قال الله تعالى (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ) [صـ : 36]

والأمر في قوله : (بِأمْرِهِ) مستعار للرغبة أو للدعاء بأن يدعو الله أن تكون الريح متجهة إلى صوب كذا حسب خطة أسفار سفائنه ، أو يرغب ذلك في نفسه ، فيصرف الله الريح إلى ما يلائم رغبته وهو العليم بالخفيّات .
والرُّخاء : اللينة التي لا زعزعة في هبوبها . وانتصب (رُخَاءً) على الحال من ضمير (تَجْرِي) أي تجري بأمره لينة مساعدة لسير السفن وهذا من التسخير لأن شأن الريح أن تتقلب كيفياتُ هبوبِها ، وأكثر ما تهب أن تهب شديدة عاصفة ، وقد قال تعالى في سورة الأنبياء : ( ولسليمان الريح عاصفة) ومعناه : سخرنا سليمان الريح التي شأنها العصوف ، فمعنى (فسخَّرْنَا لهُ) جعلناها له رخاء . فانتصب (عاصفة) في آية سورة الأنبياء على الحال من (الريح) وهي حال منتقلة . ولما أعقبه بقوله : (تجري بأمره) علم أن عصفها يصير إلى لَيْن بأمر سليمان ، أي دعائه ، أو بعزمه ، أو رغبته لأنه لا تصلح له أن تكون عاصفة بحال من الأحوال ، فهذا وجه دفع التنافي بين الحالين في الآيتين .
و (أصَابَ) معناه قصد ، وهو مشتق من الصَّوْب ، أي الجهة ، أي تجري إلى حيث أي جهة قصد السير إليها . حكَى الأصمعي عن العرب : (أَصَابَ الصواب فأخطأ الجواب) أي أراد الصواب فلم يُصب . وقيل : هذا استعمال لها في لغة حِمير ، وقيل في لغة هَجَر .


التحرير والتنوير