بسم الله الرحمن الرحيم
كنت وعدت بأن أشرع بمناقشة أفكار خاصة بتنمية المهارات المتعلقة بالحفظ والتذكر، والعملية الفكرية، وها أنا إن شاء الله تعالى أفي بوعدي، على أن يتم الموضوع بالنقاش والتعاون، وأخص بالذكر أخي وحبيبي الأستاذ يوسف الساريسي ، فإن له في هذا الشأن باع عظيم.
قد يحتاج منا الموضوع إلى توطئات طويلة، قد يكون الأمر في بعضها مملا بعض الشيء، إلا أن النتيجة المرجوة في النهاية هي أن تقرأ كتابا فتحفظه من أول مرة، أو تسمع محاضرة فتحفظها وتستطيع ترديدها كلمة كلمة، بل أكثر من ذلك
تستطيع أن تقرأها من أول كلمة إلى آخر كلمة، ومن آخر كلمة إلى أول كلمة، أو تبدأ من أي موضع منها وتكمل،
كذلك ستستطيع بحول الله تعالى أن تحفظ أي رقم مهما كان طويلا، بمعنى أنه لو عرض عليك رقم مؤلف من مائة خانة ستستغرق بعض الوقت وأنت تتأمله ومن ثم ستعيده بالترتيب دون أن تخطئ في موضع منه.
هنالك أنظمة كثيرة حاول من خلالها المختصون، محاكاة عملية التذكر، وأجروا تجارب كثيرة، وهذه الطريقة التي سنعرض لها هنا بإذن الله تعالى إحداها، والذي يميز ما سأنشره على منتدى العُقاب هنا هو أنني سأنقح هذه الطريقة بإذن الله لتصيب من مفاهيمنا عن التفكير الجانب الذي كانت تنقصه، أو لنقل سأبلورها بشكل أدق بناء على معرفتنا بواقع العقل على نحو جازم.
هذا النظام مخصص لحفظ المعلومات المهمة اليومية التي تصادفك، وهو لا يستند إلى طرق معقدة، أو تقنيات صعبة للحفظ، وهو نتاج بحث طويل أسس على نظام الحفظ يحاكي طريقة عمل الدماغ.
وهو استفاد من أفضل الطرق التي خرجت بها المدارس التي عنيت بشأن الحفظ والذاكرة، على نحو منظم ومنقح، وأضيف إليه هنا صياغته على نحو يستفيد من ثقافة حزب التحرير الخاصة بفهم واقع التفكير والعملية العقلية.
هذا النظام يتميز بالبساطة والعالمية والفعالية.
نقصد بالبساطة: سهولة التعلم، والتمكن منه من خلال فهم مبادئه وكيفية استعماله.
والعالمية: أي نوع من المعلومات تريد حفظها.
والفعالية: التحكم بطريقة الحفظ والتخزين في الدماغ للمعلومات، فتستطيع أن تحفظ معلومة ما لمدة أسبوع أو شهر أو تبرمج نفسك لتحفظها لسنة أو لمدى العمر.
وأساس النظام هذا الحفظ من خلال: الربط المنطقي للمعلومات
مثل أرقام التلفونات، أو المحاضرات أو الكتب، وحتى المعلومات التي ظاهرها أن لا رابط منطقي يربط بينها مثل الخرائط والأرقام العشوائية.
ولأجل ذلك يوجد لدينا ما نصطلح على تسميته بمساعدات الذاكرة:
mnemonics:
وهي التي تساعد على الحفظ، منها مثلا النسق الشعري مثلا ( الوزن)
فعندما تخزن في ذاكرتك موسيقى البحر الشعري، تستطيع بسهولة حفظ القصيدة،
فمثلا:
عادت أغا ----- ني العرس رج ------ ع نواح ---------- ونعيت بي ------ ن معالم ال ------ أفراح
فإذا ما أدركت الموسيقى الشعرية التي تسري في جنبات القصيدة، تستطيع حفظها بسهولة:
كفنت في ----- ليل الزفا ------ ف بثوبه .... الخ
فالمساعدات إذن طرق لربط المعلومات أو لتسهيل حفظها وتذكرها.
هذه المساعدات ما هي إلا جزء بسيط من التقنيات اللازمة للحفظ بفعالية.
الأمور المهمة الأخرى هي:
1) بناء القدرة على الحفظ والتي تتم من خلال التحكم بطرق الحفظ والسيطرة عليها أو لنقل امتلاك ناصيتها، وهذه الطرق اللازمة لكل نوع من المعلومات ثمة تقنيات خاصة به، فالتقنيات الخاصة بالأرقام مثلا يجب السيطرة عليها أي امتلاك ناصيتها والتمكن منها.
2) القيام بتمارين معينة تقنية - نفسية لتنمية مهارة التفكير ، ويهمنا التفكير بالنظر أي التفكير من خلال العملية البصرية، أو التخيلية، وامتلاك القدرة الأكثر على التنبه لما تراه.
3) الوصول إلى سيطرة دقيقة على المواد الغذائية التي تساعد على قدرة الدماغ على العمل وعلى صحة الشخص بشكل عام لأن العملية الفكرية تحتاج إلى عون بدني وصحي، إجمالا.
من الأخطاء الشائعة أن الحفظ بهذه الطريقة، أي بطريقة أن تحفظ كل ما تريد حفظه كحفظ كتاب أو محاضرة، يرهق الدماغ بمعلومات كثيرة / هذا غير صحيح البتة، لأن سعة الدماغ وقدرات الدماغ مهولة ، وما نحفظه يتخزن في الدماغ بشكل ما سيرد تفصيله لاحقا إن شاء الله، و" يظهر " فقط عندما "نتذكره"
لاحظ أنني أضع بين مزدوجين مسألة: يظهر، ومسألة " نتذكره"
أي أننا إذا لم نستحضره، فكأنه غير موجود.
طبعا، مع تحفظنا الكبير على دراسات علم النفس، وعدم تسليمنا بصحة الأساس الذي تقوم عليه، إلا أننا سنورد بعض ما يقولون لا للأخذ به كمسلمة، وإنما لأن له علاقة ما بما بني عليه من تقنيات الحفظ، فلنترك جانبا نقاش تفاصيل هذه، ونمر عليها سريعا لنغرف منها ما يفيدنا:
يقولون: القيمة العلمية للمسألة تكمن في أننا قبل الحفظ لا بد لنا من معرفة طريقة الدماغ في تثبيت المعلومات، يقولون بأنه يوجد طريقتين:
الأولى: ما يسمى بالذاكرة الكهربائية والثانية: الذاكرة الانعكاسية ( المردودة) .
والأساس في العملية العقلية التي تنتج حفظا وذاكرة: هو التفكير بالنظر، أو بالبصر، أي بالترميز، وسنفهم ذلك كله بعد قليل إن شاء الله تعالى.
على أننا نقصد هنا الإحساس ونقله للدماغ مقابل التعبير عنه بالأفكار.
هنا نشرح قليلا فنقول: من كثرة ما ترى إشارة التوقف الثمانية في الشارع، تكونت عملية ربط في دماغك لهذا الشكل الثماني الأحمر، ليرتبط بعملية التوقف.
هذا يعني أن رمزا ما تخزن في الذاكرة أفضى إلى أن يُرى هذا الرمز قتحصل عملية فكرية دون الحاجة لتفصيلات كأن تسمع صوتا ينادي عليك قف فتفهم أن هذه الإشارة تعني قف.
فالذي نعنيه - مؤقتا - بالتفكير بالبصر أو بالنظر أو بالترميز أن التذكر لما ارتبط برموز وإشارات وصور أسهل بكثير من التذكر لما ربط بكلام أو أرقام.
يكفي هذا الآن لنفهم جانبا مما نتحدث عنه وإن شاء الله تعالى يأتي التفصيل بالأمثلة أكثر فيما بعد.
الكلام أو التعبير هو وسيلة اتصال لنقل "نتيجة " التفكير ، أو المعلومات من الدماغ لتدخل إلى مدخل معلومات شخص آخر، مثلا : السمع، ومن ثم الدماغ ليتعامل معها.
خلال الحفظ من غير المستحب هنا الترديد الداخلي للكلمات بشكل غير مسموع ( أي التفكير بها وترديدها في الذهن ) لأن هذا عُرضة لتداخل المعلومات التي تفكر بها بشيء من الهواجس فيفضي إلى تداخل المعلومات بعضها مع بعض، فالتفكير باستخدام النطق ( أي الحفظ من خلال الترديد) يعيق عملية الحفظ.
فلو جلست تريد حفظ حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذت تردد كلماته جملة جملة ثم تنتقل إلى الجملة التالية فترددها عشر مرات وهكذا،
هذه العملية تعيق الحفظ وتأخره ونتائجها غير مضمونة، ويسهل نسيانها.
كذلك الأمر ينبغي الإشارة إلى أن هذا النظام الذي نحن بصدده يعلم مفاهيم عن " الدقة" و "الاشارات" الدالة على المعلومات المعينة مثل الأرقام.
ومثال ذلك، لو ربطت في دماغك مثلا بين الرقم 911 وبين أبراج نيويورك، والرقم 1924 بسقوط الخلافة، فرمزت في دماغك لصورة أبراج نيويورك بصورة ما ، مثل صورة برجين يهويان، ولسقوط الخلافة بصورة درع على صدر خليفة تتخيل صورته، هذه الدرع تنكسر ،
وأردت حفظ رقم 1924911، فما عليك إلا أن تقسمه إلى جزأين: الأول 911، والثاني 1924، فتربط في دماغك بين صورتين ، صورة برجين يهويان، وصورة سلطان المسلمين على صدره درع انكسرت، فتربط الصورتين في دماغك، فلا تحتاج حينها أبدا إلى تذكر الأرقام بطريقة الحفظ التقليدية، بل عليك أن تربط بين الصورتين وأيهما أول، أي صورة السلطان انكسرت درعه ومن ثم صورة برجين يهويان.
فالمهم هنا أن لدينا إشارات تدل على معلومات معينة وبدقة بالغة وبطريقة ربط سهلة.
كذلك نحن ندرس ردة فعل الدماغ بخصوص معلومات معينة لماذا يسهل عليه تذكرها، بينما يصعب عليه تذكر غيرها؟
هذا هو المدخل الأول للموضوع وسنتبعه إن شاء الله بغيره
والمجال مفتوح للأسئلة والاستفسارات والتعليقات


)
والإكسير elixir ( عطر في قارورة) .
على جسر يفتح ويغلق أمام السفن المارة، هذا الجسر طبعا تشتهر به مدينة سانت بترسبورغ الروسية 