بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:
بداية، إن التفكير هو نقل الحس بالواقع وربطه بمعلومات سابقة لتفسير الواقع.
خرّت التجريبية ودعاتها على عروشها ومن ورائهم الشيوعيون أمام هذا التفسير العقلي العظيم
حينما ثبت أنه لا بد للإنسان من معلومات سابقة يستطيع بها أن يفسر ما يحس به من وقائع وأحداث
على بداهتها أو تعقيدها.
فإذا أراد اثنان أن يتناقشا في الحكم الشرعي المتعلق بالفصل بين الرجال والنساء مثلاً، فإنهما لا بد لهما
من أن يستندا في نقاشيهما إلى معلومات هي بمستوى دلائل يتفقان ابتداءً على صحتها (كأدلة الفقه)
فيستندان إليها أثناء حديثهما. فإذا اختلفا فيها، فإن هذه المعلومات تنحدر عن مستوى الأدلة إلى مستوى
البحث والتمحيص لكي تصبح معلومات أخرى هي مستند النقاش بالنسبة لها (كأدلة الأصول). وهكذا.
وبالتالي فإن الأفكار التي تعتبر بمستوى الأدلة يطلق عليها "معلومات سابقة"، وهذه تستخدم لإثبات صحة
غيرها من الأفكار ولتفسير وقائع أخرى تستند إليها. أما إذا كانت هي مدار البحث، فتصبح أفكار أخرى
هي بمثابة المعلومات السابقة لها، وصولا ً إلى المعلومات الأولية.
والذي قال بأزلية المادة اضطر أن يحدد موقفه من كون الأفكار والمعلومات (وبالتالي التفكير الذي ينتج هذه الأفكار)
هي قبل المادة أم بعدها، فالفكر شيء معنوي لا يمكن إدراك ذاته، فهو كيان قائم بذاته وكأنه مفصول عن المادة
التي يمكن إخضاعها للتجربة في المختبر.
وإن هذه الإشكالية التي خاضها الشيوعيون كانت بمثابة المحك للمبدأ الاشتراكي الملحد في الله تعالى.
وقيل: كانت المادة ولم يكن قبلها شيء، وتكون، وستكون ولن يكون بعدها شيء. واتفقوا على ذلك.
وهكذا، فإن التفكير عندهم أتى بعد المادة، لذلك كان من نتاجها، بحيث يمكن للإنسان أن يستخدم
دماغه فيفكر بمجرد وجود المادة والإحساس بها فقط، دون الحاجة لشيء أخر.
فكان القول المشهور بانعكاس المادة على الدماغ (حقيقة أو مجازاً).
إن الناظر إلى قول أولئك الذين شذوا في التفكير، يرى أن جعل المعلومات السابقة أساسا ً في التفكير
يهدم أساسهم الحضاري من الرأس إلى القدم، ويجعلهم حيارى يتخبطون بكل نتاجهم الفكري والـ"علمي"
المبني على وجهة نظر الشقاء والتعاسة، لذلك "نهضوا إلى أسفل".
أقف هنا على إشكالية تخص المعلومات الأولية التي هي أساس كل المعلومات السابقة وأتساءل:
هل المعلومات الأولية هي فطرية؟ بمعنى أنها "مخلوقة" أو مفطورة في الإنسان مثلها مثل الغرائز والحاجات العضوية؟
أم هي منقولة كلها وأساسها النقل عن الآباء وعن الأصحاب في البيئة المحيطة الذين أخذوها عن آبائهم تباعا ً؟
وأي الافتراضين حقيقة يخدم الشيوعية في قولها إن المادة أساس التفكير ؟
بارك الله فيكم.
