الكلام التالي جاء به الجازي ليتحدى :
( العلم الضروري هو الذي يضطر إليه الإنسان بحيث لا يمكنه دفعه، وإنما كان ضرورياً لأنه غير محتاج إلى نظر.
وهذه القاعدة تلخص منهج المتكلمين في معنى الضروري والنظري بما يرفع الإشكال... )
ثم طلب قولي عليها .
ثم في موضوع آخر اخذ يقول لي : لماذا لم تجب , في تحد وكأنني هربت من الاجابة .
ثم بعد ذلك أخذ ابو المقداد ينتفش بأننا لا نستطيع الرد .
والحقيقة ايها الاخوان والاخوة جميعا انني لم انتبه لتوجيه الجازي كلامه الي , بل ولا اذكر انني فتحت هذا الموضوع هنا على هذا الرابط , وانما جئت اليه الآن بعدما علمت من موضوع آخر أنه وجه الي كلاما وانني لم ارد عليه . وبما ان الامر كذلك فسأناقش هذا القول كما اعتبره هو , أي قولا واحدا , بل قاعدة. لذلك اقول :
ان اعتبار مثل هذا الكلام قاعدة لهو في غاية الفقر والهزال والضعف المنطقي , والذين يدرسون الرياضيات ايها المتبجح بالرياضيات ( ابو المقداد ) تساعدهم الرياضة الذهنية على اكتشاف الاخطاء التافهة في الابنية المنطقية , ومنها هذا النص الهزيل اعلاه .
دعني أولا اضع لكلامي حدوده :
مثل هذا النص سانتقده كما ورد بحرفيته هنا في حوارات هذا المنتدى , وليس كماورد في اي موضع آخر ( ان كان ورد بحرفيته ), اذ انه قد يأتي في سياق يكون قد تم النص فيه على شروطه وحدوده , ودلالة الفاظه عند مستعمله , بشكل يجعله مقبولا . لذلك اوجه نقدي هنا فقط الى من أورده هنا متحديا به .
فاسمع ايها الجازي ويا ابا المقداد :
لا يوجد علم يأتي بغير النظر , وكل قول يأتي بغير نظر ليس جديرا بالاعتبار ولو كان صحيحا . اذ انه قد (قد) يصح مثلما أنه :رب رمية من غير رام .
وانما يلقي بالقواعد على عمومها من غير تنبه الى حجم هذا العموم , ومن غير تنبه لتناول هذا العموم لكل الافراد التي يتناولها نصه العام , انما يفعل ذلك المصاب بقصر النظر وضعف الربط المنطقي .
وفي النص اعلاه عند المتحدين به هنا ضعف فكري ومنطقي ,فالقول :
(العلم الضروري هو الذي يضطر اليه الانسان بحيث لا يمكنه دفعه ) هو تعريف , وكأن صاحبه يريد ان يصطلح على أمر ما, ويريدنا أن نتابعه على اصطلاحه هذا , لنبحث معه امرا ما , فيستعمل خلال بحثه كلمة الضروري بمعنى معين لا بغيره , وهذا جيد , ونتابعه .
ولكنه بهذا التعريف

يضطر اليه الانسان بحيث لا يمكنه دفعه ) فهو يجمع كل ما هذه صفته . ومنها ما لا يقصده , وانما فعل ذلك لضعفه في الربط . فمثلا : (الله واجب الوجود ) , ( ما تقوم به الحوادث مخلوق ) , ( المتغير مخلوق) , ( النار تحرق ) ,( هذا الذي يجالسني هو صديقي أحمد ) , ( هذا القماش لونه أحمر ) , ( هذا الماء الذي نسبح فيه مالح ) , ( هذا الماء الجاري والذي يصب في البحر عذب وليس مالحا) .
فبناء على ذلك التعريف هذا الاحكام كلها اعلاه يجب ان تكون من العلم الضروري . لأنها كلها يضطر اليها الانسان ولا يمكن دفعها .
فاذا قال الذي قررها : ولكن يمكن دفعها , اقول : كلا فهي قطعية لا يردها الا مكابر ,او من لا يفهمها , او من لا يفهم ادلتها أو ثبوتها , , فمثلا لا يمكن دفع فكرة وجود الله لانه واجب الوجود ولو أنكر من أنكر , ولا يمكن دفع ما يؤكده الاحساس منها ولا يمكن دفعه كاحراق النار وارواء الماء , فينبغي ان تكون هذه كلها من العلم الضروري , لانها انطبق عليها التعريف . ولا يصح ان يقال : قصدت كذا ولم اقصد كذا , لان للكلام دلالته .
فاذا علمنا ان صاحب هذا القول لا يقصد بقوله هذا , الاحكام والمعلومات المذكورة آنفا وأمثالها , علمنا انه يعمم وتتناول تعميماته ما لا يقصده , وهذا ضعف منطقي .
قد يقول لي هذا القائل : ولكنك تتجاهل ما اتممت به قولي وهو: (وانما كان ضروريا لأنه غير محتاج الى نظر ) .
فأقول : لا ,لم أتجاهله , لأن قولك هذا لم تأت به كجزء من التعريف الذي تريده , أو ليس جزءا مما تريدنا ان نصطلح معك عليه , وانما جاء مجيء حقيقة تزعمها وتقررها بلا أي دليل , وتعتبر أنك عندك دليل عليها , ودليلك عليها (الدال على قصورك وليس عليها ) هو انك لا تعرف دليلا على نفيها. لذلك جاء قولك

العلم الضروري هو .......) ثم قلت : ( وانما كان ضروريا لأنه .....) . هذهو حقيقة ما في ذهنك وسياق النص يدل عليه , ( اضافة الى اقوالك هنا وهناك ولكنني الآن أناقش نصا واحدا محددا تفترضه , وارى انه يدل عل الضعف المنطقي اي الربط العقلي , اي ضعف الدربة والرياضة الذهنية العقلية) .
ومما يؤكد هذا عندي أنا الجاهل في المنطق : انك تأتي باصطلاح , ثم تقول وانما هو كذلك لانه كذا وكذا !!!
هيا , اما انه اصطلاح نتفق عليه لننتقل الى بحث يتعلق به , واما انه حكم على واقع ثم برهان عليه .
فان زعمت انه حكم على واقع , فقد افحشت الخطأ , وخالفت حقيقة ما في رأسك , لأنك انما تقصد اصطلاحا على واقع موجود سميته الضروري واصطلاحا آخر على غيره سميته النظري للتمييز بينهما . لذلك فهذه الجملة التي تتبجح بها وتأتينا بها باستعلاء وتحد , نلقيها في السلة . اما اذا اتى بها أحد في سياق مختلف فحينئذ ننظر فيها .
اما ان زعمت ان النص الذي أوردته لنا أعلاه , فيه في الجملة الاولى ( العلم الضروري هو ...) فرضية و اصطلاح , الاصطلاح هو تعريفك للعلم الضروري , والفرضيه هي وجود هذا العلم , وفي الجملة الثانية (وانما كان ضروريا....) فرضية ثانية تزعمها (بل تتحدى بها ) , وهاتان الاثنتان في في نص واحد تريد النقاش فيه , فها هنا الطامة الكبرى عليك وعلى ابي المقداد ,الطامة التي تودي بمن يزعم المعرفة بالمنطق وبالرياضيات مع هذا التقصير بل الضعف الفكري ,(والمنطقي منه بالذات ), فان من لديه دربة منطقية , يدرك بما يقرب البداهة خطا افتراض فرضيتين مقترنتين معا في آن واحد , وانما العاقل ذو الدربة هنا يدرك انه يفترض واحدة ثم يسعي لتبين صحتها او خطئها , او لتبين ما ينبني عليه وما يستنتج منها ان كانت صحيحة و قد يبحث ما يترتب على ذلك ان كانت خطأ ...
اما الذي يفترض فرضيتين معا , ويفترضهما مقترنتين ,وكأنهما معا صحيحتان فقاصر ذهنيا . فان كان درس المنطق فلعله لم يستفد منه الا القليل من الصواب والكثير من صف الكلام والصفاقة .
فمثلا لكما ايها المنطقيان ,( ولك خاصة ايها المتبجح بعلم الرياضيات) , اذا كنت تبحث مسألة ما , فانه يصح منك مثلا ان تفترض ان (س) عدد مفرد , أو أن (ص) عدد يقبل القسمة على اثنين من غير باق , ثم بعد ذلك تبحث ما تشاء , ولكن هل يصح ان تفترض مثلا أن (س) عدد مفرد , وأنه يقبل القسمة على اثنين من غير باق .
ولا يمكنك ان تقول انه ليس هذا ما فعلته بفرضيتيك الهزيلتين اعلاه , اللتين جعلتهما قضية واحدة , بل قاعدة واحدة ,فتزعم مثلا انك انما افترضت فرضية واحدة ثم في الجملة التالية اتيت ببرهانها , كمن يقول مثلا : لنفترض أن (س ) عدد مزدوج , وانما كان مزدوجا لأنه يقبل القسمة على اثنين من غير باق .
فمثل هذا هراء اكبر من سابقه في المنطق ( وفي العقل أصلا), لأنه لو كان يقبل القسمة على اثنين , لكان افتراض أن (س) عدد مزدوج تفاهة . اذ انه حقيقة وليس افتراض . ولا يفعل هذا الا صفاف الكلام الذي لا يدري ماذا يفعل .
ولازيدك بيانا , تعال اصطلح معك على أمر ثم لننظر . أنا وأنت نعرف اللون الأحمر ونعرف اللون الاخضر ,لا نعرف اسم اللون الناتج عن مزج كميتين متساويتين منهما , اصطلح معك على تسميته (أخمر ) .
فاذا قال قائل يريد وضع هذا الاصطلاح لاستعماله :
(الأخمر هو اسم اللون الناتج عن مزج كميتين متساويتين من الأحمر والأخضر, وانما كان أخمر لأنه ليس له اسم لون نعرفه )
فهل مثل هذا الكلام يقوله من هو فاهم لما هو فيه وللأمر الذي يتصدى له!!!!!!!!!!!!!!!!!!! أم أنه ليس أكثر من صفاف أو صفيف حكي فارغ . بل ويتشدق بأنه يعرف المنطق واننا لا نعرفه.
اما مسالة اثبات ان النقيضين كذا وكذا والترجيح بمرجح ..., فعندما يأتي دوري في أثبات ما عندي , وهو بعد ان نفرغ من بيان انك وصاحبك ليس عندكما دليل على وجود العلم الضروري هذا , فسابين ان شاء الله تعالى لك ولمن يحب , انها لا شيء , بل لا تختلف عمن يأتي بقطعة قماش مثلا لونها أخمر وذلك بعد أن تم الاصطلاح على اللون الأخمر , ويقول لصاحبه : اثبت لي أن لونها أخمر .
قد اتعبكم خيالكم ايها المنطقيان ( واستميح نفسي عذرا لأنني لا اقبلكما عندي دارسين للمنطق وانا الجاهل فيه ) و وزادكما تعبا غروركما , ولله در الشاعر في قوله الذي اتذكره دائما وأنا أقرأ مداخلاتكما :
... ذو العقل يشقى في النعيم بعقله .........................وأخ الجهالة في الشقاوة ينعم ...