قال الله تعالى (فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ) [آل عمران : 39]

والسيد فَيْعِل من سَاد يسود إذا فاق قومه في محامد الخصال حتى قدموه على أنفسهم ، واعترفوا له بالفضل . فالسؤدد عند العرب في الجاهلية يعتمد كفاية مهمّات القبيلة والبذل لها وإتعاب النفس لراحة الناس قال الهذلي :
وإنّ سيادةَ الأقوام فاعلَمْ
لها صُعَدَاءُ مطلبها طويل
أترجو أن تَسُودَ ولن تُعَنّى
وكيف يسودُ ذو الدعةَ البَخيل
وكان السؤدد عندهم يعتمد خلال مرجعها إلى إرضاء الناس على أشرف الوجوه ، وملاكه بذل الندى ، وكفّ الأذى ، واحتمال العظائم ، وأصالة الرأي ، وفصاحة اللسان .
والسيّد في اصطلاح الشرع من يقوم بإصلاح حال الناس في دنياهم وأخراهم معاً وفي الحديث ( أَنا سيّد ولد آدم ولا فخر ) وفيه ( إنّ ابني هذا سيّد ) يعني الحسنَ بن علي فقد كان الحسنُ جامعاً خصال السؤدد الشرعي ، وحسبك من ذلك أنّه تنازل عن حق الخلافة لجمع كلمة الأمة ، ولإصلاح ذات البين ، وفي تفسير ابن عطية عن عبد الله بن عمر : أنه قال : ( ما رأيتُ أحداً أسود من معاوية ابن أبي سفيان فقيل له وأبو بكر وعمر قال : هما خير من معاوية ومعاوية أسودُ منهما ) قال ابن عطية : ( أشار إلى أنّ أبا بكر وعمر كانا من الاستصلاح وإقامة الحقوق بمنزلة هما فيها خير من معاوية ، ولكن مع تتبع الجَادّة ، وقلّةِ المبالاة برضا الناس ينخرم فيه كثير من خصال السؤدد ومعاوية قد برّز في خصال السؤدد التي هي الاعتمال في إرضاء الناس على أشرف الوجوه ولم يواقع محذوراً ) .
ووصف الله يحيى بالسيّد لتحصيلة الرئاسة الدينية فيه من صباه ، فنشأ محترماً من جميع قومه قال تعالى : ( وآياتيه الحكم صبياً وحناناً من لدنا وزكاة ) ( مريم : 12 ، 13 ) ، وقد قيل السيّد هنا الحليم التقيّ معاً : قاله قتادة ، والضحاك ، وابن عباس ، وعكرمة . وقيل الحليم فقط : قاله ابن جبير . وقيل السيّد هنا الشريف : قاله جابر بن زيد ، وقيل السيّد هنا العالم : قاله ابن المسيّب ، وقتادة أيضاً .

التحرير والتنوير