من نقاش في منتدى التوحيد أنقل لكم هذا الجواب حول إبطال التساؤلا بمن خلق الله تعالى؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
الأخ الكريم السائل
بالاستقراء، أي بالنظر المتفحص لظواهر متعددة تقترن دوما بنفس السبب أو توجد بوجود شيء ما ، توصل العقلاء إلى اعتبار هذا التلازم بين السبب والناتج عنه على أنه بديهية، لا يمارى فيها إلا إذا ثبت أنها تخلفت.
وعلى أساس هذه البديهيات تبنى الحقائق الأعم والأعقد.
فمثلا : بالنظر في الكون تستطيع أن تدرك أن كل جسم يسير باتجاه معين يبقى يسير في هذا الاتجاه وبنفس السرعة حتى تتدخل قوة فاعلة توقفه أو تغير مساره أو تبطئ من حركته أو تسرع فيها.
على هذا أصبح التلازم بين بديهية أن لكل فعل فاعل أمرا لا مناص للعقل من قبوله وبناء الحقائق عليه.
وعلى من ينكره أن يثبت تخلفه عن التلازم هذا.
وعلى سبيل المثال بديهية أن الوحد نصف الاثنين، لا يماري فيها أحد وعلى أساسها قامت العلوم المختلفة بالغة الدقة.
فلو قال لنا شخص ما أن العشرة نصف العشرين، لأمكن إرجاعها إلى الأصل وهو النظام الذي بنيت عليه لنجد أنها منسجمة معه مبنية عليه فيطمئن العقل إلى أنها حقيقة.
لذا كان إرجاع الحقيقة إلى هذه البديهيات وإثبات تلازمها يعني أن العقل يقطع بقطعيتها بشرط إثبات صحة الرابط بين الحقيقة وبين البديهية التي بنيت عليها أو تلازمت هذه الحقيقة مع ما تتلازم معه هذه البديهية وفق ذات النظام.
من هذه القوانين الأولية أو البديهية قانون بطلان التسلسل وبطلان الدور.
بالنظر نجد أن الإبن يوجد من والدين.
والوالدان وجدا من والديهما وهكذا.
فلو قال لنا شخص أن الأب يتوقف وجوده على وجود الإبن وأقصد بالوحود هنا أن الحياة التي منها يبتدؤ وجوده، أقول لو قيل لنا أن الأب يتوقف وجوده على الابن
والابن يتوقف وجوده على الأب.
ولكنهما وجدا
لقلنا أن هذا يتضارب مع بديهية لم تتخلف وهي أن الدور باطل.
إذ كيف سينجب الإبن أباه والأب ابنه في الوقت نفسه؟
ومن هذا مثلا السؤال المشهور: من سبق من: البيضة أم الدجاجة؟
فلا بد للبيضة من دجاجة تأتي بها، ولا بد للدجاجة من بيضة؟
بل إن الأمر أعقد، إذ أن البيضة غير المخصبة لا يمكن أن يأتي منها الدجاج، فلا بد من دجاجة وديك وأن تحصل عملية الإخصاب حتى تأتي بيضة فيها قابلية أن يتكون الكتكوت.
ولأن الدور باطل، فلا بد من عملية خلق سبقت البيضة، خلق الخالق فيها دجاجة وديكا وحصل الإخصاب ومن ثم بدأ هذا النوع بالتكاثر.
ولأن الدور باطل ولم يثبت تخلفه ولا في حالة محسوسة واحدة ثبت أنه لا بد من خالق خلق النوع أصلا: وهذه سنة الله تعالى في الخلق أن يخلق من كل زوجين اثنين.
سيأتينا مكابر يقول بنظرية التطور.
فألقمه حجرين كبيرين بحسبة رياضية بسيطة، وهي أن عمر الحياة في الكون كله لا تتعدى المليارات الثلاثة من السنين، وبالنظر المشاهد المحسوس في الكون وبالاستقراء نجد أن النوع يتوقف على وجود زوجين في أغلب الكائنات ، ولو فرضنا أن الطفرة التي ينتقل فيها النوع إلى نوع آخر حصلت، فلا بد حتى يستمر النوع الجديد من جنسه الثاني أي لا بد للذكر من أنثى وللأنثى من ذكر
وأن يجتمعا، أي أنه لا بد أن تحصل طفرة ينتج عنها ذكر، وأخرى ينتج عنها أنثى وأن تحصل الطفرتان في حيز مكاني يسمح بالتقائهما وفي حيز زماني " أي في إطار العمر المتوسط لهذا النوع " بحيث يحصل الالتقاء الجنسي بينهما، وبالتالي يستمر هذا النوع الجديد.
ومثل هذه الصدف مستحيلة الحصول على مستوى نوع واحد، فما بالك بالأصناف الحية التي تملؤ الأرض والتي تعد بالمليارات؟
لا يقول بهذا عاقل
والمليارات الثلاثة التي تشكل عمر الحياة في الأرض لا تكفي لتحصل على مداها هذه المليارات المتعددة من التنوعات الحية، خصوصا إذا ثبت أن الحياة فنيت من الأرض قبل خمسة وستين مليون عام نتيجة الإشعاعات الكونية التي قضت على الديناصورات قيل ، ولا أعلم مدى دقة ما قيل لي، - أنها أفنت أشكال الحياة.
هذا يعني أن الزمن أقصر وإمكانية حصول مائة طفرة كهذه مستحيلة علاوة على إمكانية حصول مليارات الطفرات بشرط حصول طفرة ذكرية وأخرى أنثوية وأن تحصل الطفرتان معا في حيز زمني متقارب وفي مكا يسمح بالتقاء الجنسين
فمثلا لو فرضنا أن متوسط عمر الذباب خمسة أيام فلا بد من حصول طفرة لذباب ذكر وأنثى وأن يحصل الأمر في غضون الأيام الخمسة وفي مكانين متقاربين، فلا تحصل إحداهما في الهند والأخرى في كندا ومن ثم نفترض التقاءهما!
هذا كله مستحيل
إذن فالدور ممنوع ولا بد لهذه الأنواع المتعددة من خالق، ولا يقال أن لدينا دجاجة وبيضة وديك فهذا يعني أن بطلان الدور باطل.
لأن هذا منقوض بالتنوعات الضخمة التي تملؤ الكون والتي تقوم على أساس التزاوج وبالتالي لا بد من جنسين وأن يجتمعا في حيز زماني ومكاني يمكن هذا النوع من الاستمرار.
فحتى ينفك إطار هذا الدور الذي يرفضه العقل، لا بد من مؤثر خارجي يفك نطاق هذا الدور، وهو الخالق.
فإذا ثبت أن الدور ممنوع، فهذا يعني أن الخالق الذي يتوقف على وجوده وقدرته وجود الكون لا يمكن أن يكون مخلوقا
لأنه إذا كان مخلوقا فهذا يعني أنه عاجز ومحتاج، والعاجز والمحتاج بالضرورة غير قادر على الخلق أي الإيجاد من العدم.
أي أن الخالق لا بد أن يكون مستغنيا غير محتاج حتى يكون قادرا على الخلق، لأنه إذا كان محتاجا فهذا يعني أنه محتاج لمن يوجده من باب أولى
فلا يمكن أن يكون خالقا ومخلوقا في نفس الوقت وإلا دخلنا في الدور وهو باطل.
كذلك ولبطلان التسلسل ، أي أننا لو فرضنا أن هذا الخالق له خالق، والخالق الثاني له خالق ثالث وهكذا
فلا بد بداهة أن ننتهي إلى نهاية السلسلة، أي إلى الأصل الذي منه انطلقت هذه الأمور كلها، وإلا قلنا بالتسلسل وهو باطل.
فمثلا لو سألتني عن النص ، ولنقل أن نصا وصلك بالبريد الإلكتروني من صديقك، فسألته من أين له ، قال وصله من صديقه، فسألتما صديقه، فقال من رابع، والرابع قال من خامس وهكذا ،
فمن يدعي أن هذا النص لوجود سلسلة طويلة لا بد أنه كتب من غير كاتب يناقض بديهيات العقل، فالتسلسل باطل، إذ لا بد من انتهاء الأمر إلى مصدر صدر عنه هذا الفعل أو هذه الكتابة.
فالخالق الذي خلق خالقا غيره، وجد من عدم، أوجده خالق ثالث، والخالق الثالث أوجده خالق رابع وهكذا
فلا بد في النهاية إلى الوصول إلى نقطة بداية، فإما أن يكون خالق وُجد من العدم عن طريق غير الخلق، أي أنه يكون قد ناقض حقيقة بطلان الرجحان من غير مرجح/ أو بطلان حقيقة أنه لا بد لكل فعل من فاعل.
وبطلان مثل هذه الحقائق يعني بطلان نظام المعرفة الذي بني عليه الكون.
والعدم لا يخلق شيئا.
وإما أن يكون هذا الخالق الأول لا يستند إلى غيره، ولا يوجد له نقطة بداية.
فإذا وصلنا إلى هذا، قلنا : ما الحاجة إذن إلى السلسلة التي تلته حتى وصل إلى خالق الكون الذي يدعي السائل أنه مخلوق لغيره؟
هل الخالق الأول بحاجة لغيره حتى يخلق الكون؟
دخلنا في الدور الذي نقضناه قبل قليل وهو أن يكون الخالق مستغنيا وإلا كان غير قادر على الخلق.
من هنا يثبت قطعا أن الخالق لا بد أن يكون غير مخلوق.
والحمد لله رب العالمين
التوحيد