يكاد يكون الإمام عبد القاهر الجرجاني خير من كتب في إعجاز القرآن ودلائل الإعجاز، وقد جاء كتابه حافلاً بالإمثلة والشواهد البلاغية من آيات القرآن وشعر العرب جاهليه ومولده، والتي تدل على إحساس وتذوق عز نظيرهما...
في كتاب "دلائل الإعجاز" للجرجاني، يعرض نماذج من الشعر في قسمين كما يقول:
1. القسم الأول: قسم أنت ترى أحد الشاعرين فيه قد أتى بالمعنى غفلا ساذجا وترى الآخر قد أخرجه في صورة تروق وتعجب، أي أن أصل المعنى في البيتين واحد، ولكن أحد الشاعرين أخرجه ساذجاً لا تصوير فيه، بينما جاء الآخر به على صورة رائقة عجيبة.
2. القسم الثاني: قسم أنت ترى كل واحد من الشاعرين قد صنع في المعنى وصور، وهنا أصل المعنى واحد، وأبدع فيه الشاعران، فأخرجه كل منهما في صورة رائقة عجيبة.
وسنبدأ بالقسم الأول الذي ذكر فيه الجرجاني نماذج من شعر العرب، أحدهما لا تصوير فيه ولا إبداع، والثاني فيه تصوير وإبداع وإخراج عجيب، وقد اكتفى الجرجاني بعرضها وذكرها دون أن يبين السبب الذي به كان هذا البيت خيراً من ذاك.
فدعونا نذكر هذه الأبيات ونحاول أن نبين السبب في أن كان أحد البيتين خيراً من الآخر...
سأبدؤ بمثال ذكره الجرجاني في أول الكلام، وهو من الغزل:
أنشد لإبراهيم بن المهدي:
يا من لقلب صيغ من صخرة ... في جسد من لؤلؤ رطب
جرحت خديه بلحظي فما ... برحت حتى اقتص من قلبي
وقال علي بن هارون أخذه أحمد معنى ولفظا فقال الكامل:
أدميت باللحظات وجنته ... فاقتص ناظره من القلب
قال ولكنه بنقاء عبارته وحسن مأخذه قد صار أولى به...
فما السر في كون البيت الثاني أروع وأعجب من البيتين الأولين؟؟!
