست هي أسبابا للموت وإنما هي ما يلزم لطاقة الحياة حتى تستمر في فعلها وتأثيرها، والتي يترتب على فقدانها بمعنى انعدام الشروط اللازمة لبقاء الحياة انعدام الحياة.

يتبع بإذن الله
يوسف الساريسي
الخلاصة:

إن السبب الوحيد للحياة في الإنسان والحيوانات هو وجود الروح وقبض الروح منها أي انتهاء أجلها هو سبب نهاية الحياة أي الموت، ولا يوجد شيء ينهي الطاقة السببية في الحيوانات إلا خروج الروح والذي يقبضها هو ملك الموت. وفقدان الشروط اللازمة لاستمرار وبقاء الحياة ليست أسبابا للموت وإنما هي ما يلزم لطاقة الحياة (السبب) حتى تستمر في فعاليتها وتأثيرها ويترتب على فقدان وانعدام هذه الشروط انعدام الحياة. بمعنى انه أدى إلى تعطل الطاقة السببية في الإنسان وهي طاقة الحياة أو الطاقة الحيوية التي خلقها الله فيه، فالعطش والجوع وغيرها هي شروط للحياة وليست أسبابا لهذه الحياة، ونقصانها دون الحد الأدنى اللازم يؤدي إلى تعطيل الفاعلية السببية (الطاقة الحيوية) أي يترتب على فقدان وانعدام هذه الشروط انعدام الحياة وبالتالي الموت.

وبقاء الحياة إذا تعلق بشروط معينة لا يعني أن انعدام هذه الشروط هو سبب الموت بل السبب هو خروج الروح من الكائن الحي عند انتهاء اجله وذلك لترتب بقاء سبب الحياة على هذه الشروط وانعدامه بانعدامها وهذا هو واقع الشرط اللازم وهو يختلف عن واقع السبب.

فالقاتل هو فاعل القتل وهو من أتلف جزءا حيويا من شروط بقاء الحياة في الكائن الحي وأدى فقدان أحد الشروط اللازمة إلى انتهاء الأجل. فالقاتل لا يحاسب على إخراج الروح وإنهاء الأجل لأن هذا ليس بيده، وإنما يحاسب لأنه وضع المقتول في وضع من اختلال الشروط اللازمة لبقاء الحياة بحيث يؤدي عادة إلى الموت بخروج الروح. فهو يعبر قاتلا ولكنه ليس المميت لأن الفاعل الحقيقي للموت هو الله تعالى.

ولحسم المسألة فكريا ووفق ما قرره المفكرون وما تقرر في علم أصول الفقه من تفريق بين السبب والشرط، فإن من صفات السبب والفرق بينه وبين الشرط، أن السبب: (ما يلزم من وجوده وجود الشيء ويلزم من عدمه عدم الشيء)، أما الشرط فهو: (ما لا يلزم من وجوده وجود الشيء ولكن يلزم من عدمه عدم الشيء). فوجود سبب الحياة بالإضافة إلى جميع شروط الحياة يلزم منها وجود الحياة في الكائن الحي، ولكن وجود جميع شروط الحياة لا يلزم منه وجود الحياة إذا عدم سبب هذه الحياة، ولكن فقدان سبب الحياة أو واحد من الشروط اللازمة للحياة يترتب عليه انعدام الحياة. وهذا هو واقع الشرط اللازم وهو يختلف عن واقع السبب.

فأمثلة قطع الرأس بحز الرقبة والطعنة القاتلة في القلب ونزيف الدم الكامل ويترتب عليها فقدان الشروط اللازمة الذاتية في الكائن الحي لاستمرار وبقاء الحياة فيه، وبالتالي أدت حتما إلى الموت ولكن وجودها لا يؤدي حتما إلى بقاء الحياة إذا فقد وجود سبب الحياة الأساس وهو الروح.

فالسبب والشرط يشتركان في أن انعدامهما يترتب عليه ويؤدي إلى انعدام الحياة أي الموت، ولكن لا يلزم من وجود الشروط وجود الحياة. وبالتالي فإن انعدام شروط الحياة ليست أسبابا للموت وإنما هي فقدان ما يلزم لطاقة الحياة حتى تستمر في فعاليتها السببية وتأثيرها من قدرة الكائن الحي على الحركة النمو والتكاثر والانتقال وجميع أنواع التأثيرات، ويترتب على فقدانها بمعنى انعدام الشروط اللازمة لبقاء الحياة انعدام الحياة أي الموت ومن علاماته عدم الحركة وعدم التنفس وعدم التكاثر (لاحظ هما تكرار لفظة عدم).

ولحل الإشكال الظاهري الوارد في موضوع انتهاء الأجل هو السبب الوحيد للموت في كتاب حزب التحرير الشخصية الإسلامية الجزء الأول لمؤلفه الشيخ تقي الدين رحمه الله، فإن الشيخ يستعيض عن استخدام الشروط باستخدام لفظة [u]"حالة"[/u] والحالة هي مجموعة هذه الشروط الذاتية والمحيطة بالكائن الحي.

وبهذا الشرح أرجو أن يكون الإشكال الذي حصل لديك أخي أبا محمود ولكثير من غيرك من الشباب، قد حل تماما وأن النفس قد اطمأنت بما دلت عليه نصوص الشريعة بأن السبب الوحيد لانتهاء الحياة أو الموت هو بقبض الملك لروح الإنسان وأن ما يحدث من قتل وغيره إن هي إلا "حالة" من فقدان للشروط اللازمة للحياة.

تدعوا الله تعالى أن يكون قد وفقنا في تبيان هذا الموضوع بما منَّ علينا من علم علمه إيانا إنه عليم حكيم.

ولكم التحية
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

في:
7 من شوال 1427 للهجرة الموافق لـ 29/10/2006 م
أبو محمود
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

أخي العزيز أبو مالك

قلت:

إقتباس
الصحيح الذي يوافق العقل واللغة

السؤا ل ما هي شواهدك?


ما قصدك بالشواهد؟
فقد أوردت لك كلام أهل اللغة في تعريف السبب
ثم أوردت بعض الكلام لأهل العلم الكبار في كلامهم عن سبب الموت بالذات ولم يتحرجوا في ذكر أن للموت أسبابا غير انتهاء الأجل
كما أن العقل الصحيح يقبل هذا ولا يرفضه
فإن كان عندك اعتراض على كلامي هذا أرجوك كن أوضح في المناقشة حتى نستفيد منك يا شيخنا
ومن ثم يتم اثراء الموضوع بشكل أوسع .

وقلت:


إقتباس
هذه الحالات وهذا البحث عن علاقة تلك الحالات / الاسباب
بشيء واحد ينتج عنها وهو الموت
ام باشياء متعددة وبالتالي حالة/ سبب يتخلف عن نتيجته هنا ويفضي اليها هناك?

طالما ان البحث عن علاقة سبب ما او اسباب متعددة بنتيجة واحدة تنتج عنها اذن فحتى يكون هذا الامر من الاسباب لا بد وان لا يتخلف


أخي الكريم كلامك هذا بصراحة لم أفهم منه الكثير
ولكن الذي فهمته هو هل تكلمت أنا عن السبب بشكل عام أم سبب الموت بشكل خاص؟
أنا الحقيقة تكلمت عن السبب وواقعه بشكل عام ومن ثم تكلمت عن سبب الموت بشكل خاص

تحياتي
أبو محمود
الأخ يوسف الساريسي

وعليكم السلام

الحقيقة فرحت جدا بمشاركتك القيمة وكلامك بصراحة جواهر وهو كلام يحتاج لوقفات ووقفات بل يحتاج لدراسة عميقة مستنيرة.
وأنا أعجبت جدا بأسلوبك الرائع فبارك الله فيك من أخ يبذل جهدا كبيرا لكي يوضح لي المسألة ويحل لي إشكال ما زال يرافقني سنين عدة.
فبارك الله فيك وانتظر مني الرد قريبا على ما تفضلت به .

وجزاك الله كل خير وبارك بك وفيك

أخوك المحب أبو محمود
أبو محمود
الأخ الكريم يوسف

بارك الله فيك على هذا الكلام البديع والسرد الجميل والفهم العميق
وأعترف لك أنك وضحت لي المسألة بطريقة جميلة وعلمية دقيقة

ولكن عندي تعليق على قولك :

إقتباس
إن النظام السببي أيضا يلزمه شروط معينة لأداء وظائفه، والحياة التي في الإنسان لها شروط مختلفة منها داخلية وخارجية، أما الخارجية والتي يجب توفرها وهي الحاجات العضوية كالماء والغذاء والتنفس والإخراج والنوم فإذا نقص احد هذه الشروط أو أكثرها عن الحد الأدنى أدى ذلك إلى هلاك الإنسان بمعنى انه أدى إلى تعطل الطاقة السببية في الإنسان. وبالتالي فالعطش والجوع وغيرها هي شروط للحياة وليست أسبابا لهذه الحياة، ونقصانها دون الحد الأدنى اللازم يؤدي إلى تعطيل الفاعلية السببية (الطاقة الحيوية).


فعندي لك سؤال وهو أنه كون شروط الحياة ليست سببا للحياة فهذا لا يعني أن انتفائها ليس سببا للموت، فأنا أقول مثلا الدراسة شرط للنجاح وعدم الدراسة سبب الرسوب أيكون كلامي خطأ أم صحيح ؟

والذي أريد أن افهمه هل يجوز مجازا أن نطلق على انتفاء شرط من الشروط الواجب توفرها للحياة لفظة سبب الموت أم لا؟
وهل إن كان هذا الاطلاق مخالف للعقيدة فلما فعله كثير من العلماء الكبار كالشافعي والسرخسي وابن قدامة وغيرهم وقد نقلت لك بعض أقوالهم!

أنتظر ردك أخي
أبو محمود
قلت أخي الكريم:
إقتباس
ولحسم المسألة فكريا ووفق ما قرره المفكرون وما تقرر في علم أصول الفقه من تفريق بين السبب والشرط، فإن من صفات السبب والفرق بينه وبين الشرط، أن السبب: (ما يلزم من وجوده وجود الشيء ويلزم من عدمه عدم الشيء)، أما الشرط فهو: (ما لا يلزم من وجوده وجود الشيء ولكن يلزم من عدمه عدم الشيء).


وهذا كلام لا غبار عليه أبدا ولكن ما رأيك بقولي في بحثي :

إقتباس
تناقض الشيخ تقي الدين في مسألة السبب :
واللافت للنظر أن الشيخ رحمه الله قد تبنى في مسألة السبب تعريفاً انفرد به وخالف فيه كل الناس من علماء سابقين ولا حقين ، غير أنه عند استعماله لكلمة السبب في مؤلفاته قد سلك مسلك من خالفهم في تعريف السبب واستعمل كلمة السبب بما يخالف ما قرره من تعريف وشروط تجعل السبب سبباً عنده . خذ مثالاً على ذلك كلامه رحمه الله عن أسباب التملك ، فقد ذكر في كتابه النظام الاقتصادي في الإسلام أنه ثمة أسباباً للتملك وذكر من هذه الأسباب العمل للآخرين بأجر، والمدقق في العمل للآخرين بأجر يرى أن هذا العمل لا ينتج المُسبَّب حتماً وفي كل الحالات، أي أنه لا ينتج التملك حتماً وإنما قد يتخلف وهذا وارد جداً ، فقد يأكل المستأجر على الأجير أجره ولا يعطيه شيئاً من أجرته ، وبالتالي كان لازماً عند الشيخ أن يكون العمل للآخرين بأجر هو حالة للتملك وليس سبباً له .


أيكون استخدام الشيخ لتعبير لفظ السبب هنا في غير معنى السبب عند الأصوليين أم هو استخدام مجازي أم ماذا برأيك؟
أبو مالك
اخي ابا محمود اعذر تطفلي على هذه المسالة خاصة بوجودك ووجود اخينا يوسف
اردت توضيح امرين
انت تفضلت ونقلت معنى لغويا للسبب اي لكلمة سبب
مع انها في هذا البحث لها معنى اصطلاحي
فمعنى السبب في الفقه غير معناه في الاصول وقد لا تكون علاقة قوية مباشرة بينه وبين معناه اللغوي
لذا سالتك عن الشواهد

امر اخر اردده دوما منذ الف سنة لو بحثنا مسالة توقف القلب لكانت حظيت بنفس الجزم الذي رايناه في بحثك مما تعلق بقطع الرقبة فالطب تقدم حتى صار بالامكان انعاش حالات قد تكون سابقا محموما عليها بالموت

بعد حين لو تمكن الاطباء من فصل الراس وابقاء البدن والراس متصلين باجهزة انعاش

ليست المسالة مستحيلة
عندها تجد فصل راس عن البدن وعودته للحياة
فما رايك
أبو محمود
أخي أبو مالك

أولا تطفلك في محله بل هي اطلالة جميلة منك يا استاذي

وأشكرك على توضيحك القيم ولكن ما رأيك في استعمال الشيخ تقي الدين رحمه الله لتعبير أسباب التملك أكان يقصد معنا لغويا بعيد عن المعنى الاصطلاحي الأصولي ؟

أنتظر جوابك

وجزاك الله خير
يوسف الساريسي
السلام عليكم

أخي العزيز أبا محمود أكرمك الله

حقيقة إنني سعيد جدا بأن هذه المسألة قد وضحت لديك وأن الجواب كان علميا وشافيا لك، وهذا مما أحمد الله عليه دائما وأبدا ذلك بأنه هدانا للحق أولا وأعاننا على توضيح بعض ما التبس على بعض الإخوة في هذه المسألة خصوصا، ولا أخفيك أن بعضا من الشباب كان لديهم بعضا مما كان لديك وقد أعانني الله على توضيحه لهم.

أما بشأن قولك:

إقتباس
"أنه كون شروط الحياة ليست سببا للحياة فهذا لا يعني أن انتفائها ليس سببا للموت، فأنا أقول مثلا الدراسة شرط للنجاح وعدم الدراسة سبب الرسوب أيكون كلامي خطأ أم صحيح ؟"


فقد ذكرت لك الفرق الواقعي بين السبب والشرط وفي الأساس فإن كلا من السبب والشرط لازمان لإنتاج المسبب أو الأثر. وإذا لم ينتج المسبَّب فإن ذلك يعود إلى فقدان أحد العوامل (السبب أو أحد الشروط اللازمة) فعند البحث في مشكلة عدم الحصول على النتيجة (المسبب) فيستوي في ذلك السبب والشرط. ولكن علينا ملاحظة أن العلاقة السببية هي صلة بين السبب والنتيجة أو هي ربط بين ظاهرتين محسوستين هما السبب والمسبَّب وتوجد أساسا بين هذين طرفين. وأما الشروط فليست لها علاقة سببية مباشرة أي لا تقوم علاقة سببية بين الشرط والنتيجة وإنما تعلق الفعل السببي بلوازم معينة يحتاج إليها السبب ولا بد من توفرها قبل وأثناء الفعالية السببية، وهذه هي الشروط. وبالتالي لا يمكننا الربط بين المسبب والشرط كعلاقة أساسية بحيث نقول ما قلت "كون شروط الحياة ليست سببا للحياة فهذا لا يعني أن انتفائها ليس سببا للموت" فهذا الربط بين انتفاء الشرط والنتيجة قد وضع بحيث يصبح هو السبب وهذا ليس بصحيح وإنما الصحيح أن يقال أن العلاقة السببية بين السبب والمسبب قد انتفت لأن السبب توقف عن فعاليته السببية في إنتاج الأثر المتوقع منه لغياب ما يحتاج إليه من شروط لازمة.

وسأضرب لك بعض الأمثلة لتوضيح علاقة الشروط اللازمة لتأثير السبب وفاعليته السببية، فحين يقوم المزارع بوضع البذرة في الأرض ويحرث التراب حولها ويسقيها بالماء فانه يحدث ظروفا وأحوالا معينة تحفز تلك البذرة الحية على الفاعلية فيحدث فيها انتفاخ وانفلاق ثم يندفع منها الجذر إلى أسفل والساق إلى أعلى، ثم ينمو الساق ويغلظ وتنبت الأغصان وتنشا الأوراق فيما يندفع الجذر إلى الأسفل ويتعمق ويتشعب للوصول إلى الماء والأملاح، ثم تزهر الشجرة وتنتج الثمر فتكون البذرة قد أنتجت هذه الثمرة. فلولا وجود هذه الخاصيات والقابليات المتوالية خلف بعضها في سلسلة مترابطة لما نشأت الثمرة وهي تمثل الشروط اللازمة الواجب وجودها في البذرة نفسها.

أما الشروط الواجب وجودها في محيط البذرة وليست جزءا منها فهي في هذا المثال شروط حياة البذرة كالماء والحراثة والتربة والمواد الغذائية التي فيها كالنيتروجين والفوسفور والكالسيوم وغيرها والاكسجين وثاني اكسيد الكربون ويجب ان تتوفر كلها بنسب معينة تستطيع النبتة الحصول عليها، واذا نقص احد هذه الشروط عن الحد الادنى ادى ذلك الى هلاك النبتة بمعنى انه ادى الى تعطل الطاقة السببية الفاعلة فيها وهي طاقة الحياة التي خلقها الله فيها، و فقدان الشروط اللازمة لاستمرار وبقاء الحياة ليست اسبابا للموت وانما هي ما يلزم لطاقة الحياة حتى تستمر في فعلها وتأثيرها والتي يترتب على فقدانها وانعدامها -اي الشروط- انعدام الحياة في الكائنات الحية. اما اشعة الشمس فهي ليست من الشروط وانما هي طاقة (سبب) تتفاعل مع طاقة الحياة في المادة الخضراء في اوراق النباتات لانتاج الغذاء والثمار ونمو النباتات لان هذه الاشعة تحوي الطاقة السببية.

ولنأخذ مثالا آخر من الأمثلة الواقعية على كيفية استخدام الشروط في التحكم في الاسباب وتعطيل عملها، ما حدث في حرب الخليج سنة 1991 حيث قامت الشركات المكلفة بإطفاء الحرائق التي اشتعلت في آبار نفط الكويت بإحداث انفجار تفريغي عند فوهة البئر لإطفاء الحريق. إن لهذا الأمر صلة بموضوع السببية لا بد من إدراكها، ولا بد من تحليل هذا الأمر وربطه بمفهوم السببية وهو مثال هام للتمييز بين السبب والشرط. إن الحريق يعتبر هو الطاقة المؤثرة التي اكتسبها البترول المندفع من البئر بتأثير سبب آخر هو الشعلة الخارجية التي أدت إلى بدء احتراق البئر، وبما انه من الصعب على رجال الإطفاء القيام بإيقاف عمل هذا السبب المتسلسل حيث أن الأجزاء المحترقة تقوم بنقل هذه الطاقة إلى الأجزاء الأخرى من النفط المندفع عبر فوهة البئر المحترق بحيث يستمر الحريق في الاشتعال دون توقف، مع عدم القدرة من الاقتراب من مكان الحريق أو انعدام وجود الوسائل التي تطفيء او توقف عمل هذا السبب مباشرة، فان الطريقة المتبعة في إطفاء هذه الحرائق هو الانفجار التفريغي أي انفجار يفرغ الهواء حول شعلة الحريق وبالتالي يطفئ النار المشتعلة (السبب).

وإذا عرفنا أن النار حتى تحرق تحتاج بشكل ضروري ولازم الى شرط توفر الأكسجين في الهواء المحيط، فتكون طريقة تعطيل عمل النار هي منع هذا السبب من الفعالية وتوقيف طاقته المندفعة من خلال التحكم في الشرط اللازم لفعاليته وهو الأكسجين، وهذا ما يتم بالضبط في هذه العملية. ونلاحظ هنا هذا التلازم بين السبب والشرط في الأهمية في حالة تخلف النتيجة أي يترتب على عدم وجود الشرط العدم ولا يترتب على وجوده وجود النتيجة، حيث أن وجود الأكسجين لا يمكنه إشعال الحريق في بئر النفط ولكن انعدام الأكسجين يستتبع على نحو ضروري ولازم انعدام النتيجة ألا وهي توقف احتراق بئر النفط هذا.

وبهذا يظهر أن العلاقة السببية تقوم بين أمرين هما السبب والمسبب والشرط هو أمر خارج عن العلاقة السببية وإن كان لا بد من وجوده لبدء واستمرار العلاقة السببية ويؤدي فقدانه إلى قطع العلاقة السببية لأنه من لوازم السبب فالقضية إذن هي في تعطل عمل السبب ابتداء لفقدان الشروط الداعمة لعمل السبب، ففي البداية وفي النهاية السبب هو الذي يتعطل عمله أو يتوقف عن التأثير والشرط ليس له صلة بالأمر. فحين نقول أن المسافر في الصحراء مات بسبب العطش فهذا القول غير صحيح في الواقع الحقيقي بل هو من قبيل المجاز إذ إن الماء شرط من شروط بقاء الكائن الحي، والأصل الحقيقي هو استخدام اللفظ على حقيقته بأن يقال أن المسافر في الصحراء قد زهقت روحه لفقدانه الماء اللازم لحياته، ولكن اللغة تجيز لنا استخدام المجاز وهذا ليس خطأ وليس بغريب على اللغة العربية.

أما ما قلته "الدراسة شرط للنجاح وعدم الدراسة سبب الرسوب أيكون كلامي خطأ أم صحيح ؟" فيجب أن ندرك أن عملية التفكير هي علاقة سببية بين سبب ونتيجة ونعلم من تعريف التفكير أن المعلومات السابقة هي من شروط التفكير، والطالب عندما يجيب عن أسئلة الامتحان فإنه يستخدم المعلومات السابقة التي لها صلة بالموضوع في عملية التفكير فإن لم يدرس فلن تتوفر لديه المعلومات السابقة على المستوى اللازم للإجابة فإن إجابته إما أن تكون ناقصة أو خاطئة إذا لم يربط بالمعلومات المطلوبة والصحيحة. لذلك يكون القول " وعدم الدراسة سبب الرسوب " ليس صحيحا على الحقيقة بل هو صحيح مجازا لأن سبب الرسوب هو الإجابة الخاطئة للسؤال وأحد عوامل الحصول على الإجابة الخاطئة هو نقصان المعلومات السابقة اللازمة للإجابة، ولكن قد يحصل أحيانا أن يجيب من دون دراسة بما لديه من معلومات سابقة أخرى وتكون إجابته صحيحة.

لآحظ أخي أبا محمود أن معظم الإشكالات في التفريق بين السبب والشرط تكون في حالة استوائهما في المعنى، أي في حالة فقدان النتيجة سلبا وهي إما أن تكون لتعطل السبب في ذاته أو لتعطله من غيره لفقدانه ما يلزمه من شروط، أما في حالة الحصول على النتيجة إيجابا فإن التفريق بينهما سهل.

أما قولك "فلما فعله كثير من العلماء الكبار كالشافعي والسرخسي وابن قدامة وغيرهم" فإن اللغة العربية تجيز العدول عن استخدام اللفظ على حقيقته إلى المجاز ولذلك يمكن استخدام اسم السبب بدلا عن الشرط وخصوصا أنهما يشتركان في نصف المعنى إذ أن فقدان أحدهما أو كلاهما يؤدي إلى نفس النتيجة أي عدم إنتاج المسبَّب.

عسى أن يكون ما ذكرته لك أعلاه موضحا للموضوع.

أما بشأن بعض ما ورد في مقالتك فسأقوم بإذن الله بالتعقيب عليها وحقيقة أنا أعجبت عندما قرأتها ببعض ما ورد فيها من أفكار عميقة منها اقترابك كثيرا من التعريف الصحيح لواقع السبب وكذلك تفريقك بين الشروط اللازمة والشروط الكمالية.

ولكم تحياتي
أبو محمود
أخي الفاضل يوسف

جزاك الله خيرا على هذا التوضيح القيم

وأنا الآن مقتنع تماما بما قلت أخي

وأنت الحقيقة أزلت كل الاشكالات التي كانت عندي

ولم يعد هناك ما يحتاج للمناقشة حقيقة

فبارك الله فيك وزادك علما وعملا

وأسأل الله أن يجزل الله لك العطاء ويرفعك درجات علا في جنات النعيم

مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أبو محمد الراشد
موضوع هام وجزاكم الله خيراً ، ومن غير زعل تحية( لكبار كتاب منتدى العقاب)* ، نتابع بشغف وحب ودقة ولا نتبع إلا قوة الدليل الموافق للكتاب والسنة بفهم صحيح .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*: من دون ذكر أسماء .
يوسف الساريسي
السلام عليكم

حضرات الأخوة الكرام وأخص أخي أبا محمود أسعدكم الله جميعا وهنّاكم

أرجو أن يكون دعاؤكم لنا مفتوحة له أبواب السماء وأدعو لكم الله بمثله، عسى الله جل وعلا أن يجعلنا من عباده الصالحين العاملين العالِمين، وأن يفتح الله على أيدينا بأن يمن على هذه الأمة بالنصر والاستخلاف والتمكين لمن أحسن فهم الإسلام وتطبيقه، اللهم آمين.

أود في الحقيقة تجلية موضوع السببية بشكل أتم فيما يتعلق بسؤال أخينا أبي محمود حول استخدام حزب التحرير والشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى لمصطلح "أسباب التملك" في كتابه العظيم النظام الاقتصادي في الإسلام.

ولكن لا بد من مقدمة أولا لهذا الأمر قبل تبيان مسوغات استخدام هذا المصطلح ومدى دقته وانطباقه على واقع مصطلح السببية.

بادئ ذي بدء لا بد من لفت النظر إلى أن استخدام علاقة السببية بربط الأسباب بنتائجها والأخذ بالأسباب بالنسبة للإنسان له ناحيتان:

1- السببية المتعلقة بنظام الوجود وأن السبب ينتج المسبب حتما وهي السببية الفيزيائية.
2- السببية المتعلقة بأفعال الإنسان ودور الدوافع والإرادة والمفاهيم في القيام بالأفعال الإنسانية وفي التطبيق العملي لقاعدة السببية في الحياة يجرى استخدام كلا من الأمرين مع التركيز الأكبر على الناحية الثانية.

والاستعمال الحقيقي لعلاقة السببية يكون في تطبيقين هامين:

1- فهم واقع المشكلات وتفسيرها
2- القيام بالأعمال لتحقيق الأهداف والغايات.

ولذلك أجد أنه لا بد من شرح -ولو مقتضب- للسبب المتعلق بأفعال الإنسان وهو ما أسميه بـ"السبب الإنساني" حتى تكتمل الصورة الذهنية بإذن الله.

يتبع بإذن الله
يوسف الساريسي
السبب الإنساني:

إن المفاهيم في الإنسان هي التي تسير سلوكه أي أفعاله التي يقوم بها لإشباع الطاقة الحيوية. وبما أن السبب يكون في شكل طاقة دافعة مؤثرة تستطيع نقل الشيء وتغييره من حال إلى حال آخر، فإن أفعال الإنسان ينطبق عليها هذا الوصف فهي طاقة دافعة ومؤثرة تستطيع نقل الشيء من حال إلى حال آخر. لذلك تعتبر أفعال الإنسان أسبابا محسوسة تنقل وتغيِّر وضع الأشياء من حال إلى آخر.

وإذا نظرنا إلى الأسباب عند الإنسان أي أفعاله السببية نجدها أسبابا متسلسلة نهايتها الفعل المادي المحسوس. وهذه الأفعال الإنسانية تتولد نتيجة امتزاج بين أمرين هما الطاقة الحيوية والمفاهيم. فالسبب الإنساني بحاجة إلى الطاقة الشعورية الدافعة الناتجة عن الطاقة الحيوية وإلى العقل الذي يحوي المفاهيم التي تقود وتسير هذه الطاقة الحيوية.

والملاحظ أن الفعل الإنساني لا بد أن يتولد وينتج عن وجود إثارة أي طاقة شعورية دافعة للعمل وبدون وجود هذه الطاقة لا يمكن أن يحدث الفعل الإنساني حتى ولو كان ذلك الإنسان من أكبر المفكرين، لأنه لا بد للفعل الإنساني –كسبب- من طاقة لأن جوهر السبب الذي يغير الواقع هو الطاقة السببية والذي يتحكم فيها العقل سواء في توليدها ابتداء كما يحصل في تداعي المعاني أو تلك الطاقة المثارة لوجود الطاقة الحيوية بقسميها الحاجات العضوية والغرائز.

إن الإثارة الحاصلة لدى الإنسان بالنسبة للحاجات العضوية هي في الأساس داخلية ويمكن أن تتولد بفعل مثير خارجي. وهنا لا بد من وقفة فيما يتعلق بالمثيرات الخارجية، حيث أن الإنسان يحس بمثيرات خارجية تنتقل إليه بواسطة حواسه الخمس، وتؤدي إلى إثارة وتحريك الطاقة الحيوية وإيجاد الإحساس أو الشعور الداخلي، وبالتالي تولد الإرادة الدافعة للقيام بالعمل المتعلق بإشباع الحاجة المتولدة نتيجة الإثارة التي أثيرت.

لذلك لا تعتبر هذه المثيرات الخارجية أسبابا دافعة للعمل وان كانت لها علاقة بالأفعال، ذلك أن الإنسان قبل اندفاعه للعمل بعد الإثارة الخارجية فانه لا يندفع بشكل تلقائي غريزي أي رد فعل مباشر إلا بعد صدور أمر إلى الدماغ وإقرار العقل بالإقدام أو بالإحجام أولا ثم نوع العمل الذي يجب على أعضاء الجسم القيام بها تجاه ذلك.

إذن فإن وجود المثير الخارجي لا يعني بالضرورة قيام الإنسان بعمل معين لصالح تلك الإثارة بشكل آلي بل لا بد من صدور الأمر من العقل أولا وبسبب تمتع العقل بالاختيار فإنه بعد الاختيار يكون المسؤول عن الفعل الذي قام به أي أنه هو السبب. أما إذا حصل الأمر بالإكراه فإنه المسؤولية والذنب يرتفع عن الإنسان لقوله عليه السلام: "رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".

فالسبب الإنساني هو ذلك الفعل الذي يقوم به الإنسان للتأثير على شيء معين وتغييره من حال إلى آخر. وهذا الفعل يقرره العقل بما لديه من مفاهيم حول مصلحته من القيام بهذا الفعل أو الإحجام عنه. فلأهمية الاختيار والإرادة يجب أن تعطى للمفاهيم في الإنسان وطريقة العقل في تبني فكرة معينة وتحويلها إلى مفهوم أهمية وتركيز خاصين. وهذا هو المحور الذي يجب التركيز عليه فيما يتعلق بالسببية وعلاقتها بالإنسان.

نعود الآن لتناول استخدام السبب الإنساني في واقع الحياة فنجد أن الحيوانات تتصرف تجاه المثيرات الداخلية أو الخارجية باعتبارها أسبابا مؤثرة في أفعالها السببية في حين أن الإنسان لديه محطة متوسطة بين الأمرين وهي محطة المفاهيم، والتي تعطي الفعل الإنساني بعدا متميزا عن باقي الحيوانات وهو هو بعد العقل وما يتبعه من وجود الاختيار والإرادة.

وهذا البعد في تصرفات الإنسان أي أفعاله السببية هو الذي يعطي معنى جديدا للفعل السببي الإنساني، ويجعل واقع استخدام السبب في العلاقة السببية الإنسانية مختلفا قليلا عن واقع استخدامه في العلاقة السببية الفيزيائية المتصلة بنظام الوجود.

فقد ذكرنا أن للسبب الفيزيائي ثلاث صفات هي: 1) وجود طاقة التأثير، 2) التعاون مع الشروط، 3) حتمية الإنتاج للمسبّب. وفيما يتصل بالسبب الإنساني فإن الصفة الثالثة للسبب الفيزيائي تختلف وتنتقل من الحتمية إلى غلبة الظن لوجود ما يميز الإنسان وهو المحطة المتوسطة بين السبب والمسبَّب ألا وهو العقل.

لذلك تجد جميع أفعال الإنسان ليست أفعالا حتمية الوقوع كما تقرر المادية التاريخية مثلا بل هي ممكنة الحدوث بغالب الظن وفق المفاهيم الضابطة للسلوك الإنساني، وهذه نقطة جوهرية جدا ومنها يبرز تميز الإنسان عما سواه من المخلوقات بالعقل والاختيار والإرادة. لذلك لا يمكننا توقع حصول فعل من الإنسان والتأكد من ذلك بالقطع لأن تصرف الإنسان ليس آليا ولا حتميا لوجود محطة متوسطة دخلت على العلاقة السببية وهي محطة المفاهيم والإرادة، ولذلك لا يوجد حتمية تاريخية بل هناك سنن مجتمعية تضبط سلوك المجتمعات البشرية كحلقة متحكمة في العلاقة السببية الإنسانية يكون للأفعال السببية الأهمية في في ما تعيشه هذه المجتمعات نتيجة أعمالهم السببية.

ولنضرب مثلا على السببية الإنسانية من قوله تعالى في سورة الأنعام: " وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ (108)"، فهنا نلاحظ علاقة سببية بين فعلين هما حدوث سبب إنساني وهو صدور فعل السب من المؤمنين لآلهة الكفار، والنتيجة لهذا الفعل قيام الكفار بسب الذات الإلهية والعياذ بالله. فورد النهي في خطاب الشارع عن سب آلهة الكفار لأن ذلك يمكن أن ينتج عنه بغلبة الظن أو حتى بالظن أن يسب هؤلاء الكفار ذات الله. ومن هنا استنبط الفقهاء قاعدة "الوسيلة إلى الحرام محرمة" والوسيلة هنا هي "السبب" الذي نتكلم عنه.

وقد أخذ بهذه القاعدة حزب التحرير فيما لم يأخذ بقاعدة مآلات الأفعال أو سد الذرائع التي هي أوسع نطاقا لعدم ثبوت الدليل الذي ذكره الفقهاء بشأن هذه القاعدة لدى الحزب. وقد عدل الحزب وغيَّر تبنيه السابق بشأن هذه القاعدة من القول بأن الوسيلة يجب أن توصل إلى الحرام قطعا إلى القول بأن الوسيلة حتى تكون محرمة يجب أن توصل إلى الحرام بغلبة الظن. وهذا هو الراجح، لأنه لا يمكن لأحد أن يحكم بالقطع على فعل إنسان بأنه سيتصرف بشكل معين تجاه مثير سببي محدد، ولكن يمكن توقع حدوث تصرف معين يصدر عن البشر تجاه مثير معين بغلبة الظن لما ذكرناه من دخول محطة المفاهيم والإرادة على العلاقة السببية الإنسانية.

لذلك تجد اللغة العربية تعبر عن السبب الإنساني بوجود علاقة بين أمرين بغلبة الظن بحيث أن اللغة تسمي ما يحصل عقب حدوث فعل معين من نتائج بأنها أسباب ولو لم يكن حصول هذه النتائج قطعيا. ويلاحظ هذا أيضا في القضايا الشرعية. وحتى أنه يكاد يغلب على عقول البشر أنهم يتصورون عدم الحاجة إلى اشتراط القطع في أفعال الإنسان السببية لما هو مشاهد ومحسوس من أفعال الإنسان في الحياة العملية.

يتبع بإذن الله
يوسف الساريسي
وأعود لتناول ما ذكرته أخي أبا محمود في قوله:

إقتباس
"خذ مثالاً على ذلك كلامه رحمه الله عن أسباب التملك، فقد ذكر في كتابه النظام الاقتصادي في الإسلام أنه ثمة أسباباً للتملك وذكر من هذه الأسباب العمل للآخرين بأجر، والمدقق في العمل للآخرين بأجر يرى أن هذا العمل لا ينتج المُسبَّب حتماً وفي كل الحالات، أي أنه لا ينتج التملك حتماً وإنما قد يتخلف وهذا وارد جداً، فقد يأكل المستأجر على الأجير أجره ولا يعطيه شيئاً من أجرته، وبالتالي كان لازماً عند الشيخ أن يكون العمل للآخرين بأجر هو حالة للتملك وليس سبباً له."


فإذا اعتبرنا هنا استخدام مصطلح "أسباب التملك" هي من قبيل السببية الإنسانية وليس من قبيل السببية الفيزيائية المتصلة بنظام الوجود الذي تتحكم فيه القوانين الصارمة القطعية التي لا تتخلف إلا بمعجزة، فإذا كان الأمر كذلك فإن العمل بأجر لآخرين هو من أحد أسباب التملك وهو سبب ينتج المسبَّب بغلبة الظن لأنه سبب إنساني. وكما ذكرت -أخي العزيز- فقد يقرر المستأجِر أكل حق الأجير أي أنه اختار بعقله أن يحرم الأجير من حقه الذي استحقه نتيجة عمله لديه، وهذا هو بالضبط معنى القول بأن السببية الإنسانية تتصف بأنها تنتج المسبَّب بغلبة الظن.

وأرجو بذلك أن تكون هذه القضية المتعلقة باستخدام الحزب والشيخ لمصطلح أسباب التملك قد وضحت أيضا وانجلى بها ما يتصل بالعلاقة السببية الإنسانية التي تقع بغلبة الظن، وما يميزها عن العلاقة السببية الفيزيائية التي هي تتصف بأنها حتمية الوقوع قطعا.

أرجو من الإخوة التعقيب على هذا الكلام لأنه في غاية الأهمية بالنسبة لما نتبنى من أفكار وبالنسبة لي شخصيا على وجه الخصوص، لأنني ما زلت أحاول بلورة الموضوع والوصول في إلى نتائج مثمرة فيه، ولعل الله جل وعلا أن ينفع بذلك أمتنا وننتفع بها كأشخاص أيضا في حياتنا وسلوكنا وفهنا للدين بشكل صحيح. وكذا نستطيع فهم شؤون الحياة وتفسير الظواهر الطبيعية التي نراها أمامنا تبعا لقوانين حتمية، وتمييزها عن ظواهر السلوك الإنساني التي تفسر تبعا لسنن معينة وليس تبعا لقوانين فيزيائية صارمة.

بانتظاركم

والسلام عليكم ورحمة الله
أبو مالك
اعذروا تطفلي مرة أخرى على هذا الموضوع وأرجو أن يوفقني الله بأن آتي بجديد

أنا أفتقد إخوة لهم باع في مثل هذه المواضيع أردت أن أذكر أسماءهم فإذ بالقائمة تطول وإذ بي أخشى أن أسهو عن ذكر اسم منهم فأنسى صاحب فضل وباع، باختصار عهدنا العقاب وأهله ولله الحمد حملة فكر وأصحاب رأي

قال الرازي في تفسيره:

ما ذهب اليه الكرخي وهو أن لفظ النكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد، بدليل أن لفظ النكاح في أصل اللغة عبارة عن الضم، ومعنى الضم حاصل في الوطء لا في العقد، فكان لفظ النكاح حقيقة في الوطء. ثم إن العقد سمي بهذا الاسم لأن العقد لما كان سبباً له أطلق اسم المسبب على السبب، كما أن العقيقة اسم للشعر الذي يكون على رأس الصبي حال ما يولد، ثم تسمى الشاة التي تذبح عند حلق ذلك الشعر عقيقة فكذا ههنا.

وقال:
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ

والسبب فيه أن اليد آلة لأكثر الأعمال لا سيما لدفع المال ولإنفاقه، فأطلقوا اسم السبب على المسبب ، وأسندوا الجود والبخل إلى اليد والبنان والكف والأنامل. فقيل للجواد: فياض الكف مبسوط اليد، وبسط البنان تره الأنامل. ويقال للبخيل: كز الأصابع مقبوض الكف جعد الأنامل.

إطلاق السبب على المسبب استعملته العرب كثيرا

فَالِقُ ٱلاصْبَاحِ
أي مظهر الإصباح إلا أنه لما كان المقتضى لذلك الإظهار هو ذلك الفلق لا جرم ذكر اسم السبب والمراد منه المسبب

ومثله كثير جدا جدا

إذن فلشدة اقتران السبب بالمسبب أطلقت العرب واستعملت كمجاز السبب مكان المسبب

يعني من كثرة ما اقترنت النتيجة بالأمر الذي حصلت بسببه استعملوا السبب الذي أنتجها مكان استعمالها هي

قال تعالى : تشابهت قلوبهم
ثم لما كان من شأن المتشابهين عجز الإنسان عن التمييز بينهما سمي كل ما لا يهتدي الإنسان إليه بالمتشابه، إطلاقاً لاسم السبب على المسبب ، ونظيره المشكل سمي بذلك ، لأنه أشكل، أي دخل في شكل غيره فأشبهه وشابهه،

ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ

وإطلاق اسم الفتنة على العذاب جائز، وذلك من باب إطلاق اسم السبب على المسبب

وهكذا في عشرات المواضع

دعونا نستعرض ما الذي قاله القرآن عن الموت، مقترنا ليس بالموت على الكفر أو الايمان أو ما شابه بل لغايات هذا البحث ننظر في الموت مقترنا بالزمن أو بالمسبب له:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }آل عمران156

وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ الأنبياء 34

{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42

{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }غافر67

{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ }آل عمران145

{إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }لقمان34

{إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ }المؤمنون37

{وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ }الجاثية24

لقد نفى الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الأخيرة أن يكون الدهر سببا للموت، علما بأن كثيرا من الخلائق يموتون بالهرم، وسياق الآية أن الكفار ينكرون أن يحيط بهم أجل يقدره رب العالمين فأجابهم بأنهم يموتون بكتاب مؤجل وأن ظنهم أن الدهر هو من يهلكهم مرديهم، ففي هذه الآية دليل على أن السبب ليس هو الهرم أو الدهر كما أطلقوا عليه من باب إطلاق السبب على المسبب

فهم أطلقوا المسبب: الدهر والهرم على السبب المتصور لديهم ونفى الله ذلك

يتبع إن شاء الله
أبو مالك
أمر آخر

وهو أن السبب ينتج عن مسببه، فالمطر سبب في إنبات الزرع، فيقال أن الذي أنبت الزرع المطر، بإذن الله

وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ }الحج5

{أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ }النمل60

فالله تعالى جعل المطر سببا ، وليس هو السبب الوحيد، لإنبات الزرع

تعالوا نستعرض هذه الآية معا:

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }البقرة258

{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }البقرة259

{وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا }النجم44

{ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ }عبس21

فعل الإماتة لا ينسب إلا إلى الله تعالى

لو كان القتل سببا في حصول الإماتة لجاز أن ننسب إلى القتل أنه الذي قام بالإماتة

لو كان الضرب بالسيف سببا لحصول الإماتة لقلنا أنه هو الذي قام بالإماتة

لو كان النمرود هو من يميت إذ يضرب العنق بالسيف فيطيحها من مكانها لصدق وهو الكاذب في ادعائه أنه هو يحيي ويميت

فكما أن عفوه عن أحد المسجونين المحكومين بالاعدام اعتبره هو إحياء له وقتله الآخر اعتبره هو إماتة له

نفى الله تعالى عنه كلا الأمرين واعتبر أن الإحياء والإماتة من خصوصيات المولى جل وعلا

فيثبت أن الموت لا يحصل بسبب إلا بانتهاء الأجل

إذ لو جاز أن نطلق على الضرب بالسيف أنه سبب للإماتة لجاز أن نطلق على النمرود أنه السبب في الإماتة ولصدق وهو الكذوب

قال في لسان العرب:
وفـي الـحديث: من أَحيا مَواتا فهو أَحق به؛ الـمَوات : الأَرض التـي لـم تُزْرَعْ ولـم تُعْمَرْ، ولا جَرى علـيها مِلكُ أَحد، وإِحْياؤُها مُباشَرةُ عِمارتِها، وتأْثـير شيء فـيها. انتهى

والحق سبحانه قال: ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا

في باب المجاز استعمل الإحياء والقتل ، ولما كان الأمر متعلقا بالعقيدة من هو الذي يحيي ويميت كان الرفض القاطع لأي نسبة للإماتة والإحياء إلا لله تعالى

صحيح أن فعل يموت أسند أحيانا إلى الانسان: ولا تدري نفس بأي أرض تموت، لكننا نتحدث عن الإماتة لا عن الموت

{وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ }الحجر23

{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ }ق43

وفي كل المواضع التي ورد فيها: يحيي ويميت كلها نسبت الفعل إلى الله تعالى

فكونه رفض نسبته إلى النمرود وهو يظن نفسه بقطعه الرقبة تسبب في الموت فهو يميت هذا يعني رفض نسبة الموت إلى ما ظنه هو سببا فيه، وفي الحقيقة ليس بسبب بل السبب انتهاء الأجل.

وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا

وفي مواطن كثيرة نرى أن القرآن ينعى على أولئك الذين يفرون من الموت فيدركهم الموت لأنهم ظنوا أنهم يهربون مما ظنوه أسبابا للموت فأتاهم الموت من غير تلك الأسباب المظنونة

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ }البقرة243

{الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }آل عمران168

{أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ النساء 78

{قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً }الأحزاب16

{قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }الجمعة8

ففي كل هذه الآيات ينبههم أنهم لو فروا مما يظنونه أسبابا للموت فإنهم لن يفروا من السبب الحقيقي والوحيد وهو انتهاء أجلهم حتى لو كانوا في بروج مشيدة

يعني حصنوا أنفسهم في بروج تقيهم كل ما ظنوه سببا للموت فإن الأجل سيخترق هذه البروج المشيدة

والسؤال هنا: كيف نثبت من ذلك أن تلم التي ظنوها أسبابا ليست بأسباب، يعني رب قائل يقول، صحيح أنهم إذا لم يموتوا بسبب القتل أو المرض ماتوا بانتهاء الأجل

لكن هذا لا ينفي أن القتل أو المرض سبب للموت

أقول

أولا فرق الحق سبحانه بين الموت والقتل من باب أنه قال لنا:

ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات

فلا يطلق الله سبحانه عليهم أنهم ماتوا في أي موضع من القرآن بل يقال عنهم قتلوا، من هنا قوله تعالى

أفإن مات أو قتل

هذا من حيث ذكره للموت والقتل في تلكم المواضع من القرآن، فهو ليس من باب تعدد الأسباب فأحدها الموت وثانيها القتل

بل من باب إكرام الشهيد وتحقيق وعد الله بأنه

ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون

ثانيا: ما سسبق تقريره من أن الإماتة والإحياء من خصوصيات الله تعالى ولو نسبت إلى السكين أو السيف أو الرصاصة لقلنا الرصاصة تميت والطبيب يحيي

وهنا يحصل الخلل في الفهم

فالطبيب لا يحيي لأن المحيي هو من يرد إلى الحياة من كان ميتا

والمميت من ينهي الحياة من كائن حي أي يقضي على مظاهرها

وهذا هو ما تفضل أخونا يوسف وأسهب في شرحه وأنه هو الله تعالى

يحصل بسبب انتهاء الأجل وحده

أرجو أن أكون وفقت في طرح جديد وأرجو أن لا تبخلوا علي بالنصيحة وإظهار مواطن الضعف والخلل فيما طرحت

والسلام عليكم ورحمة الله
أبو مالك
سؤال يخطر فورا بالبال:

فما بال القاتل يوصف بأنه هو القاتل ويحاسب على أنه القاتل؟

كيف يكون قاتلا، والمميت هو الله؟

نفس الجواب، حجة لنا لا علينا بإذن الله

فالله تفرد بأنه المميت

ولو كان القاتل هو المميت لما تفرد بذلك الحق سبحانه

ومثل ذلك لو تفكرنا ، ما ظن أنه سبب للموت وما هو بسبب ، كقطع الرقبة وإطلاق الرصاصة، بل السبب هو انتهاء الأجل

إذ يتخلف القتل في مواضع عن أن ينتج عنه الموت

فكم من شخص تلقى صدرع عشرات الرصاصات ولم يمت

وكم من محاول قتل غيره وفشل

إذ لم يكن الأجل قد حان

ومن يحاول القتل يحاسب على محاولته ولا ينتظر أن ينتج عن فعلته القتل فعلا

ومن أشار برأي في مسألة قتل حوكم شأنه شأن من باشر الفعل

فهم ليسوا شركاء في الإماتة لكنهم شركاء في الاعتداء على ما حرم الله

ونسبة القتل للقاتل تختلف عن نسبة الإماتة فلم يقل أبدا أنهم هم من يميتونهم

فالموت والإماتة مرتبطة فقط بانتهاء الأجل وبإذن الله

والقتل وما دونه أفعال تتخلف وتتحقق فإن صادفت أجلا منتهيا نفذت

وإلا تخلفت

والله أعلم
أبو الثناء
الأخ الكريم يوسف،

رغم جودة أبحاثك وعمق نظرك إلا أنك ذهبت في تقديري مذهباً بعيداً لما تحدثت عن أسباب التملك.
والذي دعاك إلى ذلك أنك حملت أسباب التملك على وقوعه الفعلي.
بيد أن ذلك ليس هو المقصود. وبيان ذلك:
لقد أراد الكاتب رحمه الله أن يبين أسباب التملك شرعاً بغض النظر عن حصوله تفصيلاً وتحقيقاً.
أي أنه أراد أن يبين كيفية حصول التملك شرعاً ببيان الموصل إليه على جهة التسبب الشرعي وحصره.
فظهر له بالاستقراء أن الشرع اعتبر أسباباً خمسة للتملك لا يعتبر حيازة المال بغيرها تملكاً شرعاً حتى لو اعتبر تملكاً فعلاً.
فالعمل في جنسه يؤدي حتماً إلى حيازة المال وهو سبب شرعي في الوقت نفسه للتملك.
وهذا غير حصول تملك مال معين بعمل معين أو عدم حصوله.
فتدبره يرحمك الله.
يوسف الساريسي
السلام عليكم

لفتة رائعة أخي أبا الثناء! وأشكرك فعلا عليها وعلى استدراكها فقد غابت عن ذهني تماما عند الإجابة.

وأظن أن رأيك فيها أصوب من رأيي، فسياق الكلام في النظام الاقتصادي فعلا يتحدث عن الأسباب الشرعية للتملك وما اعتبره الشرع من أحكام تعلقت بكيفية حيازة ما اسخلفنا فيه من مال الله.

لكني أظن أن ما طرحته سابقا كجواب لسؤال اخينا أبي محمود -صاحب الموضوع- هو الذي جعلني أنظر للموضوع وأجيب من زاوية أخرى لها علاقة بالبحث الفكري في علاقة السببية، وأظن أن الأمرين لا يتنافيان بل يتكاملان. وإن كنت أرى الان أن الأصل أن تكون الإجابة كما أجبت أنت.

وعلى كل حال لو نظرنا للموضوع من زاوية تحقق التملك فعلا في واقع الحياة بسبب العمل وغيره فأرى أن الزاوية الفكرية التي أجبت بها أخينا أبي محمود ما زالت صحيحة وقائمة. أليس كذلك؟ ما رأيك أبا الثناء؟

وأود أن أشير إلى تألق أستاذنا أبي مالك كما عهدناه دائما، فهو يثري الأبحاث الفكرية دائما بآرائه الشرعية السديدة، ندعوا الله له وللجميع بالتوفيق والرشاد، وبزيادة العلم والفقه والفهم، وكذلك بزيادة التقوى والعمل الصالح.

اللهم آمين.

والسلام عليكم ورحمة الله
حامل الدعوة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،
إخواني الكرام ، اعذروني على تطفلي هذا ، (( وأنا في الحقيقة متطفل على منتدى العقاب وعلى عالم الإنتر نت عموما لضيق الإمكانيات )) .
ولكن ...
أحب في عجالة أن أوضح بعض الأمور التي أظنها التبست على بعضكم ، وليت الوقت كان يسمح لي بالتفصيل ،
أقول : إن السبب الوحيد للموت هو انتهاء الأجل لأن به ينطلق ملك الموت منفذا أمر الله بإخراج الروح من الجسد فيكون الموت ......بمعنى ‘ أن الإنسان قد يصاب بالرصاص في قلبه فيموت ... لماذا ... لأن الروح خرجت ، ولم يخرجها توقف القلب إنما إخراج ملك الموت لها ... (( بسبب انتهاء الأجل )) ، وقد يصاب القلب ولا تخرج الروح لأن ملك الموت لم يخرجها .. لأن أجل تنفيذ الأمر لم يحن بعد .
ومن هنا كانت حالات الوفاة هي مجرد حالات يأتي معها الموت عادة ... ونادرا ما يتخلف ، أما حقيقة الموت فهو بإخراج الملك للروح بسبب انتهاء الأجل .
وأما جعل العلماء أسبابا عدة للموت كما ذكرتم من أمثلة ، فهذا من قبيل التجاوز للتسهيل والله أعلم .
أما قول الأخ يوسف الساريسي أن الشيخ رحمه الله تحدث عن أسباب التملك ( مع أنها تتخلف بدليل حرمان صاحب العمل الأجير من أجرته ) فلا أسلم لك أخي أن هذا السبب تخلف بهذا الحرمان ، لأن الأجير قد تملك المال بهذا السبب وحرمانه من حيازته (( أي تمكينه مما يملك )) ليس ملغيا للملكية ، بل يكون صاحب العمل هنا غاصبا لملك غيره .
وتنبه أخي لكلام أبو الثناء ‘ وأجزل له الثناء .
وبارك الله فيكم جميعا . biggrin.gif
يوسف الساريسي
السلام عليكم

أخي يا حامل الدعوة، حياك الله

أشكرك على مساهمتك في الموضوع، وارى أنه لا بد من التنبيه والتمييز هنا بين أمرين:

1- علاقة السببية كواقع فعلي معاش ويحسه الجميع.

2- الأسباب والشروط الشرعية التي هي من أحكام الوضع في أبحاث الحكم الشرعي ومتعلقاته، وهذه تبحث من زاوية الفقه وأصوله، وينظر إليها كضوابط لسلوك الإنسان وبالأخص قبل إقدامه على أفعاله.

وإذا فرقنا بين الأمرين يكون قول أبي الثناء في محله من الزاوية الفقهية وهو الصواب، وإذا نظرنا للقضية من زاوية البحث في الواقع كان ما قلته عن السبب الإنساني هو الصواب والله أعلم.

المهم أن توضع الأمور في نصابها وهذا من مقتضيات الحكمة التي هي ضالتنا كمؤمنين.

ولكم تحياتي
يوسف الساريسي
السلام عليكم

كما وعدت أخانا أبا محمود سابقا، أود أن أعقب على بعض ما ذكره في مقالته. فبعد أن ذكرت بعض الأمور الايجابية حول تعريف السبب والتفريق بين الشروط الأساسية والكمالية، فأود أن أصحح بعض المفاهيم المتعلقة بالسببية والتي وردت في المقالة لأنها هامة جدا في ضبط المسألة فكريا وإيجاد مفاهيم صحيحة منضبطة لها واقع يوضع الإصبع عليه حول الموضوع. ومنها الحتمية والسبب المتسلسل.

إن القول بأن [السبب ينتج المسبب حتما] يعنى أنه لا يتخلف ولا حتى مرة واحدة لأن هذا من مقتضيات القول بالحتمية، فلو تخلف السبب ولو مرة واحدة لانتقض القول بالحتمية، إذ إن الحتمية تستلزم الاضطراد الدائم بدون تخلف. فالسبب ينتِج المسبَّب، والمسبَّب لا ينتُج إلا عن سببه. ولا يجوز نقض هذه المعادلة بتاتا.

تسلسل الأسباب والسبب غير المباشر:

إن معنى تسلسل الأسباب هو انتقال الطاقة السببية من شيء إلى شيء آخر في عدد من الحلقات المتسلسلة بحيث يتحول فيها المسبَّب المنفعل بالطاقة السببية إلى سبب جديد يولد تأثيرا في شيء آخر وهكذا حتى استفراغ الطاقة السببية نهائيا بتحولها إلى طاقة أخرى بشكل كلي. إن تأثير فعالية الطاقة السببية التي يولدها السبب في المسبب لا تعني فناء هذه الطاقة السببية بعد انتهاء فعاليتها عند عودة المسبب إلى وضع الاستقرار من جديد، لأن الطاقة السببية لا تفنى ولكنها إما أن تنتقل من السبب إلى أشياء أخرى أو تتحول إلى أشكال أخرى من الطاقة. إن أية سلسلة سببية لا بد لها من نهاية حتما.

ويمكن أن نضرب مثالا من واقع الحياة الإنسانية على السبب متسلسل الحلقات، ذلك هو التناسل بين البشر. حيث يتولد من النكاح بين الرجل والمرأة الأطفال، الذين يتحولون مع العمر إلى كبار ثم عند البلوغ يتزاوجون ويلدون أطفالا جددا وهكذا لتبقى الحياة البشرية مستمرة عبر التزاوج والإنجاب ولولا هذه السلسلة السببية التي سنها الله تعالى وقدَّرها لانقطعت الحياة الإنسانية على الأرض تماما. وما ولادة نبي الله عيسى عليه السلام إلا آية من آيات الله حيث هي خرق لهذا القانون أو قل السنة المحتومة التي قدرها الله عز وجل في مخلوقاته.

وأود التعقيب على إطلاق أخينا أبي محمود اصطلاح "السبب غير المباشر" والذي يقصد به الحلقات الوسطى من الأسباب بعد السبب الأول وقبل المسبب الأخير، وهذا اصطلاح غير دقيق إذ إن جميع الأشياء التي تكتسب طاقة التأثير والتغيير في زمن معين بواسطة أخد هذه الطاقة من غيرها هي أسباب حقيقية ومباشرة لما يحدث من تأثيرات لاحقة أي للمسبَّبات. ولا يهم أن يكون السبب هو تلك الحلقة الأولى أو الثانية أو الأخيرة فكل ما انطبق عليه واقع السبب فهو سبب.

لذلك كان المخرج من الإقرار بأن سبب الموت الوحيد هو انتهاء الأجل بالقول بأن للموت أسبابا متسلسلة غير مباشرة، ليس بصحيح لا واقعا ولا شرعا، وكان الأسلم والأصح التفريق بين السبب والشروط وبهذا ينتهي الإشكال ولا حاجة لتبرير المسألة بالقول بوجود السبب غير المباشر كجزء من حلقات التسلسل السببي.

وتحياتي لأخي أبي محمود وللجميع كذلك

والسلام عليكم
أبو محمود
وعليكم السلام

أخي الكريم يوسف

جزاك الله خيرا على هذا التوضيح القيم وبارك الله فيك

فنعم بعد تفريقك بين السبب والشرط اتضحت لي المسألة
وتبين لي أيضا خطأ القول بما سميته الأسباب غير المباشرة حيث أنها أسباب مباشرة كما تفضلت حضرتك
وان كان هناك أي تصحيح آخر في مقالتي فأرجو ألا تبخل به علي وعلى رواد المنتدى فالفائدة عامة ان شاء الله

وكما أود أن أشكر أخانا واستاذنا أبو مالك على ما تفضل به من تعليقات

وكما لا أنسى أن أحيي كل من ساهم في هذا الموضوع من الشباب الطيب

ودمتم
.
Invision Power Board © 2001-2012 Invision Power Services, Inc.