التهيئة الربانية.. لإقامة الدولة الاسلامية
الحمد لله المتفرد بوحدانية الالوهية، المتعزز بعظمة الربوبية، القائم على النفوس، العالم بآجالها، والعالم بتقلبها وأحوالها، المانّ عليهم بتواتر آلائه، المتفضل عليهم بسوابغ نعمائه، الذي أنشأ الخلق حين اراد بلا معين ولا مشير، وخلق البشر كما اراد بلا شبيه ولا نظير، فمضت فيهم بقدرته مشيئته، ونفذت فيهم بعزته ارادته. نحمده سبحانه ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونستنصره، ناصر المظلومين، ومدمر الكفرة والفاجرين والظالمين، من اليهود والنصارى والملحدين. واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، له الخلق والامر، وله الملك في الاولى والاخرة، وله الملكوت في السموات والارض، وله الحكم واليه ترجعون. واشهد ان سيدنا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وادى الامانة، ونصح الامة، وكشف الغمة، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها الا هالك، ولا يرفض السير عليها الا ضال منحرف. وصلّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه ووالاه وسار على نهجه الى يوم الدين.
تمهيد
هذا ليس مقالا ولا بحثا في الغيب، وان كان ظاهره يوحي بذلك.. ولا هو يندرج تحت مفهوم القدرية الغيبية، التي قد تدفع من ظنه كذلك الى الاتكالية والقعود والتقاعس والخمول عن العمل الجاد المطلوب شرعا نحو حمل الدعوة بحق وعلى اكمل وجه.. لكن المتمعن المدقق سيعلم ان الامر عكس ذلك تماما، انما هو من حيث الفكرة والمضمون دافع لشد الهمم وشحذ الجهود وشحن الطاقات، لا سيما وان حملة الدعوة يعلمون ان الله معهم ( وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) ، وان الله حتما ناصرهم ولا ناصر لهم غيره ( وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ )، وان الله جاعل العاقبة لهم وليس لغيرهم ( وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) .. فسيعلم ذوو العقول النيّرة ان المشيئة الربانية والارادة الالهية تصب في اخر المطاف الى اظهار الدين والتمكين والامن التي وعدهم اياها رب العزة في الدنيا والاخرة.. في الدنيا باقامة الدين والدولة متمثلة بالخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، وفي الاخرة جنات عدن تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ابدا مع خير البرية وافضل الخلق اجمعين عليه الصلاة والسلام وصحبه الكرام وجميع الصالحين المتقين سلفا وخلفا رضي الله عنهم وارضاهم اجمعين.
بداية لا بد من كلمة موجزة حول المشيئة الالهية.. لكي لا يلتبس الامر مع مفهوم قضاء الله تعالى ووقوعه على خلقه. ففي الحين الذي يتمثل فيه القضاء بالدائرة التي تسيطر على الانسان جبرا عنه، سواء كان مما يقتضيه نظام الوجود او ليس مما يقتضيه نظام الوجود، فان المشيئة الالهية تتمثل بارادة الله تعالى في تسيير الامور مع خلقه جبرا واختيارا على السواء، في كل امر وفي كل صغيرة وكبيرة، بحيث لا يخرج شيء او فعل عن علمه وارادته جل جلاله.. فالمشيئة الالهية اذا عامة وشاملة لجميع الاشياء والافعال وكافة الامور على الاطلاق.. حتمية الاقتضاء لا تتخلف. وبما ان الانسان هو محور البحث وقد سخرت له السموات والارض، فان كل عمل وكل فعل وكل تصرف منه لا يحدث الا بمشيئة الله تعالى، بغض النظر عن كونه واقعا ضمن دائرة الاختيار او ضمن دائرة القضاء. ولكن مشيئة الله تعالى وارادته لا تظهر ولا تتجلى لاحد من خلقه الا بعد تمام الامور وانقضاء الحوادث وصيرورة الوقائع، الا اذا شاء الله ان يطلع احدا من خلقه على شيء من ذلك قبل حدوثه.. كالعبد الصالح في سورة الكهف مثلا وسيرته الجلية مع نبي الله موسى عليه السلام.. وسيكون لنا معه وقفة ان شاء الله تعالى. وبما ان ادراك بعض اسرار المشيئة لا يتأتى الا بعد الحدوث فان هذا المقال لا يعتبر بحثا في الغيب كما اسلفنا، اذ ان الله تعالى قد بين بعضه في كتابه العزيز.. ومن أمثلة ما ورد في القرآن الكريم ما يلي..
المثال الاول:
اقتضت مشيئة الله تعالى ان يهلك فرعون لظلمه وجبروته وكبريائه فجاء سبحانه بآل يعقوب من البدو (ارض النقب جنوب فلسطين) ليسكنوا مصر(ارض الكنانة).. فكان تمهيد ذلك ما انزله رب العزة في احسن القصص، وهي قصة سيدنا يوسف عليه السلام .. اذ اطلعه عليها سبحانه وتعالى واباه يعقوب عليهما السلام بالرؤيا الصادقة اول الاحداث.. وفي الجب حين وضعه اخوته أوحى اليه سبحانه ( لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ). فكان ما كان مع يوسف عليه السلام في بيت العزيز وامرأته.. ثم اختار عليه السلام بالرعاية الالهية ان يكون السجن احب اليه مما يدعونه اليه.. ثم رؤيا الملك وتأويل يوسف عليه السلام لها وكشف أمر النسوة ثم تربعه على خزائن الارض فلقاؤه مع إخوته حين عرفهم وهم له منكرون.. وهكذا حتى منّ الله تعالى على آل يعقوب ان جاء بهم من البدو الى ارض مصر حتى تحققت الرؤيا بمشيئة الله تعالى.. ( فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ. وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم ُ).
ثم اقتضت مشيئة الله تعالى ان يخرج بنو اسرائيل من مصر حين اراد سبحانه هلاك فرعون وملكه على يد طفل من أطفال بني اسرائيل الذين امر فرعون بقتلهم جميعا.. ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ. وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) ، فنشأ وترعرع على بساط قصره ومحبة زوجته، تعبيرا للمشيئة الالهية لكل متكبر ظالم جبار. فكان هذا تمهيدا لهلاك فرعون وجنده وملكه مع خروج بني اسرائيل من مصر.
المثال الثاني:
ان قصة العبد الصالح مع نبي الله موسى عليه السلام فيها من العبر والعظات ما لا يستطيع المرء تصوره بعقله العاجز المحدود، لولا بيان الله تعالى لنا سر مشيئته على لسان عبده الصالح في آخر المشوار. وهذا نبي الله موسى لم يستطع الصبر على ما شاهد بام عينه احداثا تخرج عن نطاق العقل المحدود طبيعيا.. وقد قالها العبد الصالح لموسى عليه السلام قبل اصطحابه بما ورد على لسانه في القرآن الكريم ( قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا . وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ) خبر ما سيكون وليس خبر ما كان.. خبر تدبير الله تعالى للوقائع والحوادث بمشيئته حتمية الاقتضاء. فكان خرق السفينة سببا لنجاتها ( أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ) ، وقتل الغلام تزكية ورحمة لوالديه المؤمنين ( وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا . فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا )، وبناء الجدار دون مقابل، وهما في امس الحاجة له، عناية بكنز الغلامين ( وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ). اما العبرة الجلية في هذه الاحداث هي كشف العبد الصالح لسر المشيئة الالهية لنبي الله موسى عليه السلام عند الفراق حين قال ( وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي )، انما كان هذا بامر من الله تعالى ومشيئته وارادته.. فان ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وان الله علام الغيوب، يعلم ما كان وما هو كائن وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون. وهناك الكثير الكثير من الشواهد والقصص والاحداث في القرآن الكريم التي يستطيع المرء من خلالها وبتمعن فهم جانب من مجريات المشيئة الربانية في الوجود وتسييرها على خلقه ونفاذها في عباده، ولكن دون الخلط مع مفاهيم القدرية الغيبية.
التهيئة الربانية في إقامة الدولة الاسلامية الاولى:
إقتضت مشيئة الله تعالى ان تقام الدولة الاسلامية الاولى بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم في يثرب ( المدينة المنورة ) بعد العناء الذي لقيه سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام من عداء قريش وأكابر كفارها ومجرميها. وإقتضت مشيئة الله تعالى ان يقبل دعوة الاسلام وحمايتها ونصرتها اهل الاوس والخزرج، بعد ان تقبلها النفر الستة من الخزرج، حين التقى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيدا عن الانظار عند العقبة.
والحقيقة ان هذه التهيئة الربانية تعود بدايتها الى ما قبل ذلك بمئات السنين، بعد ان ظهر للعيان خذلان يهود لرسل الله تعالى وقتلهم الانبياء وتحريفهم الكلم عن مواضعه وكفرهم المتكرر وفسادهم المستشري وكذبهم الفادح و.. و.. فأخرجهم الله عز وجل من رحمته وغضب عليهم ولعنهم، وأنزل عليهم عذابا في الدنيا وتوعدهم عذابا اليما في الاخرة خالدين مخلدين في نار جهنم وبئس المصير.. فسلط الله سبحانه عليهم من يسومهم سوء العذاب، وساقهم عبيدا اذلاء وشردهم في البلاد شتاتا، فكان منهم من سكن جزيرة العرب.. ومنهم من استوطن في يثرب وضواحيها في ثلاث قبائل: بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع. اما يثرب نفسها فكان يسكنها قبيلتان كبيرتان من العرب هما الاوس والخزرج، وكانت تدور بينهما صولات وجولات من الحروب والقتال، كما هو حال القبائل العربية قبل ان انعم الله عليها بالاسلام. وكانت يهود هناك تبرم الصفقات والمعاهدات تارة مع الخزرج وتارة اخرى مع الاوس وفقا لمصالحها.. فكانت اذا دارت الدائرة واقتتل الاوس والخزرج ويهود بعهد مع الاوس تحالفوا معهم ضد الخزرج وتوعدوهم بنبي قد اقترب ظهوره، وحين تدور الدائرة بالقتال وهم مع الخزرج بعهد توعدوا الاوس بذلك النبي المنتظر ( الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ).
فدارت الايام ومرت الاعوام تلو الاعوام.. واقتضت مشيئة الله تعالى ان بعث الله عز وجل النبي العربي الامي في مكة هدى ورحمة للناس كافة بنور الاسلام وهدي القرآن والسنة، فاسلم من اسلم معه، قلة من الفقراء والمساكين والضعفاء، باستثناء افراد معدودين من ذوي الشأن من الصحابة الكرام.. وهذه هي حال الرسل والانبياء وسنة الله ومشيئته. فلاقى صلى الله عليه وسلم ما لاقى من الاذى والعداء من كفار قريش هو ومن تبعه من الكتلة الاولى من الصحابة الابرار.. ثم أمره ربه عز وجل ان يخرج لطلب النصرة من قبائل العرب لنصرة الدعوة وحمايتها واقامة الدولة المنتظرة، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم ولم يوح له سبحانه وتعالى لا اين ولا متى سيلاقي النصر والمنعة ( .. حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ ). بالرغم من ذلك لم يدع النبي صلى الله عليه وسلم بلدا ولا قبيلة ولا قافلة تأتي الى مكة في المواسم الا وطلب منها النصرة والمنعة، امتثالا منه صلى الله عليه وسلم وانصياعا كاملا لاوامر ربه عز وجل.
( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا ). فاذا ما عدنا الى النفر الستة من الخزرج الذين لاقاهم الرسول صلى الله عليه وسلم في العقبة فنقول: ان مشيئة الله تعالى اقتضت بعد كل هذا التمهيد الرباني ان يكون النصر على ايديهم.. واذا ما تركنا ابن هشام ليحدثنا في سيرته عن هذا اللقاء وكيفية اسلام النفر الستة وقبولهم الدعوة، فسندرك حينها سرا من اسرار المشيئة الربانية بعدما اظهره لنا سبحانه وتعالى.. يقول ابن هشام: ( قال ابن اسحاق: فلما اراد الله عز وجل اظهار دينه واعزاز نبيه صلى الله عليه وسلم وانجاز موعده، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الانصار... فبينما هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج اراد الله بهم خيرا... لما لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: من انتم؟
قالوا: نفر من الخزرج
قال:أمن موالي يهود؟
قالوا: نعم
قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟
قالوا: بلى
فجلسوا معه فدعاهم الى الله عز وجل، وعرض عليهم الاسلام وتلى عليهم القرآن. وكان مما صنع الله لهم به في الاسلام، ان يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا اهل كتاب وعلم، وكانوا هم اهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا قد عزوهم (أي غلبوهم) ببلادهم، فكانوا اذا كان بينهم شيء قالوا لهم: ان نبيا مبعوث الان، قد أظل زمانه، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وارم، فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم الى الله قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلموا والله انه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم اليه، فأجابوه فيما دعاهم اليه، بأن صدقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الاسلام).
فكان هذا بمشيئة الله تعالى أن هيأ الظروف والاحوال والاجواء لقبول دعوة الاسلام ونصرة النبي ودعوته من اهل المدينة قبل ذلك بسنوات طوال، لتكون كيفية اسلام النفر الستة من الخزرج على يد الرسول صلى الله عليه وسلم هي الوقفة الفاصلة التي حولت مجرى التاريخ لبناء خير امة اخرجت للناس في دولة الاسلام والعدل، لاظهار الحق وإزهاق الباطل. هذا طبعا بجانب الظروف والاجواء الثقافية والاجتماعية والسياسية التي كانت تحيط بالعرب في ذلك الوقت، وقد كثر الكلام عنها في كتب السير قديما وحديثا والكتب الفكرية والحركية، لذا فاننا لسنا بحاجة لتفصيلها هنا، ولو انها تعد ايضا من باب المشيئة الربانية في تهيئة النصر لدعوة الاسلام بصورة او باخرى. ولكن، كان التركيز على النفر الستة وكيفية قبولهم للدعوة لوضوح وجلاء المشيئة الربانية فيها اكثر من غيرها، دون تفسير ولا تأويل ولا تحليل. فنزول القرآن الكريم في ذاك الوقت بالذات له اهميته البالغة في التحدي دون شك، اذ ان ذروة الثقافة العربية حينها كانت تتمثل بعلمهم ومعرفتهم باللغة وبلاغتها ما لم يشهده عصر من العصور على الاطلاق. والدعوة الاسلامية جاءت على حين من الدهر لم يشهده غيره في تردي الاوضاع الاجتماعية عند العرب.. قتال وسبي ونهب وظلم وانحطاط اخلاقي. وقد بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم في ظروف واوضاع سياسية دولية تقاسمت فيها الفرس والروم مناطق النفوذ، الا منطقتي نجد والحجاز الصحراويتين.. فنبتت هناك النواة الاولى من الدعوة، الوقت الذي اقتتلت فيه هاتان الدولتان العظيمتان فكانت الحرب بينهما سجال.. ( الم . غُلِبَتِ الرُّوم .ُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُون َ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ . بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ . وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ . يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) . فقد يفهم من كل ما تقدم ان الله تعالى اختار هذا التوقيت بالذات في خضم هذه الاوضاع الثقافية والاجتماعية والسياسية بمشيئته سبحانه وارادته.
التهيئة الربانية لاقامة الدولة الاسلامية الثانية:
قد تختلف الاراء وتتشعب التوقعات في سرد الوقائع والنقاط الهامة تاريخا وحاضرا، التي يستفاد منها حقيقة التهيئة الربانية، ولا علم لنا في الحقيقة اين وكيف ستكون الوقفة المصيرية التاريخية التي ستغير مجرى التاريخ مرة اخرى على غرار تلك الوقفة التي كانت مع النفر الستة في العقبة، ولكننا سوف نعلمها، لان الله تعالى سوف يطلعناعليها بمشيئته حين حدوثها. فبعد نظرة خاطفة الى الوراء نرى بعض الامور والوقائع التي من شأنها ان تفسر لنا بعض مقومات التهيئة الربانية التي ستؤدي حتما، بمشيئة الله تعالى وارادته، الى النصر والتمكين في الارض لعباده الصالحين المخلصين واعلان قيام دولتهم الثانية وتنصيب خليفتهم الاول فيها. نكاد نجزم بهذا لأن بوادر الخلافة بدأت تلوح في الافق، بل اصبحت قاب قوسين او ادنى.. لم لا؟! ونحن نرى مقوماتها وإرهاصات النصر واضحة جلية امام اعيننا، هذا وقد بزغ شعاع الفجر واشرق، لتلحقه شمس الخلافة، فتضيء الدنيا بعد حين بنور الحق والعدل، وتسحق الظلم وزمرته وتمحق الشر واهله وتزهق الباطل وحزبه ( إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ).. .
هناك مقومات حتمية يجب ان تتوفر حتى تعود الامة ( خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس ِ)، منها الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والايمان بالله ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّه ِ). وحين تخلت الامة عن هذه المقومات الثلاث الاساسية انتكست لتصبح ربما اتعس وأذل امة بين الامم. ولكن هذه النقلة النوعية من خير امة الى اتعس امة استغرقت مدة طويلة من الزمن تعود اسبابها الى الامة نفسها من جهة والى الكافر المتربص من جهة اخرى. اما من جهة الامة، فانها وبعد ان تخلت عن مبادىء دينها ومفاهيمه والالتزام باحكامه وتوقفت عن دراسته، ضعف ايمانها وتقاعست عن الامر بالمعروف وتهاونت بالنهي عن المنكر ووضعت عن كاهلها حمل الدعوة وتكاسلت في طلب الجهاد ذروة سنام الاسلام.. وما قصم ظهر البعير هو اغلاقها باب الاجتهاد، باب نَفَسِها وروحها وحياتها!!.. واذ بالامة تدخل في عصر جديد لم يكن سلفها الصالح ليرضى به ابدا وهو عصر الانحطاط، بداية الذل والهوان والغفلة والنسيان.. وقد وجدها الكافر المتربص فرصة سانحة لا تعوض للخلاص من هذا المارد الاسلامي واهله، الذي طالما قض مضاجعهم بجيوشه الجهادية التي لا تُقهر.. الان وقد رقدت هذه الامة وباتت في سبات عميق، استعمل الكافر وبكل دهاء اساليب خبيثة لم يعهدها التاريخ في مجالات القتال والحروب بين الامم، بعد ان قام بدراسات مكثفة على مدار الساعة ليلا ونهارا ووضع كل جهده للخلاص منه فكريا وثقافيا وحضاريا، بدأ يبث سمومه الفكرية والثقافية في عقول أبناء الامة التي باتت لا تدري ما يدور حولها جراء الجهل المستفحل الذي حل بها والخمول والضعف والاستكانة.. فتولّد الرجل المريض.
لقد أصاب هذا الرجل المسن مرض مزمن لم يكن في برئه رجاء.. بعد ان استفحلت فيه كل مظاهر السقم والمرض وجميع آفات الامم والشعوب المنحطة.. آفة الجهل.. آفة النسيان.. آفة السطحية.. آفة الوهن.. آفة ضعف الشخصية.. آفات وآفات.. تراكمت جميعها على كاهل هذا العجوز السقيم، فضعف واستسلم فغرغر، فلم يبق امام الغرب الكافر الا ان يسدد سهمه الى قلب هذا العجوز، رأس منارة الامة، للقضاء عليه نهائيا.. وهذا ما حصل!!.
واورد هنا ثلاثة من اربعة نماذج من الواقع التاريخي والحالي تندرج بتقديري الشخصي تحت مفهوم التهيئة الربانية لاقامة الدولة الاسلامية الثانية، والتي من شأنها ان تدع القارىء المتمعن يعود بحساباته الى الوراء قليلا ، لكي يرى تسلسل الاحداث وكيفية تهيئة الظروف الالهية، حتى يعلم ان من ورائها عالما محيطا مدبرا - سبحانه وتعالى - يسيرها بمشيئته مع خلقه نحو النصر والتمكين لعباده المخلصين، مع الاخذ طبعا بعين الاعتبار ان النصر لا يتحقق الا اذا أخذ المسلمون أسبابه مأخذ الجد وتمسكوا بها على الوجه الذي أراده الله تعالى جده.