نشرت مجلة " الوعي " في عدد خاص
العددان 258-259 ، السنة الثانية والعشرون ، رجب وشعبان 1429هـ ، تموز وآب 2008م
مقالا يعنوان
"الخلافة خيال عند الإعلاميين العرب حقيقة عند ساسة الغرب"
يبين حقيقة الإعلاميين وكيف يبدو عليهم وصف الخلافة بالخيال والأحلام
إما جهلا وإما أن منهم من يعرف حقيقتها ولكن يمارس سياسة التضليل
ينما ساسة الغرب وقادته يرونها حقيقة
وإليكم هذا المقال الذي قل نظيره :-
============================
لقد تعودنا منذ فترة على سماع نفس التعليقات المتكررة والمستهجنة لفكرة الخلافة من قبل القنوات الفضائية المختصة في البرامج الحوارية. حيث يقوم منشطو الحوار بمقاطعة المداخل بمجرد ذكره للخلافة، ثم يعقبون عليه بشيء من التهكم والسخرية، معتبرين أن الفكرة في حد ذاتها وهم وخيال وحلم يحلم به كل من انسلخ عن الواقع وحلق بخياله في سماء الأوهام. نعم بهذا الشكل وبهذا الأسلوب وبهذا الغمز المبطن يستهزئ منشطو الحوارات من فكرة الخلافة ومن الداعين لها. ونحن وإن كنا ندرك حقيقة هذه الوسائل الإعلامية والدور الذي تقوم به والجهات التي تمولها وتقف وراءها، فإننا في الوقت نفسه ندرك كذلك خلفية هذه البرامج الحوارية وأبعاد خطتها المعتمدة.
إن هذه الخطة تحمل في طياتها أكثر من دهاء. فهي من ناحية أولى تحدث تشوشاً في الأفكار والمفاهيم فتلتبس القضايا على العامة فلا يدرون أين الحق وأين الباطل. ومن ناحية ثانية هي متنفس للشعوب الغاضبة بحيث تمكنهم في ساعة الغليان من التعبير عما يجيش في صدورهم من حقد وكراهية للأنظمة العميلة. ومن ناحية ثالثة هي مرآة تعكس ما يرغب في معرفته المسؤولون والمتابعون لحركة الشعوب من خلال تلك المداخلات والمشاركات لأخذ التدابير اللازمة في ذلك. وبمعنى آخر هي عملية جس لنبض الأمة واستكشاف درجة الوعي الفكري والسياسي فيها. فإن كانت المداخلات تتجه بشكل عام في نفس اتجاه الأنظمة فذاك يعني أن الأمة لازالت آمالها معلقة بحكامها، وهذا يفيد أن هذه الأنظمة لازالت في حالة من الأمان. أما إن كانت المداخلات تتجه بشكل واضح نحو الحل الجذري لقضية الأمة، وهذا يفيد أن هناك خطر بديل آخر يلوح في الأفق. ولذلك كانت التدابير والتعليمات تقتضي محاصرة هذا الفكر والتعتيم عليه إعلامياً. ومن هنا نفهم لماذا يقوم هؤلاء المنشطون بصد المداخل ومقاطعته عن مواصلة الكلام، ثم إقفال الخط عليه بمجرد ذكره لهذا البديل، وذلك لكي لا يصل كلامه وفكره ورأيه للمشاهد.
فلو كانت هذه البرامج بالفعل هي برامج جدية وهادفة إلى خير الأمة، وتبحث عن الرأي الصواب والحل الأنجع لما كانت لتتعامل مع المداخلات والمشاركات بمعيارين مختلفين، بحيث تعطي المجال الأوسع للمداخلات التي لا قيمة لها، وتضيق المجال وتغلق الخط في وجه من يحاول أن يعالج المسألة من جذورها. وللتحقق مما نقول يكفي أن تتابعوا بانتباه وتدبر تلك البرامج الحوارية. وانتبهوا جيداً للكيفية التي يتعامل بها المنشطون مع المداخلين. فسترون بأنفسكم كيف تجري عمليات تهميش القضايا وتشتيت الأفكار. وسترون كذلك كيف يسمح للغاضبين والمتشنجين أن يعبروا عن غضبهم وكيف يحرم الآخرون من تقديم حلولهم. فمثلاً لما تكون هناك هجمة شرسة من قبل يهود على الشعب المسلم الأسير في فلسطين، وتصل الأخبار والصور عبر البث الحي أو المنقول إلى الناس، وترى الأمة تلك المشاهد المرعبة لحالات القتل والدمار؛ تطل علينا في حينها وسائل الإعلام بتلك المنابر المفتوحة ليتصل المشاهدون بالقناة، ويعبّروا عن درجة غليان الدماء في عروقهم، ويبصقوا على الأنظمة المتخاذلة وعلى المغتصب الغاشم كما يقولون، وبهذا الشكل يكونون قد أخمدوا النيران التي في الصدور، وأنقذوا الأنظمة من ثورة محتملة. وكذلك الحال عندما تكون هناك هجمة من قبل الغرب على الإسلام ورسول الإسلام، تبادر تلك القنوات الفضائية بفتح هذا المجال لمتابعة ردات فعل المسلمين عن الحدث، ومن ثمة تبدأ المغالطات وتهميش الحدث بعرض جملة من الحلول السخيفة في محاولة لإقناعهم بفاعليتها وإيجابيتها، من مثل مقاطعة البضائع أو تشكيل لجان وفرق للحوار مع المسؤولين الغربيين أو مطالبتهم بتقديم اعتذارهم للأمة. ولما تحدث هزات في الأسواق المالية أو غلاء في المعيشة أو تحضير لمؤتمر أو اجتماع قمة عربية أو إسلامية أو انتخابات في بلد من البلدان، تقوم هذه الوسائل بأخذ ما يمكن أخذه من الآراء لجس نبض الأمة ومعرفة نسبة الوعي الفكري والسياسي فيها. فإذا كانت المداخلات تردد الشعارات والمصطلحات نفسها التي تستخدمها الأنظمة ووسائل إعلامها من مثل الهدنة والتطبيع والحوار مع العدو والديمقراطية والواقعية وما إلى ذلك تُرِِكَ المجال واسعا أمام المداخل ليكمل طرحه، حتى وإن كان طرحاً ساذجاً وسخيفاً، أما إذا كان المداخل من لون آخر، وانهال على أصل الفكرة يفككها ويبين فسادها وفساد الحلول الجزئية والترقيعية، وأعطى حله وعلاجه الشامل والكامل للقضية، وذكر دولة الخلافة، هنا يتمعر وجه مدير الحوار ويقاطعه، ثم يعقب عليه بتهكم بقوله مثلاً: «أليس لكم من حل إلا الخلافة» أو «أعطونا الحل الآني ودعونا من الحلول الوهمية» أو «أنتم لازلتم تسبحون في عالم الأحلام» أو «الخلافة حلم جميل ولكننا الآن على أرض الواقع ونعيش في القرن الحادي والعشرين» وهكذا كلما ذكرت الخلافة جاء تعليق المنشط عليها بكلام يفهم منه استهجانه للفكرة. والعجيب أننا لم نسمع في المقابل ولو تعليقاً واحداً من هذا العيار على وهم الديمقراطية التي لازال يحلم بها الكثيرون، ومنهم هؤلاء المنشطون.
إن فكرة الخلافة التي يتهكم عليها هؤلاء الذين نحسبهم منا وينتمون بهويتهم إلى هذه الأمة هي من صميم أفكار الإسلام وليست فكرة دخيلة عليه كالفكرة الرأسمالية والديمقراطية والاشتراكية. بل هي من أمهات أفكاره، وهي نظام حكمه. وقد وردت أحاديث كثيرة عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تبين ذلك منها ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة () عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ فَتَكْثُرُ». قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ». وما رواه أحمد عن حذيفة () في حديث يبشر بعودة الخلافة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم): «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ سَكَتَ».
إذن من استهزأ بالخلافة أو تهكم عليها أو اعتبرها وهماً وخيالاً وحلماً لكأنما سفّه هذه الأحاديث واستنقص من شخص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، سواء أدرك ذلك أم لم يدركه، لأن فكرة الخلافة ونظام الخلافة ليس من اختلاق المتحدث ولم (يفبكرها) من عنده، بل أخذها كغيره من المسلمين من الإسلام ومن الأدلة الشرعية التي جاءت تبين ذلك. ولهذا كان الاعتراض على هذه الفكرة أو الاستنقاص منها جرم عظيم.
ثم لماذا لم يوجه هؤلاء الإعلاميون، وهم أصحاب هذه الصناعة، انتقاداتهم إلى المفكرين والسياسيين وأصحاب القرار في العالم الغربي، ولم يتهكموا عليهم أو يسخروا منهم مثلما يفعلون مع أبناء الأمة حينما يسمعونهم يتحدثون عن الخلافة ويحذرون الشعوب والأمم من قرب شبحها. لماذا لم يسفهوهم ويقولوا لهم دعوكم من هذه الأوهام التافهة، ولا يليق بكم مثل هذا الكلام؟ إنهم في الحقيقة لا يستطيعون قول ذلك لسبب واحد، ألا وهو أن قادة العالم الغربي والمفكرين السياسيين والباحثين الاستراتيجيين لا ينظرون للعالم بأعين هؤلاء الذين يعيشون بعيداً عن حركة التاريخ. ولذا لا قيمة لهم ولا وزن لأرائهم وأقوالهم. لأن قادة الغرب هم الذين يقودون العالم اليوم ويترصدون حركة الشعوب والأمم ولا يغفلون شيئاً ولا يتجاهلون أي أمر. ولذا هم على نقيض هؤلاء الأتباع النائمين والغافلين، وهم في حالة قصوى من الفزع والخوف والحذر من عودة الخلافة إلى المحفل الدولي. وإليكم بعضاً من الصور والأمثلة التي تبين لكم الفارق بين الباحثين والإعلاميين العرب والساسة والقادة والمفكرين والباحثين الغربيين، وتفاوت نسبة الوعي والنضج الفكري والسياسي بينهما، واختلاف نظرتهما للواقع، واستقراء المؤشرات والتسطيح والتعمق في دراسة حركة الشعوب والأمم.
ففي مقال نشرته (سويس إنفو swissinfo بتاريخ 13/12/2006م نقلاً عن وكالة رويترز للأنباء- الرياض) لـ"إندرو هاموند" تحت عنوان: "خبراء: الخلافة الإسلامية حلم لا حقيقة" يقول: "شكلت إقامة خلافة أو إمبراطورية إسلامية جزءاً من رؤية تنظيم القاعدة للعالم.. وهي رؤية سببت فيما يبدو حالة من القلق لواشنطن. لكن خبراء [يقصد الخبراء العرب] يقولون إنها ستظل مجرد حلم للمتشددين".. ثم ينقل لنا آراءهم في المسألة.
فالمحلل السعودي "فارس بن حزام" يقول : «القاعدة قد تستطيع إقامة دولة إسلامية في غرب العراق إذا لم يكن هناك جيش أميركي. لكن سيكون من الصعوبة بمكان بالنسبة لهم أن يخترقوا أي دولة أخرى حيث يوجد جيش وجهاز للدولة». ثم يضيف: «حلمهم الكبير هو إقامة دولة إسلامية، لكن ليس هناك ما يشير إلى أن هذا قد يحدث... ومن بين المشاكل التي سيواجهونها ذلك التنوع الهائل في الأنظمة الدينية والسياسية في الشرق الأوسط اليوم، وليس أقلها الخلاف بين السنة والشيعة الذين يدور بينهم جدل مرير بشأن الخلفاء الأربعة للرسول محمد».
وأما "مضاوي الرشيد" المتخصصة في العلوم الإنسانية والمقيمة في لندن فقد قالت «أستطيع أن أرى العالم العربي بأسره ينـزلق إلى العنف الطائفي؛ لهذا لا أرى إمكانية قيام هذه الخلافة». ومضت تقول: «اليوم في القرن الحادي والعشرين هذا حلم للنشطاء المسلمين». وأضافت «هذا مجرد جزء من حرب الشعارات (التي يشنها تنظيم القاعدة)».
ويقول المؤرخ اللبناني كمال صليبي: «إن المنطقة فشلت في التوحد تحت لواء القومية العربية بعد الحرب العالمية الثانية. وأضاف " لم تنجح (فكرة التوحيد) مع القومية العربية، ونجاحها مع الوحدة الإسلامية أقل... احتمال أن تتخلى الدول عن سيادتها أصبح الآن أبعد من أي وقت مضى».
وأما أسعد أبو خليل، وهو لبناني يقوم بتدريس العلوم السياسية في جامعة ولاية كاليفورنيا، فإنه يقول: «بالنسبة لمعظم الأحزاب السياسية التي تتبع الإسلام السياسي، سواء من التيار السائد أم من التيار الأقل درجة منه، فإن حدود الدولة المعاصرة تم قبولها». وأضاف «ليس هناك أي مصداقية على الإطلاق لفكرة أن السعي إلى الخلافة هو الهدف الأكبر للحركة الإسلامية في المنطقة».
هذه هي أراء بعض الخبراء العرب حول إمكانية عودة الخلافة إلى المنطقة، وهي أراء تدل على السطحية في التفكير وعدم النضج السياسي وقصور النظر. وذلك واضح في عدة نقاط أثاروها:
يتبع
