عقوبة التعزيــر في الإسلام
1- بالرغم من أن القاعدة الشرعية تقول (لا جريمة ولا عقوبة بلا نص) إلا أن هذه القاعدة قد طبقت على جرائم التعزير بتوسع على حساب العقوبة، لأنه لا يشترط في جرائم التعزير أن يكون لكل جريمة عقوبة معينة محددة كجرائم الحدود أو القصاص والدية، فللقاضي أن يختار العقوبة الملائمة من العقوبات المشروعة للتعزير، وله أن يخفف العقوبة أو يغلظها، كما حصل توسع على حساب الجريمة، لأن بعض الجرائم التي تتصف بصفة معينة لم يجر النص عليها بالتعيين بل اكتفى بالنص العام.
2- ما هو التعزير؟ هو تأديب على ذنوب لم تشرع فيها الحدود، فيتفق مع الحدود من أنه تأديب استصلاح وزجر بحسب كل ذنب، ويختلف عنها من وجهين:
1. فالحد عقوبة معينة لا مناص من إيقاعها على الجاني، أما التعزير فيبدأ بالنصح وينتهي بالجلد والحبس وقد يصل إلى القتل.
2. والحد لا يجوز لولي الأمر العفو فيه، أما التعزير فله العفو عن العقوبة كلها أو بعضها.
3- لم تنص الشريعة على جميع جرائم التعزير: لم يحصل ذلك كجرائم الحدود وجرائم القصاص والدية، ونصت الشريعة فقط على ما تراه منها ضاراً بصفة دائمة بمصلحة الأفراد والجماعة والنظام العام، وترك لولي الأمر أن يحدد ذلك، ويضع القواعد لتنظيم الجماعة ويعاقب على مخالفتها، على أن يكون ذلك متفقاً مع نصوص الشريعة ومبادئها العامة.
4ـ ما هي أقسام التعزير؟ أقسام التعزير ثلاثة:
1. تعزير على المعاصي: فرض على أفعال حرمتها الشريعة بذواتها ويعتبر إتيانها معصية (محرم دائماً ومعصية)،
2. تعزير للمصلحة العامة: فرض لأفعال لم تحرم لذواتها وانما لأوصافها وليس شرطاً أن تكون معصية (محرم لوصف معين وليس معصية في ذاته)،
3. تعزير على المخالفات: فرض على أفعال حرمت لذواتها ويعتبر إتيانها مخالفة لا معصية (مأموراً به أو منهياً عنه فهو مخالفة لا معصية).
القسم الأول – التعزير على المعاصي
من المتفق عليه أن التعزير في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة سواء كانت معصية لله، أي تمس حقوق الجماعة أو أمنها أو نظامها، أو لحق آدمي، أي تمس حقوق الأفراد. فالمعاصي إتيان المحرمات وترك الواجبات.
والمعاصي ثلاثة أنواع:
1) ما فيه حد قد يضاف إليه كفارة، كالقتل والسرقة والزنا من جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية. والحدود سبعة والقصاص والدية خمسة، وإن كان الأصل أن الحد يغني عن التعزير إلا أنه يمكن الجمع مع التعزير حسب المصلحة العامة كما ترى المذاهب الأربعة.
فمالك يرى الجمع بين عقوبة القصاص في الجناية عمداً على ما دون النفس مع التعزير بينما لا يرى ذلك في القتل العمد.
والشافعي يرى الجمع أيضاً فيجلد الشارب أربعين وما زاد تعزيراً، وقطع يد السارق حداً وتعليقها في رقبته تعزيراً.
وأحمد بن حنبل يرى الجمع كتعليق يد السارق في عنقه بعد قطعها حداً.
وأبو حنيفة يرى الجمع، فالتغريب للزاني يعتبره تعزيراً لا حداً.
2) ما فيه الكفارة ولا حد فيه، كالوطء في نهار رمضان والوطء في الإحرام، وهذه المعاصي محدودة ومحلها إفساد صيام، أو إفساد إحرام، أو حنث في يمين، أو وطء في حيض أو ظهار.
ويختلف الفقهاء في جواز التعزير في هذه المعاصي، فيكتفي بعضهم بالكفارة، ويصر غيرهم على عدم الجمع بين الكفارة والتعزير.
3) مالا حد فيه ولا كفارة، كتقبيل المرأة الأجنبية والخلوة بها، واكل الميتة، والشروع في السرقة، وعدد هذه المعاصي لا حد له، واتفق الفقهاء أن هذه المعاصي فيها التعزير فقط، ولا تخرج هذه المعاصي عن ثلاثة أنواع:
1. نوع يحد جنسه ولكن لا حد فيه، كالسرقة من غير حرز أو دون النصاب، والشروع في الزنا ومقدمات الزنا.
2. نوع يحد فيه ولكن امتنع الحد لشبهة كوطء الزوجة في دبرها وسرقة المال المشترك، أو لسبب خاص بالجاني كقتل الإبن أو سرقة الفرع.
3. نوع لا حد فيه ولا في جنسه، كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وخيانة الأمانة وتطفيف الميزان وشهادة الزور وأكل الربا والشتم و...
ولكن كيف تعرف المعاصي؟ بالإطلاع والدراسة والرجوع للنصوص الشرعية.
وما هي المعاصي التي فيها كفارة ولا حد فيها؟ هي: إفساد الصيام، وإفساد الإحرام، والحنث في اليمين، والوطء في الحيض، والوطء في ظهار. فكفارة إفساد الصيام أن يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكيناً، أو يعتق رقبة، والإعتاق هو الأول. وكفارة إفساد الإحرام حسب نوع الإفساد، فمثلاً من قتل الصيد وهو محرم فيضحي بمثل ما قتل، أو يطعم ستة مساكين أو يصوم ثلاثة أيام وكفارة الحنث في اليمين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة أو صيام ثلاثة أيام. وكفارة الوطء في الحيض، قال ابن عباس، يتصدق بدينار إن وطئ في الدم وبنصف دينار في انقطاع الدم (مذهب أحمد ولم يصح هذا الحديث عند الأئمة الثلاثة الآخرين). وكفارة الوطء في الظهار تحرير رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً.
وما هي المعاصي التي لا حد فيها ولا كفارة؟
ثلاثة أنواع (كما سبق الشرح) وهي:
1- نوع شرع في جنسه الحد ولا حد فيه،
2- ونوع في جنسه الحد وامتنع الحد فيه،
3- ونوع لم يشرع فيه ولا في جنسه الحد.
ويمكن الإشارة إلى أن المعاصي من النوع الثالث غير محدودة فلا يمكن استعراضها جميعاً ويكتفى بأهمها كما يلي:
1- تحريم بعض المطاعم،
2- خيانة الأمانة،
3- غش المكاييل والموازين،
4- أكل الربا،
5- شهادة الزور،
6- السب،
7- الرشوة،
8- القمار،
9- دخول المساكن بغير حق،
10- التجسس.
وهل تركت الشريعة للقاضي أو ولي الأمر مهمة تعيين جرائم التعزير والعقوبات عليها؟
بالطبع لا، لأن الشريعة حددت ذلك، فكل الأفعال المعتبرة معاص محددة معينة وعقوبتها أيضاً محددة معينة، وما على القاضي إلا أن يدرس المعصية أو الفعل القبيح ليحدد انه معصية أم لا، ثم يقوم بمعاقبة صاحبه بإحدى العقوبات التي وضعها الشرع للتعزير بشرط أن تكون عقوبة ملائمة في نوعها وكمها للجريمة والمجرم، وأما إذا لم يجدها معصية فلا جريمة ولا عقوبة.
وكيف فرضت الشريعة عقوبات التعزير؟
لقد نصت الشريعة على جرائم التعازير وعينتها كما نصت على عقوبات التعزير، ونوجز ذلك كما يلي: