فطام النفس
فطامُ النفسِ عن لهوٍ عسيرُ=وعمرُ الناسِ في الدنيا قصيرُ
فيرضع طالبُ الشهوات يوما=ويذهبُ عقلُه سفَهاً يطيرُ
تناجيه الوساوسُ: ذاك يومٌ،=فلا تخشَ الضياعَ وتستثيرُ
فجُلُّ الناس مثلُك في ضياعٍ= بلِ إنّك بينهم رجلٌ أمير
ضياعك ليس شيئا في هواهم= وذنبك هفوة وزرٌ صغيرُ
فتهوي في الصغير صغيرَ عقلٍ= فتسكرُ في السفاسفِ تستطيرُ
وتغفل غفلةً طولَ الليالي= وتحسبُ أن عقلك مستنيرُ
تخفُّ وأنت من جبلِ الأعالي=ووزنك بعد ثقلكَ قد يطيرُ
وتبذل في طريق اللهو عمراً= فهل ذا الدهرُ مسلكه حريرُ
فإن يأتيك صحوٌ فاقتنصهُ= لعمرك إنه صيد كبيرُ
وأما إن مكثت على رضاعٍ= قرير العينِ يدفئك السريرُ
وظلتَ منعما باللهو تمضي= وتحسب أن عمرك ذا كثيرُ
ستصحو يوم تقرعك البلايا=وتهجم فوق صدركَ ياغريرُ
فتصرخ تحتها فزعاً تنادي= وتطلب كلَّ اهلك تستجيرُ
فلا تجد المجير على صراخٍ=وكل القوم حولك تستديرُ
فقد كنت الأصم عن المنادي= وتهزأ كلما نطق النذيرُ
فلا احد يجيبك من صراخً= وحولك فتيةٌ جمعٌ غفير
وحولك نسوة سحت بكاءً= وتجأر للإله وتستخيرُ
وأنت مسبَّلُ العينين تبكي= على عمْرٍ يضيعُ، ولا نصيرُ
وروحك في جذور النفس تذوي= وصدرك غُمَّ أثقله الزفيرُ
صحوت اليوم من نوم طويلٍ = ونزع الروحِ أقبلَ يا بصيرُ
فما نفع العقول إذا استنارت= ونزع الموتِ رافقه الشخيرُ
وما نفع القلوب إذا استفاقت = وقد حلَّ المغسَـلُ والنذيـرُ
وما نفع الجوارحِ إن أطاعت = وقد هبطت ملائكـةٌ تُغيـرُ
وما نفع المقالـة امهلونـي = فإني قد رَشـدتُ وأستنيـرُ
فيا من زغتَ لا ترجو لقـاءً = وحدتَ عن الطريق وتستطيرُ
ستأتيك الرعودُ تصخُّ أذْنـاً = فتشعرُ أن عقلك قـد يطيـرُ
وبرقٌ خاطفُ الأبصارِ يهوي = فتبهرُ لا تَرى، بصرٌ حسيرُ
وفوق البرق ليـل ذو ظـلامٍ = ستغشاكَ المزالق يا بصيـرُ
فأدّبْ طالب الشهواتِ منهـا = فإن تعجز فإنـكَ ذا كسيـرُ

