المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
الوسطية والاعتدال هل هي الدين الجديد؟
منتدى العقاب > ديوان الشخصية الإسلامية > القسم الفكري
التركستاني
بســم الله الـرحمــن الرحيــم
الاخوة الكرام السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،
يقرع اذاننا من فترة طويلة مصطلح الوسطية والاعتدال وبالرغم من كثرة شيوعه والمحاولات الحثيثة لنشره بين افراد الامة الا انني ولغاية الان لم اجد احدا قد تصدى لتعرية هذا المصطلح الخطير وفضحه وبيان خبثه وضلاله على غرار نقد مصطلح الديمقراطية الذي واجهناه وكشفنا عواره حتى اصبحت مقولة الديمقراطية نظام كفر يحرم اخذها على لسان الكثيرين من ابناء الامة .
وقد لفت انتباهي اثناء التجوال على الشبكة العنكبوتية كثرة الناعقين بهذا المصطلح وتكرره الاف المرات على هيئة المدح لا الذم ومن الملفت للنظر ان دعاة هذا المصطلح هم
1:مراكز الابحاث الاستراتيجية الغربية وعلى راسها راند وكارنغي وتقفو اثرها معظم المراكز المسماه اسلاميه
2:تصريحات المسؤولين الغربيين وينعق خلفهم المسؤولين في البلاد الاسلاميه
3:معظم الفضائيات الغربية وتقفو اثرها المسماه اسلاميه حيث ينعق جميع المتحدثين من مفكرين وعلماء سوء بهذا المصطلح
4:انشاء محطات خاصه مثل الرساله والحوار وغيرها لنشر هذا المصطلح
5:اقامة المؤتمرات عبر العالم وحشد اكابر دعاته من اجل النشر والترويج
6:اصدار الكتب والنشرات والمحاضرات من اجل ترسيخ هذا المصطلح
فهل هي مقدمات لنشر هذا الدين الامريكي بين ظهرانينا مع العلم انه لا يمت باي صلة للاية الكريمة التي ينسبون اليها زورا وبهتانا تسمية المصطلح
وان كان فيما اقول الصواب فلماذا لم اجد لغاية الان من تصدى لمحاربة هذا الشر الذي يتفشى بيننا
وبما ان الموضوع اكبر مني ويحتاج الى تضافر الجهود فلماذا لا نقوم بحملة مركزة لمحاربة هذا المصطلح تحت شعار معين يتم وضعه كمحور للحملة المقترحه
اخواني هذا ما عندي فان اصبت فمن المولى عز وجل وان اخطات فمن نفسي وارجو ممن يملك اجابة شافية الا يبخل علي
وجزاكم الله كل خير عن الاسلام واهله
عمـ بن الخطاب ـر
اخي الكريم لو تأملت التضليل التي تؤدي اليه القنوات الاسلاميه بحسن نيه او بغيرها

فهي عرضت ان الاسلام هو احكام صلاه وفرضيه تعليم التجويد واحكام الحيض والنفاس والتوبه والصلاه وعدم الكذب وعدم الرياء ....

حتى ان المسلم البسيط لا يعرف ما واجبه تجاه هذا الدين!!
عبد المنعم
يعني اخي التركستاني ...

1) الوسط في الاية (و كذلك جعلناكم امة وسطا) معناها العدل, و السبب في لك لو انك ربطت الجملتين ببعضهما تبين لك ان لك معنى الوسطية ...لانه اذا قلنا الوسطية هي في النصف لما استقام قوله تعالى (لتكونوا شهداء على الناس), فمعنى الوسطية انكم امة فيها صفة العدالة اي انها مقبولة القول...

2) الوسطية بالمعنى الذي يفهمه هؤلاء قد لا تكون موجودة الا في المباحات , فاما الاجكام الاخرى وهي الفرض والمندوب و الكراهة و التخريم, فاين الوسطية فيها؟؟
فاذا قال الشارع الصلاة فرض...لا يفهم من الموضوع وسط اوغيره لانه لا اختبار في, فلا يقال الوسط هنا ان تصلي العصر مثلا ركعتين ..
و لذلك قالوا عن هذه الاحكام الاربعة انها اما طلب او تهي محتم لا خبار فيها..
فالمندوب هو طلب محتم لا تخيير فيه..
و كذلك الكراهة انهي مختم لا تخيير فيها..
فهذه الدقيقة تنسف كل ما قيل عن الوسطية..

و هو فعلا مفهوم مضلل, و فيه اما هوى ظاهر , او تحكيم للعقل القاصر, و الله المستعان...
ابن الصّدّيق
http://www.alokab.info/forums/index.php?sh...t=0&start=0




الوسطيّة


بسم الله الرّحمن الرّحيم




والصّلاةُ والسّلامُ على نبيّنا الأُمّيّ الأمين محمّدٍ وآلهِ وسلّم

في البدء \ مَنْ أرادَ شرحاً وافياً راقياً للوسطيّة فعليه بكتاب ( التّيسير في أُصول التّفسير ) - سورة البقرة -

للشّيخ العلاّمة عطاء بن خليل أبو الرّشتة - أدامهُ الله وحفظهُ ونصرهُ حتّى نعطيه البيعة - خليفة وأميراً للمؤمنين قريباً بإذن الله تعالى.


إخوتي الأحبّة في الله

في أكثر من محفل ألقيتُ محاضرةً حاولتُ فيها إعطاء شرح مبسّط عن الوسطيّة في الإسلام.. وبفضل الله وحده قمتُ بضربِ أمثلة من الواقع المفهوم

حتّى يتكوّن للمفهوم واقعاً راسخاً في أذهان العموم ليحصل عندهم الفكر بتوفيق الله ..وباختصارٍ مُقتضب كانت كما يلي:-

بعد أن بيّنتُ ما أرادته أمريكا وبريطانيا وعملاؤهم وعلماؤهم من وضع الوسطيّة كنقطة وسط بين الحقّ والباطل .. بين الإسلام والكفر .. والإتيان بدين جديد (إسلامقراطي)!

وبيّنت المراد الخبيث من إشاعة هذا المفهوم فكريّاً وسياسيّاً والنّتائج المترتّبة على ترويجه بين المسلمين بدأتُ بتلاوة الآية الكريمة:

يقول الله عزّ وجلّ في مُحكم كتابه العزيز من سورة البقرة بعد أعوذُ بالله السّميع العليم من الشّيطان الرّجيم:-

{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } (143) سورة البقرة

يقول ابنُ عبّاس رضي الله عنهما .. وسطاً : عدولاً

قُلتُ : فإذا قُلنا إنَّ فلاناً منَ الوَسَطِ الرّياضي .. فما معنى ذلك؟

قالوا : يعني أنّ فلاناً هو رياضي أو يعمل في الرّياضة..

قلتُ : طيّب .. وإذا قُلنا أنَّ فُلاناً من الوَسَطِ الإعلاميْ فماذا نقصد؟

قالوا : نقصدُ أنّ فلاناً إعلامي أو يعمل في أحد مجلات الإعلام..

قُلتُ : عليكم نور .. فإذا ذهبنا لمختبر صحّي ليأخذ عيّنة من الدّم أو الخلايا لغرض الفحوصات والإختبار فأين يزرع هذهِ الخلايا؟

قالوا : يزرعها في مادّة خاصّة تُسمّى ( البيئة ) أو ( الوسط البيئي ).

قُلتُ : بارك الله فيكم .. والآن إذا قُلنا فُلان من الوسط العدول فماذا نقصدُ بهذا المصطلح؟

قالوا : أي أنّهُ رجُلٌ عادل من القوم العدول.

قُلتُ : إذن تعالوا لنفهم سويّة ما معنى الآية الكريمة السّابقة..

( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) يعني بتفسير ترجمان القرآن وحبر الأمّة ابن عبّاس رضي الله عنهما أي جعلناكم وسطاً بيئيّاً ومجتمعاً من العدول وشهود العدل المؤمنين..

وهذا المجتمع أو الوسط البيئي من العُدول غير معزول عن الأمم بل مكلّفين من الله بحمل دعوته .. دعوة التّوحيد والإسلام إلى باقي الأُمم ..

ومن هذه الأمم أهل الذّمّة الّذين يعيشون في الوسط البيئي .. وسط العدول لتتناطح الأفكار والدّعوات ولتُبلّغوهم دعوة الحقّ وتبيّنوا باطلَ دعواهم..

وأمّا من لايعيش بينكم فالمؤمنون مكلّفون بحمل الدّعوة إليهم بالفتح والتّجارة والسفر إليهم كلّما سنحت الفرصة لذلك..

فإن آمنوا بهذهِ الدّعوة فقد اهتدوا وأصبحوا عدولاً مثلكم ومن الوسط العدول.. لهم ما لكم وعليهم ما عليكم..

وإن أبَوا فأنتم أيّها المسلمون شهداء على هذه الأمم يوم القيامة.. تشكونَ أمرهم إلى الله مالك يوم الدّين..

وفي ذلك قوله تعالى ( لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ ) أي برأت ذمّتكم بتبليغ دعوة الله..

وهذا كلّه في حالة أطعتم الله ورسوله أيّها المسلمون وقمتم بتبليغ دعوة الحقّ..

أمّا إذا تخاذلتم أيّها المسلمون وتقاعستم ولم تحملوا دعوة الله إلى الأمم فإنّ الرّسول محمّد صلّى الله عليه وسلّم سيكون يوم القيامة شهيداً عليكم يشكوا أمركم إلى الله..

وبالتّالي سيكون حسابكم عند الله فيحاسبكم على ما فرّطتم في جنب الله.

قال تعالى ( وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا )
..
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا143
سُوَرةُ: البَقَرة


قال الله تعالى في كتابه العزيز: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا. (البقرة: 143).
في هذه الآية الكريمة ثلاث نقاط هامة الأولى لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ.

والنقطة الثانية وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا.

أما النقطة الأولى فاختيار الله سبحانه وتعالى هذه الأمة وجعلها في مركز الصدارة بين الأمم، حتى تتمكن من أداء الدور الذي أوكل إليها، أي الشهادة على الناس. ولا تعني الوسط هنا. الوقوف بين التطرف والاعتدال ولا تعني، ما يعنيه الغرب من قولهم بالحل الوسط، وهو أن يتنازل الخصمان عن جزءٍ مما يريان حق للوصول إلى تسوية. بل الوسط هنا. مركز الصدارة. وهو المركز الذي يمكن من جعل صاحبه يرى ما يحصل بين يديه ـ جاء في تفسير ابن كثير «والوسط هنا الخيار والأجود، كما يقال قريش أوسط العرب نسباً ودارا. أي خيرها. ويقال كان محمد رسول الله  وسطاً في قومه، أي أشرفهم نسباً.

وجاء في تفسير مجمع البيان الطبرسي «أنه جعل أمة نبيه محمد  عدلاً ووسطاً بين الناس. وروى أن الإمام الباقر رضوان الله عليه «نحن الأمة الوسط، ونحن شهداء الله على خلقه وحجته في أرضه» وجاء في تفسير النسفي والإمام القرطبي مثل ذلك، أي أن الوسط هو العدل.

وجاء في لسان العرب أن أوسط الشيء أفضله وخياره، وذلك في مثل قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا أي عدلاً. ومنه الحديث خيار الأمور أوساطها.

ولا يقال أنها الوسط بين الأولين والآخرين، لأنها آخر أمة أخرجت للناس. فكانت خير أمة أخرجت للناس. هذا من حيث النقطة الأولى.
أما النقطة الثانية لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ.

إن هذا التكليف السامي لهذه الأمة الخيرة العادلة يحتم عليها أن تكون في مركز قيادة الأمم لتتمكن من القيام بمهمتها. وإقامة الحجة على الناس، إلا أن الناس كلمة عامة تشمل كل الناس من قبلها من الأمم ومن بعدها، وصريح الآية يجعل مهمتها شاملة لما قبلها وما بعدها من الأمم. فكيف يمكن لهذه الأمة أن تشهد على من قبلها، وهي لم تدركهم؟ وقد أجب رسول الله  على ذلك، وهو المبيّن للقرآن الكريم، فقد روى الإمام أحمد قال حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال. قال رسول الله : «يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيدعى قومه، فيقال له، هل بلغتم؟ فيقولون ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد. فيقال لنوح من يشهد لك؟ فيقول، محمد وأمته. قال فذلك قوله: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا قال والوسط العدل، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ وأشهد عليكم».

وجاء في تفسير ابن كثير عند تفسيره هذه الآية عن الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول الله : «يجئ النبي ومعه الرجلان والثلاثة، فيدعى قومه، فيقال هل بلغكم هذا؟ فيقولون، لا. فيقال هل بلغت قومك؟ فيقول، نعم؟ فيقال، من يشهد لك؟ فيقول، محمد وأمته. فيقال لهم، هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون، نعم. فيقال وما علمكم؟ فيقولون، جاء نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا».
وجاء مثل ذلك في حديث ابن المبارك وفيه زيادة: «تقول الأمم كيف يشهد علينا من لم يدركنا. فيقول الله سبحانه. كيف تشهدون على من لم تدركوا؟ فيقولون: ربنا، بعث إلينا رسولاً، وأنزلت إلينا عهدك وكتابك، وقصصت علينا أنهم قد بلغوا، فشهدنا بما عهدت إلينا. فيقول الله تعالى صدقوا».

هذا شأن هذه الأمة في الشهادة على من سبقها من الناس. فما شأنها في الشهادة على معاصريها. وكيف يتسنى لها أن تشهد، إن لم يكن لها مكانة مرموقة، وصوت يسمع؟ وهذا دليل قاطع على وجوب التبليغ على هذه الأمة للناس كافة. ولأجل ذلك لا بد أن تكون في مكان الصدارة. فصار الواجب عليها كذلك العمل لتكون في مكان الصدارة وقيادة الأمم حتى تقوم بما فرض الله عليها.
وأما النقطة الثالثة، وهي شهادة رسول الله  على هذه الأمة في ماضيها وحاضرها ومستقبلها وهل قامت بما بلغها به رسول الله . هو من أشهد عليها مراراً. بقوله : «اللهم هل بلغتُ؟ اللهم فاشهد». وشهادته  أنه بلغ هذه الأمة وأوجب عليها القيام بمسؤوليتها. وجعل هذا التبليغ، وهو موضوع الشهادة قائماً إلى يوم الدين، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتابَ الله وسنتي». فكتاب الله بيننا يتلى كل يوم وسنّة رسول الله محفوظة في بطون الكتب. ولكن هل ران على قلوب الأمة ما كانت تكسب.

قال تعالى: وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ... وقد بكى رسول الله  حين سمع الصحابي يتلو قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا وقال حسبك وكانت الدموع تترقرق في عينيه. وكأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يتوقع ما ستؤول إليه حالنا. وسيُخجله الوضع الذي نحن فيه، وما أحدثنا من بعده.
فقد فقدنا مكانتنا المرموقة، وأصبحنا غير مؤهلين لأداء الشهادة على الناس. فكيف ستكون شهادته علينا؟ صلى الله عليك يا رسول الله.

الوعي 24
أبو دجانة
الاعتدال والتطرف


إن حرب الغرب على الإسلام تأخذ وجوهاً مختلفة، وتدخل مجالات متنوعة، يجمعها القيام بكل ما من شأنه أن يبعده عن واقع الحياة. ولم تقتصر الحملة على تشويه صورته، وهدم خلافته، والطعن في أحكامه، وتصويره بأنه رسم قد عفا عليه الزمن... بل تشتمل على كل ما يمكن أن يعيده إلى قيادة العالم من جديد. فالخوف عندهم دائم من الإسلام، لذلك كان الكيد له لا يفتر لئلا يُسحب البساطُ من تحت رجليهم إذا عادت للمسلمين كرّتهم.

فالغرب ينظر إلى المسلمين على أنهم أمةٌ حيّة بإسلامها وأن دينهم دين عالمي، يصلح للبشر ويُصلحهم، وأن نفوسهم تتطلع بشكل دائم إلى الوحدة. وأن مواقع دولهم المتفرقة ستصبح موقع دولة استراتيجية واحدة تمسك بخواصر القارات وتطل عليها. وأنهم يقبعون على ثروات ضخمة تفيض عن حاجة دولة كبرى لتجعلها دولة أولى. وأن عددهم يقارب ثلث سكان العالم... وأن همهم، إن أظهرهم الله ليس القتل ونهب خيرات البلاد التي يفتحونها بل فتح القلوب، وإخراج الناس، كل الناس، من عماية الكفر إلى هداية الإسلام، وفي قناعة الواحد منهم أن إدخال رجل واحد في الإسلام أحب إليه من الدنيا وما فيها.

لذلك يشهد الإسلام كثيراً من الكيد على أحكامه وعلى العاملين المخلصين له لإبعاد تأثيره في أهله، وفي غير أهله. وهذا الكيد يتناسب مع حجم الخطر الذي يشعرون به.

ولولا أن الإسلام هو دين الله الحق، لانمحى، واندرس، وصار أثراً بعد عين. ولكن إرادة الله ماضية، ومشيئته غالبة. فقد بقي المسلمون على ولائهم لدينهم في اشد أيامهم انحطاطا، إلا أن الغرب نجح في جعل مقاييسهم خاطئة، ومفاهيمهم مغلوطة، وعقليتهم فاسدة... ذلك أنه رأي في حروبه الصليبية الأولى أن الإسلام متمكن في نفوس المسلمين، وأنه أقوى بكثير من أية محاولة لانتزاعه، لذلك غيّر خططه في حربه الصليبية الثانية، التي ما زلنا نعاني من ويلاتها، وجعلها تقوم على إبعاد المسلمين عن دينهم، وعلى نشر مفاهيمه وقناعاته ومقاييسه الفكرية ليضمن سيطرته المادية، فأوجد التبعية الفكرية له أولاً، ثم أتبعها بسيطرته المادية. ثم غرس حكاماً وأحاطهم بوسط سياسي وفكري فاسد. ثم راح يربط الدول فيه عن طريق جعل سياسة دول العالم تسير باتجاه واحد لتحقيق مصالحه، وعن طريق جعل العالم وكأنه شركة مساهمة يكون فيها هو الممول والمنتج، وتشكل فيه الدول الأخرى الطبقة العاملة والمستهلكة. وأحاط العالم بشبكات إعلامية ضخمة جعل فيها شبكات الدول الأخرى الإعلامية تابعة لها، ويريد بذلك أن لا نقرأ إلا ما كتبه، ولا نسمع إلا ما يذيعه، ولا نشاهد إلا ما يبثه، ولا نتحدث ونفهم الأمور إلا على ضوء ما يريد. إنه استعمار جديد، متطور، اشد وأدهى من الاستعمار القديم. فالاستعمار القديم كان يحتل الإنسان من الخارج بينما الجديد يحتل نصفه الداخلي ونصفه الخارجي، ليجعل التبعية مطلقة له، لا يهددها شيء.

حتى ديننا، فإن الغرب يريد أن يفهمنا إيّاه على طريقته. ومن يشذّ عن نظرته تلك فإنه يجنّد وسائل إعلامه هذه ضده. فتصوره بصورة الشاذ الذي يريد أن يخرق الأعراف، ويخرج عن المعهود، ويشق الإجماع، وينعته بنعوت التطرف والإرهاب، والأصولية والتشدد، ويصفه بأنه عدو للإنسانية وظلامي لا يألف العيش إلا في الظلام، وعدائي يثير في طرحه العداوات والحزازات. وبعد أن يشوّه الصورة ويقلب الحقيقة، تقوم الأنظمة بضربه، على اعتبار أنه يستحق الضرب. معتمدين في كل هذا على غفلة الناس عن إدراك الحقائق، ومستعينين بعلماء يباركون كل أعمال الغرب... ولكن ما نشاهده اليوم من صحوة بدأت تدب في جسم الأمة جعلت المهمة عليهم صعبة، وجعلت الأمة تنظر إلى الغرب والحكام والعلماء نظرة واحدة. فصارت تنظر إلى الغرب على أنه شيطان وأن الحكام هم مريدوه، وأن هؤلاء العلماء لم يتسنموا مراكزهم إلا بمقدار ما أهدروا من كرامة الدين على عتبات الحكام، وأنهم علماء لحالة الانحطاط، وأنهم سينتهون بانتهائها، وأن لعصر النهضة الإسلامية الصحيحة علماءها الشعث الغبر، الأتقياء الصادقين.

إننا اليوم في مرحلة يعيش فيها الغرب والحكام خوفاً فعلياً من عودة الإسلام، لذلك نراهم يتحسسون من كل طرح إسلامي يشكل خطراً عليهم، ويعملون على محاصرته ورميه بشتى التهم، واستخدام أبواق الإعلام والدعاية ضده، وتسخير أفواه العلماء لمهاجمته. لذلك وصفوا كل حركة إسلامية تطالب بالإسلام وحده بأنها متطرفة، وإرهابية، وقام علماء مسلمون، وكتّاب قوميون ووطنيون بتأليف المؤلفات وإلقاء المحاضرات عن نبذ التطرف والدعوة إلى الاعتدال. وكلهم ينطلقون من منطلق واحد في النظرة إلى هذا الموضوع وهي نظرة الغرب فحسب. ولولا أن هناك علماء مسلمين يشاركون في هذه المعمعة ويحاولون أن يضيفوا على طرح الغرب هذا شرعية، ووجهاً مقبولاً لما كلّفنا أنفسنا عناء الرد. لأن الآخرين ليس لهم وزن عند الأمة، شأنهم شأن الحكام، بل قد يؤدي هجومهم إلى رد فعل معاكس لما يريدون. حتى إن هؤلاء العلماء أنفسهم بدأوا بنعزلون عن الأمة، وبدأت الأمة تدير لهم ظهرها من كثرة تبريراتهم التي لا تحمل وجه حق، وفتاويهم التي تخرج عن الأصول الشرعية المنضبطة، والتي جاءت في آخر مراحلها لا لتخالف فهماً إسلامياً فحسب بل لتعطل نصوصاً شرعية اتفقت الأمة على ثبوتها والعمل بها. وقد وصل الأمر ببعض هذه الفتاوي أنها راحت تأمر بالمنكر وتنهي عن المعروف، والعياذ بالله. وكل هذه الحمية التي يظهرها العلماء عند طرح أفكارهم الغريبة عن الإسلام، الدخيلة عليه، هي ليس لإرضاء الله بل لإرضاء الحكام وأسيادهم، وإنهم وإن أظهروا الحرص على المسلمين ومصلحة الدعوة الإسلامية في ظروحاتهم هذه فإن الأمة صارت تدرك خطر تلك الأفكار، واعوجاج أصحابها.

والآن، وبعد هذه المقدمة، التي لا بد منها لإدراك حقيقة طرح موضوع «التطرف والاعتدال» لا بد من طرحه من منظور إسلامي ليعلم المسلمون الحق من غير لبس، لأنه لا تكفي المشاعر وحدها في تحديد الموقف، وإننا كعادتنا سنجري في معالجة هذا الموضوع بحسب الأصول الشرعية، ليكون منسجماً مع أساس الإسلام، وهو العقيدة الإسلامية.

جاء الإسلام ليعالج الإنسان ككل. فعالج علاقته بنفسه عن طريق الأخلاق والمطعومات والملبوسات، وعالج علاقته بغيره من الناس عن طريق المعاملات والعقوبات، وعالج علاقاته بخالقه عن طريق العقائد والعبادات، لذلك كان الإسلام شاملاً بمعالجاته لكل أعمال الإنسان. فهو فكر كلي يمكنه الإجابة عن كل ما يتعلق بشؤون الحياة.

ثم إن بناء الإسلام بناء متكامل يقوم على أساس تنبثق عنه كل معالجة ويبنى عليه كل فكر. لذلك كانت مفاهيم الإسلام وقناعاته ومقاييسه كلها من جنس فكره الأساسي. وتفصيل ذلك أن الإسلام يقوم على أساس إيمان المسلم بأن الله هو الخالق المدبر، وأن الإنسان ضعيف وعاجز ومحتاج وناقص ومحدود، وأنه يعجز عن المعالجة. لذلك أرسل رسوله ليعلم الناس من هو الله المعبود، وكيف تكون عبادته، وماذا يترتب على العبادة أو عدم العبادة من ثواب أو عقاب في الحياة الآخرة. فنشأ عند المسلم من هذا مقياس لكل أعماله هو مقياس الحلال والحرام. وصار عقله يعمل لا ليكون حكماً على النصوص التشريعية، ولا ليشرع مع النصوص، بل يعمل فقط على فهم ما تدل عليه النصوص. فالنصوص التي تعالج هي من الله، والإنسان مهمته أن يفهم هذه النصوص ليلتزم بها، وهو قد يخطئ فهم ما يريده الله أو يصيب، وهو في الحالين مأجور شرط أن يكون خاضعاً لطريقة الاجتهاد الشرعية. ومن هنا جاء اهتمام المسلمين البالغ بإثبات النصوص، والذي نتج عنه علم الحديث، واهتمامهم البالغ بفهم النصوص والذي نشأ عنه علم أصول الفقه، والذي من قواعده (أن الله هو الحاكم) و (الأصل في الأفعال والأشياء التقيد بالدليل الشرعي) و (أن الخير هو ما أرضى الله، والشر هو ما أسخطه) و (أن الحَسَن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع) وكذلك نرى أن المسلم يؤمن بأن سعادته يحصل عليها بنوال رضوان الله. وأن اطمئنانه واستقراره يقومان على إشباع حاجاته وغرائزه بناء على إيمانه بالله وتقيده بشرعه. وهكذا نرى أن بناء الإسلام كامل متكامل أفكاره كلها متجانسة، وتقوم على أساس واحد. فما أقره هذا الأساس أخذ وإلا ترك.

وما ينطبق على الإسلام كمبدأ، ينطبق على الفكر الرأسمالي لأنه كذلك فكر مبدئي، وبناؤه الفكري متجانس مع بعضه، وهو إما أن يؤخذ كله أو يترك كله. وتشكل فكرة فصل الدين عن الحياة الأساس الذي انبثقت عنه كل معالجاته، وبنيت عليه كل أفكاره. وفكرة (فصل الدين عن الحياة) التي قامت على الحل الوسط أدت غلى اعتبار أن الإنسان سيد نفسه، وحتى يكون سيد نفسه لا بد أن تُبعد عنه كل وصاية، ولا يكون ذلك إلا بأن يمارس حرياته الأربع بنفسه، فنشأت عنده فكرة الحريات. هي لها عنده مفهوم معين. وأن يكون سيد نفسه فمعناه أن يسعى لتأمين حاجاته الأصلية بحسب نظرته هو من غير أن تحكمه أية نظرة خارجية من دين أو غيره، فنشأت عند فكرة الديمقراطية. ويعتبر الذي يعتنق فكرة (فصل الدين عن الحياة) أن سعادته يحصل عليها بحصوله على أكبر قدر ممكن من اللذة. وصار ما يدركه عقله (لأن عقله هو المشرع) أنه مصلحة، هو مقصود أعماله.

وعندما يكون الفكر منسجماً فإنه لا يقبل الاختلاط، والاختلاط بالمعنى الشرعي يعني الشرك، سواء كان شركاً كفرياً، أو شرك معصية.

فكما أن الإسلام لا يقبل الديمقراطية لأن الديمقراطية هي حكم الشعب، بينما الحكم في الإسلام للشرع، كذلك فإن الفكر الرأسمالي لا يقبل أن يصل الإسلام إلى الحكم، لأن في وصول الإسلام إلى الحكم إلغاء للديمقراطية ولكل المفاهيم الناتجة عنها، ولهذا فإننا نرى أن الغرب يكافح الطروحات الإسلامية الجذرية ويحارب الحركات الإسلامية العاملة للوصول إلى الحكم. ويرى أنها تشكل خطراً عليه وتقضي عليه من الأساس. ومن هذا المنطلق فإنه يحاربها ويعاديها ويرى فيها أنها خصمه اللدود. وينعتها بمختلف النعوت. فينعتها بالأصولية لأنها تنطلق من أصول لا تقر بوجوده، والمتطرفة لأنها لا تقبل التعامل معه لعدم وجود أمور مشتركة بينهما، وبالمتشددة لأنها لا تحابي طرحه ولا تحترم وجوده. ولو أنعمنا النظر لرأينا أن ما يصف به غيره هو غارق فيه حتى أذنيه. ويمكن وصفه بما وصف به غيره، فهو من منطلقه يعتبر أنه أصولي لأنه ينطلق من أصل يؤمن به ولا يقبل بأصل غيره ينافسه. مع أن فكرته التي تقول بالديمقراطية تسمح للآخرين بالوصول طالما أن الناس هم الذين يختارون. ويعتبر كذلك متطرفاً وإرهابياً ومتشدداً لأنه لا يحترم وجود الإسلام السياسي ولا يقبل التعامل معه ولا يمكنه الالتقاء معه على أمور مشتركة. ولكم خالف مبدأه وأوقع نفسه فيما يصف به الآخرين. فأية ديمقراطية هذه التي تلغي الانتخابات وهي الطريقة التي تعبر بنظره عن إرادة الشعب لتفرض بدلها ديكتاتورية الحكام.

من هنا، فإننا إذا أردنا أن نحكم على فكرة أنها صحيحة أو خاطئة فما علينا إلا أن نردها إلى أصلها، ونحاكمها ثم نحكم عليها من خلال هذا الأصل، ولا يمكننا أن نحاكم أية فكرة جزئية من خلال أصل غيرها. فلا يمكننا أن نقول إن السعادة في الإسلام مثلاً يجب أن تكون قائمة على تحصيل اللذة، ولا نستطيع القول كذلك إن المسلم يؤمن بالحريات التي يؤمن بها الغرب، لأن الإسلام لا يقر ذلك ولا يقبل به، ومن رضي بالإسلام كأساس عليه أن يرضى بما ينبثق عنه، وأن يأخذ الإسلام كله، لأن ترك بعضه مثل تركه كله (...أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ...( (البقرة:85).

ومن هذا المنطلق نرفض أن يأتي الكلام من دول الغرب بأن الإسلام دين الاعتدال وأنه ينبذ التطرف، فهو كلام حق يراد به باطل، لأنه ينطلق من أساسه الفاسد.

فالتطرف أو الغلو أو الإسراف أو الإفراط، لها معنىً شرعي إذا خالفه المسلم يقع في الحرام وكذلك فإن الاعتدال أو الاقتصاد أو الاستقامة أو الوسطية لها معناها الشرعي الذي يجب على المسلم التزامه. والأمر نفسه في التفريط والتساهل. فإننا إذا أردنا أن نعرف حكم الشرع بها فإنه لا يمكننا أن ننطلق من المفاهيم والمقاييس التي يؤمن بها الرأسمالي للحكم عليها، فهذا حرام، وهذا فيه خدمة للغرب وفكره، وفيه تحاكم لغير الإسلام للحكم على الإسلام ومفاهيمه.

هناك كثير من الأحكام الشرعية التي يجب على المسلم القيام بها ويأثم بتركها ويعتبرها الغرب بأنها تطرف وتشدد وإرهاب. وذلك كالجهاد في سبيل الله، والعمل لإقامة الخلافة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يشمل فيما يشمل الحكام ومقاومة الكفر ونشر الدعوة، ونبذ الديمقراطية، وحرمة التعامل بالربا، ولباس المرأة للحجاب. وغيره الكثير من الفروض التي يجب على المسلم الالتزام بها... فهل يجوز لنا أن نحاكمها من خلال فكر الغرب الفاسد النتن الذي لم يحمل الخير لأتباعه فكيف يحمله لغيرهم. وهل يجوز للمسلمين أن يقولوا بقوله؟

وعلى هذا فإننا يجب أن نرفض طرح الغرب لفكرة التطرف والاعتدال. ويجب أن نرفض تدخله في أمور ديننا. لذلك فإن البحث هذا لم ينطلق من منطلق شرعي ابتداء بل من موقف سياسي يعمل على تكريس توجه عند الأمة يناسب الغرب، إنه بحث يتعلق باستمرار استعمار العقول.

والآن لننتقل إلى معرفة رأي الإسلام بهذا الموضوع من منطلق شرعي يخدم الدعوة ويقرب من الله.

المغالاة أو الغلو هو الزيادة والمبالغة. والمغالاة في التدين هي التشدد والتصلب في مجاوزة الحد المطلوب والمقدر شرعاً. ويسمى كذلك الإفراط. ويقابله التفريط من فرط الأمر فرطاً أي قصّر به وضعيه وقدم العجز فيه. والتفريط في الدين هو التقصير في أحكامه وتضييع حقوقه، وإظهار العجز عن القيام بواجباته ومن هنا نشأت مقولة أن (لا إفراط ولا تفريط في الإسلام).

أما الاقتصاد لغة فهو التوسط والاعتدال والرشد والاستقامة. والمعتدل في الدين هو الذي على أمر الله ولا ينحرف نحو الإفراط ولا التفريط. قال تعالى: (...مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ( (المائدة:66) وتفسيرها أنها أمة معتدلة على أمر ربها أي تلتزم الحد الوسط الذي أمر الله به. قال الفيومي في المصباح المنير: «قصد في الأمر قصداً أي توسط، وطلب الأسد، ولم يجاوز الحد».

يتبع
أبو دجانة
والناظر في هذه التعاريف يفهم منها أن المطلوب من المسلم أن يكون ملتزماً حدود الله فلا يتجاوزها، وأن يكون معتدلاً أي مستقيماً على أمره. قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «قل آمنت بالله ثم استقم» [رواه مسلم وغيره] أي التزم بما أمرك الله وانته عما نهاك. فاستقم هنا بمعنى اتق، ومن ثُمَّ يأتي قوله تعالى ليوضح المعنى: (...وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ...( (الشورى:15) فالله هو الآمر، والمسلم هو المطيع المؤتمر، والمسلم لا يستطيع أن يعرف سبيل التقوى، وطريق الاستقامة من عند نفسه. وهو إن اتبع نفسه يكن قد اتبع هواه. ومن اتبع هواه فقد انحرف. لذلك لا تكون الاستقامة إلا باتباع ما أمر الله به حصراً، وعدم مجاوزته سواء كان عن طريق الزيادة أم النقصان. ولفهم ذلك لا بد من الرجوع إلى الأساس كعادتنا.

فالمسلم يؤمن بالله، يؤمن أن ما جاء به الإسلام من معالجات توافق فطرته التي فطره الله عليها، لأنها من لدن الخالق الذي خلقها وقدر خاصياتها، وخلق ما يصلح لها، ومؤمن في الوقت ذاته أن ما عليه الأديان والمبادئ الأخرى من معالجات هي ناقصة، وخاطئة ومنحرفة وتشقى ولا تسعد. وذلك إما لأنها من صنع الإنسان العاجز، المحتاج، الضعيف، العجول، المحدود، الذي يعجز عقله عن الإحاطة بواقعه كإنسان، وبالتالي يعجز عن المعالجة. وإما لأنها كانت إلهية من حيث الأصل، ولكننها جاءت خاصة بأقوام ولم تكن عامة. بالإضافة إلى أن يد الإنسان قد امتدت إليها بالتحريف والتغيير.

لذلك امتاز الإسلام عن غيره من المبادئ والأديان أنه دين إلهي تناول أعمال الإنسان جميعها وعالجه معالجة تؤمن له سعادة الدارين. قال تعالى: (...فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ( قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا ( قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى( (طه:123-126) فالذي لا يسير على هدى من الله في هذه الدنيا هو أعمى منحرف عن الصواب، حائد عن الحق.

كذلك فقد حفظ الله لنا هذا الدين من الضياع ومنع أن تمتد يد التغيير والتحريف إلى نصوصه قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( (الحجر:9) ولكنه سبحانه لم يمنع أن ينحرف فهم الناس. فإبقاء النصوص وحفظها إبقاء للحجة من الله على الناس، أما الناس فيمكن أن يضلوا ويحرفوا، ويؤولوا النصوص بما لا تحتمله، ويزيدوا، وينقصوا... ولكن في الفهم لا في نصوص القرآن. لذلك يجب على المسلم أن يكون حسن الإيمان، قويم الالتزام، مستقيماً على أمر الله العليم الخبير، وأن لا يحيد عنه قيد أنملة.

وهذا الإسلام يقرر، والمسلم يؤمن بما يقرره، إن الإنسان، مطلق إنسان، لا يستطيع أن يشرع مهما أوتي من سعة العقل، وعمق التجربة، وقوة الإيمان. فالإنسان في عملية التشريع لا بد له من الخضوع للنصوص حتى ولو كان أبا بكر الصديق. ولعل هذا ما عناه بقوله في خطبته الأولى بعدما تسلم مقاليد الخلافة: «أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم... إنما أنا متبع ولست بمبتدع» متمثلاً قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم».

وهذا الأمر نجده عند المسلم، ولا نجد له مثيلاً في أفكار الآخرين التي تحاول أن تعالج مشاكل الإنسان لأنه يختلف معها اختلافاً جذرياً.

من هنا كان على المسلمين أن يلتزموا ولا ينهزموا، وأن يتبعوا ولا يبتدعوا.

وإذا نظرنا إلى حال المسلمين تجاه هذا الدين، من بداية نزوله على الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى يومنا هذا نجد أن محبة الدين عند بعض المسلمين كانت تطغى على كل شيء. وكان البعض يرى في نفسه أنه يستطيع أن يعبد الله بشكل أقوى. وقد يستقلُّ عبادة الآخرين الصحيحة المنضبطة، لما يرى في نفسه من مقدرة على القيام بأكثر مما هو مطلوب شرعاً، فيذهب مع نفسه إلى المبالغة في العبادة من حيث الكم، وقد يخترع طريقة جديدة لم يأت بها دليل، انقياداً وراء ما تطلبه نفسه. وقد يشتط به الأمر كأن يريد أن يحمل الآخرين معه على هذا الأمر. ومن لم يستجب له ينعته بالتقصير، ونراه في كل ما يقوم به أو يقوله يعتمد على الأدلة الشرعية. مع تشدد في الفهم، وتصلب في الرأي. فهذا حرام، وإن صدر عن نفس محبة لله ولدينه، لأنه تغيير في الدين، ومجاوزة للحد الذي قدره الشارع الحكيم. فالله هو الذي خلقنا ونحن لا نحيط به علماً، ولا نعلم حقيقة ذاته، ولا نعلم ما يتوجب علينا من عبادة، بل هو المحيط بكل شيء. وبما أننا نبتغي رضاه فإنه لا يرضيه إلا أن نستقيم على أمره. يقول تعالى لافتاً النظر إلى علمه في هذا الموضوع: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ( (الملك:14) وقد ذكر البخاري عن عائشة رضي الله عنها: صنع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم شيئاً ترخص فيه، وتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فحمد الله ثم قال: «ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فوا الله إني أعلمهم بالله وأشدهم له خشية». من هنا جاء التحذير من المبالغة وأمر بالدخول فيه والعبّ منه برفق. وقد ذكر البخاري عن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «إن الدين يسر، ولن يشادَّ الدينَ أحد إلا غلبه، فسدّدوا وقاربوا، وبشروا، واستعينوا بالغدوة وأغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة» وفي رواية: «وقاربوا وأغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة، القصد القصد تبلغوا».

وعن حسن النية التي تشكل باعثاً على التشدد والغلو يذكر البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه عن الرهط الذين أخبروا عن عبادة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وفكأنهم تقالّوها. فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وتعاهدوا على قيام الليل وصيام النهار واعتزال النساء. فقال لهم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أنتم القوم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما أني أخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء» وختم الحديث بقوله: «فمن رغب عن سنتي فليس مني».

ومما يدل على أن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما شرعه، وأنه لا يعتبر قربة من الله تعالى ما يضيفه الإنسان ويخترعه. فقد ذكر أبو داود في سننه عن رجل سأل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: يا رسول الله كيف يمن يصوم الدهر كله؟ قال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما صام ولا أفطر» وذكر الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال لمن أخبره أن أمه نذرت أن تحج ماشية «مرها فلتركب، إن الله لغني عن مشيها» وذكر البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينا النبي يخطب، إذا هم برجل قائم. فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مروه فليتكلم. وليستظل وليقعد وليتم صومه».

ومما يدل على أن سبيل المغالاة يؤدي إلى الهلاك. قوله عليه وعلى آله الصلاة والسلام فيما رواه مسلم: «هلك المتنطعون» قائلها ثلاثاً. وفيما رواه أحمد والنسائي وابن ماجه واللفظ له: «يا أيها الناس، إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين».

وما يقال في من يتشدد كذلك يقال في من يتساهل. فهو يؤمن بالدين من حيث الأصل ولكنه يهمل الواجبات ويعتمد على الأماني. ويرتكب الموبقات ويعد نفسه بالتوبة قبل الموت، وكأنه قد علم غيب أجله. وهذا حرام بل يجب على المسلم أن يأخذ الإسلام كاملاً وعاجلاً ولا يرضى إلا حسن الطاعة. وهذا يعتبر خروجاً عن منهج الله القويم.

والغلو والتفريط، كما يحذر الله ورسوله منهما المسلمين كأفراد، كذلك يحذرهم منهما كجماعات ودول وعلماء. وإننا اليوم نرى كثيراً من المسلمين من حملة الدعوة ومن علمائها انطلاقاً من محبة الإسلام، نراهم يريدون أن يعطوا صورة عن سماحة الدين ويسره وبعده عن الحرج فيذهبون بعيداً في ذلك، ويشتطون، ويخرجون عن الخط المستقيم الذي خطه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويتهاونون في كثير من أحكامه ويخرجون بآراء لا تمت إلى نصوص الإسلام بصلة. كل ذلك من أجل إعطاء الغرب صورة عن الإسلام بأنه يوافق العصر ويجري مع الواقع. حتى ذهب الأمر بهم إلى تعطيل النصوص الشرعية المتفق على العمل بها عند الأمة. ناهيك عن تأويل بعضه الآخر. صار المرتد عندهم لا يقتل بالرغم من قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من بدّل دينه فاقتلوه» [رواه البخاري وأحمد] بحجة أن الظرف والواقع الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يختلفان عن ظروفنا وواقعنا، وذلك لينسجم هذا الطرح مع طرح الغرب فيما يقوله من حرية العقيدة. وصارت المرأة بنظرهم يجوز لها أن تتقلد منصب الإمامة بالرغم من حديث الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» [رواه البخاري وأحمد والترمذي والنسائي] بحجة أن هذا الحديث قيل في مناسبة خاصة ولا يصح تعميمها، وذلك من أجل أن يعطوا الغرب صورة عن الإسلام أنه يحترم المرأة بحسب مفهومهم... بالإضافة إلى إباحة التعامل بالربا بحجة أنه من العلاقات الدولية الملحّة التي لا يستغنى عنها.
كل هذا يؤدي إلى تضييع حقوق الإسلام وإظهار عجزه عن القيام بشؤون الحياة. وهذا العجز الذي يظهرونه هو في الحقيقة عجزهم وليس عجز الإسلام. ويقف وراء التفريط هذا ما يقف وراء الإفراط: جهل بالدين وجهل بالإنسان. لذلك يهلك في الدين هذان الصنفان من الناس (صنف غالٍ، وصنف قال) ويتحكم بهما الهوى. فالأول يريد أن يرضي ما في نفسه من جموح، والثاني يذهب مع نفسه في إرضاء الناس بعيداً عن إرضاء الله.

وإننا تُجاه هذين الطرحين، علينا أن نلتزم أمر الله فلا نغالي ولا نفرّط، ومن هذا المنطلق نفهم قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا...( (البقرة:143) أي أن الله جعل هذه الأمة شاهدة عدل على الناس كما كان الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم معها. وأنها بذلك تصبح خير الأمم وأشرفها. ومنـزلتها بين الناس كمنـزلة القمة ممن الجبل حيث تحتل أعلاه وأوسطه. ولا نفسرها كما يفسرها الغرب وانطلاقاً من مفاهيمه القائمة على الحل الوسط. لأن هذا حرام كما بينا. فالعقيدة لا يمكن أن تقوم على الحل الوسط. فهاذا الحل هو الكفر بعينه. فالمسألة هي إما كفر وإما إيمان، وإما نور وإما ظلام. وإما هداية وإما ضلال. وفي موضوع الحكم الشرعي فإنه سبق وتقرر أنه لا مشرع ولا حاكم إلا الله، وأنه لا معقب لحكمه، وأنه أحكم الحاكمين.

هذا هو مفهوم الغرب لموضوع التطرف والاعتدال، وهذا هو المفهوم الإسلامي، فهل يلتقيان؟ الغرب يريد من وراء طرحه أن يقضي على ما يشكل خطراً على وجوده واستعماره. فهل نعينه ونحكّمه من رقاب المسلمين، فإن في إعانته إعانة له على المسلمين العاملين. قال تعالى: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ...( (الشورى:15) وقال تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ( (هود:113.112).

وإن نفوسنا لتحمل الخير لهذا الدين، وتتطلع بشوق إلى إظهاره، وبعون الله وتوفيقه تُفتح العقول والقلوب على نصرة هذا الدين. وإن الخير الذي أحببناه لأنفسنا أحببناه لغيرنا، ونسأل الله أن تقع نصيحتنا هذه كموقع الغيث الذي يحيي به الله النفوس. وعلى الله قصد السبيل.


كتاب الدعوة إلى الإسلام
للأستاذ / أحمد المحمود
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم
مفاهيـــمُ خطـِـرَة ٌ لِضَــربِ الإسْــلام ِ
(2) التـَّـطـَــرفُ والاعـتِــدَالُ



الحمدُ لله رَبّ العَالمينْ, والعَاقبَة ُ للمُـتقينْ, وَلا عُدوَانَ إلا َّعَلى الظالِمينْ, وَالصّلاة ُ وَالسّلامُ عَلى أشرَف ِالمُرسَـلينْ, وآلِهِ وَصَحْبـِهِ أجْمَعينْ, وَمْن تـَبـِعَهُ وَسَارَ عَلى دَرْبـِهِ, وَاهتـَدَى بهديـِهِ, وَاستـَنَّ بسُـنّـتِهِ إلى يَوم ِالدّينْ, وَاجْعَـلنا مَعَهُمْ, وَاحْشُرنـَا في زُمرَتـِهمْ, برَحْمَتـِكَ يَا أرْحَمَ الرّاحِمِينْ.

أمّا بَعدُ: قالَ اللهُ تـَعَالى في مُحْـكـَم ِ كِتـَابـِهِ, وَهُوَ أصْدَقُ القائلينْ: } بـَـلْ نـَـقذِفُ بالحَـقِّ عَـلى البَاطل ِ فـَيـَدمَغـُهُ فإذا هـُوَ زَاهـِقٌ وَلـَـكـُمُ الوَيلُ مِمَّـا تـَصِفـُونَ  |.

إخوة َ الإيمان ِ والإسلام:

الصِّرَاع ُ بَينَ الحَقِّ وَالبَاطِل ِ, وَبَينَ الإيمَان ِ وَالكـُـفر ِ, صِرَاع ٌ قديمٌ وَجَديدٌ, صِرَاع ٌ دَائِمٌ وَمُستـَمِرٌ إلى يَوم ِالدِّين ِ, هَذا الصِّرَاع ُ لـَهُ شكلان ِ أو مَظهَرَان ِ, الأولُ فكريٌ, وَالثاني مَاديٌ دَمَويٌ. هَذا مَا نـَطقـَتْ بهِ النـُّصُوصُ القـُرآنية ُ, وَإليكـُمُ البَيَان:

• أولا ً : الصِّـراعُ الفِكـريُّ: وَهُوَ مَا عـَبـَّرَ عَنهُ القـُرآنُ الكريمُ بقولِهِ تعَالى: }يُريدُونَ لـِيُطفِئـُوا نُورَ اللهِ بأفوَاهِهـِمْ, وَيَـأبَى اللهُ إلا َّ أنْ يُـتِمَّ نُورَهُ, وَلـَو كـَرهَ الَـكـَافِـرُُونَ  |. وَلنا هُنا وَقفـَتـَان:

الوَقـفة ُالأولى: عِندَ قولِهِ تعَالى:[ يُريدُونَ] والإرَادة ُ هُنا تـَعْـنِي العَزمَ وَالإصْرَارَ وَالتـَّصْمِيمَ أيْ أنَّ هؤلاءِ الكفـَّارَ وَالمُشركِينَ عَازمُونَ ومُصِرُّونَ وَمُصَمِّمُونَ عَلى إطفاء ِ نـُور ِ الإسلام ِ, وشرع ِ اللهِ المُنير ِ الذي أتـَى بهِ مُحَمَّـدٌ عليهِ الصلاة ُ وَالسَّلامُ مِنْ عِنـدِ اللهِ تبَاركَ وتعَالى, وهذا يَعنِي حَتمِيَّـة َ صِرَاع ِ الحَضَارَاتِ, وَليسَ حِوَارَ الحَضَارَاتِ كمَا يَزعُمُ بَعْضُ عُـلمَاء ِ السَّلاطِين ِ وَكمَا يَحلـُو لهُمْ أنْ يُسَمُّوهُ.
الوقفة ُالثانية: عِندَ قولِهِ تعَالى:[ بأفوَاهِهمْ] أيْ أنَّ هَؤلاءِ الكـُفـَّارَ مِنَ المُشرِكِينَ وأهل ِ الكِتابِ يُريدُونَ أنْ يُطفِئـُوا نُورَ الإسلام ِ القـَوِيِّ السَّاطع ِ بأفوَاهِهـِمُ الحَقيرَة, وذلكَ بمُجَرَّدِ جدَالِهـِمْ وَافترَائِهـِمْ. والإسلامُ هُوَ نـُورُ اللهِ جَعَلـَهُ لخـَلقِهِ ضِـياءً, فهل يَستطِيعُ أحَدٌ أنْ يُطفِئَ بـِفـَمِهِ نُورَ اللهِ...؟ يقول الفخرُ الرَّازيُّ في تفسِيرِهِ:{ وَإطفاءُ نـُور ِ اللهِ تعَالى تـَهَكـُّـمٌ بـِهمْ في إرادَتِهـِمْ إبْطـَالَ الإسْلام ِ بـِقولِهمْ في القـُرآن ِ إنـَّهُ سِحْرٌ, وَقد شُبِّهَتْ حَالـُهُمْ بحَال ِ مَنْ يَنفـُخُ في نُور ِ الشـَّمْس ِ بفيهِ [أي بفمِهِ] ليُطفِئـَهُ, وَفيهِ تـَهَكـَّـمٌ وَسُخريَة ٌ بهم}.
وَقدْ عَقــَّبَ اللهُ سُبحَانـَهُ وَتـَعَالى عَلى ذلكَ بقولِهِ:} وَيَأبَى اللهُ إلا َّ أنْ يُـتِمَّ نُورَهُ وَلـَو كـَرهَ الكافِرُونَ  |. أيْ وَيَأبَى اللهُ إلا َّ أنْ يُظهـِرَ دِينـَهُ بنـَشرِهِ في الآفاق ِ وإعلائِهِ على الأديان ِ كـُـلــِّهَا, كمَا جَاءَ في الحَدِيثِ الشـَّريفِ الذي رَوَاهُ مُسلِمٌ في صَحِيحِهِ: »إنَّ اللهَ زَوَى لِيَ الأرضَ, فـَرَأيْتُ مَشارقـَهَا وَمَغـَاربَهَا, وَإنَّ مُـلكَ أمَّـتِي سَيَبلـُغُ مَا زُويَ لِيْ مِنـْهَا «.

• ثانيا ً: الصراعُ الدَّمَويُ: وَهُوَ مَا عَبَّرَ عَنهُ القـُرآنُ بقولِهِ تعَالى:} ولا يَزَالـُونَ يُـقاتِلـُونـَكـُمْ حَتى يَرُدُّوكـُمْ عَنْ دِينِكمْ إن ِ استطاعُوا, وَمَنْ يَرتدِدْ مِنكـُمْ عَنْ دِينِهِ, فيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فأولئكَ حَبـِطـَتْ أعْمَالـُهُمْ في الدُنيا والآخِرَةِ, وأولئكَ أصْحَابُ النـَّار ِهُمْ فيهَا خَالِدُونَ  |. وَلنا هُنا أيضا ً وَقفـَتـَان:

الوقفة الأولى: عِندََ قولِهِ تعَالى:} وَلا يَزَالـُونَ يُقاتِلـُونـَكـُمْ حَتـَّى يَرُدُّوكـُمْ عَنْ دِينـِكـُمْ  |. ففِـي هَذِهِ الآيةِ إخبَارٌ مِنَ الحَقِّ سُبحَانـَهُ وَتعَالى عَن ِ استمرَاريَّةِ الصِّرَاع ِ الدَّمَويِّ, وَدَوَام ِ عَدَاوَةِ الكـُـفـَّار لِلمُسلِمينَ, وأنَّ هَؤلاءِ الكفـَّارَ لا يَنفكـُّونَ عَنْ هَذِهِ العَدَاوَةِ حَتى يَرُدُّوا المُسلمِينَ عَنْ دِينِهمْ. وَهَذا أيضاً يُدَلـِّـلُ عَلى حَتميَّةِ صِرَاع ِالحَضَارَاتِ الذي تحَدثنـَا عَنهُ آنِفا ً.

الوقفة الثانية: عِندَ قولِهِ تعَالى:[ إن ِ استطاعُوا] فبَعدَ أنْ أخْبَرَنـَا اللهُ جَلَّ وَعَلا عَنْ دَوَام ِ عَدَاوَةِ الكـُفـَّارِ لنـَا أتبَعَ ذلكَ بقولِهِ:[ إن ِاستطاعُوا] وَهُوَ استبعَادٌ لاستِطاعَتِهـِمْ, وَإيذانٌ بأنـَّهُم لا يَرُدُّونَ المُسلمِينَ عَنْ دِينـِهـِمْ, وَفي هَذا بـِشَارَة ٌ لـَكـُمْ أيـُّهَا المُؤمِنُونَ !! فاقبـَـلـُوا مِنَ اللهِ بـِشَارَتـَهُ, وَكـُونـُوا مُـتمَسِّـكِينَ بدِينِكـُمْ كمَا أرَادَكـُم اللهُ رَبُّ العَالمِينَ.


إخوة َالإيمان ِ وَالإسلام:
لمَّا بَعَثَ اللهُ رَسُولـَهُ مُحَمَّدا ً ÷ برسَالةِ الإسلام ِ, وَدَعَا قومَهُ وَعَشيرَتـَهُ إلى الإيمان ِ, وَتركِ عِبادَةِ الإصْنـَام ِ, كابَرُوا وَعَاندُوا, وَتمَسَّـكـُوا بمَا وَرثـُوهُ عَنْ آبَائِهمْ وَأجْدَادِهِمْ مِنْ عَادَاتٍ وَتقاليدَ, فعَابَ رَسُولُ اللهِ ÷ عَليهـِمْ أنْ يَأسِرُوا أنفـُسَهُمْ لِلتـَّـقالِيدِ المَوْرُوثةِ عَن ِالآبَاءِ وَالأجدَادِ, دُونَ تفكـُّر ٍ مِنهُمْ في مَدَى صَلاحِهَا أو فسَادِهَا.

وَمَعلـُومٌ أنَّ العَرَبَ زَمَنَ رَسُول ِاللهِ ÷ لمْ يَكونـُوا أصْحَابَ فِكر ٍ مُستنير ٍ بَـلْ كانـُوا أمَّة ً تعيشُ عَلى البَدَاهَةِ وَالبَسَاطةِ, فجَاءَ الإسلامُ يُحَذِرُهُمْ مِنَ الإصْرَار ِعَلى الكـُـفر ِ وَيُذكـِّرُهُم بالمَوتِ وَالبَعثِ وَالحِسَابِ.

وَلمَّا عَجزَتْ قرَيشٌ عَنْ مُقارَعَةِ الحُجَّةِ بالحُجَّةِ, لجَأتْ إلى يَهُودٍ كي يُزَوِّدُوهُم بالأفكار ِ التي يُوَاجهُونَ بهَا النـَّبيّ ÷, وَيَهُودٌ هُم أهلُ كيـدٍ وَغـَدر ٍ فقالـُوا لهُمْ: سَـلوهُ عَنْ ثلاثةِ أشياء, فإنْ أجَابَ عَنهَا فهُوَ نـَبيٌ مُرْسَـلٌ: سَـلوهُ عَنْ أمر ِ الفتيةِ, وسَـلوهُ عَن ِالرَّجُـل ِ الطـَّوافِ, وَسَـلـُوهُ عَن ِ الرُّوح ِ وَالقصَّة ُ تـَعرِفـُونهَا مِنْ خِلال ِ سُورَةِ الكهفِ, وَسُورَةِ الإسْرَاءِ.

وَلمَّا هُزِمَتْ قـُرَيشٌ فِكريَّا لجَأتْ إلى استِعمَال ِالقـُوَّةِ, فعَذبَتِ المُسلمِينَ, وَطارَدَتهُم في كـُـلِّ مَكان ٍ, وَتآمَرَتْ عَلى قـَتـل ِالنـَّبي ÷, فهَاجَرَ إلى المَدينـَةِ المُنـَوَرَةِ ليَصْطدِمَ هناكَ مَعَ يَهُود. وَقارَعَهُمُ النـَّبيُ ÷ بالحُجَّةِ وَالبُرهَان ِ, وَلمَّا هُزِمُوا فِكرِيَّا ً, لجَأوا إلى سِلاح ِ المَكر ِ وَالخـَديعَةِ, وَذلكَ بمُحَاوَلةِ تشكيكِ المُسلمينَ في دِينـِهمْ وَعَقيدَتِهمْ, فأخـَذ بَعضُ أحْـبَارهِمْ يُعلِنُونَ إسْلامَهُمْ أوَّلَ النـَّهَار ِ, وَيكفرُونَ آخِرَهُ, حَتى يَقولَ ضِعَافُ الإيمَان ِ مِنَ المُسلِمينَ, مَا رَدَّهُمْ عَن ِ الإسْلام ِإلا َّ لأنـَّهُمْ وَجَدُوا فيهِ نقيصَة ً أو عَيبا ً, ولكنَّ اللهَ تبارَكَ وَتعَالى فضَحَ خُطـَّـتهُم في كِتابهِ العَزيز, فقالَ جَلَّ شَأنـُهُ:} وَقالتْ طائفة ٌ مِنْ أهل ِ الكِتابِ أمِنـُوا بالذي أنزلَ عَلى الذينَ آمَنـُوا وَجْـهَ النـَّهار ِ وَاكفـُرُوا آخِرَهُ لعَلــَّهُمْ يَرْجعُونَ  |.

وَاستمَرَّتْ عَدَاوَة ُ يَهُودٍ للمُسلمينَ مُنذ عَهدِ النـُّبوَةِ إلى يَومِنـَا هَذا, وَسَتظلُّ هذِهِ العَدَاوَة ُ إلى أنْ يُـقضَى عَـليهمْ إنْ شَاءَ اللهُ تعَالى عَلى أيدي المُسلمينَ كمَا أخبَرَ بذلكَ نبيُّنا ÷.

كذلكَ فعَـلَ فِعلتـَهُمْ, وَخَطا خَطوَتهُم أولئكَ الصَّـليبيِّونَ الحَاقدُونَ, الذينَ جَاءُوا مِنْ كـُـلِّ فــَجٍّ عَميق ٍ لِحَرْبِ المُسلمينَ, فقامُوا بـِعدَّةِ حَمْلاتٍ صَـليبيَّـةٍ شَمِـلتْ مُعظمَ بلادِ المُسلمينَ, وَلكنَّ اللهَ سُبحَانـَهُ وَتعَالى بَعَثَ عَـليهمْ عِبَادا ً لهُ, مُخلِصِينَ طائِعينَ , مُتمَسِّـكِينَ بكِتابِ اللهِ وَسُنـَّـةِ رَسُولِهِ ÷ يُجَاهِدُونَ في سَبيل ِاللهِ, لا يَخـَافـُونَ لومَة َ لائـِم، أمثالَ صَلاحَ الدِّين ِالأيـُّوبي وَإخوَانِهِ المُجَاهِدينَ الذينَ طهَّرُوا بلادَ المُسلمينَ مِنْ رجْس ِ الصَّـليبيِّـينَ وَكـُـفرِهِمْ.

وَهَاهُمْ الصَّـليبيـُّونَ الحَاقـدُونَ قدْ عَادُوا مَرَة ً ثانية ً في أفغانِستانَ, وَثالثة ً في العِرَاق, وَمَعَهُم كـُـلُّ آلاتِ الحَربِ وَالدَّمَار, وَاحتـلــُّوا بلادَ المُسلمينَ مِنْ جَديدٍ في حَربٍ صَـليبيـَّةٍ جَديدَةٍ. وَلكنـَّهُم أدرَكـُوا أنَّ السِّلاحَ وَحْـدَهُ لا يُحَقـِّـقُ لهُم مَا يُريدُونَ فلجَأوا كأسلافِهم اليَهُودِ إلى تشكيكِ المُسلمينَ في دينـِهمْ وَعَقيدَتهمْ.

أخـَذ هؤلاءِ الصَّـليبيُّونَ يُرَوِّجُونَ لأفكارِهِمْ وَثقافتِهمْ في بلادِ المُسلِمينَ بعبَارَاتٍ ظاهِرُهَا الرَّحمَة, وَبَاطِنـُها فيهِ السُّمُ الزُّعَافُ, وَمِنْ هَذِهِ العبَارَاتِ: التشدُّدُ وَالتطرُّفُ, وَالتعصُّبُ وَالإرْهَابُ, وَالأصُوليَّة ُ، وَغَالبا ً مَا تـُسَاقُ هَذِهِ العِبَارَاتُ ليُوصَفَ بهَا المُسلِمُونَ مِمَّنْ يَحمِلونَ الدَّعوَة َ إلى الإسلام, الذينَ يتمَسَّـكونَ بإسلامِهم, وَيَرفضُونَ الحَضَارَة َ الغَربيَّـة َ, وَلا يَرضَونَ بهَا بديلا ً عَن ِ الإسلام ِ, أو الذينَ يقومُونَ بأعمَال ٍ لا تـُرضِي الغـَربَ.

وَفي مُـقابل ِ ذلكَ أطلقـُوا عِبارَاتٍ أخرَى مِثـلَ: الاعتدال وَالوسَطيَّة, وَالتسَاهُـل وَالتسَامُح, وَالمُرونة وَتقبُّـل الآخـَر, وَالديمُـقراطيَّة، وَاحترَام رَأيِّ الأغلبية, وَغالبا ً مَا تـُساقُ هذهِ العبارَاتُ ليُوصَفَ بهَا المُسلمُونَ مِمَّنْ يَحمِلونَ الدَّعوَة َ إلى الحَضَارَةِ الغـَربيَّـة, وَيـَقبـَـلـُونَ بهَا بَديلا ً عَن ِ الإسلام ِ, أو ِالذينَ يَقومُونَ بأعمال ٍ تـُرضِي الغـَربَ عُمُوما ً.


إخوة َ الإيمان ِ والإسلام ِ:
قبلَ أنْ نـَمضيَ في الحَديثِ عَن ِالتطرُّفِ وَالاعتِدَال ِ, أو ِالتشدُّدِ وَالتسَامُح ِنـَقولُ: نَحنُ بكـُـلِّ بَسَاطةٍ مُسلمُونَ, نـَعتزُّ بإسلامِنا, وَالمُسلمُ بكلَّ بَسَاطةٍ أيضا ً يَأخذ ُ مَفاهِيمَهُ مِنَ الإسلام, أي مِِِِنْ كتابِ اللهِ, وَسُنةِ رَسُولِهِ, وَليسَ مِنَ الشرق ِأو ِالغـَربِ.
التطرفُ وَالاعـتدالُ :

التطرُّفُ ليسَ لهُ دَلالة ٌ شرعيَّة ٌ, لأنَّ هذه اللفظة لمْ تـَرِدْ في النـُّصوص, وَلا استعمَلهَا فـُـقهَاءُ الإسلام, ولذا فإنـَّهُ ليسَ لهَا سِوَى الدلالةِ اللغويَّة فحَسْب, فإذا أرَدنـَا أنْ نستعملـَهَا في الشـَّرْع ِ قـُـلنـَا: إنَّ التطرُّفَ هُوَ مُجاوزة ُ الحُدودِ التي وَضَعَها الشرْع ُ, أيْ مُخالفة ُ أحكام ِالإسلام.

• فالتطرُّفُ هوَ البُعدُ عَنْ تقوى اللهِ تباركَ وتعَالى, وَالوقـُوفُ عندَ حَافـَّةِ الهَاويَةِ المُؤدِّيةِ بصَاحِبهَا إلى الهَلاكِ وَالعَذابِ في نار ِ جَهنـَّمَ, أعاذنـَا اللهُ وإيـَّاكـُم منَ النار ِ ومنْ عذابِ النار! قالَ اللهُ تباركَ وَتعَالى في هـَذا الشأن: }أفمَنْ أسَّسَ بُنيانـَهُ عَلى تقوى مِنَ اللهِ وَرِضوَان ٍ خـَيرٌ أمْ مَّنْ أسَّسَ بُنيانـَهُ عَلى شـَفـَا جُرُفٍ هَـار ٍ فانهارَ بهِ في نـَار ِجَهنـَّـمَ, وَاللهُ لا يَهدي القومَ الظالمينَ  |.

• وَالاعتدالُ هُوالاستقامة ُ{مُطلقا ً} وَقد دَعَا الإسلامُ إلىالاستقامةِ عَـلى مَنهج ِاللهِ وَشرْع ِاللهِ, جَلَّ في عُلاهُ. قالَ اللهُ تعالى مُخاطبا ً نبيَّهُ الكريمَ:} فاستمْسِكْ بالذي أوحِيَ إليكَ إنـَّـكَ عَلى صِرَاط ٍ مُستقيم  |. وَقالَ جَلَّ شأنـُهُ: }وَإنـَّـكَ لتدعُوهُم إلى صِرَاطٍ مُستقيم  |. وَقالَ: }وَإنـَّـكَ لتهدِي إلى صرَاط ٍ مُستقيم ٍ |. وَقالَ تعَالى وَاصِفا ً دينَ الإسلام:} ذلكَ الدِّينُ القيـِّمُ وَلكنَّ أكثرَ الناس ِلا يَعلمُونَ  |. وَالدِّينُ القيـِّمُ أي الدِّينُ المُستقيمُ. وَقالَ أيضا ًوَاصِفا ًالقرآنَ الكريمَ: } الحَمدُ للهِ الذي أنزلَ عَلى عَبدِهِ الكتابَ وَلمْ يَجعَلْ لهُ عِوَجا ً  قيـِّما ً لِيُنذِرَ بَأسا ً شَدِيدا ً مِنْ لدُنهُ وَيُبشِّرَ المُؤمنينَ الذينَ يَعمَـلـُونَ الصَّالحَاتِ أنَّ لهُم أجْرا ً حَسَنا ً  |. وَقالَ وَاصِفا ً دَعْوَة َالإسلام ِ وَمَنهَجَ الإسلام: } وَأنَّ هَذا صِرَاطِي مُستقيما ً فاتـَّبعُوهُ وَلا تـَـتــَّـبعُوا السُّـبُـلَ فـتـفـَرَّقَ بكـُم عَن سَبيلِهِ  |.
وَفوقَ ذلكَ فإنَّ المُسلِمَ يَتـَّجـِهُ إلى اللهِ في كـُـلِّ صَلاة ٍ, يَدعُوهُ في كـُـلِّ رَكعَةٍ حِينَ يَقرَأ بفاتِحَةِ الكتابِ أنْ يَهدِيَهُ الصِّرَاط َ المُستقيمَ. وَهَذا الصِّرَاط ُ خـَاصٌ بالمُؤمِنينَ الذينَ أنعَمَ اللهُ عَليهمْ بنِعْمَةِ الإيمَان ِ وَالهدَايَةِ لِدين ِالإسلام. وَليسَ هُو صِرَاط َ المَغضُوبِ عَليهمْ مِنَ اليَهُودِ, وَلا هُو صِرَاط َ الضَّالينَ مِنَ النَّصَارَى. قالَ تعَالى مُحَدِّدا ً مَا هُو الصِّراط ُ المُستقيم: }إهدِنا الصِّراط َ المُستقيمَ  صِرَاط َ الذينَ أنعَمْتَ عَـليهمْ  غـَير ِ المَغضُوبِ عَـليهم وَلا الضَّـالـِّينَ  |.

وَقد تسَاءَلَ القرآنُ تسَاؤلا ً بَليغا ً عَلى سَبيل ِالاستعارَةِ التمثيليةِ, فقال تعالى: } أفمَنْ يَمشِي مُـكِبَّا ً عَلى وَجْههِ أهْدَى أمـَّنْ يَمشِي سَويَّا ًعَلى صِرَاطٍ مُستقيم  |. هَذا بطريق ِالتمثيل ِللمُؤمِن ِ وَالكافِر, فالمُؤمنُ يَمشِي سَويَّا ً عَلى صِرَاطٍ مُستقيم, وَالكافِرُ يَمشي كالأعمَى عَلى غـَير ِهُدىً وَبَصِيرةٍ, مُـكِبَّـا ً عَلى وَجههِ إلى طريق ِالجَحِيم, وَيَا لهَا مِنَ استِعَارَةٍ رَائعةٍ!!.

إخوة الإيمان ِ والإسلام ِ:
بَعدَ كـُـلِّ هَذا البيان وَالتوضيح ِ يَحقُّ لنا أنْ نتسَاءَلَ: مَنْ هُمُ المُتطرِّفـُـونَ, وَمَنْ هُمُ المُعتدِلـُونَ؟ للإجابة نقولُ: المُتطرَّفـُونَ هُمْ أولئكَ الذينَ اختارُوا لأنفسهـِم شِقــَّـا ً غَيرَ شِقِّ اللهِ وَرَسُولِهِ, وَسَبيلا ً غَيرَ سَبيل ِ المُؤمِنينَ, وَمَنهَجا ً غَيرَ مَنهَج ِاللهِ تبارَكَ وَتعَالى, فوَقـَـفـُوا عَلى طرَفِ مُناقِض ٍ لِلإسلام. وَقـَـفـُوا عِندَ الهَاوية المُــؤدِّيَـةِ بهمْ إلى جَهَنـَّمَ وَالعِياذ ُ باللهِ, قالَ تعَالى: } وَمَنْ يُشاقِـق ِالرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تبَيَّنَ لهُ الهُدَى وَيتـَّبعْ غيرَ سَبيل ِالمُؤمِنينَ نُوَلــِّهِ مَا توَلـَّى وَنـُصلِهِ جَهَنـَّمَ, وَسَاءَتْ مَصِيرا ً  |. وَقالَ تعَالى:} ذلكَ بأنـَّهُم شاقـُّوا اللهَ وَرَسُولـَهُ وَمَنْ يُشَاقِــق ِاللهَ وَرَسُولـَهُ فإنَّ اللهَ شَـديـدُ العِقـَـابِ  |.

وَعَـلى ذلكَ فالمُـتطرِّفـُـونَ هُـمُ الكفارُ وَأعوَانُهُم مِنَ المُسلِمينَ الذينَ انحَرَفوا عَنْ مَنهَج ِاللهِ تبارَكَ وَتعَالى. وَأمَّا المُعتدلـُونَ فهُم المُؤمنـُونَ المُـتمَسِّـكـُونَ بكتابِ اللهِ وَسُـنـَّةِ رَسُولِهِ, الثابتـُونَ عـَلى الإسلام ِ, السَّائِرُونَ عَلى الصِّراط ِالمُستقيم الذي حَدَّدَهُ اللهُ رَبُّ العَالمِينَ.

هَذا فيمَا يَتعلــَّـقُ بالتطرُّفِ وَالاعتِدَال ِ مِنْ وُجْهَةِ نظر ِالإسلام, أمَّا بخُصُوص ِ التـَّشَدُدِ وَالتـَّعَصُّبِ. فهُناكَ حَالاتٌ تقتضِي مِنَ المُؤمنينَ أنْ يَقـِفـُوا المَوقِفَ المُتشدِّدَ الذي يَرضَاهُ اللهُ وَرَسُولـُهُ, وَمِنْ هَذِهِ الحَالاتِ التي تتطلـَّـبُ الشدَّة َ:

أولا ً: الشدة عـلى الكفـَّـار: قالَ تعَالى مُحَدِّدا ً مَوقِفَ المُؤمنينَ مِنَ الكفـَّار: }مُُحَمَّـدٌ رَسُولُ اللهِ, وَالذينَ مَعَهُ أشِدَّاءُ عَلى الكفار ِ رُحَمَاءُ بَينـَهُم  |. وَقالَ تعَالى: }يا أيُّها الذينَ آمَنـُوا قاتِلـُوا الذينَ يَلـُونـَـكم مِنَ الكفار ِ, وَليَجدُوا فيكـُم غِلظة, وَاعْـلـَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ المُتقينَ  |. أي أنَّ الرَّسُولَ ÷ وَصَحَابتـَهُ الأبرَارَ, وَالمُؤمنينَ الأخيارَ, غِلاظ ٌ عَلى الكفار ِ, مُترَاحِمُونَ فيمَا بَينـَهُم, كقولِهِ تعَالى: } أذِلـَّةٍ عَلى المُؤمنينَ, أعِزَّةٍ عَلى الكافِرينَ  |. قالَ أبو السُّعُودِ في تفسيرِهِsad.gif أيْ يُظهرُونَ لِمَنْ خَالفَ دِينـَهُمُ الشِّدَة َ وَالصَّلابَة َ, وَلِمََنْ وَافقهُمْ في الدِّين ِالرَّحمَة َ وَالرَّأفة َ) .

وَقالَ المُـفسِّرُونَ: وَذلكَ لأنَّ اللهَ أمَرَهُم بالغلظةِ عَليهم:} وَليَجدُوا فِيكم غِلظة ً  | . وَقدْ بَـلـَغَ مِنْ تشديدِهِم عَـلى الكفار ِ أنـَّهُم كانـُـوا يَتحَرَزُونَ مِنْ ثِيابهم أنْ تمَسَّ أبدَانـَهُم, وَكانَ الوَاحِدُ مِنهُم إذا رَأى أخـَاهُ في الدِّين ِ صَافـَحَهُ وَعَانـَقـَهُ.

ثانيا ً: الشدة عـلى العُـصَاة: وَكذلك لا توجَدُ رَافة ٌ وَلا رَحْمَة ٌ في حَـقَّ العُصَاةِ كالزُّناةِ مَثلا ً, قالَ تعَالى: }الزَّانيـَة ُ وَالزَّانِي فاجلِدُوا كـُـلَّ وَاحِدٍ مِنهُمَا مِائة َ جَلدَة ٍ, وَلا تأخُذكـُم بهمَا رَأفة ٌ في دِين ِ اللهِ, إنْ كنتم تؤمنُونَ باللهِ وَاليوم ِالآخِر, وَلـْيَشهَدْ عَذابَهُمَا طائِفة ٌ مِنَ المُؤمنينَ  |.

ثالثا ً:الشدة عـلى الظـَّـلـَمَة: وَأيضا ً فإنَّ الحَاكمَ الظالمَ الذي يَحيدُ عَن ِالحَـقِّ, وَيَنحَرِفُ عَنْ مَنهَج ِ اللهِ, ينبَغي عَلى المُؤمنينَ أنْ يَقـِفـُوا مِنهُ مَوقِفا ً صُـلبا ً مُتشدَّدا ً حَتى يَعُودَ إلى الحَـقِّ, وَيَرجـِعَ عَنْ ظـُلمِهِ, وَيَؤوبَ إلى مَنهَج ِاللهِ, وَشرْع ِاللهِ.

رَوَى أبو دَاودَ وَالترمَذيُّ أنَّ الرَّسُولَ ÷ قالَ: »كلا َّ وَاللهِ, لتأمُرُنَّ بالمَعرُوفِ, وَلتنهَوُنَّ عَن ِالمُنكر ِ, وَلتأخُذنَّ على يَدِ الظالم ِ, وَلتأطـُرُنـَّهُ عَلى الحَقِّ أطـْرا ً, وَلتقصُرُنـَّهُ عَلى الحَـقِّ قصْرا ً, أو ليَضربَنَّ اللهُ بقـُـلوبِ بعضِكـُم عَلى بَعْض ٍ«. فالمُسلمُ إذا ً يَتعَصَّبُ للحَقِّ, وَيَتمَسَّكُ بهِ تمَسُّـكا ً شدِيدَا ً, وَهذا التمَسُّـكُ وَالتعَصُّبُ يُعَـدُّ مِنَ الفضَائِل ِالتي يُحْمَدُ عَليهَا صَاحِبُهَا . وَإذا كانَ الأمرُ بالمَعرُوفَ, وَالنَّهيُّ عَن ِالمُنكر ِ يُعـَـدُّ في نـَـظر ِالغـَـربِ إرْهَـابـا ً, فإنـَّهُ في نَظر ِ الإسلام ِ فريضَة ٌ مِنْ فرائض ِاللهِ, تـُعَاقـَبُ الأمة ُ الإسلامية ُ عَلى ترْكِهَا. رَوَى الترمَذيُّ أنَّ رَسُولَ اللهِ ÷ قالَ : » وَالذي نَفسي بيَدِهِ, لتأمُرُنَّ بالمَعرُوفِ, وَلتنهَوُنَّ عَن ِ المُنكر ِ, أو ليُوشِكنَّ اللهُ أنْ يَبعَثَ عَـليكمْ عِقابا ً مِنهُ, ثـُـمََََّ تدعُونهُ فلا يُستجابُ لـَـكـُم «.

وَإذا كانتْ حُريَّـة ُ الارتِدَادِ عَن ِ الإسلام ِ, وَمُمَارَسَة ُ الفواحِشَ مِنَ المُثـل ِالعُـليَا عِندَ الغـَربِ, فإنـَّها تـُعَدُّ عِندَ المُسلمِينَ مِنْ أعْظـَم ِ الجَرائِم ِ وَمِنْ الكبائر ِالتي يُعَذبُ اللهُ مُرتكبيهَا أشَدَّ العَذابِ. وَالمُسلِمُ إذا رَأى حُرُمَاتِ الله ِ تـُنتـَهَـكُ يَجـِبُ أنْ يَغضَبَ للهِ, وَلا يَحِلُّ لـَهُ أنْ يُقابلَ ذلكَ بالارتياح ِ أو يَتقبـَّـلـَهُ بدَم ٍ بَاردٍ كالخِنزير ِالذي لا يَغـَارُ عَلى أنثاهُ.

وَإذا كانَ العَمَـلُ لِهـَدم ِ أنظِمَةِ الكـُـفر ِ وَإقامَةِ الدَّولةِ الإسلاميَّةِ {دولةِ الخِلافةِ} في نظر ِ الغـَرب ِ يُعَـدُّ أصُوليَّة ً وَتـَطرُّفا ً فإنـَّهُ في نَظر ِالإسلام ِ فريضَة ٌ حَتمِيـَّة ٌ يَجبُ العَمَـلُ عَلى إقامَتِهَا.

وَإذا كانَ الصُّـلحُ مَعَ اليَهُودِ الغاصِبينَ فِي نظر ِالغـَربِ يُعَـدُّ اعتدَالا ً وَتسَامُحا ً فهُو في نـَظر ِ الإسلام ِ خيَانة ٌ وَتفريط ٌ وَنـَذالة ٌ.
وَخِتاما ً نقولُ: عَلينـَا نـَحنُ المُسلمينَ أنْ نأخُذ المَفاهيمَ وَالقيمَ مِنْ عَقيدَتِـنـَا وَحَضَارَتِـنـَا الإسلامِيَّة, عَـلينـَا أنْ نأخُذ كـُـلَّ ذلكَ مِنْ كِتابِ اللهِ وَسُنةِ رَسُولِهِ ÷ قالَ تعَالى:} قدْ جَاءَكـُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبينٌ, يَهدِي بهِ اللهُ مَن ِاتـَّبعَ رِضْوانَهُ سُبُـلَ السَّلام ِ, وَيُخرِجُهُم مِنَ الظلماتِ إلى النـُّور ِ بإذنِهِ, وَيَهدِيهم إلى صِرَاط ٍ مُستقيم ٍ |.



اللهُمّ أقـِرَّ أعْيُنـَنـَا بـِقيَام ِ دَولةِ الخِلافـَة, وَاجْعلــْـنـَا مِنْ جُـنـُودِهَا الأوفـِياء المُخلِصينْ.

والسّلامُ عَليكـُمْ وَرَحْمَة ُ اللهِ وَبَرَكـَاتـُهُ.


عن كتاب نفحات إيمانية
إعداد نخبة من مشايخنا الأفاضل منهم الشيخ المرحوم /يوسف السباتين
تقديم الأستاذ / محمد أحمد النادي
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم
مفاهيـــمُ خطـِـرَة ٌ لِضَــربِ الإسْــلام ِ
(2) التـَّـطـَــرفُ والاعـتِــدَالُ



الحمدُ لله رَبّ العَالمينْ, والعَاقبَة ُ للمُـتقينْ, وَلا عُدوَانَ إلا َّعَلى الظالِمينْ, وَالصّلاة ُ وَالسّلامُ عَلى أشرَف ِالمُرسَـلينْ, وآلِهِ وَصَحْبـِهِ أجْمَعينْ, وَمْن تـَبـِعَهُ وَسَارَ عَلى دَرْبـِهِ, وَاهتـَدَى بهديـِهِ, وَاستـَنَّ بسُـنّـتِهِ إلى يَوم ِالدّينْ, وَاجْعَـلنا مَعَهُمْ, وَاحْشُرنـَا في زُمرَتـِهمْ, برَحْمَتـِكَ يَا أرْحَمَ الرّاحِمِينْ.

أمّا بَعدُ: قالَ اللهُ تـَعَالى في مُحْـكـَم ِ كِتـَابـِهِ, وَهُوَ أصْدَقُ القائلينْ: } بـَـلْ نـَـقذِفُ بالحَـقِّ عَـلى البَاطل ِ فـَيـَدمَغـُهُ فإذا هـُوَ زَاهـِقٌ وَلـَـكـُمُ الوَيلُ مِمَّـا تـَصِفـُونَ  |.

إخوة َ الإيمان ِ والإسلام:

الصِّرَاع ُ بَينَ الحَقِّ وَالبَاطِل ِ, وَبَينَ الإيمَان ِ وَالكـُـفر ِ, صِرَاع ٌ قديمٌ وَجَديدٌ, صِرَاع ٌ دَائِمٌ وَمُستـَمِرٌ إلى يَوم ِالدِّين ِ, هَذا الصِّرَاع ُ لـَهُ شكلان ِ أو مَظهَرَان ِ, الأولُ فكريٌ, وَالثاني مَاديٌ دَمَويٌ. هَذا مَا نـَطقـَتْ بهِ النـُّصُوصُ القـُرآنية ُ, وَإليكـُمُ البَيَان:

• أولا ً : الصِّـراعُ الفِكـريُّ: وَهُوَ مَا عـَبـَّرَ عَنهُ القـُرآنُ الكريمُ بقولِهِ تعَالى: }يُريدُونَ لـِيُطفِئـُوا نُورَ اللهِ بأفوَاهِهـِمْ, وَيَـأبَى اللهُ إلا َّ أنْ يُـتِمَّ نُورَهُ, وَلـَو كـَرهَ الَـكـَافِـرُُونَ  |. وَلنا هُنا وَقفـَتـَان:

الوَقـفة ُالأولى: عِندَ قولِهِ تعَالى:[ يُريدُونَ] والإرَادة ُ هُنا تـَعْـنِي العَزمَ وَالإصْرَارَ وَالتـَّصْمِيمَ أيْ أنَّ هؤلاءِ الكفـَّارَ وَالمُشركِينَ عَازمُونَ ومُصِرُّونَ وَمُصَمِّمُونَ عَلى إطفاء ِ نـُور ِ الإسلام ِ, وشرع ِ اللهِ المُنير ِ الذي أتـَى بهِ مُحَمَّـدٌ عليهِ الصلاة ُ وَالسَّلامُ مِنْ عِنـدِ اللهِ تبَاركَ وتعَالى, وهذا يَعنِي حَتمِيَّـة َ صِرَاع ِ الحَضَارَاتِ, وَليسَ حِوَارَ الحَضَارَاتِ كمَا يَزعُمُ بَعْضُ عُـلمَاء ِ السَّلاطِين ِ وَكمَا يَحلـُو لهُمْ أنْ يُسَمُّوهُ.
الوقفة ُالثانية: عِندَ قولِهِ تعَالى:[ بأفوَاهِهمْ] أيْ أنَّ هَؤلاءِ الكـُفـَّارَ مِنَ المُشرِكِينَ وأهل ِ الكِتابِ يُريدُونَ أنْ يُطفِئـُوا نُورَ الإسلام ِ القـَوِيِّ السَّاطع ِ بأفوَاهِهـِمُ الحَقيرَة, وذلكَ بمُجَرَّدِ جدَالِهـِمْ وَافترَائِهـِمْ. والإسلامُ هُوَ نـُورُ اللهِ جَعَلـَهُ لخـَلقِهِ ضِـياءً, فهل يَستطِيعُ أحَدٌ أنْ يُطفِئَ بـِفـَمِهِ نُورَ اللهِ...؟ يقول الفخرُ الرَّازيُّ في تفسِيرِهِ:{ وَإطفاءُ نـُور ِ اللهِ تعَالى تـَهَكـُّـمٌ بـِهمْ في إرادَتِهـِمْ إبْطـَالَ الإسْلام ِ بـِقولِهمْ في القـُرآن ِ إنـَّهُ سِحْرٌ, وَقد شُبِّهَتْ حَالـُهُمْ بحَال ِ مَنْ يَنفـُخُ في نُور ِ الشـَّمْس ِ بفيهِ [أي بفمِهِ] ليُطفِئـَهُ, وَفيهِ تـَهَكـَّـمٌ وَسُخريَة ٌ بهم}.
وَقدْ عَقــَّبَ اللهُ سُبحَانـَهُ وَتـَعَالى عَلى ذلكَ بقولِهِ:} وَيَأبَى اللهُ إلا َّ أنْ يُـتِمَّ نُورَهُ وَلـَو كـَرهَ الكافِرُونَ  |. أيْ وَيَأبَى اللهُ إلا َّ أنْ يُظهـِرَ دِينـَهُ بنـَشرِهِ في الآفاق ِ وإعلائِهِ على الأديان ِ كـُـلــِّهَا, كمَا جَاءَ في الحَدِيثِ الشـَّريفِ الذي رَوَاهُ مُسلِمٌ في صَحِيحِهِ: »إنَّ اللهَ زَوَى لِيَ الأرضَ, فـَرَأيْتُ مَشارقـَهَا وَمَغـَاربَهَا, وَإنَّ مُـلكَ أمَّـتِي سَيَبلـُغُ مَا زُويَ لِيْ مِنـْهَا «.

• ثانيا ً: الصراعُ الدَّمَويُ: وَهُوَ مَا عَبَّرَ عَنهُ القـُرآنُ بقولِهِ تعَالى:} ولا يَزَالـُونَ يُـقاتِلـُونـَكـُمْ حَتى يَرُدُّوكـُمْ عَنْ دِينِكمْ إن ِ استطاعُوا, وَمَنْ يَرتدِدْ مِنكـُمْ عَنْ دِينِهِ, فيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فأولئكَ حَبـِطـَتْ أعْمَالـُهُمْ في الدُنيا والآخِرَةِ, وأولئكَ أصْحَابُ النـَّار ِهُمْ فيهَا خَالِدُونَ  |. وَلنا هُنا أيضا ً وَقفـَتـَان:

الوقفة الأولى: عِندََ قولِهِ تعَالى:} وَلا يَزَالـُونَ يُقاتِلـُونـَكـُمْ حَتـَّى يَرُدُّوكـُمْ عَنْ دِينـِكـُمْ  |. ففِـي هَذِهِ الآيةِ إخبَارٌ مِنَ الحَقِّ سُبحَانـَهُ وَتعَالى عَن ِ استمرَاريَّةِ الصِّرَاع ِ الدَّمَويِّ, وَدَوَام ِ عَدَاوَةِ الكـُـفـَّار لِلمُسلِمينَ, وأنَّ هَؤلاءِ الكفـَّارَ لا يَنفكـُّونَ عَنْ هَذِهِ العَدَاوَةِ حَتى يَرُدُّوا المُسلمِينَ عَنْ دِينِهمْ. وَهَذا أيضاً يُدَلـِّـلُ عَلى حَتميَّةِ صِرَاع ِالحَضَارَاتِ الذي تحَدثنـَا عَنهُ آنِفا ً.

الوقفة الثانية: عِندَ قولِهِ تعَالى:[ إن ِ استطاعُوا] فبَعدَ أنْ أخْبَرَنـَا اللهُ جَلَّ وَعَلا عَنْ دَوَام ِ عَدَاوَةِ الكـُفـَّارِ لنـَا أتبَعَ ذلكَ بقولِهِ:[ إن ِاستطاعُوا] وَهُوَ استبعَادٌ لاستِطاعَتِهـِمْ, وَإيذانٌ بأنـَّهُم لا يَرُدُّونَ المُسلمِينَ عَنْ دِينـِهـِمْ, وَفي هَذا بـِشَارَة ٌ لـَكـُمْ أيـُّهَا المُؤمِنُونَ !! فاقبـَـلـُوا مِنَ اللهِ بـِشَارَتـَهُ, وَكـُونـُوا مُـتمَسِّـكِينَ بدِينِكـُمْ كمَا أرَادَكـُم اللهُ رَبُّ العَالمِينَ.


إخوة َالإيمان ِ وَالإسلام:
لمَّا بَعَثَ اللهُ رَسُولـَهُ مُحَمَّدا ً ÷ برسَالةِ الإسلام ِ, وَدَعَا قومَهُ وَعَشيرَتـَهُ إلى الإيمان ِ, وَتركِ عِبادَةِ الإصْنـَام ِ, كابَرُوا وَعَاندُوا, وَتمَسَّـكـُوا بمَا وَرثـُوهُ عَنْ آبَائِهمْ وَأجْدَادِهِمْ مِنْ عَادَاتٍ وَتقاليدَ, فعَابَ رَسُولُ اللهِ ÷ عَليهـِمْ أنْ يَأسِرُوا أنفـُسَهُمْ لِلتـَّـقالِيدِ المَوْرُوثةِ عَن ِالآبَاءِ وَالأجدَادِ, دُونَ تفكـُّر ٍ مِنهُمْ في مَدَى صَلاحِهَا أو فسَادِهَا.

وَمَعلـُومٌ أنَّ العَرَبَ زَمَنَ رَسُول ِاللهِ ÷ لمْ يَكونـُوا أصْحَابَ فِكر ٍ مُستنير ٍ بَـلْ كانـُوا أمَّة ً تعيشُ عَلى البَدَاهَةِ وَالبَسَاطةِ, فجَاءَ الإسلامُ يُحَذِرُهُمْ مِنَ الإصْرَار ِعَلى الكـُـفر ِ وَيُذكـِّرُهُم بالمَوتِ وَالبَعثِ وَالحِسَابِ.

وَلمَّا عَجزَتْ قرَيشٌ عَنْ مُقارَعَةِ الحُجَّةِ بالحُجَّةِ, لجَأتْ إلى يَهُودٍ كي يُزَوِّدُوهُم بالأفكار ِ التي يُوَاجهُونَ بهَا النـَّبيّ ÷, وَيَهُودٌ هُم أهلُ كيـدٍ وَغـَدر ٍ فقالـُوا لهُمْ: سَـلوهُ عَنْ ثلاثةِ أشياء, فإنْ أجَابَ عَنهَا فهُوَ نـَبيٌ مُرْسَـلٌ: سَـلوهُ عَنْ أمر ِ الفتيةِ, وسَـلوهُ عَن ِالرَّجُـل ِ الطـَّوافِ, وَسَـلـُوهُ عَن ِ الرُّوح ِ وَالقصَّة ُ تـَعرِفـُونهَا مِنْ خِلال ِ سُورَةِ الكهفِ, وَسُورَةِ الإسْرَاءِ.

وَلمَّا هُزِمَتْ قـُرَيشٌ فِكريَّا لجَأتْ إلى استِعمَال ِالقـُوَّةِ, فعَذبَتِ المُسلمِينَ, وَطارَدَتهُم في كـُـلِّ مَكان ٍ, وَتآمَرَتْ عَلى قـَتـل ِالنـَّبي ÷, فهَاجَرَ إلى المَدينـَةِ المُنـَوَرَةِ ليَصْطدِمَ هناكَ مَعَ يَهُود. وَقارَعَهُمُ النـَّبيُ ÷ بالحُجَّةِ وَالبُرهَان ِ, وَلمَّا هُزِمُوا فِكرِيَّا ً, لجَأوا إلى سِلاح ِ المَكر ِ وَالخـَديعَةِ, وَذلكَ بمُحَاوَلةِ تشكيكِ المُسلمينَ في دِينـِهمْ وَعَقيدَتِهمْ, فأخـَذ بَعضُ أحْـبَارهِمْ يُعلِنُونَ إسْلامَهُمْ أوَّلَ النـَّهَار ِ, وَيكفرُونَ آخِرَهُ, حَتى يَقولَ ضِعَافُ الإيمَان ِ مِنَ المُسلِمينَ, مَا رَدَّهُمْ عَن ِ الإسْلام ِإلا َّ لأنـَّهُمْ وَجَدُوا فيهِ نقيصَة ً أو عَيبا ً, ولكنَّ اللهَ تبارَكَ وَتعَالى فضَحَ خُطـَّـتهُم في كِتابهِ العَزيز, فقالَ جَلَّ شَأنـُهُ:} وَقالتْ طائفة ٌ مِنْ أهل ِ الكِتابِ أمِنـُوا بالذي أنزلَ عَلى الذينَ آمَنـُوا وَجْـهَ النـَّهار ِ وَاكفـُرُوا آخِرَهُ لعَلــَّهُمْ يَرْجعُونَ  |.

وَاستمَرَّتْ عَدَاوَة ُ يَهُودٍ للمُسلمينَ مُنذ عَهدِ النـُّبوَةِ إلى يَومِنـَا هَذا, وَسَتظلُّ هذِهِ العَدَاوَة ُ إلى أنْ يُـقضَى عَـليهمْ إنْ شَاءَ اللهُ تعَالى عَلى أيدي المُسلمينَ كمَا أخبَرَ بذلكَ نبيُّنا ÷.

كذلكَ فعَـلَ فِعلتـَهُمْ, وَخَطا خَطوَتهُم أولئكَ الصَّـليبيِّونَ الحَاقدُونَ, الذينَ جَاءُوا مِنْ كـُـلِّ فــَجٍّ عَميق ٍ لِحَرْبِ المُسلمينَ, فقامُوا بـِعدَّةِ حَمْلاتٍ صَـليبيَّـةٍ شَمِـلتْ مُعظمَ بلادِ المُسلمينَ, وَلكنَّ اللهَ سُبحَانـَهُ وَتعَالى بَعَثَ عَـليهمْ عِبَادا ً لهُ, مُخلِصِينَ طائِعينَ , مُتمَسِّـكِينَ بكِتابِ اللهِ وَسُنـَّـةِ رَسُولِهِ ÷ يُجَاهِدُونَ في سَبيل ِاللهِ, لا يَخـَافـُونَ لومَة َ لائـِم، أمثالَ صَلاحَ الدِّين ِالأيـُّوبي وَإخوَانِهِ المُجَاهِدينَ الذينَ طهَّرُوا بلادَ المُسلمينَ مِنْ رجْس ِ الصَّـليبيِّـينَ وَكـُـفرِهِمْ.

وَهَاهُمْ الصَّـليبيـُّونَ الحَاقـدُونَ قدْ عَادُوا مَرَة ً ثانية ً في أفغانِستانَ, وَثالثة ً في العِرَاق, وَمَعَهُم كـُـلُّ آلاتِ الحَربِ وَالدَّمَار, وَاحتـلــُّوا بلادَ المُسلمينَ مِنْ جَديدٍ في حَربٍ صَـليبيـَّةٍ جَديدَةٍ. وَلكنـَّهُم أدرَكـُوا أنَّ السِّلاحَ وَحْـدَهُ لا يُحَقـِّـقُ لهُم مَا يُريدُونَ فلجَأوا كأسلافِهم اليَهُودِ إلى تشكيكِ المُسلمينَ في دينـِهمْ وَعَقيدَتهمْ.

أخـَذ هؤلاءِ الصَّـليبيُّونَ يُرَوِّجُونَ لأفكارِهِمْ وَثقافتِهمْ في بلادِ المُسلِمينَ بعبَارَاتٍ ظاهِرُهَا الرَّحمَة, وَبَاطِنـُها فيهِ السُّمُ الزُّعَافُ, وَمِنْ هَذِهِ العبَارَاتِ: التشدُّدُ وَالتطرُّفُ, وَالتعصُّبُ وَالإرْهَابُ, وَالأصُوليَّة ُ، وَغَالبا ً مَا تـُسَاقُ هَذِهِ العِبَارَاتُ ليُوصَفَ بهَا المُسلِمُونَ مِمَّنْ يَحمِلونَ الدَّعوَة َ إلى الإسلام, الذينَ يتمَسَّـكونَ بإسلامِهم, وَيَرفضُونَ الحَضَارَة َ الغَربيَّـة َ, وَلا يَرضَونَ بهَا بديلا ً عَن ِ الإسلام ِ, أو الذينَ يقومُونَ بأعمَال ٍ لا تـُرضِي الغـَربَ.

وَفي مُـقابل ِ ذلكَ أطلقـُوا عِبارَاتٍ أخرَى مِثـلَ: الاعتدال وَالوسَطيَّة, وَالتسَاهُـل وَالتسَامُح, وَالمُرونة وَتقبُّـل الآخـَر, وَالديمُـقراطيَّة، وَاحترَام رَأيِّ الأغلبية, وَغالبا ً مَا تـُساقُ هذهِ العبارَاتُ ليُوصَفَ بهَا المُسلمُونَ مِمَّنْ يَحمِلونَ الدَّعوَة َ إلى الحَضَارَةِ الغـَربيَّـة, وَيـَقبـَـلـُونَ بهَا بَديلا ً عَن ِ الإسلام ِ, أو ِالذينَ يَقومُونَ بأعمال ٍ تـُرضِي الغـَربَ عُمُوما ً.


إخوة َ الإيمان ِ والإسلام ِ:
قبلَ أنْ نـَمضيَ في الحَديثِ عَن ِالتطرُّفِ وَالاعتِدَال ِ, أو ِالتشدُّدِ وَالتسَامُح ِنـَقولُ: نَحنُ بكـُـلِّ بَسَاطةٍ مُسلمُونَ, نـَعتزُّ بإسلامِنا, وَالمُسلمُ بكلَّ بَسَاطةٍ أيضا ً يَأخذ ُ مَفاهِيمَهُ مِنَ الإسلام, أي مِِِِنْ كتابِ اللهِ, وَسُنةِ رَسُولِهِ, وَليسَ مِنَ الشرق ِأو ِالغـَربِ.
التطرفُ وَالاعـتدالُ :

التطرُّفُ ليسَ لهُ دَلالة ٌ شرعيَّة ٌ, لأنَّ هذه اللفظة لمْ تـَرِدْ في النـُّصوص, وَلا استعمَلهَا فـُـقهَاءُ الإسلام, ولذا فإنـَّهُ ليسَ لهَا سِوَى الدلالةِ اللغويَّة فحَسْب, فإذا أرَدنـَا أنْ نستعملـَهَا في الشـَّرْع ِ قـُـلنـَا: إنَّ التطرُّفَ هُوَ مُجاوزة ُ الحُدودِ التي وَضَعَها الشرْع ُ, أيْ مُخالفة ُ أحكام ِالإسلام.

• فالتطرُّفُ هوَ البُعدُ عَنْ تقوى اللهِ تباركَ وتعَالى, وَالوقـُوفُ عندَ حَافـَّةِ الهَاويَةِ المُؤدِّيةِ بصَاحِبهَا إلى الهَلاكِ وَالعَذابِ في نار ِ جَهنـَّمَ, أعاذنـَا اللهُ وإيـَّاكـُم منَ النار ِ ومنْ عذابِ النار! قالَ اللهُ تباركَ وَتعَالى في هـَذا الشأن: }أفمَنْ أسَّسَ بُنيانـَهُ عَلى تقوى مِنَ اللهِ وَرِضوَان ٍ خـَيرٌ أمْ مَّنْ أسَّسَ بُنيانـَهُ عَلى شـَفـَا جُرُفٍ هَـار ٍ فانهارَ بهِ في نـَار ِجَهنـَّـمَ, وَاللهُ لا يَهدي القومَ الظالمينَ  |.

• وَالاعتدالُ هُوالاستقامة ُ{مُطلقا ً} وَقد دَعَا الإسلامُ إلىالاستقامةِ عَـلى مَنهج ِاللهِ وَشرْع ِاللهِ, جَلَّ في عُلاهُ. قالَ اللهُ تعالى مُخاطبا ً نبيَّهُ الكريمَ:} فاستمْسِكْ بالذي أوحِيَ إليكَ إنـَّـكَ عَلى صِرَاط ٍ مُستقيم  |. وَقالَ جَلَّ شأنـُهُ: }وَإنـَّـكَ لتدعُوهُم إلى صِرَاطٍ مُستقيم  |. وَقالَ: }وَإنـَّـكَ لتهدِي إلى صرَاط ٍ مُستقيم ٍ |. وَقالَ تعَالى وَاصِفا ً دينَ الإسلام:} ذلكَ الدِّينُ القيـِّمُ وَلكنَّ أكثرَ الناس ِلا يَعلمُونَ  |. وَالدِّينُ القيـِّمُ أي الدِّينُ المُستقيمُ. وَقالَ أيضا ًوَاصِفا ًالقرآنَ الكريمَ: } الحَمدُ للهِ الذي أنزلَ عَلى عَبدِهِ الكتابَ وَلمْ يَجعَلْ لهُ عِوَجا ً  قيـِّما ً لِيُنذِرَ بَأسا ً شَدِيدا ً مِنْ لدُنهُ وَيُبشِّرَ المُؤمنينَ الذينَ يَعمَـلـُونَ الصَّالحَاتِ أنَّ لهُم أجْرا ً حَسَنا ً  |. وَقالَ وَاصِفا ً دَعْوَة َالإسلام ِ وَمَنهَجَ الإسلام: } وَأنَّ هَذا صِرَاطِي مُستقيما ً فاتـَّبعُوهُ وَلا تـَـتــَّـبعُوا السُّـبُـلَ فـتـفـَرَّقَ بكـُم عَن سَبيلِهِ  |.
وَفوقَ ذلكَ فإنَّ المُسلِمَ يَتـَّجـِهُ إلى اللهِ في كـُـلِّ صَلاة ٍ, يَدعُوهُ في كـُـلِّ رَكعَةٍ حِينَ يَقرَأ بفاتِحَةِ الكتابِ أنْ يَهدِيَهُ الصِّرَاط َ المُستقيمَ. وَهَذا الصِّرَاط ُ خـَاصٌ بالمُؤمِنينَ الذينَ أنعَمَ اللهُ عَليهمْ بنِعْمَةِ الإيمَان ِ وَالهدَايَةِ لِدين ِالإسلام. وَليسَ هُو صِرَاط َ المَغضُوبِ عَليهمْ مِنَ اليَهُودِ, وَلا هُو صِرَاط َ الضَّالينَ مِنَ النَّصَارَى. قالَ تعَالى مُحَدِّدا ً مَا هُو الصِّراط ُ المُستقيم: }إهدِنا الصِّراط َ المُستقيمَ  صِرَاط َ الذينَ أنعَمْتَ عَـليهمْ  غـَير ِ المَغضُوبِ عَـليهم وَلا الضَّـالـِّينَ  |.

وَقد تسَاءَلَ القرآنُ تسَاؤلا ً بَليغا ً عَلى سَبيل ِالاستعارَةِ التمثيليةِ, فقال تعالى: } أفمَنْ يَمشِي مُـكِبَّا ً عَلى وَجْههِ أهْدَى أمـَّنْ يَمشِي سَويَّا ًعَلى صِرَاطٍ مُستقيم  |. هَذا بطريق ِالتمثيل ِللمُؤمِن ِ وَالكافِر, فالمُؤمنُ يَمشِي سَويَّا ً عَلى صِرَاطٍ مُستقيم, وَالكافِرُ يَمشي كالأعمَى عَلى غـَير ِهُدىً وَبَصِيرةٍ, مُـكِبَّـا ً عَلى وَجههِ إلى طريق ِالجَحِيم, وَيَا لهَا مِنَ استِعَارَةٍ رَائعةٍ!!.

إخوة الإيمان ِ والإسلام ِ:
بَعدَ كـُـلِّ هَذا البيان وَالتوضيح ِ يَحقُّ لنا أنْ نتسَاءَلَ: مَنْ هُمُ المُتطرِّفـُـونَ, وَمَنْ هُمُ المُعتدِلـُونَ؟ للإجابة نقولُ: المُتطرَّفـُونَ هُمْ أولئكَ الذينَ اختارُوا لأنفسهـِم شِقــَّـا ً غَيرَ شِقِّ اللهِ وَرَسُولِهِ, وَسَبيلا ً غَيرَ سَبيل ِ المُؤمِنينَ, وَمَنهَجا ً غَيرَ مَنهَج ِاللهِ تبارَكَ وَتعَالى, فوَقـَـفـُوا عَلى طرَفِ مُناقِض ٍ لِلإسلام. وَقـَـفـُوا عِندَ الهَاوية المُــؤدِّيَـةِ بهمْ إلى جَهَنـَّمَ وَالعِياذ ُ باللهِ, قالَ تعَالى: } وَمَنْ يُشاقِـق ِالرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تبَيَّنَ لهُ الهُدَى وَيتـَّبعْ غيرَ سَبيل ِالمُؤمِنينَ نُوَلــِّهِ مَا توَلـَّى وَنـُصلِهِ جَهَنـَّمَ, وَسَاءَتْ مَصِيرا ً  |. وَقالَ تعَالى:} ذلكَ بأنـَّهُم شاقـُّوا اللهَ وَرَسُولـَهُ وَمَنْ يُشَاقِــق ِاللهَ وَرَسُولـَهُ فإنَّ اللهَ شَـديـدُ العِقـَـابِ  |.

وَعَـلى ذلكَ فالمُـتطرِّفـُـونَ هُـمُ الكفارُ وَأعوَانُهُم مِنَ المُسلِمينَ الذينَ انحَرَفوا عَنْ مَنهَج ِاللهِ تبارَكَ وَتعَالى. وَأمَّا المُعتدلـُونَ فهُم المُؤمنـُونَ المُـتمَسِّـكـُونَ بكتابِ اللهِ وَسُـنـَّةِ رَسُولِهِ, الثابتـُونَ عـَلى الإسلام ِ, السَّائِرُونَ عَلى الصِّراط ِالمُستقيم الذي حَدَّدَهُ اللهُ رَبُّ العَالمِينَ.

هَذا فيمَا يَتعلــَّـقُ بالتطرُّفِ وَالاعتِدَال ِ مِنْ وُجْهَةِ نظر ِالإسلام, أمَّا بخُصُوص ِ التـَّشَدُدِ وَالتـَّعَصُّبِ. فهُناكَ حَالاتٌ تقتضِي مِنَ المُؤمنينَ أنْ يَقـِفـُوا المَوقِفَ المُتشدِّدَ الذي يَرضَاهُ اللهُ وَرَسُولـُهُ, وَمِنْ هَذِهِ الحَالاتِ التي تتطلـَّـبُ الشدَّة َ:

أولا ً: الشدة عـلى الكفـَّـار: قالَ تعَالى مُحَدِّدا ً مَوقِفَ المُؤمنينَ مِنَ الكفـَّار: }مُُحَمَّـدٌ رَسُولُ اللهِ, وَالذينَ مَعَهُ أشِدَّاءُ عَلى الكفار ِ رُحَمَاءُ بَينـَهُم  |. وَقالَ تعَالى: }يا أيُّها الذينَ آمَنـُوا قاتِلـُوا الذينَ يَلـُونـَـكم مِنَ الكفار ِ, وَليَجدُوا فيكـُم غِلظة, وَاعْـلـَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ المُتقينَ  |. أي أنَّ الرَّسُولَ ÷ وَصَحَابتـَهُ الأبرَارَ, وَالمُؤمنينَ الأخيارَ, غِلاظ ٌ عَلى الكفار ِ, مُترَاحِمُونَ فيمَا بَينـَهُم, كقولِهِ تعَالى: } أذِلـَّةٍ عَلى المُؤمنينَ, أعِزَّةٍ عَلى الكافِرينَ  |. قالَ أبو السُّعُودِ في تفسيرِهِsad.gif أيْ يُظهرُونَ لِمَنْ خَالفَ دِينـَهُمُ الشِّدَة َ وَالصَّلابَة َ, وَلِمََنْ وَافقهُمْ في الدِّين ِالرَّحمَة َ وَالرَّأفة َ) .

وَقالَ المُـفسِّرُونَ: وَذلكَ لأنَّ اللهَ أمَرَهُم بالغلظةِ عَليهم:} وَليَجدُوا فِيكم غِلظة ً  | . وَقدْ بَـلـَغَ مِنْ تشديدِهِم عَـلى الكفار ِ أنـَّهُم كانـُـوا يَتحَرَزُونَ مِنْ ثِيابهم أنْ تمَسَّ أبدَانـَهُم, وَكانَ الوَاحِدُ مِنهُم إذا رَأى أخـَاهُ في الدِّين ِ صَافـَحَهُ وَعَانـَقـَهُ.

ثانيا ً: الشدة عـلى العُـصَاة: وَكذلك لا توجَدُ رَافة ٌ وَلا رَحْمَة ٌ في حَـقَّ العُصَاةِ كالزُّناةِ مَثلا ً, قالَ تعَالى: }الزَّانيـَة ُ وَالزَّانِي فاجلِدُوا كـُـلَّ وَاحِدٍ مِنهُمَا مِائة َ جَلدَة ٍ, وَلا تأخُذكـُم بهمَا رَأفة ٌ في دِين ِ اللهِ, إنْ كنتم تؤمنُونَ باللهِ وَاليوم ِالآخِر, وَلـْيَشهَدْ عَذابَهُمَا طائِفة ٌ مِنَ المُؤمنينَ  |.

ثالثا ً:الشدة عـلى الظـَّـلـَمَة: وَأيضا ً فإنَّ الحَاكمَ الظالمَ الذي يَحيدُ عَن ِالحَـقِّ, وَيَنحَرِفُ عَنْ مَنهَج ِ اللهِ, ينبَغي عَلى المُؤمنينَ أنْ يَقـِفـُوا مِنهُ مَوقِفا ً صُـلبا ً مُتشدَّدا ً حَتى يَعُودَ إلى الحَـقِّ, وَيَرجـِعَ عَنْ ظـُلمِهِ, وَيَؤوبَ إلى مَنهَج ِاللهِ, وَشرْع ِاللهِ.

رَوَى أبو دَاودَ وَالترمَذيُّ أنَّ الرَّسُولَ ÷ قالَ: »كلا َّ وَاللهِ, لتأمُرُنَّ بالمَعرُوفِ, وَلتنهَوُنَّ عَن ِالمُنكر ِ, وَلتأخُذنَّ على يَدِ الظالم ِ, وَلتأطـُرُنـَّهُ عَلى الحَقِّ أطـْرا ً, وَلتقصُرُنـَّهُ عَلى الحَـقِّ قصْرا ً, أو ليَضربَنَّ اللهُ بقـُـلوبِ بعضِكـُم عَلى بَعْض ٍ«. فالمُسلمُ إذا ً يَتعَصَّبُ للحَقِّ, وَيَتمَسَّكُ بهِ تمَسُّـكا ً شدِيدَا ً, وَهذا التمَسُّـكُ وَالتعَصُّبُ يُعَـدُّ مِنَ الفضَائِل ِالتي يُحْمَدُ عَليهَا صَاحِبُهَا . وَإذا كانَ الأمرُ بالمَعرُوفَ, وَالنَّهيُّ عَن ِالمُنكر ِ يُعـَـدُّ في نـَـظر ِالغـَـربِ إرْهَـابـا ً, فإنـَّهُ في نَظر ِ الإسلام ِ فريضَة ٌ مِنْ فرائض ِاللهِ, تـُعَاقـَبُ الأمة ُ الإسلامية ُ عَلى ترْكِهَا. رَوَى الترمَذيُّ أنَّ رَسُولَ اللهِ ÷ قالَ : » وَالذي نَفسي بيَدِهِ, لتأمُرُنَّ بالمَعرُوفِ, وَلتنهَوُنَّ عَن ِ المُنكر ِ, أو ليُوشِكنَّ اللهُ أنْ يَبعَثَ عَـليكمْ عِقابا ً مِنهُ, ثـُـمََََّ تدعُونهُ فلا يُستجابُ لـَـكـُم «.

وَإذا كانتْ حُريَّـة ُ الارتِدَادِ عَن ِ الإسلام ِ, وَمُمَارَسَة ُ الفواحِشَ مِنَ المُثـل ِالعُـليَا عِندَ الغـَربِ, فإنـَّها تـُعَدُّ عِندَ المُسلمِينَ مِنْ أعْظـَم ِ الجَرائِم ِ وَمِنْ الكبائر ِالتي يُعَذبُ اللهُ مُرتكبيهَا أشَدَّ العَذابِ. وَالمُسلِمُ إذا رَأى حُرُمَاتِ الله ِ تـُنتـَهَـكُ يَجـِبُ أنْ يَغضَبَ للهِ, وَلا يَحِلُّ لـَهُ أنْ يُقابلَ ذلكَ بالارتياح ِ أو يَتقبـَّـلـَهُ بدَم ٍ بَاردٍ كالخِنزير ِالذي لا يَغـَارُ عَلى أنثاهُ.

وَإذا كانَ العَمَـلُ لِهـَدم ِ أنظِمَةِ الكـُـفر ِ وَإقامَةِ الدَّولةِ الإسلاميَّةِ {دولةِ الخِلافةِ} في نظر ِ الغـَرب ِ يُعَـدُّ أصُوليَّة ً وَتـَطرُّفا ً فإنـَّهُ في نَظر ِالإسلام ِ فريضَة ٌ حَتمِيـَّة ٌ يَجبُ العَمَـلُ عَلى إقامَتِهَا.

وَإذا كانَ الصُّـلحُ مَعَ اليَهُودِ الغاصِبينَ فِي نظر ِالغـَربِ يُعَـدُّ اعتدَالا ً وَتسَامُحا ً فهُو في نـَظر ِ الإسلام ِ خيَانة ٌ وَتفريط ٌ وَنـَذالة ٌ.
وَخِتاما ً نقولُ: عَلينـَا نـَحنُ المُسلمينَ أنْ نأخُذ المَفاهيمَ وَالقيمَ مِنْ عَقيدَتِـنـَا وَحَضَارَتِـنـَا الإسلامِيَّة, عَـلينـَا أنْ نأخُذ كـُـلَّ ذلكَ مِنْ كِتابِ اللهِ وَسُنةِ رَسُولِهِ ÷ قالَ تعَالى:} قدْ جَاءَكـُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبينٌ, يَهدِي بهِ اللهُ مَن ِاتـَّبعَ رِضْوانَهُ سُبُـلَ السَّلام ِ, وَيُخرِجُهُم مِنَ الظلماتِ إلى النـُّور ِ بإذنِهِ, وَيَهدِيهم إلى صِرَاط ٍ مُستقيم ٍ |.



اللهُمّ أقـِرَّ أعْيُنـَنـَا بـِقيَام ِ دَولةِ الخِلافـَة, وَاجْعلــْـنـَا مِنْ جُـنـُودِهَا الأوفـِياء المُخلِصينْ.

والسّلامُ عَليكـُمْ وَرَحْمَة ُ اللهِ وَبَرَكـَاتـُهُ.


عن كتاب نفحات إيمانية
إعداد نخبة من مشايخنا الأفاضل منهم الشيخ المرحوم /يوسف السباتين
تقديم الأستاذ / محمد أحمد النادي
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم
مفاهيـــمُ خطـِـرَة ٌ لِضَــربِ الإسْــلام ِ
(2) التـَّـطـَــرفُ والاعـتِــدَالُ



الحمدُ لله رَبّ العَالمينْ, والعَاقبَة ُ للمُـتقينْ, وَلا عُدوَانَ إلا َّعَلى الظالِمينْ, وَالصّلاة ُ وَالسّلامُ عَلى أشرَف ِالمُرسَـلينْ, وآلِهِ وَصَحْبـِهِ أجْمَعينْ, وَمْن تـَبـِعَهُ وَسَارَ عَلى دَرْبـِهِ, وَاهتـَدَى بهديـِهِ, وَاستـَنَّ بسُـنّـتِهِ إلى يَوم ِالدّينْ, وَاجْعَـلنا مَعَهُمْ, وَاحْشُرنـَا في زُمرَتـِهمْ, برَحْمَتـِكَ يَا أرْحَمَ الرّاحِمِينْ.

أمّا بَعدُ: قالَ اللهُ تـَعَالى في مُحْـكـَم ِ كِتـَابـِهِ, وَهُوَ أصْدَقُ القائلينْ: } بـَـلْ نـَـقذِفُ بالحَـقِّ عَـلى البَاطل ِ فـَيـَدمَغـُهُ فإذا هـُوَ زَاهـِقٌ وَلـَـكـُمُ الوَيلُ مِمَّـا تـَصِفـُونَ  |.

إخوة َ الإيمان ِ والإسلام:

الصِّرَاع ُ بَينَ الحَقِّ وَالبَاطِل ِ, وَبَينَ الإيمَان ِ وَالكـُـفر ِ, صِرَاع ٌ قديمٌ وَجَديدٌ, صِرَاع ٌ دَائِمٌ وَمُستـَمِرٌ إلى يَوم ِالدِّين ِ, هَذا الصِّرَاع ُ لـَهُ شكلان ِ أو مَظهَرَان ِ, الأولُ فكريٌ, وَالثاني مَاديٌ دَمَويٌ. هَذا مَا نـَطقـَتْ بهِ النـُّصُوصُ القـُرآنية ُ, وَإليكـُمُ البَيَان:

• أولا ً : الصِّـراعُ الفِكـريُّ: وَهُوَ مَا عـَبـَّرَ عَنهُ القـُرآنُ الكريمُ بقولِهِ تعَالى: }يُريدُونَ لـِيُطفِئـُوا نُورَ اللهِ بأفوَاهِهـِمْ, وَيَـأبَى اللهُ إلا َّ أنْ يُـتِمَّ نُورَهُ, وَلـَو كـَرهَ الَـكـَافِـرُُونَ  |. وَلنا هُنا وَقفـَتـَان:

الوَقـفة ُالأولى: عِندَ قولِهِ تعَالى:[ يُريدُونَ] والإرَادة ُ هُنا تـَعْـنِي العَزمَ وَالإصْرَارَ وَالتـَّصْمِيمَ أيْ أنَّ هؤلاءِ الكفـَّارَ وَالمُشركِينَ عَازمُونَ ومُصِرُّونَ وَمُصَمِّمُونَ عَلى إطفاء ِ نـُور ِ الإسلام ِ, وشرع ِ اللهِ المُنير ِ الذي أتـَى بهِ مُحَمَّـدٌ عليهِ الصلاة ُ وَالسَّلامُ مِنْ عِنـدِ اللهِ تبَاركَ وتعَالى, وهذا يَعنِي حَتمِيَّـة َ صِرَاع ِ الحَضَارَاتِ, وَليسَ حِوَارَ الحَضَارَاتِ كمَا يَزعُمُ بَعْضُ عُـلمَاء ِ السَّلاطِين ِ وَكمَا يَحلـُو لهُمْ أنْ يُسَمُّوهُ.
الوقفة ُالثانية: عِندَ قولِهِ تعَالى:[ بأفوَاهِهمْ] أيْ أنَّ هَؤلاءِ الكـُفـَّارَ مِنَ المُشرِكِينَ وأهل ِ الكِتابِ يُريدُونَ أنْ يُطفِئـُوا نُورَ الإسلام ِ القـَوِيِّ السَّاطع ِ بأفوَاهِهـِمُ الحَقيرَة, وذلكَ بمُجَرَّدِ جدَالِهـِمْ وَافترَائِهـِمْ. والإسلامُ هُوَ نـُورُ اللهِ جَعَلـَهُ لخـَلقِهِ ضِـياءً, فهل يَستطِيعُ أحَدٌ أنْ يُطفِئَ بـِفـَمِهِ نُورَ اللهِ...؟ يقول الفخرُ الرَّازيُّ في تفسِيرِهِ:{ وَإطفاءُ نـُور ِ اللهِ تعَالى تـَهَكـُّـمٌ بـِهمْ في إرادَتِهـِمْ إبْطـَالَ الإسْلام ِ بـِقولِهمْ في القـُرآن ِ إنـَّهُ سِحْرٌ, وَقد شُبِّهَتْ حَالـُهُمْ بحَال ِ مَنْ يَنفـُخُ في نُور ِ الشـَّمْس ِ بفيهِ [أي بفمِهِ] ليُطفِئـَهُ, وَفيهِ تـَهَكـَّـمٌ وَسُخريَة ٌ بهم}.
وَقدْ عَقــَّبَ اللهُ سُبحَانـَهُ وَتـَعَالى عَلى ذلكَ بقولِهِ:} وَيَأبَى اللهُ إلا َّ أنْ يُـتِمَّ نُورَهُ وَلـَو كـَرهَ الكافِرُونَ  |. أيْ وَيَأبَى اللهُ إلا َّ أنْ يُظهـِرَ دِينـَهُ بنـَشرِهِ في الآفاق ِ وإعلائِهِ على الأديان ِ كـُـلــِّهَا, كمَا جَاءَ في الحَدِيثِ الشـَّريفِ الذي رَوَاهُ مُسلِمٌ في صَحِيحِهِ: »إنَّ اللهَ زَوَى لِيَ الأرضَ, فـَرَأيْتُ مَشارقـَهَا وَمَغـَاربَهَا, وَإنَّ مُـلكَ أمَّـتِي سَيَبلـُغُ مَا زُويَ لِيْ مِنـْهَا «.

• ثانيا ً: الصراعُ الدَّمَويُ: وَهُوَ مَا عَبَّرَ عَنهُ القـُرآنُ بقولِهِ تعَالى:} ولا يَزَالـُونَ يُـقاتِلـُونـَكـُمْ حَتى يَرُدُّوكـُمْ عَنْ دِينِكمْ إن ِ استطاعُوا, وَمَنْ يَرتدِدْ مِنكـُمْ عَنْ دِينِهِ, فيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فأولئكَ حَبـِطـَتْ أعْمَالـُهُمْ في الدُنيا والآخِرَةِ, وأولئكَ أصْحَابُ النـَّار ِهُمْ فيهَا خَالِدُونَ  |. وَلنا هُنا أيضا ً وَقفـَتـَان:

الوقفة الأولى: عِندََ قولِهِ تعَالى:} وَلا يَزَالـُونَ يُقاتِلـُونـَكـُمْ حَتـَّى يَرُدُّوكـُمْ عَنْ دِينـِكـُمْ  |. ففِـي هَذِهِ الآيةِ إخبَارٌ مِنَ الحَقِّ سُبحَانـَهُ وَتعَالى عَن ِ استمرَاريَّةِ الصِّرَاع ِ الدَّمَويِّ, وَدَوَام ِ عَدَاوَةِ الكـُـفـَّار لِلمُسلِمينَ, وأنَّ هَؤلاءِ الكفـَّارَ لا يَنفكـُّونَ عَنْ هَذِهِ العَدَاوَةِ حَتى يَرُدُّوا المُسلمِينَ عَنْ دِينِهمْ. وَهَذا أيضاً يُدَلـِّـلُ عَلى حَتميَّةِ صِرَاع ِالحَضَارَاتِ الذي تحَدثنـَا عَنهُ آنِفا ً.

الوقفة الثانية: عِندَ قولِهِ تعَالى:[ إن ِ استطاعُوا] فبَعدَ أنْ أخْبَرَنـَا اللهُ جَلَّ وَعَلا عَنْ دَوَام ِ عَدَاوَةِ الكـُفـَّارِ لنـَا أتبَعَ ذلكَ بقولِهِ:[ إن ِاستطاعُوا] وَهُوَ استبعَادٌ لاستِطاعَتِهـِمْ, وَإيذانٌ بأنـَّهُم لا يَرُدُّونَ المُسلمِينَ عَنْ دِينـِهـِمْ, وَفي هَذا بـِشَارَة ٌ لـَكـُمْ أيـُّهَا المُؤمِنُونَ !! فاقبـَـلـُوا مِنَ اللهِ بـِشَارَتـَهُ, وَكـُونـُوا مُـتمَسِّـكِينَ بدِينِكـُمْ كمَا أرَادَكـُم اللهُ رَبُّ العَالمِينَ.


إخوة َالإيمان ِ وَالإسلام:
لمَّا بَعَثَ اللهُ رَسُولـَهُ مُحَمَّدا ً ÷ برسَالةِ الإسلام ِ, وَدَعَا قومَهُ وَعَشيرَتـَهُ إلى الإيمان ِ, وَتركِ عِبادَةِ الإصْنـَام ِ, كابَرُوا وَعَاندُوا, وَتمَسَّـكـُوا بمَا وَرثـُوهُ عَنْ آبَائِهمْ وَأجْدَادِهِمْ مِنْ عَادَاتٍ وَتقاليدَ, فعَابَ رَسُولُ اللهِ ÷ عَليهـِمْ أنْ يَأسِرُوا أنفـُسَهُمْ لِلتـَّـقالِيدِ المَوْرُوثةِ عَن ِالآبَاءِ وَالأجدَادِ, دُونَ تفكـُّر ٍ مِنهُمْ في مَدَى صَلاحِهَا أو فسَادِهَا.

وَمَعلـُومٌ أنَّ العَرَبَ زَمَنَ رَسُول ِاللهِ ÷ لمْ يَكونـُوا أصْحَابَ فِكر ٍ مُستنير ٍ بَـلْ كانـُوا أمَّة ً تعيشُ عَلى البَدَاهَةِ وَالبَسَاطةِ, فجَاءَ الإسلامُ يُحَذِرُهُمْ مِنَ الإصْرَار ِعَلى الكـُـفر ِ وَيُذكـِّرُهُم بالمَوتِ وَالبَعثِ وَالحِسَابِ.

وَلمَّا عَجزَتْ قرَيشٌ عَنْ مُقارَعَةِ الحُجَّةِ بالحُجَّةِ, لجَأتْ إلى يَهُودٍ كي يُزَوِّدُوهُم بالأفكار ِ التي يُوَاجهُونَ بهَا النـَّبيّ ÷, وَيَهُودٌ هُم أهلُ كيـدٍ وَغـَدر ٍ فقالـُوا لهُمْ: سَـلوهُ عَنْ ثلاثةِ أشياء, فإنْ أجَابَ عَنهَا فهُوَ نـَبيٌ مُرْسَـلٌ: سَـلوهُ عَنْ أمر ِ الفتيةِ, وسَـلوهُ عَن ِالرَّجُـل ِ الطـَّوافِ, وَسَـلـُوهُ عَن ِ الرُّوح ِ وَالقصَّة ُ تـَعرِفـُونهَا مِنْ خِلال ِ سُورَةِ الكهفِ, وَسُورَةِ الإسْرَاءِ.

وَلمَّا هُزِمَتْ قـُرَيشٌ فِكريَّا لجَأتْ إلى استِعمَال ِالقـُوَّةِ, فعَذبَتِ المُسلمِينَ, وَطارَدَتهُم في كـُـلِّ مَكان ٍ, وَتآمَرَتْ عَلى قـَتـل ِالنـَّبي ÷, فهَاجَرَ إلى المَدينـَةِ المُنـَوَرَةِ ليَصْطدِمَ هناكَ مَعَ يَهُود. وَقارَعَهُمُ النـَّبيُ ÷ بالحُجَّةِ وَالبُرهَان ِ, وَلمَّا هُزِمُوا فِكرِيَّا ً, لجَأوا إلى سِلاح ِ المَكر ِ وَالخـَديعَةِ, وَذلكَ بمُحَاوَلةِ تشكيكِ المُسلمينَ في دِينـِهمْ وَعَقيدَتِهمْ, فأخـَذ بَعضُ أحْـبَارهِمْ يُعلِنُونَ إسْلامَهُمْ أوَّلَ النـَّهَار ِ, وَيكفرُونَ آخِرَهُ, حَتى يَقولَ ضِعَافُ الإيمَان ِ مِنَ المُسلِمينَ, مَا رَدَّهُمْ عَن ِ الإسْلام ِإلا َّ لأنـَّهُمْ وَجَدُوا فيهِ نقيصَة ً أو عَيبا ً, ولكنَّ اللهَ تبارَكَ وَتعَالى فضَحَ خُطـَّـتهُم في كِتابهِ العَزيز, فقالَ جَلَّ شَأنـُهُ:} وَقالتْ طائفة ٌ مِنْ أهل ِ الكِتابِ أمِنـُوا بالذي أنزلَ عَلى الذينَ آمَنـُوا وَجْـهَ النـَّهار ِ وَاكفـُرُوا آخِرَهُ لعَلــَّهُمْ يَرْجعُونَ  |.

وَاستمَرَّتْ عَدَاوَة ُ يَهُودٍ للمُسلمينَ مُنذ عَهدِ النـُّبوَةِ إلى يَومِنـَا هَذا, وَسَتظلُّ هذِهِ العَدَاوَة ُ إلى أنْ يُـقضَى عَـليهمْ إنْ شَاءَ اللهُ تعَالى عَلى أيدي المُسلمينَ كمَا أخبَرَ بذلكَ نبيُّنا ÷.

كذلكَ فعَـلَ فِعلتـَهُمْ, وَخَطا خَطوَتهُم أولئكَ الصَّـليبيِّونَ الحَاقدُونَ, الذينَ جَاءُوا مِنْ كـُـلِّ فــَجٍّ عَميق ٍ لِحَرْبِ المُسلمينَ, فقامُوا بـِعدَّةِ حَمْلاتٍ صَـليبيَّـةٍ شَمِـلتْ مُعظمَ بلادِ المُسلمينَ, وَلكنَّ اللهَ سُبحَانـَهُ وَتعَالى بَعَثَ عَـليهمْ عِبَادا ً لهُ, مُخلِصِينَ طائِعينَ , مُتمَسِّـكِينَ بكِتابِ اللهِ وَسُنـَّـةِ رَسُولِهِ ÷ يُجَاهِدُونَ في سَبيل ِاللهِ, لا يَخـَافـُونَ لومَة َ لائـِم، أمثالَ صَلاحَ الدِّين ِالأيـُّوبي وَإخوَانِهِ المُجَاهِدينَ الذينَ طهَّرُوا بلادَ المُسلمينَ مِنْ رجْس ِ الصَّـليبيِّـينَ وَكـُـفرِهِمْ.

وَهَاهُمْ الصَّـليبيـُّونَ الحَاقـدُونَ قدْ عَادُوا مَرَة ً ثانية ً في أفغانِستانَ, وَثالثة ً في العِرَاق, وَمَعَهُم كـُـلُّ آلاتِ الحَربِ وَالدَّمَار, وَاحتـلــُّوا بلادَ المُسلمينَ مِنْ جَديدٍ في حَربٍ صَـليبيـَّةٍ جَديدَةٍ. وَلكنـَّهُم أدرَكـُوا أنَّ السِّلاحَ وَحْـدَهُ لا يُحَقـِّـقُ لهُم مَا يُريدُونَ فلجَأوا كأسلافِهم اليَهُودِ إلى تشكيكِ المُسلمينَ في دينـِهمْ وَعَقيدَتهمْ.

أخـَذ هؤلاءِ الصَّـليبيُّونَ يُرَوِّجُونَ لأفكارِهِمْ وَثقافتِهمْ في بلادِ المُسلِمينَ بعبَارَاتٍ ظاهِرُهَا الرَّحمَة, وَبَاطِنـُها فيهِ السُّمُ الزُّعَافُ, وَمِنْ هَذِهِ العبَارَاتِ: التشدُّدُ وَالتطرُّفُ, وَالتعصُّبُ وَالإرْهَابُ, وَالأصُوليَّة ُ، وَغَالبا ً مَا تـُسَاقُ هَذِهِ العِبَارَاتُ ليُوصَفَ بهَا المُسلِمُونَ مِمَّنْ يَحمِلونَ الدَّعوَة َ إلى الإسلام, الذينَ يتمَسَّـكونَ بإسلامِهم, وَيَرفضُونَ الحَضَارَة َ الغَربيَّـة َ, وَلا يَرضَونَ بهَا بديلا ً عَن ِ الإسلام ِ, أو الذينَ يقومُونَ بأعمَال ٍ لا تـُرضِي الغـَربَ.

وَفي مُـقابل ِ ذلكَ أطلقـُوا عِبارَاتٍ أخرَى مِثـلَ: الاعتدال وَالوسَطيَّة, وَالتسَاهُـل وَالتسَامُح, وَالمُرونة وَتقبُّـل الآخـَر, وَالديمُـقراطيَّة، وَاحترَام رَأيِّ الأغلبية, وَغالبا ً مَا تـُساقُ هذهِ العبارَاتُ ليُوصَفَ بهَا المُسلمُونَ مِمَّنْ يَحمِلونَ الدَّعوَة َ إلى الحَضَارَةِ الغـَربيَّـة, وَيـَقبـَـلـُونَ بهَا بَديلا ً عَن ِ الإسلام ِ, أو ِالذينَ يَقومُونَ بأعمال ٍ تـُرضِي الغـَربَ عُمُوما ً.


إخوة َ الإيمان ِ والإسلام ِ:
قبلَ أنْ نـَمضيَ في الحَديثِ عَن ِالتطرُّفِ وَالاعتِدَال ِ, أو ِالتشدُّدِ وَالتسَامُح ِنـَقولُ: نَحنُ بكـُـلِّ بَسَاطةٍ مُسلمُونَ, نـَعتزُّ بإسلامِنا, وَالمُسلمُ بكلَّ بَسَاطةٍ أيضا ً يَأخذ ُ مَفاهِيمَهُ مِنَ الإسلام, أي مِِِِنْ كتابِ اللهِ, وَسُنةِ رَسُولِهِ, وَليسَ مِنَ الشرق ِأو ِالغـَربِ.
التطرفُ وَالاعـتدالُ :

التطرُّفُ ليسَ لهُ دَلالة ٌ شرعيَّة ٌ, لأنَّ هذه اللفظة لمْ تـَرِدْ في النـُّصوص, وَلا استعمَلهَا فـُـقهَاءُ الإسلام, ولذا فإنـَّهُ ليسَ لهَا سِوَى الدلالةِ اللغويَّة فحَسْب, فإذا أرَدنـَا أنْ نستعملـَهَا في الشـَّرْع ِ قـُـلنـَا: إنَّ التطرُّفَ هُوَ مُجاوزة ُ الحُدودِ التي وَضَعَها الشرْع ُ, أيْ مُخالفة ُ أحكام ِالإسلام.

• فالتطرُّفُ هوَ البُعدُ عَنْ تقوى اللهِ تباركَ وتعَالى, وَالوقـُوفُ عندَ حَافـَّةِ الهَاويَةِ المُؤدِّيةِ بصَاحِبهَا إلى الهَلاكِ وَالعَذابِ في نار ِ جَهنـَّمَ, أعاذنـَا اللهُ وإيـَّاكـُم منَ النار ِ ومنْ عذابِ النار! قالَ اللهُ تباركَ وَتعَالى في هـَذا الشأن: }أفمَنْ أسَّسَ بُنيانـَهُ عَلى تقوى مِنَ اللهِ وَرِضوَان ٍ خـَيرٌ أمْ مَّنْ أسَّسَ بُنيانـَهُ عَلى شـَفـَا جُرُفٍ هَـار ٍ فانهارَ بهِ في نـَار ِجَهنـَّـمَ, وَاللهُ لا يَهدي القومَ الظالمينَ  |.

• وَالاعتدالُ هُوالاستقامة ُ{مُطلقا ً} وَقد دَعَا الإسلامُ إلىالاستقامةِ عَـلى مَنهج ِاللهِ وَشرْع ِاللهِ, جَلَّ في عُلاهُ. قالَ اللهُ تعالى مُخاطبا ً نبيَّهُ الكريمَ:} فاستمْسِكْ بالذي أوحِيَ إليكَ إنـَّـكَ عَلى صِرَاط ٍ مُستقيم  |. وَقالَ جَلَّ شأنـُهُ: }وَإنـَّـكَ لتدعُوهُم إلى صِرَاطٍ مُستقيم  |. وَقالَ: }وَإنـَّـكَ لتهدِي إلى صرَاط ٍ مُستقيم ٍ |. وَقالَ تعَالى وَاصِفا ً دينَ الإسلام:} ذلكَ الدِّينُ القيـِّمُ وَلكنَّ أكثرَ الناس ِلا يَعلمُونَ  |. وَالدِّينُ القيـِّمُ أي الدِّينُ المُستقيمُ. وَقالَ أيضا ًوَاصِفا ًالقرآنَ الكريمَ: } الحَمدُ للهِ الذي أنزلَ عَلى عَبدِهِ الكتابَ وَلمْ يَجعَلْ لهُ عِوَجا ً  قيـِّما ً لِيُنذِرَ بَأسا ً شَدِيدا ً مِنْ لدُنهُ وَيُبشِّرَ المُؤمنينَ الذينَ يَعمَـلـُونَ الصَّالحَاتِ أنَّ لهُم أجْرا ً حَسَنا ً  |. وَقالَ وَاصِفا ً دَعْوَة َالإسلام ِ وَمَنهَجَ الإسلام: } وَأنَّ هَذا صِرَاطِي مُستقيما ً فاتـَّبعُوهُ وَلا تـَـتــَّـبعُوا السُّـبُـلَ فـتـفـَرَّقَ بكـُم عَن سَبيلِهِ  |.
وَفوقَ ذلكَ فإنَّ المُسلِمَ يَتـَّجـِهُ إلى اللهِ في كـُـلِّ صَلاة ٍ, يَدعُوهُ في كـُـلِّ رَكعَةٍ حِينَ يَقرَأ بفاتِحَةِ الكتابِ أنْ يَهدِيَهُ الصِّرَاط َ المُستقيمَ. وَهَذا الصِّرَاط ُ خـَاصٌ بالمُؤمِنينَ الذينَ أنعَمَ اللهُ عَليهمْ بنِعْمَةِ الإيمَان ِ وَالهدَايَةِ لِدين ِالإسلام. وَليسَ هُو صِرَاط َ المَغضُوبِ عَليهمْ مِنَ اليَهُودِ, وَلا هُو صِرَاط َ الضَّالينَ مِنَ النَّصَارَى. قالَ تعَالى مُحَدِّدا ً مَا هُو الصِّراط ُ المُستقيم: }إهدِنا الصِّراط َ المُستقيمَ  صِرَاط َ الذينَ أنعَمْتَ عَـليهمْ  غـَير ِ المَغضُوبِ عَـليهم وَلا الضَّـالـِّينَ  |.

وَقد تسَاءَلَ القرآنُ تسَاؤلا ً بَليغا ً عَلى سَبيل ِالاستعارَةِ التمثيليةِ, فقال تعالى: } أفمَنْ يَمشِي مُـكِبَّا ً عَلى وَجْههِ أهْدَى أمـَّنْ يَمشِي سَويَّا ًعَلى صِرَاطٍ مُستقيم  |. هَذا بطريق ِالتمثيل ِللمُؤمِن ِ وَالكافِر, فالمُؤمنُ يَمشِي سَويَّا ً عَلى صِرَاطٍ مُستقيم, وَالكافِرُ يَمشي كالأعمَى عَلى غـَير ِهُدىً وَبَصِيرةٍ, مُـكِبَّـا ً عَلى وَجههِ إلى طريق ِالجَحِيم, وَيَا لهَا مِنَ استِعَارَةٍ رَائعةٍ!!.

إخوة الإيمان ِ والإسلام ِ:
بَعدَ كـُـلِّ هَذا البيان وَالتوضيح ِ يَحقُّ لنا أنْ نتسَاءَلَ: مَنْ هُمُ المُتطرِّفـُـونَ, وَمَنْ هُمُ المُعتدِلـُونَ؟ للإجابة نقولُ: المُتطرَّفـُونَ هُمْ أولئكَ الذينَ اختارُوا لأنفسهـِم شِقــَّـا ً غَيرَ شِقِّ اللهِ وَرَسُولِهِ, وَسَبيلا ً غَيرَ سَبيل ِ المُؤمِنينَ, وَمَنهَجا ً غَيرَ مَنهَج ِاللهِ تبارَكَ وَتعَالى, فوَقـَـفـُوا عَلى طرَفِ مُناقِض ٍ لِلإسلام. وَقـَـفـُوا عِندَ الهَاوية المُــؤدِّيَـةِ بهمْ إلى جَهَنـَّمَ وَالعِياذ ُ باللهِ, قالَ تعَالى: } وَمَنْ يُشاقِـق ِالرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تبَيَّنَ لهُ الهُدَى وَيتـَّبعْ غيرَ سَبيل ِالمُؤمِنينَ نُوَلــِّهِ مَا توَلـَّى وَنـُصلِهِ جَهَنـَّمَ, وَسَاءَتْ مَصِيرا ً  |. وَقالَ تعَالى:} ذلكَ بأنـَّهُم شاقـُّوا اللهَ وَرَسُولـَهُ وَمَنْ يُشَاقِــق ِاللهَ وَرَسُولـَهُ فإنَّ اللهَ شَـديـدُ العِقـَـابِ  |.

وَعَـلى ذلكَ فالمُـتطرِّفـُـونَ هُـمُ الكفارُ وَأعوَانُهُم مِنَ المُسلِمينَ الذينَ انحَرَفوا عَنْ مَنهَج ِاللهِ تبارَكَ وَتعَالى. وَأمَّا المُعتدلـُونَ فهُم المُؤمنـُونَ المُـتمَسِّـكـُونَ بكتابِ اللهِ وَسُـنـَّةِ رَسُولِهِ, الثابتـُونَ عـَلى الإسلام ِ, السَّائِرُونَ عَلى الصِّراط ِالمُستقيم الذي حَدَّدَهُ اللهُ رَبُّ العَالمِينَ.

هَذا فيمَا يَتعلــَّـقُ بالتطرُّفِ وَالاعتِدَال ِ مِنْ وُجْهَةِ نظر ِالإسلام, أمَّا بخُصُوص ِ التـَّشَدُدِ وَالتـَّعَصُّبِ. فهُناكَ حَالاتٌ تقتضِي مِنَ المُؤمنينَ أنْ يَقـِفـُوا المَوقِفَ المُتشدِّدَ الذي يَرضَاهُ اللهُ وَرَسُولـُهُ, وَمِنْ هَذِهِ الحَالاتِ التي تتطلـَّـبُ الشدَّة َ:

أولا ً: الشدة عـلى الكفـَّـار: قالَ تعَالى مُحَدِّدا ً مَوقِفَ المُؤمنينَ مِنَ الكفـَّار: }مُُحَمَّـدٌ رَسُولُ اللهِ, وَالذينَ مَعَهُ أشِدَّاءُ عَلى الكفار ِ رُحَمَاءُ بَينـَهُم  |. وَقالَ تعَالى: }يا أيُّها الذينَ آمَنـُوا قاتِلـُوا الذينَ يَلـُونـَـكم مِنَ الكفار ِ, وَليَجدُوا فيكـُم غِلظة, وَاعْـلـَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ المُتقينَ  |. أي أنَّ الرَّسُولَ ÷ وَصَحَابتـَهُ الأبرَارَ, وَالمُؤمنينَ الأخيارَ, غِلاظ ٌ عَلى الكفار ِ, مُترَاحِمُونَ فيمَا بَينـَهُم, كقولِهِ تعَالى: } أذِلـَّةٍ عَلى المُؤمنينَ, أعِزَّةٍ عَلى الكافِرينَ  |. قالَ أبو السُّعُودِ في تفسيرِهِsad.gif أيْ يُظهرُونَ لِمَنْ خَالفَ دِينـَهُمُ الشِّدَة َ وَالصَّلابَة َ, وَلِمََنْ وَافقهُمْ في الدِّين ِالرَّحمَة َ وَالرَّأفة َ) .

وَقالَ المُـفسِّرُونَ: وَذلكَ لأنَّ اللهَ أمَرَهُم بالغلظةِ عَليهم:} وَليَجدُوا فِيكم غِلظة ً  | . وَقدْ بَـلـَغَ مِنْ تشديدِهِم عَـلى الكفار ِ أنـَّهُم كانـُـوا يَتحَرَزُونَ مِنْ ثِيابهم أنْ تمَسَّ أبدَانـَهُم, وَكانَ الوَاحِدُ مِنهُم إذا رَأى أخـَاهُ في الدِّين ِ صَافـَحَهُ وَعَانـَقـَهُ.

ثانيا ً: الشدة عـلى العُـصَاة: وَكذلك لا توجَدُ رَافة ٌ وَلا رَحْمَة ٌ في حَـقَّ العُصَاةِ كالزُّناةِ مَثلا ً, قالَ تعَالى: }الزَّانيـَة ُ وَالزَّانِي فاجلِدُوا كـُـلَّ وَاحِدٍ مِنهُمَا مِائة َ جَلدَة ٍ, وَلا تأخُذكـُم بهمَا رَأفة ٌ في دِين ِ اللهِ, إنْ كنتم تؤمنُونَ باللهِ وَاليوم ِالآخِر, وَلـْيَشهَدْ عَذابَهُمَا طائِفة ٌ مِنَ المُؤمنينَ  |.

ثالثا ً:الشدة عـلى الظـَّـلـَمَة: وَأيضا ً فإنَّ الحَاكمَ الظالمَ الذي يَحيدُ عَن ِالحَـقِّ, وَيَنحَرِفُ عَنْ مَنهَج ِ اللهِ, ينبَغي عَلى المُؤمنينَ أنْ يَقـِفـُوا مِنهُ مَوقِفا ً صُـلبا ً مُتشدَّدا ً حَتى يَعُودَ إلى الحَـقِّ, وَيَرجـِعَ عَنْ ظـُلمِهِ, وَيَؤوبَ إلى مَنهَج ِاللهِ, وَشرْع ِاللهِ.

رَوَى أبو دَاودَ وَالترمَذيُّ أنَّ الرَّسُولَ ÷ قالَ: »كلا َّ وَاللهِ, لتأمُرُنَّ بالمَعرُوفِ, وَلتنهَوُنَّ عَن ِالمُنكر ِ, وَلتأخُذنَّ على يَدِ الظالم ِ, وَلتأطـُرُنـَّهُ عَلى الحَقِّ أطـْرا ً, وَلتقصُرُنـَّهُ عَلى الحَـقِّ قصْرا ً, أو ليَضربَنَّ اللهُ بقـُـلوبِ بعضِكـُم عَلى بَعْض ٍ«. فالمُسلمُ إذا ً يَتعَصَّبُ للحَقِّ, وَيَتمَسَّكُ بهِ تمَسُّـكا ً شدِيدَا ً, وَهذا التمَسُّـكُ وَالتعَصُّبُ يُعَـدُّ مِنَ الفضَائِل ِالتي يُحْمَدُ عَليهَا صَاحِبُهَا . وَإذا كانَ الأمرُ بالمَعرُوفَ, وَالنَّهيُّ عَن ِالمُنكر ِ يُعـَـدُّ في نـَـظر ِالغـَـربِ إرْهَـابـا ً, فإنـَّهُ في نَظر ِ الإسلام ِ فريضَة ٌ مِنْ فرائض ِاللهِ, تـُعَاقـَبُ الأمة ُ الإسلامية ُ عَلى ترْكِهَا. رَوَى الترمَذيُّ أنَّ رَسُولَ اللهِ ÷ قالَ : » وَالذي نَفسي بيَدِهِ, لتأمُرُنَّ بالمَعرُوفِ, وَلتنهَوُنَّ عَن ِ المُنكر ِ, أو ليُوشِكنَّ اللهُ أنْ يَبعَثَ عَـليكمْ عِقابا ً مِنهُ, ثـُـمََََّ تدعُونهُ فلا يُستجابُ لـَـكـُم «.

وَإذا كانتْ حُريَّـة ُ الارتِدَادِ عَن ِ الإسلام ِ, وَمُمَارَسَة ُ الفواحِشَ مِنَ المُثـل ِالعُـليَا عِندَ الغـَربِ, فإنـَّها تـُعَدُّ عِندَ المُسلمِينَ مِنْ أعْظـَم ِ الجَرائِم ِ وَمِنْ الكبائر ِالتي يُعَذبُ اللهُ مُرتكبيهَا أشَدَّ العَذابِ. وَالمُسلِمُ إذا رَأى حُرُمَاتِ الله ِ تـُنتـَهَـكُ يَجـِبُ أنْ يَغضَبَ للهِ, وَلا يَحِلُّ لـَهُ أنْ يُقابلَ ذلكَ بالارتياح ِ أو يَتقبـَّـلـَهُ بدَم ٍ بَاردٍ كالخِنزير ِالذي لا يَغـَارُ عَلى أنثاهُ.

وَإذا كانَ العَمَـلُ لِهـَدم ِ أنظِمَةِ الكـُـفر ِ وَإقامَةِ الدَّولةِ الإسلاميَّةِ {دولةِ الخِلافةِ} في نظر ِ الغـَرب ِ يُعَـدُّ أصُوليَّة ً وَتـَطرُّفا ً فإنـَّهُ في نَظر ِالإسلام ِ فريضَة ٌ حَتمِيـَّة ٌ يَجبُ العَمَـلُ عَلى إقامَتِهَا.

وَإذا كانَ الصُّـلحُ مَعَ اليَهُودِ الغاصِبينَ فِي نظر ِالغـَربِ يُعَـدُّ اعتدَالا ً وَتسَامُحا ً فهُو في نـَظر ِ الإسلام ِ خيَانة ٌ وَتفريط ٌ وَنـَذالة ٌ.
وَخِتاما ً نقولُ: عَلينـَا نـَحنُ المُسلمينَ أنْ نأخُذ المَفاهيمَ وَالقيمَ مِنْ عَقيدَتِـنـَا وَحَضَارَتِـنـَا الإسلامِيَّة, عَـلينـَا أنْ نأخُذ كـُـلَّ ذلكَ مِنْ كِتابِ اللهِ وَسُنةِ رَسُولِهِ ÷ قالَ تعَالى:} قدْ جَاءَكـُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبينٌ, يَهدِي بهِ اللهُ مَن ِاتـَّبعَ رِضْوانَهُ سُبُـلَ السَّلام ِ, وَيُخرِجُهُم مِنَ الظلماتِ إلى النـُّور ِ بإذنِهِ, وَيَهدِيهم إلى صِرَاط ٍ مُستقيم ٍ |.



اللهُمّ أقـِرَّ أعْيُنـَنـَا بـِقيَام ِ دَولةِ الخِلافـَة, وَاجْعلــْـنـَا مِنْ جُـنـُودِهَا الأوفـِياء المُخلِصينْ.

والسّلامُ عَليكـُمْ وَرَحْمَة ُ اللهِ وَبَرَكـَاتـُهُ.


عن كتاب نفحات إيمانية
إعداد نخبة من مشايخنا الأفاضل منهم الشيخ المرحوم /يوسف السباتين
تقديم الأستاذ / محمد أحمد النادي
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم
مفاهيم خطرة لضـرب الإسلام
(3) الوَسَطيـَّـة



الحمدُ لله رَبّ العَالمينْ, والعَاقبَة ُ للمُـتقينْ, وَلا عُدوَانَ إلا َّ عَلى الظالِمينْ, وَالصّلاة ُ وَالسّلامُ عَلى أشرَف ِالمُرسَـلينْ, وآلِهِ وَصَحْبـِهِ أجْمَعينْ, وَمْن تـَبـِعَهُ وَسَارَ عَلى دَرْبـِهِ, وَاهتـَدَى بهديـِهِ, وَاستـَنَّ بسُـنّـتِهِ, وَدَعَا بدَعوَتِهِ إلى يَوم ِالدّينْ, وَاجْعَـلنا مَعَهُمْ, وَاحْشُرنـَا في زُمرَتـِهمْ, برَحْمَتـِكَ يَا أرْحَمَ الرّاحِمِينْ. أمّا بَعدُ:

قالَ اللهُ تـَعَالى في مُحْـكـَم ِ كِتـَابـِهِ, وَهُوَ أصْدَقُ القائلينْ: }وَكذلكَ جَعَلناكـُمْ أمَّة ً وَسَطا ً لتكـُونُوا شُهَدَاءَ عَلى النَّاس ِوَيَكونَ الرَّسُولُ عَليكـُمْ شَهيدا ً  |.


إخوة الإيمان ِ والإسلام ِ:
كثـُرَ الخوضُ والحديثُ في الآونةِ الأخيرةِ عن ِالوَسطيةِ, وتحدَّثَ عنها المُتحدثونَ ممَّن يُقال عنهُم إنَّهم عُـلمَاءُ وَمُـفكـِّرُونَ, وقادة ُ أحزَابٍ سيَاسيُّونَ, وكلـُّهم يُحَاولـُونَ إبرازَ صُورةِ الإسلام ِ عَـلى أنـَّهُ دينُ الوَسَطِ والتسامُح ِ, وأنـَّهُ دينٌ لا يَعرفُ الغلوَّ وَلا التشدُّدَ, بَـلْ هُوَ دينٌ مُعتدلٌ.

وقد استدلـُّوا على ذلكَ بآياتٍ وأحاديثَ تـُظهرُ تسامحَ الإسلام ِ وَوَسطيتـَهُ, وعلى رَأس ِ تلكَ الأدلـَّة قولـُهُ تعالى:} وَكذلكَ جَعلناكمْ أمَّة ً وَسَطا ً لتكـُونـُوا شُهدَاءَ عـَلى النَّاس ِ وَيكونَ الرَّسُولُ عَليكـُمْ شَهيدا ً  |. كمَا عُـقِدَتْ لِذلكَ مُؤتمراتٌ وَنَدَوَاتٌ وَحِوارَاتٌ, تمَّ نقلـُها عَبْرَ وَسائل ِالإعلام ِ المَرئيَّةِ وَالمَسمُوعةِ وَالمَقرُوءَةِ. وَكانَ ذلكَ بدَعْم ٍ مِنْ دُوَل ٍلا تعترِفُ بالإسلام ِإلا بوَصفِهِ دِينا ً كهنـُوتيا ً لا دَخلَ لهُ في الحياةِ إلا َّ فيمَا يَتعلقُ بالعباداتِ فقط. وَهِيَ دُولٌ تريدُ أنْ تجعلَ لِنفسهَا غِطاءً شَرعيَّا ً لِتـقومَ وَتستمـرَّ بكـُـلِّ أعمَالِها الإجراميَّةِ في حَقِّ المُسلمينَ منْ تنكيل ٍ وإبادَةٍ, وَتحريفٍ في الدِّين ِعَبرَ المَناهِج ِ وَالمَنابـر ِ.

فمَا هِيَ الوَسَطيـَّة ُ ؟ وَمِنْ أينَ جَاءَتْ ؟ وَلمَاذا تـُطرَحُ ؟ ومَا هو حُكمُ اللهِ فيها ؟ للإجابةِ عنْ هذهِ التساؤلاتِ نقولُ: إنَّ مُصطلحَ الوَسَطيَّةِ لمْ يظهَرْ عِندَ المُسلمينَ إلا َّ في العَصر ِالحَديثِ بَعدَ هَدم ِ دَولةِ الخِلافةِ في مَطلع ِالقرن ِالعِشرينَ, وَيُـقصدُ بهِ الاعتدالُ وَعَدم ِالتطرُّفِ, وَهُو مُصطلحٌ دَخيل ٌ في لفظهِ وَمَعناهُ, مَصدَرُهُ الغربُ, وَالمَبدَأ الرَّأسمَاليُّ تحديدا ً.
ذلكَ المَبدَأ الذي بُنيتْ عقيدتـُهُ عَـلى الحَـلِّ الوَسَطِ , الحَـلِّ الذي نشأ نتيجة َ الصِّراع ِالدمَويِّ بينَ الكنيسةِ وَالمُـلوكِ التابعينَ لها منْ جهةٍ, وَبَينَ المُـفكرينَ وَالفلاسفةِ الغربيِّـينَ مِنْ جهَةٍ أخرَى.

الفريقُ الأولُ يَرَى أنَّ الدِّينَ النـَّصرانيَّ دِينٌ صَالحٌ لمُعَالجَةِ جَميع ِشـُؤون ِالحَيَاةِ , وَالفريقُ الثاني يَرَى أنَّ هذا الدِّينَ غـَيرُ صَالِح ٍ لِذلك, فهُو سَبَبُ الظلم ِوَالتأخُّر؛ فأنكرُوهُ وَأنكرُوا صَلاحيَتهُ, وَاستعاضُوا عـَنهُ بالعقل ِالذي هُو حَسَبَ رَأيهم قادرٌعَـلى وَضع ِ نِظام ٍ صَالح ٍ لِتنظيم ِشُؤون اِلحَيَاةِ.

وَبَعدَ صِرَاع ٍ مَرير ٍ بَينَ الفريقين ِ, اتفقـُوا عَـلى حَـل ٍ وَسَط ٍ وَهُوَ الاعترَافُ بالدِّين ِعَـلى أنـَّهُ يُنظـِّمُ العَلاقة َ بَينَ الإنسَان ِ وَخالقِهِ فقط , وَلا دَخلَ لهُ في الحَياةِ مُطلقا ً, واتخذوا فِكرَة فصل ِ الدين ِعَن ِالحَيَاة ِعَقيدة ً لمبدَئِهم, انبَثقَ عَـنهَا النـِّظامُ الرَّأسمَاليُّ الذي نهَضُوا عـَلى أسَاسِه ثمَّ حَمَـلوهُ إلى غيرِهِم منَ النـَّاس ِ بطريقةِ الاستعمار ِ.

وكانَ أثرُهذا الحلِّ الوَسَط ِ{الوسطية} بارزا ً في كلِّ تشريع ٍأو سلوكٍ عندَ أصحابِ المبدأ الرأسماليِّ, فاعتمدُوا عَـلى رَأي الاغلبيةِ في أخذِ التشريع ِ, بغضِّ النظر ِعنْ صلاحيةِ وَصَوابِ رأي الأقلية, وهمْ في سلوكِهم تجاهَ القضايا السياسية يتبنونََََ الحلَّ الوسط َ, دونَ النظر ِإلى صَوَابِ هذا الحلِّ أو خطئِهِ. ففلسطينُ مثلا ً يُطالِبُ بهَا العَرَبُ المُسلمُونَ على أنـَّها كلها بلادُهم, وفي الوقتِ نفسِهِ يدَّعي اليهودُ أنـَّهَا أرضُ الميعَادِ التي وَعَدَهم اللهُ بهَا, فتتــِّـفِقُ الدولُ الغربية ُ الرأسمالية ُ عَلى إقامةِ كيانين ِ في فلسطينَ, أحدُهُمَا لليَهُودِ, وَالآخرُ للعَرَبِ حَلا ً للمُشكلةِ, وَيَظهَرُ هَذا الحَلُّ الوَسَط ُ في كثير ٍ مِنَ المُشكلاتِ, كمُشكلةِ قبرُصَ وَالسُّودَان ِ وَأندُونيسيَا وَكشميرَ وَالبُوسنةِ وَغيرِهَا.

وَبَدَلَ أنْ ينتـَقِدَ المُسلمُونَ فِكرَة َالوسطيةِ أو الحلِّ الوسطِ, ويُبيـِّـنُوا خطأها وزيفـَها, أخـَذوا بهَا وَصَارُوا يدَّعُونَ أنـَّهَا مَوجُودة ٌ في الإسلام, بلْ إنَََََََّ الإسلامَ حَسَبَ زعمِهم قائمٌ عَـليهَا, فهُوَ بينَ الرُّوحيَّـةِ وَالمَاديَّـةِ, وَبَينَ الواقعيَّـةِ وَالمثالـيَّـةِ, وَبَينَ الإفرَاطِ وَالتفريطِ.

وللبُرهان ِعَـلى مَا ذهبُوا إليهِ استقرَأوا الأشياءَ فوجدُوا أنَّ لِكـُـلِّ شَيءٍ طرَفين ِ وَوَسَطا ً, وَالوَسَط ُ مِنطقة ُ أمَان ٍ, بَينمَا الأطرَافُ تتعرَّضُ للخـَطر ِ وَالفسَادِ, وَأنَّ الوَسَط َ مَركزُ القوَّةِ, وَأنـَّهُ مِنطقة ُ التـَّعادُل ِ والتوازُن ِ لِكـُـلِّ قطبين. وَمَا دامَ لِلوَسَطيـَّـةِ كـُـلُّ هَذِهِ المَزايا ــ حَسَبَ زعمِهمْ ــ فلا عَجَبَ أنْ تتجَلـَّى فِي كـُـلِّ جَوانبِ الإسلام, فالإسلامُ وَسَط ٌ في الاعتقـَادِ وَالتعبـُّدِ, وَوَسَط ٌ في التشريع ِ والأخلاق ِ وَهَكذا. ثمَّ إنـَّهم بَحَثــُوا في النـُّصُوص ِالشَّرعيَّة, فـَـلـَوَوا أعنـَاقَ النـُّصُوص ِ لتلائمَ مَا ذهبُوا إليهِ, فقالـُوا في قولهِ تعَالى:} وَكذلكَ جَعَـلـْـناكـُم أمََََّة ً وَسَطا ً لتكونُوا شُهدَاءَ عَـلى النـَّاس ِ وَيَكونَ الرَّسُولُ عَـليكـُمْ شهيدا ً  |. قالوا: إنَّ وَسَطية َالأمَّةِ الإسلاميةِ إنـَّمَاهِيَ مُستمدَّة ٌ منْ وَسَطيةِ مَنهَجهَا وَنظامِهَا, فليسَ فيها غـُـلـُوُّ اليهودِ , وَلا تساهُـلُ النـَّصَارَى وَهكذا.

إلا َّ أنَّ المَعنى الصَّحيحَ لهذهِ الآيةِ هُوَ أنَّ الأمَّة َ الإسلامية َأمَّة ُعَـدل ٍ, وَالعَدلُ مِـنْ شرُوطِ الشـَّاهِدِ في الإسلام ِ. وَهِيَ ستكـُونُ شَاهِدَة ً عَـلى الأمَم ِالأخرَى عَـلى أنـَّها بلـَّـغتها الإسلامَ . فالآية ُ وإنْ جاءَتْ بصيغةِ الإخبار ِ فهيَ طلبٌ من اللهِ تعالى للأمَّةِ الإسلاميَّةِ أنْ تـُبلـِّغَ الإسلامَ لِغيرهَا مِنَ الأمم ِِ, وَهَذا مُـقتضَى الشَّهَادَةِ, وَمُـقتضَى شهادتِها أنـَّها خَيرُ الأمَم ِ وَأشرَفـُهَا وَأعلاها لقولهِ تعالى: } كـُنتـُمْ خـَيرَ أمَّةٍ أخرجَتْ للنـَّاس ِ تأمُرُونَ بالمَعرُوفِ وَتنهَونَ عَن ِالمُنكر ِ وَتـُؤمنـُونَ باللهِ  |.

كذلكَ استدَلَّ المُنادُونَ بوَسطيـَّةِ الإسلام ِ بقولهِ تعَالى:} وَالذينَ إذا أنفقـُوا لـَمْ يُسرفـُوا وَلمْ يَقتـُرُوا وَكانَ بَينَ ذلكَ قوَاما ً  |. فجَعَـلـُوا للإنفاق ِ طرَفين ِهُمَا الإسرَافُ وَالتقتيرُ, وَجَعلـُوا لهُ وَسَطا ً وَهُوَ القـَوَامُ, فإنْ قـَدَّم شخصٌ خرُوفا ً لِضيفٍ وَاحدٍ فهُوَ إسرَافٌ, وَإنْ لم يُـقـدِّم لهُ شيئا ً فهُوَ تقتيرٌ, وإنْ قدَّمَ مَا يَكفي لهُ فهُوَ القـَوَامُ, وَمَا دَامَ اللهُ حرَّمَ الإسرَافَ وَحَرَّمَ التقتيرَ, وَأحَـلَّ القـَوَامَ وَهُوَ الإنفاقُ المُعتدِلُ, فمَعنى ذلكَ أنـَّهُ شَرَع َ في الإنفاق ِالحلَّ الوَسَط َ, واستدلـُّوا بذلكَ على وَسَطيَّةِ الإسلام ِ.

أمَّا الفـَهمُ الشـَّرعيُّ الصَّحيحُ وَالذي دَلـَّتْ عَـليهِ الآيـَة ُ وَالنـُّصُوصُ الأخرَى مِنَ الكِتابِ وَالسُّـنـَّةِ, فهُوَ أنَّ الإنفاقَ ثلاثة ُ أنواع ٍ اثنان ِ مُحَرَّمَان ِ وَهمَا: الإسرَافُ والتقتيرُ والثالثُ حَلالٌ ومَطلوبٌ شَرعا ً وهُو القـَوَامُ. وَالقـَوَامُ هُو الإنفاقُ حَسَبَ أحكام ِالإسلام ِ,كثيرا ً كانَ أمْ قليلا ً, فمَنْ نحَرَ جَزورا ً لِضَيفِهِ الواحِدِ أو قدَّمَ لهُ رَغيفا ً مِنَ الخُبز فهُو جَائزٌ, غـَـنيَّا ً كانَ المُضيفُ أمْ فقيرا ً. فأمَّا الإسرَافُ فهُوَ الإنفاقُ في الحَرَام, فمَنْ أنفقَ دِرْهما ً في شِراءِ الخمْر ِ فهُو إسْرَافٌ وهُوَ حَرَامٌ . وَأمَّا التقتيرُ فهو الامتناع ُعن ِالإنفاق ِفي الوَاجبِ, فلو امتنعَ شخصٌ عنْ دفع ِدرهَم ٍ وَاحِدٍ مُستحَق ٍ عليهِ منْ زكاةِ مالِهِ كانَ ذلكَ تقتيرا ً وهُوَ حَرَامٌ أيضا ً.

إنَّ فكرة َ الوسطيةِ بهذا المعنى{ بَينَ البينين ِ} أو{الوَسَط بَينَ طرَفين} قدْ نبذهَا الجَاهليـُّونَ, وَأعلنـُوا رَفضَهمْ لهَا, بـَـلْ وَآثرُوا المَوتَ عَـليهَا فقالَ شاعرُهُم:

وَإنـَّـــا لقـَـــومٌ لا تـوَسُّــط َ بَـيننـَــا لنـَا الفخرُ دُونَ العالمينَ أو القـَبرُ ؟!!

إنَّ فكرَة َ الوَسَطيَّةِ أو الحَـل ِالوَسَط ِ فكرة ٌ غريبة ٌعن ِالإسلام ِ, يريدُ الغربيـُّونَ وَمَنْ وَالاهُم مِنَ المُسلمينَ أنْ يُـلصِِقـُوهَا بالإسلام ِ باسم ِ الاعتدَال ِ وَالتسامُح ِ وَعَدَم ِالتطرُّفِ وَذلكَ لِحَرفِنا عَنْ حُدودِالإسلام ِ وَأحكامِهِ. إننا نـَرَى أنَّ طرحَ الوَسطيَّةِ في هذا الوقتِ بالذاتِ, الذي لمْ يتوقفْ فيهِ جَرَيانُ دِمَاء المُسلمينَ على أيدي الكفار ِالغربيينَ وَاليهودِ هُوَ مُكافأة ٌ لهُم عَـلى مَا يَصنعُونَ, وَهُوَ إعلانٌ وَاعترافٌ بالاستسلام ِ والإذعان ِ لهم فيما يُريدونَ . فلمَّا عَجزتْ جُيُوشُهم عنْ تركيع ِ المُسلمينَ جَاءُونا بهؤلاءِ المُتكلـِّمينَ وَالمُتحدثينَ, وَهُم الجيُوشُ البديلـَة ُ التي تنـُوبُ عَنهُم في فِلسطينَ وَالعرَاق ِ وَصِربيا وَكرواتيا وَرُوسيا وكشميرَ والفلبينَ والصِّين ِ وكافةِ بقاع ِالأرضْ.

مُؤتمراتٌ ومُؤامراتٌ تارة ًعن ِالوَسَطِية وَتارة ًعنْ حِوَار ِالأديان ِ وَأخرَى عَن ِالاعتدال ِ والتطرُّفِ, فعَنْ أيةِ وَسَطية ٍ, وأيِّ حِوَار ٍ يتحدثُ أبواقُ الكفر ِ وَالهزيمَةِ ...؟؟ وإلى أيِّ عَار ٍ وَخِزي ٍ يَدْعُونْ ...؟؟ إنَّ بَحثَ الوَسطيَّةِ لمْ يَنطلـِقْ منْ مُنطلق ٍ شرعيٍّ ابتداءً, بلْ منْ مَوقِفٍ سياسيٍّ يَعمَـلُ عَلى تكريس ِ تـَوَجُّهٍ عندَ الأمَّةِ يناسبُ الغربَ, إنـَّهُ بَحْث ٌ يتعلقُ باستمرار ِاستعمار ِ العُـقول ِ, فلمْ يَعرِفِ المُسلمونَ طوالَ تاريخِهم مَفهومَ الوسطيةِ إلا َّ بَعدَ أنْ زَالتْ خِلافتـُهُم , وَهُزمُوا وَتمَزقـُوا في حَاراتِ سَايكس بيكـُو وَحُـكمُوا بأنظمَةِ الكـُـفر.

إخوة الإيمان والإسلام : أيها الأحبة:
يَتبيـَّنُ لنـَا مِنْ كـُـلِّ مَا سَبَقَ أنـَّهُ لا وَسَطيَّة َ, وَلا حَـلَّ وَسَط ٍ في الإسلام. وَعَـليهِ فإنـَّهُ يَجبُ أنْ نرفـُضَ بكـُـلِّ عَـزم ٍ وَإصرار ٍ, وَبكـُـلِّ مَا أوتينـَا مِنْ قـُـوَّةٍ طرحَ الغربِ لِفكرَةِ التـَّطرُّفِ وَالاعتدَال ِ وَالوَسَطيه ِ, وَكـُـلَّ الأفكار ِالتي لهَا مَسَاسٌ بعقيدتِنـَا وَدينـِنـَا, وَيجبُ أنْ نرفـُضَ بشدةٍ تدخُـلـَهُ في أمُور ِ دِيننا.

وَقـَدْ بشَّـرَنا رَبُنا عزَّ وَجَلَّ بأنَّ دينـَنـَا هُوَ الدِّينُ الظـَّاهِرُ عَـلى كـُـلِّ الأديَان ِ فقالَ جَـلَّ مِنْ قائل:} يُريدُونَ أنْ يُطفِئـُوا نـُورَ اللهِ بأفواهِهمْ وَيَأبَى اللهُ إلا َّ أنْ يُتمَّ نُورَهُ وَلـَو كـَرهَ الكافـِرُونَ  هُوَ الذي أرسَـلَ رَسُولـَهُ بالهُدَى وَدِيـن ِالحقِّ ليُظهرَهُ عَلى الدِّين ِ كـُـلـِّهِ وَلـَو كـَرهَ المُشركونَ  |.

فالاعتصَامُ بحَبل ِاللهِ المَتين ِ, وَحَملُ دَعوَةِ الإسلام ِ وَالعَملُ لإقامةِ الخِلافةِ هُوَ الذي يُوَحدُ المُسلمينَ في دَولةٍ وَاحدَةٍ ترفـَعُ رَاية َ الجهَادِ لـِتنشُرَ الإسلامَ في العالم ِ, وَتحَطمَ الكـُـفرَ وَأدَوَاتِهِ لتـُخرجَ النـَّاسَ مِنَ الظـُّـلمَاتِ إلى النـُّور ِ, عِندَهَا تكونُ أمتـُنا أدَّتْ رسَالتـَهَا وَاستجَابَتْ لأمر ِ رَبِّهَا.


اللهُمّ أقـِرَّ أعْيُنـَنـَا بـِقيَام ِ دَولةِ الخِلافـَة, وَاجْعلــْـنـَا مِنْ جُـنـُودِهَا الأوفـِياء المُخلِصينْ.

والسّلامُ عَليكـُمْ وَرَحْمَة ُ اللهِ وَبَرَكـَاتـُهُ.


نفس المصدر
أبو دجانة
ولك إن تقرأ إن شئت كتيب مفاهيم خطرة لضرب الإسلام

وهو من إصدارات حزب التحرير
ابو هشام
السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،

اخي ابو دجانة بارك الله فيك.
هل يمكن الحصول على نسخة من كتاب نفحات ايمانية و جزاك الله كل خير.
متعلم
السلام عليكم
وهذا بحث راقي للشيخ ياسين بن علي من موقع الزيتونة
http://www.azeytouna.net/Dialog/index.htm
بسم الله الرّحمن الرّحيم

الوسطية في ميزان العقل والنقل (1)





الكاتب: ياسين بن علي



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه



برزت في الفترة الأخيرة فكرة الوسطية واشتهرت، فأصبحت شعار الجماعات، وهدف العلماء، ومقصد السّاسة ومطلب الدول، وأسّست على أساسها الجمعيات، وتسمّت باسمها الأحزاب والتيارات والحركات، وعقدت لها مئات الندوات وألفت فيها الكتب والمقالات.

ولقد تهيّأ للوسطية الوسط الذي تنمو فيه، وتوفّر لها من الإمكانيات البشرية والإعلامية والمالية ما جعلها تبرز على الساحة الفكرية والسياسية بروزا ملحوظا، فجرت على لسان العالم والجاهل، والعميل والمخلص، والجلاّد والمجلود على حدّ سواء، حتى إنّنا إذا استمعنا لخطب الطواغيت والعملاء وجدناهم ينادون بالوسطية، وإذا قرأنا الدساتير الوضعية – كدستور الكويت – وجدناها تنصّ على الوسطية كمنهج وقاعدة متبعة، وإذا قرأنا لبعض العلماء وجدناهم هم أيضا يعترفون بالوسطية، ويقولون: "ربّما كان الاعتراف بصحّة مفهوم الوسطية، وتأهيله للتأسيس والصياغة في العلم والعمل، يعدّ حقيقة مسلّمة لا جدال حولها".(1) ويقول الشيخ يوسف القرضاوي واصفا انتشار ما يسميه "التيار الوسطي": "... قاعدته في المجتمع أعرض، وجمهوره أكبر، كما أنه الأقدم زمنا، والأطول عمرا، ولهذا تنادي به الآن كبرى الجماعات والحركات الإسلامية المعاصرة وأقدمها: الإخوان المسلمون في مصر والعالم العربي، وامتدادها في العالم، وكذلك الجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية (باكستان، وبنجلاديش، والهند) وحزب الرفاه الإسلامي في تركيا، وحزب النهضة في الجزائر، وحركة الإصلاح والتجديد في المغرب، والجبهة الإسلامية القومية في السودان، على تفاوت بين هذه الجماعات في الفهم والسلوك والممارسة. أما حزب النهضة في تونس، وحماس في الجزائر، والتجمع الإصلاحي في اليمن، وجبهة العمل الإسلامي في الأردن، فكلّهم محسوبون على الإخوان المسلمين". (2)



لذلك، والحالة كما ذكرنا، كان لا بدّ من بيان واقع هذه الوسطية، وبيان الأسس التي قامت عليها، والآراء التي تدعو إليها، وذلك بوضعها في ميزان العقل والنقل، ومحاكمتها على ضوء الأدلة العقلية والشرعية.



مفهوم الوسطية

الوسطية من الوسط. و"الوسط في اللغة - كما جاء في القاموس المحيط للفيروزآبادي - محركة، من كل شيء: أعدله. {وكذلك جعلناكم أمّة وسطا} أي عدلا خيارا... ووسطهم، كوعد، وسطا وسطة: جلس وسطهم. وهو وسيط فيهم، أي: أوسطهم نسبا، وأرفعهم محلا. والوسيط: المتوسط بين المتخاصمين... ووسط الشيء، محركة: ما بين طرفيه، كأوسطه. فإذا سكّنت كانت ظرفا أو هما فيما هو مصمت كالحلقة، فإذا كانت أجزاؤه متباينة فبالإسكان فقط، أو كلّ موضع صلح فيه بين فهو بالتسكين وإلاّ فبالتحريك... ووسّطه توسيطا: قطعه نصفين أو جعله في الوسط، وتوسّط بينهم: عمل الوساطة، وأخذ الوسط بين الجيّد والرديء..".

وجاء في (مختار الصحاح): "وسط، القوم من باب وعد و(سطة) أيضا بالكسر أي (توسّطهم)... و(التّوسيط) أن يجعل الشيء في الوسط. وقرأ بعضهم: {فوسّطن به جمعا} بالتشديد. و (التّوسيط) أيضا قطع الشيء نصفين. والتّوسط بين الناس من (الوساطة). و(الوسط) من كل شيء أعدله ومنه قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمّة وسطا} أي عدلا. وشيء (وسط) أيضا بين الجيّد والرديء. و (واسطة) القلادة الجوهر الذي في وسطها وهو أجودها... وتقول جلست (وسط) القوم بالتسكين لأنّه ظرف وجلست (وسط) الدار بالتحريك لأنّه اسم وكلّ موضع يصلح فيه بين فهو وسط وإن لم يصلح فيه بين فهو وسط بالتحريك وربّما سكّن وليس بالوجه".



وأمّا اصطلاحا، فقد عرّفت الوسطية بتعريفات كثيرة نذكر منها ما يلي:

قال علي عبد الرضا: "اصطلاحاً فالوسطية: حالة – خطابية أو سلوكية – محمودة تعصم الفرد من الميل إلى جانبي الإفراط و التفريط. ومفهوم الوسطية قديم قدم العدل الذي يمتد إلى عمق التاريخ، فكان لفظ الاعتدال معبراً أساسيا عن مفهوم الوسطية والموزونية التي تنشدها الشعوب المضطهدة و المقهورة. أما لفظ الوسطية، فكان نادراً في كتب اللغة و الأدب باستثناء الفترة الأخيرة التي اخذ بها يتوسع على حساب المصطلحات الأخرى".(3)

ويرى الدكتور محمد عمارة الوسطية: " أخص ما يختص به المنهج الإسلامي..( فهي ) عدسته اللاّمة لأشعة ضوءه، وزاوية رؤيته كمنهج. إنها الحق بين باطلين، والعدل بين ظلمين، والاعتدال بين طرفين. وليست هي انعدام الموقف الواضح والمحدد أمام مشكلات كما يظن البسطاء. إنها في الإسلام موقف جديد بين نقيضين متقابلين ليس منبتّ الصلة عن سماتهما، إنما خلافه لهما منحصر في رفضه الانحصار أو الانغلاق على سمات أحدهما. إنه منحصر في رفضه الانحياز المغالي أو غلو الانحياز. وهي تجمع وتؤلف ما يمكن جمعه وتأليفه كنسق غير متنافر ولا ملفق من سمات القطبين. فالإثم هو المرفوض من سمات القطبين. وبهذه الوسطية يكون طوق النجاة من تمزق الانشطارية في المتقابلات المتناقضة والتي حدثت في الأمم الأخرى. فلم تعرف الحضارة الإسلامية تناقضاً بين الروح والجسد، بين الدنيا والآخرة، بين الدين والدولة، بين الذات والموضوع، بين الفرد والمجموع، بين الفكر والواقع، بين المقاصد والوسائل، بين الاجتهاد والتقليد، بين الثابت والمتغير، بين الدين والعلم. بينما انشطرت المدنية الغربية إلى مادية ومثالية، منذ جاهليتها اليونانية وحتى نهضتها الحديثة".(4)

وقال الشيخ يوسف القرضاوي: "من أبرز خصائص الإسلام وهي الوسطية، ويعبّر عنها أيضا بالتوازن ونعني بها التوسط أو التعادل بين طرفين متقابلين أو متضادّين، بحيث لا ينفرد أحدهما بالتأثير، ويطرد الطرف المقابل، وبحيث لا يأخذ أحد الطرفين أكثر من حقّه، ويطغى على مقابله ويحيف عليه.

مثال الأطراف المتقابلة أو المتضادة: الروحية والمادية، والفردية والجماعية، والواقعية والمثالية، والثبات والتغير وما شابهها. ومعنى التوازن بينها: أن يفسح لكلّ طرف منها مجاله، ويعطى حقّه بالقسط أو بالقسطاس المستقيم بلا وكس ولا شطط ولا غلو ولا تقصير ولا طغيان ولا إخسار...".(5)



مزايا الوسطية ومظاهرها عند القائلين بها



يذهب أصحاب الوسطية إلى القول بمزايا الوسطية وفوائدها الكثيرة التي جعلتها – كما يزعمون – أليق برسالة الإسلام الخالدة. من ذلك أن الوسطية -كما يقولون- تعني العدل، والاستقامة، ودليل الخيرية، وتمثّل الأمان، ودليل القوة، ومركز الوحدة، ونقطة التلاقي، وملازمة التيسير. "وإذا كان للوسطية كلّ هذه المزايا –كما يقول الشيخ القرضاوي-، فلا عجب أن تتجلّى واضحة في كلّ جوانب الإسلام، نظرية وعلمية، تربوية وتشريعية. فالإسلام وسط في الاعتقاد والتصوّر.. وسط في التعبّد والتنسّك .. وسط في الأخلاق والآداب .. وسط في التشريع والنظام".(6)

ويقول الشيخ سفر بن عبد الرحمن الحوالي (في رسالته وسطية أهل السنة والجماعة، بتصرف): "وهذه الوسطية تتجلى في أمور الإيمان والعقيدة جميعا، وكما أن هذه الأمة - أي أهل القبلة عموما - جعلها الله تبارك وتعالى أمة وسطا فأهل السنة هم وسط أهل هذه الأمة وخيارها ، وهم أصحاب المنهج الوسط في هذه الأمة، ولو أخذنا نضرب الأمثلة من أبواب العقيدة بابا بابا، لطال بنا المقام ، ولكن نوجز ذلك بما يتضح به المنهج القويم، فمثلا :في صفات الله تبارك وتعالى ... في باب الإيمان والأحكام والأسماء ... باب القدر ...وموضوع الصحابة الكرام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم...".

ويقول د. عثمان جمعة ضميرية: "ومن أهم خصائص هذا الإسلام الذي أكرمنا الله تعالى به أنه وسط في المِلَل والأديان، جعله الله تعالى وسطاً بين الإفراط والتفريط، أو بين الغلوِّ والتقصير؛ وتظهر هذه الوسطية في المجالات أو النواحي التي ألمحنا آنفاً إلى أن الدين يشملها كلّها:

أ - ففي العقيدة: المسلمون وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين؛ فهم لم يغلوا فيهم غلوَّ البوذيين وغلوَّ النصارى الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم، ولا جَفَوْا عنهم كما جفَت اليهود فكانوا يقتلون الأنبياء بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذّبوا فريقاً وقتلوا فريقاً، وكذَبوا على ربهم، بل المؤمنون المسلمون: آمنوا برسل الله جميعاً، وعزّروهم ووقّروهم، وأحبُّوهم وأطاعوهم، ولم يعبدوهم ولم يتّخذوهم أرباباً، وآمنوا بجميع الكتب المنزلة على الرسل والأنبياء، فكان ذلك وسطية وتوازناً بين أمرين مذمومين.وكذلك الوسطية والتوازن بين عبودية الإنسان المطلقة لله، ومقام الإنسان الكريم في الكون؛ فقد نأى الإسلامُ بعقيدته الصافية عن كلِّ الإفراطات والتفريطات وعن كلِّ الهزات والأرجحات التي تعاورت المذاهب والمعتقدات والتصورات ما بين تأليه الإنسان في صُوَره الكثيرة، وتحقير الإنسان إلى حدّ الزراية والمهانة. ويبدأ الإسلام فيفصل فصلاً تاماً بين حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية، وبين خصائص الألوهية وخصائص العبودية، بينما تقول الكنيسة بألوهية المسيح عليه السلام على اختلاف المذاهب الكنسية كما أن المذاهب والفلسفات الأوروبية وما قام عليها من مناهج التفكير، لما أعلنت رفعة الإنسان ومقامه جعلت ذلك على حساب إيمانها بألوهية الربّ سبحانه وما ينبغي له.

وكذلك توسطت العقيدة الإسلامية في الاهتمام بالمجالات المادية والروحية، ونأت عن الإفراط والتفريط في كليهما؛ فوازنت بين الجانبين موازنة دقيقة، وضبطت العلاقةَ والنسبةَ بينهما، وبذلك يلتقي العمل للدنيا والعمل للآخرة، وكلٌّ منهما عبادة لله تعالى، وتحقيقٌ لغاية الوجود الإنساني، ضمن شروط معينة. بينما تأرجحت المذاهب الأخرى بين الاهتمام بالنواحي المادية الذي يظهر في المدنية الغربية الحديثة التي لا تقرّ الحاجة إلى خضوع مّا إلا لمقتضيات اقتصادية أو اجتماعية، وأصبح معبودها هو المال والقوة والرفاهية والرقي الماديّ - وبين الإزراء بهذا الرقيّ المادي والمتاع الدنيوي، كما هو الشأن في المذاهب التي تدعو إلى الرهبنة وتعذيب الجسد من أجل رقيّ الروح وتهذيبها للوصول إلى مرحلة الفناء.

ب - وفي مجال العبادة والتحليل والتحريم: جاء الإسلام وسطاً بين الرهبانية التي قطعت كل صلة بالحياة وانقطعت للعبادة وبين الإغراق في المجال المادي والاهتمام بالنواحي الحسية والمادية والطغيان المالي والانصراف عن العبادة وترقية النفس، كما أنَّ أمر التحليل والتحريم جاء في الإسلام وسطاً بين اليهود الذين حُرّم عليهم كثير من أنواع الطعام واللباس، بسبب ظلمهم؛ فلا يأكلون ذوات الظفر مثل الإبل والبط.. والنصارى الذين استحلّوا الخبائث وجميع المحرمات وباشروا النجاسات، أما المؤمنون المسلمون فقد أحلَّ الله لهم الطيبات وحرَّم عليهم الخبائث.

ج - وفي التشريع: جاء الإسلام وسطاً بين اليهود الذين حرَّموا على الله أن ينسخ ما يشاء ويمحو ما يشاء ويُثْبت، وبين النصارى الذين أجازوا لأكابر علمائهم وعُبَّادهم أن يشرعوا بالتحليل والتحريم من دون الله.

د - وفي مجال السلوك والأخلاق: جاءت شريعة الإسلام وسطاً بين الإفراط والتفريط في الإلزام الأخلاقي، بين الجنوح إلى المثالية الخيالية والواقعية المتزمتة؛ فهي لا تترك الحياة كلها للمشاعر والضمائر، ولا الترف والميوعة والهوى الذي يعصف بها في تيارات الخلاعة والمجون، ولكنها ترفع الضمائر بالتهذيب والتوجيه، تعمرها بتقوى الله ومراقبته، وسلوك محاسن الأخلاق تأسياً بنبينا صلى الله عليه وسلم الذي مدحه الله تعالى بعظمة الخُلُق؛ وهكذا في سائر العلاقات الفردية والاجتماعية، والمصلحة الذاتية والجماعية.

ه - وأما في منهج النظر والاستدلال: فإن الإسلام وَازَنَ بين مصادرِ المعرفة، وهي الوحيُ والعقلُ والحسُّ، ولم يسمح بالصراع بين هذه المصادر، ولم يكن إعلاء شأن أحدها سبباً لإهمال الأخرى، فلكلٍّ مجاله ودوره وخصائصه، بخلاف ما وقع من صراع بينها في الكنيسة الأوروبية، وفي المذاهب المادية الوضعية، فإن الاعتراف بمصدر عندهم معناه إلغاء المصادر الأخرى، وكذلك جاء الإسلام وسطاً يوازن بين أمور الغيب وأمور عالم الشهادة، وفي سائر الأمور المتقابلة". انتهى.(7)

وقال علي عبد الرضا: " فوسطية الإسلام لا تقتصر على جانب محدد وإنما شاملة للجوانب الأخرى، ويمكن مشاهدة ذلك في أغلب مجالات الدين والحياة... وسطية بين الارتماء في أحضان الدنيا وبين الرهبانية المنقطعة... ووسطية بين الإسراف و التقتير... ووسطية بين التكالب على الأكل والشرب وبين ممارسة الرياضات المهلكة والانقطاع عن الغذاء... ووسطية في اللباس بين ما يوجب شهرة بالجودة وشهرة بالرذالة... ووسطية في العلاقات الإنسانية، بين التصلب و الليونة... ووسطية في السلوك بين التباطؤ والهرولة، أو بين خفض الصوت و ارتفاعه...".(8)

فهذه جملة من مظاهر الوسطية قصدنا الإطناب في نقلها لكي يتضح للقارئ الكريم واقعها.



يتبع إن شاء الله تعالى...

20شوال 1428هـ



(1) نقلا عن مقال الشيخ سلمان العودة في صحيفة الجزيرة الالكترونية السعودية، الاثنين 8 ربيع الأول 1423 /2002م

(2) ينظر مستقبل الأصولية الإسلامية، ص77

(3) نقلا عن مجلة النبأ عدد 39/40 شعبان/رمضان 1420هـ

(4) نقلا عن كتاب معالم المنهج الإسلامي، عرض وتلخيص: أ. نور الدين قرة علي، مجلة الرشاد العدد 11 السنة السادسة ذو الحجة 1421هـ/ مارس 2001م

(5) الخصائص العامة للإسلام، ص115

(6) المصدر السابق، ص122

(7) نقلا عن وسطية الإسلام والأمة المسلمة، مجلة البيان عدد 167 بتاريخ 01/10/2001م

(8) نقلا عن مجلة النبأ عدد 39/40 شعبان/رمضان 1420هـ بتصرف

هناك سبعة أجزاء

انتهى الجزء الأول وتجدون باقي الأجزاء في الرابط أعلاه
جزى الله كاتبه خير الجزاء
التركستاني
السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،
الاخوة الكرام بارك الله فيكم واخص بالشكر الاخ الفاضل ابو دجانة فقد اثلج صدري بردوده
الاخوة الكرام وبما اننا متفقون على ان الوسطية والاعتدال مصطلح يهدف الى ضرب الاسلام وحرف المسلمين
وبما ان الكثير من اخواننا المسلمين قد تم تضليلهم بهذا المصطلح المسموم وبما ان شيوخنا الافاضل والمنصفين من علماء الامة قد انتقدوا وفندوا هذا المصطلح المسموم فماذا عن بقية الطرح الذي اقترحته بان يتم تجميع هذه الردود وتركيزها في مقالة تكون عنوان حملة عقابية باسلة لفضح هذا المصطلح ودعاته في جميع المنتديات والمحافل
أبو سعد

المنار
7/28/2010


تخريج أول دفعة "دعاة" من الأزهر يجيدون الإنكليزية للتواصل مع الغرب !

شهدت جامعة الأزهر احتفالاً بتخريج الدفعة الأولى من مركز الأزهر لتعليم اللغة الإنكليزية. ويهدف المركز، كما أعلن قياديوه، إلى نشر منهج الوسطية والفهم الصحيح للإسلام عن طريق التواصل والانفتاح على العالم الخارجي. كما يهدف أيضاً إلى تمكين الدعاة من المشاركة الفعالة في المؤتمرات والحوارات العالمية. وكان محمود الكردي من بين الثلاثة الأوائل على دفعة هي الأولى من نوعها في الأزهر، وتتكون من ثمانية وستين طالباً من طلاب كليات الشريعة بالأزهر، حيث درسوا اللغة الإنكليزية لمدة 3 سنوات بالتعاون مع المجلس الثقافي البريطاني والسفارة البريطانية في برنامج مشترك لإنشاء مركز الأزهر لتعليم اللغة الإنكليزية.
وبدأ هذا البرنامج منذ خمس سنوات، وحصل الطلاب بموجبه على شهادة مزدوجة، وهي الليسانس في مادة التخصص، إضافة إلى إتقانهم اللغة الإنكليزية.ونال محمود منحة هو وزملاؤه الثلاثة لدراسة الماجستير في بريطانيا في تخصص الأدب المقارن. ويهدف مركز الأزهر لتعليم اللغة الإنكليزية، والذي احتفل بتخريج دفعته الأولى، إلى تدريب الطلاب على اكتساب المهارات اللغوية لتمكينهم من نشر "منهج الوسطية والفهم الصحيح للإسلام" . ويأتي إنشاء المركز في إطار خطوات تسعى إلى تطوير الأزهر ومنهاجه. وأكد د. أحمد الطيب شيخ الأزهر في كلمته، أن هذا المشروع حلم تحقق ونواة لتخريج دعاة يستطيعون التواصل مع الغرب.
من جانبه، قال دومينيك اسكويث، السفير البريطاني في القاهرة، إن هذا المشروع يمنح "الشباب الدعاة أدوات التواصل مع المسلمين وغير المسلمين لإيضاح رسالة الإسلام الصحيحة باللغة الإنكليزية من خلال وسطية الأزهر، ولهذا فإن أهمية هذا المشروع هو أنه يتيح لمن لا يتحدث العربية أن يعرف أكثر عن الإسلام، وهو أمر مهم لأوروبا عامة وبريطانيا بصورة خاصة.

المجموعة اللبنانية للإعلام - قناة المنار



http://www.almanar.com.lb/NewsSite/Article....aspx?id=148225
رجل مبدأ
السلام عليكم
من قال أخي أنه لا يوجد من علماء الأمة من تصدى لهذا المفهوم الخطير؟!!!!!!!!!!!!؟؟؟؟



عندك حزب التحرير وعلمائه هم أول من تصدى لهذا المصطلح

وعندك الآن جماعة القاعدة وعلمائها ايضا يتصدوا لهذا المصطلح

ولهذا الكافر المستعمر يقوم بدراسات حول الجماعات الاسلامية ويقسمها الى وسطية معتدلة كالأخوان ويذكرها بالاسم
والى راديكالية متطرفة كالحزب والقاعدة ويذكرونهم بالاسم

ويقولون أنه يجب أن نعمل على اشراك المعتدلون في الحياة السياسية والاعلامية ليكونوا بديلا عن المتطرفين وليكونوا حجر عثرة وصد منيع أمام صعود المتطرفين
.
Invision Power Board © 2001-2012 Invision Power Services, Inc.