المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
لمحات بيانية للجرجاني
منتدى العقاب > ديوان الشخصية الإسلامية > القسم الأدبي > قسم الشِعر والشعراء
الجازي
يكاد يكون الإمام عبد القاهر الجرجاني خير من كتب في إعجاز القرآن ودلائل الإعجاز، وقد جاء كتابه حافلاً بالإمثلة والشواهد البلاغية من آيات القرآن وشعر العرب جاهليه ومولده، والتي تدل على إحساس وتذوق عز نظيرهما...

في كتاب "دلائل الإعجاز" للجرجاني، يعرض نماذج من الشعر في قسمين كما يقول:

1. القسم الأول: قسم أنت ترى أحد الشاعرين فيه قد أتى بالمعنى غفلا ساذجا وترى الآخر قد أخرجه في صورة تروق وتعجب، أي أن أصل المعنى في البيتين واحد، ولكن أحد الشاعرين أخرجه ساذجاً لا تصوير فيه، بينما جاء الآخر به على صورة رائقة عجيبة.

2. القسم الثاني: قسم أنت ترى كل واحد من الشاعرين قد صنع في المعنى وصور، وهنا أصل المعنى واحد، وأبدع فيه الشاعران، فأخرجه كل منهما في صورة رائقة عجيبة.

وسنبدأ بالقسم الأول الذي ذكر فيه الجرجاني نماذج من شعر العرب، أحدهما لا تصوير فيه ولا إبداع، والثاني فيه تصوير وإبداع وإخراج عجيب، وقد اكتفى الجرجاني بعرضها وذكرها دون أن يبين السبب الذي به كان هذا البيت خيراً من ذاك.

فدعونا نذكر هذه الأبيات ونحاول أن نبين السبب في أن كان أحد البيتين خيراً من الآخر...

سأبدؤ بمثال ذكره الجرجاني في أول الكلام، وهو من الغزل:

أنشد لإبراهيم بن المهدي:

يا من لقلب صيغ من صخرة ... في جسد من لؤلؤ رطب
جرحت خديه بلحظي فما ... برحت حتى اقتص من قلبي


وقال علي بن هارون أخذه أحمد معنى ولفظا فقال الكامل:


أدميت باللحظات وجنته ... فاقتص ناظره من القلب


قال ولكنه بنقاء عبارته وحسن مأخذه قد صار أولى به...

فما السر في كون البيت الثاني أروع وأعجب من البيتين الأولين؟؟!
أبو الغيث
يعني يا أخي الجازي، سأحاول ولو لم أكن لها!


"أدميت" في البيت الثاني أبلغ في التصوير والمعنى من "جرحت" في الأول، فالجرح لا يستلزم الدم فقد يكون مجرد خدش، أما الإدماء فأشد وأعمق في الإصابة، وفي إضافة عنصر الدم إلى المشهد زيادة في التصوير والألوان...

في البيت الأول استخدم "لحظي" وهي مفردة، أما في الثاني فاستخدم "اللحظات" وهي أكثر وتضفي بهاءًا أكبر على المشهد. وللتمثيل فالفرق هو بين مشهد من يقتل إنسانًا برصاصة، ومشهد من يقتله بالرشاش!!!

في البيت الأول قال "اقتص من قلبي"، فالفاعل هو المجروح كله، ولكن في البيت الثاني قال "فاقتص ناظره من القلب" والفاعل هنا هو ناظر المجروح فقط، وهذا أبلغ في أداء المعنى... فإذا كان الناظر وحده يكفي للقصاص، فكيف بكل المجروح؟!
للتمثيل: الفرق هو بين مشهد كتيبة تقضي على جيش، ومشهد جندي واحد من تلك الكتيبة يقضي بمرده على ذلك الجيش!!!
كما أن استخدام تعبير "اقتص ناظره" يصوّر مشهد المجروح وهو ينظر بطرف عينه إلى الشاعر، الأمر الذي لا يؤديه تعبير البيت الأول بـ "اقتص من قلبي".

في البيت الأول فصل بين جرح الخد والاقتصاص بـ "فما برحت"، أما في البيت الثاني فجاء القصاص مباشرة بعد الإدماء باستعمال الفاء المؤذنة بعدم وجود فارق زمني بينهما. وهذا يضفي على المشهد سرعة وحيوية.

أعلم أن كل أمثلتي جاءت دموية وحربية
لكنني من هواة الملاحم!
biggrin.gif

بانتظار تعقيب الأخ الجازي الكريم
الجازي
لا مزيد على ما قلت يا أبا الغيث...

يظهر الفارق بين البيتين في نظري من وجهين:

1. ذكر الإدماء أبلغ من ذكر الجرح، وإن كان الجرح يستلزم الإدماء، ثم إن هذا الإدماء لايكون عن جرح كما قال الشاعر:

رمتني بسهم ريشه الكحل لم يجز ... ظواهر جلدي وهو للقلب جارح

فهذا السهم يجرح القلب دون أن يجوز ظواهر الجلد ودون أن يخترقه إلى القلب، وكذلك فعل نظرات هذا الرجل، تدمي دون أن تجرح. أي هو نوع من الإدماء خاص...

2. التعقيب بالقصاص بفاء السببية أدل من قول الشاعر الأول "فما برحت"، إذ كان القصاص سريعاً بلا تراخ على عكس ما يفهم من الأول...
ثم إنه ذكر أن ناظره هو الذي كان منه القصاص إشارة إلى جمال العيون، بينما جاء الأول بها مطلقة، وفي ذكر "الناظر" بهجة لا تجدها في حذفه...

وحياك الله...
أبو ليث
اذن جد علينا بغيره من الأبيات
الجازي
وهذان بيتان آخران، فأيهما أعذب؟؟!!

قول المتنبي في وصف كرم ممدوحه:

يُعْطيكَ مُبْتَدِرًا فإِنْ أَعْجَلْتَهُ ... أَعْطاكَ مُعْتَذِرا كَمَنْ قَدْ أَجْرَما


أي أن هذا الرجل يعطيك قبل أن تسأله، فإن سألته أعطاك معتذراً كمن قد ارتكب أمراً شنيعاً...

أم قول أبي تمام:

أخو عَزَماتٍ فِعْلُهُ فِعْلُ مُحْسِنٍ ... إلَيْنا وَلكِنْ عُذْرُهُ عُذْرُ مُذْنِبِ
أبو ليث
سأحاول أخي الجازي

بداية أقول أن بيت المتنبي يدخل القلب ...

اراه الأعذب ... فاستخدام كلمة مبتدر ...

تدل على الحماس في العطاء وشدة حب الكريم للعطاء ... وتكراره

واستخدام أعجلته يبعث في النفس ... كأن الكريم ذاهب للعطاء ولكن الموهوب لم يصبر ...

معتذر تدل على حياء الواهب من الموهوب لأنه تأخر عن تقديم العطاء ...

أما في بيت أبي تمام

فِعْلُهُ فِعْلُ مُحْسِنٍ .. و عُذْرُهُ عُذْرُ مُذْنِبِ

أظن التكرار لا يعطي تلك الجمالية ... بل ينقص من جمالها

حتى الصيغة صيغة عادية وعامة ...

هذا والله الموفق
الجازي
حياك الله أبا ليث...

لا شك في أن بيت المتنبي يدخل القلب...

ولكن الإمام عبد القاهر الجرجاني قضى بالأفضلية لأبي تمام على المتنبي في هذا المعنى...

أما التكرار الذي أشرتَ إليه فلا يخل بجمالية البيت...

وأما مكان المزية في بيت أبي تمام والتي أظن أنه بها استحق الأفضلية على المتنبي فهي في قوله:


وَلكِنْ عُذْرُهُ عُذْرُ مُذْنِبِ

*

الاستثناء بـ "لكن" هنا رائع...

1. عندما يقول الشاعر: "أخو عَزَماتٍ فِعْلُهُ فِعْلُ مُحْسِنٍ إلَيْنا" فقد تمت الجملة...

2. وعندما يستثني بـ"لكن" يخيل إلى السامع أن هناك شيئاً ما يعكر صفاء هذا الإحسان...

3. فإذا بما يستثنيه الشاعر يزيد في كمال الممدوح!! "عذره عذر مذنب"!!!

ومن مثل هذا قول الشاعر:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب

عندما يستثني بـ"غير" بعد أن قال "لا عيب فيهم" يتوهم السامع أن هناك عيباً ما مستثنى من عموم النفي، فإذا بما يقع بعد الاستثناء فضيلة تحسب للممدوح لا عليه "سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب" !!! وهذا مما يزيد في شرف الممدوح وبعده من العيوب التي ابتدأ الشاعر فنفاها جملة...

والله أعلم...

فما رأيكم أيها الإخوة؟؟؟
الجازي
أي البيتين أعذب؟

قول المتنبي:

كريم متى استوهبت ما أنت راكب ... وقد لقحت حرب فإنك نازل


أم قول البحتري:

ماض على عزمه في الجود لو وهب الشـ ... ـباب يوم لقاء البيض ما ندما
راجي العقابي
ما أصبر الجازي

ثلاث سنوات ينتظر مجيبًا ولم يتضجر ولو بـ (أفٍ) واحدة
.
Invision Power Board © 2001-2012 Invision Power Services, Inc.