بسم الله الرحمن الرحيم
نظام النقد في الإسلام
أيها الأخوة الكرام:
لا يخفى على أحد ما يعانيه العالم هذه الأيام من أزمة اقتصادية خانقة، أثرت على جميع مناحي الحياة، بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية، وانتشرت إلى باقي البلدان الرأسمالية، والتي منها كثير بل كل البلاد العربية والإسلامية، ولقد كان من أهم الأسباب التي أدت إلى هذه الأزمة وهذا الإعصار أربعة أسباب هي:
1- إقصاء الذهب عن كونه الغطاء النقدي المعمول به عالميا وإدخال الدولار شريكا له في اتفاقية بريتون وودز مع نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم بديلا عنه في أوائل السبعينات.
2- القروض الربوية التي تشكل مشكلة اقتصادية كبرى.
3- النظام المعمول به في البورصات والأسواق المالية، من بيع وشراء للأسهم والسندات.
4- وهو أمر مهم، هو عدم الوعي على واقع الملكيات.
وسنتحدث بإذن الله تعالى عن هذه الأسباب في سلسلة من الدروس، راجين من الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا وأن يزيدنا علما.
ونبدأ في هذا الدرس بحوله تعالى بالسبب الأول، وهو إقصاء الذهب عن كونه الغطاء النقدي المعمول به عالميا.
ذلك أن الذهب والفضة كانا هما الغطاء النقدي المستعمل على مدى قرون من أيام الجاهلية، مرورا بحبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم، والخلفاء من بعده إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث تمت اتفاقية بريتون وودز، وبريتون وودز هذا هو عبارة عن منتجع أمريكي صيفي في ولاية نيوهامبشاير، حيث اجتمع فيه عام 1944 ممثلو 44 دولة والتي تهدف إلى إيجاد نوع من الثبات في السياسات النقدية وأسعار الصرف بين دول العام من خلال وضع أسس انتقال رؤوس الأموال بين الدول كأساس لتسهيل التجارة الدولية وذلك عن طريق ربط سعر العملات العالمية بالدولار الأمريكي مع هامش بسيط للارتفاع والانخفاض لا يزيد عن 10% من السعر الأساسي . إضافة إلى أمور أخرى لا تهمنا هنا.
لكن ما المشكلة في ذلك؟؟؟
المشكلة في ذلك أنه كما تعلمون فإن الذهب له قيمة ذاتية، فهو له قيمة كونه ذهبا، أما الدولار فليس له قيمة ذاتية، وإنما قيمته نابعة من قوة الدولة الراعية له، فإذا علمنا أن أية ورقة نقدية ابتداء من الدولار وانتهاء بأكبر قطعة نقدية ورقية أمريكية لا تكلف أمريكا أكثر من 15 سنتا، فإن ذلك يدفع أمريكا لضخ كميات كبيرة من الدولار في الأسواق مما يؤدي إلى انخفاض سعره مقارنة بالعملات الأخرى، ويؤدي ذلك إلى خسارة على مستوى الأفراد والشركات، وهو ما لاحظتموه بشكل كبير في الفترة الأخيرة.
أضف إلى ذلك ضعف الولايات المتحدة عسكريا نتيجة لما تعانيه في العراق وأفغانستان وغيرها من بلاد العالم , مما أدى إلى فقدان الثقة بالدولار الأمريكي أدى إلى انخفاضه بشكل كبير مما فاقم الأزمة على الشركات الكبرى.
ولكن ما هو الأساس النقدي في الإسلام.
أخواني الكرام :
النقد في اللغة يطلق على تمييز الدراهم، وإخراج الزيف والخبث منها، ويطلق على إعطاء الدراهم وأخذها، ومن ذلك حديث جابر وجمله، حين اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، قال:"فنقدني ثمنه" أي أعطاني ثمنه نقدا دون تأخير.كما يطلق على العملة نفسها.
وتعرف النقود بأنها الشيء الذي اصطلح الناس على جعله ثمنا للسلع والخدمات.
ولما كان الذهب والفضة من المعادن الثمينة التي لها قيمة ذاتية عند البشر من قديم الزمن، فقد اتخذوا منها نقدا، وسكّوا منها الدنانير والدراهم، ولا سيما أنهما يتمتعان بالندرة النسبية، كما يمتاز الذهب بعدم قابليته للتلف من الزمن.
وأول من اتخذ الذهب عملة ونقدا هي الدولة الرومانية والبلاد التابعة لها، فسكت منه الدنانير الهرقلية، وجعلتها على شكل ووزن ثابتين، كما اتخذت الدولة الفارسية الفضة أساسا لعملتها وسكت منها الدراهم، وجعلتها على شكل ووزن معينين.
وقد تعامل العرب قبل الإسلام مع الرومان والفرس في تجارتهم، وكانوا يبيعونهم ويشترون منهم بهذه النقود، وقد استمر الحال كذلك على زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والخلفاء من بعده إلى زمن مروان بن عبدالملك عام 75 أو 76 للهجرة ضرب الذي ضرب الدراهم وجعلها على طراز إسلامي خاص، يحمل نصوصا إسلامية، نقشت على الدراهم بالخط الكوفي. وفي عام 77 للهجرة ضرب عبدالملك أيضا الدنانير على طراز إسلامي خاص دون أن يغير من وزن الدراهم ولا الدنانير لأنهما ارتبطت بهما أحكام شرعية من مثل حد السرقة ونصاب الزكاة.
وقد وردت عدة أحاديث تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر التعامل بهذه الدنانير والدراهم، منها:
1- تعامله صلى الله عليه وسلم بهما بيعا وشراء.
2- قوله صلى الله عليه وسلم:" الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة" رواه أبو داود والنسائي.
3- ما رواه البلاذري عن عبدالله بن ثعلبة بن صعير قال: كانت دنانير هرقل ترد على أهل مكة في الجاهلية، وترد عليهم دراهم الفرس في الجاهلية، فكانوا لا يتبايعون إلا على أنها تبر، وكان المثقال عندهم معروف الوزن،............ وأقر الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك، وأقره أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي"
أما عن وزن الدينار الذهبي ، فقد كان 4.25 غرام ذهب، ويسمى المثقال.
أما الدراهم فقد كانت مختلفة الأوزان، وقد كان للفرس ثلاثة أنواع من الدراهم: الكبار: وكان وزنها وزن المثقال، أي عشرين قيراطا، والصغار، وكن وزنها نصف مثقال أي عشرة قراريط، والوسط، وكان لعشرة منها بوزن ستة قراريط أي اثني عشر قيراطا.
روى البلاذري عن الحسن بن صالح قال:"كانت الدراهم من ضرب العجم مختلفة، كبارا وصغارا، فكانوا يضربون منها مثقالا، وهو وزن عشرين قيراطا، ويضربون منها وزن أثني عشر قيراطا، ويضربون منها بوزن عشرة قراريط، وهي أنصاف المثاقيل".وكان وزن درهم الفضة الشرعي هو 2.975 غم فضة.
وقد تم تحديد تلك الأوزان بدقة بعد الاكتشافات الأثرية، والعثور على الدنانير والدراهم الإسلامية خاصة التي ضربت أيام عبدالملك بن مروان.
ولكن ما هي فوائد نظام النقد المعدني أو نظام الذهب والفضة،ولماذا يكون عدم الاعتماد عليه سبب في الأزمة المالية الحالية، وهذه الفوائد هي:
1- أن كون الذهب والفضة سلعة يتحكم في انتاجها العالمي تكاليف التنقيب والاستخراج، والطلب عليهما مقابل الطلب على السلع الأخرى، يجعل تزويد العالم بالنقد لا يخضع تحت رحمة الدول الاستعمارية.
2- إن نظام الذهب والفضة أو ما يسمى نظام المعدنين، لا يعرض العالم فجائيا لزيادة المتداول منه، كما يحصل في العملة الورقية، وبذلك يأخذ النقد صفة الثبات والاستقرار.
3- إن نظام الذهب والفضة يحتوي على ميزان لتعديل الخلل في مدفوعات الدول فيما بينها تلقائيا، دون تدل من البنوك المركزية كالتدخل الحاصل اليوم، كلما اختل سعر الصرف بين العملات. فإن زيادة الواردات على الصادرات سيزيد من حصيلة الدول الأخرى من نقود الدولة، وسيزيد من خروج الذهب والفضة إلى الخارج، وبالتالي إلى انخفاض الأسعار في الداخل، مما يجعل البضائع الداخلية أرخص من المستوردة مما يقلل الاستيراد في النهاية.
4- إن كون الذهب وحدة نقدية، لا تتحكم فيها الدول، يجعل لها ميزة عظيمة، من حيث أن كمية أي نقد في الدولة تكفي لما يحتاجه السوق من تبادل نقدي، بغض النظر عن كونها كبيرة أو صغيرة.
5- إن نظام الذهب والفضة يتمتع بكون سعر الصرف بين عملات الدول المختلفة ثابتا، حيث إن عملة كل منها مقدرة بوحدات معينة من الذهب والفضة.
6- إن نظام الذهب والفضة يحفظ لكل دولة ثروتها الذهبية والفضية، فلا يحصل تهريب الذهب والفضة من بلد إلى آخر، ولا تحتاج الدولة إلى أية مراقبة للمحافظة على ذهبها وفضتها، لأنهما لا ينتقلان من عندها إلا ثمنا لسلع أو أحرة لمستخدمين.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على إقامة دولة الإسلام التي تعيد لنا النظام النقدي المعدني ليتمتع العالم أجميع بالثبات والاستقرار.
وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسولنا الأمين، وعلى اله وصحبه أجمعين.
أخوكم الشهد2007 أو جند الخلافة
الخليل في 27-10-08
الساعة 4:27