المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
القرن الخامس عشر ... عصر النهضة الإسلامية
منتدى العقاب > ديوان الشخصية الإسلامية > القسم الفكري
1, 2
أبو حميد
القرن الخامس عشر
عصر النهضة الإسلامية


بقلم
عبد الرحمن بغدادي






فهرس الكتاب


الموضوع = الصفحة

مقدمة الكتاب = 1

نهضة الأمة الإسلامية = 2

انطلاقة الإسلام الأولى = 3

كبوات وهزات = 4

انحطاط الأمة = 5

نهضة المجتمع = 7

نهضة الأمة الإسلامية = 9

قيمة التفكير في نهضة الأمم = 11

النهضة الفكرية ( عملية إيجاد الإحساس الفكري في الأمة) = 15

معنى الإحساس الفكري = 16

اختلاف الإحساس الفكري بين الناس = 16

منطق الإحساس وكيفية نشوء الأفكار = 17

كيفية إيجاد الإحساس الفكري في الأمة = 20

متى تدب الحيوية في الأمة = 20

عقبات إيجاد الإحساس الفكري في الأمة = 21

حملة الدعوة يسبقون الأمة باتصافهم بالإحساس الفكري = 26

النهضة الصناعية والتقنية ( نظرة الغرب والمسلمين إلى العلم والتكنولوجيا ) = 27

التنافس التكنولوجي بين الدول الصناعية = 28

معنى التكنولوجيا والفرق بينها وبين العلم = 29

تهديد العلم والتكنولوجيا لحياة الشعوب = 30

أخطار التكنولوجيا على الاقتصاد = 32

أخطار التكنولوجيا على البيئة = 33

أخطار التكنولوجيا على الجنس البشري = 34

موقف الإسلام من العلم والتكنولوجيا = 35

حكم تعلم العلوم والصناعات = 38

إرتباط التكنولوجيا بوحدة الأمة والدولة = 39

كيفية تحقيق التقدم الصناعي والتكنولوجي = 41

النهضة على الصعيد التربوي والتعليمي (التخطيط لإعداد مناهج تربوية إسلامية ) = 48

مادة أصول الدين ومقارنة الدين والمذاهب = 50

مادة الفقه الإسلامي = 51

مادة العلوم السياسية = 52

مادة الاقتصاد الإسلامي = 53

مادة التاريخ الإسلامي = 55

مادة الدعوة الإسلامية = 57

مادة الحقوق والقانون الإسلامي = 60

مادة التربية الإسلامية = 62

مادة القضاء الإسلامي = 64

مادة الإدارة والقيادة = 65

مادة التفسير والحديث = 68

مادة العلوم العامة = 70

مادة التكنولولجيا والصناعة = 72


انتهى الفهرس

الاخوة الكرام ... سأقوم بكتابة وتنزيل موضوع واحد على الأقل يوميا إن شاء الله ...
للمعلومية فقط : لست مؤلف هذا الكتاب .... لقد حصلت عليه من أحد الأخوة .. والكتاب قديم جدا ومكتوب بآلة كاتبة وتجليد يدي...
رخاء خاص : من لديه فكرة عن المؤلف فاليدلني عليه وسأكون له شاكرا ...وأتمنى أن تعم الفائدة للجميع إن شاء الله تعالى ...
أخوكم : أبوحميد
السامع المطيع
جزاك الله اخي الكريم خير الجزاء
أبو إبراهيم
في الانتظار أخي الكريم

وبارك الله بك
حمزة
بارك الله فيك
أبو حميد
بسم الله الله الرحمن الرحيم

مقدمة


قديما كانت الأمة الإسلامية تحكمها قوانين الإسلام ، وكانت تسيّر حياتها ومواقفها بحسب ما أنزل الله تعالى . ولذلك اعتبرت الأمة رسالتها في الحياة نشر الإسلام ، وإعلاء كلمة الله ، وذلك بإزالة الحواجز المادية التي تحول دون ذلك . وجاء أمر الله تعالى لأمة الإسلام بالجهاد لتطبيق شرع الله في الأرض (( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله )) .(1). وهبّت الأمة الإسلامية لا يشغلها شاغل عن محاربة أعداء الله حتى تعلي كلمة الحق ـ كلمة الإسلام ـ ولو في أقصى العالم . عندها خاض عقبة بن نافع الأطلسي وقال : ( ياربّ لو لا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهدا في سبيلك ) .(2). وعندها بلغ المسلمون الصين وفرنسا في مائة سنة . وعندها علت مكانتهم بين الأمم فكانوا أعظم دولة في العالم لأكثر من ألف سنة .

وأما اليوم فقد انحطت أمتنا الإسلامية ، وانخفض معها سلوكنا ، واضمحلّ تفكيرنا حتى صرنا نرى في وضح النهار ، الحق باطلا ، والباطل هو الحق . وللأسف خضعنا لأفكار الكفر تغزونا وتعمل فينا هدما وتفريقا حتى هدمنا بأيدينا منارة عزّنا وسرّ حياتنا ومنبع كرامتنا ، دولة الإسلام ، حاميتنا وحاملة رايتنا . ولا زلنا نخضع لحكم الغرب حتى بعقولنا ، ننشد الحياة في الغرب ، ونتطلع إلى دولته قبلة أنظارنا ، فمن قاتل يقول : أن الإسلام قد انتهى عهده إلى غير رجعة ، وأن الأمم الراقية اليوم هي التي تسير وراء الحضارة الغربية ، أو وراء العلمانية ، والقومية . ومن قائل يقول : أننا يجب أن نشعر كما يشعر الأوروبي ، ونحكم كما يحكم الأوروبي ، ونعمل كما يعمل الأوروبي ، ونصرّف الحياة كما يصرّفها أو قائل يدعو إلى ترك الإسلام وأمته ويتبنّى الشيوعية ويعتبرها مصدر فخر واعتزاز .. وهكذا ..

حتى بلغ بنا الإنحطاط درجة صرنا معها أن استعمار دول الغرب لنا وتحكمه في أراضينا ، يمتص دماءنا ويسلب خيراتنا ، ويذيقنا ألوان الهونان والذلّ طعنا وتفريقا ، صرنا نرى فيه غاية الـمُنَى . وكيف لا ؟ ونحن نتمنّى أن نكون في حِمَى الغرب المتقدّم ، وأن ندور معه حيث دار ولو تسلّط علينا وأعمل فينا حكم الكفر ، واقتطع من بلادنا أعزّها وقدّمها لقمة سائغة لألدّ أعدائنا : اليهود ،شذّاذ الأفاق ! ثم تجدنا نسعى إلى دول الشرق والغرب مستنجدين طالبين منهم أن يحلّوا لنا مشاكلنا التي صنعوها بأيديهم مكرا بنا وإذلالا لعزتنا ، كي يتمكّنوا من العودة إليها ولا سيما بعد أن رأوا فيها بشائر نهضة ومعالم صحوة . نفعل ذلك كله مع أن أمر الله واضح لكل ذي عينين (( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ومالكم من دون الله من أولياء ثم لا تنتصرون )) (3).

وبعد أن كنّا نرى احتلال الكفار لنا عارا يلطّخ جبيننا ويلزم الموت دونه ، وذلك إستجابة لأمر الله تعالى : (( وقاتلوا في سبيل الله الذي يقاتلوكم .. )) (4) (( واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم .. )) (5). فاستجبنا لأمر الله تعالى . وهببنا للزود عن أحكام الإسلام وراية الإسلام وبلاد الإسلام ، ورأينا كل ما عدا ذلك من العيش الرغيد رخيصا دون الإبقاء على دولة الإسلام ورايته . ولذلك رددنا الصليبيين على أعقابهم إذ جاؤونا غازين ، وتصدّينا للمغول وقلبنا هم من كفار إلى مجاهدين في سبيل الله .

وأما اليوم ، فقد صرنا نرى أن الأستعمار يقرّبنا من الغرب ، وصرنا نرى في الغرب قبلة أنظارنا ومدار تفكيرنا وجلّ احترامنا وتقديرنا ، حتى صرنا نتمنّى أن تأتي قوى الغرب على ضراوتها لحمايتنا وحلّ مشاكلنا ، مع علمنا بأنّ الغرب هو الذي صنع لنا هذه المشاكل فأوجد لنا الحروب المحلية الداخلية كحرب لنبان ، وأوجد لنا النزاعات على الحدود ، وزرع اليهود شوكة في قلب فلسطين ، وأوجد المنظمات الفدائية لتركيز هذه الدولة المسخ كي تقبل بها شعوب المنطقة على المدى الطويل ، وبعد إدخال اليأس إلى النفوس من عدم جدوى الصراع مع اسرائيل . ومكّن النصارى من الإستيلاء على عذراء ماليزيا ( الفلبيين ) ومن العمل على تنصير المسلمين في آسيا وأفريقيا .. وهكذا أَغْرَقَنَا بالمشاكل وتَظَاهر بالعمل على حلّها كي يُحكِِم علينا الطوق ويُجْهِز على هذه الأمة الإجهاز الأخير .

وقد غفلنا أو غاب عنّا تحذير الله لنا من الوقوع في حبائل الكفار : (( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردّوكم بعد إيمانكم كافرين )) (6). (( ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردّوكم بعد ايمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق )) (7). ولكن بالرغم من كل ما جرى ، فإن هذه الأمة لهم تمت بعد وظنّ الغرب في أوائل هذا القرن أنها قد انتهت وقضي عليها ، ولكن خاب فأله لما رأي الإسلام قد عاد يتحرك في النفوس ويحرّكها لإيجاده في مكان الصدارة بين الشعوب والأمم ، ولا سيما بعدما أدرك المسلمون أن سبيل نهضتهم الوحيد هو في الإسلام ، وفي إستئناف حياتهم الإسلامية من جديد عن طريق إعادة دولة الإسلام إلى الوجود الدولي مرة أخرى .

ونحن اليوم ندرك يقينا أن الغرب إذا استطاع أن يغلبنا في وقت ضعفنا ، فلم يكن ذلك راجعا إلى قوته ، بل كان لانحطاط تفكيرنا وجهلنا ، وعدم فهمنا لأفكار الإسلام . فاستطاع الغرب أن يضلّلنا ويغزونا بفكره ومن ثم بقواته . وأننا وقد أدركنا أن بعودتنا إلى الإسلام وأفكار الإسلام تكمن عزّتنا ويكمن تحريرنا من ربقة الإستعمار ، فإن الأمل بحصول النهضة في كافة مجالات الحياة ابتداء من الإرتفاع الفكري على أساس الإسلامي ، و مرورا بالانقلاب التشريعي ، وانتهاء بالنهضة التقنية والصناعية في مجال الصناعات الثقيلة ، بما في ذلك صناعة الأسلحة . هذا الأمل قد بات وشيكا ، وليس مستحيل الوقوع كما يظن بعد السطحيين السذّج من أبناء هذه الأمة ، والله من وراء هذه الأمة ، ولن يضيعها أو يتركها هكذا لقمة سائغة للكفار ( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) .

المؤلف


---------------------------------------------------------

1ـ الأنفال ـ 39 .
2ـ ( الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 3 ص 308 .
3ـ هود ـ 113
4ـ البقرة ـ 190
5ـ البقرة ـ 191
6ـ آل عمران ـ 100
7ـ البقرة ـ 109
ثوبان
بارك الله فيك أخي أبو حميد
هل هذه مقدمة الكتاب ؟
اني انتظر بشوق باقي الكتاب
أنه مهم وجيد
أبو حميد
نعم أخي ثوبان ما سبق هو مقدمة الكتاب
وإليك الموضوع الأول من هذا الكتاب ...
أبو حميد
نهضة الأمة الإسلامية


ان نهضة الجماعة من الناس تظهر في استقلال قرارها وتكافلها ووحدة رأيها ورسالتها الى غيرها من الأمم ، الى غير ما هنالك من القيم . لكننا نجد الأمة الإسلامية اليوم ، ويا للأسف على هذا الواقع من فقدان للانتماء والعزّة والكرامة ، وتدخّل للأعداء في شؤونها الداخلية ، وارتهانها لدول الكفر ، الى غير ما هنالك من مظاهر التخلّف . واذا كان هذا الواقع كبوة لهذه الأمة العظيمة ، فما هو السبيل للنهوض من كمبوتها ؟.

إنطلاقة الإسلام الأولى :

قبل أن نبيّن كيفية نهضة الأمة الإسلامية اليوم ، وهي تعاني الأمرّين من جراء المواجهة التاريخية مع أعدائها من اليهود والنصارى الذين تحالفوا في جميع أنحاء الأرض ، لأجل العمل على كبح جماع الإسلام العظيم . لا بدّ أن نبيّن كيف نهضت الشعوب التي دانت للإسلام قديما ، وكيف استطاع الإسلام أن يجعل منها أعظم وأقوى أمة على الإطلاق . فالكلّ يعلم أن العرب قبل الإسلام كانوا قبائل متناحرة ، وشراذم متفرّقين في الصحراء ، يغزو بعضهم بعضا ويعتدون على حرمات بعضهم ، ولم تكن الشعوب الأخرى من الأعاجم قاطبة بأحسن حالا من الشعب العربي ، فقد كانت الحروب تدور رحاها بين الأمبرطوريتين القويتين : فارس والروم ، وكانت الشعوب تئنّ من وطأة هذه الحرب الطويلة المدى ، فكانت تسترقّ وتمتهن كرامتها ، وكان الظلم والفساد مستشريين وينذران بسقوط حضارة هاتين الدولتين ، وكان بعض أهل الكتاب كبني يهود يسامون أشدّ العذاب ويُقتّلون ويُذبّحون ولكنهم كانوا يأملون بمجيء النبي المنتظر ، الذي حّثتهم عنه التوراة .

وفي المجتمع الجاهلي خاصة ، في مكة وسائر جزيرة العرب ، كان الانحطاط باديا في كلّ ناحية من نواحي الحياة ، فكانت عبادة الأصنام وعبادة الكواكب وتقديم النذور والقرابين للأصنام ، وكانت مظاهر الشرك منتشرة في كل مكان حتى لقد بلغت الأصنام التي تعبدها العرب نحوا من ثلاثمائة وستين صنما ، وكا الإيمان بالخرافات والأساطير سائدا بين الناس وكثيرا ما يلجأون الى الكهّان والمنجّمين لاستطلاع الغيب ومعرفة الطالع من قبلهم وعن طريقهم . وكان الزنى والبغاء رائجا حتى كان الرّهط ما دون العشرة يدخلون على المرأة فيصيبون منها ، فإذا ما حملت ووضعت أرسلت اليهم وألحقت الولد بأحدهم ، وكان البغايا خاصة ينصبن على أبوابهنّ رايات تكون علما عليهنّ . وكانت المرأة تباع ، وتورث كما يورث المتاع حتى أن الولد كان يرث زوجة أبيه ، وكانت توئد وهي وليدة . إذ كان الرجل الضعيف كثيرا ما كان يخشى الفقر فيقتل ولده أو يَئد ابنته خوف الفقر والعار . وكان العبيد والإماء الذي كانوا يكثرون في كلّ مكان ، تمتهن كرامتهم بصور شتى ومختلفة ، وكانت الحياة الاقتصادية تقوم على كاهلهم ، فهم الذين يحلبون النوق والأغنام ، ويزرعون ويقودون قطعان الماشية ، ويخدمون في القوافل التجارية ، وتوكل إليهم الـمِهن التي يأنف المجتمع منها كالحدادة ونحوها .

فهذا المجتمع المنحط كان بأشد الحاجة الى نبي يأخذ بيده نحو الخير ويهديه السبيل ، كما كان العالم كله بحاجة الى رسول يعيده الى جادة الحق ، وينير له الطريق كي ينهض من كبوة الجاهلية التي لفّته لفّا وأغرقته في الملذّات والشهوات ، وفي الركض وراء المنافع والمطامع ، ولم يكن هناك من مخلص للبشر الاّ في السير وراء رسالة سماوية ، تبصرهم بالحقائق وتضع لهم المعالجات لما كانوا يتخبطون فيه من حياة شقية في ظل الشرائع القديمة ، وفي ظلّ الديانات السماوية التي حرّفت وغيّرت وبدّلت . وكانت الرسالة الجديدة تقتضي أن تكون عامة للبشر ناسخة لما قبلها من الشرائع والأديان . وهذا ما كان برسالة محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام . فقد أرسل الله نبيه عليه الصلاة والسلام برسالة الإسلام ليقوم بهذه المهمة التاريخية الضخمة في تغيير حياة البشرية جمعاء ، والنهوض بها الى مستوى راق يليق بالإنسان (( يا أيها المدثر ، قم فأنذر ، وربك فكبر ، وثيابك فطهّر ، والرّجز فاهجر )) المدثر 1ـ 5 . (( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا الى الله بإذنه وسراجا منيرا . )) الأحزاب : 45 ـ 46 . وأمره الله بحمل الدعوة بالطريق الفكري والسياسي أولا ، حتى اذا حقّق النجاح لدعوته في الوصول الى الحكم في المدينة ، أمره حينئذ بحمل الدعوة بالطريق العسكري ، قال تعالى : (( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم )) التحريم : 9 . فاستطاع بعد تسع سنين قضاها في الحكم ، أن يحوّل العرب إلى أمة إسلامية موحّدة ، حين جاءته القبائل في السنة التاسعة من الهجرة تعلن إسلامها وتدخل في دين الله افواجا .

وقد نهضت أمة الاسلام على هذا الأساس ، فاتخدت من الاسلام نظاما تطبقه فيما بينما ، وتدعو غيرها من الأمم الى تطبيقه . فمضت حاملة رسالة الإسلام الى العالم لا يوقفها شيء عن الجهاد في سبيل الله حتى يعمّ الإسلام الدنيا . ففتحت الشام والعراق و مصر وإفريقية وفارس والسند والهند وبلاد الترك والأندلس ، وبلغ المسلمون الصين شرقا ، وفرنسا غربا ، وتوغّلوا في بلاد الغولغا شمالا ، في دولة إسلامية واحدة .
أبو حميد
كبوات وهزّات :


بعد سلسلة من الإنتصارات التي حقّقها المسلمون في آسيا وأفريقيا ، وبعد أن دانت لهم الأرض وملّكهم الله إيّاها ، وجعل لهم السيادة والحكم والسلطان فيها ، وبعد أن نعمت الأمة بعهود طويلة من الرّخاء والازدهار إستمرّت نحو ستّة قرون ، تشاغلت الأمة بالدنيا ، وقعدت عن الجهاد ، وحصرت همّها بأمور المعاش من تجارة وعلوم وفلسفة وفنون وما الى ذلك ، وانحطت همّتها ، عن حمل رسالة الإسلام ، مما سهّل على الأعداء أن ينالوا منها . فحصلت كبوات عديدة لها ، غير أنها سرعان ما استفاقت منها . فقد جاءت الحملات الصليبية ، فتوغّلت جيوش في بلاد الشام ومصر ، مستغلة تفرّق المسلمين فيها الى دويلات متناحرة . لكن الأمة سرعان ما انتفضت من سباتها ، ونفضت عنها غبار الذل ، فطردت الصليبيين على أعقابهم وحرّرت بلاد الشام ومصر من احتلالهم لها ، وأعادتها الى حكم الإسلام بعد حروب طويلة المدى دامت ما يقرب من مائتي عام .

وبعدها جاء اجتياح المغول سيلا يجرف أمامه كلّ ما يقف في طريقه . وقد حصلت هذه الغزوات في وقت بلغ فيه المسلمون غاية التشاغل بأمور المعاش والتفرّق من أجله . كما كانوا قد فقدوا روح الأمة التي تتكاتف وتتعاضد وتقف وقفة رجل واحد لأجل البقاء على وحدتها والحفاظ على دولتها ورايتها . فانهزم المسلمون شرّ هزيمة ، حتى إنهم أباحوا للمغول أنفسهم وبلادهم يعملون فيها القتل والحرق والنهب ، دون أن يتجرّؤوا على رد ذلك . ويروى المؤرخون أن التتار كانوا اذا دخلوا مدينة استباحوا أربعين يوما ، فقتلوا من قتلوا ، وحرقوا ونهبوا وسبوا نساء المسلمين ، وكان الوحد منهم يدخل الى مخبأ قد تحصن فيه الجمع من الرجال ومعهم النساء والولدان ، فيقول : ليس معي ما أقتلكم به ، فانتظروني أعود بسفي ، ثم يغيب ساعة فيعود وما هرب منهم أحد ، فيحزّ رقابهم أرسالا وما يردعه رادع ( أنظر بتفصيل عن جرائم التتار في البداية والنهاية لابن كثير ج 13 – ص 83 – 88 والكامل في التاريخ لابن الأثير ج 9 ص 329 – 386 ) .

لقد بلغ المسلمون في تلك الفترة غاية الضعف والذل ، يمعن الكفار في تقتيلهم والتنكيل بهم ، وهي خانعة مستسلمة لا تلوى حراكا ، ورغم كلّ ما وصلوا اليه استعادت الأمة عافيتها بعد ذلك ، ونفضت عنها غبار الذلّ وحبّ الدنيا ، وعادت أقوى مما كانت ، تفتح البلدان . فاستؤنفت الفتوحات في أوروبا ، وبلاد الهند والبنغال ، حتى دكّ المسلمون أسوار فيينا وبلغوا سيليزيا في بولندا .
أبو حميد
إنحطاط الأمة


بعد أن حافظت دولة الخلافة أيام العثمانيين على هيبة الأمة والدولة الإسلامية مدة أربعة قرون ، عنيت فيها الدولة بقوة السلطان وتنظيم الجيوش ، وأبهة الحكم ، واشتغلت بالفتوحات . كانت بوادر الاضمحلال تلوح في الأفق ، لأن العثمانيين الذي تسلموا حكم أكثر العالم الإسلامي في القرن التاسع الهجري ، كانوا قد أهملوا أمر اللغة العربية ، مع أنها ضرورية لفهم الإسلام ، وشرط من شروط الاجتهاد ، ومعلوم أنه لا تقدم للأمة ولا للدولة الا بوجود الاجتهاد . ولأنها لم تعن بأمر الإسلام من حيث الفكر ، ومن حيث التشريع ، فانخفض مستواها الفكري والتشريعي ، وبسبب ذلك كانت الدولة قوية قوة ظاهرية ، ولكنها في الحقيقة ضعيفة ضعفا بيّنا ، بسبب الضعف الفكري والتشريعي . الا أن هذا الضعف لم تلاحظه الدولة حينئذ ، لأنها كانت في عنفوان مجدها ، وفي أوج عظمتها ، وفي منتهي قوتها العسكرية . ولأنها كانت تقيس فكرها وتشريعها وحضارتها بأفكار أوروبا وتشريعاتها وحضارتها ، فتجد نفسها خيرا من أوروبا فكرا وتشريعا وحضارة ، فترتاح لذلك وترضى بهذا الضعف ، لأن أوروبا كانت تتخبّط في دياجير الجهالة وظلام الفوضى والاضطراب ، وتتعثّر في محاولات النهضة وتفشل في كل محاولة تقوم فيها .

وما أن ظهرت النهضة الصناعية في أوروبا وجاء الغزو التبشيري ، حتى عملت دول أوروبا على نشر أفكارها في بلاد الإسلام واتخذت من ( مالطة ) مركزا لها ، ثم تحوّلت عنها الى ( بيروت ) ، كما كانت إرساليات التبشير النصرانية ترافق المستعمرين أينما حلّوا وارتحلوا ، حتى عمّت الأفكار الدخيلة بين المسلمين ، وفقد المسلمون الثقة بالإسلام . وأحكامه بعد أن انطلى عليهم خداع الدول الصناعية الكافرة . وحتى وجد منهم من يطالب بترك الاسلام وأحكامه وحضارته واتّباع الغرب وأحكامه وحضارته ، وجاءت دعوة القومية تفتّ ما تبقى من وحدة المسلمين ، وتعلن من بلاد الكفر سنة 1913 م إثر اجتماع القوميين العرب في باريس ، الانحياز الى انجلترة وفرنسا والهجوم على دولة الخلافة بحجة نشر الوعي القومي . فانتهى الأمر بالمسلمين أن هدموا رمز عزّهم وقوتهم ، دولة الاسلام ، وغدا حالهم على ما نشاهده اليوم .

إن واقع المسلمين الحالي من أسوأ الفترات ، بل هو أسوأ الفترات على الاطلاق ، فالأمة اليوم تركت العمل بكتاب الله وسنة رسوله ، وتخلّت عن الاسلام كمنهج حياة ونظام عيش ، وارتضت نظام الكفر يحكم ربوع الإسلام دون أن تنكر ذلك ، وقد استولى عليها أعداءها الكفرة فقسّموا بلادها الى أكثر من خمسين دولة ، واغتصبوا منها بعض البلدان كفلسطين والفلبين ، ومالطة وقبرص واليونان ، وفطاني والهند ، وغيرها ، وشاركوها في شؤونها كلها كي يُحكموا القبضة عليها الى الأبد . وجعلوها تعيش في فقر مدقع كي تجعل هـمّها في لقمة العيش ، وتترك العمل للتغيير . وبعد أن ركنت الى مشاغل الدنيا وصار همّ كل مسلم هو طلب المعاش ، ولم يعد يهمّه أمر أمته ولا عزّتها أو رفعتها في شيء ، بل انصرف كلّ إلى طلب معاشه لا يكترث في هذه الحياة لغير طلب رزقه ، حينئذ أقعدوها عن العمل للاسلام ، وسلّطوا عليهم حكاما ظلمة عملوا على قهرها وإذلالها ، وتركوا للكفار أن يحكموا في قبضتهم على ديار الاسلام ، يستغلّون خيراتها ويسلبون ثرواتها ، حتى أشركوهم في حصص البترول ، والغاز ، وفي سائر المعادن الموجودة في بلاد الاسلام ، حتى صار للكفار مصالح في بلاد ، وصار المسلمون يقرّونهم عليها ويسكتون على تهديدات أمريكا باحتلال منابع النفط في الخليج بحجة حماية مصالحها ، ويرى حكّام المسلمين أساطيل الدولتين العظمتين تجوب عباب المتوسط والهندي والمضائق الاسلامية ، وتجعل من نفسها بوليسا دوليا ، وهم ساكتون لا ينبسّون ببنت شفه ، ولا يعترضون على وجود هذه الأساطيل التي تعتبر مصدر خطر وتهديد للمسلمين ، بل وحتى للحكام أنفسهم مثلما حصل في اليمن الجنوبي ، وفي ليبيا ، وأنغولا ، وفي كثير من بلاد المسلمين .

لقد فقد أمة الإسلام اليوم معنى العزة والكرامة ، وفقدت إرادتها الدولية ومعنى استغلال قرارها السياسي ، ولم تعد تفهم السياسة الدولية وماذا يعني تدخّل الدول العظمى في شؤونها . فها هم حكامها اليوم قد تخلّوا عن استقلالية قرارهم لدول الكفر ولا سيما الدول الكبرى منها . وفي البأساء والضراء وحين البأس نجدهم يسارعون الى دول الغرب ، يلتمسون منها المساعدة والرضا ليحلّوا لهم مشاكلهم في هيئة الأمم ، أو عن طريق مؤتمر دولي للسلام ، أو ما إلى ذلك . وها هم المسلمون يفتحون بلادهم لجيوش الكفر كي تحمي ( مصالحها ) في بلاد الإسلام ، وتبني فيها القواعد العسكرية الثابتة والمتحركة .

لقد فقد كلّ فرد في الأمة الإسلامية كلّ إنتماء وكلّ قضية . فالمسلم في هذه الأيام لا ينتمي للإسلام فيعمل لدينه ويضحّي من أجل إنتمائه . حتى أنه لا يشعر بالإنتماء لقوميته أو لوطنيته التي عمل ولا يزال يعمل حكام المسلمين على إثارته فيه ، فيشعر بمدى ذلّ قومه أو انحطاط شعبه . لقد أصبحت قضية المسلم اليوم أن يعمل لدنياه قبل آخرته ، وذلك بأن يحصل أكبر قدر من المتاع ، ويؤمّن ( مستقبل ) أبنائه ، ويعيش عيشا رغيدا ، وَيكَأَنّ هناك عيش رغيد والأمة على ما هي عليه من ذلّ وهوان وعذاب ، وَيكَأَنّ استغلال أمته وشعبه واستعمارها لا يعنيه من قريب ولا من بعيد ! وذلك منتهى الانحطاط والتخلف .

لقد بلغت أمة الإسلام أقصى درجات الإنحطاط ، وهي تلهث ذليلة وراء الأمم الكافرة ، تستجدي عطفها ، وتطلب العون والمساعدة منها ، وتعيش وفق طريقة عيشها وبحسب قوانينها وتشريعاتها ، فما هو السبيل الذي يجب عليها أن تسلكه للنهوض من كبوتها ؟؟ .
ابو غسان
أخي مشتاق لدي اقتراح في هذا الموضوع

لماذا لا يتم جمع هذة المواضيع التي يضعها أخانا أبو حميد ونضعها في منتدى العُـقاب ؟
أبو إبراهيم
إقتباس(ابو غسان @ Jun 28 2005, 05:10 AM)
لماذا لا يتم جمع هذة المواضيع التي يضعها أخانا أبو حميد  ونضعها في منتدى العُـقاب ؟
*


biggrin.gif اشرب جزر يا أبو غسان biggrin.gif
أبو حميد
نهضة المجتمع



إن نهضة الإنسان الفرد إنما تكون بتحقيق معنى الإنسانية ، وذلك بالفكر ، لأن الإنسان إنما يتميز عن غيره من المخلوقات بالعقل ، أي بما وهبه الله من قدرة على التفكير وعقل للأشياء التي تحيط به لتحديد موقفه منها . ولأن هذا الفكر إن كان أساسيا أي فكرا عن الوجود كله وما يتعلق به ، فإنه يبنبثق عنه نظام للحياة يرتقي بحسبه السلوك الإنساني . فإذا تبع الإنسان فكره دون غرائزه نهض وارتقى ، وعاش عيشة الإنسان ، وتحققت له مقوماتها من العزة والكرامة والقيم الرفيعة ، وهذا إن كان فكره مصدره الوحي من عند الله تعالى خالقه وبارئه . أما إن كان مصدره العقل ، فإنه وإن كان قد يحقق له نهضة ، ولكنها قد تكون راقية أن منخفضة ، وقد تكون خلية من القيم الرفيعة ، فلا تعطي وزنا إلا للمادة ، وقد تحقق للإنسان عزته وكرامته وقد لا تحقق . فما كان مصدره الانسان فإنه يكون قاصرا عن النهوض بالانسان إلى المرتبة التي تليق به كانسان ، بل قد يهوي به الى درك الحيوانية في فوضوية الغرائز والشهوات . ولعل الحياة التي يعيش عليها الإنسان في العالم منذ ظهور المبدأ الرأسمالي الذي أطلق العنان للشهوات والحريات للفرد ، والمبدأ الاشتراكي والشيوعي الذي كبت هذه الحريات وأثار الشهوات الكامنة في نفس الإنسان ، حتى جعله كالبهيمة سواء بسواء ، أصدق دليل على ما نقول . فإن الإنسان إذا ما تبع غرائزه دون فكره فقد انعدم العقل في حياته ، وفقد كل معنى للقيم فيها فانحطت به إلى مستوى الأنعام . يقول الله تعالى واصفا هؤلاء الذين اتبعوا أهواءهم وغرائزهم واستجابوا لمكامن الشهوات في النفس : (( أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا ؟ أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أن يعقلون إن هم إلا كالأنعام ، بل هم أضل سبيلا )) ( الفرقان 43، 44 ) ويصف تعالى الذين لا يعملون عقولهم في الوصول الى إدراك حقائق الأشياء حولهم بأنهم شر البهائم فيقول تعالى : (( إن شر الدوات عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون )) ( الأنفال 22 ) . [/color]

وكما ينهض الفرد بالفكر ، فإن جماعة الناس تنهض بالفكر أيضا ، لكن الفرق بين الجماعة والفرد : أن الجماعة لها مقومات لا بد من جعل الفكر أساسا لها حتى تنهض بمجموعها . فإذا كان السلوك الفردي وارتقاؤه مظهرا من مظاهر نهوض الفرد ، فإن نهضة الجماعة تظهر في استقلال فكرها وتشريعها ، واستقلال قرارها السياسي وفرض كلمتها الدولية ، ومنع الدول الكبرى من التدخل في شؤونها ، كما تظهر في تكافلها وتعاضدها ووحدة رأيها ، الى غير ما هنالك من القيم الاجتماعية .
فما هي مقومات نهضة الجماعة من الناس ؟.


للجواب على ذلك نقول : إن جماعة الناس ـ كما هو معلوم ـ لا تكوّن مجتمعا اذا لم يجمعها شعور واحد ، وتسودها أفكار واحدة ، وتربطها علاقات دائمية يحكمها نظام عيش واحد . فهذه مقومات ثلاث لا بد منها حتى ترتقي جماعة الناس لتكوّن مجتمعا : أفكار واحدة ، ومشاعر واحدة ، ونظام واحد . لذلك فإن ركّاب سفينة ما ، في رحلة ما ، مثلا ، لا يكوّنون مجتمعا مع كونهم جماعة ، لأنه لا يجمعهم تفكير واحد أو شعور واحد ، ولا تركز حياتهم على أساس نظام واحد . أما سكّان مدينة ما ، أو حتى قرية صغيرة ، فإنهم يشكّلون مجتمعا ، لأنه تربطهم أفكار عامة وشعور واحد ، ولأن بينهم علاقات دائمية قد أوجدتها المصالح المشتركة بينهم ، وكانت هذه العلاقات يحكمها نظام معين ، فكانوا بذلك مجتمعا .

وهذه المقومات الثلاث لا بد أن تحكم بالفكر ، بأن يكون المجتمع تبعا لأفكاره وليس لمشاعره . فاجتماع هؤلاء الناس يجب أن يكون لأسباب فكرية وليس لأسباب غريزية . فإذا كان اجتماعهم من أجل تحصيل المعاش ودرء الأخطار ، غدت هذه الجماعة تماما كقطيع الغنم أو كجماعة الأنعام تربطها نفس الأسباب . أما المجتمع الانساني فلا بد أن يكون سبب تكوينه فكريا لا يمت إلى الحاجات والغرائز بصلة ، كأن يجتمع الناس على دين إنساني واحد ، أو على مبدأ واحد فيشكلوا أمة ، ومعنى أن يجتمع الناس على دين أو مبدأ هو أن يتخذوه أساسا لحياتهم ومنهاجا لعيشهم ، ويجعلون ذلك أمرا مصيريا يحدد إنتماءاتهم وهويتهم . فإذا لم يتم ذلك لم تتحقق فيهم مقومات النهضة . وبعبارة أخرى ، فمتى اتخذ الناس الدين أو المبدأ الذي يؤمنون به أساسا لحياتهم ومنهاجا لعيشهم ، بحيث يشكل المجتمع أفكاره وآرءه العامة عليه ، ويكوّن مشاعره بحسبه ، ويسير في إقامة علاقاته على أساسه ، فقد تحققت النهضة في تصرفات الجماعة .
أبو مالك
لا تطل علينا الانتظار أخي الكريم أبا حميد
أبو حميد
نهضة الأمة الإسلامية



إن من الحقائق التي يجب أن تكون بديهيات لدى الأمة هي : أن الإسلام مبدأ يقوم على عقيدة (( لا إله إلا الله محمد رسول الله )) وأنه ليس دينا روحيا فحسب ، ولا مفاهيم لا هوتية أو كهنوتية ، وإنما هو طريقة معينة من العيش يجب على كل مسلم وعلى المسلمين جميعا ، أن تكون حياتهم حسب هذه الطريقة وحدها بحيث لا يطمئنّون فكريا ونفسيا إلا في هذا النوع من العيش ، ولا يشعرون بالسعادة إلا فيه . لذلك فما على الأمة الإسلامية إلا أن تتخذه منهاج حياة ونظام عيش إذا ما أرادت أن تتحقق لها النهضة . فإذا أدرك المسلمون أن إجتماعهم إنما كان على الإسلام ومن أجله ، أدركوا أن الحفاظ على عقيدة الإسلام أمر مصيري يستلزم منهم بذل الغالي والرخيص دونه . وإذا جاء معتد هبت الأمة كلها لرد العدوان ، وإذا حصل ما يهدد كيانها إنبرت وضحّت بكل شيء في سبيل إزالة هذا التهديد ورفع الخطر عنها . وإذا مرت على المجتمع والأمة ظروف صعبة كما يحصل اليوم ، إنبرت الامة من أقصاها الى أقصاها لتصحيح هذا الوضع الشاذ . لأنها إن لم تفعل ذلك فقدت مبرّر وجودها ، وهو مبدأ الإسلام ، وإذا فقدته فقدت مقومات كونها أمة إسلامية ، وغدت كأمة الأنعام يسخّرها الناس .

ولعل من أسمى مظاهر النهضة عند أمة الإسلام أنها تعتبر نفسها حاملة الرسالة الى البشر قاطبة . فأمة الإسلام خير الأمم ، ما حملت رسالة الإسلام الى الناس ، واستمرت على ذلك . قال تعالى : (( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله )) آل عمران ـ 110 . فحدد الله تعالى أن أمة الاسلام خير الأمم ما دامت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله ، أي ما دامت تتخذ الإسلام نظاما ، وتحمله للناس . ولذلك يروى عن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية ثم قال : من سره أن يكون من هذه الأمة فليؤد شرط الله فيها ( تفسير الطبري الأثر 7612 ) . ولذلك أيضا لم تأل الأمة في السابق جهدا في سبيل نشر كلمة الله في بقاع الأرض . ولم تتوقف الأمة عن الجهاد الا عندما انحطت الهمم ، وانشغل أفرادها بحب الدنيا .


لذلك فإن نهضة الأمة الاسلامية إنما تكون باتخاذها الاسلام منهج حياة نهائي ونظام عيش شامل ، ورسالة تحملها الى العالمين تكون شغلها الشاغل في هذه الحياة . فإذا ما أرادت الأمة النهوض من كبوتها ، فلا بد أن يكون الاسلام بالنسبة لها أمرا مصيريا لا يهنأ لها عيش دونه . وهذا يتطلب التضحية بكل ما في هذه الحياة . والله تعالى يقول : (( قل متاع الدنيا قليل ، والآخرة خير لمن اتقى ، ولا تظلمون فتيلا )) النساء ـ 77 . فإذا ترك المؤمنون حب الدنيا وطلبوا الآخرة في العمل للإسلام ، كانت لهم العزة والسيادة في الدنيا فكسبوا بذلك الآخرة والدنيا معا . يقول رب العزة : (( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ، وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقرآن ، ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ، وذلك هو الفوز المبين )) سورة التوبة ـ 111 .

واتخاذ الاسلام نظاما لهذه الأمة يقتضي الوعي على أحكامه وفهمها والحرص عليها كل الحرص . فإنه لم يوصلنا الى ما نحن عليه اليوم سوى الضعف الشديد في فهم الاسلام ، والذي طرأ على أذهان المسلمين في مواجهة الأفكار الغربية في القرن الماضي . فاذا ضغف فهم الاسلام سهل على الأفكار الدخيلة أن تتسرب الى مجتمع الإسلام ، تشير فيه البلبلة وتؤدي به الى ترك أحكام الدين ، وكذلك فإنه يقتضي الوعي السياسي على شؤون الأمة ورعايتها والحذر من كل موقف قد يشكل جسرا للكفار ينفذون عبره الى مجتمع الاسلام .

فنهضة الأمة الاسلامية تكون بالعودة الى الاسلام ونبذ كل ما عداه ، أمرا مصيريا يستلزم البذل والتضحية في سبيله . فإما أنها أمة اسلامية يسودها شرع الله وإما أن لا تكون . وهذا يشكل لنا خير إنتماء ، وخير قضية وهدف في الحياة ، كما أنه يشكل أفضل رابط وخير رسالة . لقد قالها نبي الأمة صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع : (( لقد تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا ، كتاب الله وسنتي )) رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه بألفاظ متقاربة وذكره الواقدي في كتاب المغازي ـ 1103 وابن هشام في السيرة ـ 968 وابن حجر في المطالب العلية رقم 1202 وغيرها . وها نحن اليوم نلمس صدقه صلى الله عليه وسلم عندما تركنا التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، فقد ضللنا وعمي علينا رؤية الحق ، حتى أننا في كل مرة كنا نحاول فيها النهوض على أساس ما عند الأمم الأخرى ، إنتكسنا وساءت أحوالنا . فلعل ذلك يدفع الأمة بعدها جربّت كل المبادئ والأنظمة أن تستجيب لقول الله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم ، واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون )) سورة الأنفال ـ 24 .
أبو حميد
قيمة التفكير في نهضة الأمم


لا شك أن التفكير سلاح الأمم ، تنهض به حين يزدهر وينشط ، وتتخلف حين يخبو ويضمحل . وإنما بقاء الأمم بدوام شعلة الفكر فيها ، وإنما إضمحلالها بانطفاء هذه الشعلة ، وقد أدرك الصحابة الكرام وهم الجيل المسلم الأول هذه الحقيقة فكانوا يقولون : ( إن ضياء الإيمان أو نور الإيمان التفكير) . " أورده السيوطي في الدر المنشور ج2 ص 409 " . وكان بعضهم يرون التفكر من أفضل العبادة ، فقد أخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن المنذر عن ابن عون قال : سألت أم الدرداء ما كان أفضل عبادة أبي الدرداء ؟ قالت : ( التفكر والإعتبار ) " الدر المنشور ج 2 ص 409 " .

وهذا التفكير ليس هو البحث في الأمور غير المحسوسة ، أو البحث في الماورائيات " أي في ما وراء الطبيعة " . أو إقامة الفرضيات والاستناد إليها . وإنما هو التفكير المنتج في الوقائع التي تحصل للإنسان في كل يوم وفي كل ساعة . والتفكير في الأمور المحسوسة ، والبحث في الطبيعة وما فيها للاستفادة مما فيها من أشياء ولتأصيل الإيمان بالله تعالى عن طريق النظر والتفكير في مخلوقات الله . هذا هو التفكير الذي يوجد لدى الأمة القدرة على الحياة الناهضة ، ومثله يؤدي الى الحكم على الأشياء وتعيين المواقف منها ، ويؤدي بالتالي الى ترجمة هذه المواقف الى أعمال مادية . فالفكر هو الذي يترتب عليه عمل مادي ، وهو الذي يؤدي حتما الى نتيجة محسوسة ، وذلك بالسرعة الكافية . فإذا لم يكن للأمة مثل هكذا تفكير ومقدرة على تعيين المواقف وإقامة الأعمال المادية ، لم تكن الأمة جديرة بالحياة ، فغلبتها الامم وتكالب عليها الأعداء ، دون أن تستطيع رد ذلك .

ومثل هذا التفكير يبرز في شكلين : التفكير التشريعي ، والتفكير السياسي . فالأول تفكير لمعالجة مشاكل الحياة ، والثاني تفكير لرعاية شؤون الناس ، وكل منهما ضروري للأمة حتى تستمر في الحياة . والتفكير التشريعي هو ذلك التفكير الهادف الى إستنباط التشريعات لمعالجة ما قد يحصل في كل يوم من الحوادث . وهنا ، لا بد من تحديد موقف الأمة والمجتمع من مثل هذه الحوادث ، وتبيان خطئها اذا كانت تخالف عقيدة الأمة ومنهاجها في الحياة ، أو صحتها اذا كانت كذلك . فعجلة الحياة تدور ، ومعها تنشأ مستجدات كثيرة لابد من تحديد الموقف تجاهها ، وإلا كانت الحيرة والجهل ، ودبت الفوضى في جسم المجتمع . ومن هنا تتحتم ضرورة الحيوية في أي نظام تشريعي ، فإنه يجب أن يكون شاملا لكل مستجد ولك حادث ولكل طارئ ، اذا كان بالفعل يصلح لكل زمان ومكان .

وفي الأمة الإسلامية ، يبرز الاجتهاد في حياة الفرد والدولة والمجتمع ، بوصفه تفكيرا تشريعيا يهدف الى استنباط حكم الشرع من النصوص الشرعية ، وبالتالي تحديد موقف المجتمع الإسلامي والدولة والناس من كل جديد . وقد كان هذا النوع من التفكير مزدهرا لدى الأمة الإسلامية ، وكان شغلها الشاغل حتى القرن الرابع الهجري . وكان سبب ذلك حرص الأمة الشديد على أحكام الإسلام وشرع الله ، وبيان ما يرضيه وما يسخطه . وفي أواخر القرن الرابع الهجري ، ظهر بين الناس من ينادي بتعطيل الاجتهاد ، ويعمل على اقناعهم بخطره ، حتى تم له ما أراد ، واقفل باب الاجتهاد .

وعندما كان للأمة الإسلامية أعظم مدنية ، ولم تكن ثمة مدنية تضاهيها ، حافظت على موقعها بين الأمم . ولكن لما ظهرت الثورة الصناعية في الغرب ، كان الفكر التشريعي عند الأمة معطلا ، فقد اقتصرت على اجتهادات الأقدمين ، ووقفت عندها ، وجمدت عليها ، ولم تنظر في ما استجد من وقائع وأشياء لتعطي رأيها التشريعي فيها . بل وصل الحال بها إلى أن نادى البعض بضرورة رفض كل ما عند الغرب جملة وتفصيلا . ومن المضحكات المبكيات في هذا المجال ، أنه لما ظهرت قهوة البن أفتى العلماء بتحريمها ، وعندما ظهرت الهاتف أفتوا كذلك بأنه حرام ، كما ظهر من العلماء من ينادي بتحريم الصناعة ، وتحريم طباعة المصحف . بل وجد كذلك من ينادي بتحريم تعلم العلوم الغربية كتحريم الساعات ، ومكبرات الصوت ، وتحريم أجهزة التلكس والبرقيات ( التلغراف ) وما شاكلها . وقد كان القرن التاسع عشر فترة ظهر فيها فراغ شاسع بين ما وصل إليه الغرب الناهض صناعيا ، وبين ما عند الأمة الإسلامية . وظن كثير من المسلمين أن الإسلام على لسان علمائه ، هو الذي يحول دون النهضة الصناعية . فكان أن حصلت البلبلة في المجتمع الإسلامي ، فظهر من ينادي بأخذ كل ما عند الغرب كردة فعل لتحريم الصناعة . وكان من جراء ذلك أن فقد الناس الثقة بالاسلام وأحكامه ، لأنهم ظنوا ـ كما أوعز إليه الغرب عن طريق عملائه من أبناء المسلمين ـ أن الاسلام لا يماشي العصر .

هذا بالنسبة للتفكير التشريعي ، أما التفكير السياسي فإنه هو الهادف إلى فهم نصوص الأخبار والوقائع ، ولا سيما ما يتعلق بصياغة الأخبار وكيفية فهم هذه الصياغة . وحتى يتأتى وجود هذا التفكير في الأمة فلا بد من دوام اليقظة والتتبع لجميع الحوادث اليومية ، ولا بد أن يمر هذا التفكير بتجربة سياسية حتى لا تقع الامة في حبائل الكفار ، وينطلي عليها دجلهم وخداعهم ، وتصبح رهنا لإرادتهم .

يتبع ...
أبو حميد
والتفكير بالنصوص السياسية ، وإن كان يشمل التفكير بنصوص العلوم السياسية ونصوص الأبحاث السياسية ، ولكن التفكير الحق ، هو التفكير بنصوص الأخبار و الوقائع . والتفكير بالعلوم السياسية والأبحاث السياسية ، وإن كان يعطي معلومات ، ولكنه لا يجعل المفكر سياسيا ، وإنما يجعله عالما بالسياسة ، أي عالما بالأبحاث السياسية والعلوم السياسية ، ومثل هذا يصلح لأن يكون معلما ولا يصلح لأن يكون سياسيا . لأن السياسي هوالذي يفهم الأخبار والوقائع ، ومدلولاتها ، ويصل الى المعرفة التي تمكنه من العمل . سواء أكان له إلمام بالعلوم والأبحاث السياسية ، أو لم يكن له إلمام . إلا أنه يحتاج فقط الى تتبع الوقائع والحوادث التي تقع في العالم ، أي يحتاج الى تتبع جميع الأخبار . ويحتاج الى معلومات ، ولو أولية ولو مقتضبة ، عن ماهية الوقائع والحوادث ، أي عن مدلولات الأخبار ، سواء أكانت معلومات جغرافية ، أو معلومات تاريخية ، أو معلومات فكرية ، أو معلومات سياسية ، أو ما شاكل ذلك . ويحتاج كذلك الى تمييز الواقعة والحادثة ، أي تمييز الخبر من طريق تمحيصه تمحيصا تاما ، ليعرف مدى صدقه من كذبه ، ولابد أن يأخذ الواقعة والحادثة مع ظروفها أخذا واحدا بحيث لا يفصل بين الحادثة وبين ظروفها ولا بحال من الأحوال . وفوق ذلك فإنه يحتاج إلى ربط الخبر بغيره من الأخبار ، فإن هذا الربط هو الذي يؤدي الى الحكم الأقرب للصواب على الخبر .

والتفكير السياسي لا يجوز أن يقتصر على الحكام والسياسيين ، بل لابد أن يصبح تفكير الأفراد والجماعات ، أي تفكير الأمة فإنه بدون وجوده في الأمة لا يوجد الصالح ، ولا يتأتى وجود النهضة ، ولا تصلح الأمة لحمل رسالتها الى العالم . ولذلك فإن التفكير السياسي ضرورى للأمة قبل الحكام ، وضروري لاستقامة الحكم أكثر من ضرورته لايجاد الحكم . ومن هنا كان لابد أن تثقف الامة ثقافة سياسية ، وأن يكون لديها التفكير السياسي . أي لا بد أن تزود الأمة بالمعلومات السياسية والأخبار السياسية ، وأن ينمى لديها سماع الأخبار السياسية ، ولكن بشكل طبيعي لا بشكل مصطنع . ولابد من إعطائها الصحيح من الثقافة السياسية ، والصادق من الأخبار ، حتى لا تقع فريسة للتضليل . ومن هنا كانت السياسة والتفكير السياسي ، هي التي توجد في الأمة الحياة ، أي كانت السياسة هي التي تحيا بها الأمة ، ما دامت تنظر إليها من زاوية العقيدة الإسلامية ، وبدون ذلك تكون الأمة جثة هامدة ، لا حركة فيها ولا نمو .

ولقد عانت الأمة الإسلامية من سوء التفكير السياسي الكثير من المصائب والويلات . فالدولة العثمانية مثلا ، حين كانت أوروبا تحاربها في القرن التاسع عشر ، إنما كانت تحاربها في الأعمال السياسية أكثر منها في الأعمال العسكرية ، وإنه وإن وقعت أعمال عسكرية ولكنها كانت مساعدة للأعمال السياسية . فمثلا ما كانوا يسمونه بمشكلة البلقان ، هي مشكلة خلقتها الدول الغربية بالتصريحات ، فأعلنوا أن دول البلقان يجب أن تتحرر من العثمانيين ، أي من المسلمين . ولكن لم يكونوا يعنون أنهم سيحاربون الدولة العثمانية ، وإنما كانوا يعتمدون على إيجاد القلاقل والإضطرابات في البلقان . فجاؤا بفكرة القومية والتحرر ، فأخذها البلقانيون ، وأخذوا يقومون بالثورات ، فكانت الدولة العثمانية تقوم بعمليات عسكرية ضد هذه الثورات ، مراعية وضع الدول الأخرى ، وتحاول إسترضاء الدول الأخرى ( أوروبا ) ، مع أن هذه الدول الأخرى هي التي كانت تسند الثورات ، وهي التي كانت تجعلهم يشتغلون ضد الثورات ، من أجل أن يكون عملهم إنهاكا لقواهم ، لا للقضاء على الثورات . وهكذا كان من نتيجة خطأ الدولة العثمانية ، وضلالها في التفكير السياسي أن خسرت البلقان ، ثم لا حقتها فكرة القومية في عقر دارها ، حتى قضت عليها القضاء المبرم .

فسوء التفكير السياسي هو الذي يدمر الشعوب والأمم ، وهو الذي يهدم الدول أو يضعفها ، وهو الذي يحول بين الشعوب المستضعفة وبين الانعتاق من ربقة الإستعمار ، وهو الذي يحول بين الأمم المنحطة وبين النهوض . فقد أنطلى على المسلمين خداع مصطفى كمال لهم في ثورته التي أعلنها ضد الحلفاء ، ولم يدركوا أن ثورته هي الحقيقة ضد السلطان العثماني ، وأن الغاية منها هي فصل تركيا عن باقي أجزاء الدولة ، وهدم الخلافة ، وإقامة جمهورية تركية على أنقاض دولة الخلافة . وانطلى على كافة الشعوب الإسلامية حقيقة الدعوة الى الاستقلال على أساس قومي وطني ، والتي عصفت بالعالم الاسلامي بعد هدم الخلافة في أوائل القرن العشرين الميلادي . فلم يدركوا أن الغاية منها هي تجزئة البلاد الإسلامية لتحطيم الأمة الإسلامية كي تبقى هكذا مجزأة الى دول وشعوب وقوميات الى الأبد ، وكي يحولوا بينها وبين عودتها أمة واحدة ، يكون لها كيان واحد ودولة واحدة . وانطلى عليهم خداع جمال عبد الناصر لهم في الخمسينات والستينات من هذا القرن ، وبالذات بعد مؤتمر باندونغ عام 1955م ، والذي رفع شعارات الإستقلال والتحرر من الإستعمار ، ودعم ثورات الجزائر و المغرب العربي ، وثورة المسلمين في لبنان وسورية ، وغيرها من الدول العربية الافريقية . ولم يدركوا أن أعمال عبد الناصر هذه كانت من أجل تركيز النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط ، وفي الحيلولة دون تحرر العرب ، وقد كانوا عقب الحرب العالمية الثانية متحفزين للتحرير .

لذلك فإن سوء التفكير السياسي يشكل خطرا على الشعوب والأمم ، وأخطار الخطأ أو الضلال فيه ، أخطار مدمرة . ومن هنا كان لبد من العناية الفائقة بالتفكير السياسي ، وكان لابد من تثقيف الأمة التثقيف السياسي ، وتمرينها وتعليمها على التفكير السياسي ، حتى يصبح قادرا على الوقوف في وجه الأعداء والخونة من الحكام ، وحتى يجعل الأمة قادرة على الانعتاق من نفوذ الدول الكبرى ، وعلى تحرير كافة بلادها الاسلامية كي تشكل منها قوة دولية مرهوبة تستطيع أن تقلب الموازين السياسية في العالم .
أبو حميد
النهضة الفكرية
عملية إيجاد الإحساس الفكري في الأمة


تعتبر الأمة الإسلامية اليوم فاقدة للأفكار ، فهي طبيعيا فاقدة لطريقة التفكير المنتجة . فالجيل الحاضر لم يتسلم عن سلفه أية أفكار إسلامية ، ولا أفكار غير إسلامية . وبالطبع لم يتسلم طريقة تفكير منتجة . ولم يكسب هو أفكارا ، ولا طريقة تفكير منتجة . ولذلك كان طبيعيا أن يرى في حالة تبلد في الإحساس تجاه ما ينزل به من أحداث ، وفي حالة لا مبالاة لا يلوي على شيء ، حتى صارت لا تؤثر فيه الأفكار ، ولا تثيره المصائب ولا النكبات ، ولا تؤرقه الخيانات . لأن موطن الإحساس فيه قد تجمد ، ولا الفكر فيه لا يتحرك ، بإعتباره فاقدا للأفكار ولطريقة التفكير المنتجة في الحياة .

ولهذا كان لا بد من إثارة الاحساس الفكري في الامة من جديد . فالاحساس بفظاعة المعصية يؤدي الى تركها ، والاحساس بمرارة الظلم يدفع إلى تغييره ، والاحساس بالانحطاط والتخلف يتحول الى فكر دافع في الأمة لإحداث النهضة الإسلامية المبتغاة . ولكن هذا الإحساس إذا بقي مجرد إحساس ، فإنه لا أمل باحداث أي تغيير . أما إذا قاد هذا الإحساس الأمة إلى التفكير بواقعها السيء ، ومن ثم إلى العمل لتغييره ، فإن هذا الإحساس ـ ولا شك ـ سيقوي عند الامة ويصبح أكثر حيوية ، كلما زاد إلتفافها حول الأفكار الإسلامية وتكتلت على أساسها ، وكلما ازداد وعيها وتشبعت عقليتها بأفكار الإسلام وأحكامه .

وفي هذا العصر : عصر النهضة للأمة الإسلامية ، توجد بارقة أمل مشرق بأن يتحول الإحساس عند الامة إلى إحساس فكري ، لا سيما بعد هذه الأحداث الموجعة التي عصفت بالعالم الإسلامي منذ بدء الغزو العسكري والسياسي لبلاد الإسلام وحتى هذه الساعة ، فهي قد سحقت الأمة سحقا وصارت تهددها بالفناء والزوال . فهذه الأحداث الموجعة قد أثرت في الأمة تأثيرا كبيرا ، واثخنتها بالجراح والآلام الفظيعة ، فصارت بعد هذه السنين الطويلة تشعر بقيمة أفكار الإسلام في حياتها ، وبالتالي بقيمة الأفكار الإسلامية في إحداث النهضة التي أخذت تتطلع إليها منذ منتصف القرن الماضي ، وقد فشلت جميع جهودها لأنها ظنت أنها تستطيع أن تنهض بما نهضت به دول أوروبا وروسيا وأمريكا من أفكار المادية التي ترى أن الدين أفيون الشعوب ، الذي يخدرها ويمنعها من العمل ، ومن أفكار الرأسمالية التي ترى وجوب فصل الدين عن الحياة ، وبالتالي عن الدولة .

فلما لم تتحقق لها هذه النهضة ، وإنما زادت هذه الأفكار الغربية من تخلف المسلمين وتأخيرهم ، ولما كان الإسلام يجري في مجرى الدم عند المسلمين أخذت الأمة تتلمس طريق عزتها ونهضتها في الإسلام ، فلاحت لها تباشير النهضة من جديد ، لأن الإحساس الفكري قد بدأ ينبض فيها بالحيوية . وهو وإن كان لايزال إحساس الأفراد وتفكير الأفراد ـ وأعني بهم حملة الدعوة الإسلامية الذين يعملون لإعادة مجد الإسلام ـ إلا أن ضخامة الأحداث وفظاعتها ، وكون التفكير والإحساس تجسد في أشخاص حتى غَدَا تفكيرا يمشي في الاسواق بين الناس ، فإن هذين الأمرين : يوجدان أملا مشرقا ، في أن ينتقل التفكير والاحساس من الأفراد إلى الجماعات ، وأن يصبح تفكيرا جماعيا لا تفكيرا فرديا ، وأن يكون تفكير الأمة لا تفكير الأفراد ، فتصبح الأمة الاسلامية أمة فكرة ، وتعود كما كانت خير أمة أخرجت للناس .
أبو حميد
معنى الإحساس الفكري


الإحساس الفكري هوالإحساس الذي يقويه عند الإنسان الفكر . أي هو الإحساس الذي يكون الفكر مصدرا له وليس هو مجرد الاحساس بالشيء الذي يأتي طبيعيا لمجرد الشعور بالواقع فيتجاوب معه الإنسان من غير نظر أن تفيكر . وبعبارة أخرى هوالعملية الفكرية التي يقوم بها الإنسان في وقائع الحياة حين يستعمل ما لديه من معلومات عند الإحساس بالواقائع للحكم على هذه الوقائع ، وحينئذ ينتج عن فكره إحساسا ، ويقوى ويضعف بقوة الفكر ووضوح الرؤية لديه أو بضعف الفكر وقصر النظر فيه .

إلا أن الإحساس الذي نعنيه هو الإحساس الذي يكون الفكر أساسا له ، أي الاحساس الذي يقويه عند الإنسان الفكر ، ولهذا لا بد أن يكون الفكر قويا مشرقا عند صاحبه حتى يمكن أن يصدر عنه الإحساس القوي الذي يتولد منه التفكير الجاد والمنتج في الحياة . فهذا الاحساس الذي يوجده الفكر هو ما نعنيه بالاحساس الفكري وهو الذي يتوجب إيجاده في الأمة حتى تحصل لها النهضة الفكرية قطعا .
أبو حميد
اختلاف الاحساس الفكري بين الناس


من البديهي أن الفكر حين يكون ضعيفا يوجد احساسا فكريا ضعيفا عند صاحبه ، فيقف عند حدود معينة لا يتعداها ، ويؤثر على القوى الذاتية لديه وهي القوى الروحية والمادية الاخلاقية والانسانية فيضعفها ويقلل من قوة تأثيرها عليه . وهذا بخلاف الحالة التي يكون الفكر فيها قويا ، فإنه يوجد عند الإنسان احساسا فكريا قويا ، لأن الفكر القوي هو الذي يوجد في الإنسان هذه الهزة الشعورية القوية والتلهب في الاحساس ، أي هو الذي يجعل الاحساس قويا ، وحينئذ يندفع الانسان في الحياة بحسب هذا الاحساس الفكري الموجود لديه . وقياس المجتمعات الانسانية من حيث الارتفاع الفكري في الشعب أو الأمة ، إنما يرجع لقوة هذا الاحساس الفكري أو ضعفه في الافراد والجماعات . فتوجد النهضة حين يكون الفكر قويا ، وبالتالي حين يكون الاحساس الفكري قويا ، وتنعدم حين يضعف الفكر ويصبح غير مؤثر حتى على صاحبه .

والاحساس الفكري كما يختلف باختلاف قوة الفكر أو ضعفه ، يختلف أيضا باختلاف درجة البلدان في الظلم السياسي والاقتصادي ، وباختلاف درجة البلدان في الانحطاط الفكري أو الاخلاقي . فالبلدان التي يكثر فيها الظلم ويستشري فيها الفساد والانحلال يكون الاحساس الفكري فيها أقوى فيدفع الشعب أو الأمة من أجل التغيير وقلب جميع الأوضاع ، بينما يضعف وقد لا يتحرك الا ببطء فيحتاج الى زمن حتى يقوى في البلدان التي لا تشكو من الظلم أو لا تعاني من الفساد والتدهور في الأخلاق .


ولا يمكن أن يكون الاحساس الفكري قويا عند صاحب الفكر الا اذا كان واضحا مشرقا لديه ، والا إذا اقترن الفكر بالعمل ، والا اذا كان تلقي الفكر تلقيا فكريا مؤثرا يؤثر ، وحينئذ يصبح التطبيق نتيجة طبيعية . وقد تجلّى في الصحابة قمة الاحساس الفكري ، فكان الدين عندهم إيمانا يتلوه العمل وهكذا فهموه ، وهكذا تعلّموه من رسولهم الكريم صلى الله عليه وآله وسلم . يقول أبو عبد الرحمن السلمي وهو أحد كبار التابعين : "حدثنا الذين كانوا يقرؤننا القرآن (( كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما )) أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل . قالوا : فتعلمنا القرآن والعمل جميعا " مقدمة في أصول التفسير ـ ابن تيمية ص 6 . ولهذا كانوا يأخذون الأحكام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذا مؤثرا يدفعهم نحو العمل . فبمجرد أن تنزل الآية ، وبمجرد أن يصدر الحديث عن الرسول الأكرم ، يبادرون إلى أن يضعوا ذلك موضع التطبيق والتنفيذ ، حتى تنطبق جميع أعمالهم به لأنهم أخذوه أخذا مؤثرا ، أي للعمل والتطبيق بعد أن آمنوا به حقا وأخذوه صدقا . فكان الاسلام يتحول في نفوسهم الى مفاهيم دافعة للعمل وليس مجرد معلومات في الذهن . أي أفكارا لها وقائع خارجية فتزيد من احساسهم بتبعات الإسلام وبمسؤوليتهم عن باقي الناس لهدايتهم . ولعل أروع مثال يؤتى به ، ما كان من أمر أبي ذر الغفاري رضي الله عنه فإنه بعد أن سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو عليه القرآن ويدعوه الى الاسلام ، أسلم على الفور وقال : " والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم " يعني يعلن خبر اسلامه على الملأ دون أن يحسب لزعماء قريش أي حساب . " فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته أشهد أن لا إله الا الله وأن محمدا رسول ". فثار عليه الناس يضربونه حتى أوقعوه على الأرض . " فأتى العباس فأكب عليه فقال : ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار وأن طريق تجارتكم الى الشام عليهم . فأنقذه منهم . ثم عاد من الغد بمثلها ، وثاروا إليه فضربوه . فأكب عليه العباس فأنقذه " صحيح مسلم / كتاب فضائل الصحابة 132 / 2474 . فكان الاحساس الفكري لديه في القمة .

وأما متى يكون الاحساس الفكري عند الإنسان ضعيفا ، فإنه اذا لم يكن الفكر واضحا عند صاحبه ، واذا كان عليه غشاوة أو غشاوات ، أو كأن لم يصل الى درجة القناعة والتصديق الجازم ، أي لم يكن إيمانا ، وإذا لم يقترن الفكر لديه بالعمل ، فإن الاحساس الفكري يكون ضعيفا ، أو أنه يضعف مع الزمن اذا كان من حيث أصله قويا عند الشخص الذي وجد لديه هذا النوع من الاحساس ، وذلك يعود الى أن تلقي الفكر يلم يكن تلقيا فكريا مثرا ، بل كان من أجل العلم فقط ومن أجل تويد الهن بالمعلومات ليس غير . وذلك كالامة الاسلامية اليوم ، فإن الإحساس الفكري عندها يعتبر ضحلا أو غير موجود أصلا ، الا لدى الأفراد ، الذي يحملون لها الدعوة على الأساس الفكري . لأنها فاقدة للأفكار . ولأن العقيدة الاسلامية لديها قد طرأت عليها غشاوات كثيرة أيام الإنحطاط ففقدت حيويتها . ولأن الأمة في العصور الأخيرة قد ورثت الإسلام باعتباره طقوسا وشعائر للتدين ، كما يرث النصارى دين النصرانية ، وفي نفس الوقت اعتنقت الأفكار الرأسمالية من مجرد مشاهدتها نجاحها في بلاد الغرب ، لا من ادراكها لواقع هذه الأفكار ، ومن خضوعها لتطبيق أحكامها عليها بالقوة ، لا من انبثاق هذه الأحكام عن وجهة النظر الرأسمالية للحياة ، التي هي في نظر الإسلام كفرا لا يحل أخذه بحال من الأحوال . ولذلك أهمل الكثيرون أمر تطبيق الإسلام في حياتهم . وظنوا أنهم بذلك يتمكنون من السير قدما في معترك الحياة مع العالم المتمدن ، ويلحقوا بقافلة الأمم الرأسمالية أو الشعوب التي تطبق الأشتراكية وتسير نحو الشيوعية باعتبارها في نظرها الشعوب الراقية . بهذا كان الاحساس الفكري في الأمة الاسلامية اليوم في الحضيض .
الباحث محمد
اخي ابو حميد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاك الله خيرا على هذا النقل وبارك فيك واعانك ووفقك اللهم آمين .
اسمح لي بعتاب من اخ يحبك في الله :
لقد اطلت علينا في النقل وكلنا شوق الى الاطلاع على هذه الافكار الطيبة .
ارجو ان لا يطول انتظارنا حتى تكمل لنا الموضوع
بارك الله فيك وجزاك عنا خيرا
الفقير
اخي ابو حميد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاك الله خيرا
موضوعك هذا هو سبب عودتي للمشاركه في هذا المنتدي الكريم
وذالك لشوقي الشديد لتكملته ,وللعلم فانا الان اقوم بطباعته وعمل منه عده نسخ لاهدائه لمن احب
بارك الله فيك ولا تتاخر علينا
والسلام
أبو مالك
يا حيا الله الأخ الفقير

ولماذا هذا الهجران أخي الكريم؟

أحسست من كلامك بعتب على المنتدى؟
أبو حميد
السلام عليكم
الاخوة الأكارم( أبو مالك ، alfageer ، الباحث محمد ) ... بارك الله فيكم على اهتمامكم لهذا الموضوع القيم .. وعتابكم في محله ...
كل ما هنالك هو انشغالي بالدعوة وبعض الأمور التي طرأت حاليا ...
ولكن أعدكم بأني سأقوم بطباعته كل يوم ... موضوع أو موضوعين ..إن شاء الله تعالى ...

أخي الكريم alfageer :
لا تتعب حالك بالطباعة والنسخ من الآن ... الموضوع سيكون جاهزا عما قريب على شكل وورد ان شاء الله تعالى...

يعطيكم العافية ...
نور الإيمان 2
حياكم الله ورعاكم

اخي أبو حميد

بارك الله اعمالكم و جعلكم ممن يذكر عنده

أحب أن تنزل لنا شرح كتاب مفاهيم حزب التحرير أيضا اذا كان متوفر عندك


ودمتم في رعاية الله
أبو حميد
تكرم عينك يا نور الإيمان2 ... ولا يهمك ... سأقوم بكتابة وتنزيل شرح كتاب مفاهيم حزب التحرير من اليوم .. بإذن الله تعالى
ولكن تنقصي الصفحة الأولى من هذا الشرح .. فأرجو ممن لديه هذه الصفحة .. التكرم بإرسالها الىّ على البريد التالي :
alhijazi1@yahoo.co.uk
ابو المعتصم
السلام عليكم اخواني الكرام
وبارك الله فيك اخي ابي حميد على هذا الكتاب الممتاز والقيم
وعندي طلب ورجاء في نفس الوقت
يا ليت أحد من الاخوة الكرام من يقوم بشرح كتاب التكتل الحزبي وذلك لما فيه من الفائدة العظيمة لتعريف الباحثين عن سبيل النهضة وأوصاف الحزب المبدئي الصحيح.
وجزاكم الله عن المسلمين خير الجزاء
[move]أحبكم في الله
أبو حميد
أخي الكريم .. أبي المعتصم .. السلام عليكم
لدي شرح كتاب المفاهيم وشرح كتاب التكتل وسأقوم بطباعتهم على شكل وورد ثم التنزيل على هذا الموقع حالما أنتهي من كتاب النهضة ... إن شاء الله تعالى
أرجو منكم الدعاء لي والمعونة من الله تعالى ..
أبو حميد
منطق الاحساس وكيفية نشوء الأفكار وكيفية نقلها للناس


إن إعادة تكوين الأمة الإسلامية يقتضي دوام الحرص على أن يكون الفكر الذي نريد تكوين الأمة به ناجما عن إحساس حتى يتأتى إيجاد الإحساس الفكري في الأمة للنهوض بها . وبقدر صدق الإحساس وصدق المعلومات عن الواقع بقدر ما يكون التفكير عند الإنسان قويا منتجا ، فيـبدع الإنسان باستعمال الأفكار لديه بنجاح تام . وهذا ما يسمى بمنطق الإحساس ، وهو يعني أن يكون الفهم والتفكير ناجمين عن إحساس لا عن مجرد فروض لقضايا خيالية . لأن هذا هو الأساس في عملية التفكير . فإن طريقة التفكير من حيث هي تحتم إقتران الإحساس بالواقع مع وجود المعلومات السابقة عنه إو اقتران المعلومات السابقة مع الإحساس بالواقع ، فحينئذ يحصل الفكر ، وفي غير ذلك لا يمكن أن يحصل فكر مطلقا .

وعليه فإنه لا بد من إعطاء المعلومات مع الإحساس بالواقع حين نريد أن ننشيء فكرا . ولا بد من إيجاد الإحساس بالواقع مع المعلومات حين إعطائها ، إذا أردنا أن يدرك الفكر الذي نعطيه . فمثلا من جراء اقصاء حكم الاسلام عن كثير من الأقطار الاسلامية وخضوعها لحكم الكفر ولسيطرة الكفار ، ثم من جراء إنهيار الخلافة الاسلامية والقضاء عليها ، حصل في أذهان المسلمين استبعاد وجود الدولة الاسلامية ، واستبعاد وحدة البلاد الإسلامية على أساس الإسلام ، واستبعاد الحكم بالاسلام وحده ، وهذا ما جعل تصور المسلمين للحياة الاسلامية ولإمكانية عودة الخلافة ضعيفا ، والبعض يرونه مستحيلا . فإذا أردنا نقل الأفكار المتعلقة بهذا الواقع للأمة وأردنا إيجاد فكر الإسلام وجعله الطاغي على الإتجاهات العقلية والنفسية عند الأمة ، فلا بد من إيجاد الإحساس عند الأمة بالواقع السيء الذي تعيش فيه ، وبضرورة تغييره ، لأنه واقع منحط أولا ، ولأنه يخالف الإسلام ثانيا . كما لا بد من إيجاد الإحساس عند الأمة بضرورة إيجاد الدولة الإسلامية ، حتى تتكون العملية العقلية بشأنها ويكون الفهم والتفكير ناجمين عن إحساس ، لأن الإحساس شرط أساسي لحصول التفكير .


فالمجتمع المنحط لابد من الإحساس بالإنحطاط حتى يحصل الحكم عليه بأنه منحط ، وما يجرح الكرامة لابد من الإحساس بالجرح الذي حصل أو الحس بأن هذا الشيء أو الفعل يجرح الكرامة حتى يحصل الحكم بأنه قد حصل جرح ، أو أن الشيء له شفرة تجرح الكرامة . وما يغضب الله لابد من الإحساس بغضب الله الذي حصل أو الحس بأن هذا الفعل أو الشيء يسفز رب العزة ، أي فيه نار الإستفزاز وجمرة الغضب للذات العلية وهكذا ، فإنه بدون الحس لا يمكن أن تحصل العملية العقلية . ولا شك أن الصحابة الذين أسلموا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أحسوا بواقع مجتمعهم وما هم فيه من إنحطاط في النظر واسفاف في الفكر ، حين عرض عليهم الرسول دعوته أول مرة ، ولا شك أنهم نالوا أعلى قدرا من الإحساس بين بني قومهم . ولذلك لما وقف جعفر بن أبي طالب أمام النجاشي عبّر عن استجابتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " أيها الملك ، كنّا قوما أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، فكنا على ذلك ، حتى بعث الله إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقدف المحسنات ، وأمرنا أن نعبد الله وحده ، لا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ـ ثم عدّد عليه أمور الإسلام وقال ـ فصدّقناه وآمنا به ، واتبعناه على ما جاء به من الله ، فعبدنا الله وحده ، فلم نشرك به شيئا ، وحرّمنا ما حرّم علينا ،وأحللنا ما أحل لنا .. " السيرة النبوية ـ ابن هشام 1/336 . ولما أصيب المسلمون بالهزيمة يوم أحد تملكهم احساس عميق بالجرح الذي أصابهم في المعركة ، وكانت تظهر عليهم آثار الهزيمة ، ومع ذلك فلم يهنوا ولم يضعفوا ولم يحزنوا ، فقد نزل قوله تعالى : " ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين . إن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا منكم ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين . وليمحص الله الذي آمنوا ويمحق الكافرين " آل عمران : 139ـ 141 .

ولذلك فإنه لما أمرهم الرسول بمطاردة العدو استجابوا له على الفور مع كونهم مثخنين بالجراح ، وفي ذلك يقول أحد رجال بني عبد الأشهل : شهدت أُحداً أنا وأخ لي فرجعنا جريحين ، فلما أذَّن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو وقلت لأخي ، وقال لي : (( أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . والله مالنا من دابة نركبها ، وما منا إلا جريح ثقيل ، فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت أيسر جرحا منه ، فكان إذا غُلب حملته عُقبَة ومَشَى عُقبَة ( يريد نتعاقب ركوبة ، أحدنا يركبها برهة والآخر يمشي ) حتى إنتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون )) البداية والنهاية في التاريخ ـ ابن كثير ج 4 ص 55 . فأنزل الله فيهم : " الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم " آل عمران : 172 .

ولما تخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك ، وجاء المخلفون من المنافقين يعتذرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، اجمع كعب على أن يصدق الرسول ، فجاء حتى جلس بين يديه وقال له : " يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر ، لقد أُعطِيتُ جدلا ، ولكننني والله لقد عَلمتُ لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنى لَيوشِكَن الله يُسخِطُكَ عَليّ ، وإن حدثتك حديث صدق تجد عَليّ فيه ( أي تغضب ) إني لأرجو فيه عُقبَى الله عزوجل ، والله ما كان لي من عذر ، والله ما كنت قد أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك " البخاري 8 / 93086 ومسلم 2769 . وكان قد تخلف معه رجلان من الصحابة ، وقالا مثل ما قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهما مُرارة بن الربيع العَمري ، وهلال بن أمية الواقِفيّ . وقد نهى رسول الله الناس أن يكلموهم ، ثم بعد أربعين يوما أمرهم باعتزال نسائهم ، وظلوا على هذه الحال خمسون ليلة وهم صابرون على هذا البلاء لا يكلمهم أحد ولا حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يقربن نسائهم . ثم فرج عنهم بتوبة الله عليهم قال تعالى : " لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم . وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم " التوبة : 117 ، 118 . فهنا قد حصل الإحساس بغضب الله عند هؤلاء الثلاثة لتخلفهم عن الغزو والجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحصل عندهم الاحساس بأن الكذب يغضب الله ويستفزه تعالى ، فتركوا الكذب وآثروا الصبر على المحنة التي نزلت بهم جزاء تخلفهم خمسون ليلة بتمامها .

وعليه فالحس أمر ضروري حتى تحصل العملية العقلية ، أي حتى يحصل عند الإنسان فكر ، سواء في الأشياء المادية أو غير المادية . إلا أن الأمور المادية يحصل الحس بها طبيعيا وإن كان يقوى ويضعف حسب فهم طبيعتها ، مثل الإنحطاط في الأمة فهو أمر مادي ، إلا أن قوة الحس فيه متعلقة بفهم واقعه أو طبيعته ولذلك قيل أن الإحساس الفكري هو أعلى أنواع الإحساس . أما الأمور المعنوية من مثل الإحساس بالجرح الذي يصيب الكرامة ، والروحية مثل الإحساس بالفعل أو الشيء الذي يغضب الله ، فإن الحس بها لا يأتي اعتباطيا لأنها أمور غير مادية ، فقد لا يحس المرء بأن ما حصل له من غيره هو مما يجرح الكرامة ، إذ لا يعمل أن هذا الشيء يجرح الكرامة فلا يوجد الإحساس بالجرح الذي حصل . فالمرأة الغربية التي تتعرى على المسرح أمام الرجال ثم تختار رجلا ليضاجعها ، هذه المرأة لا تشعر أن فعلها هذا يجرح الكرامة ، والرجل الغربي الذي يرضى بأن تذهب أخته مع عشيقها إلى بيته أو الى أي مكان يختلي فيه بها أو يغرر بها لينال منها ما ينال الرجل من زوجته ، هذا الرجل لا يعلم أن فعل أخته هو مما يجرح الكرامة . ومثله في الأمور الروحية ، فقد لا يحس المسلم أن اعتناقه لفكرة القومية أو الاشتراكية هو مما يستفز رب العزة أو يغضبه ، وقد لا يحس أن شراؤه لأسهم شركة رأسمالية كشركات التأمين والشركات المساهمة هو فعل حرام يغضب الله ، وأن تركه الإهتمام بأمر المسلمين وسكوته على حكم الكفر هو فعل حرام لا يجوز له القيام به ، فلا يحس بفعله هذا أنه يغضب الله تعالى لكونه يجهل أن هذا الفعل أو الشيء مما يستفز رب العزة . ولذلك فإنه في الأمور المعنوية والروحية لا بد من تعمد الحس عن طريق الفكر ، فإذا لم يوجد الفكر لم يوجد الإحساس . وكذلك في أمور الدعوة يكون إحساس حملة الدعوة بعد تفهمها أقوى من إحساسهم قبلها ، لأن الدعوة تكون قد غرست في نفوسهم ، وأثرت في عقليتهم ونفسيتهم ، فأشبعتها بالثقافة الإسلامية ، وملأتها بالإيمان الكامل وبرضوان الله تعالى ، وتكون قد زادت من خبراتهم ومعارفهم ، ووسعت أفق تفكيرهم حتى استحال تفكيرا عميقا مستنيرا ، وبالتالي تفكيرا منتجا .
نار ونور
مجزي الخير أخي بو حميد
ابو المعتصم
أخي الكريم ابو حميد
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته
بارك الله فيك على اهتمامك بالموضوع وجزاك الله خيرا عنا وعن المسلمين
وأعانك الله على المزيد من عمل الخير
وبارك الله لك في وقتك
تقبل تحياتي
اخوك الصغير ابو المعتصم
أم آدم
بارك الله بكم على هذا الموضوع الممتاز
فأخطر ما يمكن أن يصيب الأمة هو أن تتلبد أحاسيسها وتألف المعاصي
وتتعامل مع الفواحش تعاملا طبيعيا أو كما يسميه بعض المفكرون .. التطبيع مع الواقع ...
ووالله إنها لمهمة صعبة على حامل الدعوة أن يستثير الأمة ويحفزها ويعيد إليها الإحساس بعد أن تخدرت فيحرك مكامن القوة فيها ويحملها على الإحساس حتى نكون كما أرادنا الله خير أمة أخرجت للناس.
وجزاكم الله عن المسلمين كل خير
أبو حميد
كيفية إيجاد الإحساس الفكري في الأمة


إن استعراضنا لواقع الأمة ، وموقفها إزاء الأحداث والوقائع ، وموقفها من حكامها ، وكيفية تحرك الإحساس فيها ونوعيته تجاه النكبات التي تصيـبها أو تنزل فيها وتلحق بها الهزيمة تلو الهزيمة ، والمؤامرة تلو المؤامرة ، وموقفها من الإسلام وضرورة إيجاده في معترك الحياة ، كل ذلك وأمثاله يدل على أن الإحساس الموجود في الأمة إحساس ضعيف ، ومردّ ذلك إلى الإنحطاط الفكري الموجود في الأمة ، ولعدم وجود أفكار لديها تبدع في استعمالها في الحياة . ففقدان الأمة للأفكار الإسلامية ولطريقة التفكير المنتجة في الحياة ، قد أضعف الإحساس الفكري عندها مما جعلها ترضى بالإنحطاط ولا تعمل على تغييره ، وترضى أن تحكم بالكفر عن طريق حكام من أبنائها هم أشد عداء للإسلام من دول الكفر قاطبة ، فهم قد قهروها وظلموها ووضعوها في سجن كبير وحالوا بينها وبين العودة إلى الإسلام ، فسكتت عنهم كما سكتت على سيطرة الكفار على بلادها ولم تعمل على رفع هذه السيطرة إلا بانتفاضات إرتجالية قد رسّخت أقدام المستعمرين بدل أن تنقذ البلاد منهم ومن شرورهم .


لذلك كان لا بد من إيجاد الإحساس الفكري في الأمة ، فإنه بدونه تنعدم النهضة وينعدم الرقي المادي في الحياة . أما كيف نوجد الإحساس الفكري في الأمة إزاء الحوادث والوقائع والمصائب والنكبات ، وكيف نوجد الإحساس الفكري عندها بضرورة وجود الدولة الإسلامية ، وضرورة وحدة البلاد الإسلامية وإعادة الحكم الإسلامي إليها وتحريرها من سلطان الكفار المستعمرين ومن أذنابهم من حكام المسلمين وأعوانهم من الظلمة والمنافقين والمنـتفعين . فذلك يكون عن طريق بيان الواقع السيء في المجتمع في كافة البلدان الإسلامية ، وتنبيه الأمة إلى الأخطار الدولية التي تحدق بها من جراء خيانة حكامها وتسليمهم البلاد وما فيها للكفار المستعمرين ليعيثوا فيها فسادا ونهبا وإرهابا وتشريدا . وإلى الأخطار الفظيعة التي تهددها في حال بقاء بلادها مجزئة وثرواتها منهوبة وخلافتها غير قائمة ، وبالتالي في حال بقاء سيطرة الكفار عليها إما مباشرة أو عن طريق الخونة والعملاء من أبناء المسلمين . فهذا من شأنه أن يوجد الوعي العام عند الأمة على الإسلام وعلى الوقائع والحوادث السياسية ، وإذا ما وجد الوعي العام عند الأمة على قضاياها وعلى واقعها ، فإن إحساساتها تقوى وتزداد كلما زاد الوعي لديها على دينها وعلى الواقع السيء الذي تعيش فيه . فهذه الإحساسات هي ما نعنيه بمنطق الإحساس أو الإحساس الفكري .


ومتى مرّ الفكر بدور تحويله من إحساس إلى فكر إلى قوة دافعة متحركة ، فإنه إنما يتحرّك في الأمة ويحركها عن طريق الإحساس الفكري الذي وجد فيها وحينئذ توجد تباشير النهضة ، ويبدأ الأمل مشرقا في تحقيق الإنقلاب العام في الأمة وتحويل البلاد الإسلامية من بلاد تعيش في ظل أنظمة الكفر إلى بلاد تعيش في ظل أحكام الإسلام وأنظمة الإسلام . وكلما كان الإحساس الفكري في الأمة قويا ، كلما كانت عملية التغيير سريعة ومنتجة ، مهما اعترض ذلك من صعوبات تحول دون الوصول . أما فيمن يتحرك الإحساس الفكري أولا . فلا شك أن الذين نالوا أعلى قدرا من الإحساس هم الذين يتركز فيهم الفكر أولا وقبل غيرهم ، فيوقظهم ويلهمهم ويبعث فيهم الحركة فتظهر أعراض الحياة فيهم أولا ، ومن ثم يتحركون حركة وعي وإدراك لنقل الأفكار إلى غيرهم من أفراد الأمة وإلى المجتمع برمته .
أبو حميد
متى تدبّ الحيوية في الأمة


يظهر لنا من تتبع حركات الشعوب خلال مختلف مراحل التاريخ أن الحيوية تدب في الأمم والشعوب عادة حين تحصل هزات عنيفة في المجتمع ينتج عنها إحساس مشترك . وهذا الإحساس الجماعي يؤدي إلى عملية فكرية في الأمة . إلا أن الإحساس وإن كان واحدا مشتركا في الجماعة بين أفرادها فإنه يكون بنسب مختلفة بين الناس على قدر ما هيأهم الله له بما ساهم من إستعدادات ممتازة ، فيتركز فيمن نالوا أعلى قدرا من الإحساس وهؤلاء هم عيون الأمة وهم الثلة الواعية فيها . وهم الذين يحملون الدعوة إلى المجتمع . لأن الفكر عندهم هو نتيجة منطق الإحساس أي فهما ناتجا عن الإدراك الحسي . وهذا الفهم يوجد لديهم الإحساس الفكري ، فلا يطيق أن يبقى حبيسا في نفوسهم ، بل يسوقهم إلى الدعوة سوقا فتصبح أعمالهم متكيفة به ، سائرة حسب فهمه ، مقيدة بحدوده ، ويصبح وجودهم من أجل الفكر الذي أخلصوا له ومن أجل الدعوة له والقيام بتكاليفه والتزاماته .

تماما كما حصل مع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة ، فقد غرست الدعوة في نفوسهم ، وسرى الإسلام فيهم سريان الدم في أجسامهم فأصبحوا إسلاما يمشي في الطريق . وقد تجسد فيهم الإحساس إلى أعلى درجة ، وبذلك لم تستطع الدعوة أن تبقى حبيسة في نفوسهم رغم استخفائهم ورغم سرية تكتلهم والحرص على إخفاء تجمعهم . فأخذوا يتحدثون إلى من يثقون به ، وإلى من يأنسون منهم إستعدادا لقبول الدعوة وظل ذلك مدة ثلاث سنين . ثم لما أمر الله رسوله بأن يجهر بالدعوة ويظهر كتلته علانية ، إنتقل الرسول في أصحابه من دور الإستخفاء الى دور الإعلان ، ومن دور الإتصال بمن يأنس فيهم الإستعداد الى دور مخاطبة الناس جميعا ، وإن كان قد بقي بعض المسلمين مستخفين وبعضهم ظل مستخفيا حتى فتح مكة لأن الدعوة لم تكن فرضا عليهم وإنما كانت فرض على الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكونهم كانوا مستضعفين في قومهم .
أبو مالك
نسأل الله أن يجزيك الخير يا أبا حميد

ما زلنا بالانتظار
نار ونور
أخي الحبيب
هلم هلم
وجزاك الله خير الجزاء
الباحث محمد
الاخ ابو حميد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اخي الكريم كاني بك تريد ان تبقي اعصابنا مشدودة وفي حاله توتر
عجل لنا في اتمام هذا الكتاب القيم لتبدأ لنا في غيره
ولك خالص دعائنا وجزاك الله عنا كل خير
اخوك الباحث محمد ( ابو محمد )
أبو نسيم
أخي الكريم أبو حميد،
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد،
جزاك الله خير الجزاء على هذا المجهود وجعله الله تعالى في ميزان حسناتك.
أرجو أن تذكر لنا مزيداً من المعلومات عن الكتاب كتاريخ طباعة الكتاب ودار النشر إن وجد.

وأود أن أذكر أن شرح المفاهيم والتكتل موجود فلا داعي لطباعته مرة ثانية للمحافظة على وقت الشباب فيما هو أهم. وسوف أبحث عنهما إن شاء الله وسأخبركم إن كانا موجودين لدي لإرسالهما لمن يرغب في ذلك.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أبو أكرم
للرفع

أخي عبد الحميد، السلام عليكم ورحمة الله
عسى تكون بخير

إننا في إنتظارك حتى تكمل ما بدأته.... جزاك الله كل خير
الباحث محمد
الاخ ابو حميد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ما زلنا في شوق لمتابعة الكتاب فلا تتاخر علينا اكثر
لعل سبب التاخر خيرا
وارجو ان لا ازعجك اذا كان بامكانك ان ترسل الكتاب لي على
issa1133@yahoo.com
او
issa24i@maktoob.com
ولك مني خالص الدعاء
اخوك الباحث محمد ( ابو محمد )
أبو حميد
اخواني في الله .... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... تقبل الله صيامكم وقيامكم ....
آسف جداعلى طول الغياب ...
لقد حبسني حاسب منعني القيام من الكتابة إليكم طوال الشهور الماضية ... ولكن نحمد الله على كل حال ..
وسأقوم بالكتابة اليكم مجددا خلال الأيام القادمة بإذن الله تعالى ...
شاكرين لكم عن سؤالكم لطول غيابي ... ووفقنى الله وإياكم لما يحبه ويرضاه ...
وبارك الله في الجميع ...
أبو حميد
عقبات إيجاد الإحساس الفكري في الأمة


مشكلة الأمة الإسلامية اليوم أن إحساساتها جميعا لا تنتج عن فكر مؤثر يدفعها للتحرك بشكل جدي على أساس الفكر . والفكر الذي نريد إنهاض الأمة الإسلامية به هو الفكر الإسلامي المستمدة أصوله من الوحي ، أي من الكتاب والسنة ، ومما دل عليه الكتاب والسنة من قياس وإجماع صحابة . لكن هناك عقبات تحول دون تحقيق إيجاد الإحساس الفكري في الأمة ، وهذه العقبات هي ما يلي :

أولا : إن الإحساس في الأمة ينتقل إلى العمل رأسا لا إلى الفكر . وما التظاهرات والاحتجاجات وغيرها من أنواع الكفاح الرخيص إلا دليلا حيا على أن الإحساس الغريزي هو الذي يتحرك في الأمة ، فتقوم بالعمل رأسا من مجرد الإحساس بالظلم من الحاكم ، ومن مجرد الإحساس بالغبن أو الحرمان من بعض الحقوق ، أو الخيانة من قبل رئيس الدولة ، دون الرجوع إلى الفكر وبالتالي دون أن تعطي نفسها برهة للتفكير العميق فيما نزل بها من ظلم أو مصاب . حتى تحدد الموقف وتحدد الإجراء . وهذا لا يغير الواقع ، لا بل الخطر الإنتقال من الإحساس إلى العمل رأسا لا إلى الفكر ، لأن هذا يجعل الإنسان واقعيا رجعيا ، يسير في عقلية منخفضة ويجعل الواقع مصدر التفكير لا موضع التفكير . والفرق بين جعل الواقع مصدرا للتفكير وبين جعله موضع التفكير : هو أن جعله موضعا يعني أن التفكير لا ينتج إلا عن واقع ، وهذا بديهي لأن التفكير يتطلب الإحساس بالواقع أولا ، ثم وجود معلومات عنه تكون بمستواه . أما كونه مصدرا فهذا يعني عدم أخذ الفكر إلا من الواقع أو البيئة ، التي يعنيش فيها الإنسان . لأن جعل الواقع مصدرا للتفكير لا يكون آتيا من الواقع ذاته ، وإنما يكون من غيره ، أما من الوحي أو من الإنسان بفكرة تشرق في ذهنه بعبقرية منه . فالتغيير لا يكون فيما عليه المجتمعات بل فيما يجب أن تكون عليه المجتمعات . وهذا يقتضي أن يخرج الإنسان عن واقعه ويتصور طريقة واضحة لتغييره ، وأن يؤدي به الإحساس الى الفكر أولا ، ثم يؤدي به هذا الفكر إلى العمل ، وهذا الذي يمكن من الارتفاع عن الواقع . فالذي يحس بالواقع ثم يعمل ، لا يعمل لتغيير الواقع بل يعمل لتكييف نفسه حسب الواقع فيبقى متأخرا منحطا . والذي يحس بالواقع ثم يفكر في تغييره ، ثم يعمل بناء على هذا التفكير ، هذا هو الذي يكيف الواقع حسب مبدئه ( أي حسب الفكرة السياسية التي يؤمن بها وهي بالنسبة لنا نحن المسلمين الفكرة الإسلامية ) فهذا هو الذي يخضع الواقع لما يؤمن به ويغيره تغييرها كليا . وهذا هو الذي يتفق مع الطريقة الإنقلابية التي هي الطريقة الوحيدة لاستئناف الحياة الإسلامية ، لأن هذه الطريقة تفرض أن يكون الفكر ناتجا عن إحساس مثل ما حصل مع عمر بن الخطاب ، فإنه لما هاجر المسلمون الى الحبشة فرارا بدينهم وقف عمر يتأمل خروجهم وقد أثّر في نفسه فقال لإبنة أبي حثمة : إنه للإنطلاق يا أم عبد الله ؟ قالت : نعم والله ، لنخرجَنّ في أرض الله : آذيتمونا وقهرتمونا ، حتى يجعل الله مخرجا . فقال : (( صحبكم الله )) . قالت أم عبد الله : ورأيت له رقة لم أكن أراها ، ثم انصرف وقد أحزنه ـ فيما أرى ـ خروجنا )) . السيرة النبوية ـ ابن هشام 1/343 . ثم لم يلبث عمر يسيرا الا وقد أسلم ، وفي ذلك يقول عمر : خرجت أتعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن أسلم فوجدته قد سبقني الى المسجد فقدمت خلفه ، فاستفتح (( سورة الحاقة )) فجعلت اتعجب من تأليف القرآن . قال : قلت والله شاعر كما قالت قريش ، فقرأ : (( إنه لقول رسول كريم ، وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون )) الحاقة : 40 ، 41 . قال : قلت كاهن علم ما في نفسي ، فقال (( ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون . تنزيل من رب العالمين . ولو تقول علينا بعض الأقاويل . لأخذنا منه باليمين . ثم لقطعنا منه الوتين . فما منكم من أحد عنه حاجزين . وإنه لحق اليقين . فسبح باسم ربك العظيم )) الحاقة : 42ـ 52 . قال : فوقع الإسلام في قلبي كل موقع )) وفي رواية : فلما سمعت القرآن رق له قلبي ، فبكيت ودخلني الإسلام .. )) الروض الأنف نقلا عن سيرة ابن هشام 1/348 . . فهنا الفكر عند عمر كان ناتجا عن إحساس . ثم تبلور الفكر لديه وأحدث فيه الإنقلاب الكامل ، حتى أخذ يسير في تهيئة الأشخاص والمجتمع بهذا الفكر ، وأتى بعدها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له : ما عليك . بأبي وأمي ، والله ما بقي مجلس كنت أجلس فيه بالكفر إلى أظهرت فيه الإيمان غير هائب ولا خائف (( وفي رواية قال له : يا رسول الله ، علي ما نخفي ديننا ونحن على الحق ويظهر دينهم وهم على الباطل ؟ فقال (( يا عمر ،إنّا قليل وقد رأيت ما لقينا )) فقال عمر : فو الذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الإيمان )) البداية والنهاية في التاريخ ـ ابن كثير 3/34، 35 . وهكذا فالطريقة الإنقلابية تفرض أن يكون الفكر ناتجا عن إحساس ، وأن يتبلور هذا الفكر بحيث يرسم المخطوط الهندسي للفكرة والطريقة في الذهن ( من مراجعة السيرة النبوية وتتبع نصوص الكتاب والسنة ) فيدرك الإنسان المبدأ إدراكا صحيحا يؤدي إلى العمل ، حتى يكون الفكر قد حدث فيه إنقلابا في الرأي العام بعد أن يوجد الوعي العام على المبدأ فكرة وطريقة ، وهذا ما نجح مصعب بن عمير بتحقيقه في مجتمع المدينة خلال سنة واحدة من الدعوة فيها ، فقد نقل الناس من الإيمان الوجداني إلى الإيمان العقلي ، أي من الإيمان الذي ينبع من مشاعر التدين البحتة إلى الإيمان الذي هو نتيجة بحث عقلي قد تجاوبت فيه المشاعر مع الفكر ، ونقلهم من عبادة الأصنام الى عبادة الله ، وجعلهم يصدقون بالحياة الأخرى ، ويتصورونها بالصورة التي أوضحها لهم في الكتاب والسنة وأوضح ما فيها من عذاب ونعيم ، فصاروا يتصورونها ويرون أنها هي الحياة الحقيقية ، وبذلك صار للحياة عندهم معنى وقيمة لأنها طريق لحياة أخرى أسعد وأخلد ، وجعل مقياسهم في الحياة هو الحلال والحرام ، حتى صار المسير للأعمال والموجه لها هو أوامر الله ونواهيه ، وصارت الغاية مت تسيير الأعمال بأوامر الله ونواهيه هي رضوان الله ، وصارت السعادة عندهم لا تأتي بالملذات ولا بالشهوات وإنما بنوال رضوان رب العالمين . وقد بلغ من تأثير الإسلام في نفوسهم كانوا مستعدون للتضحية بأنفسهم وأموالهم في سبيل الإسلام ، واستعدوا لنصرة رسول الله وحمايته وحماية دعوته ، ثم جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه بيعة حربية وبيعة نصرة وحماية ، وكانت في واقعها بيعة على تسليمه الحكم في المدينة . ولما انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم الى المدينة قام بتطبيق أحكام الإسلام تطبيقا انقلابيا ، وكان كل حكم ينزل عليه خلال العشر سنوات التي قضاها في الحكم ، يطبقه على الفور دون قبول تدرج أو ترقيع ، فقد حذره الله من أن يترك حكم فلا يطبقه استجابة لرغبات الناس ، يقول تعالى : (( وأن احكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما انزل الله اليك فإن تولوا فاعلم انما يريد الله ان يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون )) المائدة : 49 . ولذا فإن الطريقة الانقلابية تفرض أن يطبق المبدأ عن طريق الحكم تطبيقا انقلابيا دون قبول تدرج أو ترقيع .

وعليه فإن الطريقة الوحيدة لاستئناف الحياة الإسلامية هي الطريقة الإنقلابية ، وهي توجب أن يكون الفكر ناتجا عن احساس ، وان يقترن بالعمل من أجل غاية معينة هي اقامة الخلافة لتنفيذ احكام الشرع الاسلامي وحمل الدعوة الإسلامية الى العالم . ولا يؤدي الى هذا الا الفكر العميق . وهذا الفكر يحتاج الى ما يوجده ، أو ينمّيه أو يخصبه . وتحتاج الطريقة الانقلابية الى إعداد الأشخاص بالمبدأ الاسلامي وإلى اعداد المجتمع به . وإعداد الاشخاص بالمبدأ يقتضي درس الإسلام من قبل أولئك الذين يريدون العمل ، ويقتضي كذلك درس المجتمع . ولا يتأتى ذلك الا عن طريق تزويد الذهن بالمعلومات . والدراسة اسهل الطرق لايصال هذه المعلومات للذهن لتساعد على إيجاد الفكر . وحينئذ يتكون الإحساس الفكري في الأمة ، أي أن الفكر هو الذي يقوى احساس حملة الدعوة فيصير احساسا فكريا يتجسد عقيدة وثقافة في نفوس المخلصين فيحدث في نفوسهم ثورة جامحة . وليست هذه الثورة سوى انفجار في الشعور والفكر . وهذه الثورة يكون لها ما بعدها ، وهو تغيير المجتمعات في البلاد الإسلامية من دار كفر الى دار اسلام ، وتحرير البلاد الاسلامية من نفوذ الكفار وسلطانهم وجعلها بلادا واحدة محررة ، تخضع لنفوذ المسلمين وسلطانهم .

أما انشغال الأمة بالكفاح الرخيص فإنه على العكس من ذلك يثبّت اقدام الكفار في بلاد الاسلام ، ويبقي حكم الكفر قائما . ومن هنا يتجلى خطر الإنتقال من الإحساس الى العمل رأسا لا إلى الفكر . فالانتفاضات الشعبية التي تقوم بها الشعوب الإسلامية عن طريق التظاهرات والاحتجاجات ، أو عن طريق الاعمال المادية كإلقاء المتفجرات على المنشآت الحكومية ، وحمل السلاح كرد فعل على الواقع مثلما حصل في لبنان ، فإن المسلمين قد حملوا السلاح بعد أن لم ينفع معهم الاحتجاج والكلام ـ نظرا للظلم الواقع عليهم من قبل الموارنة في لبنان ـ فقاموا بالعمل لرفع هذا الظلم ، فحملوا السلاح ، فلم يغيروا الواقع بل كانوا واقعيين رجعيين في احساسهم . لأنهم قاموا بالثورة من مجرد الاحساس بالظلم ، فلم يكن لديهم فكرة واضحة وطريقة محددة للتغيير ، وأشغلوا بقضيتهم عن قضية المسلمين ، وجعلوا لبنان همّهم الأول والأخير ، وبالتالي جعلوه بلدهم الوحيد فطالبوا بانصافهم ورفع الغبن عنهم في الحكم ، واستعانوا بالسياسيين ورؤساء الأحزاب لتحقيق مطالبهم ـ ولم يدر المسلمون في لبنان أن بلاءهم من السياسيين المسلمين ومن الأحزاب القومية والشيوعية وامثالها ـ فانجرفوا وراء الوفاق السياسي والمشاركة والاصلاح الذي كان يطرحه هؤلاء السياسيون من زعماء المسلمين والاحزاب التي تقوم على غير أساس الاسلام . مع أن الوفاق السياسي يعنى رضى المسلمين المحكومين وزعمائهم بلبنان بلدا نهائيا يحكمه الموارنة ، وبأن يظل الحكم للموارنة على الرغم من أنهم اقلية . والمشاركة تعنى اطلاع المسلمين ومشورتهم عند اتخاذ القرارات ، واعطاؤهم بعض المناصب التنفيذية والادارية التي هي حتى الآن حكر للنصارى ، وأما الاصلاح الدستوري فالمقصود به تعديل الدستور وبعض القوانين بحيث يدون ما يتم الرضى به من اقرار المسلمين للموارنة بالحكم وفاقا ومن التنازلات التي يتناول عنها الموارنة للمسلمين مقابل ذلك الاقرار ، كزيادة في المقاعد النيابية وفي بعض المناصب . مع ان فكرة الوفاق والمشاركة والاصلاح هي افكار سياسية قد طرحها الحكام الموارنة كبدائل لفكرة انتقال الحكم الى المسلمين ، فهي فكرة خبيثة وجدت لتركيز حكم النصارى للبنان وسيطرة الموارنة عليه وتحكّمهم به وبالمسلمين باقرار المسلمين ورضاهم ، وهذا لا يجوز شرعا ، لأن الكافر لا يجوز له أن يحكم المسلم مطلقا ، وهي جعل المسلم يقبل ويرضى بحكم الكافر للمسلمين وبلادهم . وكان يجب عليهم العمل لجعل لبنان يحكم بالاسلام ومن المسلمين ، ولابعاد الموارنة والنصارى عن حكمه ، والمسلمين قادرون على ذلك ، لو أنهم فكروا قليلا ، وخرجوا من نفقهم الضيق الذي وضعهم فيه الموارنة . لذلك كان لابد من تعويد المسلمين على الاحساس الفكري فإنه وحده هو الذي يخلصهم مما هم فيه من أوضاع .

ثانيا : ومن العقبات التي تحول دون إيجاد الإحساس الفكري في الأمة : وجود السطحية في الأمة ، أي وجود النظرة الضيّقة للأشياء وللحوادث . والتفكير السطحي هو آفة الشعوب والأمم ، لأنه لا يمكنّها من النهضة بل لا يمكنّها من العيش الرغيد . وسبب التفكير السطحي هو ضعف الإحساس ، أو ضعف المعلومات ، أو ضعف خاصية الربط الموجودة في دماغ الإنسان ، وهو ليس التفكير الطبيعي عند الإنسان وإن كان هو التفكير البدائي . ولولا أن افرادا من الشعب أو الأمة يوهبون قدرة خارقة من الإحساس ، والربط ، فإنه لا يتصور وجود نهضة ، ولا يتصور تقدم مادي في الحياة . وقد عانت الأمة الإسلامية كثيرا من جراء التفكير السطحي : فضعف المعلومات عند عامة الناس عن الإسلام ، وعن السياسة ، وعن الحقائق ، وطريقة التغيير ، هو الذي جعل الامة تمد يدها الى ما عند الأممم الأخرى من أفكار وتشريعات للاستفادة منها ، وهو الذي جعلها تنساق وراء الحكام مع أنهم خونة وعملاء ، ولكن الحكام كانوا يملكون من الدهاء والمكر ما جعلهم يخضعون الأمة لهم ويصورون لها بأنهم يعملون من أجل مصلحتها . وضعف المعلومات هو الذي جعل الأمة لا تلتفت الى حقائق التاريخ من مثل : كون الإسلام قوة لا تغلب ، وكون اليهود والنصارى أعداء للمسلمين ، وكون الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط ثغرة منها ينفذ العدو الى داخل بلاد الاسلام . وضعف المعلومات هو الذي جعل الأمة ترى أن النهضة تكون بالأخلاق ، أو بالعبادات ، أو بالاقتصاد ، أو بالثورة ، ولا ترى أن النهضة تكون بالفكر ، وأن النهضة الصحيحة تكون بأفكار الإسلام وأحكامه . وأن الذي يحمل الفكر هو الحزب السياسي وليس الأفراد ولا الكتاب ولا المصلحين ولا المعلمين . كما أن ضعف الربط هو الذي جعل الامة تقع في شراك الكفار المستعمرين مراتا ومراتا ، وتلدغ من نفس الجحر ألف مرة ، وغاب عن ذهنها قول الرسول الأكرم : (( لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين )) رواه أحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة . ففكرة التحرر من الاستعمار فكرة أمريكية قد اثارتها أمريكا عن طريق عملائها أمثال تيتو وسوكارنو وعبد الناصر في مؤتمر باندونغ سنة 1954 ، وكان قصد أمريكا منها اخراج الدول الاستعمارية القديمة كانجلترة وفرنسا من افريقيا للحلول محلها ، وقد سخرت الشعوب الاسلامية في ذلك افظع تسخير دون أن تدرك أن ثوراتها من أجل التحرر كانت مخططا أمريكيا لاحلال الاستعمار الأمريكي محل الاستعمار الانجليزي والفرنسي والهولندي والبلجيكي في آسيا وافريقيا . فقد تبنت أمريكا اشعال ثورة في الجزائر وأوجدت عملاء لها كانوا في نظر الناس أبطال الثورة ، وجعلت مصر والبلاد العربية تسند هذه الثورة فكان لهذه الثورة أثر بالغ على الدول الاستعمارية من أجل التخلي عن مستعمراتها ، فتخلت انجلترة عن بعض مستعمراتها لأنها خبيرة بمعنى اعطاء الاستقلال الذي يعني ابقاء عملاء لها تابعين لها يكونون احرص منها على مصالحها وهم الوسيلة الفعالة للوجود الانجليزي في البلاد ، وابقاء القوة الاقتصادية التي تجعل لها وجودا دائميا في البلاد كالشركات والتجارة ورجال الأعمال ، وعلى هذا الاساس اعطت انجلترة بمدة وجيزة الاستقلال لعدة مستعمرات فوجدت دول زنجيبار وتنجانيقا ونيجيريا واوغندا واتحاد روديسيا الشمالية وروديسيا الجنوبية ونياسلاند وغيرها . وأما فرنسا فقد تلكأت ولكن ديغول بعد أن رأى الموقف في العالم كيف تحوّل بسرعة سار في الخطة التي سارت فيها بريطانيا فأعطى الاستقلال لعدة دول فوجدت المغرب وتونس والجزائر والسنغال والجابون وغيرها . وأما بلجيكا فإنها كانت تستعمر الكونغو والكونغو كنز أفريقيا وفيها أكبر كمية من اليورانيوم ، المادة الجوهرية في صنع القنابل النووية ، ولذلك لم يكن من السهل اعطاء الكونغو استقلالها لا سيما وأن انجلترة كانت تسيطر على الشركات التي تستخرج المناجم في كاتنغا احدى ولايات الكونغو ، ولذلك كان اعطاء الكونغو استقلالها يشكل مشكلة كبرى ، ولكن أمريكا شددت الضغط على بلجيكا حتى اعطت الكونغو استقلالها فصارت دولة مستقلة وهنا جنّ جنون انجلترة فسلّطت عميلها تشومبي فأعلن استقلال كاتنغا فرفعت أمريكا القضية الى هيئة الأمم ـ والمعروف أن امريكا هي التي تسيطر على هيئة الأمم ـ فأرسلت قوة دولية لارجاع كاتنغا وذهب السكرتير العام حينئذ المستر همرشولند فدبّرت له انجلترا مؤامرة وقتلته ، واشتد النزاع بين أمريكا وانجلترا وظل عدة سنوات الى أن تغلبت امريكا على البلاد واقامت فيها حكومة تابعة لها وطردت تشومبي منها . وخلال ذلك خافت انجلترا على اتحاد روديسيا الشمالية وروديسيا الجنوبية ونياسلاند ففككت هذا الاتحاد واعطت نياسلاند استقلالها وسميت ملاوي وأعطت روديسيا الشمالية استقلالها وسميت زامبيا وأخذت تحاول وضع روديسيا الجنوبية على وضع يؤمن لها بقاء استعمارها لها ، ولكن أمريكا لا تزال تلاحقها بشأنها ولا تزال قضية روديسيا تحت البحث . فضعف الربط السياسي هو الذي جعل الأمة تسير في مخططات الأنجليز والفرنسيين والأمريكان تحت ستار التحرر من الاستعمار . كما أنه هو الذي جعل الأمة تسير في ركب السياسيين وتسلم أمر قيادتها لهم ، مع أنه ظهر لها مرات عديدة مدى خيانتهم التي أوردت الأمة المهالك وجلبت عليها الكوارث والمصائب والنكبات ، فوق الذل والبؤس والشقاء الذي خيم على الأمة منذ أن زالت الخلافة الإسلامية وحتى هذه الساعة . ولعل الأمة تذكر أن مؤتمر القمة الذي أنعقد في الخرطوم سنة 1967 قد قرر بشكل صريح أن لا صلح ولا مفاوضات ولا اعتراف باسرائيل ، وتعلم أن مؤتمر القمة للسلام مع اسرائيل أي لاجراء الصلح معها وللاعتراف بها ولاجراء المفاوضات معهدا ، وقد بدأت مصر وسورية هذه المفاوضات ، ويراد الآن توريط الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية التي لم ترفض فكرة المفاوضات مع اليهود ، ولا مع أمريكا .

فالأمة تعلم ذلك ولكن خاصية الربط الموجودة عند الكثيرين من أبناء الأمة ضعيفة ، ولذلك لم تقف الأمة بوجه حكامها وقادتها لمحاسبتهم على هذه الخيانة الفظيعة لله ولرسوله وللمؤمنين . وكأن الأمة قد غاب عنها أن مؤتمرات القمة كلها العربية والأفريقية والآسيوية هي مؤتمرات ضد مصلحة الامة لا من أجل مصلحتها ، وأن حكامها في البلاد الإسلامية كلها هم عملاء للدول الكافرة لأنهم إنما ينفذون رغباتهم ويخضعون لسيطرتهم . ويقومون بذلك وهم متسترون تحت ظل مصلحة الأمة ، ويتظاهرون بالعمل من أجلها . فهذا الإحساس المنحط وهذه السطحية في التفكير هو الذي لا يزال يحول بين الأمة وأن تهيء نفسها للتخلص من مؤتمراتهم ومن مؤامراتهم . لذلك كان لا بد من إيجاد الأحساس الفكري في الأمة ولا بد من رفع مستوى التفكير عند الأمة وجعله مستوى راقيا . وذلك عن طريق معالجة السطحية الموجودة عند الأفراد بحيث يكون العمل في الأفراد سائرا مع العمل في الأمة لترك السطحية الموجودة لديها ويسار في ذلك بما يلي :

أولا : بإزالة العادة في التفكير الموجودة لدى الأفراد ، وذلك بتعليمهم أو تثقيفهم ، ولفت نظرهم الى سخافة تفكيرهم ، والى سطحية افكارهم .

ثانيا : بإكثار التجارب لديهم أو امامهم وبجعلهم يعيشون في وقائع كثيرة ويحسون بواقع متعدد ومتجدد ومتغير .

ثالثا : بجعلهم يعيشون مع الحياة ويسايرون الحياة .

وبهذا يتركون السطحية أو تتركهم السطحية ويصبحون غير سطحيين . وهؤلاء الافراد كلما كثروا في الأمة كلما كان الأخذ بيدها نحو النهوض أسهل وأقرب للتحقيق . ولا شك أن الافراد هم أقدر من الجماعات على ترك السطحية ، وان كان لا قيمة لقدرتهم ووجود الاحساس الفكري لديهم الا إذا أخذت الجماعات ما توصلوا اليه من فكر وتتبناه وتجعله فكرها . ثم يجري العمل في الأمة على رفع مستوى تفكيرها عن طريق معالجة الواقع والوقائع التي يقع إحساس الجماعة عليها ، ووضع الأفكار السامية بينها وفي متناول يدها . والذي يقوم بهذه المهمة في الأمة والأفراد ، فيحمل اليها الفكر الذي تنهض به ، ويقوم بتثقيفها وتعليمها ولفت نظرها الى تفكيرها المنحط ، ويقوم بالتالي برفع مستوى الواقع والوقائع وتزويد الأمة بالأفكار السامية والمعلومات الكثيرة التي تلزم لها حين تسير في طريق النهوض ، الذي يقوم بذلك كله هم الأفراد الذين نالوا أعلى قدرا من الأحساس ، فتكون لديهم الاحساس الفكري ، وحينئذ صار يتملكهم الشعور بمسؤوليتهم عن أمتهم ، فانطلقوا يعملون لرفع مستواها والأخذ بيدها نحو النهوض ، ثم كتّلوا حولهم افرادا من الأمة شكّلوا منهم جماعة أي كتلة وأخذوا يعملون لنقل الناس الى الحياة الاسلامية التي لها يطمحون ، لأنها هي الحياة الحقة التي أرادها الله لهذه الأمة ، والتي يتحقق فيها وحدها الأمن والاطمئنان ، والعز والازدهار ، والرقي المادي في الحياة . فهؤلاء الأفراد هم حملة الدعوة الإسلامية وهم عيون الأمة والثلة الواعية فيها . وهؤلاء تعترض طريقهم اثناء عملية إيجاد الاحساس الفكري في الأمة عقبات جمة لا أقلها ضعف الإحساس الفكري في الأمة ، ووقوف الحكام في العالم الإسلامي وحيلولتهم بين المسلمين والنهضة ، وبينهم وبين استئناف الحياة الإسلامية وإعادة الخلافة الإسلامية الى الوجود مرة اخرى .
أبو حميد
حملة الدعوة يسبقون الأمة باتصافهم بالاحساس الفكري


يجب أن يكون معلوما أن حملة الدعوة في هذا العصر لا يستطيعون سبق زمانهم ولاهم من نوع يخالف نوع أمتهم ، ولكنهم يستطيعون سبق أمتهم ، ويستطيعون نقلها الى وضع آخر ، لأنهم يتصورون وقائع الحياة الراقية تصورا حقيقيا ، وذلك عن طريق تقبل الأفكار الصادقة وقبول الآراء الصحيحة واعتناق الأفكار القطعية ، أي اعتناق العقائد الإسلامية وتقبل الأفكار الاسلامية الصادقة وقبول الآراء والاجتهادات الفقهية الصحيحة ، والتمييز بين مختلف الآراء ، وإبصار واقع الآراء . فيوجد لديهم الإحساس الفكري أي الاحساس الناجم عن معرفة وادراك ، ومنطق الاحساس أي الفهم الناتج عن الإحساس مجرد الإحساس .

فهم وإن كانوا يملكون حواس كما يملك سائر الناس ، ولديهم دماغ كما لدى سائر الناس ، ولكن قوة خاصية الربط الموجودة في دماغهم يتفوقون بها عن سائر الناس ، وكونهم يعنون أنفسهم بربط الإحساس بالمعلومات السابقة ربطا صحيحا ، يكونون أكثر ادراكا للامور . أي يكون تفكيرهم تفكيرا متميزا عن غيرهم فيتكون لديهم الاحساس الفكري ، وبه يعلو منطق الاحساس فيهم أولا ، ومن ثم ينتقل عن طريقهم الى الأمة فتحصل لها النهضة قطعا .
أبو حميد
النهضة الصناعية والتقنية


(أ‌) نظرة الغرب والمسلمين الى العلم والتكنولوجيا

تهدف الدول الصناعية الكبرى في هذا العصر والمتمثلة في الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان الى تحقيق التقدم التكنولوجي على غيرها من الدول الأخرى غير الصناعية في كافة الميادين الاقتصادية والعسكرية ، وتهدف الولايات المتحدة بشكل خاص الى التفوق على روسيا في صناعة الأسلحة النووية والأجهزة الالكترونية والصواريخ العابرة للقارات والصواريخ المدمرة للأقمار الصناعية ، وقد نجحت في ذلك الى حد كبير حتى تفوقت أمريكا على روسيا ، وحتى بلغت الهوة بين الدول الصناعية الكبرى والغالبية الساحقة من الدول الأخرى التي تسمى بدول العالم الثالث أو الدول النامية الى درجة تبعت على القلق والخوف على المصير . ذلك أن التقدم التكنولوجي قد أصبح في هذا العصر أمرا ضروريا لكيان أية أمة أو أية دولة ، فقوة الأمم العسكرية والاقتصادية تعتمد الى حد كبير على تقدمها التكنولوجي ، والاستقلال السياسي للأمم هو رهن بمقدرتها على تحقيق الاكتفاء الذاتي في التكنولوجيا وبشكل خاص على إقامة الصناعات الثقيلة التي تعتمد على درجة عالية من التكنولوجيا والمعرفة . ولكن نظرا لغلبة التفكير الرأسمالي على الدول الصناعية وهي دول استعمارية ، فقد وجدت بينها وبين الدول النامية التي تشكل أكثر من 70 بالمائة من سكان العالم فجوة هائلة من التخلف الصناعي والتكنولوجي تفصلها عن الدول المتقدمة .


والدول المتقدمة في هذا العصر تكنولوجياً هي الدول والمجموعات التالية :
1ـ الدول الغربية : وتتشكل من الولايات المتحدة الأمريكية ، ومن دول السوق الأوروبية المشتركة التي تتزعمها بريطانيا وهي ( ايرلندة وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا واللوكسمبورغ وهولندة وألمانيا الغربية ) واليابان ، ومجموعة الدول الاسكندنافية ( السويد والنرويج وفنلدة ) ثم كندا ، وسويسرا .


2ـ الدول الاشتراكية : وتتشكل من الاتحاد السوفياتي وألمانيا الديمقراطية ( بولندة ) وبلغاريا وهنغاريا وتشيكوسلوفاكيا ، ومنغوليا ، وبيبلوروسيا ، وأوكرانيا ، والصين .

أما سائر الدول فهي الدول النامية المستوردة المستهلكة للتكنولوجيا ، والمتخلفة في حقل التصنيع ولا سيما الصناعات الثقيلة ومنها صناعة الأسلحة ، وهذه تتكون من سبع وسبعين دولة أفريقية وآسيوية تدخل فيها الأقطار العربية بالاضافة الى دول أمريكا اللاتينية ، وهي كلها لم تتحرر بعد من سيطرة ونفوذ الدول الكبرى التي تملك 95 بالمائة من المواد الخام اللازمة للتصنيع ، بسبب سيطرتها على الدول الأفريقية والأسيوية ودول أمريكا اللاتينية واستعمارها لها ، واستغلالها ونهبها لثرواتها وخيراتها الطبيعية ، ومع كونها لا تمثل الا جزءا قليلا من مجموع سكان العالم .
أبو حميد
أـ التنافس التكنولوجي بين الدول الصناعية :


تعتبر أمريكا الدولة الأولى في العالم القادرة على التأثير في الموقف الدولي وفي السياسة الدولية ، وهي كدولة استعمارية تهدف في سياستها الاقتصادية الى التفوق الاقتصادي والعسكري على غيرها من الدول الصناعية وخاصة روسيا بوصفها الدولة التي تزاحمها على اقتصاد مركز الدولة الأولى . ولذا فإنها بعد الحرب العالمية الثانية حاولت منع حلفائها من صنع الأسحلة الذرية والنووية ، فمنعت الأسرار عن بريطانيا وحاولة عرقلة برامجها ، ثم فعلت نفس الشيء بالنسبة لفرنسا فقد منع جونسون بيع أجهزة كمبيوتر أمريكية متقدمة الى فرنسا ، فتأخر لذلك البرامج النووي الفرنسي لمدة سنتين ، والغرض من ذلك أن تبقى أمريكا حلفائها في حاجة لحمايتها . كما ضغط كارتر على الدول النووية لايقاف شحنات اليورانيوم المكثف اليها حيث تزود أمريكا العالم غير الشيوعي بنصف احتياجاته من اليورانيوم ، وقامت أمريكا بحملة ضد ما يسمى FAST BREEDER REACTORS بحجة منع انتشار المواد التي تصلح للاستخدام في الأسلحة النووية ، حتى استطاعت في أواخر السبعينات أن تسيطر على 70 بالمائة من سوق المفاعلات النووية العالمي ، وفي صناعة الكمبيوتر تحتكر الشركة الأمريكية العملاقة IBM 60 بالمائة من تجارة العالم في هذا المجال ، وفي مجال الطيران المدين حارب الأمريكان طائرة الكونكورد وهي الطائرة المدنية الوحيدة التي تفوق سرعتها سرعة الصوت لأن الشركات الأمريكية تخلت عن مشاريع لبناء طائرة مماثلة وهي أيضا تسيطرة على نسبة عالية من سوق الطائرات المدنية العالمي ، وفي صناعة الفضاء استطاعت أمريكا أن تنفرد بصنع الطائرة الفضائية ( شالنجر ) وقد قامت بأكثر من خمسين رحلة حول الأرض حتى الآن . ولا زالت أمريكا تعمل على تطوير تكنولوجيا الاشعاع وتكنولوجيا الالكترونات حتى استطاعت في العالم الماضي أن تتفوق على روسيا في صناعة الكمبيوتر والصواريخ العابرة للقارات والصواريخ المدمرة للأقمار الصناعية ، وهذا ما حدا بريجان رئيس الولايات المتحدة الى الإعلان عن مشروع حرب الفضاء في أوائل نوفمبر عام 1985 عن أن مشروع حرب الكواكب لن ينفذ الا بعد التخلص من الأسلحة النووية الهجومية لدى القوتين العضمتين وأنه لن يعمم الا بعد التفاوض مع الدول التي لدينها ترسانات نووية ، وأعلن في نفس الوقت عن نجاح التجارب الجديدة التي أجرتها الولايات المتحدة الأمريكية في حقل تفجير الصواريخ واصطياد الأقمار الصناعية . أما عن قوة روسيا فإنها تأتي بعد أمريكا في التفوق التكنولوجي وبشكل خاص في تكنولوجيا التسلح وصناعة الفضاء ، الا أنه توجد عند الروس نقاط ضعف كثيرة في مجال العلم والتكنولوجيا فهم يتأخرون عن الأمريكان في صناعة الكمبيوتر ، وقد استورد الروس بعض أنواع الكمبيوتر الأمريكية التي تستخدم للتنقيب عن النفط ، والمعروف أن الصناعة الروسية متأخرة في مجالات منها صناعة السيارات والمفاعلات النووية والذرية . ولا تزال كل من أمريكا وروسيا حريصة على تتبع أسرار التكنولوجيا عند الأخرى بمختلف الوسائل .

وأما الدول الصناعية الأخرى فإن ألمانيا الغربية واليابات تأتي في مقدمة الدول الصناعية بعد العملاقين وقد أخذت كل منهما تنافس أمريكا على غزو الأسواق العالمية ، وكذلك بريطانيا وفرنسا فقد غزت البضائع الأوروبية واليابانية الأسواق الأمريكية في مجال السيارات وصناعة الفولاذ والصناعات الالكترونية . ولعل الذي مكن هذه الدول الصناعية الكبرى من تطوير الانجازات العلمية والتكنولوجية بهذا الشكل المخيف والمذهل هو عدم دخول هذه الدول في أية حرب عالمية منذ الحرب العالمية الثانية ، وفي ذلك يقول هويزر قائد قوات حلف الاطلنطي ( الناتو) وقائد القوات الأمريكية العام في أوروبا : " أن الأعوام التي أعقبت الحرب العالمية الثانية إتسمت بالسلام والرخاء في غرب أوروبا وبالتالي زادت التطور التكنولوجي الذي أسهم في التقدم السريع في المجالين المدني والعسكري . ولم تكن العلاقة بين التقدم التكنولوجي المدني والعسكري من قبيل المصادفة ، بل أن هنالك عوامل أساسية أوجدت هذه العلاقة ، ولقد تدارس هذا الأمر اعضاء حلف شمال الأطلنطي ( الناتو) . وفي جو السلام هذا أصبحت الظروف مهيأة تماما لمثل هذه البحوث المتعلقة بتطوير شؤونهم العسكرية والمدنية ، وتناولوها من كل جوانبها بالعقل المفتوح " ( مجلة الناتو العسكرية : NA TO'S SIZTEEN NATIONS ) . وهذا يعني أن التطور التكنولوجي لأية دولة في هذا العصر لا يتوقف على توفر القدر العالي من العلم والتكنولوجيا والخبرات الفنية والقدرة على التصنيع فحسب ، بل يتوقف أيضا على الرخاء المادي والأمن وعدم إنشغال الدولة في حروب عظيمة تنهك قواها وتشل من قدراتها على تطوير العلوم والصناعات وتطوير قواتها العسكرية ، وبالتالي تحول بينها وبين تحقيق التقدم التكنولوجي . وقبل ذلك وبعد ذلك يحتاج الى قدرة مالية ضخمة للإنفاق على الإختراعات والتجارب التكنولوجية للأسلحة والمعدات الحربية والأجهزة والآلات الصناعية والفنية الازمة لأمور التجارب والاقتصاد والجيش ، ولذل يقول الجنرال هويزر : " هناك علاقة وثيقة بين القوة العسكرية للدولة وقدراتها المالية ، فكلما زادت القدرة المالية للدولة كلما مكنها ذلك من سرعة تطوير تكنولوجياتها وبالتالي تطوير قدراتها العسكرية .
أبو حميد
ب ـ معنى التكنولوجيا والفرق بينها وبين العلم :


تستخدم كلمة تكنولوجيا حاليا بكثرة في مجالات مختلفة الى حد أنها أصبحت تستخدم أحيانا في غير موضعها الصحيح ، ولذلك عرّفت بتعاريف كثيرة فقيل أنها ( الجهد المنظّم الرامي لاستخدام نتائج البحث العلمي في تطوير أساليب العمليات الإنتاجية ) وقيل أنها ( مجموع الوسائل التي يسخرها الإنسان لبسط سيطرته على البيئة المحيطة به لتطويع ما فيها من ومواد وطاقة ، واشباع حاجاته المتمثلة في الغذاء والكساء والتنقل ومجموع السبل التي توفّر له حياة رغيدة متحضرة آمنة ) وعرّفت كذلك بأنها ( أسلوب العمل المنظّم الذي تنفّذ وتطبّق به خلاصة الأبحاث العلمية وما توصلت اليه هذه الأبحاث من نتائج مستقرة . وذلك بإجراء عمليات التنفيذ بأساليب متطورة بحيث يتحقق من ذلك أكبر عائد وأفضل فائدة ) . ولو دققنا في هذه التعاريف لوجدنا أن أقربها الى الصواب التعريف الأول الا أنه قد قَصَر التكنولوجيا على تطوير أساليب العمليات الإنتاجية مع أنها أعم من ذلك إذ يدخل فيها تطوير أشكال المادة لخدمة الإنسان ورفاهيته ، لذا كان من الأدق أن يقال أنها ( الجهد المنظم الرامي لإستخدام نتائج البحث العلمي في تطوير أشكال المادة وتطوير أساليب العمليات الإنتاجية لخدمة الإنسان وتحقيق رفاهيته ) .


أما العلم فقد عرّفه البعض بأنه ( المعرفة التي تؤخذ عن طريق الملاحظة والتجربة والاستنتاج مثل علم الطبيعة وعلم الكيمياء وسائر العلوم التجريبية ) وعرّفه البعض الآخر بأنه ( مجموعة العلوم الطبيعية التي تحتاج الى تجربة ومشاهدة واختبار سواء أكانت أساسية كالكيمياء والطبيعة والفلك والرياضيات والنبات والحيوان والجيولوجيا ، أو تطبيقية كالطب والهندسة والزراعة والصناعة وما شاكلها ) الا أن التعريف الأول أدق من حيث كونه أكثر شمولا وإحاطة من التعريف الثاني . وعليه فإن التكنولوجيا إنما تبحث في تشكيل المادة في أشكال مختلفة لخدمة الإنسان وزيادة رفاهيته وذلك إما بزيادة في خصائصها وما هيتها أو بإضافة خصائص وما هيّات في مواد أخرى اليها . وان معرفة خصائص المواد وماهيتها تساعد على القيام بالعملية الهندسية المتعلقة بإيجاد الأنظمة التكنولوجية من تصميم وتصنيع وتشغيل وصيانة . بينما العلم يهتم بمعرفة المادة مما تتكون وما هي خصائصها ، فيبحث في أصغر أجزاء المادة وهي الذرة ونواتها وجسيماتها كما يبحث في أضخم أشكال المادة كالشموس والمجرات الكبار والسدم الفظيعة المنشورة في رحاب الكون المترامي ، ويبحث كذلك في الطبيعة وما فيها من أحياء وكائنات ونباتات وجمادات وما الى ذلك . وتدين التكنولوجيا في الكثير في أبحاثها لعلوم الطبيعة والكيمياء والالكترونات ، فبفضل الاكتشافات العلمية والتجارية وتكنولوجيا المحركات وتكنولوجيا الفضاء والصناعات الثقيلة وما شاكلها من أنواع التكنولوجيات الحديثة التي اكتسحت كافة ميادين الحياة وانتقلت منها للدول النامية ولو على نطاق ضيق ومحدود بسبب احتكار الدول الصناعية المتقدمة لأسرارها التكنولوجية وهذا مما أدى الى سوء التوزيع التكنولوجي في العالم .
أبو حميد
جـ ـ تهديد العلم والتكنولوجيا لحياة الشعوب :


إن العلم والتكنولوجيا وإن ساعدا في هذا العصر على تأمين الوسائل المريحة للإنسان لتسهيل قيامه بالأعمال ولزيادة رفاهيته وسعادته ، إلا أنهما قد صارا يستعملان على الأغلب في الأغراض الحربية حتى أنتجا الأسلحة النووية والإشعاعية الخطيرة التي من شأنها تدمير العالم كله في فترة زمنية قصيرة ، مما أدى الى تهديد مستقبل الإنسانية جمعاء بالفناء التام وبثّ الرعب والخوف في نفوس الناس في كل مكان . مع أن العلم والتكنولوجيا يجب أن يكونا مصدرا لرخاء الإنسان وتحقيق الأمن والإزدهار والرفاهية له ، وهذا هو الأمل في مسألة العلم والتكنولوجيا ، ولكننا رأينا أنه منذ أن اندلعت الحرب العالمية الأولى حتى أخذت الدول الكبرى تسخر العلوم في التكنولوجيا العسكرية والحربية على نطاق واسع ، بفضل ما وفرته الثورة الصناعية الأوروبية من قدرات إنتاجية كبيرة عن طريق إبتكار الآلات والإعتماد عليها في مضاعفة الإنتاج الصناعي . فقد أعطت الحرب العالمية الأولى الامتداد والإتساع في الزمان والمكان بفضل تنازع أطراف الصراع من الحلفاء ودول المحور ، فكانت أولى الإنجازات العلمية والتكنولوجية في الحرب باستخدام المدافع الرشاشة والغازات الحربية والدبابات والطائرات . وكان هذا أولى الإنحراف في طريق تسخير العلم والتكنولوجيا لإنتاج الأسلحة الفتاكة المدمرة بعد ذلك .


ولهذا فإنه ما أن اندلعت الحرب العالمية الثانية حتى تسابقت دول الحلفاء والمحور في مجال تطوير الصناعات الحربية ، فاستقدموا العلماء وشجعوهم على البحوث العلمية ولا سيما بحوث العمليات العسكرية للوفاء بمتطلبات الحروب الحديثة . حتى أن الولايات المتحدة الأمريكية وحدها قد سخرت 30.000 عالم ومهندس لهذا الغرض ، كما أعطت ألمانيا النازية نفس القدر من الإهتمام للبحوث العلمية والتكنولوجيا الحربية وتمخضت هذه الجهود عن منجزات تكنولوجية حربية متطورة ومتميزة في الطائرات النفاثة والرادار والمدافع الآلية والدبابات ، والألغام المغناطيسية والطوربيدات البحرية والصواريخ ف1 و ف2 التي كانت المنطلق الأول للصواريخ عابرة القارات والصواريخ المدمرة للأقمار الصناعية . ثم جاء إنتاج أمريكا للقنبلة الذرية والقاؤها على ( هيروشيما وناكازاكي ) في اليابان لإنهاء الحرب ، وكانت هذه القنبلة الذرية من أخطر أنواع الأسلحة التي أنتجتها التكنولوجيا الحديثة حتى أنها دمرت معالم المدينتين اليابانيتين تدميرا كليا وبشكل رهيب ومفجع .


ولم يقف الأمر عند هذا الحد ، بل أنّ انقسام العالم بعد الحرب العالمية الثانية الى دولتين عظمتين تتنافسان على السيادة الدولية واستعمار الشعوب قد أوجد ما يسمى بسباق التسلح ، لتحقيق التفوق العلمي والتكنولوجي والتقدم العسكري الذي يحمي نظام كل منهما في مواجهة الآخر ، واستهدف هذا التنافس تطوير الكثير من المعدات التكنولوجية الحربية في مجال الذرة والليزر والحاسبات الالكترونية ( الكمبيوتر ) وفي معدات وأجهزة الاتصال والانذار والسيطرة والتوجيه ، وما الى ذلك من أنواع المعدات الحربية . وبهذا تركزت أبحاث العلم والتكنولوجيا على تطوير أدوات القتال والتدمير في الدرجة الأولى ، ولأجل ذلك خصصت أمريكا المخصصات المالية الضخمة للبحوث العلمية المتعلقة بتطوير التكنولوجيا الحربية . ففي حقل تطوير بحوث الليزر فقط أنفقت أمريكا حتى الآن 1500 مليون دولار ، كما أنفق الأتحاد السوفياتي حوالي 5000 مليون دولار لنفس الغرض ، وكانت حصيلة هذه البحوث أن تفوقت أمريكا على روسيا في بحوث تكنولوجية الليزر ، واستطاع الاتحاد السوفياتي أن يتفوق على أمريكا في بحوث تكنولوجية أشعة الجسيمات الدقيقة . وهكذا فإن النهضة العلمية الحديثة قد أوجدت خطرا جسيما يهدد البشرية جميعا وهو خطرا استخدام الأسلحة النووية وأسلحة الليزر التي تسبب التدمير الشامل لكل ما على الأرض من حياة ، لاسيما وأن الإتحاد السوفياتي يمتلك من الرؤوس النووية 7900 رأسا نوويا بينما تملك الولايات المتحدة 11.000 رأس نووي .

وتتلخص أخطار التكنولوجيا الحديثة في ثلاثة أمور :

1ـ أخطار التكنولوجيا على الإقتصاد .
2ـ أخطار التكنولوجيا على البيئة .
3ـ أخطار التكنولوجيا على الجنس البشري .
أبو نسيم
بارك الله بك اخي الكريم على هذا المجهود أكمل.
أبو حميد
أولا : أخطار التكنولوجيا على الاقتصاد :


إن تقدم الاختراعات الحديثة وتطور التكنولوجيا الصناعية قد أدى في هذا العصر الى انقلاب خطير في الصناعة ، فزاد الإنتاج في المصانع زيادة لم تكن تخطر ببال ، وغدا المصنع الآلي الذي يعتمد على الآلات والأجهزة الالكترونية أكثر من اعتماده على القوى البشرية والأيدي العاملة أساسا من أسس الحياة الاقتصادية ، حتى صارت الآلات هي التي تصنع الأدوات والمواد الصناعية المختلفة ، وهي التي تقوم بالطباعة والتظهير والتحميض للأفلام ، وتقوم التصاميم والأشكال الهندسية الدقيقة وتحسب أصعب العمليات الحسابية في ثوان ولا سيما بعد ظهور الآلات الحاسبة والأجهزة الالكترونية كالكمبيوتر ونحوها من جرّاء تقدّم علم الالكترونيات . مما أدّى الى وجود أزمة عمل وبطالة فخمة ، وهي اليوم تبدد الدول الصناعة الكبرى بكثرة العاطلين عن العمل . ذلك أن أرباب العمل تتحكم فيهم النظرة الرأسمالية التي تقوم على النفعية والربح فرأوا أن تكاليف الإنتاج تكون أقل بكثير فيما لو أنهم استعملوا التكنولوجيا الحديثة لتطوير مصانعهم وجعلها تعتمد على الآلات بالدرجة الأولى ، لذلك فإنهم منذ أن وجدت هذه الآلات جعلوها تحل محل الإنسان فقاموا بطرد الملايين من العمال من المصانع والشركات واستعاضوا عنهم بالآلات والأجهزة الالكترونية . وهذا مما أرهق الدول الرأسمالية في تخصيص النفقات المالية الكبيرة للعاطلين عن العمل بالرغم من كونها لا تعطي العاطلين الا الحد الأدنى من الأجور والتعويضات . وقد تسبب عن ذلك ضياع جهود كبيرة كان يمكن أن تنتج وتكسب وتؤدي دورها في تقدم الإنتاج ودفع عجلة الصناعة . وفي ذلك ما فيه من فساد وضرر كبيرين ، إذ البطالة تدفع بصاحبها الى أن يبحث عن المال من أي وجه يراه ومن أي طريق ، ونظرا لأن الدولة لا تسد كافة احتياجات الشعب المعيشية والصحية والكمالية فقد كثرت من دول الغرب حوادث السرقة والغصب وحوادث القمار والقتل والاحتيال ، وجعلت فئة كبيرة من العاطلين حاقدين على المجتمع وزرعت في نفوسهم الحسد على الأغنياء والعاملين .
أبو حميد
ثانيا : أخطار التكنولوجيا على البيئة


إن التكنولوجيا الحديثة وإن طورت على صعيد الحرب والسلم الآلات والأجهزة التي كان لها أكبر الأثر في السيطرة على عنصر المكان ( المسافة ) والزمان ( السرعة ) برّا وبحرا وجوّا وفضاء ، وذلك باختراع وسائل النقل الضخمة كالباصات والشاحنات المزدوجة والسفن التجارية وناقلات النفط العملاقة ، والطائرات السريعة التي تفوق سرعتها سرعة الصوت ، ومركبات الفضاء والمحطات الفضائية ونحوها من وسائل المواصلات والنقل ، وهي وإن طوّرت بالتالي أدوات الحرب القتالية وأجهزة التنصت والتجسس بشكل مذهل فابتكرت الرادارات والأقمار الصناعية والطائرات النفاثة والمقاتلات الجوية والسفن الحربية كحاملة الطائرات وحاملة الجند والغواصات والصواريخ والبوارج الحربية وأنظمة الليزر ونحوها من المعدات الحربية ، بالإضافة الى تطوير المصانع في ابتكار أسرع الطرق في تشكيل الخامات وأكثرها فاعلية وانتاجا ، وفي استغلال الطاقة كالنفط والكهرباء والطاقة الشمسية والنووية ، والانتفاع بعلم الميكانيك ( الآلات ) في تطوير المصانع حتى صارت الآلات هي التي تصنع كل شيء في المصنع وتقوم بكل الأعمال أو معظمها ، فحلت بذلك الآلة محل الانسان وصار دور الإنسان لا يتعدى الاشراف والتحكم بهذه الآلات . الا أنه بالرغم من هذا التقدم الهائل الذي حققته التكنولوجيا في هذا العصر فإن وجود المفاعلات النووية قد صار ينذر بخطر تلوث البيئة وتهديد المنتوجات والحاصلات الزراعية والمواشي ومياه الشرب وحياة البشرية جمعاء بأخطار جمة لا قبل لأحد بتصورها . فإن محطات الطاقة النووية الموجودة في أربع عشر دولة والبالغة زهاء 306 محطات ، قد شهدت منذ عام 1971 وحتى اليوم مائة وواحدا وخمسين حدثا ، وكادت أن تؤدى الى تسرب مقادير كبيرة من الاشعاع النووي الى أن حصلت حادثة تهدم بعض أجزاء المفاعل النووي الروسي ( تشيرنوبيل ) الذي يقع على بعد 130 كيلومترا شمالي مدينة كِيف بجمهورية أوكرانيا السوفياتية ، وذلك في الثامن والعشرين من شهر أبريل الماضي . وعلى أثر الحادث أعلنت منظمة السلام الأخضر ( Green Peace ) للبيئة من لندن ، " أن الحادث النووي السوفياتي سيؤدي الى ظهور عشرة آلاف حالة سرطان في غضون عشرين عاما في دائرة قطرها ألف كيلومتر حول المفاعل " . وأعلن البروفيسور ( روتبلات ) أحد كبار أخصائي أمراض الاشعاع : " أن هناك عدة مراحل للاصابة بأمراض الاشعاع وسيظل الناس يعانون من آثاره ثلاثين عاما قادمة " وذكر أن أخطار الاشعاع تؤدي الى اعتلال الكليتين والكبد والى اتلاف نخاع العظام واضعاف جهاز المناعة في الجسم ، كما أنها تؤدي الى الاصابة بسرطان العظام والالتهاب الرئوي وغير ذلك من الأمراض . وفور انتشار خبر تسرب الاشعاع من مفاعل ( تشير نوبيل ) انتاب الناس في العالم الخوف والذعر والترقب وخاصة الملايين من الأوروبيين القريبين من الحدود الروسية بما في ذلك سكان المناطق الروسية ، ووصلت المخاوف الى الدول الآسيوية وماجاورها ، وانعكس القلق على أسواق المواد الغذائية في العالم وخاصة الحبوب والسكر ، وأصاب الاشعاع الحاصلات الزراعية الروسية والمواشي والمياه فيها ، ولا زال العالم حتى الآن يتحدث عن أخطار اشعاعات مفاعل ( تشير نوبيل ) .
.
Invision Power Board © 2001-2012 Invision Power Services, Inc.