المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
عندما يتكلم القلم: سلسلة مقالات للشيخ أبي الحارث
منتدى العقاب > الديوان العام > قسم المواضيع المتميزة
1, 2
أبو الحارث التميمي
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمدا يليق بعظمته، والصلاة والسلام على خير قائد لأمته، سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وعلى عترته، وعلى كل صحابته، الذين تفردوا باتباعه والسير على طريقته، وعلى كل من اتبعه والتزم بسنته إلى يوم يبعثون.

وبعد،

فهذه سلسلة مقالات أخص بها منتدى العقاب الذي لو تجسد بشخص لاعتبرته من خاصة أهلي وأقرب أقربائي لما أحب فيه من الجدية والالتزام والتطلع إلى نهضة الأمة الإسلامية إلى ما أراد الله لها من العزة والكرامة والوحدة.

وهي محاولة إن تيسرت مضيت فيها قدما وإلا توقفت، والله من وراء القصد.

المقال الأول: الثياب والعقل

قديما قيل: دخل علينا بثيابه وخرج بعقله، فالمرء يحكم على من يراه بشكل طبيعي من خلال ما يراه فيه من ملبس وهيئة وضخامة جسم أو ضآلته، ولكنه سرعان ما يحسن الحكم عليه إن تكلم فيعرف أفكاره ويعرف آراءه، فالحكم الابتدائي على الشخص من خلال هيئته وملبسه شيئ والحكم النهائي عليه من خلال أفكاره شيئ آخر.

كان أحد العلماء من العميان وكان يدرس تلاميذه فقال له أحد تلاميذه يوما: يا شيخ أنا أدرس عندك ولكنك لا تناقشني ولا تسألني، فرد العالم الأعمى قائلا: لم تتكلم لأراك. هكذا كان يرى الناس بعينيه العمياوين من خلال كلامهم أي من خلال أفكارهم.

والناس كلما انحط بهم التفكير وكلما فقدوا معايير الأفكار فإنهم ينجذبون إلى الأشكال والهيئات فيخدعون بها، كما ينخدع النصراني الذي يذهب إلى الكنيسية بالبناء والطقوس والترانيم فيحيا لحظات روحانية تضفي على قناعاته تركيزا ورسوخا وما هو إلا وهم الهيئة.

قل لي ما هي أفكارك أقل لك من أنت.

والذي يجعل الإنسان يحسن الحكم على الأشخاص ليس ما يحمله الأشخاص من أفكار وما يقومون به من سلوك، بل ما يحمله هو من معايير يحكم من خلالها على الأفكار والآراء والأحكام فيعرف صحيحها من سقيمها وبالتالي يحسن الحكم على من يعتنقها ويقول بها.

لأن الإنسان إذا فقد المعايير ولم يكن عنده ما يفرق به بين الفكر الصحيح والفكر الفاسد فإن حكمه على من يتكلم سيكون من منطلق حديث المتكلم إن أعجب بمنطقه أو لامس مصلحة عنده قبله، وإلا فلا.

أما إذا كان الإنسان يملك قاعدة للتفكير يزن بها كل فكرة وكل رأي فإنه لن يتأثر بمنطق المتكلم ولا بهيئته ولا بملامسة ما يقوله للواقع، فيرفضه إن لم يتوافق مع قاعدة تفكيره وهو مطمئن النفس لأن قاعدته ثابتة لا شك فيها.

كان والدي رحمه الله تعالى من عامة المسلمين، وكان الإسلام عنده هو قاعدة تفكيره، قال لي يوما (وكثيرا ما رددها) : أتعجب من هذا النصراني الذي خدم البشر باختراعاته وأعماله ولكنه يموت على الكفر، وأتعجب من هذا البوذي الذي قدم للبشر ما لم يقدمه غيره ولكنه يعبد تمثالا وكم تمنيت أن يموتا هما وأمثالهما على الإسلام ليدخلا الجنة. وكنت أرد عليه بالقول أن تفكير هذا الإنسان لم يثر عنده هذه الناحية، فهو يفكر تفكيرا علميا وإن فكر بالعقل فإن تفكيره يكون عميقا ولا علاقة له بالاستنارة ولذلك فإنه يقدم للبشر أعلى الخدمات العلمية ولكنه يبخس نفسه بعدم إنقاذها من النار.

هذه النظرة التي توفرت لوالدي رحمه الله ولغيره من المسلمين أوجدت عنده حدا لا يتجاوزه في الحكم على الناس فهو وإن أعجب بهذا النصراني أو ذاك البوذي إلا أن إعجابه به ممزوج حتما بالتحسر عليه، والتحسر في حد ذاته يحمل الوعي على نمط تفكير النصراني والبوذي وبالتالي لم يحصل التأثر بالهيئة ولا باللباس ولا حتى بما قدمه للبشرية.

ولذلك لا يمكن لوالدي أن يظن أن للنصرانية علاقة بنهضة الغرب، كما لا يمكن له أن يظن أن نهضتهم أو نهضة غيرهم صحيحة، لأنه بمجرد تفكيره أن هذا الغربي خسر آخرته وإن قدم في الدنيا أعمالا جليلة فإن هذا كان كافيا لحمايته من الانبهار بالأشكال والهيئات والخدمات، فنجا من السقوط في التبعية لهم. وكان هذا كافيا لجعله ينظر إلى المسلم المتخلف مدنيا أنه ناهض فكريا بمجرد حمله القيادة الفكرية في الإسلام.

إن كل مسلم مهما كان سلوكه ومهما انتمى إلى الواقع وتأثر به، يدرك في داخله أنه على الحق (على الأقل من ناحية ريادة الأفكار وتميزها) ولكن إدراكه هذا في كثير من الأحيان لا يدفعه إلى جعل قيادته الفكرية معيارا للحكم على الأفكار وبالتالي على الأشخاص، فتراه ينبهر بغيره ويتبع أفكار غيره ويصرح بآراء غيره وكل هذا ليس بسبب قناعاته أو توافق هذا كله مع قيادته الفكرية ولكن بسبب ضعف قدرته على جعل قيادته الفكرية هي الميزان لكل شيء.

ولو اعتمد كل مسلم على قيادته الفكرية في الحكم على الأشخاص وعلى كل شيء، وعاملها بقدرها في نفسه لكان المسلمون في ألف خير ولنظروا إلى العالم نظرة إشفاق ورحمة لا نظرة انبهار وتبعية.

ومع الحلقة القادمة وموضوع جديد إن يسر الرحمن جل وعلا

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

في 12/06/2005م
سيف الحق
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
رحم الله والدك وأسكنه فسيح جناته
والله سبحانه وتعالى أخبرنا على لسان نبيه أن عمل ابن آدم ينقطع بعد موته إلا من ثلاثة .. ولد صالح يدعو له ..
ونحن كلنا أبناؤه وندعوا له
ونسأل الله أن يزيدك من علمه ، ويرفع درجاتك لتواضعك المهيب في القلوب .
وبارك الله بك على هذه الكلمات التي خطها قلمك ، لا عدمناه
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أبو إبراهيم
الوالد الحبيب أبو الحارث التميميّ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نعلم يا والدنا الحبيب، كم هو فضل آل أبناء وأحفاد الصحابة الكرام الأجلاء على غيرهم، وأن آل التميميّ إنما هم من نسل الصحابيّ الجليل تميم ٍ الداريّ، ذلك الصحابي الذي سمعتُ أن النبي قد أقطعه مدينة الخليل إبراهيم عليه السلام قبل أن تُفتح.

فأنعم بالصحابي الجليل تميم ٍ الداريّ
وأنعم بذريته من بني تميم والذين يسمون آل "التميميّ"
وأنعم بأبي الحارث والداً لنا وحبيباً جمعنا به حبٌ في الله لا يرويه إلى اللقاء على سرائر الجنة متقابلين، يزف إلينا غلمان أهل الجنة ألوان الطعام والشراب، ونعمت دار المؤمنين.

الوالد الحبيب
قد فتحتَ باباً من أبواب الخير، وواللهِ ما أرانا في منتدى العقاب إلا عازمين على الولوج بما نحمل من قليل العلم، وكثير السؤال، باذلين كل جهد لنغنم منكم كل مغنم.

فائذن لي أيها الوالد الحبيب أن أنال شرف الولوج بسؤال ٍ دار في أروقة الذهن أثناء العيش بين تلك السطور الواعيات الحاذقات.

قلتَ يا شيخنا الفاضل :
إقتباس
وكان هذا كافيا لجعله ينظر إلى المسلم المتخلف مدنيا أنه ناهض فكريا بمجرد حمله القيادة الفكرية في الإسلام.

وقد جمعت في قولتك هذه أمور عظام،،،
التخلف المدني
النهضة الفكرية
القيادة الفكرية

وما يهمني شيخنا الفاضل من هذه الثلاثة هو (القيادة الفكرية)، فقد فهمتُ من عبارتك أن الحصن الذي منع سقوط والدك في هاوية الفكر السقيم والحكم الخاطئ على الآخرين، هو وجود تلك القاعدة الفكرية لديه، والتي وصفتها بأنها إسلامية.

فما هو مفهوم (القيادة الفكرية) ؟؟؟

هل هي العقيدة ؟
هل هي العقيدة وما ينبثق عنها أو يبنى عليها من أفكار ؟
هل هي تلك الحزمة الفكرية التي يقتنع بها كل إنسان فتضبط له إيقاع حياته وفق ترنيمة معينة ؟
هل .. هل .. هل .. ؟

لقد تعودنا يا شيخنا أن نسمع بالكثير من المصطلحات التي نتلقاها من مختلف وسائل الإعلام، "الضمير"، "الوازع الديني"، وما شابه من مثل تلك المصطلحات، وكلها يسوقونها بمعنى السور الواقي الذي يحمي الإنسان من الوقوع في زلل الجوارح ..

ولكن الكثيرين لم يعتادوا سماع مصطلح (القيادة الفكرية) والذي سقتـَه للدلالة على كونه سوراً يقي الإنسان من الوقوع في زلل الفكر وربما الجوارح أيضاً .

فهلا أتحفتنا شيخنا ولو بنبذةٍ بسيطة عن واقع (القيادة الفكرية) وكم نكون شاكرين لو جعلت (القيادة الفكرية الإسلامية) هي محل التمثيل على القول، فيزيد الفهم بإذن الله ويزيد.

وجزاك الله عنا خير الجزاء

ابنك // مشتاق
أبو الحارث التميمي
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدي رسول الله وعلى آله وصحابته ومن والاه وبعد

فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أشكر الأخوين الفاضلين سيف الحق والمشتاق على ما تفضلا به من كلام طيب، لا حرمني الله خالص حبهما ولا صالح دعائهما.

وبعد،

بالنسبة للقيادة الفكرية فهي العقيدة، وقد يعرف (بتشديد الراء) الشيء بأكثر من تعريف بحسب ما يراد استخدامه له، والعقيدة تعرف بعدة تعريفات، فهي:

1) عقيدة باعتبار انعقاد القلب عليها، والإيمان بها أي التصديق الجازم بما جاءت به.

2) قاعدة فكرية باعتبار ما يبنى عليها من أفكار وما ينبثق عنها من أحكام.

3) قيادة فكرية باعتبار أنها تحدد لمعتنقها وجهة نظره في الحياة وتقوده ليحسن الحكم على الأفكار والواقع.

4) حل العقدة الكبرى عند الإنسان.

وكل تعريف يستخدم بحسب ما يراد الحديث عنه وما يرمي المتحدث إليه، فإذا كان الحديث عن العقيدة باعتبار تعريف الإيمان فيقال العقيدة، وإذا كان الحديث عن العقيدة باعتبارها الفكر الأساسي الذي تبنى عليه الأفكار وتنبثق عنه الأحكام أي باعتباره الأساس الذي تقوم عليه الأفكار والأحكام فإنها تكون القاعدة الفكرية.

وإذا كان الحديث عنها باعتبار كونها قاعدة للإنسان ينطلق منها ليحكم على الواقع وعلى الأفكار فيقال القيادة الفكرية.

وإذا كان الحديث عنها باعتبار كونها تحل العقدة الكبرى عند الإنسان فهي حل العقدة الكبرى وهكذا.

فكل التعريفات تعرف العقيدة ولكنها تطلق بحسب ما يراد في البحث منها، وإلا فالعقيدة في كل الأحوال واحدة ولا تتغير.

وما هذا إلا من باب دقة استخدام الألفاظ لتدل على المعاني، فالحزب المبدئي مثلا يعرف بأنه تكتل آمن أفراده بمبدأ يراد إيجاده في المجتمع ويعرف كذلك بأنه كل فكري شعوري، وكلا التعريفين يصلحان للدلالة على واقع الحزب ولكن لا بد من تحديد التعريف المراد من خلال القصد من الطرح، فتقول الحزب المبدئي عندما تتحدث عن عمله في المجتمع، وتقول الكل الفكري الشعوري عندما تتحدث عن خلايا الحزب ووحدة التبني فيه، وكون العقيدة هي الأساس الذي يقوم عليه.

وكذلك المبدأ فنحن نعرفه بتعريفين الأول: فكرة وطريقة، والثاني عقيدة انبثق عنها نظام، وكلا التعريفين يصلحان لتعريف المبدأ ولكن لا يستخدمان في نفس السياق، فالمبدأ من حيث كونه فكرة وطريقة يطلق عندما يراد الحديث عن المبدأ كونه ينهض المجتمع، والمبدأ من حيث كونه عقيدة انبثق عنها نظام يطلق عندما يراد الحديث عن معالجة المبدأ للواقع، وقد يخطئ البعض فيخلطون بين التعريفين فيظنون أن الفكرة هي العقيدة والطريقة هي النظام من حيث أن المبدأ عقيدة ونظام وهو في نفس الوقت فكرة وطريقة، وهذا خطأ شائع لأن الفكرة هي العقيدة والمعالجات، والطريقة هي كيفية تنفيذ المعالجات وكيفية الحفاظ على العقيدة.

ولو أن كل تعريف من التعريفات السابقة يحتاج إلى عدة صفحات لبحثه والمناقشة حوله، إلا أنني ذكرتها من أجل توضيح اختلاف التعريفات باختلاف المقاصد.

وعودة إلى استخدام جملة القيادة الفكرية، فأقول إن استخدام جملة القاعدة الفكرية قد يفي بالغرض فهي قاعدة قكرية تبنى عليها الأفكار وتنبثق عنها الأحكام، ولكنه كان ستنقصه الدقة لو استخدم، لأنني أردت أن ألفت النظر إلى كون العقيدة تمارس في المسلم دور القائد ومن هنا جاءت كلمة قيادة فالقيادة تعني التوجيه، والمقود لا يمكن أن يخطو خطوة إلا بعلم وتوجيه وأمر قائده، وعندما تكون العقيدة هي القائد للإنسان فإنها تكون بمثابة الدفة التي توجه المركب، فتكون قائدة له بحق إلى ما تريد هي أن توصله إليه.

إلا أن هذا لا يعني أن الإنسان كالمركب من حيث كونه آلة تتوجه بحسب تحريك الدفة دون أي إرادة منها، بمعنى أنه لا يفهم (بضم الياء) أن مجرد وجود العقيدة عند المسلم يعتبر كافيا ليجعله مسلما مثاليا، وإلا فما قيمة الإرادة والكسب والعقوبة.

فوجود العقيدة عند المسلم وكونها قيادة فكرية له يعني تهيأه ليستخدم هذه القيادة الموجودة فيه فيكون قائدا بحد ذاته، عنده الأساس الذي يميز له بين كل الأشياء (الأفكار، الآراء، المعتقدات، الأحكام) وعنده الأساس الذي يحدد له وجهة نظره في الحياة، وعنده الأساس الذي حدد له هدفه في الحياة، فصار بالأساس الموجود عنده قائدا موجها (بكسر الجيم) لأن عنده قيادة توجهه وهي لا تخطئ، فصار كالذي يريد أن يصنع قلادة من الذهب والألماس وتوفرت لديه المعايير التي يستخدمها ليعرف نوع الذهب ونوع الألماس فإذا ما أراد اختيار أحجار الألماس ليضعها في قلادته فإنه يخضعها للمعايير الموجودة عنده فيقول هذه ألماسة حية زنتها كذا ونوعها كذا وتنطبق عليها المعايير إذن أضعها في قلادتي، وتلك ألماسة ميتة أو هي زرقون أو ألماس أمريكي لا قيمة لها فلا أضعها في قلادتي، وهو بالتالي يحسن الحكم على كل قلادة يلبسها غيره فيعرف واقعها من معاييره التي يستخدمها هو لا من معايير غيره، ولذلك فإنه لو ذهب إلى أمريكا وقيل له إن هذا ألماس أمريكي (وهو موجود حقيقة) فإنه لا يعتبره ألماسا لأنه يعرف حسب معاييره أن الألماس الأمريكي ما هو إلا زرقون نقي وليس بألماس وإن كان يباع بالقيراط.

وهكذا تكون العقيدة هي القيادة الفكرية عند المسلم، تحدد له وجهة نظره وتكون معيارا له يحكم من خلاله على كل شيئ، وفي نفس الوقت تحدد له نمط حياته، فيكون مسلما بالمعيار كل شيء عنده له معيار منضبط.

على أن هذا لا يتحقق بشكل دائم بل تدخل أمور كثيرة لتؤثر عليه ومن أهمها موضوع النفسية، والتأثر بالواقع، وضعف التوجيه من قبل العقيدة عندما يغفل المسلم توجيهها له، ولكن في أدنى الحالات تبقى العقيدة الإسلامية قيادة فكرية تقوم بدور التوجيه ولو كان ضئيلا، وما علينا إلا أن نزيل الصدأ عن الدفة ليسهل تحركها فتحرك المركب بشكل يسر.



والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل
أبو مالك
السلام عليكم ورحمة الله

سؤال متعلق بالمبدأ، حيث التبس علي التوفيق بين تعريف المبدأ على أنه فكرة وطريقة، وبين ما ورد في كتاب الفكر الاسلامي لمحمد محمد اسماعيل، وخصوصا ما يلي:

المبدأ في اللغة مصدر ميمي من بدأ يبدأ بدءاً ومبدأ. وفي اصطلاح الناس جميعاً هو الفكر الأساسي الذي تبنى عليه أفكار.

إلا أن الناس أطلقوا على أفكار فرعية يمكن أن تبنى عليها أفكار أخرى فرعية أيضا، بأنها مبادئ على اعتبار أنها أفكار أساسية، فقالوا الصدق مبدأ، وقالوا حسن الجوار مبدأ، وقالوا عن التعاون أنه مبدأ، وهكذا ... ومن هنا قالوا مبادئ الأخلاق، ومبادئ الاقتصاد، ومبادئ القانون، ومبادئ الاجتماع وهكذا: وأرادوا أفكاراً معينة من الاقتصاد تبنى عليها أفكار منبثقة عنها، وأفكاراً معينة من القانون تبنى عليها أفكار منبثقة عنها، قالوا عنها أنها مبادئ اقتصادية ومبادئ قانونية، وهكذا.
والحقيقة أن هذه ليست مبادئ، وإنما هي قواعد أو أفكار. لأن المبدأ فكر أساسي وهذه ليست أفكاراً أساسية بل أفكاراً فرعية، وكونها تبنى عليها أفكار لا يجعلها أفكاراً أساسية مطلقاً، بل تبقى أفكاراً فرعية ولو بنيت عليها أفكار، أو انبثقت عنها أفكار، مادامت هي ليست أساسية، وإنما منبثقة عن أفكار أخرى، أو منبثقة جميعها عن فكر أساسي.
فالصدق والوفاء والتعاون وغيرها أفكار فرعية وليست أساسية، لأنها مأخوذة عن فكر أساسي، وليست هي الأساس. لأن الصدق فرع لأساس، فهو حكم شرعي مأخوذ من القرآن عند المسلمين، وصفة جميلة نافعة مأخوذة عن الفكر الرأسمالي عند غير المسلمين .
وعلى هذا لا يسمى الفكر مبدأ إلا إذا كان فكراً أساسياً تنبثق عنه أفكار .
والفكر الأساسي هو الذي لا يوجد قبله فكر مطلقاً. وهذا الفكر الأساسي محصور في الفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة، ولا يوجد غيرها فكر أساسي. لأن هذا الفكر هو الأساس في الحياة:

فالإنسان إذا نظر لنفسه وجد أنه إنسان يحيا في الكون، فما لم يوجد عنده فكر عن نفسه وعن الحياة وعن الكون من حيث الوجود والإيجاد، لا يمكن أن يعطي فكراً يصلح أساساً لحياته. ولذلك تبقى حياته سائرة دون أساس، مائعة، متلونة، متنقلة، ما لم يوجد هذا الفكر الأساسي، أي ما لم توجد الفكرة الكلية عن نفسه وعن الحياة وعن الكون .
ومن هنا كانت الفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة هي الفكر الأساسي، وهي العقيدة.
إلا أن هذه العقيدة لا يمكن أن تنبثق عنها أفكار، ولا أن تبنى عليها أفكار إلا إذا كانت هي فكراً، أي كانت نتيجة بحث عقلي. أما إذا كانت تسليما وتلقياً، فلا تكون فكراً، ولا تسمى فكرة كلية، وإن كان يصح أن تسمى عقيدة. ولذلك كان لا بد أن تكون الفكرة الكلية قد توصل إليها الإنسان عن طريق العقل، أي أن تكون نتيجة بحث عقلي، فتكون حينئذ عقيدة عقلية، وحينئذ تنبثق عنها أفكار وتبنى عليها أفكار.
وهذه الأفكار هي معالجات لمشاكل الحياة، أي هي الأحكام التي تنظم للإنسان شؤون الحياة. ومتى وجدت هذه العقيدة العقلية وانبثقت عنها أحكام تعالج مشاكل الحياة فقد وجد المبدأ. ولذلك عرف المبدأ بأنه عقيدة عقلية ينبثق عنها نظام. ومن هنا كان الإسلام مبدأ لأنه عقيدة عقلية ينبثق عنها نظام، وهو الأحكام الشرعية لأنها تعالج مشاكل الحياة ؛ وكانت الشيوعية مبدأ لأنها عقيدة عقلية ينبثق عنها نظام هو الأفكار التي تعالج مشاكل الحياة ؛ وكانت الرأسمالية مبدأ لأنها عقيدة عقلية تبنى عليها أفكار تعالج مشاكل الحياة .

انتهى

فكما هو مفهوم لدي بناء على هذا النص الراقي، المبدأ هو العقيدة العقلية فقط، بشرط أن ينبثق عنها نظام يسوس الحياة

فقد اشترط للمبدأ أولا أن يكون فكرة أساسية، والمعالجات ليست أفكارا أساسية. فكيف أدخلناها في تعريف المبدأ؟

واشترط في المبدأ أن يكون فكرة لا يوجد قبلها فكر، والمعالجات يوجد قبلها فكر وهي منبثقة منه

وهكذا لو تتبعت ما أظهرته باللون الأحمر في المداخلة يتبين موضع الغموض في الفهم

فهل المبدأ هو فقط العقيدة العقلية بشرط أن ينبثق عنها النظام

أم هو مجموع العقيدة العقلية مع النظام المنبثق عنها؟

بارك الله بكم
ابو الحارث
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
الحقيقه ان هناك تسلسل في الترتيب:
1-فكر,اي فكر كان
2-فكر اساسي ,ليس بعده فكر وهذا الفكر نتيجه تساؤلات الانسان (من انا؟؟,من اين اتيت؟؟,والى اين المصير؟؟)
3-المبدأ
والفكر الاساسي يترتتب عليه ان نجيب على الاسئله وكيفيه الاجابه يترتب عليها تحديد موقف وعلاقه فهنا يرتبط هذا الفكرالاساسي بالمعالجات(الموقف والعلاقه) فيظهر المبدأ,فمثلاُ لو كانت الاجابه انا انسان مخلوق لخالق ونهايتي الموت,وبينت علاقتي بالخالق وانها مستمره وعليَ احترامها واتباعها في حياتي ,اكون قد ربطت الفكر بالمعالجه.
وعليه فالفكر لا يُسمى مبدأ الا اذا انبثق عنه نظام.
أبو الحارث التميمي
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدي رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد،

بالنسبة لتعريف المبدأ فقد ذكرناه للتمثيل على تعدد التعريفات للشيء الواحد على أن يطرح كل تعريف بما يتفق مع سياق البحث، والمبدأ هو عقيدة انبثق عنها نظام، وليس هو الفكر الأساسي لأن الفكر الأساسي هو العقيدة وإذا انبثق عن هذه العقيدة نظام فإنها تشكل بما انبثق عنها المبدأ، وكتاب الفكر الإسلامي لم يخرج عن هذا التعريف، ولكن لأنه كان بصدد تعريف المبدأ تعريفا ابتدائيا فإنه ذكر كل ما يتعلق بالمبدأ من كونه مصدرا إلى آخر التعريف الذي توصل إليه.

وهو لم يقل أبدا أن المبدأ هو الفكر الأساسي، بل قال عنه أنه الفكر الأساسي بما انبثق عنه من أفكار، ثم فصل (بتشديد الصاد) في التعريف فبين أن الأفكار التي انبثقت عنه هي المعالجات، ولذا أقر في النهاية التعريف الذي يتبناه للمبدأ وهو العقيدة العقلية التي انبثق عنها نظام.

ولا فرق بين قولنا العقيدة العقلية بشرط أن ينبثق عنها نظام وقولنا العقيدة العقلية التي ينبثق عنها نظام، لأن المهم هو وجود العقيدة التي ينبثق عنها نظام حتى تكون مبدأ، ولذا لا تعتبر النصرانية أو البوذية مبدأ لأنها عقيدة لم ينبثق عنها نظام بينما تكون الرأسمالية مبدأ لأنها عقيدة انبثق عنها نظام.

وعليه فلا تناقض في الكتاب، وما ظهر أنه تناقض فلعله بسبب أنه تدرج في تعريف المبدأ من كونه مصدرا في اللغة إلى التعريف الذي تبناه، وهذه عادة متبعة وعرف سار في التعريف فعادة ما تعرف الشيئ في اللغة وفي الاصطلاح والاستعمال ثم تصل إلى تعريفك الذي تتبناه. ولذلك فإن التعريف المعتمد هو ما يقره المعرف (بتشديد الراء) في آخر بحثه وليس ما يذكره في ثنايا البحث.

وهو لم يشترط للمبدأ أن يكون أفكارا أساسية، ولم يقل ذلك لأنه لا توجد أفكار أساسية في المبدأ الواحد بل هو فكر أساسي واحد، أما قوله: (إلا أن الناس أطلقوا على أفكار فرعية يمكن أن تبنى عليها أفكار أخرى فرعية أيضا، بأنها مبادئ على اعتبار أنها أفكار أساسية) فإنه لم يعتبر المبدأ أفكارا أساسية وإنما قال عن المبادئ أنها أفكار أساسية لأنه قصد الجمع، فالأفكار الأساسية الواردة في الكتاب هي مبادئ عدة وليست مبدأ واحدا.

أما المعالجات فقد دخلت في تعريف المبدأ لأنها مع الفكر الأساسي تشكل المبدأ، فالمبدأ لا تشكله العقيدة فقط ولا المعالجات فقط ولكن العقيدة والمعالجات على أن تنبثق المعالجات عن العقيدة، وحينها يكون مبدأ.

أما تعريف المبدأ بأنه فكرة وطريقة فهو تعريف صحيح أيضا ويطرح هذا التعريف كما أسلفنا في معرض الحديث عن النهضة بالمبدأ وكون المبدأ منهضا للأمة وكيفية تحقيق النهضة.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل
أبو الحارث التميمي
المقال الثاني: ثلاث آيات وثلاث درجات


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدي خاتم المرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الغر الميامين وعلى كل من سار على طريقته واتبع سنته إلى يوم الدين.

وبعد،

منذ أن عرفت سورة الكهف وحفظتها في صغري وأنا أفكر في ثلاث آيات جاءت فيها استوقفتني كثيرا كلما قرأتها، لأكتب أولا هذه الآيات ثم أستكمل حديثي:

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

((قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا (78) أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبًا (79) وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا (80) فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرًا منه زكاةً وأقرب رحمًا (81) وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحًا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمةً من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرًا (82))) [سورة الكهف: الآيات من 78 – 82 ]

هذه الآيات هي تفسير لثلاثة مواقف فسرها الرجل الصالح لسيدنا موسى عليهما وعلى رسولنا أفضل الصلاة والسلام، والقصة معروفة والمواقف مشهورة: السفينة، والغلام، والجدار.

والذي استوقفني في هذه الآيات الكريمات الاختلاف بين كل موقف من حيث درجة العلم:

الموقف الأول: (فأردت أن أعيبها) وقد نسب المعالجة لنفسه.

الموقف الثاني: (فخشينا أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا) وقد نسب المعالجة له ولله تعالى.

الموقف الثالث: (فأراد ربك) وقد نسب المعالجة فيه لله تعالى وحده.

في الحالة الأولى قال أردت أن أعيبها، وفي الحالة الثانية قال خشينا، وفي الثالثة قال أراد ربك، كيف يفهم هذا الاختلاف.

لقد فكرت كثيرا في هذه الآيات وأخذت على نفسي أن أستمر في التفكير عسى أن يهديني الله لمعرفة سر هذا الاختلاف.

وحسب فهمي المتواضع أن الآيات الثلاثة تفسر درجات العلم.

ففي الحالة الأولى علم الرجل الصالح واقع المساكين وواقع السفينة وواقع الملك الظالم، وهذا مما يدركه الإنسان عادة، أي مما يقع عليه الحس ويدركه العقل، ولكن أمر تخريب السفينة كان بأمر الله لأنه تعد على ملك الغير فاحتاج الرجل الصالح الإذن به.

وفي الحالة الثانية وهي حالة قتل الغلام فإنه من الغيب إذ أن الرجل الصالح لا يعلم أن الغلام سيكون فاسقا، فهو من علم الغيب ولكنه من علم الغيب الذي أشركه الله جل وعلا به أي أعلمه عنه فصار عنده علم به فتصرف على أساسه.

وفي الحالة الثالثة وهي حالة بناء الجدار فإنه من الغيب الذي لم يطلع الله أحدا عليه ولذلك نسب المعالجة فيه لله وحده، ولم يكن دوره فيه إلا دور المنفذ للمعالجة.

علم يتوصل إليه الإنسان بحواسه وقدراته.

وعلم يعرفه الإنسان بعد أن يطلعه الله عليه.

وعلم لا يعرفه الإنسان ولا يعرفه إلا الله تعالى.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏الاثنين 13 جمادى الأولى‏ 1426هـ
الموافق ‏20/06‏/2005م
أبو الحارث التميمي
المقال الثالث: مجرم أم بطل؟


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد،

قبل أيام كنت في زيارة لأحد المستشفيات لفحص عيني أصغر أولادي، وعندما اقتربت من بوابة المستشفى وقفت سيارة السجن وفيها بعض المساجين، فقال لي ولدي: ما هذا؟ فأجبته: هذه سيارة السجن وفيها مساجين، أتوا بهم إلى هنا لمعالجتهم، هل تريد أن تراهم؟ فأجاب الولد: نعم يا أبي.

ولما دخلنا المستشفى بانتظار دورنا في الدخول على الطبيب، مرت أمامنا مجموعة المساجين وإذا بهم قد صفدوا بالأغلاق في أيديهم وأرجلهم تقودهم الشرطة من أمامهم ومن خلفهم، فقلت لولدي: انظر إليهم، هؤلاء هم المساجين الذين طلبت رؤيتهم.

ثم وقف المساجين بانتظار دخولهم على الطبيب واحدا تلو الآخر، ولكنهم وقفوا بشكل غريب، كل واحد منهم أعطى وجهه للحائط وألصقه به منكوسا، وواضح أنهم لا يريدون أن ينظر إليهم الناس أو يعرفوهم.

سألت ولدي: فكر معي، لماذا يضعون وجوههم بالتصاق الحائط ولماذا ينكسون رؤوسهم؟ فلم يجبني لأنه على كل حال أصغر من أن يستوعب ذلك.

فقلت له: لقد ارتكبوا جرائم ولذلك فإنهم لا يحبون أن ينظر إليهم الناس وهم بلباس السجن وأيديهم مصفدة وأرجلهم مغلولة.

ثم تابعت حديثي مع ولدي مستغلا هذا الموقف لأركز في ذهنه مفهوما معينا: يا ترى، لو أن واحدا منهم لم يرتكب جريمة ولم يفعل ما يخل بدينه، هل كان سيلصق وجهه بالجدار، لو أنه سجن بسبب قول الحق أو لأنه على حق هل كان سينكس رأسه؟ فأجاب ولدي: لا. فقلت له: نعم، كلامك صحيح، بل سيفتخر وسيرفع رأسه وسينظر إلى الناس وسيتحدث إليهم لأنه حينها لن يكون مجرما بل سيكون بطلا.

تخيلت لحظتها أن واحدا من هؤلاء المساجين من حملة الدعوة، سجن بسبب قول الحق والعمل بالحق لإيجاد الحق، كيف سيقف بالمستشفى؟ لا شك أنه سيقف مرفوع الرأس عالي الهامة، لأنه لن يكون حينها مجرما وإن لبس لباس السجن، وإن أحاطته السلاسل والحرس من كل جانب، بل سيكون بطلا، ولن يتردد في الحديث مع الناس وحمل الدعوة إليهم وهو في هذه الحال، ولو كنت في المستشفى حينئذ لقبلت يديه ورأسه على مرأى ومسمع من الناس غير آبه أنا أيضا بما يلبس وبما يحيط به.

قبل سنوات مضت وفي إحدى بلاد المسلمين حقق ضابط المخابرات مع أحد حملة الدعوة وقال له: إلام تدعون أنتم؟ فأجابه: هل من الممكن أن تعطيني ورقة وقلما؟ فاستجاب له الضابط فرحا وأحضر له ورقة وقلما. فبدأ حامل الدعوة يرسم خريطة العالم الإسلامي على الورقة، ثم قال مشيرا إلى العالم الإسلامي على الخريطة: نحن نعمل لأن نجعل هذا العالم دولة واحدة ونعمل من أجل أن تعيشوا في هذه الدولة لا تفرق بينكم حدود، نحن نعمل من أجلكم. فغضب الضابط وقال لأحد أفراد المخابرات الواقفين: اضربه. فرد الرجل: يا سيدي، مثل هذا لا يضرب، والله لئن شلت يميني أهون على من أضربه بها.

موقف مشابه، إلا أن الذي اعتبر المجرم فيه بطلا لم يكن من أمثال من كان في المستشفى من الناس، وإنما كان من رجال النظام، من الجلادين، تغير عنده المفهوم في لحظة واحدة فبدأ ينظر إلى حامل الدعوة نظرة المقود إلى القائد، نظرة الغريق إلى قطعة الخشب، نظرة جعلت من المجرم بطلا.

هكذا تتغير المفاهيم، فيتغير لها السلوك.

(يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ وَلله الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) من هو الأعز في نظر المنافقين، ومن هو الأذل في نظر المؤمنين، اتحدت الألفاظ ولكن اختلف استخدامها.

إن قتلي شهادة، وسجني عبادة، ونفيي سياحة

فليهنأ حملة الدعوة لأنهم لن يخرجوا من الدنيا خاسرين

وليفخر بهم ذووهم

وليرفع أبناؤهم رؤوسهم عاليا ويقولوا للجميع إن أبانا بطل وليس بمجرم ولو لبس لباس المجرمين، وإن صفد بالأغلال، وإن أحاطه الحرس من كل جانب.

اهنئوا يا حملة الدعوة، فأنتم الأبطال وإن حكمت عليكم كل محاكم الدنيا بأنكم مجرمون، ويكفيكم أن الله تعالى يفخر بكم، ويكفيكم أن رسوله عليه الصلاة والسلام ينتظر أمثالكم على الحوض، ويكفيكم أن المؤمنين ينظرون إليكم منتظرين منكم.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏السبت‏ 18‏ جمادى الأولى‏ 1426هـ
الموافق ‏25‏/06‏/2005م
ابو عباده
شيخنا الكريم ابا الحارث التميمي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته !
حياك الله واكرمك وانعم عليك من علمه، ننهل منه تلاميذا وطلابا للعلم
وبارك الله بك وجزاك عنا كل خير

شيخنا
عندي ملاحظة بسيطة اود ان اضعها بين يديك، طالبا رأيك فيها وتصحيحها ان رايت فيها اعوجاجا
الملاحظة متعلقة بالمقال الثاني والايات من سورة الكهف احببت ان اشاركك في توضيحها.. فما رايك ؟!

اقتبس اولا ما تفضلت به :

إقتباس
الموقف الأول: ﴿فأردت أن أعيبها وقد نسب المعالجة لنفسه.

الموقف الثاني: ﴿فخشينا أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا وقد نسب المعالجة له ولله تعالى.

الموقف الثالث: ﴿فأراد ربك وقد نسب المعالجة فيه لله تعالى وحده.


لا يخفى عليك استاذنا ان الله تعالى قد انعم على عبده الصالح ببعض من علم الغيب ما لم يعلمه نبي الله موسى عليه السلام
لذلك ذهب موسى عليه السلام باحثا عنه ليتعلم منه ما علمه الله
﴿فوجدا عبدا من عبادنا ءاتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما . قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا

من هنا يتضح ان العبد الصالح كان يعلم كل امر قام به مع كل متعلقاته ونتائجه فيما بعد، لان الله تعالى قد اطلعه عليها من قبل.. والا لانطبق عليه ما انطبق على موسى عليه السلام وعلى كل انسان يقف في هذا الموقف الرهيب الداعي حتما الى عدم الصبر، لانها امور لا يمكن للعقل المحدود ان يعيها ولا ان يتصورها، الا اذا كان قد علم سلفا مشيئة الله النافذة حتما لصالح الثلاثة مواقف، اي النتائج الايجابية الصالحة، وليس كما يتصورها العقل في اول وهلة وكأنها وبال ومصائب.

اذا فالعبد الصالح كان يعلم ما يفعل وكان يعلم ما سيكون من نتائج

اما ان الله تعالى في الاولى اسند الارادة الى العبد الصالح، لانه والله تعالى اعلم كما تفضلت عمل مما يدركه الانسان عادة اذا بحث واطلع على شئون الخلائق والجواء المتعلقة بالمواقف السياسية بالخصوص والاحوال الاجتماعية للحياة، وهذا داع خاص لحملة الدعوة ان يكونوا مطلعين حق الاطلاع على هذه الامور اذا ما اراد ان يكون راعيا لشئون الناس.. واسمح لي ان ازيد، ان الله تعالى مع رحمته على عباده اسند الخراب وهو عمل مذموم في واقع الامر، اسنده للعبد الصالح وليس لنفسه.

وفي الثانية: اسند سبحانه العمل على نفسه وعلى العبد الصالح، لان العمل متعلق بالفساد والافساد في المجتمع وطريقة معالجته،
فالوالدان يمثلان المجتمع الصالح والولد يمثل الانسان الفاسد، وحين لا بد من التخلص من هذا الفساد فان المعالجة كفكرة تستفاد من الله تعالى وطريقة المعالجة يقوم بها الانسان تنفيذا.. بمعنى اخر فان النظام يأتي من الله تعالى وتنفيذ هذا النظام يقوم به الانسان نفسه..

وفي الثالثة: اسند سبحانه الارادة والعمل لنفسه فقط ، لانه متعلق بالرعاية الالهية، فما كان على العبد الصالح الا بناء الجدار فقط، اما رعاية الكنز لحين يكبر الغلامان اليتيمان ويستخرجا كنزهما ، فهذا متعلق بارادة الله تعالى ولا يشركه فيه احد من خلقه..

هذا والله تعالى اعلم

فما رأيك يا شيخنا ؟؟!!
زين العابدين
تحية طيبة للجميع، الأستاذ الفاضل أبو الحارث تحدثت عن الإيمان وتعاريفه ... وقد ذكرت أن التعريف يعطى بحسب السياق ... ولقد رأيتُ أن للتعريف ضوابط تتلخص بأن يكون التعريف منصباً على جوهر المعرّف لا على أعراضه أو صفاته، وبالتالي فإن تعريف الإيمان يكون: هو التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل ... وأما كون الإيمان هو قيادة فكرية أو قاعدة فكرية أوحل العقدة الكبرى...أقول إنها ليست تعريفات له، إنما هي صفات تكون لازمة للإيمان، إذا كانت العقيدة الناتجة عنه سليمة، وإلا فإنها قد توجد وقد لا توجد أي ليست لازمة ... ولذلك اقتضى التنبيه ... وأرجو تصويبي !

أخيراً فإني أرجو من الشباب أن يختصروا تعليقاتهم حتى يتسنى متابعة النقاش والتركيز على جوهر ما يطرح وجزى الله الجميع خيراً، وبارك الله بالشيخ أبو الحارث على سلسلة مقالاته الذهبية التي أتمنى أن تستمر والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أبو ليث
التعليق على المقال الأول

انا أرى ان مقومات ومسببات النهضة في العالم الإلاسلامي مختلفة كليا عن العالم النصراني فالنصارى نجاحهم فقط مرتبط بذكائهم وقدرتهم على التفكير والإبداع والإختراع
أما المسلم فإن نهضته ونجاحه مرتبط بحسن تطبيقه لدينه في الحياة العملية مع اعتمادها على الذكاء فهناك كثير من المسلمين يلكون انجازات علمية لكن من يتبناها هم الغرب أنا أرى أنه لا يمكن أن تقوم نهضة إلا بقرار سياسي لقيام الخلافة
أبو الحارث التميمي
المقال الرابع: سعر برميل النفط اليوم بـ (2556) دولار، هل تصدقون ذلك؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدي رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد،

المعروف عند جميع الناس أن سعر برميل النفط لا يتعدى الثمانين دولارا فهو من الثلاثين إلى السبعين، ويتأمل البعض أن يزيد سعر البرميل مع توافر عامل الندرة إلى مائة وخمسين دولارا.

فهل هذا هو السعر الحقيقي للنفط.

حسب ما يذكره الخبراء الاقتصاديون وتتناوله الدوريات الاقتصادية فإننا نعيش في وهم كبير، أو بصورة أدق جعلونا نعيش في وهم كبير وهو وهم غلاء سعر النفط، حتى أن البعض صار يشفق على دول أوربا وأمريكا لمعاناتهم مع غلاء أسعار النفط.

إننا بالفعل نعيش في وهم كبير، فسعر برميل النفط الحقيقي هو (2556) دولار، وإليكم البيان:

تبيع الدول المصدرة للنفط البرميل بسبعين دولارا (في حالة انتعاشه) وبأقل من ذلك بكثير فقد يتدنى سعره إلى ثلاثين دولارا، وهذا البرميل عندما يدخل الإنتاج يعاد بيعه كمنتجات تصل قيمتها إلى (2556) دولار.

وهذا يعني أن الربح في البرميل الواحد يتعدى (2450) دولارا.

هل تتصورون ذلك.

وبشكل آخر لو تم بيع البرميل الواحد بألفين دولار فإن المشتري سيستفيد منه بخمسمائة وخمسين دولارا وهكذا.

ولتصور ذلك لنتصور أن أحدهم عنده قطعة من الخشب تساوي خمسة دولارات فإن قام هو بتصنيعها إلى كرسي فإنه سيبيعه بمائة دولار، ولكنه يبيعها قطعة خشب فيشتريها منه المصنع (بتشديد النون) بخمسة دولارات ثم يبيعها له بمائة دولار. بينما كان بإمكان المالك أن يصنعها أو يستجلب من يصنعها له ويعطيه أجرته ويأخذ الربح هو.

ومع هذا كله، تخرج إلينا أمريكا وأوربا وغيرها لتشتكي من غلاء الأسعار وتحكم المنتجين، وهم لا شك يكذبون فالمنتجون هم المظلومون وهم المالكون ولكنهم عملاء للمستهلك يأتمرون بامره ويسيرون حسب ما يريده لهم، ولو أنهم كانوا يملكون ذرة من إخلاص لأدركوا هذا الأمر ولباعوا النفط مصنعا ليكسبوا هم لا ليكسبهم غيرهم.

أنا أفهم أن صاحب السلعة ومنتجها ومالكها هو الذي يتحكم في السوق بسعرها، ولكن أن يتحكم به المستهلك فهذا ما لا أفهمه.

أرجو من الإخوة الخبراء في الشئون النفطية والاقتصادية أن يساهموا في توعيتنا حول هذا الموضوع.

ولكم جزيل الشكر وحسن الثواب إن شاء الله تعالى

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أبو مالك
هؤلاء حكام

يستسقى بهم الغمام!!!
أبو الحارث التميمي
المقال الخامس: مواسم العبادة.
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدي ومولاي وإمامي رسول الله وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الميامين وعلى كل من اتبع طريقته واستن بسنته إلى يوم الدين.
وبعد،

التأثر بالكهنوتية واضح في رمضان، فبعض المسلمين يمارس هذا فعلياً بدخول رمضان، فمنهم من يمتنع عن المعاصي في رمضان، ومنهم من يؤجلها إلى ما بعد رمضان، وساعد في تأصيل هذه الممارسات الإعلام الذي يستعد لرمضان استعدادا غير مسبوق، فالمسلسلات التي يطلق عليها الدينية، والابتهالات، بل وحتى المطربين والمطربات يظهرون المسحة الدينية في لباسهم وتصرفاتهم من خلال ما يعرضونه. كل هذا أضفى على رمضان هذه المسحة وكأن المعاصي لا تكون معاصي إلا في رمضان. وكأن الله لا يعبد إلا في رمضان.

كما ساعد على وجودها بين المسلمين، فصل الإسلام عن واقع حياتهم، وعدم وجوده كنظام شامل لكل مناحي الحياة ينظمها ويحكمها وفق تشريع الله جل وعلا.

هذا الذي أوجد هذه النزعة الكهنوتية، وجعلها ممارسة فعلية لم يسلم منها بعض المسلمين الملتزمون أصلا بأحكام الإسلام.

قد يقول قائل: ولم لا؟ أليس رمضان شهر العبادة والتهجد، شهر الصوم والصلاة وقراءة القرآن، شهر تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار وما إلى ذلك مما ورد في فضل هذا الشهر الكريم. ألا يليق بهذا الشهر أن يحترم ويعطى قدره.

وهنا لا بد من الوقوف على أمرين مهمين:

الأول: هو أن عبادة الله تعالى والالتزام بأوامره والانتهاء عن نواهيه ليس لها موسم معين، فلا زمان لها ولا مكان، ففي كل زمان وفي كل مكان على المسلم أن يلتزم بأوامر الله تعالى ويبتعد عن نواهيه، فهو عبد لله تعالى منذ دخوله في هذا الدين إلى خروجه من الدنيا.

الأمر الثاني: هو أن الله تعالى عندما شرع دينه للناس فقد تفضل عليهم بأيام أو أماكن يتقربون فيها إليه فشرع الحج وجعل من المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى أماكن لها أفضلية خاصة في العبادة، وجعل من الأيام كعرفات وعاشوراء وغيرها أفضلية خاصة وكذلك رمضان، وهذا ليس من ناحية أن العبادة تظهر في هذه المواسم وتنقطع عن غيرها، ولكن هذه نعمة من نعم الله تعالى على عباده عليهم أن يفهموها ويعرفوا كيف يستغلونها.

أما فهمها فهو أن يدرك المسلم أن الإسلام ليس دينا كهنوتيا، وأن العبادة فيه لا تبرز في الشعائر كالصلاة والصيام والزكاة وغيرها فحسب، بل إن عبادة الله توجد في كل عمل فالتجارة عبادة، والجهاد عبادة، وطبخ الطعام للمجاهدين في سبيل الله تعالى عبادة والحكم بما أنزل الله عبادة، ومطالعة الجريدة لمعرفة أحوال المسلمين عبادة، وأكثر من ذلك فالمباحات عبادة لله، كل ذلك إذا قام بها المرء قاصدا وجه الله تعالى، فالتاجر عندما يتاجر في تجارته ملتزما بأحكام الله تعالى فيها، فهو يعبد الله وإن كان يسعى للحصول على الربح المادي، وحامل الدعوة عندما يعمل من أجل استئناف الحياة الإسلامية بإقامة الدولة الإسلامية دولة الخلافة فينشغل بالفكر والسياسة وجمع المعلومات وتحليلها فإنه يعبد الله تعالى مثله مثل من يؤدي العمرة أو يتهجد في آخر الليل.

ولذلك فإن عبادة الله مستمرة مع المسلم ما دام حيا في هذه الدنيا، ليس لها زمان ولا مكان، كما أنه ليس لها مواسم معينة.

وأما استغلالها فهو عدم تفويت هذه الفرص الربانية دون الاستفادة منها، أي دون الانكباب فيها على طاعة الله والتقرب إليه (بكل أنواع الطاعات، وليس العبادات الشعائرية كما هو شائع) .

عندما كنا أطفالا كنا نرى العجائز والشيوخ من أهلنا يبكون عندما ينتهي رمضان، وكنا نتعجب في أنفسنا، فنحن كأطفال فرحون بالعيد وننتظره للعب والهدايا، وعجائزنا وشيوخنا يبكون عند فراق رمضان، ولم نفهمها حتى كبر بنا العمر، فصرنا نبكي على فراق رمضان لأننا عرفنا السر! إنهم كانوا يبكون خشية ألا يعيشوا إلى رمضان القادم فيحرمون من التقرب إلى الله في هذا الشهر الكريم، مع أنهم يتقربون إلى ربهم طوال أيام السنة. ولكنهم والله فهموا العبادة حق فهمها، وفهموا مواسم العبادة حق فهمها.

رحم الله سيدنا معاذ بن جبل فقد قال عندما حضرته الوفاة: اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار ولا لغرس الأشجار ولكن لطول ظمإ الهواجر وقيام ليل الشتاء ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر. ثم قبض رضي الله عنه (كري الأنهار: حفرها، طول ظمإ الهواجر: الصيام في الصيف، الركب: جمع ركبة) .

هكذا فهموا عبادة الله تعالى، وهكذا علينا أن نفهم عبادة الله تعالى أنها في كل وقت وفي كل مكان، وما تفضل الله علينا به من استزادة فإن علينا أن ننهل منه ما نستطيع حتى نرضيه، فإنا مهما عملنا فلن ننال الجنة إلا برضوانه ورحمته.

من كان يعبد رمضان فإن رمضان سيزول ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يزول.

جعلكم الله جميعا من أهل الجنة

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أبو يحيى
بارك الله فيك على هذه اللفتة الطيبة، ونفع الله بك.
أبو الحارث التميمي
المقال السادس: كيف ننقذ كتاب الله تعالى؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله أهل الحمد، والصلاة والسلام على سيدي ومولاي وإمامي رسول الله وعلى آله وصحابته الكرام.

وبعد،

بعد خطبة الجمعة الفائتة قام أحد الإخوة المسلمين وطالب المسلمين بإنقاذ كتاب الله، وقال كلاما كثيرا، ومما قاله: أيها المسلمون إن كتاب الله مستهدف من الكفار، يريدون القضاء عليه، فهبوا لإنقاذه، لقد مزق أحد اليهود كتاب الله فقال له أحد الحاخامات: ما الفائدة من تمزيق نسخة من القرآن ومنه ملايين النسخ وهو محفوظ في قلوب المسلمين، لا بد من القضاء عليه عند المسلمين، وها أنتم ترون تكالب الكفار على المسلمين ومحاولاتهم إهانة كتاب الله.

وبعد أن ألهب مشاعر الناس وقال كلاما كثيرا حول هذا الأمر، طرح الحل الذي يدعو المسلمين إلى تبنيه لإنقاذ كتاب الله تعالى، فقال:

لقد انتبهت الجمعية الفلانية للأعمال الخيرية لهذا الأمر فأرسلت أربعين مسلماً للمدينة المنورة لحفظ القرآن الكريم وهي تحاول هذه السنة أن ترسل آخرين فهبوا للتبرع لهؤلاء الطلبة لحفظ القرآن الكريم وأنقذوا كتاب الله.

إنه من الجيد أن يحسن المرء عرض المشكلة، فهذا نصف الحل كما يقولون، يعرضها من جميع جوانبها، يضع الإحساس عليها، يضغط على الجروح ليشعر المجروح بالألم، ولكن من السيئ جدا أن يكون الحل أدنى من مستوى المشكلة نفسها.

أن تنبه المسلمين إلى إنقاذ كتاب الله وتأتي بالشواهد على العداء لكتاب الله فهذا شيء ممتاز، ولكن أن تختم دعواك بحل لا قيمة له في إنقاذ كتاب الله، وما هو إلا محاولة رخيصة لجمع الأموال باسم كتاب الله فهذه والله مصيبة.

إن الناس عندما يتصورون المشكلة ويحسون بالمصيبة ويستشعرون الكارثة فإن هذا من شأنه أن يحرك دوافعهم ويلهب حماسهم ويجعلهم في دائرة البحث عن الحل للمشكلة والمصيبة والكارثة، وهم في حالة من التلقي تهيؤهم لاستقبال أي حل في ظل فقدان المنهج الفكري الصحيح في التلقي، وهنا يأتي الاستغلال والسذاجة في الطرح.

ذكرني هذا بدكتور من المشاهير تبنى قضية فلسطين وألهب مشاعر الناس وحرك أحاسيسهم ولما انتهى قال له أحدهم: ما الحل يا دكتور؟ فأجاب صاحب الحل: علينا أن نعمل مؤتمرا شعبياً لإنقاذ فلسطين.

هكذا تستغل مشاعر الناس، واستغلال مشاعر الناس أسوأ وأخطر من استغلال جيوبهم، فالذي يعمل دعاية لمنتج فيضخم ويبالغ ليكسب زبائن لمنتجه أهون خطرا ممن يستغل مشاعر الناس كي يميع قضاياهم ويجعلهم يتصورون أنهم قدموا شيئا فيزال عبء التهاون من على كواهلهم.

عندما حصلت مأساة المسلمين في الشيشان تضخم كل شيء وعظم كل شيء فاحترقت القلوب، وانهمرت الدموع -دموع الرجال قبل دموع النساء والأطفال- ولكن شيئا واحدا كان حقيرا ضئيلا فاشلا، وهو الحل، فقد كانت الحلول هي البطانيات والمواد الغذائية والأدوية. وكان حال النساء المسلمات المغتصبات أنهن كن يقلن: إن لم تستطيعوا أن تنقذونا فتعالوا اقتلونا أو أرسلوا لنا حبوب منع الحمل.

إن الناس ليسوا بحاجة إلى عرض واقعهم لهم بقدر ما هم بحاجة إلى معرفة الحل الصحيح لواقعهم، ولعل الممثلين على المسارح وفي دور السينما أقدر من هؤلاء على عرض الواقع، ولكن تبقى المشكلة في طرح الحل.

تذكرت وأنا أكتب هذا الكلام موقفين متناقضين، الموقف الأول لشيخ عالم يسأله أحد تلاميذه عن المجلات التافهة الخليعة الموجودة في الأسواق وما فيها من صور وإيحاءات فرد عليه الشيخ: كلامك صحيح وهي مجلات ماجنة والحل يا بني ألا تشتريها ولا تسمح لأولادك بقراءتها، ولم يتجرأ أن يقول: على الحاكم أن يمنعها. ويقابله: موقف ممثل ماجن في إحدى المسرحيات يقول له الآخر: هذا الفيديو المحرم لا تجوز مشاهدته، فرد عليه هذا الممثل: طيب، لا تجوز مشاهدته أم لا يجوز السماح له بالدخول إلى البلاد، أليست الحكومة من سمح به.

والموقف الثاني في مؤتمر فلسطين الذي أقيم في الإمارات قبل سنوات، الشيخ المبجل يقول: الحل هو في المؤتمرات، ويقابله موقف ممثل من مصر يقول: الحل هو في مقاتلة اليهود وطردهم من فلسطين, ولو أن كل واحد منا حمل حجرا وتوجه لفلسطين لطردنا اليهود منها، ماذا عملت مصر بعد اتفاقيات كامب ديفيد هل جهزت جيشا لإنقاذ فلسطين. ويقابله موقف مخرج من سوريا يقول: إن العداء معنا لأننا مسلمون، هل رأيتم اليهود يقتلون نصرانيا من أهل فلسطين؟

فالموضوع ليس فيمن يحسن عرض الواقع، ولكن فيمن يقدم العلاج الناجع له.

لو أنكم تركتم الناس تتلمس الحل الصحيح من أهل الحل الصحيح لكان هذا أفضل بكثير مما تفعلونه بهم، تلهبون حماسهم وتذكون شرارة الإيمان فيهم لتقبضوا منهم أموالا، أو لتصعدوا على أكتافهم.

إن كتاب الله محفوظ بقدرة الله تعالى، لن يبلى ولن ينسى ولن يصيبه تحريف أو تبديل، وإنقاذه يكون بجعله حيث أراد الله له، أن يطبق ما فيه فيؤدي دوره بحق بدل هذا الدور الذي أريد له.

وهذا لن يتحقق بكثرة الحافظين له، وإنما يكون بإقامة دولة الإسلام دولة الخلافة التي تجعل من كتاب الله كتابها ودستورها ومنهجها فتحافظ عليه حق المحافظة، وإن تجرأ أحد على محاولة إهانته (حاشاه من كل إهانة) قطعت يده وأنسته لبن أمه.

هذا هو الحق الذي يجب أن نقوله للناس وإن كان مرا، فما أسهل على المرء من أن يتبرع بأموال لكفالة حافظ قرآن، ولكن ما أصعب عليه أن يواجه الواقع المر فيتجرع مرارته ويظل صامدا حتى يحقق ما أمره الله به.

فإن كنتم تؤثرون حلاوة جمع الأموال على مرارة العمل من أجل إقامة الخلافة فإن أقل ما يمكن أن تقدموه لأمتكم هو أن تكفوا عنها وتتركوها تتلمس الحل الصحيح ما دمتم غير قادرين على تقديمه لها.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أبو يوسف
هل سيكمل القلم ؟
أبو إبراهيم
إقتباس(أبو يوسف @ Dec 16 2005, 01:13 AM)
هل سيكمل القلم ؟
*


القلم لا يتوقف بإذن الله

ولكنها سـِـنـَـة ٌ من الإعداد
طالب عوض الله
بسم الله الرحمن الرحيم
كم تشوقت للقاء الأخ الكبير أبي الحارث التميمي، بعد أن قرأت مناشدة أخواننا شباب هذ المنتدى بعودته لإتحافنا بالدرر الثمينة من فكر الدعوة، وزاد اعجابي بالرجل العظيم كثرة مدح الأخ الصديق سيف الدين عابد حيث زامله في لقاءات صوت الأمة، ولكن بعد قراءة مواضيع هذا الباب قلت في نفسي أن دعوة بها هذا العملاق الفكري سيأذن الله لها تحقق الغاية والهدف متى شاء، ونرجوا الله أن يكون ذلك قريباً، لقد شاهدت تلهف شيوخنا الأوائل على المنعة والتمكين فلم تكتحل عيناهم برؤية تحقق ما أفنوا أيام حياتهم في العمل لها، وذهب الشيوخ العظام المؤسسون وغير المؤسسين ، وكل يوم تزداد الدعوة شباباً وتجدداً وأملاً جديداً وفتوحات لم نفكر بها يوماً، كيف لا تفتح لنا ما استعصى على غيرنا ولا زال فينا شيوخ عظام وفقهاء ومفكرون ؟ نعم عظام من أمثال أبي الحارث التميمي، وأبي إياس ، وقبلهم وفي المقدمة شيخ الشيوخ أبو ياسين، فأهلاً حللت وسهلاً نزلت ، أخا كبيراً وشيخاً فاضلاً ، طامعين منكم مزيداً من العطاء.
أبو الحارث التميمي
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد

أعتذر أولا عن التأخر بالكتابة والردود، وذلك لبعض ظروف السفر والانشغال، وأشكر جميع الإخوة على ثقتهم فكم أتمنى أن أكون فعلا كما يقولون، وأسأل الله تعالى أن أكون عند حسن ظنهم بي.

وبالنسبة لما كتبه الأخ الفاضل أبو عبادة تعليقاً على الآيات الكريمات في سورة الكهف، فإن ما ذكره صحيح، ولا يخالف في نظري ما كتبته، فقد تناولت الآيات من جانب وتناولها هو والإخوة الأفاضل الذين لا نستغني عن علمهم ولا ننفك نبحث عن ملاحظاتهم استعانة بهم، تناولوها من جوانب أخرى، وهذه مما امتاز به كتاب الله العظيم إذ أن آياته تفهم من كل جانب، وتعطي ثمارها في كل حين.

أما ذكره الأخ الفاضل زين العابدين حول الإيمان، فالإيمان هو التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل، ونحن لم نستعمل كلمة الإيمان كونها قاعدة فكرية أو قيادة فكرية أو فكرة كلية وإنما استخدمنا هذه المسميات للعقيدة، صحيح أن العقيدة والإيمان شيء واحد كون الإيمان والاعتقاد متماثلان، إلا أن استخدام العقيدة كقاعدة كلية أشمل من الإيمان فالإيمان يشمل تعريف الإيمان نفسه كونه تصديقا جازما ...إلخ ويشمل الإيمان بشكل عام. ولكن العقيدة تشمل الإيمان كله أي كل أركان الإيمان.
أبو الحارث التميمي
المقال السابع: الأيام العشر، بركة الوقت وضياعه

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدي رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد

أسأل الله تعالى أن يعيننا وجميع المسلمين على الاستفادة من الأيام القادمة بالطاعة والعبادة والذكر، وعدم تضييعها باللهو وقتل الوقت، وهي العشر الأول من ذي الحجة، أعظم الأيام عند الله تعالى، عن مجاهد عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد) وروي من وجه آخر عن مجاهد عن ابن عمر بنحوه وقال البخاري: وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما.

وأخرج الترمذي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر. فقالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولا الجهاد في سبيل الله. إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)

وروى أبو داود عن عبد الله بن قرط عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أعظم الأيام عند الله تبارك وتعالى يوم النحر ثم يوم القر) ويوم القر هو يوم الاستقرار في منى ويأتي بعد يوم النحر. وأخرج مالك عن زياد بن أبي زياد عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له) وأخرج مسلم عن ابن المسيب قال: قالت عائشة: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء) وروى النسائي عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري عن قتادة بن النعمان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من صام يوم عرفة غفر له سنة أمامه وسنة بعده) وأخرج الترمذي عن عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صيام يوم عرفة، إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده)

فهذه الأدلة وغيرها كثير تدل على عظمة هذه الأيام ومنها يوم عرفة ويوم النحر، وسعيد من استفاد من هذه الأيام بالإكثار من العبادة وأقصد ها هنا بالعبادة التنفل، فلا يتصور من المسلم أن يتعبد الله بالفروض في مثل هذه الأيام ولا يتعبده بها في الأيام الأخرى، فهذا وربي مصيبة وأي مصيبة.

فالمسلم مأمور أن يعبد الله كما أمر جل وعلا في كل وقت وفي كل مكان، أن يأتي بالفروض التي فرضها الله جل وعلا عليه، وهذه الفروض تتعدد وتتنوع فمنها ما يخص بكلمة العبادة كالصلاة والصيام والصدقة وغيرها، ومنها ما يخص بكلمة المعاملات، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنها العمل لإقامة ما يقيم كل هذه الفروض في المجتمع ويحمي قيامها وهو إقامة حكم الله في الأرض، فهذه كلها فروض لا يتأتى أن تنسى في أيام السنة وتذكر أو يذكر بعض منها في رمضان أو في مثل هذه الأيام العظيمة.

بل النصح هو في الاستفادة من مواسم الطاعة هذه التي تكرم الله علينا بها، في الإكثار من النوافل.

والوقت فيه بركة كبيرة إن استغل في طاعة الله تعالى، وفيه محق وضياع إن استغل بغير ذلك من اللهو وإن كان مباحا فيما إذا زاد عن حده فصار مضيعة للوقت، أو لم يقصد به وجه الله تعالى.

فمثلا: مشاهدة مباراة لكرة القدم تستغرق ساعتين من الزمن، ومشاهدة فيلم في التلفزيون تستغرق ساعتين أو ساعة ونصف، ومشاهدة مسرحية قد تستغرق أكثر من ثلاث ساعات، واللعب واللهو يأخذ من الوقت ما يضيعه ولكن قراءة جزء من القرآن الكريم تستغرق فقط خمسا وعشرين دقيقة، وهي القراءة المتأنية التي يطلق عليها التلاوة. وقراءة صفحة من كتاب متوسط القطع تستغرق دقيقة أو أكثر قليلا، وقيام الليل إن قرئ في الركعة بربع حزب لا يزيد عن ساعتين، والجلوس بعد الصلاة لذكر الله بالأذكار المأثورة لا يزيد عن عشرة دقائق، وهكذا، نجد أن في الوقت بركة إن استغل في طاعة الله تعالى، ولذلك تكون الحياة التي يعيشها الإنسان على قلتها كافية لأن تساوي الآخرة بأبديتها إن استغلها الإنسان وعرف قيمتها.

أمر آخر، لقد كتب الله علينا قصر الأعمار بالنسبة للأمم السابقة، فقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعمار أمتي ما بين ستين إلى سبعين وأقلهم من يجوز ذلك) وأثر عن أحد الأنبياء أنه لما علم بقصر عمر من يأتون بعده من الأمم استغرب وقال: كيف يعبدونك يا رب. فهو يستغرب من قصر العمر هذا كيف يتسنى للمؤمن أن يعبد الله فيه حق عبادته، وهذا وإن لم يصح فإن معناه صحيح، إذ كيف تكفي ستون سنة أو سبعون لعبادة الله تعالى.

لو قلنا المتوسط سبعون سنة، فهي تعادل 25200 يوم أي 604800 ساعة أي 36288000 دقيقة
ولو فرضنا في المعدل ما يلي:
دخول الحمام يوميا وملحقاته: ساعة في اليوم = 25200 ساعة = 1050 يوم = 3 سنوات
النوم وما يسبقه من نعاس وما يتبعه من استيقاظ: ثماني ساعات في اليوم = 201600 ساعة = 23 سنة
التنقل والخروج وغيره: ثلاث ساعات في اليوم = 75600 ساعة = 8.5 سنة
الأكل والشرف: ساعتان في اليوم = 50400 ساعة = 6 سنوات
الوقت الضائع: ساعتان في اليوم = 50400 ساعة = 6 سنوات
المجموع : 46 سنة ستا وأربعون سنة بالتقريب ويكون الباقي من السبعين 24 سنة مع عدم احتساب أمور كثيرة.

وهذا أمر نسبي إذ يمكن لكل واحد منا أن يحسب معدل ما يستهلكه يوميا من وقت فيعرف كم يروح من عمره في النوم والأكل ودخول الحمام واللعب واللهو وغير ذلك. وما وضعت هذه الحسبة إلا لتكون نموذجا فيضع كل واحد منا حسبته ليعرف أين يذهب عمره.

وعودا لما بدأته في الفقرة السابقة عن قصر العمر، فإن الله تعالى أكرمنا وأنعم علينا وعوضنا، نعم وعوضنا بهذا العمر القصير نسبة إلى من سبقونا بمواسم وأيام وأماكن للعبادة، لو قمنا بها كما أمرنا لصارت عبادتنا له أكثر من سبعين سنة، بل لفاقت مئات السنين.

إنني لا أحب أعياد الميلاد ولا أذكر أنني احتفلت بواحد منها، بل أرى تحريم ذلك، ولكن ما وددت أن أقوله هنا أمرا آخر، وهو إشفاقي على كل من يحتفل فرحا بيوم ميلاده، ولو أدرك المسكين أن عمره قد نقص ودنوه من القبر قد زاد لم يطفئ شمعة، بل لأشعل شمعة (إشعال الشموع دليل الحزن، وإطفاؤها دليل الفرح عندهم) ولذلك ينتابني حزن شديد إذا جاء يوم مولدي ويتغلبني شعور بأني حملت إلى قبري قدر سنة.

وكثيرا ما أطرح هذا اللغز (ما هو الشيء الذي إن زاد نقص) إنه العمر، كما زاد عمرك كلما نقص عمرك، وكل يوم يمر عليك يدنيك من قبرك يوما، ولله در الحسن البصري رحمه الله عندما قال: يا ابن آدم، إنما أنت بضعة أيام فإن ذهب يوم ذهب بعضك. وقالت رابعة لسفيان: إنما أنت أيام معدودة فإذا ذهب يوم ذهب بعضك.

فالعمر فيه بركة كبيرة إن عرف كيف يستغل، وهو ممحوق البركة إن ضيع باللهو والعبث.

والمسلمون من دون الناس أولى الناس بمعرفة هذا، فإنهم مع مسئوليتهم عن أنفسهم أمام الله تعالى، فإنهم مسئولون عن باقي الأمم ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)) فهم مسئولون عن الأمم كلها يدعونهم إلى الإسلام، وينقذونهم من النار، ولن يكون هذا أبدا بالاستسلام لهذا الواقع والاستجابة لفتنه ومتعه وإلهاءاته، بل بتغييره بالإسلام كي يكون هو المبدأ الذي يسير حياة الناس وفق كيان الخلافة التي ستكون بحق محفظة الوقت عند المسلمين. فكم يحتاج المسلمون إلى استغلال وقتهم لتحقيق كل هذا.
رحم الله من قال: كم في القبور من حسرات.

وصلى الله على سيدي القائل : الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها ثم تمنى على الله الأماني.

أسأل الله تعالى أن يرشدنا ويلهمنا ويعيننا على الاستفادة من وقتنا فيما ينفعنا وينفع أمتنا وينفع البشر الذين ينتظرون منا الكثير.
أبو الحارث التميمي
المقال الثامن: الوهلة الأولى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة و السلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد

تأثر الناس عامة بالإعلام تأثر ظاهر، تغلب عليه العفوية في أكثر الأحيان، إذ عادة ما يكوّن التأثر بما يطرحه الإعلام استجابة لمؤثراته، تضخمها المعلومات السابقة الموجودة في الذهن فيما إن كانت معلومات خاطئة أو صحيحة.

والإعلام يستغل الناحية الإخبارية في التوجيه، فهو يعطي الخبر ولكنه يوجهه ويوحي من خلاله، ولذلك تختلف الأخبار والمعلومات عن الإعلام اختلافا كبيرا.

والناس بشكل عام تتلقى الخبر الإعلامي المغلف بالإيحاء، وتستجيب طبيعيا لهذا الخبر وقد تردده فتحقق القصد الإيحائي منه.

عندما تسيطر أجواء الجريمة في مجتمع ما وينتشر الفساد فيصبح ظاهرة، فإن كل خبر يتعلق بجريمة أو بحالة من الفساد يفسر بشكل عفوي وفق أجواء المجتمع، فإذا كان التفكير بالخبر هنا سطحيا عند تلقيه، فإنه سرعان ما يربط الخبر المتعلق بجريمة أو بمظهر غير أخلاقي بالأجواء العامة للمجتمع، وقد يكون الأمر غير ذلك.

ومن هنا يستغل الإعلام كسلاح يوجه الرأي العام نحو مقاصد معينة، فهو يوجد الأرضية بالإيحاء، فتخرج النتائج من العقول وكأن العقول هي التي صنعتها بينما هي (العقول) كانت ضحية للإيحاء الإعلامي.

قبل سنوات طويلة ظهر ممثل في مسرحية مصرية في محكمة وسأله القاضي: لماذا تسكن في عمارة فيها راقصة، هذا يدل على أنها راقصة محترمة، وإلا لكنت خرجت من العمارة؟ فأجاب الممثل: لو كل إنسان خرج من عمارته لأن فيها راقصة لبات الناس كلهم في الشارع. استجاب الناس بشكل عفوي لما قاله الممثل وقابلوه بالتصفيق الحاد موافقين على ما قاله. ولو فكر واحد من المصفقين قليلا لأدرك أن الممثل يكذب ويزور، فمصر ذات الكثافة السكانية لا تشكل فيها الراقصات إلا نسبة ضئيلة جدا لا تتعدى 0.016 بالمائة من عدد السكان، ولكن لأن الكلمة لامست واقعا ملحوظا (إعلاميا) تأثر الناس بها وسلموا فعلا بما قاله الممثل مع أنه غير صحيح.

ما الذي ربط اسم مصر بالرقص الشرقي والراقصات وغير ذلك من مظاهر الفساد؟ إنه الإعلام. وما دام هذا كله قد ارتبط بالذهن وتأثرت به النفس فقد صار من الطبيعي أن يستجيب العقل ويصفق.

وقس على ذلك كل ما يمارسه الإعلام في صنع الحكم على الواقع، وإيهام العقول بأنها فكرت وخرجت بالنتيجة في حين أنها كانت أداة عفوية له استخدمها ليحقق أغراضه.

إدراك هذه الناحية الخطيرة، لا بد أن يؤدي إلى الحذر، كل الحذر عند تلقي أي خبر إعلامي، سواء أكان هذا الخبر معلومة عن واقع أم تاريخا يقدم بشكل فني، أم غير ذلك من أدوات الإعلام الكثيرة والمتنوعة والمتناثرة في أرجاء الأرض.

والحذر يكون من عدم إعمال العقل عند تلقي الخبر، ويكون من الحكم عليه من الوهلة الأولى دون التعمق في دراسة الواقع، والتثبت من المعلومات المتعلقة به ثم الربط الصحيح وفق قاعدة ثابتة تضمن للعقل عدم الانحراف في الحكم على الواقع.

والحذر من الفرض بأن كل ما يقدمه الإعلام صادق وصحيح، بل الأصل في ظل وجود التآمر على الأمة والذي نراه في كل زاوية وفي كل ناحية، أن يفترض العكس حتى يثبت نقيضه.

وقد جاء في الحديث الصحيح: (كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع) وقديما قال الشاعر:

وهمْ نَقَلُوا عَنّي الذي لمْ أفُهْ بهِ .......... وَمَا آفَةُ الأخْبَارِ إلاّ رُوَاتُهَا

إن الله أكرمنا بالإسلام وأكرمنا بالعقل، والإسلام ضبط للعقل طريقه إلى الصواب وضمن له ألا ينحرف، فلو أحسنا استخدام عقولنا لأدركنا الكثير من الحقائق، ولتكون عندنا الوعي على الكثير من المؤامرات، ولعرفنا متى نصفق ونؤيد ومتى نرفض ونستهجن.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏الجمعة‏ 06‏ ذو الحجة‏ 1426هـ
الموافق ‏06‏/01‏/2006م
عابد الله
لا فض فوك استاذنا الكبير الفاضل

ابا الحارث التميمي .
طالب عوض الله
إقتباس(عابد الله @ Jan 6 2006, 12:03 AM)
لا فض فوك استاذنا الكبير الفاضل

ابا الحارث التميمي  .
*



اللهم آمين
وله إن شاء الله خير الجزاء
وله منا كل التقدير والاحترام
وندعوا الله أن ينفعنا من علمه الغزير
وأن يثيبه على تقواه وورعه خير الجزاء
ونشهد له بكل خير ، ولا نزكي على الله أحداً
وأعود مكرراً ما كتبته سابقاً:
بسم الله الرحمن الرحيم
كم تشوقت للقاء الأخ الكبير أبي الحارث التميمي، بعد أن قرأت مناشدة أخواننا شباب هذ المنتدى بعودته لإتحافنا بالدرر الثمينة من فكر الدعوة، وزاد اعجابي بالرجل العظيم كثرة مدح الأخ الصديق سيف الدين عابد حيث زامله في لقاءات صوت الأمة، ولكن بعد قراءة مواضيع هذا الباب قلت في نفسي أن دعوة بها هذا العملاق الفكري سيأذن الله لها تحقق الغاية والهدف متى شاء، ونرجوا الله أن يكون ذلك قريباً، لقد شاهدت تلهف شيوخنا الأوائل على المنعة والتمكين فلم تكتحل عيناهم برؤية تحقق ما أفنوا أيام حياتهم في العمل لها، وذهب الشيوخ العظام المؤسسون وغير المؤسسين ، وكل يوم تزداد الدعوة شباباً وتجدداً وأملاً جديداً وفتوحات لم نفكر بها يوماً، كيف لا تفتح لنا ما استعصى على غيرنا ولا زال فينا شيوخ عظام وفقهاء ومفكرون ؟ نعم عظام من أمثال أبي الحارث التميمي، وأبي إياس ، وقبلهم وفي المقدمة شيخ الشيوخ أبو ياسين، فأهلاً حللت وسهلاً نزلت ، أخا كبيراً وشيخاً فاضلاً ، طامعين منكم مزيداً من العطاء.
أبو الحارث التميمي
المقال التاسع : التصفية الدينية أو الفتنة الطائفية
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد

التصفية الطائفية، نار يجب أن تخمد قبل اشتعالها، فأي رأي يؤيدها يجب أن يكتم، وأي تصرف يوقظها يجب أن يوقف، وأي فكرة تؤيدها يجب أن يرد عليها لتموت في مهدها، لأن هذه الفتنة نار تحرق كل شيء وتأكل كل أخضر ويابس، ولا تورث إلا المجازر والمآسي والكوارث.

أن تتم تصفية الإنسان لمجرد اعتقاده أو مذهبه أو رأيه فهذا أمر خطير.

أن يصبح القتل على الهوية، أو الاسم فهذا ما يجعل القتل من أجل القتل، فيستحر القتل في سلسلة من الحلقات لا يمكن أن تنتهي.

هذا ما يراد أن يحصل في بلاد المسلمين، وهذا ما يسعى أعداء المسلمين إلى تحقيقه، إذ يكفي أن يستحر القتل بين المسلمين أنفسهم أو بين المسلمين وغيرهم، ليتمكن هؤلاء الأعداء من تحقيق مآربهم بالسيطرة والنفوذ.

لقد عاش غير المسلمين في الدولة الإسلامية وتحت رعاية المسلمين آمنين على أنفسهم وعلى دينهم وعلى أموالهم وأعراضهم، ولم يشهد التاريخ تصفية لأي فئة منهم من قبل المسلمين، رغم المآسي التي وجدها المسلمون من أمثالهم كما حصل في الحروب الصليبية وإجلاء المسلمين من الأندلس وغيرها.

لم يفكر المسلمون يوماً وهم يعانون من ظلم الصليبيين أن ينتقموا من النصارى الذين يعيشون بينهم، فقد ضبط لهم الفقه الإسلامي واقع غير المسلمين من كونهم أهل ذمة أو محاربين أو مستأمنين.

وقد سجل التاريخ بشهادة مؤرخي الغرب أنفسهم أن اليهود نزحوا من إسبانيا عام 1429م هربا من محاكم التفتيش النصرانية التي كانت تطارد المسلمين واليهود، لأنهم كانوا يعيشون بأمان الإسلام وسلطان الإسلام قبل مجيء الإسبان، وعاش الكثير من اليهود في المدن المغربية ومارسوا التجارة وغيرها من الحرف، وتنامى نفوذهم، وعلى الرغم من لمسهم أمن العيش تحت ظل المسلمين، إلا أنهم أظهروا للفرنسيين في بلاد المغرب أنهم كانوا ضحايا للمسلمين، وذلك بعد أن أقاموا علاقات قوية معهم.

كما سجل التاريخ أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يحرق أو يتلف أو يصادر أسفار اليهود ووثائقهم في خيبر بل تركها معهم.

ومن وصية أبي بكر الصديق لأسامة بن زيد رضي الله عنهما وأرضاهما: (يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأةً، ولا تعقروا نخلاً، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرةً مثمرةً، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرةً ولا بعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له)

هكذا فهم المسلمون رسالة الإسلام وهم يحملونها دعوة إلى غيرهم من الكفار، رسالة دعوة ودعاية، وليست رسالة تصفية دينية، فقد قال تعالى (لا إكراه في الدين) وقال (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ) .

لقد أدرك المسلمون أن الإسلام لم يأت ليصفي الناس من الوجود حسب دياناتهم، بل إنه تركهم ودياناتهم، ولم يقم في دعوته لهم إلا بدور الراعي الذي يحمل رسالة لغيره، فيزيل كل العقبات التي تحول بينه وبين غيره، من أجل أن يمكن غيره من العيش في ظل الإسلام لافتا نظره إليه، فإن آمن ودخل في دين الله فقد ضمن آخرته، وإن لم يفعل فقد ضمن على الأقل أن يعيش حياته في الدنيا متمتعا بما عنده من دين، وإن كان كفرا، ظافرا بعدل الإسلام ورحمته.

ولذلك وجدنا أبا بكر رضي الله عنه يقول لجنوده: (وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له) .

إن الذين يروجون لفكرة أن المسلمين لا يقبلون العيش مع غيرهم من الكفار، يريدون بذلك أن يوجدوا صورة عن المسلمين في أذهان غيرهم، تساهم من ناحية في ترسيخ التصفية الدينية عند المسلمين، وتساهم من ناحية أخرى في إذكاء هذه التصفية عند غير المسلمين. وتزرع من ناحية أخيرة في أذهان الغير أن دولة الإسلام دولة للمسلمين فقط، دولة عنصرية دينية عرقية.

لقد كشفت أوراق البردى التي كتبها أهل مصر في أول دخول للمسلمين إلى مصر كيف أن أقباط مصر رحبوا بجيش المسلمين، وكيف أنهم وصفوا هذا الجيش بانضباطه، وأخلاقه، وحسن معاملته، وكيف أنه أنقذهم من الروم، كيف لا؟ وقد تحققت فيهم نبوءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا فإن لهم ذمة ورحما) [رواه الحاكم، والبيهقي والطبراني بسند صحيح] وقوله: (إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة ورحما) [رواه مسلم] ومعنى القيراط هو أن قبط مصر يسمون أعيادهم وكل مجمع لهم : القيراط يقولون : نشهد القيراط .

ولذلك فرق المسلمون بين أهل الذمة وهم رعايا الدولة الإسلامية الذين يعيشون تحت حكمها، سواء أكانوا رعايا لها بعد جهاد مع دولتهم، أم أنهم دخلوا في ظل الدولة ليعيشوا فيها بمحض إرادتهم. وبين الكفار الحربيين الذين يحاربون المسلمين، سواء أكانت حالة الحرب قائمة معهم فعلا فيكونون حربيين فعلا، أم كانت غير قائمة فيكونون حربيين حكما، وبين المستأمنين الذين يدخلون بلاد المسلمين بأمان فلا يجوز التعرض لهم ولا قتالهم.

لقد نظم الإسلام العلاقة بين المسلمين وغيرهم تنظيما دقيقا، ورعى غير المسلمين بأحكامه الشرعية رعاية تامة، ولو أن أحكام الإسلام قائمة ودولة الإسلام موجودة لرأى غير المسلمين ما لم يروه اليوم.

أما مع وجود المتآمرين على الإسلام وأهله، والطامعين في بلاد المسلمين، وغيرها، فإن بواعث الفتنة الطائفية تنتهي حبالها في أيديهم ليحركوها كما يشاؤون، ولا يكلفهم ذلك كثيرا، فالأجواء مشحونة، والمفاهيم الصحيحة مفقودة، والتأثر بالواقع هو المعيار لتصرفات الإنسان، ولذلك نرى ما يؤسف له في بلاد المسلمين من زرع لبذور الفتنة في اقتتال المسلمين بين أنفسهم كما يحصل في العراق وبينهم وبين غيرهم كما يحصل في مصر.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏الأحد 18‏ ربيع الأول‏ 1427هـ
الموافق ‏16‏/04‏/2006م
ابو الفهد
ما زلت تتحفنا بدموع قلمك شيخنا الفاضل...

لا فض فوك استاذنا الكبير...


إقتباس(أبو الحارث التميمي @ Apr 16 2006, 11:46 PM)
لقد عاش غير المسلمين في الدولة الإسلامية وتحت رعاية المسلمين آمنين على أنفسهم وعلى دينهم وعلى أموالهم وأعراضهم، ولم يشهد التاريخ تصفية لأي فئة منهم من قبل المسلمين، رغم المآسي التي وجدها المسلمون من أمثالهم كما حصل في الحروب الصليبية وإجلاء المسلمين من الأندلس وغيرها.

لم يفكر المسلمون يوماً وهم يعانون من ظلم الصليبيين أن ينتقموا من النصارى الذين يعيشون بينهم، فقد ضبط لهم الفقه الإسلامي واقع غير المسلمين من كونهم أهل ذمة أو محاربين أو مستأمنين.

*

الله أكبر ما اعظم هذا الدين

الله أكبر ما اعظمه من خالق

الله أكبر ما ارحمه من خالق... ارحم من الام على ولدها


اللهم عليك بكل من اشعل نار الفتنة بين المسلمين, اللهم شل لسانه واركانه, واجعل تدبيره في تدميره,,,

قاتل الله الكفر والكفار, وقاتل الله افكارهم ونواياهم.
أبو الحارث التميمي
بسم الله الرحمن الرحيم

المقال العاشر: وقفة مع كلمة النصر

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على من اصطفى.

أصل الكلمة:

قال ابن زكريا في مقاييس اللغة: «نصر: النون والصاد والراء أصل صحيح، يدل على إتيان خير وإيتائه»

وأصل نَصَرَ مصدره وهو: نَصْر، فهو أصل اشتقاقه، وهو اللفظ الدال على حدث مجرد عن الزمان، متضمن أحرف فعله لفظاً، وهو مصدر ثلاثي.

اشتقاقات الكلمة، وتغير معناها:

وعلى ما ذكره ابن زكريا، فقد اشتقت من كلمة نصر بعض معاني الخير من العطاء والمطر والعون، وإسداء الخير.

فتقول: نصر الغيث الأرض أي سقاها. ونصر الغيث الأرض نصرا: غاثها وسقاها وأنبتها. وقال أبو عبيد: نصرت البلاد إذا مطرت فهي منصورة أي ممطورة ونصر القوم إذا غيثوا، وفي الحديث: «إن هذه السحابة تنصر أرض بني كعب» أي تمطرهم.

والنواصر مجاري الماء إلى الأودية واحدها ناصر والناصر أعظم من التلعة يكون ميلا ونحوه. والنواصر من الشعاب ما جاء من مكان بعيد إلى الوادي فنصر سيل الوادي. والنواصر مسايل المياه واحدتها ناصرة سميت ناصرة لأنها تجيء من مكان بعيد حتى تقع في مجتمع الماء حيث انتهت لأن كل مسيل يضيع ماؤه فلا يقع في مجتمع الماء فهو ظالم لمائه. وقال أبو حنيفة: الناصر والناصرة ما جاء من مكان بعيد إلى الوادي فنصر السيول.

ونصر البلاد ينصرها أتاها، عن ابن الأعرابي: ونصرت أرض بني فلان أي أتيتها. قال الراعي يخاطب خيلا:

إذا دخل الشهر الحرام فودعي ،،،،،، بلاد تميم وانصري أرض عامر

والنصر: العطاء. قال رؤبة:

إني وأسطار سطرن سطرا ،،،،،، لقائل يا نصر نصرا نصرا

ونصره ينصره نصرا: أعطاه. والنصائر العطايا، وقف أعرابي على قوم فقال: انصروني نصركم الله. أي أعطوني أعطاكم الله.

وقال ابن سيده في المخصص: النصر إعانة المظلوم نصره ينصره نصراً، والنصير الناصر والجمع أنصار.

طلب النصر: وإذا دخلت الألف والسين والتاء على الفعل فهي تفيد الطلب، فاستنصر أي طلب النصر، والاستنصار استمداد النصر. واستنصره على عدوه أي سأله أن ينصره عليه. قال الفيروزآبادي: والاسْتِنْصارُ: اسْتِمْدادُ النَّصْرِ، والسُّؤالُ.

أما الانتصار فأصله الانتقام: وانتصر الرجل إذا امتنع من ظالمه قال الأزهري: يكون الانتصار من الظالم الانتصاف والانتقام. وانتصر منه انتقم، قال الله تعالى مخبرا عن نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام ودعائه إياه بأن ينصره على قومه فانتصر ففتحنا كأنه قال لربه انتقم منهم كما قال رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا. والانتصار الانتقام وفي التنزيل العزيز (ولمن انتصر بعد ظلمه) وقوله عز وجل (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) قال ابن سيده: إن قال قائل أهم محمودون على انتصارهم أم لا قيل من لم يسرف ولم يحاوز ما أمر الله به فهو محمود.

والتناصر التعاون على النصر، قاله ابن سيده في المخصص. والتناصر التعاون على النصر وتناصروا نصر بعضهم بعضا وفي الحديث «كل المسلم عن مسلم محرم أخوان نصيران» أي هما أخوان يتناصران ويتعاضدان والنصير فعيل بمعنى فاعل أو مفعول لأن كل واحد من المتناصرين ناصر ومنصور وقد نصره ينصره نصرا إذا أعانه على عدوه وشد منه ومنه حديث الضيف المحروم «فإن نصره حق على كل مسلم حتى يأخذ بقرى ليلته» قيل يشبه أن يكون هذا في المضطر الذي لا يجد ما يأكل ويخاف على نفسه التلف فله أن يأكل من مال أخيه المسلم بقدر حاجته الضرورية وعليه الضمان. وتناصرت الأخبار صدق بعضها بعضا.

والنصرة حسن المعونة، قاله ابن سيده.

والنصير الناصر قال الله تعالى (نعم المولى ونعم النصير) والجمع أنصار مثل شريف وأشراف و الأنصار أنصار النبي غلبت عليهم الصفة فجرى مجرى الأسماء وصار كأنه اسم الحي ولذلك أضيف إليه بلفظ الجمع فقيل أنصاري وقالوا رجل نصر وقوم نصر فوصفوا بالمصدر كرجل عدل وقوم عدل.

وبعد هذه المقدمة اللغوية المهمة في كلمة النصر أقول:

إن الإنسان بالنسبة للنصر هو واحد من اثنين: طالب للنصر غير قادر عليه، وقادر على النصر فيعطيه غيره.

فالنصر لا يُبادَر به مِن قبل طالبه، وإنما يبادر به من قبل معطيه، فيحصل عليه طالبُه من غيره، لأن النصر هو إيتاء الخير أو إتيانه، وهذا يعني أن طالب النصر لا يقدِّم النصر بل يطلبه مِن غيره، وهو بذلك (النصر) يختلف عن القتل فالقتل يقوم به فاعله لأنه قادر عليه سواء أقام به على نفسه أم على غيره، أما النصر ففاعله يقدمه لغيره الذي يستحق النصر أو يطلبه ليحصل عليه ، لأن أصل النصر هو إيتاء الخير أو إتيانه وهما في الحالتين حصول للخير على يد الغير، فمن يُنصر بالنصر فإنه يحصل عليه من غيره، ومن يعطِي النصر فإنه يعطيه لغيره. لذلك فلا يتصور ممن يطلب النصر ويعمل للحصول عليه أنه قادر عليه، بل هو يطلبه من غيره، لأنه إن كان قادراً عليه فإن وصفه يكون (الناصر) وليس (المنصور) ، وما الإنسان في معنى كلمة النصر إلا واحد من اثنين إما أن يكون ناصراً أو يكون منصوراً.

لذا فإنه يفترض فيمن يطلب النصر أن يدرك أنه (غير قادر عليه وإلا لما طلبه) وأن عليه أن يطلبه ممن هو قادر عليه، ولذلك عندما قال تعالى (وما النصر إلا من عند الله) فقد أراد منع المؤمنين من الظن أن للملائكة دخلاً في نصرهم، وقد جاءت بعد قوله تعالى (وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) ليدرك المؤمنون أن هذا النوع من النصر هو من عند الله تعالى فحسب وهو القادر عليه ولا يطلب من غيره. وأن على طالب النصر أن يرضي الناصر (من بيده النصر) ويحقق ما طلبه منه كي يعطيه النصر.

أما كيف يحقق الله (الناصر) النصر لعباده (المنصورين) فهذا شأنه هو، فهو يريد من عباده أن يحققوا شروط النصر فحسب، ويباشر هو تعالى نصرهم بحكمته وتدبيره وقضائه، فقد ينصرهم بجنود لا يعلمها إلا هو، وقد يسخر لهم من القوة والمنعة، وقد يهيئ لهم الظروف، إلى غير ذلك. والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سبيل الرشاد.

الجمعة 30 ربيع أول 1427هـ
28/04/2006م
أبو الحارث التميمي
بسم الله الرحمن الرحيم

المقال الحادي عشر: مسرح العرائس

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد،،،

يخطئ كثير من الإصلاحيين في بلادنا (الذين يدعون إلى إصلاح الواقع وليس إلى تغييره) عندما يصدقون فعلاً أنهم يعيشون في دول ذات مؤسسات حقيقية وأن حكامها يسوسونها سياسة حقيقية، ويمعنون في الخطأ عندما يتصورون أن دولهم ذات سيادة كما هي الدول الأخرى التي لا تتبع في سياستها الداخلية والخارجية إلا ما تقرره مصالح شعوبها.

إنه يكفي لأي واحد منا أن يعيش بضعة سنوات في أي بلد من بلادنا ليرى ويلمس أنه يعيش في أكذوبة اسمها دولة، فمن ناحية الإصلاح فإن الكل يدعو إليه، ومن ناحية تحسين مستوى المعيشة فإنه شعار كل حاكم، ومن ناحية الحرص على الوحدة الوطنية ونبذ التفرقة بين أبناء الوطن الواحد فهي ديدن الجميع، ولكن من ناحية العيش في الواقع والتعاطي معه في أبسط جوانب الحياة يدرك كل واحد أن الإصلاح هو آخر ما يعملون من أجله، ومستوى المعيشة من سيئ إلى أسوأ، أما الوحدة الوطنية وما يتعلق بها فهي شعارات كاذبة، وأول من يدوسها هم الحكام، فيزرعون في البلد الواحد ما يفتتها ويجعلها مجرد وهم.

سمعت أن خبيرا في الإدارة وهو من الملحدين (ولعلها نكتة دارجة) زار إحدى هذه البلاد للنظر في طريقة إدارة مؤسساتها، ولما رأى الفساد الإداري والواسطة والرشوة وحرص الكل على مصلحته الشخصية، قال لمرافقه وهو يغادر المطار: أشهد ألا إله إلا الله، فرد عليه المرافق: هل دخلت في الإسلام؟ فرد الخبير: نعم، لأنني أدركت أن الله موجود ولولاه لما سارت أمور هذه البلد لأنه لا أحد يسيرها في الواقع، فلا بد إذن من وجود قوة خفية تسيرها.

تتداول الناس هذه النكتة لتؤكد حقيقة تعيش في جوانبهم وقد لا تنطق بها ألسنتهم وهي أن سبب دمار هذه البلاد وترديها هم الحكام، الذين لم يوجدوا من أجل رعاية شعوبهم، بل وجدوا ليحافظوا على هذه الكيانات الهشة، وليخدموا أسيادهم الطامعين في بلادنا، وإذا ما حققوا شيئا فإنهم يحققون ما يديم استمرارهم في السلطة، ويزيد جيوبهم انتفاخا هم ومن يلف حولهم من أقربائهم ومنافقيهم ومساعديهم.

خذ أي بلد من بلادنا، وانظر إليها في الأطلس الجغرافي وأمعن النظر في خريطتها التي تشمل المعادن والثروات لترى الأعاجيب: العراق: سلة خضروات العالم العربي، السودان: بستان العالم الإسلامي، سوريا: مصدر اللحوم، مصر: مصدر القطن والفواكه، الأردن: مركز المعادن، ناهيك عن دول النفط، والأنهار. ولكن الواقع: مصر تستورد التفاح والورود من الخارج، وسورية تستورد اللحوم، والسودان تعاني من المجاعات، والأردن تعاني من أزمة مياه، والعراق حدث ولا حرج.

فهل كانت المشكلة يوما ما في الثروة، وجودها من عدمه، ندرتها من وفرتها، أم هي في النظام الذي يشرف على الثروات.
ليست المشكلة في الثروات، فالثروات موجودة وكلما تقدم الزمن وتقدم معه العلم كلما تطورت إمكانات الاستفادة من الثروة والمحافظة عليها.

إن من يصدق فعلا أنه يعيش في دولة يمكن إصلاحها فإنه يخلط بين أمرين مهمين، المقارنة بين هذه الدولة وغيرها من الدول المبدئية ذات النظام المنضبط والحكام المخلصين لشعوبهم (وإن كانت دولا كافرة) وبين هذه الدول التي يسوسها عملاء لا يعملون لمصلحة شعوبهم ولا يحملون لهم أي إخلاص، أولئك تسيرهم مصلحة شعوبهم والنظام الذي ارتضاه الجميع عندهم، وهؤلاء تسيرهم الدول الطامعة في بلادنا فهم مجرد أدوات تحركهم هذه الدول كيفما تشاء.

ولكن من يعي الواقع ويعرف حقيقة الأمور، وينظر إلى ما حوله نظرة السياسي الواعي على واقعه، فإنه يعرف الحقيقة ولذلك يدرك من أول وهلة أن ثمة بونا شاسعا بين الإصلاح والتغيير، الإصلاح يكون في نظام صحيح ومع حكام مخلصين لشعوبهم، أما التغيير فهو العمل لإزالة هذا الواقع وإيجاد الواقع الصحيح وبعدها يكون الإصلاح.

ومثل الفريقين كمثل اثنين يجلسان في مسرح للعرائس، وينظر كلاهما إلى العرائس وهي تتحرك، فيظن الأول أن العرائس تتحرك بإرادتها فيستعجب ويصدق، وذلك لأنه لا يرى الخيوط التي تحركها، أما الآخر فإنه يرى تلك الخيوط ولذلك فهو يعلم من أول ما جلس في المسرح أن العرائس لا تتحرك بإرادتها وإنما بإرادة من يمسك خيوطها.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏الاثنين‏ 24‏ ربيع الثاني‏ 1427هـ
الموافق ‏22‏/05‏/2006م
سردار
فتح الله عليك شيخنا ووالدنا ابو الحارث واطال الله فى عمرك لتكتحل عيناك وعيوننا جميعا باقامة وعد الله فى الارض باقامة خلافة الاسلام

وامد الله قلمك بمداد الخير واليمن والبركة وانعم عليك بمقالات تكون لنا عرائس من الشمع لنتزود منها وننهل منها فما نحن الا كما قال اخوانى تلاميذ فى مدارسكم وانتم شيوخنا واحفاد صحابة رسولنا صلى الله عليه وسلم

اننــــــــــــــــــــــــــــا احببناك فى الله وجمعنا الله فى خلافة الاسلام وعزة الدارين
أبو الحارث التميمي
المقال الثاني عشر: احذر أن تقدم هذه الخدمة المجانية.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد،،،

الإحساس بالفساد الذي يستشري في المجتمع أمر طبيعي، والقلة النادرة هي التي لا تشعر بوجود الفساد، وأقصد بالفساد هنا التسمية الطبيعية له، التي يتناولها الأفراد كلما رأوا ظاهرة من ظواهرها، الأخلاق السيئة، الرشوة، الزنا، الجرائم بكل أنواعها، النفاق، الكذب، الظلم، ولعل أكثرها تناولا بين أفراد المجتمع ظواهر الفساد التي تمس الأعراض، أو تلك التي تنتشر بين الأولاد والبنات: السلوك الشائن، التقليد المنحط، اللباس الفاحش، وغيره مما يتذمر منه أفراد المجتمع ويستغربون لرؤيته.

وهناك من الناس من يحب أن يذكر حالات الفساد في المجتمع، فهو إن رأى تصرفا مشينا من شاب أو فتاة فإنه سرعان ما يتحدث به: هل تصدقون أنني رأيت اليوم كذا وكذا؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله. كيف يحدث هذا في مجتمعنا؟ والله لم نكن نراه من قبل. وهكذا يتناول الناس ظواهر الفساد متذمرين، متضايقين. وضع في اعتبارك الشائعات التي تضخم الوقائع والأحداث.

هناك توجه في هذه الأنظمة لجعل حالة الفساد حالة طبيعية، وهذا التوجه يخدم بالإعلام والدعاية والإعلان، وبالاهتمام برموز الفساد سواء أكانت هذه الرموز أفكارا، أم سلوكيات أم أشخاصا، وهذا التوجه لم يتم بهذه الآلية فحسب، بل انتقل إلى ما هو أخطر من ذلك، وهو جعل حالة الفساد حالة اعتيادية في المجتمع، حالة لا تتذمر منها النفوس، ولا تقشعر لها الأبدان، ولا تتمعر منها الوجوه، ولذلك فإنهم يتلذذون في نشر وإشاعة كل ما يتعلق بالفساد بجميع أنواعه، ويذكرني هذا بالماسونية التي انتشر صيتها في فترة من الفترات حتى بدأ الناس يشكون في كل شيء أنه ماسوني، اللون الأزرق، النجمة الثمانية، الشمعدان، وضع الأصابع على الذقن، هيئة الجلوس وغير ذلك، وهذا وإن كان يخدم كما يظن البعض عملية إظهار خطر الماسونية، ولكنه في الحقيقة يخدم أمرا أخطر وهو إشاعتها بين الناس حتى تصل إلى درجة القناعة بوجودها وانتشارها، ثم اليأس من القضاء عليها.

هذه ناحية مهمة جدا، فانتشار الفساد شيء وإشاعته بالشكل الذي يبدو عليه وكأنه سمة من سمات المجتمع شيء آخر، لذا فليحذر الذين يتحدثون عن الفساد لمجرد إظهار وجوده، ليحذروا من أن يكونوا مروجين له من غير أن يشعروا، مساهمين في انتشاره وهم يظنون أنهم يحاربونه.

في رأيي أن من يذكر ظواهر الفساد في المجتمع دون أن يربط ذكرها بالحل الجذري لإزالتها فإنه يقدم بخدمة مجانية للأنظمة الفاسدة من حيث يشعر أو لا يشعر، وهو لا يختلف في دوره هذا عن برامج الدعاية والإعلان الفاسدة، أو عن صفحة الجرائم التي شأنها نشر الجريمة أكثر من القضاء عليها.


فلا بد من الانتباه لهذا الأمر، فمن أراد أن يحذر من ظاهرة فساد في المجتمع فإن عليه أن يتناولها تناولا صحيحا فيذكرها دون مبالغة، ثم يذكر خطرها ثم يبين كيفية القضاء عليها أي ببيان الحل الجذري للقضاء عليها.

وعندما نتكلم عن الحل الجذري فإننا نتحدث بالطبع عن إزالة الفساد إزالة تامة، بمعنى ألا يكون ظاهرة في المجتمع، ولا أحب أن يقال هنا ما يردد عادة في هذا المقام: نحن لسنا في مدينة فاضلة. مجتمع الرسول عليه الصلاة والسلام فيه أناس فاسدون، الإنسان ليس ملكا (بفتح اللام) . وهذا كله وإن كان صحيحا في ظاهره ولكنه إن أطلق بدون فصاحة وبيان فإنه يكون مبررا لوجود الفساد.
نحن لا نتحدث عن الفساد كسلوك فردي، فهذا لا يخلو منه أي مجتمع ولا حتى مجتمع المدينة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وإلا لم شرعت العقوبات، ولم وجدت السلطة التأديبية، نحن نتحدث عن الفساد كظاهرة وسمة من سمات المجتمع، فالرشوة مثلا جريمة قد يرتكبها أي فرد في المجتمع، وهي ليست ظاهرة إن وجد النظام الذي يثير التقوى في النفوس، ويطبق القانون الإلهي، ولكنها تصبح ظاهرة إذا قام النظام بتشجيعها ورعايتها، ووضع الناس في حالة من الفقر والعوز والحاجة تدفعهم للتفكير في أي سبيل من سبل العيش، أذكر أن أحد رؤساء الجمهوريات في بلادنا اشتكى لأحد مساعديه من قلة إقبال الناس على التوظف في وزارة الداخلية، فقال له مساعده: سأجعل الناس يدفعون المال مقابل العمل في هذه الوزارة. وقام على الفور بإشاعة الرشوة بين الموظفين، حتى وصل الحال في هذا البلد أن أصبح الموظف يدفع للآخر مبالغ من المال (خلو رجل كما يسمونه) مقابل أن يتبادلا مكان العمل في الحدود أو الجمارك أو ما شابه ذلك، وبذا أصبحت الرشوة ظاهرة تميز هذا البلد عن غيره من البلاد.

القمار حالة فردية قد تظهر في أفراد المجتمع، ولكنها ظاهرة فساد عندما ترعاها الدولة، وتشرف على تنظيمها سواء في إنشاء صالات القمار أو في السماح بكل أنواع القمار الذي نراه مستشريا في مجتمعاتنا وعلى رأسه ظاهرة رسائل التلفونات النقالة أو ما يسمى بالمسجات (جمع message) -ولنا فيها مقال آخر إن يسر الرحمن- بل قد وصل الإمعان في تأصيل هذه الظاهرة أن أفتى بعض مشايخهم بجواز القمار من أجل تنشيط السياحة مع إباحته للسياح وتحريمه على أهل البلد، وكذلك شرب الخمرة، وغيرها من المنكرات.

وهنا يبدو الفرق واضحا بين الفساد كسلوك فردي، وبين الفساد كظاهرة في المجتمع، يرعاها النظام ويشرف عليها وينمي نتائجها، ثم إنه إذا اشتكى الناس من هذه الظاهرة قال النظام: المشكلة في أبنائكم، عليكم أن تربوهم وتحسنوا رعايتهم.
ولا يمكن أن يكون الفساد ظاهرة في المجتمع إلا برعاية، وتنظيم، ولذا فإن الحل الجذري للقضاء عليه ليس بالقول أن الفساد سببه الولد الفاسد أو البنت الفاسدة أو الموظف المرتشي، أو التاجر الغاش، بل يكون الحل الجذري في القضاء على سبب الفساد في المجتمع وهو النظام الذي أوجده وتبناه وأحسن رعايته.

إن خطيب الجمعة أو الواعظ أو أي متحدث يتحدث عن الفساد ويظهر أماراته وينشر أنواعه في المجتمع دون أن يعي ربط ذلك كله بفكرة القضاء على الفساد وإزالته بشكل جذري فإنه لا يختلف في نتيجة طرحه عن أي برنامج تلفزيوني أو مطرب ماجن أو ممثلة ساقطة يقدم الكل خدمة مجانية في نشر الفساد وإشاعته في المجتمع.

إن الناس ليسوا بحاجة لمن يلفت نظرهم للفساد فهم يرونه ويستشعرونه ويتذوقون مرارته يوميا، ولكنهم يحتاجون إلى من يضع لهم المنهج العملي للقضاء على الفساد، إنهم يحتاجون بحق للآلية التي تقضي على الفساد فتجنبهم إياه وتجنب أبناءهم خطر الوقوع فيه.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏الثلاثاء‏ 08‏ جمادى الثانية‏ 1427هـ
الموافق ‏04‏/07‏/2006م
أبو مالك
إقتباس(أبو الحارث التميمي @ Jul 3 2006, 11:41 PM)
المقال الثاني عشر: احذر أن تقدم هذه الخدمة المجانية.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

إن خطيب الجمعة أو الواعظ  أو أي متحدث يتحدث عن الفساد ويظهر أماراته وينشر أنواعه في المجتمع دون أن يعي ربط ذلك كله بفكرة القضاء على الفساد وإزالته بشكل جذري فإنه لا يختلف في نتيجة طرحه عن أي برنامج تلفزيوني أو مطرب ماجن أو ممثلة ساقطة يقدم الكل خدمة مجانية في نشر الفساد وإشاعته في المجتمع.

إن الناس ليسوا بحاجة لمن يلفت نظرهم للفساد فهم يرونه ويستشعرونه ويتذوقون مرارته يوميا، ولكنهم يحتاجون إلى من يضع لهم المنهج العملي للقضاء على الفساد، إنهم يحتاجون بحق للآلية التي تقضي على الفساد فتجنبهم إياه وتجنب أبناءهم خطر الوقوع فيه.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏الثلاثاء‏ 08‏ جمادى الثانية‏ 1427هـ
الموافق ‏04‏/07‏/2006م
*


كل مقالتكم درر شيخنا الفاضل، واسمح لي هذا الاقتباس

وبالفعل لقد وضعتم اليد على جرح يخفى على الكثيرين وأنرتم بصيرتنا أنار الله بصيرتكم ووفقكم لما يحب ويرضى
أبو بدر
إقتباس
هناك توجه في هذه الأنظمة لجعل حالة الفساد حالة طبيعية


يعني بدل أن نقول النظام فاسد، صار علينا أن نقول أن الفساد صار نظاماً!!
أبو بدر
إقتباس
وهنا يبدو الفرق واضحا بين الفساد كسلوك فردي، وبين الفساد كظاهرة في المجتمع، يرعاها النظام ويشرف عليها وينمي نتائجها، ثم إنه إذا اشتكى الناس من هذه الظاهرة قال النظام: المشكلة في أبنائكم، عليكم أن تربوهم وتحسنوا رعايتهم.


نسيت أن أقول، أنني حضرت ذات مرة ندوة لأحد الإصلاحيين المهتمين بقضية المخدرات. ومن ضمن ما أشار إليه، أن تجار المخدرات لديهم من الإمكانيات الشيء الكثير؛ إلى درجة أن زوارق خفر السواحل لا تلحق بزوارق المهربين.
وبعد التفصيل، قال أن الحل هو بيد الاسرة، الآباء والأمهات. قلت حينها لصاحبي: كيف يعني يكون الحل بيد الأب والأم؟ هل تخرج الأم بالشوكة والسكين لتخويف المهربين؟؟!!

ربما على كل رب أسرة أن يشتري زورقا "طراد بلهجتنا"، ويتعلم كيف يبحر ويضع عليه رشاشا كي يصير زورقا حربياً...

وهلموا إلى تحقيق شعار كل مواطن خفير...

كي يأخذ نشامى وزارة الداخلية معاشاتهم ويستريحوا في بيوتهم ويربوا كروشهم بـ"المفطّح" وإخوانه.
أبو الحارث التميمي
المقال الثالث عشر: الخط المضيء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.

قديما قيل: أن رجلا انقطع به الطريق في الصحراء، فلا ماء ولا زاد ولا راحلة، وبينما هو كذلك ينتظر الموت، إذ مر عليه فارس شهم فرأى حالته فأنقذه وسقاه ثم أعطاه طعاما فلما ارتاح ردفه معه على حصانه، وما سارا قليلا إلا انقلب الرجل على الفارس وهدده بخنجر في يده وضعه على عنقه وقال له توقف، فلما وقف الفارس قال له: انزل. فلما نزل أخذ ماله وزاده وماءه وراحلته ثم تركه في الصحراء. فقال له الفارس: أهذا جزاء الإحسان، أهذا جزاء ما فعلت لك من معروف. فلم يرد عليه الرجل، وسار بالحصان، فلما ولى ناداه الفارس من بعيد: يا أخي، يا أخي، فتوقف الرجل وقال للفارس: ماذا تريد. فقال الفارس: أسألك بالله ألا تروي ما حدث منك لي لأحد، واكتمه ما حييت. فرد الرجل: ولم؟ فقال الفارس: حتى لا ينقطع المعروف بين الناس.

إن ذوي الإحساس المرهف يدركون أن ثمة خطا مضيئا يجب أن يظل في حياة الأمة على مرور الأزمان، خط مضيء يظل يذكر الأمة بالصواب، يظل يرسم لها الحق كي لا تنساه في خضم التأثر بالواقع والتعايش معه.

لقد مرت الأمة في مهالك كادت أن تودي بها، وفي مؤامرات كادت أن تقضي عليها، وفي حروب كادت أن تسحقها، رأت الظلم من الحكام، ورأت التخاذل من العلماء، ورأت التآمر من الأعداء.

انحرفت بالمنهج عندما أساءت تطبيق أحكام الإسلام، فتجرعت مرارة هذه الإساءة، تهاونت في المحاسبة والإصلاح والتغيير فقبضت الثمن مآسي مضاعفة.

ولكنها في ذلك الخضم كله لم تفقد الخط المضيء الذي ظل موجودا فيها يرسم لها سبيل الله أمام سبيل الشيطان، الحق أمام الباطل، الخير أمام الشر.

كان فيها من يصدع بالحق ليبقى الحق موجودا في الأمة، وإن كان صدعه لا يؤثر في الواقع.

كان فيها من يحمل الحق ويسير عليه، ليحافظ على الخط المضيء وإن كان حمله ضعيفا وسيره بطيئا.

كل أولئك يدركون أن كلمة الحق يجب أن تقال وإن لم تلغ الباطل، وأن موقف الحق يجب أن يظهر وإن غلبه موقف الباطل.

كل ذلك ليبقى دين الله صافيا.

هل تتصورون ما هو حالنا لولا هذا الخط المضيء في حياتنا؟

هل تتصورون ما هو حالنا لو أن كل العلماء انقلبوا إلى مهرجين للحكام؟

هل تتصورون حالنا لو أن كل حركة أو حزب أو جماعة أضفى الشرعية على الواقع وألبسه لباس الإسلام، وجعل من الحكام أولياء أمر شرعيين؟

هل تتصورون حالنا لو أن كل كلمة انطلقت في الفقه، أو فكرة وجدت في السياسة، أو معالجة في الاقتصاد كانت منحرفة، مضللة، مغلوطة؟

هل تتصورون حالنا لو أن كتب ثقافتنا كانت وردية الطرح، مضللة المنهج، منافقة الأسلوب؟

هل تتصورون حالنا لو فقدنا هذه الكلمات من قاموس ثقافتنا: الخلافة، الوحدة، الأرض الإسلامية، المعالجات الشرعية، الأخلاق الإسلامية، الشهادة، الشرف، الجنة.

هل تتصورون حالنا لو طغت هذه الكلمات على ثقافتنا وسلوكياتنا: العولمة، العمالة، المفاوضات، الاستسلام، المتعة، الحرية، الإباحية، الكذب، وغيرها.

ماذا سيكون حالنا، وماذا سيؤول إليه حال أولادنا؟

متى سيعرف الحق؟

إنه سينسى وسنتحول إلى أمة فاقدة للهوية، بل سنتحول إلى ما تحولت إليه الأمم الأخرى، كاليهود والنصارى فلا دين يثقون به، ولا شريعة يرجعون إليها إلا تحريف في تحريف.

قد يرد علي مخلص فيقول: إن الأمة انحرفت، وفقدت هويتها، وضاعت بين المبادئ والأفكار الوضعية؟

وأرد عليه فأقول: لا تستعجل، فقد يكون كلامك صحيحا لو فقدت الأمة الخط المضيء في حياتها، وما دامت لم تفقده وهو موجود فيها، فلن تضيع الأمة ولن تهلك، لأنها حتما سترجع يوما إلى هذا الخط فتسير عليه.

نعم، إنها لم تفقده ولن تفقده، فهي أمة الخير وسيظل هذا الخط المضيء فيها إلى ما يشاء الله تعالى، كل ما في الأمر أن تلتفت إليه وتتبناه وتسير عليه فتهدى به إلى عزها ووحدتها.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏الاحد‏ 10‏ شعبان 1427هـ
الموافق ‏03‏/09‏/2006م
أبو دجانة
أخي أبا الحارث
بارك الله فيك وجزاك الله عنا وعن الإسلام والمسلمين كل خير
ولا حرمنا الله منك ولا من قلمك الذي ما زال ينبض فيمدنا بكلمات
بل بحكم درر تكتب بماء الذهب .
أبو الحارث التميمي
المقال الرابع عشر

أين هيبتنا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد،،،

كان البرنس أرناط صاحب الكرك من أشر الناس يومئذ، وقد غدر بالمسلمين في حالة الهدنة في سنة اثنتين وثمانين وخمس مائة ، ولما ناشده المسلمون الصلح بينه وبينهم قال ما فيه استخفاف بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم واستهزاء به، فلما علم صلاح الدين الأيوبي بأمره أرسل إليه قائلا: (أين العهود؟) فلم يلتفت أرناط لرسالته وشن الغارات على المسلمين وفتك فيهم فنذر السلطان دمه وقال: لأنتصرن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فلما كانت وقعة حطين سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة وقد انتصر بها المسلمون وأسروا بعض ملوك الفرنجة ومنهم أرناط ولما سيق الملوك أسرى بين يدي السلطان نزل من مجلسه وسجد لله شكراً، ثم جاء إلى خيمة واستدعاهم فأجلس الملك جفري عن يمينه وبرنس الكرك إلى جانبه ونظر السلطان إلى الملك وهو يلتفت يتلهب عطشاً فأمر له بقدح من ثلج وماء وكانوا عطشى فشرب صلاح الدين وناول الملك جفري من الشراب المثلوج، فقام جفري بمناولة الشراب للبرنس أرناط، فقال السلطان للترجمان: قل للملك جفري أنت الذي سقيته وإلا أنا فما سقيته. ثم قال لأرناط: يا ملعون يا غدار، حلفت وغدرت ونكثت وجعل يعدد عليه غدراته ثم قال: أنا انتصر لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم منك . ثم عرض عليه الإسلام فامتنع فسل سيفه وحل به كتفه فقتله. فلما رآه الملك جفري قتيلاً خاف وطار عقله فأمنه السلطان وقال : هذا غدار كذاب غدر غير مرة.

هل بعد هذه الهيبة من هيبة؟

إن الهيبة ليست تاريخا يذكر ولا أمجادا تتلى، ولا ماضيا يفتخر به، بل هي رهبة في نفوس الآخرين تجعل الواحد منهم يفكر ألف مرة قبل أن يستهزأ أو يستخف.

هكذا تصون الأمة كرامتها بين الأمم، فتحسب لها الأمم الأخرى كل حساب.

كانت الأمة الإسلامية عزيزة مهابة عندما كانت تعرف معنى قوله تعالى (يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) فعندما قال عبد الله بن أبي هذه الكلمة استدعى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابنه عبد الله فقال له: ألا ترى ما يقول أبوك ؟ قال : وما يقول بأبي أنت وأمي؟ قال: يقول لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فقال: فقد صدق والله يا رسول الله أنت والله الأعز وهو الأذل أما والله لقد قدمت المدينة يا رسول الله وإن أهل يثرب ليعلمون ما بها أحد أبر مني بأبيه، ولئن كان يرضي الله ورسوله أن آتيهما برأسه لآتينهما به فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا فلما قدموا المدينة قام عبد الله بن عبد الله بن أبي على بابها بالسيف لأبيه ثم قال له: أنت القائل : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ؟ أما والله لتعرفن العزة لك أو لرسول الله والله لا يأويك ظله ولا تأويه أبدا إلا بإذن من الله ورسوله فقال ابن أبي: يا للخزرج ابني يمنعني بيتي يا للخزرج ابني يمنعني بيتي فقال : والله لا تأويه أبدا إلا بإذنه منه فاجتمع إليه رجال فكلموه فقال : والله لا يدخله إلا بإذن من الله ورسوله فأتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبروه فقال : اذهبوا إليه فقولوا له خله ومسكنه فأتوه فقال : أما إذا جاء أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنعم. وجاء في رواية أنه لم يدخل حتى قال رسول الله الأعز وأنا الأذل.

كانت للمسلمين هيبة عندما كانوا يفهمون قوله تعالى (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) ويحسنون تطبيقه، قال الطبري: وإنما أمر بذلك نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يفعل بالناقض العهد بينه وبينهم إذا قدر عليهم فعلا يكون إخافة لمن وراءهم ممن كان بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبينه عهد حتى لا يجترئوا على مثل الذي اجترأ عليه هؤلاء الذين وصف الله صفتهم في هذه الآية من نقض العهد كي يتعظوا بما فعلت بهؤلاء الذين وصفت صفتهم فيحذروا نقض العهد الذي بينك وبينهم خوف أن ينزل بهم منك ما نزل بهؤلاء إذا هم نقضوا العهد.

أما وقد سقطت الهيبة، ونزعت الرهبة فإنها فرصة لكل متجرئ أن يتجرأ على الإسلام وأهله، فيقول ما يشاء ويصرح بما يعتمر قلبه من حقد وكراهية، وذلك لسبب واحد وهو ألا هيبة للإسلام وأهله في نفسه.

وهذا الذي يفسر لنا تصرفات كل من تجرأ على دين الله وعلى رسول الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم بكلمة، أو تعبير أو كاريكاتير أو فيلم أو غير ذلك.

عندما زار بابا الفاتيكان السابق يوحنا بولس الثاني الجامع الأموي في دمشق، وهي الزيارة الأولى في التاريخ كما يذكرون لحبر أعظم إلى مسجد إسلامي، تساءل الناس لماذا لم يقدم البابا اعتذارا للمسلمين عن الحروب الصليبية التي اكتوى بنارها المسلمون لعدة قرون؟ لماذا لم يعتذر وقد قدم في الوقت نفسه كل الاعتذارات لليهود وضحايا النازية والكنيسة الأرثوذكسية وغيرها؟ بل إنه اكتفى بكلمة في الجامع الأموي طالب فيها بالتسامح والصفح بين المسلمين والمسيحيين على حد قوله.

لم يهابون المسلمين، وقد صاروا ممزقين في دويلات تأتمر بأمرهم هم، عليها حكام هانوا على أنفسهم وعلى شعوبهم، لا يحركون ساكنا إن أهين كتاب الله أو أسيء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . يسعون إلى رضا أسيادهم وهم يدركون أن هؤلاء الأسياد أعداء لهم ولشعوبهم.

إنها وقفة تستحق التفكير، فبدل أن نطالب بالاعتذار عن قبح العمل علينا أن نمنع أمثال هذا القبح أن تحصل، فهل اعتذر إلينا البابا السابق ليعتذر سلفه الحالي، وإن اعتذر فما قيمة اعتذاره ما دام كتاب ربنا ورسالة رسولنا على طاولة استهزاءاتهم واستخفافهم.

إن على المسلمين أن يدركوا أن عزتهم التي تزرع الهيبة في نفوس أعدائهم وتجعلهم يحسبون لنا ألف حساب، تكمن في توحدهم على دين الله تعالى مطبقين أحكامه كما أمرهم الله تعالى في دولة واحدة، لا تستمد عزتها من الشرق أو الغرب بل تستمدها من الله ورسوله والمؤمنين.

قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)

‏الجمعة‏ 29‏ شعبان‏ 1427هـ
الموافق ‏22‏/09‏/2006م
أبو الحارث التميمي
المقال الخامس عشر

الحكم البوليسي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد،،،

الحكم البوليسي أو ما يسمى بالحكم القمعي، يقوم على أساس قهر الناس، ويستمد بقاءه من السيطرة على الناس بالقوة، لأنه يدرك أن الناس لا تريده، أو أنها لا ترضى به.

وكون الحكم البوليسي يقوم على هذا كله، فإنه يأخذ الناس بالشبهة، ويفترض أن كل إنسان في المجتمع مدان حتى تظهر براءته، ولذلك تجده لا يتورع عن محاكمة الناس ظلماً، كما لا يتورع عن اتهام الناس بالباطل، ناهيك عن ضربه بقسوة شديدة كل محاولة تقوم في المجتمع للإنقاص من قدره، أو للفت النظر إلى ظلمه، أو للتغيير عليه.

وأسوأ ما يوجده مثل هذا الحكم في المجتمع هو الجبن والخنوع القسري، الذي يؤدي بالناس دوماً إلى اليأس من الواقع بل وإلى كراهية الواقع والمجتمع والبلد، لارتباط ذلك كله بما يعانيه الإنسان يومياً من ظلم، ولما يتوجسه من مغبة القبض عليه أو تعذيبه أو سجنه أو قتله.

الأمر الآخر هو أنه لو وجد مثل هذا الحكم في مجتمع تسود أفراده التقوى (تقوى الله تعالى) لكان حرياً به بعد فترة من مزاولة بوليسيته أن يحول المجتمع إلى مجتمع فوضوي لا شخصية له، فيفقد المجتمع مع استمرار هذا الحكم الشخصيات المتميزة الموجودة فيه.

ومن أضرار الحكم البوليسي أنه يجعل الناس تتطلع إلى أي تغيير، أي تتطلع إلى أن يتغير حالها، وإن كان التغيير إلى غير ما تحدده لهم عقيدتهم، ففي العراق مثلاً أدى الحكم البوليسي الموجود إلى تطلع الناس لأي تغيير، فأصبح الشعار والتحرك لمجرد التغيير أي لمجرد الخلاص من الحاكم الحالي وليس تطلعاً إلى تغيير متميز، إنها طبيعة المجتمعات التي تحكم بمثل هذه الأنواع من الأحكام، يغلب طابع ردة الفعل والتأثر بالواقع على طابع التفكير المنتج المؤدي إلى التغيير بشكل صحيح.

ومن أضراره أيضاً أنه يميت العزة والكرامة في النفوس وينزع منها الإباء، ذلك أنه يوجد نوعاً غريباً من الطبقية في المجتمع، وهي ليست طبقية اقتصادية أو طبقية عائلية، بل أخطر من ذلك، إنها طبقية المتنفذين والخانعين، فيضطر الخانعون إلى تملق المتنفذين الذين يمثلون الحكم البوليسي، وإلى رشوتهم لاتقاء شرهم، أو لأخذ حق منهم أو منفعة أو مصلحة، حتى ترى الشرطي الصغير له هيبة على الشيخ العجوز وما ذلك إلا بسبب ما يستمده هذا الشرطي من قوة تجاه هذا العجوز المسكين.

إن الحكم البوليسي يميت طريقة التفكير في المجتمع، فبدل أن يكون الناس في بحبوحة من العيش تمكنهم من التفكير والإنتاج بعيداً عن لباس الجوع والخوف، تجدهم يعيشون تحت رعب هذا الحكم خوفاً من القتل أو التشرد أو غيره مما ينالهم من هذا الحكم، فيصبح هاجس الناس هو مجرد الحياة كائنة ما كانت هذه الحياة.

لقدْ أوجب الإسلام على المسلمين أن يقولوا الحق، وعلم الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته أن يقولوا الحق، وزرع الإباء فيهم، ورباهم على العزة والكرامة، ولم يقبل منهم أن يكونوا خانعين ذليلين، حتى أنه عندما يذكر الجاهلية يلمح عليه الصلاة والسلام إلى مكارمها، فقد جاء في الحديث: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» ، «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا» وكان يطلب من الصحابة أن يذكروا له من شعر الجاهلية ما فيه الشجاعة والكرم والإباء والعزة والكرامة، فقد ورد أنه استحسن قول عنترة

ولقد أبيت على الطوى وأظله ،،،،،،، حتى أنال به كريم المأكل

ولذا فإنه لم يضجر من رد الصحابة عليه في موضوع صلح الحديبية، كما أنه لم يستنكر مخالفتهم لرأيه في عدم الخروج للمشركين في أحد، وغير ذلك من الأدلة التي تدل على أنه عليه الصلاة والسلام علمهم على أن يحيوا حياة العز والكرامة والطاعة، فقد قال عليه السلام: «لميتة في طاعة خير من حياة في معصية» .

وهكذا كان الصحابة الكرام من بعده، فأبو بكر يقول: «فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني» وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، ولذلك لم يكونوا يخافون الأمة ولكنهم كانوا يخافون عليها.

إن الحكم البوليسي يفقد الدولة الركن الثابت الذي تعتمد عليه في قيامها، وهو الأمة، إذ تنعزل الأمة عن الحاكم، فتصبح عدوة له بدل أن تكون صديقة له، وتلعنه بدل أن تنصحه، فتكثر محاولات التغيير الصحيحة والفاسدة.

جاء في الحديث (إذا ابْتَغى الأميرُ الرّيبة في الناس أفسَدَهم) وهذا هو واقع الحكم البوليسي، لا تعرف الصالح من الطالح، يشك الرجل في ابنه وزوجته قبل أن يشك في جاره، فأي حياة هذه وأي مجتمع هذا وأي عيش يمكن أن يعيشه الناس.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏الأربعاء‏ 05‏ رمضان‏ 1427هـ
الموافق ‏27‏/09‏/2006م
أبو الحارث التميمي
المقال السادس عشر

مساجدنا وكنائسهم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد،

تحول عجيب بدأ يظهر على مساجدنا، وأخشى ما أخشاه أن تتحول مساجدنا إلى كنائس للمسلمين.

تحول زرعت بذوره وها هي ثماره قد أينعت.

لا تستعجلوا وإليكم البيان:
العوامل المساعدة وجدت طبيعيا لتساعد لا لأن تكون غايات في ذاتها، فالمظاهرة من العوامل المساعدة التي تساهم في إيجاد فكرة أو التجهيز للقيام بعمل، والوعظ والإرشاد عوامل مساعدة تساهم في إيجاد التقوى وتحث على الالتزام بأحكام الشرع.

ولكن .....

أن تصبح المظاهرة غاية فيقام بها من أجلها فقط، وأن يصبح الوعظ والإرشاد غاية فيقتصر عليه دون غيره، هنا تبدأ المشكلة.

إن الخطورة التي أخشاها هي أن تتحول مساجدنا إلى محطة استراحة، يستريح فيها المسلم من عناء الدنيا ومفاسدها، ينعزل فيها عن الحياة من ناحية، وتساهم هي (المساجد) في عزله عن الحياة من ناحية أخرى.

في الغرب وبعد طغيان الحياة المادية، والحريات التي جعلت من المجتمع مسرحا للإباحية، والرأسمالية التي صنعت الطبقية، والتهتك الأسري الذي أفقد الإنسان لذة التنعم بالعائلة، بعد كل ذلك فإن الكنيسة أصبحت هي المكان الذي يستريح فيه الإنسان (المؤمن) عندهم، إذ يجد فيها راحته، يتطهر من ذنوبه، يستمع للواعظ، يعيش لحظات مثالية من السعادة النفسية، يجد ما يفقده في المجتمع: الحب ، المودة ، الأخلاق، كل المثاليات، فيستريح من عناء ما يجده في حياته اليومية، ثم يعود ليمارس حياته كما هي، وهو على كل حال لم يخرج من الكنيسة يوما ليغير المجتمع، لأن الكنيسة أصلا لم تطلب منه ذلك، ولو طلبته فإنها ليس عندها منهج للتغيير.

هذا هو واقعهم، فهل أصبحت مساجدنا ككنائسهم.

هذا ما يراد لمساجدنا أن تمارسه في حياة المسلمين، أن تصبح كالكنائس، هنا أذان وهناك أجراس، هنا هلال وهناك صليب، هنا واعظ وهناك قس، وهكذا يمارس الدور الواحد في مبنيين مختلفين. توحدت الأهداف وتغيرت الأشكال.

لست قاسيا في ما أطرحه، فهذا ما يراد فعلا وهذا ما يمارس بشكل عملي، تمارسه وزارات الأوقاف في بلادنا لتحول مساجدنا إلى كنائس.

إنهم يعلمون أن الحياة غير إسلامية، وأن المسلم بمجرد خروجه من بيته صباحا إلى عودته إليه وعيشه فيه فإن كل ما حوله يلفت نظره إلى فقدان الحياة الإسلامية من الوجود (أقصد بالحياة الإسلامية انتظام حياة الجماعة بأحكام الإسلام) وهذا كفيل بأن يجعله يفكر أو يتذمر، أو يتضايق، وهنا يبدأ التحول، إذ يصبح المسجد بالنسبة إليه هو المثالية التي يفتقدها في الشارع وفي الحياة بشكل عام، فيستمع إلى الواعظ أو الشيخ يحدثه عن المتحابين في الله، وعن الأخلاق، وعن طاعة الوالدين، وعن تربية الأولاد وعن وعن وعن فترتاح نفسه لأنه قد أخذ قسطا من مسكنات الآلام تريحه مما يجد في حياته، وتشعره بأنه قدم ما عليه، وقد يزاد على هذا كله بتبرع يسير يدفعه عند خروجه من المسجد لحفظة القرآن أو لكفالة يتيم أو لترميم المسجد، فيخرج وقد أعطته وزارة الأوقاف صكا له مفعول قوي يستمر معه إلى لحظة زيارته الثانية ليستلم الصك الآخر وهكذا.

ألهذا وجدت المساجد؟؟؟

إنها وجدت ليبحث فيها المسلمون ما يمس حياتهم، وجدت لتكون دافعا للمسلم أن يتحرك لتغيير الواقع الفاسد، وجدت لتذكر المؤمن بآخرته فتكون دافعا له للتحرك لا مسكنا له للخمول.

إن أحكام الشرع لم تشرع لتبقي على الواقع الفاسد وتفرض له الشرعية، بل شرعت لتغييره وإقامة الحياة الإسلامية مكانه، لأنها أحكام عملية نظمت حياة الفرد والجماعة في سلسلة من الأحكام متداخلة متلاحمة فيما بينها، لها في كل مشكلة رأي، وفي كل حادث حديث، وفي كل معضلة علاج، وهي ليست مجرد وعظ وإرشاد، بل إن الوعظ والإرشاد فيها جزء منها، وجد ليدفع ويمنع، ولذا فإنه من المستحيل أن تتشابه مساجدنا وكنائسهم.

هل استطعت أن أوصل فكرتي، أأمل ذلك.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏الاثنين‏ 17‏ رمضان المبارك 1427هـ
الموافق ‏09‏/10‏/2006م
أبو الحارث التميمي
المقال السابع عشر: الخلافة الراشدة . . . . وقفة من الوقفات

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد،

الأصل في الخلافة أن تكون راشدة، وما عداها مخالف للأصل، فالخلافة الراشدة هي النموذج الصحيح للحكم الإسلامي، تتميز بأنها تطبق الإسلام التطبيق الصحيح، فهي من ناحية في منأى عن إساءة التطبيق، ومن ناحية أخرى يكون تطبيقها للإسلام دافعاً حقيقياً لها لتبني ولتقعّد لمن يأتي بعدها، الحكم فيها ليس لشخص فريد من نوعه، كما أنه ليس في أسرة، أو عشيرة، بل الحكم فيها منهج يسيطر على الجميع ويقود الجميع لتحقيق ما أمر به الله عز وجل.

وكان يكفي في الخلافة أن تكون خلافة هكذا دون وصفها بالراشدة، ولكن أتى الوصف ليميزها عن غيرها، وليجعلها نموذجا للمسلمين لا يقبلون أن يحكموا بنموذج أدنى منه. ولأن الشرع بين لنا أن ثمة خلافة ستأتي بعد الخلافة الراشدة لن تكون مثلها، ولا تصلح أن يقتدى بها، بمعنى أن على المسلمين وهم يعملون لإقامة الخلافة أن يحرصوا على إيجاد خلافة راشدة، لا أي خلافة، ولذلك جاءت هذه الخلافة (الغير راشدة) في معرض الذم فقال عليه الصلاة والسلام: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً) [رواه ابن ماجه بإسناد حسن] وقال عليه السلام في حديث أحمد : (ثم تكون ملكاً عضوضاً) فهي خلافة وقدمت للإسلام والمسلمين الكثير ولكنها على كل حال ليست راشدة، ويكفي هذا ألا يجعلها نموذجاً يسعى المسلمون إلى تحقيقه.

قال عليه السلام في الحديث الصحيح: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فان كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) [رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم] وقد جاء الأمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين مع سنة النبي عليه الصلاة والسلام، مع علمنا وإدراكنا ألا شرع عندنا إلا كتاب الله تعالى، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وهذا ما جاءت به النصوص، ولكن الأمر هنا اختلف فالموضوع هنا ليس موضوع تشريع، فسنة النبي عليه الصلاة والسلام تشريع، وسنة الخلفاء الراشدين تطبيق، ولو فرقنا لقلنا أنهم (الراشدون) أحسنوا التطبيق وغيرهم أساء التطبيق. ويؤيد هذا قوله عليه السلام : (فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً) لأن من يعيش بعد رسول الله عليه السلام يكون قد عاصر الدولة بقيادته عليه السلام، وعاصر من خلف رسول الله عليه السلام، ولكي لا يظن هذا المعاصر أن الاختلاف سيحصل بعد النبي عليه السلام قال عليه السلام: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ..) فيدرك بشكل طبيعي أن الاختلاف الذي يستدعي الرجوع إلى سنة الرسول عليه السلام وسنة الراشدين سيكون بعد الراشدين، ثم جاء التحذير من المحدثات والبدع من أجل ألا يدعي حاكم أنه خليفة راشد بابتداعه سنناً ليست من الإسلام (كولاية العهد مثلاً) ثم يقول إنها سنة راشدة فاتبعوها، بل جاء الحديث بالقاعدة التي يعرف بها الراشد من غيره، وهي أمران الأول قرنه بسنة الرسول عليه السلام، والثاني عدم كونه بدعة أي ألا يكون مخالفاً لما عليه الشرع.

فالخليفة الراشد هو الذي يعتبر دولته امتداداً لدولة الرسول عليه السلام، فيدرس هذه الدولة بأحكامها وطريقة معالجاتها، آخذاً كتاب الله وسنة رسوله في حسبانه، ثم يحسن تطبيق ذلك كله. وهو في مباشرته تطبيق أحكام الإسلام يعيش زماناً غير زمان دولة الرسول عليه السلام، ويمر بظروف غير الظروف، وتطرأ عليه أمور لم تكن موجودة من قبل، ولذا فإنه يسترشد بالشرع لمعالجة كل ذلك، وهو بهذا يستحق أن تكون دولته نموذجاً يدرس ليحتذى به.

إن علينا ونحن نعمل لإقامة الخلافة الراشدة بإذن الله تعالى، أن نلفت نظر أمتنا إلى هذا الأمر (الرشد) لنرفعها إلى التطلع لتحقيق الكمال، ولنخرجها من عقدة الإساءات التي كانت تحصل في زمن الخلافة الغير راشدة.

وهذا يستدعي من العاملين المخلصين الجادين أن ينكبوا على الخلافة الراشدة ليفهموها ويدركوا معنى الرشد فيها، لأننا إن كنا بحاجة للخلافة الراشدة، فإننا أحوج للمحافظة على الرشد فيها.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏الأربعاء‏ 03‏ شوال‏، 1427هـ
الموافق ‏25‏/10‏/2006م
أبو الحارث التميمي
المقال الثامن عشر: البطانة بثوبها الجديد

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد،

دوران مهمان تقدمهما بطانة الشخص وبخاصة المسئول سواء أكان حاكما أم عالما.

الدور الأول يكمن في قدرة البطانة على إيصال الواقع كيفما هو إلى الحاكم، وقدرتها على جعله مطلعا على كل ما يحصل حوله، وهذا بالطبع ليس فيه غيبة أو نميمة وإنما هو وصف الواقع ليكون الحاكم واقفا على كل شيء، وعلى فرض أن مسئولية الحاكم أن يطلع شخصيا على الواقع حوله، على حياة الناس، على تطلعاتهم، على مشاكلهم، على كل ما يصيبهم من أذى، على كل ما يبدونه من آراء، إلا أن هذا قد لا يكون متيسرا في كل حال خاصة فيما إذا اتسعت الدولة وكثر عدد سكانها.

والدور الثاني الذي تقوم به البطانة هو إبداء الرأي والمشورة للحاكم، فمن الطبيعي أن الحاكم إذا أراد أن يقوم بعمل أو يتبنى رأيا، أو يحل مشكلة، أو يختار شخصا لمسئولية فإنه أول ما يلتفت، يلتفت لمن حوله يستشيرهم ويأخذ رأيهم.

هذان الدوران المهمان يمكن أن يصبحا وبالا على الناس فيما لو خانت البطانة الأمانة وصارت عونا على الناس لا لهم، وبدأت تزين الواقع للحاكم، وتشعره أنه مرضي عنه، تسقي فيه الكبر بالمديح له، وتزيد الظلم عنده بالكذب عليه، تشير عليه بما تهوى نفسه، وتبدي له من الآراء ما يوافق مشتهاه، فيصبح الحاكم وبطانته معاول أذى للناس، وأدوات ظلم للرعية.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ) [سورة آل عمران: الآية 118] وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ما بعث من نبي ولا كان بعده من خليفة إلا وله بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالا فمن وقى بطانة السوء فقد وقى) [رواه النسائي والطبراني بسند صحيح، وللبخاري نحوه] .

فإذا أساءت البطانة القيام بدورها على الشكل الصحيح فإنها تقع في الإثم كالحاكم سواء بسواء، عن مسلم بن يسار قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال علي ما لم أقل فليتبوأ بيتا في جهنم ومن أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه) [رواه الحاكم والترمذي وأبو داود] وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (من أذل عنده مؤمن فلم ينصره وهو يقدر على أن ينصره أذله الله عز وجل على رؤوس الخلائق يوم القيامة) [رواه أحمد والطبراني وفيه ابن لهيعة وهو حسن الحديث وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات، كذا في مجمع الزوائد] وجاء في شعب الإيمان (ومن أكل بمؤمن أكلة أطعمه الله مثلها من طعام أهل النار، ومن لبس بمؤمن لبسة ألبسه الله مثلها من لباس أهل النار) .

وقد يقول قائل: الذنب ذنب البطانة، فهي التي تيسر الظلم للحاكم، وهي التي تعزله عن المجتمع، وهي التي تقوم بالأمور من دونه، ولذلك فإن علينا توجيه لومنا إلى البطانة، كما أن علينا أن ندعو الله أن يرزق الحاكم بالبطانة الصالحة.

هذا الكلام يردده الكثيرون اليوم، ونحن لا ننكر دور البطانة بل نؤكد عليه، ولكن المشكلة هي أن مثل هذا الكلام أصبح تكئة للحكام، ومبررا لمنافقيهم، تكئة للحكام أن اعتمدوا على مثل هذه المقولات ليفعلوا ما يشاؤون ما دام كل ما يفعلونه ملتصق ببطانتهم، ومبررا لمنافقيهم أن أصبح منافقوا الحكام يبررون كل تصرف سيئ وظلم ماحق وكل حكم جائر بالبطانة، فأظهروا الحكام بصورة الأبرياء الذين لا ذنب لهم، المخدوعين بمن حولهم، الذين لا يعرفون الواقع بسبب بطانتهم السيئة.

ونحن نسأل بدورنا: من الذي يختار البطانة؟ أليس الحاكم؟ وهل يتصور أن تكون البطانة إلا من جنس الحاكم، فإن كان الحاكم صالحا، عالما، ورعا، تقيا، فهل يتصور أن تكون بطانته من اللاهين العابثين الفاسدين، وإن كان الحاكم فاسدا، لاهيا، عابثا، يحب الغناء واللعب، يتحدث في مفاتن النساء، لا يذكر الله، فهل من المتصور أن يجالسه ويباطنه العلماء المتقون الورعون، صواموا النهار قواموا الليل؟

عن موسى بن وردان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) [خرجه أحمد بإسناد جيد رجاله ثقات رجال الشيخين غير موسى بن وردان، كذا عند شعيب، وأخرجه ابن راهويه والشهاب والطبراني] .

وروي أن أبا موسى الأشعري استكتب ذميا فكتب إليه عمر يعنفه وتلا عليه هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً) وقدم أبو موسى الأشعري على عمر رضي الله عنهما بحساب فرفعه إلى عمر فأعجبه وجاء عمر كتاب فقال لأبي موسى: أين كاتبك يقرأ هذا الكتاب على الناس؟ فقال: إنه لا يدخل المسجد فقال: لم! أجنب هو؟ قال: إنه نصراني؟ فانتهره وقال: لا تدنهم وقد أقصاهم الله ولا تكرمهم وقد أهانهم الله ولا تؤمنهم وقد خونهم الله. وعن عمر رضي الله عنه قال: لا تستعملوا أهل الكتاب فإنهم يستحلون الرشا واستعينوا على أموركم وعلى رعيتكم بالذين يخشون الله تعالى. وقيل لعمر رضي الله عنه: إن ها هنا رجلا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم أفلا يكتب عنك؟ فقال: لا آخذ بطانة من دون المؤمنين.

يقول القرطبي: (وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبة وأمناء فتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة والأمراء) .

ثم نسأل سؤالا آخر: إذا كان الحاكم معزولا عن الواقع ببطانته، فهل مثله يصلح أن يكون حاكما؟ ذكرني هذا بما كان يردده أنصار عبد الناصر في الستينات عندما كانوا يقولون أنه لا يعرف شيئا عما يحصل حوله في السجون والمعتقلات (السجون والمعتقلات التي صارت قدوة لباقي الاستخبارات في بلاد المسلمين) وأن كل ما يحصل حوله كان بسبب صلاح نصر وعبد الحكيم عامر وغيرهم، سبحان الله! من ناحية هو الحاكم الملهم الصالح العادل القوي الشعبي المتواضع، ومن ناحية أخرى هو المغفل الغبي الجاهل! كيف يتسق هذا بالله عليكم؟

فلننته من جمع الأعذار للحكام الفاسدين، ولنعلن أنهم مجرمون هم وبطانتهم مهما كانت بطانتهم، فإن كانت سيئة فلا عجب وإن كان يظهر عليها الصلاح والتقوى كما هو في زمننا هذا فهي أسوأ من السيئة، لأنها تنافق الحاكم، وتضفي عليه الشرعية، وتجعل من ظلمه عدلا، ومن فساده صلاحا، ومن جرائمه فضائل.

ولنتذكر دوما أن الحاكم هو الذي يختار بطانته، فإن كان يريد الصلاح ويبحث عمن يذكره بالآخرة، ويشير عليه بالحق فإن سيختار حتما من هم أهل لذلك، وإن أراد العبث واللهو، والظلم والفساد فإنه سيختار من يعينه عليه.

ولا يزيد الحديث عن الحكام وبطانتهم عن الحديث عن العلماء وبطانتهم، وها نحن اليوم نواجه صرعة جديدة تسمى بطانة العالم فلان، تمارس هذه الصرعة نفس ما مارسته صرعة بطانة الحكام، فما إن يفتي العالم بأمر عظيم فيه خيانة أو تشريع بغير شرع الله، أو تحريف لأحكام الله، إلا وتظهر هذه الصرعة، إن البطانة هي التي تعزله عن الواقع، ولست بحاجة لأن أعيد الكلام فما ينطبق على الحكام ينطبق على العلماء.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل.

‏الثلاثاء‏ 16‏ شوال‏ 1427هـ
الموافق ‏07‏/11‏/2006م
أبو الحارث التميمي
المقال التاسع عشر: العلم في خدمة أحكام الشرع

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه
وبعد،

تسخير العلم لتيسير تطبيق أحكام الشرع أمر محمود، فالعلم نعمة من نعم الله على الإنسان، يفتح له أبواب معرفة قوانين الخلق، (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [يونس: 5] (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ) [النحل: 80] وما على الإنسان إلى البحث وبذل الجهد في معرفة القوانين العلمية واكتشافها ليسخرها لما فيه مصلحته، والمسلمون من أولى الناس في الانكباب على العلوم ودراستها وفهم قوانينها وتطبيقها في حياتهم العملية، فالجهاد من فرائض الإسلام وهو مرتبط بالعلوم العسكرية وعلوم السلاح والجغرافيا وغير ذلك، ولذا لم يتأخر المسلمون يوما في اكتشاف العلوم التي تفيدهم في القيام بفريضة الجهاد فاستخدموا المنجنيق والمواد المتفجرة وغير ذلك.

لقد وجد العلم لييسر للإنسان تطبيق أحكام الشرع، فاتجاه القبلة من أركان الصلاة، ومعرفة اتجاه القبلة أمر علمي يمكن أن يعرف بالظن وعن طريق النجوم ويمكن أن يعرف كذلك بالبوصلة الدقيقة أو أجهزة الديجيتال الحديثة، وبئر زمزم ارتبط بأحكام الشرع، ولذا وجب المحافظة عليه، وفي الوقت الذي كان البئر فيه بسيطا يغرف منه الناس الماء أصبحت اليوم الحاجة ماسة إلى تنظيمه وحمايته بالعلوم الحديثة.

والحج من أهم الفرائض التي تحتاج إلى العلم لييسر تطبيقها خاصة وأن عدد الناس في ازدياد وأماكن الحج محدودة لا تتغير، فالبناء والسعي ورمي الجمرات والوقوف بعرفة وغير ذلك من مشاعر الحج كلها تحتاج إلى تسخير العلم لها كي تطبق كما أمر الله عز وجل.

ومن الخطأ أن يعجز الإنسان عن الاستفادة من العلوم لجهله أو لتخلفه أو لعدم رعايته، فيحاول أن يسد عجزه بتغيير أحكام الشرع بحجة التيسير والتسهيل على الحجاج.

هذا ما حصل في فتوى مفتي السعودية فقد أفتى مفتي السعودية الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ في فتوى وزعت الخميس 28- 12-2006 بجواز رمي الجمرات كلها في اليوم الثالث عشر من شهر ذي الحجة على أن تكون بالترتيب.

وقال آل الشيخ إنه يجوز للحاج أن يؤخر الرمي إلى اليوم الثالث عشر ويبدأ مرتبا بالرمي لليوم الأول جمرة العقبة ثم يرمي الأولى والوسطى والعقبة عن اليوم الحادي عشر ثم يكررها من البداية عن اليوم الثاني عشر ويكررها عن اليوم الثالث عشر. وقال: «إن شريعة الله لا حرج فيها، وشريعة الله لا تقف أمامها مشكلة من المشاكل، وأن من أجتهد ورأى وأفتى برمي الجمار قبل الزوال يومي الحادي عشر والثاني عشر لشدة الزحام وكثرة الناس وعجلتهم وحرصهم على الذهاب وما سيحصل عليهم من طواف الوداع فلا إشكال فيه. لأن الذي أفتاه اجتهد ورأى أن النصوص تقتضي ذلك وأفتى باجتهاد وتحر للصواب ولكل مجتهد اجتهاده في حدود التشريع» فهذا ليس تيسيرا مأخوذا من أحكام الشرع وإنما هو تحريف لأحكام الحج بحجة التيسير، والرخصة (على تفصيل) في الرمي جاءت للنساء والأطفال والشيوخ والرعاة وغيرهم ممن ينطبق عليهم واقع التيسير وليس كل الحجاج.

كان الأصل أن تكون الرعاية للحجاج بتيسير تطبيقهم أحكام الحج كما جاءت عن النبي عليه وآله الصلاة والسلام، وأن تكون هذه الرعاية بالاستفادة من العلوم والتقنيات الحديثة، ولكن أن يكون هذا التيسير على حساب أحكام الشرع فهذا لا يجوز.


إن العلم وجد ليخدم الإنسان، وليسخره من أجل تطبيق أحكام ربه، وعجزه عن الاستفادة من العلوم لا يبرر له تحريف أحكام ربه.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏الثلاثاء‏ 13‏ ذو الحجة‏ 1427هـ
الموافق ‏02‏/01‏/2007م
أبو مالك
أستاذنا الكريم أبا الحارث

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تعلمون أن مسألة ما جعل عليكم في الدين من حرج فهمت هذه الأيام على أساس أن تقدير الحرج وتحريف النص بناء عليه متروكان للعقل

والصواب أن الأحكام الشرعية بذاتها لا تسبب الحرج وهي سهلة التطبيق ميسورة

فالصلاة ليست خمسين في اليوم والليلة والزكاة ليست 90 بالمائة من المال، والحج مرة في العمر على الفريضة وهكذا

فهي أحكام سهلة ميسرة

وصدقت إذ بينت أن التيسير لا يكون على حساب الشرع

قال ابن نجيم في البحر الرائق شرح كنز الدقائق باب القضاء:

ويحرم التساهل في الفتوى واتباع الحيل إن فسدت الأغراض وسؤال من عرف لذلك

وقال الخراشي في منح الجليل شرح مختصر خليل:

ابْنُ فَرْحُونٍ لا يَجُوزُ التَّسَاهُلُ فِي الْفَتْوَى وَمَنْ عُرِفَ بِهِ لا يَجُوزُ اسْتِفْتَاؤُهُ, وَالتَّسَاهُلُ يَكُونُ بِأَنْ لا يُثْبِتَ وَيُسْرِعَ بِالْفَتْوَى أَوْ الْحُكْمِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْ النَّظَرِ وَالْفِكْرِ,

وفي فتاوى ابن حجر الهيتمي:

قول النووي في شرح المهذب كالروضة يحرم التساهل في الفتوى ومن عرف به يحرم استفتاؤه فمن التساهل أن لا يتثبت ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر ثم قال ومن التساهل أن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحرمة أو المكروهة والتمسك بالشبهة طلباً للترخيص لمن يروم نفعه أو التغليط على من يريد ضره،

ومثلها قال النووي في آداب الفتوى والمفتي والمستفتي
سليم ميعاري
اه والله مع حق اخي مشتاق بقولك

القلم لا يتوقف بإذن الله

ولكنها سـِـنـَـة ٌ من الإعداد
أبو الحارث التميمي
المقال العشرون: الأسد المكبل

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه
وبعد،

مشاكل كثيرة تقع في مجتمع اليوم، تبحث عن حلول، إذ من المشاكل ما لا بد من حل لها، وإلا فإنها تتحول إلى كارثة، والكثيرون يطالبون الإسلام من خلال علمائه أن يقدم حلولا لهذه المشاكل، باعتبار أنه الدين الحق وأنه لا تستعصي عليه مشكلة.

صحيح أن الإسلام جاء لمعالجة مشاكل الإنسان، وصحيح أيضا أن نصوص الشرع قائمة تغذي الإنسان بالحلول إلى قيام الساعة، وصحيح أن الاجتهاد في الإسلام وجد ليحول هذه النصوص إلى أحكام عملية تمارس في الحياة الإنسانية فتؤتي ثمارها. ولكن هل يقدم الإسلام حلولا لمشاكل لم توجد في نطاق مجتمعه؟ هل يقدم الإسلام حلولا لمشاكل قدم سلفا الحماية من وقوعها ابتداء؟ هل يقدم الإسلام حلولا لمشاكل وهو معزول عن الحياة؟

أساس الأمر يكمن في وجود تصور خاطئ عن الإسلام وهو أنه يمكن له أن يقدم حلولا جزئية، حتى وإن كان ممنوعا عن تقديم الحلول الشاملة.

عزلوا الإسلام عن الحكم، وأقصوا أحكامه عن الحياة، وحولوه إلى دين كهنوتي، ثم طبقوا القوانين الوضعية، والمناهج الفاسدة، فأنتجت لهم ما أنتجت من مساوئ وكوارث ومشاكل على جميع الأصعدة، وإذا ما طرح الحل الإسلامي قالوا: ليقدم الإسلام حلولا لهذه المشاكل.

إذا ما طرح الحل الإسلامي فالكل يتجاوب معه ولكن من ناحيته ما تمليه عليهم أهواؤهم:

يريدون من الإسلام ما يتناسب مع واقعهم فقط، مثلهم مثل الذي يبدأ كلامه بالبسملة والحمد والصلاة ثم ينهيه بالضلال.

أن تكون للإسلام كلمة إعجاب بالديمقراطية فنعم، ولكن أن تكون للإسلام كلمة الحكم بما أنزل الله فلا.

أن تكون للإسلام كلمة في الرضا بهيمنة الكفار على المسلمين فنعم، ولكن أن تكون له كلمة في الجهاد فلا.

أن تكون للإسلام كلمة في إضفاء الشرعية على تعدد الدول فنعم، ولكن أن تكون له كلمة في الدولة الواحدة فلا.

أن تكون للإسلام كلمة في حرية الرأي فنعم، ولكن أن تكون له كلمة في أحكام الردة فلا.

أن تكون للإسلام كلمة في إباحة الإجهاض فنعم، ولكن أن تكون له كلمة في تحريم الزنا والمحافظة على الأنساب فلا.

وهكذا أصبح الإسلام عندهم ثوبا مهلهلا باليا يصلح لكل جسم مهترئ.

لم يكن الإسلام كذلك منذ أن أنزله الله على رسوله محمد عليه وآله أفضل الصلاة والسلام، لأن الإسلام لم يأت ليكمل نقص حضارة بائدة، ولم تكن أحكامه معالجات لمشاكل مجتمع منحط، ولم يبن يوما على أطلال نظم فاسدة، بل جاء ليغير الواقع تغييرا شاملا كاملا، ليوجد واقعا إسلاميا بكل نواحيه.

هكذا فهم مشركو الجاهلية الإسلام من أول وهلة، إذ أدركوا حقيقة الإسلام وإلام يدعوهم النبي الجديد، علموا أنه لا مجال للمساومة معه، ولا فرصة لهم للتعايش معه في ظل أحكامهم وشركهم وجاهليتهم وفسادهم، علموا من أول لحظة أن عليهم أن يختاروا إما البقاء على ما هم عليه وتحمل النتائج، وإما الانسلاخ مما هم فيه والعيش في أحكام الإسلام عيشا متميزا.

ولعمري فالمسلمون اليوم أولى بهذا الفهم من مشركي الجاهلية، فأولئك مشركون وما بعد كفرهم ذنب، ولا لوم عليهم فيه، ولكن المسلمين مسلمون، يقرأون كلام الله ويفهمون كلام رسوله، يعرفون أحكام الإسلام وتربوا في تعلمها منذ نشأتهم، درسوا سيرة نبيهم عليه وآله الصلاة والسلام من نعومة أظفارهم.

أما آن للمسلمين أن يدركوا أن دينهم جاء ليملك الواقع وليسود المجتمع ولينظم الحياة بأحكامه هو لا بأحكام غيره؟

أما آن للمسلمين أن يدركوا أن عليهم أن ينفضوا عنهم هذا الركون إلى الدنيا وأن ينقضوا على هذا الواقع ليغيروه بالإسلام.

أما آن للمسلمين أن يدركوا أن كل ما يستخرجونه من معالجات وإن سميت إسلامية إنما هي معالجات ملوثة بالواقع السيء، ما دامت لم تخرج من الإسلام وهو في سدة الحكم، وأنها ستكون وبالا عليهم.

نضر الله عالما من علماء الهند الكرام، إذ كان يسير مع أحد تلاميذه في حديقة الحيوانات فسأله تلميذه: أين الإسلام اليوم يا شيخنا؟ فرد عليه سائلا: هل تعرف ما قيمة الأسد ووزنه بين الحيوانات؟ فقال التلميذ: إنه ملك الغابة، يهابه الجميع ولا يخشى أحدا منهم. فقال الشيخ: نعم، ولكنه كذلك إن عاش في غابته فإنه يكون حينئذ ملكا. ثم سار بالتلميذ إلى قفص الأسد، وأشار إليه قائلا: هذا هو الأسد ولكنه ليس ملكا لأنه مسجون، والإسلام يا ولدي مثل هذا الأسد المكبل، لا يستطيع أن يفعل شيئا ما دام معزولا عن ممارسة دوره.

أقيموا الإسلام بكل أحكامه، واجعلوا منه حاكما لكم، لا محكوما بأهوائكم، ونفذوا طريقته كما جاءت عن الرسول الأعظم عليه وآله أفضل الصلاة والسلام، غيروا الواقع بدولة الخلافة، ثم انظروا فإن رأيتم مشكلة فإنكم سرعان ما تجدون لها حلا في دينكم يتناسب مع واقعكم الإسلامي.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏الثلاثاء‏ 29‏ ذو القعدة‏ 1427هـ
الموافق ‏19‏/12‏/2006م
أم ناصر
أدام الله عليكم نعمه سيدي أبا الحارث ، وجزاكم كل خير
أبو دجانة
إقتباس(الرّاجية رحمة ربّها @ Feb 3 2007, 03:02 PM)
أدام الله عليكم نعمه سيدي أبا الحارث ، وجزاكم كل خير
*


اللهم آمين آمين آمين
أبو الحارث التميمي
المقال الحادي والعشرون: النهر المجنون

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه
وبعد،

قيل قديما أن أهل مدينة اكتشفوا نهرا في مدينتهم عذب الماء، فشرب منه بعضهم فأصيبوا بالجنون، ولم يتعظ الباقون من رؤية الذين أصابهم الجنون، لأنهم لم يقاوموا لذة الماء فظل الجميع يشرب ويفقد عقله، وانقلب حال المدينة إذ أصبح أهلها كلهم مجانين، حتى وصل الحال أن بدأ هؤلاء المجانين يتهمون العقلاء بالجنون، ولم يبق ممن لم يشرب من النهر إلا ملك المدينة ووزيره، فاجتمع الملك بالوزير ودار بينهما الحوار التالي:

الملك: ماذا ترى يا وزيري فيما يحصل في مدينتنا؟
الوزير: المشكلة يا سيدي أن الناس يعتبروننا مجانين وهم العقلاء.
الملك: إنهم يعتبروننا أننا نحن المجانين وليسوا هم، فكيف نتصرف معهم، إنهم يريدون القضاء علينا لأننا مجانين في نظرهم.
الوزير: لن نستطيع يا سيدي أن نقاومهم.
الملك: وما هو الحل في رأيك؟
الوزير: أرى يا سيدي أن نشرب أنا وأنت من النهر فنفقد عقولنا ونعيش مع الناس بسلام، ألا ترى أنهم يعيشون متوافقين فيما بينهم.
الملك: نعم، ولكنهم مجانين، كيف نقبل أن نصبح مثلهم؟
الوزير: هذا هو الحل في نظري يا سيدي الملك.

واقتنع الملك برأي وزيره وذهب معه إلى النهر فشربا منه وأصبحا من المجانين، فصار أهل المدينة كلهم مجانين بما فيهم الملك والوزير.

مشكلة أهل المدينة أنهم لم يدركوا أنهم مجانين، والمشكلة الأصعب أنهم بدأوا ينظرون للعقلاء أنهم هم المجانين، فصارت هنالك فئتان فئة لا تشعر بواقعها وتعتبر نفسها أنها هي العاقلة، وفئة ثانية تشعر بالواقع وتدرك جنون الفئة الأخرى، ولكنها تعاني من أنها هي الفئة المجنونة حسب ما تراه الفئة الأخرى فيها، فهي إما أن تتغلب على هذه المعاناة بالثبات على واقعها ومحاولة تغيير واقع الفئة الأخرى، وإما أن تنهي هذه المعاناة بالتحول إلى الجنون.

هكذا هم الناس منذ أن خلق الله البشر وجعل فيهم الرسل، فئة استمرأت الواقع ورضيت به ولا تفكر بتغييره، وتختلق المبررات للسكوت عليه، وتعتبر غيرها من الذين يعملون لتغيير الواقع أنهم خياليون مجانين لن يستطيعوا أن يفعلوا شيئا.

وفئة أدركت أن الواقع يحتاج إلى تغيير فباشرت العمل من أجل تغييره، ولكنها تصطدم دائما بتلك الفئة الواقعية التي لا تريد التغيير.

{وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ }[هود: 38]

{فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ } [هود: 27]

{كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} [الذاريات: 52]

{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ} [القمر: 9]

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا فجعلت الذباب والفراش يقعن فيها وأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقحمون فيها) [رواه الشيخان والترمذي وغيرهم]

إن الذين يعيشون في الواقع السيئ كالواقع الذي نعيشه اليوم، قسمان: قسم يرى التعايش مع الواقع والرضا به والسكوت عليه، وإن تيسر في بعض الأحيان محاولة إصلاحه فلا بأس.

وقسم آخر يرى تغيير هذا الواقع، وإقامة واقع جديد مكانه، ويعمل من أجل ذلك. ولكنه يعاني من موقفه هذا وأشد معاناته في موقف القسم الآخر منه.

والمسلمون أولى الناس بإدراك هذا الأمر، لأن الذين يعيشون في الواقع السيئ من غير المسلمين ليس عندهم معايير يحكمون من خلالها على واقعهم، لأن الواقعية عندهم هي المعيار وهم بذلك يشبهون إلى حد كبير أهل المدينة المجانين الذين شربوا من النهر المجنون، ولذلك فإنهم لا يعرفون مرارة الواقع الذي يعيشون فيه ظنا منهم أنها حلوة، وهذا الذي يفسر لنا مدى الانحطاط السريع الذي تهوي به هذه المجتمعات على الرغم من تقدمها العلمي والتكنولوجي، فاليابان مثلا تعتبر من البلاد التي تقدس الزواج والعفة وفيها من الشرف والشهامة ما فيها، وهي الآن من أكثر البلاد تقدما في الناحية العلمية وارتفاع مستوى الدخل، ولكنها من أسوأ البلاد في انتشار الفساد الأخلاقي فيها إلى درجة الغثيان.

أما المسلمون فإن لديهم من المعايير ما يضمن لهم مراقبة واقعهم وإدراك انحطاطه من نهضته، سوءه من صلاحه، ارتفاعه من انخفاضه، ذلك أن الإسلام بين بأحكامه كيف يجب أن يكون واقع الناس، ونمط الحياة التي يجب أن يعيشوا فيها، وجعل كل هذا محكوما بنظام كامل شامل، ولذا فإن الزنا لا يمكن أن يصبح فضيلة في المجتمع الإسلامي مهما كانت مبرراته، ومهما كانت أسبابه، وتعري المرأة لا يمكن أن يكون تحضرا، والرشوة والشذوذ والربا لا يمكن أن يكون أيا منها مطلبا للناس لأن المعيار يرفضها، وهنا يتشكل في المجتمع ضغطا للواقع ولكنه من نوع آخر، ضغط محكوم بمعيار ثابت لا يتغير.

قد يرى المجتمع الإسلامي كارثة في الاقتصاد، وقد يصيبه فقر، وقد يكون متخلفا من الناحية العلمية، ولكنه لا يمكن أن يكون منحطا، لأنه أدرك معنى الانحطاط، ووجد عنده المعيار، فهو مثل الذي عرف الحلاوة بعد أن عرف المرارة.

إن من فضل الله تعالى على هذه الأمة أن أوجد فيها من يدرك بمعيار الإسلام حلاوة الواقع من مرارته، فيعمل من أجل تغييره، ولا يرضى به، وإن كل معاناة يعانيها وهو يعمل لتغيير الواقع فإن له أجرها العظيم عند الله تعالى، وعلى الواقعيين الذين رضوا بالواقع ألا يقفوا في وجه التغيير وهذا أقل ما يطلب منهم.
وأخيرا أليس العيش بالعقل والتنعم به خير من الشرب من النهر المجنون؟

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ،،،،،،،، وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏الثلاثاء‏ 18‏ محرم‏ 1428هـ
الموافق ‏06‏/02‏/2007م
صوت الحق
كل المشافي لا تنفع إلا مشفى قائما على تقوى من الله .
.
Invision Power Board © 2001-2012 Invision Power Services, Inc.