المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
الطَّبِيْعَةُ السِّيَاسِيَّةُ لِلإِسْلامِ
منتدى العقاب > الديوان العام > قسم المواضيع المتميزة
أبو مالك
اخترت لكم هذا الموضوع رحم الله من تأمله

فيه عصارة العصارة مما يتعلق بهذاالموضوع


الطَّبِيْعَةُ السِّيَاسِيَّةُ لِلإِسْلامِ
الحلقة الأولى: حول مفهوم السياسة:


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد
فقد مرت الأمة الاسلامية بفترات عصيبة، بعدت فيها عن الفهم الصحيح للكتاب والسنة، وخالط هذا البعد سريانُ أفكار دخيلة في شرايينها، سهر الكافر المستعمر لياليَ وأيامًا يدسُّها للمسلمين من خلال استعماره الثقافي، وهيمنته السياسية، ومن خلال أبواقه من الحكام العملاء وإعلامهم وتعليمهم الفاسد.
وقد أصبح اليوم على ظاهر الكف بالنسبة للمسلمين أن الاسلام دين سياسي، وأن إقصاء السياسة عن الاسلام، وحصر الاسلام في العبادات إنما هو كهنوت مرفوض، وسيرٌ على خطا الغرب العلماني الكافر الذي أقصى الدين عن السياسة وحكَّم العلمانية في كل شؤون الحياة.
فليس من همنا في هذه المقالة أن نبين أن السياسة من صلب الدين، بل إنما نقصد إلى إظهار طبيعة الاسلام السياسية في تناوله للقضايا، كيف لا وعقيدة الاسلام عقيدة سياسية روحية، وحتى ندرك ذلك لا بد من إزالة الغشاوة عن الأذهان في تناولها لموضوع السياسة بتحديد ماهية السياسة أولا.
بَـيْـنَا كنت أصغي لنقاش حول سلسلة من المحاضرات حول التاريخ السياسي للدولة الاسلامية، تقدم مجموعة من الأساتذة الجامعيين باقتراحات لمعد السلسلة، تتعلق بتركيز المحاضرات على السياسة، منطلقين من الفهم المغلوط لطبيعة السياسة، فمن مقترح عليه أن يشطب كلمة السياسة، لنفور الناس منها، وارتباطها بنظرة سلبية إلى أحابيل السياسيين وميكيافيليتهم، ومن ناظر إلى أن الحضارة لها جانب سياسي وإداري واقتصادي واجتماعي فلم الاقتصار على الناحية السياسية، وغير ذلك من فهم سقيم لمصطلح السياسة، ولإسقاط مصطلح السياسة على الواقع.
كذلك الأمر، ونحن نعرّف حزب التحرير على أنه حزب سياسي، يظن البعض أننا نقتصر على ناحية صغيرة من الاسلام ونهمل النواحي الباقية منه، فرب مقترح يقول لم لا يكون حزبا اقتصاديا أو اجتماعيا، أو شاملا لذلك كله ليشمل الاسلام، وغاب عن هؤلاء جميعهم فهم الطبيعة السياسية للاسلام وطبيعة مصطلح السياسة، وإنزاله على الواقع، الأمر الذي دعا وبإلحاح شديد لكتابة هذا الموضوع.

الدين هو السياسة:


جاء في تفسير البحر المحيط لأبي حيان التوحيدي: {إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإسْلَـٰمُۗ } وحكى أهلُ اللغةِ: الدَّين المصدر، والدِّين بالكسر الإسم، والدِّينُ السياسةُ، والدَّيَّانُ السايس. قال ذو الإصبع عنه: ولا أنت دياني فتحزوني، والدِّينُ الحالُ. قال النضر بن شميل: سألت أعرابياً عن شيء، فقال: لو لقيتني على دِينٍ غيرِ هذا لأخبرتُكَ. إ.هـ. ولكم هو طبيعي أن نربط السياسة برعاية الأحوال والشؤون إذن، فإذا علمت أن الحكم الشرعي مرتبط بأفعال مخصوصة في أحوال معينة، تبينت لك طبيعة الاسلام الرعوية، أي السياسية في رعايته للشؤون، فالحكم الشرعي هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد، وأفعالهم هذه إنما يسلكون فيها سلوكا معينا في أحوال معينة، فجاء الشرع ليضبط هذا السلوك بأوامر ونواه، هي ما نسميه الحكم الشرعي، يفرض هذا السلوك أو يحرم ذلك وما إلى ذلك، وهو بذا يسوس الناس بهذه الأوامر والنواه، بل إنه يبين لهم طريقة تنفيذ هذه الأوامر والنواه، فكان المزج ما بين الدين والسياسة، وكان الاسلام في طبيعته سياسيٌّ.
فالعربي إذ يسمي ضبطه لأحواله دينا وسياسة في الوقت نفسه إنما لا يفرق بينهما، ويجعل أي ضبط لأي سلوك سياسة له ودينا في آنٍ، إنما يفهم الطبيعة الصحيحة لمصطلح السياسة.
قال ابن علان الصديقي في دليل الفالحين: وفي «الكشاف» في قوله تعالى: {إنا لـمدينون} (الصافات: 53) أو معناه لـمسوسون أي مربوبون من الدين بمعنى السياسة ومنه حديث «الكيِّس من دان نفسه» إ.هـ. قال بعض المفسرين أن معناها حاسب نفسه، إلا أن المعنى الأدق يتعدى إلى سياسة نفسه كي لا يقع في ما يحاسب عليه، ألا ترى أنه عليه السلام فسره بما بعده بقوله: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والفاجر من يتبع نفسه هواها ويتمنى على الله عز وجل»، فالفاجر يتبع نفسه هواها، والكيس يسوس نفسه وفق أحكام الله ويمنعها هواها.
قال الأزهري في تهذيب اللغة: قال أبو عبيد: قوله: دَانَ نَفْسَه أي أَذَلَّها واستعبدها،... والدِّين لِلَّهِ من هذا إنما هو طاعتُه والتَّعَبُّدُ له. وقد قيل في قوله: الكَيِّسُ من دَان نَفْسَه أي حاسَبها. إ.هـ.
جاء في لسان العرب من معاني الدين: والدين تعني الشريعة والسلطان ومنه قوله تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه[، إ.هـ. على أنه في الآيات التي تناولت الفتنة والقتال حتى يكون الدين كله لله، كان معنى الدين فيها السياسة أي الحكم وفقا لنظام الحكم الاسلامي، وجعل معاريف الاسلام معاريف الفرد والمجتمع، ومنكراته منكرات الفرد والمجتمع ليسوس الجميع شئونهم وفق أحكام الاسلام.
وقال الطبري في تفسير الآية السابقة: وأما الدين الذي ذكره الله في هذا الموضع فهو العبادة والطاعة لله في أمره ونهيه، من ذلك قول الأعشى: هُوَ دَانَ الرِّبابَ إذْ كَرِهُوا الدِّيـ نَ دِرَاكا بغزْوَةٍ وصِيال
يعني بقوله: إذ كرهوا الدين: إذ كرهوا الطاعة وأبوها. إ.هـ. فمصلطح السياسة لغة مرتبط بأن تساس الأمور والشؤون على أساس أوامر ونواه يطاع فيها الآمر الناهي أو القائم على رعاية هذه الشؤون فيما يأمر وينهى، على أن الاسلام لم يترك شاردة ولا واردة إلا ورعاها بأوامره ونواهيه، ووضع تقنينا للحساب والمحاسبة بناء على حسن تطبيقها، في الدنيا والآخرة، وجعل الحاكم مضطلعا بمسؤوليات معينة يقوم من خلالها على حسن تطبيق هذه الأوامر والنواهي، ويرعى حسن تطبيق الفرد والأحزاب لما أمرهم به، والفردَ مسؤولاً عن بعضها، ومسؤولا عن المحاسبة على حسن تطبيقها، وعلى حسن تطبيق الحاكم لما اضطلع به، وكذا الأحزاب، وهكذا، وهكذا تتضح الطبيعة السياسية للاسلام، إذ لم يترك ما لقيصر لقيصر، بل جعل قيصرا، ورعيته والعباد كلهم مخاطبين بالأحكام الشرعية العملية ومسؤولين عن حسن تطبيقها والمحاسبة عليها، وجعل الخروج عليها بنقيضها مؤذنا باستعمال السيف، فمن خرج من الرعية عن الطاعة قيد أنملة خلع ربقة الاسلام من عنقه، ومن خرج عليها مِنْ سلطانٍ آذن نفسه بسيفٍ مسلطٍ على رقبته حتى يؤوب إلى الحق أو يُقتل وتبقى السيادة للشرع يسوس الرعية بأوامر الله ونواهيه، ففي حديث الحارث الأشعري، فيما رواه أحمد: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا آمركم بخمسٍ اللهُ أمرني بهن بالجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله، فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، إلاّ أن يرجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثاء جهنم، قالوا: يا رسول الله وإن صام وإن صلى؟ قال: وإن صام وإن صلى وزعم أنه مسلم، فادعوا المسلمين بأسمائهم بما سماهم الله عزَّ وجلَّ المسلمين المؤمنين عباد الله عزَّ وجلَّ». وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه فيما رواه أحمد «إنه كائن بعدي سلطان فلا تذلوه. فمن أراد أن يذله فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وليس بمقبول منه توبة حتى يسد ثلمته التي ثلم، وليس بفاعل ثم يعود فيكون فيمن يعزه، أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يغلبونا على ثلاث، أن نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، ونعلم الناس السنن».
إن أولئك النفر من المسلمين الذين حرفوا طبيعة الاسلام من سياسية محضة إلى طبيعة وعظ وإرشاد، وأطلقوا على أحكام الاسلام كلمة: تعاليم، وكأنها ما جاءت لتكون قوانين وتشريعات تضبط كل فعل من بني آدم في الحياة، نسوا الناحية العملية في الاسلام وأنه إنما جاء ليطبق أي ليساس الناس بناء عليه، نسوا طبيعته السياسية، وتركوا الأمر لتأثير العظة في النفس فقد تحملها وقد لا تزعها، على أن إغفال تطبيق الاسلام في المجتمع من قبل السلطان الذي به يزع الله ما لا يزع بالقرآن، وإغفال العمل على جعل معارف الاسلام معارف المجتمع، لا يوجد إسلاما في الواقع، فالوعظ والإرشاد إن خليا من مزجهما بالسياسة، لا ينتجان إسلاما يمشي على الأرض، لقد كانت طبيعة الاسلام دوما أنه لا خيار في اتباع أمر الله ورسوله، فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، وفرضٌ على الراعي والرعية المحاسبةُ وإنزالُ العقوبات التي قد تصل إلى القتل إن لم يَسُسِ الاسلامُ الحياةَ.
وأبعد منهم عن فهم طبيعة الاسلام من قلبوه دينا أكاديميا، لا يتنزل على الواقع إلا في أحكام الجهاز البولي والتناسلي، وفقه الحيض والنفاس، فهؤلاء وأولئك قصرت مراكبهم عن فهم طبيعة الاسلام وأنها محض سياسية.

السياسة هي الإيالة:


وقد ورد في الاتقان في علوم القرآن للسيوطي، في معنى التأويل: وقيل من الإيالة وهي السياسة كأن المؤول للكلام ساس الكلام ووضع المعنى فيه موضعه‏.‏ إ.هـ.
وفي إرشاد الفحول للشوكاني: وقال النضر بن شميل: إنه مأخوذ من الإِيالة، وهي السياسة، يقال لفلان علينا إيالة، وفلان آيل علينا، أي: سائس، فكأن المؤوّل بالتأويل كالمتحكم على الكلام المتصرف فيه. إ.هـ.
وجاء في مقاييس اللغة لابن فارس: وَالإيالة السِّياسةُ من هذا الباب، لأن مرجعَ الرّعيةِ إلى راعيها؛ قال الأصمعي: آلَ الرّجلُ رعِيَّتَه يَؤُولُها إذا أحْسَنَ سياستَها، قال الراجز: يَؤولُهَا أَوَّلُ ذي سِياس، وتقول العرب في أمثالها: «أُلْنَا وإيلَ عَلَيْنا» أي سُسْنا وساسَنا غيرُنا. إ.هـ.
ويقال: (أوَّل الحكم إلى أهله) أي أرجعه ورده إليهم. قال الأعشى: أؤول الحكم إلى أهله
والإيَالة السياسة من هذا الباب؛ لأن مرجع الرعية إلى راعيها، ويخلص مما سبق إلى أن المآل أو الإيال يطلق ويراد به: الرد والرجوع، والسياسة وحسنها، وأهل الرجل لأن إليه مآلهم وإليهم مآله، أي رجوعهم ورجوعه، من هنا كان الراعي مسؤولا عن رعيته، والرجل في بيته راع ومسؤول عن رعيته وهكذا، آلت أمور معينة إليه ليصرف شؤون من تحته وفقها، فأصبح راعيا وترتبت على ذلك مسؤوليته عما استرعاه وعمن استرعي فيهم.

الإيالة بها صلاح الشؤون:


وقال ابن منظور في لسان العرب: وآل مالَه يَؤوله إِيالة إِذا أَصلـحه وساسه. والائتيال: الإِصلاح والسياسة؛ وفـي حديث الأَحنف: قد بَلَوْنا فلاناً فلـم نـجد عنده إِيالة للـمُلْك، والإِيالة السِّياسة؛ فلان حَسَن الإِيالة إ.هـ.
السياسة: الرئاسة التي بها القيام على صلاح الشؤون:
وقال ابن منظور في اللسان: وقال ابن سيده: السَّوْسُ الرِّياسَةُ يقال ساسوهم سَوْساً وإِذا رأْسُوه قـيل سَوَّسُوه وأَساسوه، سَاس الأَمرَ سِياسةً قام به ورجلٌ ساسٌ من قومٍ ساسَةٍ، سُوَّاسُ؛ أَنشد ثعلب: سادَةٌ قادةٌ لكلِّ جَمِيعٍ ساسَة للرجال يومَ القِتالِ، سَوَّسَه القومُ جَعَلوه يَسُوسُهم ويقال سُوِّسَ فلانٌ أَمرَ بنـي فلان أَي كُلِّف سِياستهم، قال الـجوهري : سُسْت الرعية سِياسَة، سُوِّسَ الرجلُ أْمور الناس: إِذا مُلِّكَ أَمرَهم؛ وفلان مُـجَرَّبٌ قد ساسَ، سِيسَ علـيه أي أَمَرَ وأُمِرَ عليه وفـي الحديث كان بنو إِسرائيل يَسُوسُهم أَنبياؤهم أَي تتولى أُمورَهم كما يفعل الأُمَراء والوُلاة بالرَّعِيَّة، السِّياسةُ القـيامُ علـى الشيء بما يُصْلِـحه؛ السياسةُ فعلا لسائس يقال هو يَسُوس الدوابَّ إِذا قام عليها وراضَها والوالي يَسُوسُ رَعِيَّتَه. إ.هـ.
العرب تجعل القيام على أغلى ما تملك: سياسته:
وقال الزمخشري في أساس البلاغة: وفلان حسن الإبالة والإبالة أي السياسة والقيام على ماله لأن مال العرب الإبل‏.‏ إ.هـ. وقال ابن دريد في جمهرة اللغة: وسسْستّ القومَ أسوسهم سِياسةً ، وكذلك الدوابّ. إ.هـ.
قال ابن سيده في المخصص في اللغة: ومن أنواع الوِلاية السِّياسة، والإيالة وهي السياسة والإبالة: وهي وِلاية الإبلِ والحِذْقُ لمصلحتِها والعِياسة: وهي السياسة وقالوا العَوْس، إ.هـ.
وقال ابن سعيد الغرناطي في المغرب في ترتيب المعرب: وَيُقَالُ الرَّجُلُ ‏(‏يَسُوسُ‏)‏ الدَّوَابَّ إذَا قَامَ عَلَيْهَا وَرَاضَهَا ‏(‏وَمِنْهُ‏)‏ الْوَالِي يَسُوسُ الرَّعِيَّةَ سِيَاسَةً أَيْ يَلِي أَمْرَهُمْ‏.‏ إ.هـ.
وقال الخليل بن أحمد في العين: و السَّياسة: فعل السائس الذي يسوس الدّوابّ سياسهُ، يقوم عليها ويروضها. والوالي يَسُوس الرَّعيّةَ وأَمْرَهم. إ.هـ
وروى الإمام مسلم في صحيحه: عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: كُنْتُ أَخْدُمُ الزُّبَيْرَ خِدْمَةَ الْبَيْتِ. وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ. وَكُنْتُ أَسُوسُهُ. فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْخِدْمَةِ شَيْءٌ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ سِيَاسَةِ الْفَرَسِ. كُنْتُ أَحْتَشُّ لَهُ وَأَقُومُ عَلَيْهِ وَأَسُوسُهُ. قَالَ ثُمَّ إِنَّهَا أَصَابَتْ خَادِماً. جَاءَ النَّبِيَّ سَبْيٌ فَأَعْطَاهَا خَادِماً. قَالَتْ: كَفَتْنِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ. فَأَلْقَتْ عَنِّي مَؤُنَتَهُ. إ.هـ
من هنا نقول أن تعريف السياسة هو: حسن رعاية شؤون الأمة داخلياً وخارجياً، وتكون من قبل الدولة والأمة، فالدولة هي التي تباشر هذه الرعاية عملياً، والأمة هي التي تحاسب بها الدولة.
يتبع إن شاء الله تعالى
أبو مالك
الطبيعة السياسية للاسلام
الحلقة الثانية: السياسة: الرعاية وفقا لأوامر ونواه
:


الحمد لله وكفى وسلام على رسوله المصطفى
تناولنا في الحلقة الماضية، مفهوم السياسة، من زاوية أن الدين هو السياسة، والعرب لا تفرق بين أن تسمي رعاية الشؤون وفق أوامر ونواه دينا أو سياسة، ومن زاوية أن السياسة هي الإيالة، وبالتالي لا بد أن تؤول الشؤون إلى من يرعاها بحسب نوعها، فمنها ما يرعاه الفرد في بيته ومنها ما يرعاه الحاكم وهكذا، ويترتب عليه مسؤوليته عن رعيته، ومن زاوية أن السياسة بها صلاح الشؤون، فلا بد لكل سلوك من أن يضبط بأفضل نظام ينظمه، ولا بد من القيام على هذا الأمر بما يضمن صلاح وحسن تطبيقه، وقلنا أن السياسة بها صلاح الشؤون، وقلنا أن العرب تربط بين رعاية الرعية وبين السياسة، حتى أنها وضعت لرعاية الإبل مصطلح الإبالة، وتسمي رعاية الخيل سياسة لها، وهكذا كان القيام على الرعية بما يصلح معاشهم سياسة، وتخلل حديثنا هذا الربط بين الرعاية والمحاسبة على حسن الرعاية، فالحاكم يحاسب المحكوم، والمحكوم يحاسب الحاكم، والمسلم ينصح أخاه ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، ويأطرُ على الحق أطراً، وهذا كله يعني أن المجتمعَ مقودٌ لمبدأ يُساسُ على أساسِه، هكذا كانت نظرة الإسلام، وهكذا حمل الإسلام حملا سياسيا وطبق تطبيقا سياسيا، وكانت طريقة الحفاظ على المبدأ سياسية، وبالتالي كانت عقيدته سياسية، واليوم نتناول الموضوع أيضا من زاوية جديدة، وهي أن السياسة لا تكون إلا بالرعاية وفقا لأوامر ونواه، وأنه لا بد للرعية من راع، فنقول وبالله تعالى التوفيق:

قال الفيروزأبادي في القاموس المحيط: وسُسْتُ الرَّعِيَّةَ سِياسَةً: أمرْتُها ونَهَيْتُها. وفلانٌ مُجَرَبٌ قد ساسَ وسِيسَ عليه: أَدَّبَ وأُدِّبَ. إ.هـ، وقال الأزهري في تهذيب اللغة: وقال أبو زيد: عاس فلان مالَه عَوْساً، وساسه سياسة إذا أحسن القيام عليه. وإنه لسائس مالٍ، وعائس مالٍ بمعنى واحد. إ.هـ
وقال الزبيدي في تاج العروس: (سُسْتُ الرَّعِيَّةَ سِيَاسَةً)، بالكَسْرِ: (أَمَرْتُهَا ونَهَيْتُهَا). وساسَ الأَمْرَ سِيَاسَةً: قامَ به. وفي «الصّحاحِ»: أَي أُمِّر وأُمِّرَ عَليه. والسِّيَاسَةُ: القِيامُ على الشيْءِ بما يُصْلِحُه. إ.هـ
وقال أبو السعود العمادي في تفسيره: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِۖ } وقيلَ أُريدَ به العدلُ ليقامَ بهِ السياسةُ ويدفعَ به العُدوانُ. إ.هـ.
وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ:
قال في القاموس المحيط: الأَمْرُ : ضِدُّ النَّهْيِ، وآمَرَه فَأْتَمَرَ، وـ: الحادِثَةُ، ج: أُمورٌ، ومَصْدَرُ أمَرَ علينا، مُثَلَّثَة: إذا وَلِيَ، الإمْرَةُ ، بالكسر. وقولُ الجوهريِّ: مَصْدَرٌ، وهَمٌ. وله عَليَّ أَمْرَةٌ مُطاعةٌ، بالفتح للمَرَّةِ منه، أي: له عَلَيَّ أَمْرَةٌ أُطيعُهُ فيها. والأميرُ : المَلِكُ، وهي بهاءٍ، بَيِّنُ الإمارَةِ، ويفتحُ، ج: أُمَراءُ، والمُؤمَّرُ ، كمُعَظَّمٍ: المُمَلَّكُ، والمُحَدَّدُ، .. وأُولُو الأَمْرِ : الرُّساءُ، والعلماءُ. إ.هـ.
قال ابن عاشور في التحرير والتنوير: وقال الراعي (النميري) يخاطب عبد الملك بن مروان:
أَوَليَّ أمرِ اللَّه إنا مَعشر حُنفاء نسجد بكرة وأصيلاً إ.هـ. وقال في قصيدته:
أوَليَّ أمْرِ اللـهِ إنَّ عَشِيرَتِي أمْسَى سَوَامُهُمُ عِزِينَ فُلُولاَ. انتهى.
مجموع الأوامر والنواهي التي نزلت على الأمة لتسوس حياتها بها، أطلق عليها اسم: الأمر، من باب وجوب الطاعة لها، من هنا أمر الرعية بطاعة أولي الأمر، وقد يكون الأمر بمعنى الحوادث، فأولي الأمر يستبطون الأحكام المتعلقة بالحوادث، ويرعون الشؤون بناء على هذه الأوامر والنواهي، فارتباط كلمة أولي الأمر بالسياسة جد وثيق، وأمتن منه عروة، أن السياسة هذه إنما تكون بإنزل أحكام الله على الوقائع والحوادث، ليسوس الناس حياتهم وفق نظام الاسلام، من هنا كان الارتباط بين الدين أي الشرع والسياسة ارتباطا عضويا لا ينفصم إلا عند من جهل.
وفي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الذي رواه أحمد: ثلاثٌ لا يغلُّ عَلَيْهِنَّ صَدْرُ مُسْلِمٍ: إخلاصُ العَمَلِ لله عَزَّ وَجَلَّ، وَمُناصَحَةُ أولي الأمْرِ، وَلُزُومُ جماعَةِ المُسْلِمِينَ، فإنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ» قال ابن حجر في فتح الباري: قوله: (باب أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ذوي الأمر) كذا لأبي ذر ولغيره ” أولي الأمر منكم ذوي الأمر ” وهو تفسير أبي عبيدة قال ذلك في هذه الآية وزاد: والدليل على ذلك أن واحدها ذو أي واحدُ أولي لأنها لا واحد لها من لفظها. إ.هـ. قال ابن منظور في اللسان: قال ابن سيده: ومن خفـيف هذا الباب أُولو بمعنى ذَوو لا يُفْرد له واحد ولا يتكلـم به إِلا مضافاً، كقولك أُولو بأْس شـديـد وأُولو كرم، كأَن واحده أُل ، والواو للـجمع، أَلا ترى أَنها تكون فـي الرفع واواً فـي النصب والـجر ياء؟ وقوله عز وجل: {و أُولـي { الأَمر منكم}؛ ... وجملة أُولـي الأَمر من الـمسلمين من يقوم بشأْنهم فـي أَمر دينهم وجميع ما أَدّى إِلـى صلاحهم. إ.هـ. وقال الماوردي في الأحكام السلطانية: وفي أولي الأمر تأويلان: أحدهما أنهم الأمراء، وهذا قول ابن عباس رضوان الله عليه. والثاني أنهم العلماء، وهذا قول جابر بن عبد الله والحسن وعطاء؛ وروى أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني ). إ.هـ. قال ابن حجر: ورجح الشافعي الأول ( أي أنهم الحكام) واحتج له بأن قريشا كانوا لا يعرفون الإمارة ولا ينقادون إلى أمير، فأمروا بالطاعة لمن ولي الأمر، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ” من أطاع أميري فقد أطاعني ” متفق عليه، إ.هـ. فترتيب الطاعة لأمرهم الذي يصدر عنهم ينبيك أن الأرجح فيها أنهم الحكام، وإن كان اللفظ جاء على الجمع فقال: وأولي الأمر، ولم يقل وولي الأمر، فإن الأمر يليه الخليفة ومن تحته جهاز حكم لكل فيه اختصاصه من الأمر، ومنهم الولاة على الأمصار لهم الطاعة، والرسول عليه سلام الله حين أرسل حذيفة على سرية أمرهم بطاعته، على أن آيات أخرى تكلمت في أولي الأمر، والراجح أنهم العلماء فيها، ولم تقرنها بالطاعة، كقوله تعالى: {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰۤ أُوْلِى ٱلأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنِبطُونَهُ مِنْهُمْۗ وَلَوْلا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لاتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلا قَلِيلا}.
المهم هنا أن نتأمل في جمعه سبحانه وتعالى للأمر ليضعه في يد ذي الأمر، يحكم بناء عليه، أي بناء على مجموعة الأوامر والنواهي التي نزل بها الوحي، أو يستنبطها أولو الأمر أي العلماء مما نزل به الوحي، ففي كلٍّ جمع الأحكام التي يساس بها الناس، سواء من حيث استنباطها، أو من حيث القيام على تطبيقها، أو من حيث خطورتها على المجتمع وردها إلى من يعلمون استنباطها كأي أمر من الأمن أو الخوف، فقد جمعها في مسمى الأمر، وجعل عليه مسؤولين مختصين لم يترك الأمر بحال فوضى، فالحدود والقصاص والتعزير، وعقد المعاهدات، وإقامة السياسة الداخلية لرعاية الشؤون وفق أحكام الاسلام، وفض النزاعات وإرجاع الحقوق إلى أهلها، والسياسة الخارجية لحمل الدعوة الاسلامية والجهاد، وما إلى ذلك كله وضعه بيد ولي الأمر، ومن ينيبه عنه من ولاة وقضاة وغيرهم، يوجد بوجوده، فبعضه لا يطبق تطبيقا كاملا وبعضه لا يطبق أصلا إن لم يوجد هذا الولي، فالأمر المنوط بهذا الخليفة، إنما يشكل العمود الفقري لقيام الاسلام في الأرض، وما تبقى من الاسلام مما يمكن تطبيقه على مستوى الأفراد، لا يتعدى النزر اليسير من الاسلام، فلا وجود للاسلام في الأرض إلا من خلال دولة تقيم أحكامه وتحمل رسالته وتدافع عن بيضته، دولة يكون الأمر فيها لولي الأمر يطاع ما أقامه فينا، وإن أراد أن يظهر نقيضه حمل السيف في وجهه.
قال ابن سعيد الغرناطي في المغرب في ترتيب المعرب: وَيُقَالُ ‏(‏وَلِيَ ‏)‏ الأَمْرَ ‏(‏وَتَوَلاهُ‏)‏ إذَا فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي بَابِ الشَّهِيدِ لُوا أَخَاكُمْ أَيْ تَوَلَّوْا أَمْرَهُ مَنْ التَّجْهِيزِ ‏(‏وَوَلِيُّ الْيَتِيمِ‏)‏ أَوْ الْقَتِيلِ وَوَالِي الْبَلَدِ أَيْ مَالِكُ أَمْرِهِمَا وَمَصْدَرُهُمَا الْوِلايَةُ بِالْكَسْرِ. إ.هـ.
قال أبو السعود العمادي: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأمْرِ مِنكُمْۖ } وهم أمراءُ الحقِّ وولاةُ العدلِ كالخلفاء الراشدين ومَنْ يقتدي بهم من المهتدين، وأما أمراءُ الجَوْرِ فبمعزل من استحقاق العطفِ على الله تعالى والرسولِ عليه الصلاة والسلام في وجوب الطاعةِ لهم. إ.هـ. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع أميري فقد أطاعني ومن يعص أميري فقد عصاني»، قال البغوي في تفسيره: وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: حقٌ على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويُطيعوا. إ.هـ.
وقال الزمخشري: فإن اختلفتم أنتم وأولوا الأمر منكم في شيء من أمور الدين، فردّوه إلى الله ورسوله، أي: ارجعوا فيه إلى الكتاب والسنة. وكيف تلزم طاعة أمراء الجور وقد جنح الله الأمر بطاعة أولي الأمر بما لا يبقى معه شك، وهو أن أمرهم أولاً بأداء الأمانات وبالعدل في الحكم وأمرهم آخراً بالرجوع إلى الكتاب والسنة فيما أشكل، وأمراء الجور لا يؤدّون أمانة ولا يحكمون بعدل، ولا يردون شيئاً إلى كتاب ولا إلى سنة، إنما يتبعون شهواتهم حيث ذهبت بهم، فهم منسلخون عن صفات الذين هم أولو الأمر عند الله ورسوله، وأحق أسمائهم: اللصوص المتغلبة إ.هـ.
إن أمره سبحانه وتعالى بالرد إلى الله وإلى الرسول في كل شاردة وورادة يعني أن تتنزل الأحكام على الحوادث، من أجل أن تطبق في الواقع، وهذا هو عينه تعريف السياسة، فالسياسة رعاية الشؤون صغيرها وكبيرها، حقيرها وخطيرها وفق الأوامر والنواهي التي نزل بها الوحي، لضمان حسن تطبيق نظام الاسلام في الواقع ليحيا الناس حياة إسلامية، ومرد هذه الأحكام إلى العلماء يستنبطونها، وإلى الدولة تطبقها، فالدولة كيان تنفيذي لمجموعة المفاهيم والمقاييس والقناعات التي تحملها الأمة، وفي الاسلام هذه المفاهيم والمقاييس والقناعات إنما تؤخذ من الوحي، من هنا كان الوحي سائسا لشؤون الناس بالدين الذي نزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم بالحق، ليقوم الناس بالقسط.
يتبع إن شاء الله تعالى
أبو مالك
بسم الله الرحمن الرحيم



الطبيعة السياسية للاسلام
الحلقة الثالثة:ما من عبدٍ يسترعيه اللَّهُ رعِيةً



الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على خير الخلق حبيب الحق محمد وعلى آله الطيبين.
تناولنا في الحلقتين السابقتين زوايا نظرنا منها إلى الارتباط العضوي بين الدين وبين السياسة، وبينا فيها أن للإسلام طبيعة سياسية لا تخفى على متتبع، ولا تحتاج لكبير عناء لتلمس أنها تتغلغل في جنبات هذا الدين.
واليوم نتابع النظر في هذه المسألة لنرى الجانب الرعوي في تطبيق الاسلام في الواقع، وبهذا الجانب ينآى الإسلام عن أن يكون كهنوتيا، وينآى عن أن يكون تعاليم وإرشادات، كيف لا وهو دينٌ عقيدتُه سياسيةٌ روحيةٌ.
روى البخاري رضي الله عنه عن الحسن «أنَّ عُبَيدَ اللَّه بنَ زياد عادَ معقِلَ بن يسار في مرضِهِ الذي مات فيه، فقال له مَعقلٌ: إني مُحدِّثكَ حديثاً سمعتُهُ من رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم، سمعتُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبدٍ يسترعيه اللَّهُ رعِيةً فلم يَحُطها بنصحِهِ لم يَجدْ رائحةَ الجنَّة». قال المناوي في فتح القدير: أي يفوض إليه رعاية رعية وهي بمعنى المرعية بأن ينصبه إلى القيام بمصالحهم ويعطيه زمام أمورهم والراعي الحافظ المؤتمن على ما يليه من الرعاية.
هذا المعنى نجده في أحسن ما يمكن أن يوصف به أمر، لقد وصفه الله تعالى بالأمانة التي يجب على الأمة أن تؤديها إلى أهلها، أي أن تضع خير من يقوم بها في المكان المناسب له، قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً (58) }، وجاء في طبقات ابن سعد أن عميراً بن سعد رضي الله عنه، وهو الذي ولاّه عمر بن الخطاب رضي الله عنه حمص، كان يقول: «ألا إن الإسلام حائط منيع وباب وثيق فحائط الإسلام العدل وبابه الحق، ولا يزال الإسلام منيعاً ما اشتد السلطان، وليس شدة السلطان قتلاً بالسيف ولا ضرباً بالسوط ولكن قضاء بالحق وأخذاً بالعدل» إ.هـ.
وروى البخاري رضي الله عنه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: قال: بَيْنما النبيُّ صلى الله عليه وسلم في مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القومَ، جاءَهُ أعْرابيٌ فقال: مَتى الساعةُ؟ فمضى رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يُحَدِّثُ. فقالَ بعضُ القوم: سَمِعَ ما قال فكرهَ ما قال، وقال بعضهم: بلْ لمْ يَسْمَعْ. حتى إذا قَضى حَدِيثَهُ قال: أَينَ ـ أُراهُ ـ السائلُ عن الساعةِ؟ قال: ها أنا يا رسولَ اللّهِ. قال: «فإذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ فانْتَظِرِ الساعةَ». قال: كيفَ إضاعَتُها؟ قال: «إذا وُسِّدَ الأمرُ إلى غيرِ أهلهِ فانتَظِرِ الساعةَ» فالأمانة في الآية وفي هذا الحديث أن يوسد الأمر إلى أهله، ليساس الناس بما يقيم العدل فيهم، وضياع الأمانة مصيبة وكارثة يكفي للتدليل عليها أن تنظر يمينا وشمالا من حولك لترى نتيجة توسيد الأمر إلى غير أهله.
قال الأمير الصنعاني في سبل السلام: وأخرج مسلم «ما من أمير يلي أمر المسلمين لا يجتهد معهم ولا ينصح لهم إلا لم يدخل معهم الجنة» ورواه الطبراني وزاد: «كنصحه لنفسه»، وأخرج الطبراني بإسناد حسن «ما من إمام ولا والٍ بات ليلَ سوداءٍ غاشاً لرعيته إلا حرّم الله عليه الجنة، وعُرفها يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين عاماً» وأخرج الحاكم وصححه من حديث أبي بكر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من وليَ من أمر المسلمين شيئاً فأمر عليهم أحداً محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنم» إ.هـ.
فكما ترى، فهذه هي أجمل تجلية لطبيعة الإسلام السياسية، إذ تراه يحرص على سد الثغرات التي منها ينفد الفساد إلى سياسة الناس، فهو يقرر أنه لا بد للناس من سراة يحكمونهم ليقيموا الأحكام فيهم ويقيموا العدل والحق، ذلك الذي عليه قامت السموات والأرض، وإذ كانت طبيعة هؤلاء الحكام البشرية قد تنزع بهم لاستغلال المنصب، فقد وضع الاسلام الحواجز الشديدة السميكة بينهم وبين تحقيق ذلك مما سنتناوله إن شاء الله في هذه السلسلة باستفاضة، من محاسبة الرعية للحاكم، ومن إقامة الأحزاب السياسية التي تقوم على الأخذ على يد الحكام إذا ما مالو عن الحق، ومن توعد الحكام بأشد العقاب إذا لم يحيطوا الرعية بالنصح، وما إلى ذلك، وهذا بالضبط هو الذي شكل الفرق بين الاسلام وبين الأنظمة السياسية الأخرى التي قامت على الميكيافيلية التي أساسها أن الغاية تبرر الواسطة، أو التي قامت على مقولة الغربي اكذب واكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس.
لقد قام حاجز هائل بين الناس وبين السياسة نتيجة تطبيق وجهة نظر الغربيين القائمة على الكذب والدجل والحيل والغش والكيد، أو تلك التراكمات من سوء تطبيق السياسة في تاريخنا، ونتيجة لهما ترسخت صورة السياسة على أنها بطش وتنكيل بالخصوم ولهاث وراء سعار الكرسي، وكذب، من هنا أردنا في هذه السلسلة أن نبين للناس كيف ينظر الإسلام إلى السياسة وكيف وضع الضمانات التي تفضي إلى جعلها تطبق بالشكل الصحيح، ليعمل المسلمون الليل والنهار على إيجاد الكيان الذي يضمن وضع الأمور في نصابها ويتعامل مع السياسة على أنها أمانة وأنها رعاية للشؤون.
ومن ناحية أخرى فإن الغرب لا ينظر في سياسته الرعية إلى أن السياسة رعاية للشؤون والمصالح من قبل الدولة، فالدولة في الإسلام ضامنة للحاجات الأساسية من مأكل ومشرب وملبس ومسكن وطب وتعليم، وما شاكل، والحاكم يمثله أفضل تمثيل ما جاء في تاريخ الخلفاء للسيوطي، أن فاطمة زوجة الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز قالت: دخلت يوماً عليه، وهو جالس في مُصلاّه، واضعاً خدّه على يده، ودموعه تسيل على خديه، فقلت: ما لَكَ؟ فقال: ويحك يا فاطمة، قد وليت أمر هذه الأمة ما وليت، فتفكّرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، واليتيم المكسور، والأرملة الوحيدة، والمظلوم المقهور، والغريب الأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير والمال القليل، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد، فعلمت أن ربي عزّ وجل سيسألني عنهم يوم القيامة، وأن خصمي دونهم محمد عليه سلام الله ، فخشيت ألاّ تثبت لي حجة عند خصومته، فرحمت نفسي، فبكيت. إ.هـ.، ومن مزجه صلى الله عليه وسلم للدين بالسياسة، ما أورده الشوكاني في نيل الأوطار: عن جابر قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَتَخَلَّفُ فِي الْمَسِيرِ فَيُزْجِي الضَّعِيفَ وَيُرْدِفُ وَيَدْعُو لَهُمْ» رواه أبو داود، وعن سهل بن معاذ عن أبيه قال: «غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ غَزْوَةَ كَذَا وَكَذَا فَضَيَّقَ النَّاسُ الطَّرِيقَ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مُنَادِياً فَنَادَى: مَنْ ضَيَّقَ مَنْزِلاً أَوْ قَطَعَ طَرِيقاً فَلاَ جِهَادَ لَهُ» رواه أحمد وأبو داود، فهذه هي رعاية الشؤون أي السياسة.
بينما في الغرب تجبى الضرائب المرهقة من الناس مقابل الخدمات التي تؤدى لهم، وفي كثير من بلدانه على المرء أن يدفع التأمينات الكبيرة ليحصل على الخدمات الطبية، وتشكل الدراسة الجامعية عبئا ثقيلا على كواهل الطلاب، ومن لا يعمل ينام في الشارع حتى بلغ المتشردون الذين لا مأوى لهم ملايين كثيرة، الخ، ولسنا نقصد هنا إلى المقارنة، إذ تحتاج لتسويد صفحات كثيرة، ولكنا نبرز فكرة أن الدولة في الاسلام أبرز ما فيها أنها دولة رعوية ترعى الشؤون والمصالح وتكفي الناس حاجاتهم.
وعودا على بدء، فقد كان من حرص الإسلام على حماية الدولة البشرية هذه من أن تتحول لنهب الطامعين في الحكم، فقد اختلفت نظرة الإسلام إلى وظيفة الحاكم عنها عند الغرب الذي يتصارع فيه النخبة من علية القوم ممن برزوا في أحزاب محددة وحازوا على رضا أصحاب المال الكبار ليحكموا بما يضمن بقاء المال متركزا في أيدي النخبة القليلة في المجتمعات الغربية، على العكس من ذلك تماما كانت نظرة الإسلام إلى الحاكم أنه منصب يتحمل صاحبه تبعات جسيمة إن لم يقم بها على خير وجه ألقي في النار على وجهه، وإن حاد عن تطبيق النظام إلى ضده قامت عليه الرعية بالسيف، يقودها أحزاب سياسية وعلماء، وإن فسق وظلم وتجبر حوسب، حتى يعود إلى الحق، فإن لم يأطر المسلمون الحاكم على الحق أطرا استودع منهم ولا خير فيهم.
روى مسلم رضي الله عنه: عَنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ الأَكْبَرِ عَنْ أَبِي ذَر، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ أَلاَ تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَىٰ مَنْكِبِي. ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرَ إنَّكَ ضَعِيفٌ. وَإنَّهَا أَمَانَةٌ. وَإنَّهَا، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ. إلاَّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا». وفي المستدرك على الصحيحين روى الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : «مَنِ اسْتَعْمَلَ رَجُلاً مِنْ عِصابَةٍ وَفي تِلْكَ الْعِصابَةِ مَنْ هُوَ أَرْضى لله مِنْهُ، فَقَدْ خانَ الله وَخانَ رَسولَهُ وَخانَ الْمُؤْمِنينَ». وقال ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى: ودخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبـي سفيان، فقال: السلام عليك أيها الأجير؛ فقالوا: قل السلام عليك أيها الأمير. فقال السلام عليك أيها الأجير؛ فقالوا: قل السلام عليك أيها الأمير. فقال السلام عليك أيها الأجير؛ فقالوا: قل السلام عليك أيها الأمير. فقال السلام عليك أيها الأجير؛ فقال معاوية: دعو أبا مسلم فإنه اعلم بما يقول. فقال: إنما أنت أجير استأجرك رب هذه الغنم لرعايتها؛ فإن أنت هنأت جرباها، وداويت مرضاها، وحبست أولادها على أخراها: وفاك سيدها أجرك، وإن أنت لم تهنأ جرباها ولم تداو مرضاها؛ ولم تحبس أولاها على أخراها عاقبك سيدها. إ.هـ. وجاء في سبل السلام للصنعاني: وعن أَبي هُريرة رضي الله عنهُ قالَ: قالَ رسولُ الله: «من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين» رواهُ أَحمدُ والأربعةُ وصحّحهُ ابنُ خزيمةَ وابن حِبّان. وقالَ رسولُ اللّهِ: «إنّكم ستحرصُون على الإمارة وستكونُ ندامة يوْمَ القيامة، فَنِعْمَ المرضعة وبئستِ الفاطمةُ» رواهُ البخاريُّ. فنعْم المُرضعة) أي في الدنيا (وبئست الفاطمة») أي بعد الخروج منها. إ.هـ.
وقال بدر الدين العيني في عمدة القاري: وقال الطيبي شيخ شيخي في هذا الحديث: إن الراعي ليس مطلوباً لذاته، وإنما أقيم لحفظ ما استرعاه فينبغي أن لا يتصرف إلاَّ بما أذن الشارع فيه، وهو تمثيل ليس في الباب ألطف ولا أجمع ولا أبلغ منه، فإنه أجمل أولاً ثم فصل، وأتى بحرف التنبيه مكرراً، قال: والفاء في قوله: ألا فكلكم جواب شرط محذوف، وختم بما يشبه الفذلكة إشارة إلى استيفاء التفصيل. إ.هـ.
قال الثعالبي في تفسيره: قال ابنُ العَرَبَيِّ في «أحكامه» : هذه الآيةُ (ِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) في أداء الأمَانَةِ، والحكْم بين الناس عامَّة في الوُلاَة والخَلْق؛ لأنَّ كُلَّ مسلمٍ عَالِمٌ، بل كلُّ مسلمٍ حاكمٌ، ووالٍ إ.هـ وروى البخاري عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضي الله عنهما أنهُ سمعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيتهِ فالإمامُ الأعظم الذي على الناس راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجُلُ راعٍ على أهل بيته وهو مسؤولٌ عن رعيتهِ، والمرأة راعيةٌ على أهل بيت زوجها وولدِهِ وهي مسؤولة عنهم، وعبدُ الرجل راعٍ على مال سيدهِ وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ». وفي رواية مسلم وأحمد: فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ. إ.هـ. قال القرطبي في تفسيره: وعن هذا عبّر الحسن في هذه الآية (بقوله: ) يأمرهم وينهاهم. إ.هـ. قال المناوي في فيض القدير: (فالإمام) أي الأعظم أو نائبه في رواية فالأمير (راع) فيمن ولي عليهم يقيم الحدود والأحكام على سنن الشرع ويحفظ الشرائع ويحمي البيضة ويجاهد العدو (وهو مسؤول عن رعيته) هل راعى حقوقهم أو لا إ.هـ.
وهنا تبرز الطبيعة السياسية للإسلام ثانية، فالرجل في بيته يسوسه ليقي نفسه وأهله نارا وقودها الناس والحجارة، ويصدر عن تصرفاته بناء على أوامر الله ونواهيه، وكل مسلم وكل مسلمة راع ومسترعى، راع فيما تحته ويرعاه من هو فوقه فيما جعل فيه الأمر إلى من هو فوقه، فكل مسلم يسوس ويساس، ومسؤول عن رعيته، محاسب عليها، فالإسلام ولا شك دين سياسي.
لقد بين عليه الصلاة والسلام في هذه الأحاديث أهمية النصح للمسلمين كناية عن حسن قيام الحاكم على إيالة رعيته، وضدها الغش لهم، من هنا كان الربط المحكم بين النصح للرعية وبين أن يتحقق بذا قيام الحاكم أو الراعي على حسن سياستهم، روى البخاري رضي الله عنه: عنْ جَرِيرِ بنِ عبدِ اللّهِ قال: بايَعْتُ رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم على إقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والنُصْحِ لِكلِّ مُسْلم. وروى الشيخان عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ : «لله وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ».
فالسياسة ليست فقط واجب الحكام تجاه رعيتهم، بل هي واجب المسلم تجاه أخيه المسلم، ممثلة بالنصح له، وبأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وما إلى ذلك.
هذا مما سنتناوله في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى
صوت الحق
"إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة"

ما شاء الله ، بارك الله بكم
أبو إبراهيم
ما شاء الله
غريب
ورحم الله من كتبه ونقله - من اعمق و أهم ماتحتاج الامة لفهمه والعمل به
العامل لاقامة حدود الله
بارك الله بكاتب هذا الموضوع وبناشرة خير الجزاء
الباحث محمد
............................................... فالسياسة ليست فقط واجب الحكام تجاه رعيتهم، بل هي واجب المسلم تجاه أخيه المسلم، ممثلة بالنصح له، وبأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وما إلى ذلك.
هذا مما سنتناوله في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى .

وانا ما زلنا بالانتظار يا شيخنا الحبيب ، بارك الله فيك وزادك علما وتقوى .
أبو مالك
"فريضة محاسبة الحكام "




أن حكمة الله اقتضت أن ينزل على عباده شريعة من السماء لكي ترتب أمورهم الدنيوية والآخروية , وضمن ذلك في الكتاب والسنة الشريفة , وأمر الناس جميعا , سواء كانوا من الحكام أو المحكومين أن يتحاكموا إلى شرعه .

ولم ينزل سبحانه وتعالى كتابه الكريم ليضعه الناس في موضع غير الذي أنزل من أجله فيتخذونه على اعتباره رقائق وتمائم , أو يستعملونه للتبرك به في البيوت والسيارات والمحلات التجارية . أو للزخرفة والنقوش . أو لقراءته على الأموات وفي الأتراح , أو ما شابه ذلك . فالله سبحانه وتعالى يقول :
المص (1) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ الأعراف.

كما أنه عز وجل أمر الحكام أن يحكموا به فقال جل من قائل :
)وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) (

وأما المسلمون فقد أمرهم بأن يحتكموا في كل شؤون حياتهم إلى شرعه , مما قل أو كثر فقال تعالى في سياق التحذير :
)" فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً " (65) (
كما قال أيضا :

) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً (61)(

وعليه فإن الله قد عدّ الحاكم الذي لا يحكم بالشرع إما أن يكون كافرا أو فاسقا أو ظالما، وتوعده بالحرمان من رائحة الجنة إن غش الرعية في الحكم والرعاية.

كما أنه عدّ المحكومين من رعيته إذا ابتغوا الحكم في غير ما أنزل الله ومالوا إلى حكم الطاغوت أن لا إيمان لهم أو أن إيمانهم في هذه الحالة لا يزيد عن كونه مجرد زعم .

غير أن الشارع ربط مسألة الطاعة للحكام والإنصياع لهم بمقتضى التزامهم هم بأحكام الله ,,, ومنع طاعتهم في حالة عصيانهم لله سبحانه أو في حالة حكم للمسلمين بغير شرع الله : قال عليه الصلاة السلام

مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً
وروى الإمام البخاري ومسلم وأحمد: "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً"

ولمسلم في كتاب الإمارة عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَدَّتِي ‏ ‏تُحَدِّثُ ‏
‏أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ يَقُولُ ‏ "‏وَلَوْ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا"

وفي حديث آخر له في الباب نفسه عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏"عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ"

وللإمام أحمد في مسنده : ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرُو بْنُ زُنَيْبٍ الْعَنْبَرِيُّ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مُعَاذًا ‏ ‏قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَيْنَا‏ أُمَرَاءُ لَا ‏ ‏يَسْتَنُّونَ ‏ ‏بِسُنَّتِكَ وَلَا يَأْخُذُونَ بِأَمْرِكَ فَمَا تَأْمُرُ فِي أَمْرِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا ‏ طَاعَةَ لِمَنْ لَمْ يُطِعْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ"

وهكذا نخلص من هذه النقطة بأن الكتاب أنزل للحكم وأن المسلمين مأمورين بالإحتكام إليه وتجنب حكم الطاغوت وأن طاعتهم لحكامهم واجبة ما لم يحكموهم بغير ما أنزل الله .

وأما النقطة الأخرى التي يجب إثارتها في هذا الصدد هي فريضة محاسبة الحكام وبيان واقعها ومكانها من الفكر الإسلامي:

فعن جرير بن عبد الله قال: «بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم» متفق عليه
ومثله حديث تميم الداري عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "الدين النصيحة، قالها له ثلاثا، قلنا لمن يا رسول الله ؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".
رواه البخاري ومسلم، واللفظ له.

ولنا في بيعة العقبة الثانية مثال على العهد الذي أعطي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقد بايعه المسلمون وأعطوه العهد على قول الحق فقد قالوا في نص البيعة ما نصه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثره علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله إلاّ أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم)، رواه البخاري ومسلم

فهذه البيعة التي أعطيت للرسول - عليه السلام – تعد ميثاقا بينه وبين من بايعوه بصفته حاكما، وفيها نص يبين الحكم الشرعي المتعلق بذمة المسلمين ألا وهو قولهم للحق أينما كانوا لا يخافون في الله لومة لائم.

ومن الأحاديث الأخرى التي رويت في هذا المجال ما رواه مسلم في كتاب الإمارة ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏"سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ ‏ ‏عَرَفَ ‏ ‏بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ, قَالُوا أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ قَالَ لَا مَا صَلَّوْا "

وشرحه النووي رحمه الله في شرحه لصحيح الإمام مسلم فقال: ‏وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَمَنْ عَرَفَ فَقَدْ بَرِئَ ) وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا : ( فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ ) فَأَمَّا رِوَايَة مَنْ رَوَى ( فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ ) فَظَاهِرَة ،وَمَعْنَاهُ : مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ الْمُنْكَر فَقَدْ بَرِئَ مِنْ إِثْمه وَعُقُوبَته ، وَهَذَا فِي حَقّ مَنْ لَا يَسْتَطِيع إِنْكَاره بِيَدِهِ لَا لِسَانه فَلْيَكْرَهْهُ بِقَلْبِهِ ، وَلْيَبْرَأْ . ‏‏وَأَمَّا مَنْ رَوَى ) فَمَنْ عَرَفَ فَقَدْ بَرِئَ ) فَمَعْنَاهُ - وَاَللَّه أَعْلَم - فَمَنْ عَرَفَ الْمُنْكَر وَلَمْ يَشْتَبِه عَلَيْهِ ; فَقَدْ صَارَتْ لَهُ طَرِيق إِلَى الْبَرَاءَة مِنْ إِثْمه وَعُقُوبَته بِأَنْ يُغَيِّرهُ بِيَدَيْهِ أَوْ بِلِسَانِهِ ، فَإِنْ
عَجَزَ فَلْيَكْرَهْهُ بِقَلْبِهِ ‏‏وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ ) مَعْنَاهُ : لَكِنَّ الْإِثْم وَالْعُقُوبَة عَلَى مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ . ‏‏وَفِيهِ : دَلِيل عَلَى أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ إِزَالَة الْمُنْكَر لَا يَأْثَم بِمُجَرَّدِ السُّكُوت. بَلْ إِنَّمَا يَأْثَم بِالرِّضَى بِهِ ، أَوْ بِأَلَّا يَكْرَههُ بِقَلْبِهِ أَوْ بِالْمُتَابَعَةِ عَلَيْهِ . ‏‏وَأَمَّا قَوْله : ( أَفَلَا نُقَاتِلهُمْ ؟ قَالَ : لَا ، مَا صَلَّوْا ) فَفِيهِ مَعْنَى مَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَجُوز الْخُرُوج عَلَى الْخُلَفَاء بِمُجَرَّدِ الظُّلْم أَوْ الْفِسْق مَا لَمْ يُغَيِّرُوا شَيْئًا مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام. إ.هـ


فبالرغم من أن محاسبة الحكام وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر داخلة في آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , فإن نصوص أخرى جاءت صريحة تأمر بمحاسبة الحكام.

فعن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر».
وعن أبي أمامة قال: «عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل عند الجمرة الأولى فقال: يا رسول الله أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه، فلما رمى الجمرة الثانية سأله، فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة ووضع رجله في الغرز ليركب قال: أين السائل؟ فقال: أنا يا رسول الله، قال: «كلمة حق تقال عند سلطان جائر»

فهذا نص في الحاكم ووجوب قول الحق عنده، ووجوب محاسبته، وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلمعلى مكافحة الحكام الظلمة مهما حصل في سبيل ذلك من أذى , وحتى إن أدى ذلك إلى مقاتلتهم .
فقد رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله»

وهذا من أبلغ الصيغ في التعبير عن الحث على تحمل الأذى حتى الموت في سبيل محاسبة الحكام، ومكافحتهم إذا ظلموا .

فقد عد رسول الله صلى الله عليه وسلم محاسبة الحكام وقول كلمة الحق لديهم أفضل الجهاد، واعتبر عليه الصلاة والسلام أن من يقتل لقول كلمة الحق فإنه في مرتبة سيد الشهداء حمزة رضي الله عنه، وهذا يبين لنا مكانة محاسبة الحكام من الفكر الإسلامي.

فمحاسبة الحاكم إذنً فرض على المسلمين، ولا يجوز أن توجد في ذلك أدنى شبهة بعد الأدلة القطعية آنفة الذكر، من القرآن والسنة المتواترة، التي يكفر منكرها. فالمحاسبة واجبة قطعاً ولو أدى ذلك إلى القتال، لأن الإسلام دعا إلى حمل السلاح دفاعاً عن سيادة الشرع في الحياة السياسية، أي لمنع ظهور الكفر البواح، وتحول الدار إلى دار كفر. فجهاد الحكام الظلمة ليكفوا عن ظلمهم واجب، بل إن "أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر" لأن الجور ظلم حرمه الشرع، وكل حرام يزال، ولا يسكت عنه، خصوصاً إذا كان هذا الحرام هو إظهار الكفر البواح، باستبدال الشريعة الإسلامية بغيرها من شرائع الكفر، والحكم بغير ما أنزل الله تعالى، وتولي الكفار وقتال المسلمين تحت رايتهم، أي راية الكفر , كما فعل ويفعل حكام المسلمين اليوم،

كما أن محاسبة الحكام جزء من فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , أفرد لها الشارع بابا وخصها بعناية خاصة لخطورة شأنها:

فرب العالمين سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أمرا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وجعلا رأس ذلك في أمر الحاكم بالمعروف ونهيه عن المنكر والتغيير عليه في أحوال معينة , كما أن الشارع جعل ذلك من قضايا المسلمين المصيرية التي يتخذ حيالها إجراء الحياة أو الممات قال تعالى:
)" ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون "(

ففي الآية بيان الإيجاب , أي أنه فرض ، فقوله تعالى )" ولتكن "( أمر ،، وظاهر الأمر الإيجاب , وفيها كذلك بيان أن الفلاح منوط بالإتيان بهذا الأمر إذ حصر وقال: )" وأولئك هم المفلحون "( وفيها أيضا أنه فرض كفاية لا فرض عين وأنه إذا قامت به أمة أو جماعة سقط الحرج عن الآخرين . غير أن الفلاح يختص به القائمون به والمباشرون له , فإن تقاعس عنه الخلق أجمعون وقعدوا عن الإتيان به , عم الحرج كافة القادرين عليه لا محالة.

وقال تعالى:
)" لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون "(

وهذا غاية في التشديد إذ علل استحقاقهم للعنة بتركهم النهي عن المنكر . وقال عز وجل :
) " فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون "(

فبين أنهم بنهيهم عن السوء أنجاهم الله تعالى وأخذ من لم يفعل فعلهم بعذاب بئيس

روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال في خطبة خطبها:

أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية وتؤولونها على خلاف تأويلها

)" يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم "( وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ما من قوم عملوا بالمعاصي وفيهم من يقدر أن ينكر عليهم فلم يفعل إلا يوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده "

على أن رأس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو محاسبة الحكام،، فالمعاصي لا تفعل في قوم يزعهم سلطانهم بوازع الإسلام،، وإنما يتمرد أهل الباطل بباطلهم لما يروا سكوت السلطان عليهم وعدم أخذه على أيديهم بالقوة:

سئل ابن مسعود رضي الله عنه عن تفسير هذه الآية فقال: إن هذا ليس زمانها إنها اليوم مقبولة ولكن قد أوشك أن يأتي زمانها تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا وتقولون فلا يقبل منكم فحينئذ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم .

وهذا يعني بوضوح أنك لا تلجأ إلى ذلك إلا بعد أن تستفرغ وسعك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،، على أن الهداية لا تمتدح إلا إذا احتفت بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما سبق وبينا من ربطه سبحانه وتعالى لهذا الفرض الخطير بصفات الإيمان وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وما إلى ذلك.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعوا خياركم فلا يستجاب لهم "

معناه تسقط مهابتهم من أعين الأشرار فلا يخافونهم،، وهذه أول عواقب نكوص الأمة عن أداء واجب محاسبة السلطان، إذ يتسلط شرار الخلق على المسلمين يسومونهم سوء العذاب يسرقون أموالهم وما من رادع،، يستخفون القوم فيطيعونهم ولا ينكرون عليهم وهذه سنة الله التي خلت فيمن كان قبلنا،، فقد قال عز من قائل في شأن فرعون:

)فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ (54)(
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم، فإذا عصيتموهم قتلوكم، وإن أطعتموهم أضلوكم". قالوا: يا رسول الله، كيف نصنع؟ قال: "كما صنع أصحاب عيسى بن مريم، نُشّروا بالمناشير، وحمّلوا على الخُشب، لموت في طاعة الله خير من حياة في معصية الله".

هذا هو الذي يُـتصور من خير أمة أخرجت للناس، أن لا تسكت على ضيم الظالم وظلمه، وأن تهب لتردعه حتى ولو نشرت بالمناشير وحملت على الخشب وصُـلّـبت ومٌـزّقت كل ممزق لا يثنيها شيء عن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتغيير على الظالم حتى تردعه.

قال النبي صلى الله عليه وسلم " إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه" (صحيح الترمذي)

فهذا الأمر إذن يترتب عن تركه عقوبات جسام، وعذاب عام من الله يعم الجميع ، حتى وإن دعوا الله ليكشفه عنهم لا يستجاب لهم:

عن عدي بن عميرة أنّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الخاصّة والعامّة". (أخرجه أحمد)

وعن جرير بن عبد الله رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه، ولا يغيرون، إلاّ أصابهم الله منه بعقاب قبل أن يموتوا". رواه أبو داود، ورواه ابن ماجة، وابن حبان في صحيحه،

ففي الإسلام إذن فرض ومسئولية عامة لا يجوز للمسلم أن يهملها، فمن رأى منكرا ففرض عين عليه أن يغيره بيده إن استطاع فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وليس بعد ذلك حبة خردل من إيمان!!

وهذا يرشدك إلى أنه على قدر الإيمان وقوته يكون العزم على التغيير وإنكار المنكر، فكلما خبت جذوة الإيمان في النفوس , كلما تمادت في التذرع بما لا يعينها على تغيير المنكر فتنتقل إلى المرحلة التي تلي ثم التي تلي حتى يوازي فعلها في إنكار المنكر فعل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان

فالمؤمن القوي بإيمانه يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه،، وما أخطأه لم يكن ليصيبه،، وأن الأقلام قد رفعت وأن الصحف قد جفت , ويعلم أن قول الحق فرض عليه لا يؤخر رزقا ولا يقدم أجلا , ويعلم أن الله تعالى أحق أن يخشاه،، فتصغر الخلائق في نظره حتى لا تساوي بعوضة , فعلام إذن يعطي الدنية في دينه؟؟

فالقضية إذن مرتبطة بالإيمان ارتباطا وثيقا،، وتتناسب معه قوة وضعفا!!
أبو مالك
حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ أَنْبَأَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
لَا يَحْقِرَنَّ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ أَنْ يَرَى أَمْرًا لِلَّهِ عَلَيْهِ فِيهِ مَقَالًا ثُمَّ لَا يَقُولُهُ فَيَقُولُ اللَّهُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَ فِيهِ فَيَقُولُ رَبِّ خَشِيتُ النَّاسَ فَيَقُولُ وَأَنَا أَحَقُّ أَنْ يُخْشَى

حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ هَانِئٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ أَنْ قَدْ حَفَزَهُ شَيْءٌ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ خَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا فَدَنَوْتُ مِنْ الْحُجُرَاتِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَدْعُونِي فَلَا أُجِيبُكُمْ وَتَسْأَلُونِي فَلَا أُعْطِيكُمْ وَتَسْتَنْصِرُونِي فَلَا أَنْصُرُكُمْ


وقال ابن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" ما بعث الله عز وجل نبياً إلا وله حوارى فيمكث النبي بين أظهرهم ما شاء الله تعالى يعمل فيهم بكتاب الله وبأمره حتى إذا قبض الله نبيه مكث الحواريون يعملون بكتاب الله وبأمره وبسنة نبيهم فإذا انقرضوا كان من بعدهم قوم يركبون رؤوس المنابر يقولون ما يعرفون ويعملون ما ينكرون فإذا رأيتم ذلك فحق على كل مؤمن جهادهم بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وليس وراء ذلك إسلاماً ".

ثم تأملوا معي وانظروا في قوله عليه السلام:
كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم يلعنكم كما لعنهم‏.‏

وهذا من أساليب العرب في الخطاب التي تنبيك عن جليل , عليك أن تلقي له سمعك وأنت شهيد:

هنا " كلا " وما فيها من زجر ونفي، ثم يقسم عليه الصلاة والسلام بالله، فيقول: كلا والله
لتأمرن بالمعروف وما فيها من أساليب التوكيد بعد القسم
ولتنهونّ عن المنكر , وهنا يستعمل نون التوكيد الثقيلة لما في الأمر من خطورة وحاجة إلى التوكيد , ولتأخذن على يد الظالم , أي لتردعن الحاكم الظالم ردعا يأطره على الحق أطرا
شاء ذلك أم أبى , ولو تكلفتم في سبيل ذلك ما تكلفتم , وإلا فالعقوبة الشديدة تحيق بكم: ضرب للقلوب حتى تبغض بعضها بعضا.


و مجتمع تسوده البغضاء والكراهية والمكر السيئ لا خير فيه ولا في وجوده .

ثم إن الأمرّ من ذلك ما ختم به الرسول الكريم حديثه : ثم يلعنكم كما لعنهم

نعم إلى هذه الدرجة تصل خطورة عدم محاسبة الحاكم وردعه وأطره على الحق.

وعن النعمان بن بشير رضى الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء، مروا على من فوقهم، فقالوا: لو إنا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا". رواه البخاري والترمذي واحمد والطبراني .

فمجموع هذه الأدلة تبين خطورة التراخي في أداء هذه الفريضة على المجتمع قبل الفرد، ومصير الأمة مرتهن بها أي بمحاسبة الحكام.


أيها الاخوة الأكارم
أيتها ألأخوات الفاضلات:

إن الله سبحانه عندما وصف خيرية هذه الأمة في آية جامعة مانعة
بين سبحانه أن هذه الخيرية إنما تكون بقيامها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال عز من قائل:
)كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110)(

وبحسب ما سارت عليه العرب في لغتها من تقديم الأهم على المهم أو أن تجعل في التقديم والتأخير ما يدفع السامع أو المتلقي إلى أن يتفكر علام قدم وأخر؟
نرى هنا أن الله سبحانه قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الايمان بالله
فما السر وراء هذا التقديم؟

إن الآية متعلقة بخيرية هذه الأمة، وأن الإيمان ليس بوسام شرف نضعه على صدر كل من ادعاه، وإنما يوضع على صدر مستحقه, ممن عمل بمقتضاه، أي أنه أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فينتج عن ذلك المجتمع الرباني المطبق لشرع الله .

ثم إن واقع المجتمع لا يحتمل التقاعس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو التخلي عن محاسبة الحكام الذين بيدهم مقاليد السلطة والذين يزع الله بهم ما لا يزع بالقرآن، فوجود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الحافظ للإيمان وهو الدرع الواقي الذي يحول بين المسلمين و الجاهلية.

إلا أن للدخول على السلطان ونصحه وقول الحق لديه , لشأنا عظيما في الدين , وقد يكون كذلك منزلقا لمن لا يحسن القول والفعل أولا يرجو بذلك الفعل وجه الله خالصا مخلصا له.

فالرسول عليه السلام يحذر من هذا المنزلق، ويحذر المرء في حضرة السلطان أن يقول غير ما يرضي الله تعالى

عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن ناساً من أمتي سيتفقهون في الدين، ويقرؤون القرآن ، يقولون نأتي الأمراء، فنصيب من دنياهم، ونعتزلهم بديننا، ولا يكون ذلك! كما لا يجتنى من القتاد إلاّ الشوك، كذلك لا يجتني من قربهم إلاّ… " قال ابن الصباح: كانه يعني: الخطايا. رواه ابن ماجه ورواته ثقات.

ومفهوم هذا الحديث أن من دخل على الأمير فلا يكونن في دخوله أي رغبة في الدنيا وإنما أن يكون في الله ولله.

عن أبي قبيل قال خطبنا معاوية في يوم جمعة فقال: إنّما المال مالنا والفيء فيئنا من شئنا أعطيناه، ومن شئنا منعناه. فلم يرد عليه أحد، فلما كانت الجمعة الثالثة فقام إليه رجل ممن شهد المسجد فقال: كلا بل المال مالنا، والفيء فيئنا، من حال بيننا وبينه حاكمناه بأسيافنا، فلما صلى أمر بالرجل فأدخل عليه، فأجلسه معه على السرير، ثم أذن للناس فدخلوا عليه ثم قال: أيها الناس إني تكلمت في أول جمعة، فلم يرد علي أحد، وفي الثاني فلم يرد علي أحد، فلما كانت الثالثة أحياني هذا أحياه الله ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول :" سيأتي قوم يتكلمون فلا يرد عليهم، يتقاحمون في النار تقاحم القردة " فخشيت أن يجعلني الله منهم، فلما رد هذا علي أحياني أحياه الله ، ورجوت أن لا يجعلني الله منهم.

كما جاء في ذلك آثار كثيرة عن الخلفاء الراشدين وبقية الصحابة منها:

خطبة أبي بكر، رضي الله عنه، عند توليه الخلافة ,فقد اشتهرت هذه الخطبة في كتب التواريخ، والأدب، والفقه. بحيث صارت شهرتها، وتلقي الأمة لها بالقبول تغني عن دراسة اسانيدها. فمن ذلك ما أخرجه ابن سعد في طبقاته قال : أخبرنا عبيد بن موسى، قال: أخبرنا هشام بن عروة، قال: قال عبيد الله ، أظنه عن أبيه، قال: لما ولي أبو بكر خطب الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد، أيها الناس: قد وليت عليكم، ولست بخيركم، ولكن نزل القرآن، وسن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، …) إلى أن قال: (أيها الناس: إنّما أنا متبع، ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوموني). وفي رواية أخرى لابن سعد، قال: أخبرنا وهب بن جرير، قال: أخبرنا أبي، قال: سمعت الحسن (أي البصري) يقول: لما بويع أبو بكر قام خطيباً، وذكر بعض خطبته إلى أن قال: (.. فإذا رأيتموني استقمت، فاتبعوني، وإن رأيتموني زغت فقوموني.)

وأخرج الحافظ ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق في ترجمة بشير بن سعد ـ رضى الله عنه ـ من عدة طرق يقوي بعضها بعضاً, أثراً عن عمر بن الخطاب، منها التالي: عن ابن شهاب، حدثني محمد بن النعمان أن النعمان بن بشير أخبره: "أن عمر بن الخطاب قال في مجلس، وحوله المهاجرون والأنصار: أرأيتم لو ترخصت في بعض الأمور ما كنتم فاعلين؟ فقال ذلك مرتين، أو ثلاثاً: أرأيتم لو ترخصت في بعض الأمور ما كنتم فاعلين؟ فقال بشير بن سعد: لو فعلت ذلك قومناك تقويم القدح. فقال عمر: أنتم إذاً أنتم".

فما أردت أن أشير إليه هنا هو الاشتغال بمحاسبة الحكام , وأن ترك ذلك له أثر على واقع الأمة وعلى علاقة الحاكم بالمحكومين :

فمن الملاحظ في هذه الأيام أن الأمة منفصلة انفصالاً تاماً عن الدولة، أي عن الحكام وأن العلاقة بين جمهرة الناس والحكام علاقة بين فئتين متباينتين لا علاقة بين رعايا ودولة، وفضلاً عن ذلك فإن هذه العلاقة فوق كونها علاقة بين فئتين متباينتين هي علاقة كراهية وتضادد وتناقض ليس فيها أي تقارب ولا ما يشعر بإمكانية وجود تقارب في المستقبل، وهذا هو الذي يضعف كيان الأمة ويضعف الدولة، فأية دولة هذه التي يكيد حاكمها لشعبه ويبغض الشعب الحاكم, ويراه كابوسا جاثما على صدره ؟

فالرعية بدون وجود راع منها تكون واهية البنيان، والدولة بدون وجود رعية تقف صفاً واحداً خلفها تكون واهية الوجود يمكن إزالتها بأقل جهد، وتكون عرضة للاستعانة بأعداء الأمة، وهذا هو الواقع الملموس المحسوس في حياة المسلمين اليوم.

إن هذا الانفصال بين الأمة والدولة كان طبيعياً , يوم كانت الدولة الكافرة تحكم البلاد مباشرة، يوم كان الانتداب البريطاني والفرنسي هو المهيمن على البلاد، ولكن بعد أن أزيل سلطان الإنجليز رسمياً وأصبح حكام البلاد يباشرون الحكم, وهم مسلمون ومن أبناء الأمة ، فإنه لم يعد هناك مبرر لبقاء هذا الانفصال، وكان يجب أن تتحول العلاقات بين جمهرة الناس وبين الدولة إلى علاقة رعية وراع، وإلى التحام بين الراعي والرعية. غير أن واقع هذا الانفصال قد بقي ولا يزال باقياً، وظل الحكام فئة والأمة فئة أخرى، وظلت إحدى الفئتين مضادة للأخرى، الأمة تنظر إلى الحكام بأنهم أعداؤها كما كانت تنظر للإنجليز والفرنسيين , بل ربما شعرت بظلمهم أكثر من ظلم المحتل الكافر، والحكام ينظرون إلى الأمة بأنها تتآمر عليهم وتود أن تفتك بهم وأنها عدوة لهم، فهم يكيدون لها وهي تكيد لهم، وهذا ما يجعل الأمة في حالة يأس من أن تتقدم خطوة واحدة نحو العزة والرفاهية، ويجعل تفكير الحكام محصوراً بما يبقيهم على كراسي الحكم ولو بالاستعانة بالأجنبي، ويجعلهم لا يفكرون برفع الأمة إلاّ نفاقاً وبأساليب تبعد الأمة عن الرقي، وتجعلها دائماً في حالة ضعف حتى يظلوا مسيطرين عليها.
إن هذه الحالة من الانفصال بين الأمة والدولة هي نتيجة حتمية لعدم قيام الأمة بما فرضه الله عليها من محاسبة الحكام، وعدم شعورها بأنها هي مصدر السلطان، فلو كانت تشعر بأنها مصدر السلطان وتقوم بما فرضه الله عليها من محاسبة الحكام، لما تولاها حاكم خائن عدو لها، ولما كان بينها وبين الحكام هذا الانفصال ولما كانت في هذا الضعف، و هذا التفكك، و التأخر، ولما ظلت تحت نفوذ الكفار فعلاً وإن كان الذي يحكمها حكماً مباشراً هو من أبناءها. لذلك كان لا بد للامة حتى تكون كياناً واحداً هي والحكام , وفي فئة واحدة هي والدولة , كان لا بد لها أن تقوم بواجب محاسبة الحكام، وأن تقول كلمة الحق في وجه الحكام، وأن تعمل بقوة وبجد للتغيير على الحكام أو تغييرهم، وما لم تبادر إلى ذلك فإنها ولا شك ستظل تنحدر بسرعة إلى أن تشرف على الفناء.

إن الإسلام جعل محاسبة الحكام فرضاً على المسلمين، وأمرهم بقول الحق أينما كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم.

فكفاح الحكام على الظلم الذي نراه منهم اليوم، ومحاسبتهم على أعمالهم ، وعلى خياناتهم وتآمرهم على الأمة فرض فرضه الله علينا يا معشر المسلمين.

والقيام بهذا الفرض هو الذي يزيل الفواصل الموجودة بين الأمة والحكام. وهو الذي يجعل الأمة والحكام كلهم فئة واحدة وكتلة واحدة، وهو الذي يضمن التغيير على الحكام، ويضمن كذلك تغييرهم إن لم يكن التغيير عليهم. وهو أول طريق النهضة، فالنهضة لا يمكن أن تتأتى إلاّ عن طريق الحكم حين يقام على عقيدة الإسلام، ولا سبيل إلى ذلك إلاّ بإيجاد الحكم على العقيدة الإسلامية، وإيجاد الحكم على هذا الأساس، لا سبيل إليه إلاّ بكفاح الحكام الظلمة وبمحاسبتهم .

وقد يتذرع البعض بذرائع يمتنع معها عن محاسبة الحكام

ولتذليل هذه العقبات ولرد هذه الذرائع

نقول أن الرادع الأعظم والوازع الأهم هو الإيمان بالله وإدراك المعنى الحقيقي للحياة الدنيا

روى عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أيها الناس مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا الله فلا يستجيب لكم، وقبل أن تستغفروه فلا يغفر لكم، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يدفع رزقاً ولا يقرب أجلاً، وإن الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لعنهم الله على لسان أنبيائهم، ثم عموا بالبلاء". رواه الاصبهاني.

وروى عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تزال لا إله إلاّ الله تنفع من قالها، وترد عنهم العذاب والنقمة ما لم يستخفوا بحقها، قالوا: يا رسول الله وما الاستخفاف بحقها؟ قال: يظهر العمل بمعاصي الله، فلا ينكر ولا يغير". رواه الأصبهاني أيضاً.

وعن أبي ذر رضى الله عنه قال : أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بخصال من الخير: "أوصاني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأوصاني أن أقول الحق وإن كان مراً" رواه ابن حبان ـ مختصراً ـ في صحيحه.

وعن عُرس بن عميرة الكندي رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها وكرهها"، وفي رواية: "فأنكرها"، "كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها". رواه أبو داود، والبيهقي عن أبي هريرة بمثله.

وعن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الإسلام أن تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتسليمك على أهلك، فمن انتقص شيئاً منهن فهو سهم من الإسلام يدعه، ومن تركهن فقد ولى الإسلام ظهره" رواه الحاكم.

ومثله، وهو شاهد لمعناه، حديث حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم : "الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، والصوم سهم، وحج البيت سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، والجهاد في سبيل الله سهم، وقد خاب من لاسهم له". رواه البزار.

وعن عائشة رضى الله عنها قالت: دخل علىّ النبي صلى الله عليه وسلم فعرفت في وجهه أن قد حضره شئ فتوضأ، وما كلّم أحدا، فلصقت بالحجرة استمع ما يقول، فقعد على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: " يا أيها الناس، إن الله يقول لكم: مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل ان تدعوا فلا أجيب لكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم، فما زاد عليهن حتّى نزل". رواه ابن ماجة وابن حبان في صحيحه، كلاهما من رواية عاصم بن عمر بن عثمان، عن عروة عنهما، كما أخرجه الديلمي في مسند الفردوس والبيهقي في السنن الكبرى عنهما، وكذلك البزار والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة بلفظ : "لتأمرن بالمعروف ولتنهوا عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعوا أخياركم ولا يستجاب لهم".

فإلى محاسبة الحكام وإلى إحياء فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ندعوكم أيها المسلمون


)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25)(
أم ناصر
إقتباس(غريب @ Dec 7 2006, 06:50 PM)
ورحم الله من كتبه ونقله - من اعمق و أهم ماتحتاج الامة لفهمه والعمل به
*


اللهم آمين
أم ناصر
إقتباس(أبو مالك @ Dec 6 2006, 12:04 AM)
  فمن مقترح عليه أن يشطب كلمة السياسة، لنفور الناس منها، وارتباطها بنظرة سلبية إلى أحابيل السياسيين و 
ميكيافيليتهم

 


هل من توضيح للعبارة الملونة بالأحمر في الفقرة المقتسبة ؟؟ بارك الله بكم
أبو حمزة
الميكيافيلية : تُقال لمن كانت عندهم الغاية تبرر الوسيلة
أم ناصر
كلمة طيبة ذات صلة بالموضوع بعنوان ـ نظرات في السياسة الشرعية ـ

لأحد الأخوة الأفاضل الأستاذ " أبو عبد الحليم محمد الفزاز " فك الله أسره

http://www.dailymotion.com/visited/tag/mus...islamicpolitics

( لم أعقب عليها لأنني لم أكمل بعد مشاهدتها )

جزاكم الله عنا خيرا شيخنا القدير أبا مالك وحفظكم ورعاكم
أبو مالك
الطَّبيْعَـةُ السِّياسِـيَّـةُ للإِسْـلامِ
الحلقة الرابعة: الدين النصيحة:
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدي رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
انتهينا في الحلقة الماضية إلى أن كل مسلم راع ومسؤول عن رعيته يسوسها وفق أحكام الإسلام، ويسوس نفسه أيضا يجنبها ما يوبقها، فالكيِّسُ من دان نفسه، أي يسوس نفسه وفقا لما يرضي الله ملتزماً أوامره، منتهيا عن نواهيه، فلا يكون بذا ممن أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، وقلنا أن السياسة ليست فقط علاقة الحاكم بالمحكوم، ومسؤولية الحاكم عن حسن رعاية شؤون المحكوم، بل هي علاقة متبادلة، مصداقا لقول الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: الدين النصيحة، دعونا نعيش لحظات في ظلال هذا الحديث الذي بلغ فيه الحبيب صلى الله عليه وسلم من جوامع الكلم ما بلغ، فهذا نبي الله نوح عليه سلام الله يلخص رسالته بخطوط عريضة: { أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} الأعراف: ٦٢،
فما هي النصيحة؟ جاء في اللسان: ونصَح الشيءُ نَصْحًا ونُصُوْحًا خلص ونصَح الثوب خاطهُ. والعمل أخلصهُ. والعسل صفَّاهُ؛ النَصِيْحَة مصدر أو اسم وهي في اللغة بمعنى الإخلاص والتصفية وفي الشرع إخلاص الرأْي من الغش للمنصوح وإيثار مصلحتهِ، وفي التعريفات النصيحة هي الدعاءُ إلى ما فيهِ الصلاح والنهي عمَّا فيهِ الفساد. انتهى، وفي نجعة الرائد: يُقَالُ: نَصَحْتُ لِفُلان، ونَاصَحْتُهُ، وَبَذَلْتُ لَهُ نُصْحِي، وَنَصِيحَتِي، وَأَخْلَصْتُ لَهُ النُّصْح، ومَحَضْتُهُ النُّصْحَ، وَصَدَقْتُهُ الرَّأْيَ، وَالْمَشُورَةَ، وَبَالَغْتُ لَهُ فِي النَّصِيحَةِ، وَاجْتَهَدْتُ لَهُ فِي الْمَشُورَةِ، وَلَمْ أَدَّخِرْ عَنْهُ نُصْحًا، وَلَمْ آلُهُ نُصْحًا، وَلَمْ أَطْوِ عَنْهُ نُصْحًا، وَقَدْ تَحَرَّيْتُ لَهُ وُجُوه النُصْح، وَتَوَخَّيْتُ لَهُ مَنَاهِج الرُّشْد، وَبَصَّرْتُهُ مَوَاقِع رُشْده، وَعَوَاقِب أَمْرِهِ، وَمَا أَرَدْتُ لَهُ إِلا الْخَيْرَ، وَمَا ارْتَأَيْتُ لَهُ إِلا رَأْيَ الصَّوَابِ وَيُقَالُ فِي خِلافِ ذَلِكَ : قَدْ غَشَّنِي فُلان، وَغَرَّنِي، وَخَدَعَنِي، وَمَكَرَ بِي، وَمَحَلَ بِي، وَدَلَّسَ عَلَيَّ الرَّأْي، وأَوْطَأَنِي عُشْوَةً، وَأَرْكَبَنِي غُرُورًا، وَدَلانِي بِغُرُور، وَمَوَّهَ عَلَيَّ الْبَاطِل، وَشَبَّهَ عَلَيَّ وُجُوهَ الرُّشْدِ، وَلَبَّسَ عَلَيَّ صُوَر السَّدَادِ، وَأَشَارَ عَلَيَّ مَشُورَة سَوْء، وأَوْرَطَني شَرّ مُوَرَّط، وَقَدْ اِسْتَخَفَّنِي عَنْ رَأْيِي، وَاسْتَفَزَّنِي عَنْ عَزْمِي، وَأَفَكَنِي عَنْ رَأْيِ الصَّوَابِ، وَعَدَلَ بِي عَنْ جَادَّةِ الْحَزْمِ، وَاسْتَزَلَّنِي عَنْ مَحَجَّة الرُّشْد. انتهى
في تعريف اللسان، يكون لسان حال الناصح حال المجتهد الذي عليه أن يصفي نصيحته وإرشاده لجادة الحق، من كل شائبة، يخلصها ليبتعد بمن ينصح له عن موارد الفساد، أي عما نهاه الله تعالى عنه، ويدعوه ليأخذ بيده إلى أمر الله الذي فيه صلاحه وصلاح أحواله، وفي تعريفات نجعة الرائد، نلمس الآلية التي أولَتْها العربُ لوصف حال الناصح، فهو يجتهد ويبذل خلاصة رأيه ومشورته لمن ينصحه، متحريا الحق، باحثا عنه ليأخذ بيد من ينصح له إلى الرشد، ونقيضه إما من لا يعبأ بالنصيحة، فلا ينصح للمسلمين، وهو بذا يخالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة، أو أنه يخدع ويغش من ائتمنه الشرع على النصح له، فيغش بذا اللهَ ورسولَه والمؤمنين، وهذا سيدنا نوح عليه السلام يصف لنا ربنا تبارك وتعالى حاله وهو ينصح لقومه: قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا (٥)فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا (٦)وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧)ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨)ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩) نوح: ٥ – ٩،
فالدين إذن النصيحة، لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ التوبة: ٩١،
وفي الحديث: الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله: قال لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، فكيف سيكون النصح لله؟ ولكتاب الله، ولرسوله؟ قال ابن عاشور في التحرير والتنوير: أي الإخلاص في العمل لهما. انتهى، إذن فالدين الذي يدين نفسه الكيس به، هو النصيحة لله أي العمل وفقا لأوامر الله، واتخاذ هذه الأوامر أساسا لدعوة الآخرين إلى حملها والعمل الخالص بمقتضاها، والانتهاء عن نواهي الله تعالى، والعمل على زجر الآخرين من تعدي حدود الله والاقتراب من محرماته، ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ الحج: ٣٢، قال المناوي في فيض القدير: الدين النصيحة: أي عماده وقوامه النصيحة على وزان الحج عرفة فبولغ في النصيحة حتى جعل الدين كله إياها وبقية الحديث كما في صحيح مسلم قالوا: لمن يا رسول اللّه قال: للّه وكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم قال بعضهم: هذا الحديث ربع الإسلام أي أحد أحاديث أربعة يدور عليها وقال النووي: بل المدار عليه وحده. انتهى، فهذا وحديث: إنما الأعمال بالنيات، وحديث: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، وحديث: الحلال بين والحرام بين، هي مدار الإسلام، قال الصنعاني في سبل السلام: هذا الحديث جليل. قال العلماء: إنه أحد الأحاديث الأربعة التي يدور عليها الإسلام، وقال النووي: ليس الأمر كما قالوه بل عليه مدار الإسلام قال الخطابي: النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له. ومعنى الإخبار عن الدين بها أن عماد الدين وقوامه النصيحة. قال الصنعاني: والنصيحة لأئمة المسلمين: إعانتهم على الحق وطاعتهم فيه وأمرهم به وتذكيرهم لحوائج العباد ونصحهم في الرفق والعدل. قال الخطابي: ومن النصيحة لهم الصلاة خلفهم والجهاد معهم. وتعدّد أسباب الخير في كل من هذه الأقسام لا تنحصر. قيل: وإذا أريد بأئمة المسلمين: العلماء؛ فنصحهم بقبول أقوالهم وتعظيم حقهم والاقتداء بهم، ويحتمل أنه يحمل الحديث عليهما فهو حقيقة فيهما.
والنصيحة لعامة المسلمين: بإرشادهم إلى مصالحهم في دنياهم وأخراهم وكف الأذى عنهم وتعليمهم ما جهلوه وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ونحو ذلك. والكلام على كل قسم يحتمل الإطالة وفي هذا كفاية. وقد بسطنا الكلام عليه في شرح الجامع الصغير.
قال ابن بطال: والنصيحة فرض كفاية يجزىء فيها من قام بها وتسقط عن الباقين، والنصيحة لازمة على قدر الطاقة البشرية إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ويطاع أمره وأمن على نفسه المكروه، فإن خشي أذى فهو في سعة، والله أعلم.
وهنا يأتي الربط المحكم بين الدين وبين السياسة، فالمطلوب إذن أن يتحقق في المسلم سياسته لنفسه ولمن حوله وفقا للكتاب والسنة، عاملا بهما داعيا إليهما آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر كل من حوله، من حاكم وعالم وعامي، فإذا فعل المسلمون ذلك، صلحت أحوالهم، بل إن الأمر أخطر بكثير من هذا، فمن قعد عن النصيحة، حاله حال من يرضى أن ينقص الدين، وأن يُعمل بخلاف أمر الله تعالى، فالمسلم أمين الله على نفسه، وعلى كتابه، أخذ عليه المواثيق أن يعمل به، وأن يأمر بأمره بين الناس، وينهاهم عن مخالفته، أمين على أمر رسوله، الذي أوذي في سبيل تبليغه أشد الأذى، وأمين على كتاب الله، أن لا يتخذه ظهريا، وأمين على الأمة، يعلم أنه إن قصر في النصح لهم، أو لأئمتهم، وبلغ المنكر منهم مبلغه، وتردت الأمة في دركات الانحطاط نتيجة بعدها عن دينها، فإن لم يستفرغ وسعه للنصح، ناله من الإثم ما يوازي ما لحق بالإسلام والمسلمين من مصائب، وهذا الشافعي رضي الله عنه يصف لنا جانبا مشابها لهذا وصفا بليغا، نقله عنه ابن بطة رضي الله عنه، في الإبانة الكبرى، قال: "ثم أنت أمين الله على نفسك, فهو المطلع على سرك, فاعلم رحمك الله أن أصل الدين النصيحة, وليس المسلمون إلى شيء من وجوه النصيحة أفقر ولا أحوج, ولا هي لبعضهم على بعض أفرض ولا ألزم من النصيحة في تعليم العلم الذي هو قوام الدين وبه أديت الفرائض إلى رب العالمين. فالذي يلزم المسلمين في مجالسهم ومناظراتهم في أبواب الفقه والأحكام تصحيح النية بالنصيحة, واستعمال الإنصاف والعدل ومراد الحق الذي به قامت السماوات والأرض, فمن النصيحة أن تكون تحب صواب مناظرك, ويسوؤك خطأه, كما تحب الصواب من نفسك, ويسوؤك الخطأ منها, فإنك إن لم تكن هكذا كنت غاشا لأخيك, ولجماعة المسلمين, وكنت محبا أن يخطأ في دين الله وأن يكذب عليه, ولا يصيب الحق في الدين ولا يصدق, فإذا كانت نيتك أن يسرك صواب مناظرك ويسوءك خطأه فأصاب وأخطأت لم يسؤك الصواب, ولم تدفع ما أنت تحبه بل سرك ذلك, وتتلقاه بالقبول والسرور والشكر لله عز وجل حين وفق صاحبك لما كنت تحب أن تسمعه منه, فإن أخطأ ساءك ذلك, وجعلت همتك التلطف لتزيله عنه, لأنك رجل من أهل العلم يلزمك النصيحة للمسلمين بقول الحق, فإن كان عندك بذلته وأحببت قبوله, وإن كان عند غيرك قبلته, ومن دلك عليه شكرت له, فإذا كان هذا أصلك, وهذه دعواك, فأين تذهب عما أنت له طالب, وعلى جمعه حريص, ولكنك والله يا أخي تأبى الحق, وتنكره إذا سبقك مناظرك إليه, وتحتال لإفساد صوابه, وتصويب خطئك, وتغتاله وتلقي عليه التغاليظ وتظهر التشنيع, ولا سيما إن كان في عينك وعند أهل مجلسك أنه أقل علما منك, فذاك الذي تجحد صوابه, وتكذب حقه, ولعل الأنفة تحملك إذا هو احتج عليك بشيء خالف قولك, فقال لك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم, قلت: لم يقله رسول الله, فجحدت الحق الذي تعلمه, ورددت السنة, فإن كان مما لا يمكنك إنكاره أدخلت على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم علة تغير بها معناه, وصرفت الحديث إلى غير وجهه, فإرادتك أن يخطأ صاحبك خطأ منك, واغتمامك بصوابه غش فيك, وسوء نية في المسلمين. فاعلم يا أخي أن من كره الصواب من غيره ونصر الخطأ من نفسه لم يؤمن عليه أن يسلبه الله ما علمه, وينسيه ما ذكره, بل يخاف عليه أن يسلبه الله إيمانه, لأن الحق من رسول الله إليك افترض عليك طاعته, فمن سمع الحق فأنكره بعد علمه له فهو من المتكبرين على الله, ومن نصر الخطأ فهو من حزب الشيطان, فإن قلت أنت الصواب وأنكره خصمك ورده عليك كان ذلك أعظم لأنفتك, وأشد لغيظك وحنقك وتشنيعك وإذاعتك, وكل ذلك مخالف للعلم, ولا موافق للحق» . انتهى
فكون الدين النصيحة، يعني أن العقيدة الإسلامية، عقيدة سياسية، عملية، تسوس حياة الناس بأحكام الشرع، وتعمل على تحقق ذلك عمليا، من خلال آلية تحميل المسلمين مسؤولية النصح والتناصح، والتواصي بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا يجعل المجتمع كله حارسا أمينا على الأحكام الشرعية، فيجعل الدين سائسا لحياة الناس، ويجعل الناس حراسا على كافة الأصعدة: على صعيد أنفسهم وأهليهم، ومجتمعهم، ودولتهم: الدين النصيحة: لله ولرسوله ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم، فهي مسؤولية شاملة تفضي إلى المزج الطبيعي والقوي بين السياسة وبين كل شأن من شؤون الحياة، على أساس مقياس الحلال والحرام مقياسا يتحمل الجميع مسؤولية منع تعدي حدوده، يبذلون النصيحة، ويخلصونها ويمحضونها، ويجتهدون في أدائها ليرشدوا أنفسهم وأئمتهم وعامتهم إلى مواضع الرشد، ويجنبونهم مزالق الشيطان.
هذا المزج العظيم بين الأحكام الشرعية وبين السياسة، يرتفع بالأمة للمكانة اللائقة بها، وتحقن في عروق الأمة جرعة قوة تميزها عن غيرها من الأمم التي إن غاب وازع القانون انتهكه أغلب الناس لغياب وازع التقوى ووازع محاسبة الرعية بعضها بعضا عند تجاوز ما نظموا حياتهم وفقا له.
وعليه، فلا بد للمسلمين اليوم من أن يجعلوا: الدين النصيحة مسيرا لهم في حياتهم سائسا لها، ولعلنا ننتبه هنا إلى نقطة مهمة: فالنصيحة، مرحلة سابقة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرحلة سابقة لمرحلة تغيير المنكر باليد أو باللسان أو بالقلب، وهذا كله جزء من عملية المحاسبة، فهذه الآلية الدقيقة التي تتعامل مع الأحكام على كافة مستويات وجودها بما يتناسب معها، فإن كانت في طور يُحتاج معه إلى النصح كانت النصيحة، وإن كانت في مرحلة لاحقة احتيج معها إلى أمر ونهي، وبعد ذلك مرحلة تغيير باليد، وهنالك مرحلة أطر الحكام على الحق أطرا وقد تصل إلى الخروج عليهم بالسيف، كل هذا لضمان بقاء أحكام الإسلام سائس حياة المسلمين، هذا ما سنتناوله بالشرح في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.
أبو الحسين الشهيد
في الانتظار بشوق





يعرف الرجال في الحق...و لا يعرف الحق في الرجال
الباحث محمد
طال الانتظار
ابو ايوب

ليس هناك اضافات للموضوع وبارك الله باستاذنا ابي مالك ونفعنا الله بعلمه



الطبيعة السياسية للاسلام
.
Invision Power Board © 2001-2012 Invision Power Services, Inc.