إقتباس
اذا كان هذا الحديث صريح في ان العقوبة في الدنيا على الذنب من قبل الحاكم او من ينوب عنه تسقط عقوبة الاخرة فكيف تفسر اشتمال الحديث على الكبائر ومنها الشرك بالله؟؟؟؟؟؟
وهل عقوبة الدنيا للمرتد المشرك بربه تسقط عقوبة الاخرة؟؟؟؟؟؟
أخي الكريم الجعفري
ان القول بأن العقوبات هي زواجر وجوابر، من المسائل المختلف فيها بين الفقهاء، لكن الرأي الراجح برجحان دليله هو أن تنفيذ الحد على المذنب العاصي في الدنيا يكفر عنه عقوبة يوم القيامة.
أما الشرك بالله فأن كفارته هي العودة الى حضيرة الاسلام بلا خلاف بين علماء المسلمين لقوله تعالى :
﴿ان اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدا﴾ ولقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾.
ولقد وردت العديد من الأحاديث الصريحة في أن عقوبة الدنيا على ارتكاب المحرمات والتقصير في الواجبات، وهي عقوبة الدولة للمذنب، تسقط عنه عقوبة الآخرة: روى عبادة بن الصامت: «وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيئاً فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ» أخرجه البخاري (6784)، ومسلم (1709) .
وروى أحمد عن على رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أذنب في الدنيا ذنبا فعوقب به فالله أعدل من أن يُثَنِّي عقوبته على عبده ، ومن أذنب ذنبا في الدنيا فستر الله عليه وعفا عنه فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه "
وجاء في سنن البيهقي الكبرى *باب الاقرار*أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ببغداد ثنا إسمعيل بن محمد الصفار ثنا عباس بن عبد الله الترقفي ثنا يحيى بن يعلى حدثني أبي ثنا غيلان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال : : ( جاء ماعز بن مالك رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله طهرني ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ويحك ارجع فاستغفر الله و تب إليه ، فرجع غير بعيد ، ثم جاء فقال : يا رسول الله طهرني ، فقال له النبي صلى الله عليه و سلم : ارجع فاستغفر الله و تب إليه ، فرجع غير بعيد ، ثم جاء فقال : يا رسول الله طهرني ، فقال له النبي صلى الله عليه و سلم مثل ذلك ، حتى إذا كانت الرابعة قال له النبي صلى الله عليه و سلم : مم أطهرك قال : من الزنا ، فسأل النبي صلى الله عليه و سلم : أبه جنون ، فأخبر أنه ليس بمجنون ، فقال : أشربت خمراً ، فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر ، فقال النبي صلى الله عليه و سلم : أثيب أنت قال : نعم ، فأمر به النبي صلى الله عليه و سلم فرجم ، و كان الناس فيه فريتين ، قائل يقول : قد هلك ماعز على أسوإ عمله لقد أحاطت به خطيئته ، و قائل يقول : ما توبة أفضل من توبة ماعز أن جاء إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فوضع يده في يده ثم قال : اقتلني بالحجارة ، قال : فلبوا بذلك يومين أو ثلاثة ، ثم جاء النبي صلى الله عليه و سلم و هم جلوس فسلم ثم جلس ، فقال : استغفروا لماعز بن مالك ، قال : فقالوا : عغر الله لماعز بن مالك ، فقال النبي صلى الله عليه و سلم : لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتها ،
قال : ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد فقالت : يا رسول الله طهرني فقال : و يحك ارجعي فاستغفري الله و توبي إليه ، فقالت : لعلك تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك فقال : و ما ذاك ، قالت : إنها حبلى من الزنا ، قال : أثيب أنت ، قالت : نعم قال : إذاً لا نرجمك حتى تضعي ما في بطنك ، قال : و كفلها رجل من الأنصار حتى و ضعت فأتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : قد وضعت الغامدية ، قال : إذاً لا نرجمها و ندع ولدها صغيراً ليس له من ترضعه ، فقام رجل من الأنصار فقال : إلي إرضاعه يا نبي الله فرجمها . رواه مسلم في الصحيح عن أبي كريب عن يحيى بن يعلى بن الحارث .).
قالَ الشافعي ــــ رحمه الله ــــ:بابُ أنَّ الحدودَ كفارات
1972 ـــ أخبرَنا سفيانُ بن عيينةَ عنِ ابنِ شهابٍ عنْ أبي إدريس عنْ عبادة بْنِ الصامتِ قالَ: كُنَّا معَ رَسُولِ اللَّهِ في مجلسٍ، فقالَ: «بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً»، وقرأَ عليهمْ الآيةَ، فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله عليه فهو إلى الله ــــ عز وجل ــــ إن شاء غفر له وإن شاء عذبه.
قال الشافعي: ولمْ أسمع في الحدودِ حديثاً أبينَ منْ هذا، وقدْ رُوِيَ عنِ النَّبيِّ ؛ أنَّهُ قالَ: «وما يدريكَ؟ لعلَّ الحدوَد نزلَتْ كفَّارةً للذنوبِ»، وهوَ يشبه هذا؛ وهوَ أبينُ منهُ، وقدْ روى [عنْ] رَسُولِ اللَّهِ حديث معروف عندنا؛ وهوَ غيرُ متصلِ الإسنادِ فيما أعرفُ؛ وهوَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: «مَنْ أصابَ منكمْ منْ هذهِ القاذوراتِ شيئاً فليستترْ بسترِ اللَّهِ، فإنَّهُ مَنْ يُبْدِ لنا صفحتهُ نُقِمْ عليهِ كتابَ اللَّهِ ــــ عزَّ وجلَّ ــــ».
قالَ: ورُوِيَ أنَّ أبا بكرٍ أمرَ رجلاً في زمانِ النَّبيِّ أصابَ حدّاً بالاستتارِ، وأن عمرَ أمرهُ بهِ، وهذا حديثٌ صحيحٌ عنهما.
قال الشافعي: ونحنُ نحبُّ لمنْ أصابَ الحدَّ أنْ يستترَ، وأنْ يتَّقيَ اللَّهَ ــــ عزَّ وجلَّ ــــ، ولا يعودَ لمعصيةِ اللَّهِ، فإنَّ اللَّهَ ــــ عزَّ وجلَّ ــــ يقبلُ التوبةَ عنْ عبادهِ.
الحدود كفارات لأصحابها (الفقه على المذاهب الأربعة)اتفقت كلمة العلماء على ان الحدود كفارات لأربابها، لأن في إقامتها كسرا لشوكة الظالمين وإخافة لأهل الشر والمفسدين، وحفظا للمجتمع من الدمار والهلاك، والفساد، والضياع.
لما روى عن أنس رضى الله عنه أنه قال: ( قال رسول الله : «إذا استحلت امتي خمسا فعليهم الدمار، إذا ظهر التلاعن، وشربوا الخمر، ولبسوا الحرير، واتخذوا القيان، واكتفى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء ) رواه الترمذي، والبيهقي.
فإقامة الحدود على من وقع فيها تكفر ذنبه وترفع عنه العقاب في الدار الآخرة، لأن الله تعالى لايجمع على عبده عقابين على ذنب واحد، فقد روى عن النبي أنه قال في شأن المرأة الغامدية التي وقعت في الزنا ثم ندمت واعترفت بين يديه، وأقيم الحد عليها (لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أنها جادت بنفسها لله تعالى).
وكما روي عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه أنه أقسم على ماعز بن مالك الأسلمي الذي أقر بالزنا وندم على ذنبه، وأقيم عليه الحد ورجم بالحجارة، بأن الله غفر له ذنبه، وأدخله الجنة، وتاب عليه توبة صادقة، وأن إقامة الحد عليه كان كفارة له فقال لمن اعتراض عليه (والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها) .
وروي عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه أنه قال: كنا مع النبي في مجلس فقال: (بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب شيئاً من ذلك، فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، من أصاب شيئاً ومن ذلك فستره الله عليه، فأمره إلى الله إن شاء عفى عنه، وإن شاء عذبه)
زاد في رواية (فبايعناه على ذلك) رواه الخمسة إلا أبو داود .
فقول النبي (فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له) صريح في أن الحدود كفارات للذنوب، وجوابر للمحدود لا زاجرات فقط، وقد ورد في رواية للترمذي رحمه الله أن رسول الله قال: (من أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده في الآخرة) قال الإمام الشافعي رحمه الله لم أسمع في الحدود حديثاً أبين من هذا، وقد روي عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: (وما يدريك لعل الحدود نزلت كفارة للذنوب) فهذه الرواية تشبه الحديث السابق وتؤيده في معناه.
فإقامة الحدود مطهرات للنفوس من الذنوب والخطايا وللمجتمع من الفساد والضياع، وهذا هو رأي جمهور العلماء من السلف، وعليه الائمة الأربعة رحمهم الله تبارك وتعالى. وذهب بعضهم إلى أن الحدود زواجر فقط، وعليه العقاب يوم القيامة ولكن الراجح هو الرأي الأول وهو اللائق بالكرم الإلهي، والفيض الرباني وهو الذي أخبر به الحبيب المصطفى .
وجاء في شرح زاد المستنقع مقدمة كتاب الحدود للشنقيطي:الحكمة من مشروعية الحدود
للعلماء رحمهم الله في حكمة الحدود أوجه، فمنهم من يقول: الحدود زواجر، قصد الله عز وجل من شرعها لعباده أن يجعلها زاجرة لهم ومانعة لهم من الوقوع في هذه المحرمات العظيمة، والكبائر الموبقة والمهلكة، قالوا: إن أصل الشرع المراد به صيانة الناس عما فيه فساد دينهم ودنياهم وآخرتهم، والموجب لهذه العقوبات مفسد، ومن هنا هي زواجر تمنع الناس من الوقوع والتلبس بهذه الجرائم، قالوا: والدليل على ذلك أن الله سبحانه وتعالى أمر أن تقام علانية ولا تقام خفية، وأمر أن يشهد هذه العقوبات طائفة من المؤمنين اتعاظاً واعتباراً، فهذا يدل على أنها زواجر، وإذا أقيمت هذه الحدود أحيت قلوب الناس وانزجروا، فقل أن يرفع شخص يده راجماً لمحصن أن يقع فيما وقع فيه، وإذا رأت عيناه تألم الزاني الذي يقام عليه حد الجلد؛ فإنه يتألم لذلك، وينكف وينزجر، فهي زواجر وروادع تمنع وتزجر.
ومن العلماء من قال: إن الحدود جوابر، أي: أن الله سبحانه وتعالى شرع الحد كفارة للذنب، واستدلوا بأدلة منها:أن النبي صلى الله عليه وسلم بين في خطبته أن من أقيم عليه الحد فهو كفارة له، ومن لم يقم عليه الحد -أي مات ولم يتب من ذنبه- فهو إلى مشيئة الله إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، إن عذبه فبعدله، وإن غفر له فبفضله، وهذا إن لم يتب، فإن تاب قبل موته تاب الله عز وجل عليه، وهذا بإجماع العلماء، والنصوص في الكتاب والسنة في هذا واضحة جلية.
قالوا: النبي صلى الله عليه وسلم بين أن الحد كفارة، ففي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه لما أقام الحد على ماعز بن مالك الأسلمي الذي اعترف بالزنا، اختلف الصحابة: هل هو في الجنة أم في النار؟ فقال قوم: إنه فعل كبيرة فهو معذب، وقال قوم: إنه قد تاب، والله يتوب على من تاب، فلما خرج عليه الصلاة والسلام وسمعهم يختلفون قال عليه الصلاة والسلام: (إنه الآن ينغمس في أنهار الجنة)، فهذا يدل على أن الحد يكفر الذنب،
وكذلك لما زنت المرأة واختلفوا: هل هي معذبة أم مرحومة؟ خرج عليه الصلاة والسلام وقال: (لقد تابت توبة لو قسمت على أهل الأرض لوسعتهم)، وقال: (وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى؟)، لكن هذا جاء ما ينسخه، مما يدل على أن الأفضل والأكمل الأخذ بالرخصة؛ لأن ماعز بن مالك خير بين أن يتوب فيتوب الله عليه، وبين أن يقام عليه الحد، فاختار أن يقام عليه الحد، فمن أهل العلم من قال: كيف يختار إقامة الحد الشديد مع أن التوبة أخف وأرحم؟ وأجيب عن هذا بأن ماعزاً شك في قبول توبته، ورضي لنفسه ما هو عزيمة بينة، ولكن السنة دلت دلالة واضحة على أن الأفضل والأكمل أن يستتر، فصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه لما اعترف ماعز ، واعترفت المرأتان بالزنا، وأقيم عليهم الحد؛ خطب عليه الصلاة والسلام الناس، وقال: (أيها الناس! من ابتلي منكم بشيء من هذه القاذورات فليستتر بستر الله)، فهذا نص واضح صريح، وهو متأخر. وبعض الذين يتلبسون بالجرائم في زماننا يشدد بعضهم على نفسه إذا تاب أو زجر بالزواجر، فلا يرضى إلا أن يعترف أمام القاضي ويطلب أن يقام عليه الحد، فمثل هؤلاء ينبغي على طلاب العلم وعلى الأئمة والخطباء أن ينصحوهم بالسنة، وأن يبينوا لهم أن النصوص واضحة جلية في أن الأفضل والأكمل لأحدهم أن يستتر بستر الله عز وجل، وهذا هو الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتشديد على الناس في هذا الأمر ليس من السنة، وكان بعض مشايخنا رحمة الله عليه يقول: إن كثرة إيراد العذاب بالنار، والتخويف بعذاب القبر، وقرع الناس دائماً بهذا الشيء، دون ذكر الجنة وسعة رحمة الله عز وجل يفضي ببعض الناس إلى الغلو في التوبة، والغلو في الرجوع إلى الله في العبادات، والغلو في الطاعة، ومن هنا كره بعض العلماء أن يتقدم القصاص والوعاظ في الخطب والمواعظ؛ لأنهم لا يفهمون أصول الشريعة في الجمع بين الرجاء والخوف؛ لأن الواقع في الذنب يحتاج إلى نوع من الحكمة والتلطف، فالمستخف لحدود الله المنتهك لمحارم الله عز وجل يزجر بما يناسبه، ومن جاء متفطر القلب، منيباً إلى الرب، تائباً من قرارة قلبه، أو يعلم منه التوبة من دلائل حاله، لا يزاد على ما هو عليه؛ لأنه إذا زيد على حاله ذلك؛ أوجب له القنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لن يشاد أحد هذا الدين إلا غلبه). والذي يظهر أن الحدود زواجر وجوابر، فيها معنى الزجر وفيها معنى الجبر، فهي جابرة للكسر بإذن الله عز وجل، وأيضاً زاجرة عن حدود الله وعن محارم الله. انتهى
والله أعلى وأعلم