بسم الله الرحمن الرحيم
مفاهيـــمُ خطـِـرَة ٌ لِضَــربِ الإسْــلام ِ
(2) التـَّـطـَــرفُ والاعـتِــدَالُ
الحمدُ لله رَبّ العَالمينْ, والعَاقبَة ُ للمُـتقينْ, وَلا عُدوَانَ إلا َّعَلى الظالِمينْ, وَالصّلاة ُ وَالسّلامُ عَلى أشرَف ِالمُرسَـلينْ, وآلِهِ وَصَحْبـِهِ أجْمَعينْ, وَمْن تـَبـِعَهُ وَسَارَ عَلى دَرْبـِهِ, وَاهتـَدَى بهديـِهِ, وَاستـَنَّ بسُـنّـتِهِ إلى يَوم ِالدّينْ, وَاجْعَـلنا مَعَهُمْ, وَاحْشُرنـَا في زُمرَتـِهمْ, برَحْمَتـِكَ يَا أرْحَمَ الرّاحِمِينْ.
أمّا بَعدُ: قالَ اللهُ تـَعَالى في مُحْـكـَم ِ كِتـَابـِهِ, وَهُوَ أصْدَقُ القائلينْ: } بـَـلْ نـَـقذِفُ بالحَـقِّ عَـلى البَاطل ِ فـَيـَدمَغـُهُ فإذا هـُوَ زَاهـِقٌ وَلـَـكـُمُ الوَيلُ مِمَّـا تـَصِفـُونَ |.
إخوة َ الإيمان ِ والإسلام:
الصِّرَاع ُ بَينَ الحَقِّ وَالبَاطِل ِ, وَبَينَ الإيمَان ِ وَالكـُـفر ِ, صِرَاع ٌ قديمٌ وَجَديدٌ, صِرَاع ٌ دَائِمٌ وَمُستـَمِرٌ إلى يَوم ِالدِّين ِ, هَذا الصِّرَاع ُ لـَهُ شكلان ِ أو مَظهَرَان ِ, الأولُ فكريٌ, وَالثاني مَاديٌ دَمَويٌ. هَذا مَا نـَطقـَتْ بهِ النـُّصُوصُ القـُرآنية ُ, وَإليكـُمُ البَيَان:
• أولا ً : الصِّـراعُ الفِكـريُّ: وَهُوَ مَا عـَبـَّرَ عَنهُ القـُرآنُ الكريمُ بقولِهِ تعَالى: }يُريدُونَ لـِيُطفِئـُوا نُورَ اللهِ بأفوَاهِهـِمْ, وَيَـأبَى اللهُ إلا َّ أنْ يُـتِمَّ نُورَهُ, وَلـَو كـَرهَ الَـكـَافِـرُُونَ |. وَلنا هُنا وَقفـَتـَان:
الوَقـفة ُالأولى: عِندَ قولِهِ تعَالى:[ يُريدُونَ] والإرَادة ُ هُنا تـَعْـنِي العَزمَ وَالإصْرَارَ وَالتـَّصْمِيمَ أيْ أنَّ هؤلاءِ الكفـَّارَ وَالمُشركِينَ عَازمُونَ ومُصِرُّونَ وَمُصَمِّمُونَ عَلى إطفاء ِ نـُور ِ الإسلام ِ, وشرع ِ اللهِ المُنير ِ الذي أتـَى بهِ مُحَمَّـدٌ عليهِ الصلاة ُ وَالسَّلامُ مِنْ عِنـدِ اللهِ تبَاركَ وتعَالى, وهذا يَعنِي حَتمِيَّـة َ صِرَاع ِ الحَضَارَاتِ, وَليسَ حِوَارَ الحَضَارَاتِ كمَا يَزعُمُ بَعْضُ عُـلمَاء ِ السَّلاطِين ِ وَكمَا يَحلـُو لهُمْ أنْ يُسَمُّوهُ.
الوقفة ُالثانية: عِندَ قولِهِ تعَالى:[ بأفوَاهِهمْ] أيْ أنَّ هَؤلاءِ الكـُفـَّارَ مِنَ المُشرِكِينَ وأهل ِ الكِتابِ يُريدُونَ أنْ يُطفِئـُوا نُورَ الإسلام ِ القـَوِيِّ السَّاطع ِ بأفوَاهِهـِمُ الحَقيرَة, وذلكَ بمُجَرَّدِ جدَالِهـِمْ وَافترَائِهـِمْ. والإسلامُ هُوَ نـُورُ اللهِ جَعَلـَهُ لخـَلقِهِ ضِـياءً, فهل يَستطِيعُ أحَدٌ أنْ يُطفِئَ بـِفـَمِهِ نُورَ اللهِ...؟ يقول الفخرُ الرَّازيُّ في تفسِيرِهِ:{ وَإطفاءُ نـُور ِ اللهِ تعَالى تـَهَكـُّـمٌ بـِهمْ في إرادَتِهـِمْ إبْطـَالَ الإسْلام ِ بـِقولِهمْ في القـُرآن ِ إنـَّهُ سِحْرٌ, وَقد شُبِّهَتْ حَالـُهُمْ بحَال ِ مَنْ يَنفـُخُ في نُور ِ الشـَّمْس ِ بفيهِ [أي بفمِهِ] ليُطفِئـَهُ, وَفيهِ تـَهَكـَّـمٌ وَسُخريَة ٌ بهم}.
وَقدْ عَقــَّبَ اللهُ سُبحَانـَهُ وَتـَعَالى عَلى ذلكَ بقولِهِ:} وَيَأبَى اللهُ إلا َّ أنْ يُـتِمَّ نُورَهُ وَلـَو كـَرهَ الكافِرُونَ |. أيْ وَيَأبَى اللهُ إلا َّ أنْ يُظهـِرَ دِينـَهُ بنـَشرِهِ في الآفاق ِ وإعلائِهِ على الأديان ِ كـُـلــِّهَا, كمَا جَاءَ في الحَدِيثِ الشـَّريفِ الذي رَوَاهُ مُسلِمٌ في صَحِيحِهِ: »إنَّ اللهَ زَوَى لِيَ الأرضَ, فـَرَأيْتُ مَشارقـَهَا وَمَغـَاربَهَا, وَإنَّ مُـلكَ أمَّـتِي سَيَبلـُغُ مَا زُويَ لِيْ مِنـْهَا «.
• ثانيا ً: الصراعُ الدَّمَويُ: وَهُوَ مَا عَبَّرَ عَنهُ القـُرآنُ بقولِهِ تعَالى:} ولا يَزَالـُونَ يُـقاتِلـُونـَكـُمْ حَتى يَرُدُّوكـُمْ عَنْ دِينِكمْ إن ِ استطاعُوا, وَمَنْ يَرتدِدْ مِنكـُمْ عَنْ دِينِهِ, فيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فأولئكَ حَبـِطـَتْ أعْمَالـُهُمْ في الدُنيا والآخِرَةِ, وأولئكَ أصْحَابُ النـَّار ِهُمْ فيهَا خَالِدُونَ |. وَلنا هُنا أيضا ً وَقفـَتـَان:
الوقفة الأولى: عِندََ قولِهِ تعَالى:} وَلا يَزَالـُونَ يُقاتِلـُونـَكـُمْ حَتـَّى يَرُدُّوكـُمْ عَنْ دِينـِكـُمْ |. ففِـي هَذِهِ الآيةِ إخبَارٌ مِنَ الحَقِّ سُبحَانـَهُ وَتعَالى عَن ِ استمرَاريَّةِ الصِّرَاع ِ الدَّمَويِّ, وَدَوَام ِ عَدَاوَةِ الكـُـفـَّار لِلمُسلِمينَ, وأنَّ هَؤلاءِ الكفـَّارَ لا يَنفكـُّونَ عَنْ هَذِهِ العَدَاوَةِ حَتى يَرُدُّوا المُسلمِينَ عَنْ دِينِهمْ. وَهَذا أيضاً يُدَلـِّـلُ عَلى حَتميَّةِ صِرَاع ِالحَضَارَاتِ الذي تحَدثنـَا عَنهُ آنِفا ً.
الوقفة الثانية: عِندَ قولِهِ تعَالى:[ إن ِ استطاعُوا] فبَعدَ أنْ أخْبَرَنـَا اللهُ جَلَّ وَعَلا عَنْ دَوَام ِ عَدَاوَةِ الكـُفـَّارِ لنـَا أتبَعَ ذلكَ بقولِهِ:[ إن ِاستطاعُوا] وَهُوَ استبعَادٌ لاستِطاعَتِهـِمْ, وَإيذانٌ بأنـَّهُم لا يَرُدُّونَ المُسلمِينَ عَنْ دِينـِهـِمْ, وَفي هَذا بـِشَارَة ٌ لـَكـُمْ أيـُّهَا المُؤمِنُونَ !! فاقبـَـلـُوا مِنَ اللهِ بـِشَارَتـَهُ, وَكـُونـُوا مُـتمَسِّـكِينَ بدِينِكـُمْ كمَا أرَادَكـُم اللهُ رَبُّ العَالمِينَ.
إخوة َالإيمان ِ وَالإسلام:
لمَّا بَعَثَ اللهُ رَسُولـَهُ مُحَمَّدا ً ÷ برسَالةِ الإسلام ِ, وَدَعَا قومَهُ وَعَشيرَتـَهُ إلى الإيمان ِ, وَتركِ عِبادَةِ الإصْنـَام ِ, كابَرُوا وَعَاندُوا, وَتمَسَّـكـُوا بمَا وَرثـُوهُ عَنْ آبَائِهمْ وَأجْدَادِهِمْ مِنْ عَادَاتٍ وَتقاليدَ, فعَابَ رَسُولُ اللهِ ÷ عَليهـِمْ أنْ يَأسِرُوا أنفـُسَهُمْ لِلتـَّـقالِيدِ المَوْرُوثةِ عَن ِالآبَاءِ وَالأجدَادِ, دُونَ تفكـُّر ٍ مِنهُمْ في مَدَى صَلاحِهَا أو فسَادِهَا.
وَمَعلـُومٌ أنَّ العَرَبَ زَمَنَ رَسُول ِاللهِ ÷ لمْ يَكونـُوا أصْحَابَ فِكر ٍ مُستنير ٍ بَـلْ كانـُوا أمَّة ً تعيشُ عَلى البَدَاهَةِ وَالبَسَاطةِ, فجَاءَ الإسلامُ يُحَذِرُهُمْ مِنَ الإصْرَار ِعَلى الكـُـفر ِ وَيُذكـِّرُهُم بالمَوتِ وَالبَعثِ وَالحِسَابِ.
وَلمَّا عَجزَتْ قرَيشٌ عَنْ مُقارَعَةِ الحُجَّةِ بالحُجَّةِ, لجَأتْ إلى يَهُودٍ كي يُزَوِّدُوهُم بالأفكار ِ التي يُوَاجهُونَ بهَا النـَّبيّ ÷, وَيَهُودٌ هُم أهلُ كيـدٍ وَغـَدر ٍ فقالـُوا لهُمْ: سَـلوهُ عَنْ ثلاثةِ أشياء, فإنْ أجَابَ عَنهَا فهُوَ نـَبيٌ مُرْسَـلٌ: سَـلوهُ عَنْ أمر ِ الفتيةِ, وسَـلوهُ عَن ِالرَّجُـل ِ الطـَّوافِ, وَسَـلـُوهُ عَن ِ الرُّوح ِ وَالقصَّة ُ تـَعرِفـُونهَا مِنْ خِلال ِ سُورَةِ الكهفِ, وَسُورَةِ الإسْرَاءِ.
وَلمَّا هُزِمَتْ قـُرَيشٌ فِكريَّا لجَأتْ إلى استِعمَال ِالقـُوَّةِ, فعَذبَتِ المُسلمِينَ, وَطارَدَتهُم في كـُـلِّ مَكان ٍ, وَتآمَرَتْ عَلى قـَتـل ِالنـَّبي ÷, فهَاجَرَ إلى المَدينـَةِ المُنـَوَرَةِ ليَصْطدِمَ هناكَ مَعَ يَهُود. وَقارَعَهُمُ النـَّبيُ ÷ بالحُجَّةِ وَالبُرهَان ِ, وَلمَّا هُزِمُوا فِكرِيَّا ً, لجَأوا إلى سِلاح ِ المَكر ِ وَالخـَديعَةِ, وَذلكَ بمُحَاوَلةِ تشكيكِ المُسلمينَ في دِينـِهمْ وَعَقيدَتِهمْ, فأخـَذ بَعضُ أحْـبَارهِمْ يُعلِنُونَ إسْلامَهُمْ أوَّلَ النـَّهَار ِ, وَيكفرُونَ آخِرَهُ, حَتى يَقولَ ضِعَافُ الإيمَان ِ مِنَ المُسلِمينَ, مَا رَدَّهُمْ عَن ِ الإسْلام ِإلا َّ لأنـَّهُمْ وَجَدُوا فيهِ نقيصَة ً أو عَيبا ً, ولكنَّ اللهَ تبارَكَ وَتعَالى فضَحَ خُطـَّـتهُم في كِتابهِ العَزيز, فقالَ جَلَّ شَأنـُهُ:} وَقالتْ طائفة ٌ مِنْ أهل ِ الكِتابِ أمِنـُوا بالذي أنزلَ عَلى الذينَ آمَنـُوا وَجْـهَ النـَّهار ِ وَاكفـُرُوا آخِرَهُ لعَلــَّهُمْ يَرْجعُونَ |.
وَاستمَرَّتْ عَدَاوَة ُ يَهُودٍ للمُسلمينَ مُنذ عَهدِ النـُّبوَةِ إلى يَومِنـَا هَذا, وَسَتظلُّ هذِهِ العَدَاوَة ُ إلى أنْ يُـقضَى عَـليهمْ إنْ شَاءَ اللهُ تعَالى عَلى أيدي المُسلمينَ كمَا أخبَرَ بذلكَ نبيُّنا ÷.
كذلكَ فعَـلَ فِعلتـَهُمْ, وَخَطا خَطوَتهُم أولئكَ الصَّـليبيِّونَ الحَاقدُونَ, الذينَ جَاءُوا مِنْ كـُـلِّ فــَجٍّ عَميق ٍ لِحَرْبِ المُسلمينَ, فقامُوا بـِعدَّةِ حَمْلاتٍ صَـليبيَّـةٍ شَمِـلتْ مُعظمَ بلادِ المُسلمينَ, وَلكنَّ اللهَ سُبحَانـَهُ وَتعَالى بَعَثَ عَـليهمْ عِبَادا ً لهُ, مُخلِصِينَ طائِعينَ , مُتمَسِّـكِينَ بكِتابِ اللهِ وَسُنـَّـةِ رَسُولِهِ ÷ يُجَاهِدُونَ في سَبيل ِاللهِ, لا يَخـَافـُونَ لومَة َ لائـِم، أمثالَ صَلاحَ الدِّين ِالأيـُّوبي وَإخوَانِهِ المُجَاهِدينَ الذينَ طهَّرُوا بلادَ المُسلمينَ مِنْ رجْس ِ الصَّـليبيِّـينَ وَكـُـفرِهِمْ.
وَهَاهُمْ الصَّـليبيـُّونَ الحَاقـدُونَ قدْ عَادُوا مَرَة ً ثانية ً في أفغانِستانَ, وَثالثة ً في العِرَاق, وَمَعَهُم كـُـلُّ آلاتِ الحَربِ وَالدَّمَار, وَاحتـلــُّوا بلادَ المُسلمينَ مِنْ جَديدٍ في حَربٍ صَـليبيـَّةٍ جَديدَةٍ. وَلكنـَّهُم أدرَكـُوا أنَّ السِّلاحَ وَحْـدَهُ لا يُحَقـِّـقُ لهُم مَا يُريدُونَ فلجَأوا كأسلافِهم اليَهُودِ إلى تشكيكِ المُسلمينَ في دينـِهمْ وَعَقيدَتهمْ.
أخـَذ هؤلاءِ الصَّـليبيُّونَ يُرَوِّجُونَ لأفكارِهِمْ وَثقافتِهمْ في بلادِ المُسلِمينَ بعبَارَاتٍ ظاهِرُهَا الرَّحمَة, وَبَاطِنـُها فيهِ السُّمُ الزُّعَافُ, وَمِنْ هَذِهِ العبَارَاتِ: التشدُّدُ وَالتطرُّفُ, وَالتعصُّبُ وَالإرْهَابُ, وَالأصُوليَّة ُ، وَغَالبا ً مَا تـُسَاقُ هَذِهِ العِبَارَاتُ ليُوصَفَ بهَا المُسلِمُونَ مِمَّنْ يَحمِلونَ الدَّعوَة َ إلى الإسلام, الذينَ يتمَسَّـكونَ بإسلامِهم, وَيَرفضُونَ الحَضَارَة َ الغَربيَّـة َ, وَلا يَرضَونَ بهَا بديلا ً عَن ِ الإسلام ِ, أو الذينَ يقومُونَ بأعمَال ٍ لا تـُرضِي الغـَربَ.
وَفي مُـقابل ِ ذلكَ أطلقـُوا عِبارَاتٍ أخرَى مِثـلَ: الاعتدال وَالوسَطيَّة, وَالتسَاهُـل وَالتسَامُح, وَالمُرونة وَتقبُّـل الآخـَر, وَالديمُـقراطيَّة، وَاحترَام رَأيِّ الأغلبية, وَغالبا ً مَا تـُساقُ هذهِ العبارَاتُ ليُوصَفَ بهَا المُسلمُونَ مِمَّنْ يَحمِلونَ الدَّعوَة َ إلى الحَضَارَةِ الغـَربيَّـة, وَيـَقبـَـلـُونَ بهَا بَديلا ً عَن ِ الإسلام ِ, أو ِالذينَ يَقومُونَ بأعمال ٍ تـُرضِي الغـَربَ عُمُوما ً.
إخوة َ الإيمان ِ والإسلام ِ:
قبلَ أنْ نـَمضيَ في الحَديثِ عَن ِالتطرُّفِ وَالاعتِدَال ِ, أو ِالتشدُّدِ وَالتسَامُح ِنـَقولُ: نَحنُ بكـُـلِّ بَسَاطةٍ مُسلمُونَ, نـَعتزُّ بإسلامِنا, وَالمُسلمُ بكلَّ بَسَاطةٍ أيضا ً يَأخذ ُ مَفاهِيمَهُ مِنَ الإسلام, أي مِِِِنْ كتابِ اللهِ, وَسُنةِ رَسُولِهِ, وَليسَ مِنَ الشرق ِأو ِالغـَربِ.
التطرفُ وَالاعـتدالُ :
التطرُّفُ ليسَ لهُ دَلالة ٌ شرعيَّة ٌ, لأنَّ هذه اللفظة لمْ تـَرِدْ في النـُّصوص, وَلا استعمَلهَا فـُـقهَاءُ الإسلام, ولذا فإنـَّهُ ليسَ لهَا سِوَى الدلالةِ اللغويَّة فحَسْب, فإذا أرَدنـَا أنْ نستعملـَهَا في الشـَّرْع ِ قـُـلنـَا: إنَّ التطرُّفَ هُوَ مُجاوزة ُ الحُدودِ التي وَضَعَها الشرْع ُ, أيْ مُخالفة ُ أحكام ِالإسلام.
• فالتطرُّفُ هوَ البُعدُ عَنْ تقوى اللهِ تباركَ وتعَالى, وَالوقـُوفُ عندَ حَافـَّةِ الهَاويَةِ المُؤدِّيةِ بصَاحِبهَا إلى الهَلاكِ وَالعَذابِ في نار ِ جَهنـَّمَ, أعاذنـَا اللهُ وإيـَّاكـُم منَ النار ِ ومنْ عذابِ النار! قالَ اللهُ تباركَ وَتعَالى في هـَذا الشأن: }أفمَنْ أسَّسَ بُنيانـَهُ عَلى تقوى مِنَ اللهِ وَرِضوَان ٍ خـَيرٌ أمْ مَّنْ أسَّسَ بُنيانـَهُ عَلى شـَفـَا جُرُفٍ هَـار ٍ فانهارَ بهِ في نـَار ِجَهنـَّـمَ, وَاللهُ لا يَهدي القومَ الظالمينَ |.
• وَالاعتدالُ هُوالاستقامة ُ{مُطلقا ً} وَقد دَعَا الإسلامُ إلىالاستقامةِ عَـلى مَنهج ِاللهِ وَشرْع ِاللهِ, جَلَّ في عُلاهُ. قالَ اللهُ تعالى مُخاطبا ً نبيَّهُ الكريمَ:} فاستمْسِكْ بالذي أوحِيَ إليكَ إنـَّـكَ عَلى صِرَاط ٍ مُستقيم |. وَقالَ جَلَّ شأنـُهُ: }وَإنـَّـكَ لتدعُوهُم إلى صِرَاطٍ مُستقيم |. وَقالَ: }وَإنـَّـكَ لتهدِي إلى صرَاط ٍ مُستقيم ٍ |. وَقالَ تعَالى وَاصِفا ً دينَ الإسلام:} ذلكَ الدِّينُ القيـِّمُ وَلكنَّ أكثرَ الناس ِلا يَعلمُونَ |. وَالدِّينُ القيـِّمُ أي الدِّينُ المُستقيمُ. وَقالَ أيضا ًوَاصِفا ًالقرآنَ الكريمَ: } الحَمدُ للهِ الذي أنزلَ عَلى عَبدِهِ الكتابَ وَلمْ يَجعَلْ لهُ عِوَجا ً قيـِّما ً لِيُنذِرَ بَأسا ً شَدِيدا ً مِنْ لدُنهُ وَيُبشِّرَ المُؤمنينَ الذينَ يَعمَـلـُونَ الصَّالحَاتِ أنَّ لهُم أجْرا ً حَسَنا ً |. وَقالَ وَاصِفا ً دَعْوَة َالإسلام ِ وَمَنهَجَ الإسلام: } وَأنَّ هَذا صِرَاطِي مُستقيما ً فاتـَّبعُوهُ وَلا تـَـتــَّـبعُوا السُّـبُـلَ فـتـفـَرَّقَ بكـُم عَن سَبيلِهِ |.
وَفوقَ ذلكَ فإنَّ المُسلِمَ يَتـَّجـِهُ إلى اللهِ في كـُـلِّ صَلاة ٍ, يَدعُوهُ في كـُـلِّ رَكعَةٍ حِينَ يَقرَأ بفاتِحَةِ الكتابِ أنْ يَهدِيَهُ الصِّرَاط َ المُستقيمَ. وَهَذا الصِّرَاط ُ خـَاصٌ بالمُؤمِنينَ الذينَ أنعَمَ اللهُ عَليهمْ بنِعْمَةِ الإيمَان ِ وَالهدَايَةِ لِدين ِالإسلام. وَليسَ هُو صِرَاط َ المَغضُوبِ عَليهمْ مِنَ اليَهُودِ, وَلا هُو صِرَاط َ الضَّالينَ مِنَ النَّصَارَى. قالَ تعَالى مُحَدِّدا ً مَا هُو الصِّراط ُ المُستقيم: }إهدِنا الصِّراط َ المُستقيمَ صِرَاط َ الذينَ أنعَمْتَ عَـليهمْ غـَير ِ المَغضُوبِ عَـليهم وَلا الضَّـالـِّينَ |.
وَقد تسَاءَلَ القرآنُ تسَاؤلا ً بَليغا ً عَلى سَبيل ِالاستعارَةِ التمثيليةِ, فقال تعالى: } أفمَنْ يَمشِي مُـكِبَّا ً عَلى وَجْههِ أهْدَى أمـَّنْ يَمشِي سَويَّا ًعَلى صِرَاطٍ مُستقيم |. هَذا بطريق ِالتمثيل ِللمُؤمِن ِ وَالكافِر, فالمُؤمنُ يَمشِي سَويَّا ً عَلى صِرَاطٍ مُستقيم, وَالكافِرُ يَمشي كالأعمَى عَلى غـَير ِهُدىً وَبَصِيرةٍ, مُـكِبَّـا ً عَلى وَجههِ إلى طريق ِالجَحِيم, وَيَا لهَا مِنَ استِعَارَةٍ رَائعةٍ!!.
إخوة الإيمان ِ والإسلام ِ:
بَعدَ كـُـلِّ هَذا البيان وَالتوضيح ِ يَحقُّ لنا أنْ نتسَاءَلَ: مَنْ هُمُ المُتطرِّفـُـونَ, وَمَنْ هُمُ المُعتدِلـُونَ؟ للإجابة نقولُ: المُتطرَّفـُونَ هُمْ أولئكَ الذينَ اختارُوا لأنفسهـِم شِقــَّـا ً غَيرَ شِقِّ اللهِ وَرَسُولِهِ, وَسَبيلا ً غَيرَ سَبيل ِ المُؤمِنينَ, وَمَنهَجا ً غَيرَ مَنهَج ِاللهِ تبارَكَ وَتعَالى, فوَقـَـفـُوا عَلى طرَفِ مُناقِض ٍ لِلإسلام. وَقـَـفـُوا عِندَ الهَاوية المُــؤدِّيَـةِ بهمْ إلى جَهَنـَّمَ وَالعِياذ ُ باللهِ, قالَ تعَالى: } وَمَنْ يُشاقِـق ِالرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تبَيَّنَ لهُ الهُدَى وَيتـَّبعْ غيرَ سَبيل ِالمُؤمِنينَ نُوَلــِّهِ مَا توَلـَّى وَنـُصلِهِ جَهَنـَّمَ, وَسَاءَتْ مَصِيرا ً |. وَقالَ تعَالى:} ذلكَ بأنـَّهُم شاقـُّوا اللهَ وَرَسُولـَهُ وَمَنْ يُشَاقِــق ِاللهَ وَرَسُولـَهُ فإنَّ اللهَ شَـديـدُ العِقـَـابِ |.
وَعَـلى ذلكَ فالمُـتطرِّفـُـونَ هُـمُ الكفارُ وَأعوَانُهُم مِنَ المُسلِمينَ الذينَ انحَرَفوا عَنْ مَنهَج ِاللهِ تبارَكَ وَتعَالى. وَأمَّا المُعتدلـُونَ فهُم المُؤمنـُونَ المُـتمَسِّـكـُونَ بكتابِ اللهِ وَسُـنـَّةِ رَسُولِهِ, الثابتـُونَ عـَلى الإسلام ِ, السَّائِرُونَ عَلى الصِّراط ِالمُستقيم الذي حَدَّدَهُ اللهُ رَبُّ العَالمِينَ.
هَذا فيمَا يَتعلــَّـقُ بالتطرُّفِ وَالاعتِدَال ِ مِنْ وُجْهَةِ نظر ِالإسلام, أمَّا بخُصُوص ِ التـَّشَدُدِ وَالتـَّعَصُّبِ. فهُناكَ حَالاتٌ تقتضِي مِنَ المُؤمنينَ أنْ يَقـِفـُوا المَوقِفَ المُتشدِّدَ الذي يَرضَاهُ اللهُ وَرَسُولـُهُ, وَمِنْ هَذِهِ الحَالاتِ التي تتطلـَّـبُ الشدَّة َ:
أولا ً: الشدة عـلى الكفـَّـار: قالَ تعَالى مُحَدِّدا ً مَوقِفَ المُؤمنينَ مِنَ الكفـَّار: }مُُحَمَّـدٌ رَسُولُ اللهِ, وَالذينَ مَعَهُ أشِدَّاءُ عَلى الكفار ِ رُحَمَاءُ بَينـَهُم |. وَقالَ تعَالى: }يا أيُّها الذينَ آمَنـُوا قاتِلـُوا الذينَ يَلـُونـَـكم مِنَ الكفار ِ, وَليَجدُوا فيكـُم غِلظة, وَاعْـلـَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ المُتقينَ |. أي أنَّ الرَّسُولَ ÷ وَصَحَابتـَهُ الأبرَارَ, وَالمُؤمنينَ الأخيارَ, غِلاظ ٌ عَلى الكفار ِ, مُترَاحِمُونَ فيمَا بَينـَهُم, كقولِهِ تعَالى: } أذِلـَّةٍ عَلى المُؤمنينَ, أعِزَّةٍ عَلى الكافِرينَ |. قالَ أبو السُّعُودِ في تفسيرِهِ

أيْ يُظهرُونَ لِمَنْ خَالفَ دِينـَهُمُ الشِّدَة َ وَالصَّلابَة َ, وَلِمََنْ وَافقهُمْ في الدِّين ِالرَّحمَة َ وَالرَّأفة َ) .
وَقالَ المُـفسِّرُونَ: وَذلكَ لأنَّ اللهَ أمَرَهُم بالغلظةِ عَليهم:} وَليَجدُوا فِيكم غِلظة ً | . وَقدْ بَـلـَغَ مِنْ تشديدِهِم عَـلى الكفار ِ أنـَّهُم كانـُـوا يَتحَرَزُونَ مِنْ ثِيابهم أنْ تمَسَّ أبدَانـَهُم, وَكانَ الوَاحِدُ مِنهُم إذا رَأى أخـَاهُ في الدِّين ِ صَافـَحَهُ وَعَانـَقـَهُ.
ثانيا ً: الشدة عـلى العُـصَاة: وَكذلك لا توجَدُ رَافة ٌ وَلا رَحْمَة ٌ في حَـقَّ العُصَاةِ كالزُّناةِ مَثلا ً, قالَ تعَالى: }الزَّانيـَة ُ وَالزَّانِي فاجلِدُوا كـُـلَّ وَاحِدٍ مِنهُمَا مِائة َ جَلدَة ٍ, وَلا تأخُذكـُم بهمَا رَأفة ٌ في دِين ِ اللهِ, إنْ كنتم تؤمنُونَ باللهِ وَاليوم ِالآخِر, وَلـْيَشهَدْ عَذابَهُمَا طائِفة ٌ مِنَ المُؤمنينَ |.
ثالثا ً:الشدة عـلى الظـَّـلـَمَة: وَأيضا ً فإنَّ الحَاكمَ الظالمَ الذي يَحيدُ عَن ِالحَـقِّ, وَيَنحَرِفُ عَنْ مَنهَج ِ اللهِ, ينبَغي عَلى المُؤمنينَ أنْ يَقـِفـُوا مِنهُ مَوقِفا ً صُـلبا ً مُتشدَّدا ً حَتى يَعُودَ إلى الحَـقِّ, وَيَرجـِعَ عَنْ ظـُلمِهِ, وَيَؤوبَ إلى مَنهَج ِاللهِ, وَشرْع ِاللهِ.
رَوَى أبو دَاودَ وَالترمَذيُّ أنَّ الرَّسُولَ ÷ قالَ: »كلا َّ وَاللهِ, لتأمُرُنَّ بالمَعرُوفِ, وَلتنهَوُنَّ عَن ِالمُنكر ِ, وَلتأخُذنَّ على يَدِ الظالم ِ, وَلتأطـُرُنـَّهُ عَلى الحَقِّ أطـْرا ً, وَلتقصُرُنـَّهُ عَلى الحَـقِّ قصْرا ً, أو ليَضربَنَّ اللهُ بقـُـلوبِ بعضِكـُم عَلى بَعْض ٍ«. فالمُسلمُ إذا ً يَتعَصَّبُ للحَقِّ, وَيَتمَسَّكُ بهِ تمَسُّـكا ً شدِيدَا ً, وَهذا التمَسُّـكُ وَالتعَصُّبُ يُعَـدُّ مِنَ الفضَائِل ِالتي يُحْمَدُ عَليهَا صَاحِبُهَا . وَإذا كانَ الأمرُ بالمَعرُوفَ, وَالنَّهيُّ عَن ِالمُنكر ِ يُعـَـدُّ في نـَـظر ِالغـَـربِ إرْهَـابـا ً, فإنـَّهُ في نَظر ِ الإسلام ِ فريضَة ٌ مِنْ فرائض ِاللهِ, تـُعَاقـَبُ الأمة ُ الإسلامية ُ عَلى ترْكِهَا. رَوَى الترمَذيُّ أنَّ رَسُولَ اللهِ ÷ قالَ : » وَالذي نَفسي بيَدِهِ, لتأمُرُنَّ بالمَعرُوفِ, وَلتنهَوُنَّ عَن ِ المُنكر ِ, أو ليُوشِكنَّ اللهُ أنْ يَبعَثَ عَـليكمْ عِقابا ً مِنهُ, ثـُـمََََّ تدعُونهُ فلا يُستجابُ لـَـكـُم «.
وَإذا كانتْ حُريَّـة ُ الارتِدَادِ عَن ِ الإسلام ِ, وَمُمَارَسَة ُ الفواحِشَ مِنَ المُثـل ِالعُـليَا عِندَ الغـَربِ, فإنـَّها تـُعَدُّ عِندَ المُسلمِينَ مِنْ أعْظـَم ِ الجَرائِم ِ وَمِنْ الكبائر ِالتي يُعَذبُ اللهُ مُرتكبيهَا أشَدَّ العَذابِ. وَالمُسلِمُ إذا رَأى حُرُمَاتِ الله ِ تـُنتـَهَـكُ يَجـِبُ أنْ يَغضَبَ للهِ, وَلا يَحِلُّ لـَهُ أنْ يُقابلَ ذلكَ بالارتياح ِ أو يَتقبـَّـلـَهُ بدَم ٍ بَاردٍ كالخِنزير ِالذي لا يَغـَارُ عَلى أنثاهُ.
وَإذا كانَ العَمَـلُ لِهـَدم ِ أنظِمَةِ الكـُـفر ِ وَإقامَةِ الدَّولةِ الإسلاميَّةِ {دولةِ الخِلافةِ} في نظر ِ الغـَرب ِ يُعَـدُّ أصُوليَّة ً وَتـَطرُّفا ً فإنـَّهُ في نَظر ِالإسلام ِ فريضَة ٌ حَتمِيـَّة ٌ يَجبُ العَمَـلُ عَلى إقامَتِهَا.
وَإذا كانَ الصُّـلحُ مَعَ اليَهُودِ الغاصِبينَ فِي نظر ِالغـَربِ يُعَـدُّ اعتدَالا ً وَتسَامُحا ً فهُو في نـَظر ِ الإسلام ِ خيَانة ٌ وَتفريط ٌ وَنـَذالة ٌ.
وَخِتاما ً نقولُ: عَلينـَا نـَحنُ المُسلمينَ أنْ نأخُذ المَفاهيمَ وَالقيمَ مِنْ عَقيدَتِـنـَا وَحَضَارَتِـنـَا الإسلامِيَّة, عَـلينـَا أنْ نأخُذ كـُـلَّ ذلكَ مِنْ كِتابِ اللهِ وَسُنةِ رَسُولِهِ ÷ قالَ تعَالى:} قدْ جَاءَكـُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبينٌ, يَهدِي بهِ اللهُ مَن ِاتـَّبعَ رِضْوانَهُ سُبُـلَ السَّلام ِ, وَيُخرِجُهُم مِنَ الظلماتِ إلى النـُّور ِ بإذنِهِ, وَيَهدِيهم إلى صِرَاط ٍ مُستقيم ٍ |.
اللهُمّ أقـِرَّ أعْيُنـَنـَا بـِقيَام ِ دَولةِ الخِلافـَة, وَاجْعلــْـنـَا مِنْ جُـنـُودِهَا الأوفـِياء المُخلِصينْ.
والسّلامُ عَليكـُمْ وَرَحْمَة ُ اللهِ وَبَرَكـَاتـُهُ.
عن كتاب نفحات إيمانية
إعداد نخبة من مشايخنا الأفاضل منهم الشيخ المرحوم /يوسف السباتين
تقديم الأستاذ / محمد أحمد النادي