المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
أحكام جامعة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
منتدى العقاب > الديوان العام > قسم المواضيع المتميزة
1, 2
إبن الزيتونة
إقتباس(إبن الزيتونة @ Sep 1 2005, 01:43 AM)
السلام عليكم

افردت لاهداء كتاب اخينا ياسين بن على موضوعا خاصا لادارة المنتدا ان تزيله بعد فترة ولكنه كان ارق ما ورد في الكتاب وفاتني ان انشره وفيه دلالات حركت مشاعري :

* حب الابن لابيه واعترافه بفضله وجميله .

* لوعة الابن بعد فراق ابيه لسنين عدة .

* والاجمل قوله مبينا سبب الفراق فقه هذا الكتاب قبل كتابته .


اسال الله ان يفرج كرب حملة الدعوة بقيام دولة الخلافة الراشدة الثانية , امين.
الإهداء...

إلى من لم أره منذ أكثر من عقد من الزمن..
إلى من حال بيني وبينه فقه هذا الكتاب قبل كتابته..
إلى من رباني على حبّ الدّين في بلد ضاع فيه الدّين..
إلى أبي الحبيب..
ياسين


وهذا رابط الموضوع

http://www.alokab.com/forums/index.php?showtopic=3960&st=20
*




السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لم اجد مقدمة تصلح لتقديم هذا الكتاب النفيس فاكتفيت بمقدمة الكاتب نفسه وهي لاخينا واستاذننا الفاضل ياسين بن علي ,كما لم اجد افضل من فهرس الكتاب ذاته لبيان قيمة محتوى هذا العمل و من اراد الاستزادة فليستزد وساحاول نشره عبر حلقات والله اسال لصاحبه الاجر والقبول .


من أحكام
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر


الكاتب: ياسين بن علي



بسم الله الرّحمن الرّحيم

)كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ(

(آل عمران 110)

بسم الله الرّحمن الرّحيم

مقدّمة

الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وخاتم النّبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتّابعين بإحسان إلى يوم الدّين.

وبعد، فإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهمّ الأحكام الشرعية، حتى عدّه بعضهم الركن السادس من أركان الإسلام بعد الخمسة المعلومة، لذلك رأينا أن نبحثه، ونفصّل القول في جملة كبيرة من موضوعاته، ونوضحّ صورة طائفة لا بأس بها من متعلّقاته، لكي يتفقه فيه من أراد به الله الخير، وأراده بنفسه، فيعتمد في العمل عليه، لا سيما وقد مسّت الحاجة إليه.
وقد قسمنا بحثنا على فصول خمسة، في كلّ فصل منها مسائل أربع أو خمس، وفي كلّ مسألة جملة من الفروع والتخريجات بحسب الغرض والتفصيل المرام.
ولقد استفرغنا الوسع، وبذلنا أقصى الجهد في تحرّي الصواب، ولم نأل. والله نسأل أن يتقبّل عملنا عنده خير قبول، وأن يبارك لنا فيه.




الفهرس

مقدّمة ..................................................... ص5

1 . الفصل الأوّل:
 وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. ص7
 هل وجوب الأمر والنهي عيني أو كفائي؟ .. ص14
 العذر في ترك الفريضة ... ص22
§ فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. ص30
§ مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. ص34

2 . الفصل الثاني:
 شمول الفريضة .. ص43
 أهمية الفريضة في حماية المجتمع .. ص46
 الجهات التي أناط بها الشارع القيام بالفريضة .. ص49
§ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في غياب الدولة .. ص56
§ عمل الجماعة في غياب الدولة .. ص58

3 . الفصل الثالث:
 الفرق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و إزالة المنكر.. ص64
 الفرق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و النصيحة .. ص66
 الفرق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و الدعوة .. ص69
 الفرق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و الحسبة .. ص74
§ الفرق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاسبة الحكام ..ص80

4 . الفصل الرابع:
 تغيير المنكر مظهر الفعالية في الواقع .. ص85
 ماهية المنكر الواجب تغييره .. ص90
 مراعاة مراتب التغيير .. ص101
§ تفصيل مراتب التغيير .. ص108

5 . الفصل الخامس:
 شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. ص112
 أنواع المنكر .. ص123
 منكر الحكام .. ص126
§ من آداب الأمر والنهي .. ص134

من مراجع الكتاب ...................................... ص139
إبن الزيتونة
وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

القول بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القول الراجح عند العلماء، والسائد عند الجمهور، وقيل هو المجمع عليه. وقد اعتمد أغلب العلماء إثبات الوجوب من الآيات والأحاديث المتضمنة الحكم دون ذكر تفاصيل الاستدلال بها، وذلك لشدّة وضوح دلالتها عندهم حتى قال أحدهم: (إنّ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضرورة دينية عند المسلمين يستدلُّ بها، ولا يستدلّ عليها).

وأما ما روي عن بعض العلماء مما يفهم منه عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقول بأنه نافلة، كالذي روي عن عبد الواحد بن زياد قال:" قلت للحسن (البصري): يا أبا سعيد أرأيت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أفريضة هو؟ قال: لا، يا بني كان فريضة على بني إسرائيل فرحم الله هذه الأمة وضعفهم فجعله عليهم نافلة." أو كالذي روي عن الحسن بن صالح قال: " كتب عمرو بن عبيد الله إلى عبد الله بن شبرمة يعذله في تخلفه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكتب إليه عبد الله بن شبرمة:
الأمر يا عمرو بالمعروف نـافلة والعـاملون بـه لله أنصار
والتاركون له ضعفا لهم عـذر واللائمون لهم في ذاك أشرار
الأمر يا عمرو لا بالسيف تشهره على الأئمة إنّ القتل إضـرار

فمحمول – إن صحّ – على حالة الضعف والخوف على النفس. ولدفع أي شبهة قد تشوب فَرْضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نذكر فيما يلي أدلة الوجوب من الكتاب والسنة مع بعض التفصيل.

أدلة الوجوب من القرآن

الآية الأولى، قوله تعالى smile.gifكُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ..( (آل عمران110)
قال الشيخ الطاهر بن عاشور: " يتنزّل هذا منزلة التعليل لأمرهم بالدعوة إلى الخير وما بعده فإنّ قوله )تأمرون بالمعروف( حال من ضمير كنتم، فهو مؤذن بتعليل كونهم خير أمة فيترتب عليه أنّ ما كان فيه خيريتهم يجدر أن يفرض عليهم، إن لم يكن مفروضا من قبل، وأن يؤكّد عليهم فرضه إن كان قد فرض عليهم من قبل" . وقيل إنّ معنى الآية: صرتم خير أُمّة، أو أنتم خير أمة خُلقت لأمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر وإيمانكم بالله، فتصير هذه الخصال الثلاث المذكورة على هذا القول شرطاً في كونهم خيراً. وهذه الخيرية التي نصّ عليها الشارع لا يستحقّها من المسلمين من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، وحجّ البيت الحرام، والتزم فعل الحلال، واجتنب فعل الحرام، إلاّ بعد القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أي بعد الوفاء بشرطها الذي حدّده الشارع عند التنصيص عليها، قال الشوكاني: " وقوله )تأمرون بالمعروف( الخ كلام مستأنف يتضمن بيان كونهم خير أمة مع ما يشتمل عليه من أنهم خير أمة ما أقاموا على ذلك واتصفوا به، فإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر زال عنهم ذلك."
ولذا نجد عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول بعد أن قرأ الآية السّابقة : "يا أيها الناس مَنْ سرّه أن يكون من هذه الأمَّةِ فليُؤَدِّ شَرْطَ الله فيها" وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله )كنتم خير أمة أخرجت للناس( يقول: "على هذا الشرط. أن تأمروا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر، وتؤمنوا بالله."

الآية الثانية، قوله تعالى: )لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ(. (المائدة63)
إنّ هذه الآية توبيخ للعلماء في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي تدلّ على أنّ تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه. قال الطبري في تفسيره: " أما قوله )لبئس ما كانوا يصنعون( وهذا قسم من الله أقسم به، يقول تعالى ذكره: أقسم لبئس الصنيع كان يصنع هؤلاء الربانيون والأحبار في تركهم نهي الذين يسارعون منهم في الإثم والعدوان وأكل السحت عما كانوا يفعلون من ذلك. وكان العلماء يقولون: ما في القرآن آية أشد توبيخا للعلماء من هذه الآية ولا أخوف عليهم منها."

الآية الثالثة، قوله تعالى: )لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَ ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وكَانُواْ يَعْتَدُونَ. كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ(. (المائدة78/79)
ففي هذه الآية يعلّل الله سبحانه وتعالى استحقاق بني إسرائيل اللعنة بتركهم النهي عن المنكر، فلو لم يكن النهي عن المنكر واجباً لما استحقوا اللعنة بتركهم إيّاه، لأنّ اللعنة أشدّ ما يعبّر به اللَّه تعالى عن غضبه تختص بترك الواجبات وفعل المحرّمات، لا بترك المندوبات وفعل المكروهات. قال الشوكاني: " والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم القواعد الإسلامية وأجل الفرائض الشرعية، ولهذا كان تاركه شريكا لفاعل المعصية ومستحقا لغضب الله وانتقامه كما وقع لأهل السبت. فإنّ الله سبحانه مسخ من لم يشاركهم في الفعل ولكن ترك الإنكار عليهم، كما مسخ المعتدين فصاروا جميعا قردة وخنازير...ثمّ إنّ الله سبحانه قال مقبحا لعدم التناهي عن المنكر )لبئس ما كانوا يفعلون( أي من تركهم لإنكار ما يجب عليهم إنكاره."
الآية الرابعة، قوله تعالى: )الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.( ثمّ قوله تعالى: )وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.( (التوبة67و71)
لقد جعل الله سبحانه وتعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين، فدلّ – كما يقول القرطبي في تفسيره - على "أن أخصّ أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". وقد روي عن النبي r أنه قال: «أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة وأهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في الآخرة.» (رواه الطبراني عن أبي موسى الأشعري)
وفي جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصائص المؤمن وعكسه من خصائص المنافق، وترتيب الرحمة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما يدلّ على الوجوب.
ومما يدلّ أيضا على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو على أقلّ تقدير يؤيّد ثبوت الحكم لهما ويؤكّده، تكرّر اقتران ذكرهما في القرآن بالواجبات. من ذلك )تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ( و )يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ..( و)الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ.( (الحج41) و)التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ.( (التوبة112)
فهذه جملة من الآيات القرآنية تدلّ مجتمعة، إن لم نقل منفردة، دلالة قوية على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

أدلة الوجوب من السنّة

الحديث الأوّل، عن حذيفة بن اليمان عن النبي r قال: «والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهوّن عن المنكر أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم.» (الترمذي)
الحديث الثاني، عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر الصديق قال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية )يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم( وإني سمعت رسول الله r يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقابه.» (أخرجه أحمد) وفي رواية عند ابن ماجه، قال الرسول r : «إنّ النّاس إذا رَأَوُا الْمُنْكَرَ لاَ يُغَيِّرُونَهُ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بعقابه.»
الحديث الثالث، عن عدي بن عميرة أنّه سمع رسول الله r يقول: «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الخاصّة والعامّة». (أخرجه أحمد) وفي رواية للطبراني عن العرس بن عميرة قال: قال رسول الله r: «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى تعمل الخاصة بعمل تقدر العامة أن تغيره ولا تغيره فذاك حين يأذن الله في هلاك العامة والخاصة».

فهذه الأحاديث الثلاثة كافية في بيان حكم الوجوب، وذلك لأنّها رتّبت العقاب والعذاب على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو أمر في غاية الوضوح تدلّ عليه العبارات التالية: «عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» و «يَعُمَّهُمُ اللهُ بعقابه» و «عذب الخاصّة والعامّة» و «هلاك العامة والخاصة». وقد تقرّر في علم أصول الفقه أنّ ترتيب عقوبة في الدنيا أو الآخرة، أو ما في معناها، على ترك فعل أو القيام به قرينة تفيد الجزم في الطلب، فهي تعيّن الفرض والحرام.
وعليه فإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب بشهادة القرآن والسنة.

هل وجوب الأمر والنهي عيني أو كفائي؟

لقد اعتاد المسلمون التفرقة بين الفروض، فيقولون فرض عين وفرض كفاية. والأصل في هذه التفرقة واقع الفروض التي منها ما يلزم القيام به من كل فرد مسلم، وقد طلبه الشارع من كلّ فرد بعينه، كالصلاة والزكاة والحج والصيام، ومنها ما يلزم القيام به من فرد واحد فقط أو جماعة، كصلاة الجنازة وإطعام الجائع وردّ السّلام. فهناك واجب على كل فرد لا يسقط عنه إن أقامه الآخرون لأنفسهم، لأنّ الأمر الجازم أتى بأن يقوم كلّ فرد مسلم به، وهناك واجب على الجماعة يسقط بفعل البعض إن أقاموه، لأنّ الأمر الجازم أتى بأن يقام به بغضّ النظر عمّن يقوم به من المسلمين.

بناء على هذا الواقع الشرعي، من حيث التفريق بين الفروض باعتبار الفاعل، أي من حيث إن الأمر جاء بطلب القيام بالفعل في أشياء من جميع المسلمين بدون تعيين، وجاء بطلب القيام به من كل فرد مسلم، جرى اصطلاح العلماء على تقسيم الفروض بأنها فرض عين وفرض كفاية، وحقيقتها أنها كلها فروض، والاختلاف بالنسبة للطلب من حيث القيام بالشيء هل هو متعلق بكلّ فرد بعينه أم بالمسلمين جميعهم، فإن حصلت الكفاية بإقامته فقد وجد الفرض سواء أقام به كل واحد منهم أم قام به بعضهم، وإن لم تحصل الكفاية بإقامته ظلّ واجبا على كل واحد منهم حتى يوجد الفرض.
وتحرير الفرق بين فرض العين وفرض الكفاية، أشار إليه ابن النجار، قال: "وإنما يفترقان في كون المطلوب عينا يختبر به الفاعل ويمتحن، ليثاب أو يعاقب. والمطلوب على الكفاية يقصد حصوله قصدا ذاتيا، وقصد الفاعل فيه تبع لا ذاتي."
والذي دفعنا إلى تحرير القول في هذه المسألة، مع أنّ المقام ليس مقامها، محاولة بعض المسلمين التنصّل من كثير من الواجبات، ومنها وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واتّخاذ التفرقة بين الفرضين ذريعة لذلك. فأردنا بما قررّناه لفت نظر المسلمين إلى أنّ المسألة في حقيقتها ليست مسألة فرض عين وفرض كفاية بل مسألة تنفيذ أمر الله عزّ وجلّ بالقيام بالأمر الذي طلبه جازما فيه، ورتّب عليه الثواب أو العقاب.

وأمّا فيما يتعلّق بمسألتنا وهي، هل وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عيني أو كفائي، فالجواب هو أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين على كل مسلم، وليس بفرض كفاية.
أمّا كونه فرض عين فلأنّ المراد بالمعروف والمنكر جنسهما، ولا معروف معين، ولا منكر معين، وهذا إذا أدرك واقعه لا يتأتى فيه وجود الكفاية في القيام به، لأنه يقع في كل مكان، ويتجدد في كل زمان.
فمن منّا يستطيع أن يحدد الزمان والمكان الذي يترك فيه الواجب أو يفعل فيه الحرام؟ لا أحد يستطيع ذلك، سواء على وجه اليقين أو التخمين. فترك المعروف وفعل المنكر مما يحصل في الأمكنة العامة والخاصّة في كلّ الأوقات، فيقع في الشارع، وفي البيت، وفي المدرسة، وفي المسجد، وفي السوق وفي غير ذلك من الأمكنة مما لا يمكن حصرها، وهو ما يجعل القول بعينية الفرض ضرورة يعرف بها المعروف و ينكر بها المنكر.
وهذا ما بيّنته السنة النبوية حيث يقول الرسول r: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان.» (أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري) فأوجب على كلّ فرد من المسلمين إزالة المنكر حال شهوده ورؤيته. إذ يقول الرسول r «من رأى منكم» أي من المسلمين عامة بدون استثناء لدلالة (من) على العموم، فيدخل فيها المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، فأيّ فرد من المسلمين أو جمع رأى المنكر يلزمه تغييره.
ثمّ إنّ تفصيل مراتب التغيير والاستطاعة، بنقل حكم التغيير من أمر بعد عدم القدرة عليه إلى أمر آخر، دليل على كونه لا يترك بحال. وما كان حاله كذلك فهو من فروض الأعيان. وهذا نظير قوله r في الصلاة. أخرج البخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال كانت بي بواسير، فسألت النبي r عن الصلاة، فقال: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع، فعلى جنب.» وزاد النسائي: «فإِن لم تستطع، فمستلقيا» وذلك لأنّ الصلاة فرض عين فلا تترك بحال.
ومما يدلّ أيضا على عينية فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو يدعمها، ما يلي:

1 . اقتران ذكر الفريضة بالواجبات العينية في جلّ الأدلة الدّالة عليها. من ذلك قوله تعالى: )وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.( وقوله: )التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ(.

2 . اتفاق العلماء على كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات المؤمنين وخصائصهم، وما كان كذلك فحرّي به أن يكون ملازما لهم جميعهم، فيفرض على كل فرد بعينه.

3 . أخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: "قال رسول الله r: «لا يمنعن رجلا مهابة الناس أن يقوم بحق إذا علمه (وفي رواية إذا رآه)» ثم بكى أبو سعيد قال: قد والله شهدناه فما قمنا به."
وقوله r «رجلا» نكرة في سياق النهي فتعمّ. وقد فهم الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري أن المطلب الشرعي من كلّ فرد مسلم، لذلك بكى وقال: "قد والله شهدناه فما قمنا به."

وقد التبس الأمر على بعض المسلمين فجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية مطلقا، أو جعل كونه على الكفاية أصلا في المسألة فقال هو على الكفاية وقد يتعيّن. والسبب في هذا يعود إلى أمور منها:

أوّلا: اعتماد بعض العلماء على قوله تعالى: )وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ((آل عمران104) في فهم أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون النظر في بقية الأدلة. وهذه الآية تنصّ على وجوب وجود جماعة من أعمالها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي لا تحصر عمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الجماعة الواجب وجودها؛ لأن الأمر في الآية مسلّط على إقامة الجماعة وليس مسلّطا على العملين لأنه سبق فرضهما. والعملان هما بيان لأعمال الجماعة المطلوب إيجادها، فيكون وصفا لنوع الجماعة المطلوب إيجادها، ولا يوجد فيها ما يدلّ على حصر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الجماعة.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ هذه الآية قد تدلّ على أنّ من أعمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما أنيط بجماعة، أي أنّ من المعاريف ما يلزم للأمر بها جماعة، ومن المنكرات ما يلزم للنهي عنها جماعة، ولا يعني ذلك اختصاص الجماعة بكل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ثانيا: إساءة الربط بين الاستطاعة والفرض. ذلك أنّ من المسلمين من قال إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منوط بالاستطاعة، والاستطاعة المادية والفكرية متحققة في بعض الناس وليس في جميعهم أي في خاصة الناس لا في عامتهم، لذا فإنّ الفرض على الكفاية.
والردّ على هذا القول من وجهين:
أولهما، قوله r: «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى تعمل الخاصة بعمل تقدر العامة أن تغيره ولا تغيره فذاك حين يأذن الله في هلاك العامة والخاصة». (الطبراني) فيه دليل على أنّ الطلب من العامة وليس من الخاصة فقط أي العلماء أو الحكام، لأنّ لفظ العامة في الحديث يشمل العلماء وعامة الناس. فكيف يقال بعدها بحصر الفرض في الخاصة.
ثانيهما، أنّ عدم تحقق الاستطاعة يلغي الحكم ويسقطه، ولا يلغي نوعه متى ثبت. فإذا كان الفرض فرض عين فلا نجعل منه فرض كفاية لعدم استطاعة البعض القيام به، ولو كان الأمر كما يدّعون لأصبحت كلّ الفروض على الكفاية لدوام وجود غير المستطيع. ومن الأمثلة على هذا قوله تعالى: )وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً.( (آل عمران97) حيث جعل الله سبحانه حج البيت على المستطيع. وقد اختلف العلماء في تحقيق معنى الاستطاعة ولكنهم اتفقوا على أنّ الحج ساقط عن غير المستطيع، فهل يقول واحد منهم بأنّ الحج فرض على الكفاية لعدم الاستطاعة؟
علاوة على هذا، فإنّ الاستطاعة مناط التكليف عامّة فلا تختصّ بحكم من الأحكام، وهي مطلوبة في الواجبات كلّها، العينية والكفائية، قال تعالى: )فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ( (التغابن16) وقال الرسول r : «...وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم.» (متفق عليه) وعن جَرِيرٍ قال: بَايَعْتُ النّبِيّ r عَلَى السّمْعِ وَالطّاعَةِ. فَلَقّنَنِي «فِيمَا اسْتَطعْتَ». (أخرجه مسلم)

ثالثا: من الناس من يقول، إنّ واقع الحال يثبت أنّ الفرض على الكفاية، فلو شاهدت جماعة من الناس منكرا ما، وقام فرد منها بإزالته، لسقط الحكم عن البقية. مثال ذلك، رجل يشرب الخمر على قارعة الطريق، ومرّت عليه جماعة من الناس فشاهدته وهو بصدد شرب الخمر أي بصدد فعل المنكر، فسبق أحد الأفراد من الجماعة الجمع، فكسر آنية الخمر ومنع الرجل من الشرب، فيكون بذلك قد أزال المنكر وكفى البقية عناء إزالته.
والجواب عليه من وجهين:

أولهما، أنّ البحث في الفرض من حيث عينيته أو كفائيته متعلّق بتشريعه ابتداء، أي هل طلبه الشارع من كل فرد بعينه أم طلبه من الجماعة. وهذا المثال المذكور، رغم واقعيته فلا تعلّق له بالتشريع؛ لأنّ استنباط عينية الفرض أو كفائيته يكون من الدليل الشرعي محلّ التشريع، وليس من المثال السلوكي للبعض.

ثانيهما، أنّ المدقّق في هذه الواقعة لا يجد أي تعارض بينها وبين واقعية العينية في الفرض. ذلك أن المنكر إذا رأته جماعة، لزمها كلّها التغيير والإنكار. فإن همّت جميعها به لإنكاره، إلا أن أحدهم سبق وأزال المنكر، فقد قامت بواجبها، وسقط عنها التكليف لأمرين هما: همّها بالتغيير وعزمها عليه، وانتفاء المنكر ذاته. وإن أزال المنكر أحدهم، دون أن يهمّ البقية بإزالته أو يعزموا عليه، فينظر في حالهم؛ هل توقفوا خوفا وبغلبة ظنّ عدم الاستطاعة أم توقفوا لغير ذلك. فإن كانوا قد توقفوا لعدم إرادة التغيير، فقد أثموا بلا خلاف، وإن كانوا قد توقفوا لغلبة ظنّ بعدم الاستطاعة - وهو أمر مستبعد من الجماعة عمليا- فقد عذروا بلا خلاف لأنّ الاستطاعة شرط.
لذا، لا يقال إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية لعدم استطاعة الجميع القيام به، أو لعدم واقعيته، بل هو فرض عين يقام به كما يقام بأي فرض آخر، يؤتى به كاملا عند الاستطاعة التامة، وناقصا عند نقصانها، ويسقط عن المكلف عند انعدامها. ولا نجانب الصواب إذا قلنا إنّ فاعلية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تتصور عمليا إلا إذا كان الفرض عينيا، فيكثر به الآمرون والناهون، وتتعدّد به عيون القوامة على المجتمع التي تترصد كلّ منكر لتنهى عنه وتزيله.





يتبع ان شاء الله
الباحث محمد
اخي ابن الزيتونة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاك الله عنا كل خير
موضوع رائع وراق اعانك الله على اتمامه ، ارجو ان لا تغيب عنا كثيرا.
واسمح لي بعتاب اخوي :
لم تكمل لنا كتاب العائلة قلعة.......... لعل المانع خير
ولي رجاء ارجو ان تلبيه لي وهو
اذا كان عندك من هذه الكنوز الفكرية شيء ( على شكل وورد او غيره ) ارجو ان ترسله لي على اميلي:
issa1133@yahoo.com
issa24i@maktoob.com
ولك مني خالص الدعاء ودمت ذخرا لامة الاسلام
اخوك الذي يحبك في الله
الباحث محمد ( ابو محمد )
راجي العقابي
يا عيني عليك يا ابن الزيتونية يا عسل ...

دايماً هيك .. مفاجآتك أحلى من الشهد ...

يا راجل بدي أصاحبك يا بن الحلال .. والله صحبتك مغنم وأي مغنم .. !!

بارك الله بك وجزاك عنا خير الجزاء ..
عبدالله أحمد
عجل به بارك الله بك يا ابن الزيتونة وجزاك الله كل الخير
إبن الزيتونة
السلام عليكم

اشكر لكم عباراتكم الجميلة واعتذر عن الانقطاع والانشغال عنكم.

فيما يتعلق بالكتاب فاني ارى من الفائدة نشره على دفعات الا اني سالبي رغبة كل من يريد الحصول على نسخة كاملة ,هذا واشجع الجميع على قراءته والتفاعل معه ومن ناحيتي فساضمن وصول نقدكم ونصائحكم الى مؤلفه ,وشكرا.
إبن الزيتونة
دار الدعوة الإسلامية
الطبعة الأولى
1426هـ - 2005م
إبن الزيتونة
العذر في ترك الفريضة

وردت بعض الأحاديث التي قد يفهم منها ترك فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، منها:
 عن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أي آية تريد؟ قلت: )يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم( (المائدة 105)، قال: سألتَ عنها خبيرا. سألت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: «بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنياً مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه؛ ورأيت أمراً لا يدان لك به، فعليك خويصة نفسك، ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل قبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً (منكم) يعملون مثل عملكم» (أخرجه ابن ماجه والترمذي وأبو داود)
 عن أنس بن مالك قال: قيل: يا رسول الله متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟، قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم»، قلنا: يا رسول الله وما ظهر في الأمم قبلنا؟، قال: «الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم، والعلم في رذالتكم» (ابن ماجه) وفي رواية عند أحمد: قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في بنى إسرائيل: إذا كانت الفاحشة في كباركم، والملك في صغاركم، والعلم في رذالكم.»
· عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كيف بكم وبزمان، أو يوشك أن يأتي زمان، يغربل الناس فيه غربلة، تبقى حثالة من الناس: قد مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فكانوا هكذا»، وشبك بين أصابعه، فقالوا: وكيف بنا يا رسول الله؟ قال: «تأخذون ما تعرفون، وتذرون ما تنكرون، وتقبلون على أمر خاصتكم، وتذرون أمر عامتكم.» (أبو داود) وفي رواية قال: «بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذكر الفتنة، أو ذكرت عنده، فقال: «إذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا»، وشبك بين أصابعه. قال: فقمت إليه فقلت: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ قال: «الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة.»
· عن حُذَيْفَةَ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلّ نَفْسَهُ قالوا: وكَيْفَ يُذِلّ نَفْسَهُ؟ قال: يَتَعَرّضُ مِنَ الْبَلاَءِ لِمَا لا يُطِيقُ.» (الترمذي وأحمد وابن ماجه)

وفقه هذه الأحاديث، بغض النظر عن ضعف بعضها، كما يلي:

1 . إنّ المعلوم المتفق عليه، الثابت بالنصوص القطعية الثبوت القطعية الدلالة، وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لذلك، إن وردت بعض الأحاديث، الظنية في دلالتها أو ثبوتها، فجاءت بخلاف القطعي، فإنهّا تردّ دراية كما هو مقرر عند أهل العلم.

2 . لما كان الأصل إعمال الأدلة لا إهمالها، كان علينا النظر في الأحاديث كلّها لإيجاد إمكانية العمل بها دون ردّها. وبالنظر في الأحاديث الواردة التي قد يفهم منها ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يتبيّن أنها لا تعارض فرضية الأمر والنهي. وهو ما قرّره جمع من العلماء حيث حملوا هذه الأحاديث على الرخصة. قال المناوي: (فإذا غلب على ظنك أن المنكر لا يزول بإنكارك لغلبة الابتلاء لعمومه أو تسلط فاعله وتحيره أو خفت على نفسك أو محترم غيرك محذوراً بسبب الإنكار فأنت في سعة من تركه والإنكار بالقلب مع الانجماع وهذا رخصة في ترك الأمر بالمعروف إذا كثر الأشرار وضعف الأخيار.)

وعليه، يكون حكم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عزيمة أي حكما مشرعا تشريعا عاما ألزم العباد بالعمل به، ويكون حكم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رخصة أي حكما مشرعا تخفيفا على المكلفين لعذر.
ولما كانت الرخصة حكما شرعيا، كان لا بدّ من أن يدلّ الدليل الشرعي عليها، فيبيّن العذر الذي تعتبر به. وبالتدقيق في النصوص يتبيّن أن العذر الذي تعتبر به الرخصة محصور في أمرين هما: زمن الفتنة، وعدم الاستطاعة.
أمّا الدليل على العذر بزمن الفتنة، فهو السياق الذي ورد فيه قول النبي r. عن عبد الله بن عمرو قال: «بينما نحن حول رسول الله r إذ ذكر الفتنة، أو ذكرت عنده، فقال: «إذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا»، وشبك بين أصابعه. قال: فقمت إليه فقلت: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ قال: «الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة.» هذا هو السياق، وهذا هو الموضوع، وعليه تحمل بقية الأحاديث في الباب.
ففي زمن الفتنة، يكثر الهرج والمرج، والقتل والقتال بين المسلمين، وتفشو الفواحش، وتختلط الأمور وتتشابك، وتفسد ذمم الناس، فيرى المرء "شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه"، فلا يأتمر الناس بمعروف ولا ينتهون عن منكر. فساعتها، إذا احتار المرء، ولم يتبيّن المعروف من المنكر، والحقّ من الباطل، أو غلب على ظنه أن الناس لا تأتمر بمعروف ولا تنتهي عن منكر، فإنه يرخّص له في ترك أمر العامة والانشغال بخويصة نفسه، أمّا إذا تبيّن الأمر، وميّز الحقّ من الباطل، والمعروف من المنكر، وغلب على ظنه استطاعة التغيير، فعليه أن يأمر وينهى.

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن بعد بيان واقع هذه الأحاديث هو: هل تنطبق هذه الأحاديث على زمننا أم لا تنطبق؟
والجواب عليه يكون بإدراك مناط الأحاديث الذي هو الفتنة. فيكون السؤال هو: هل نحن في زمن الفتنة المرادة في هذه الأحاديث أم لا؟


والجواب هو: أنّنا في زمن فيه فتنة، ولكننا لسنا في زمن الفتنة، لأنّ زمن الفتنة المطلقة، أو الفتنة العامة كما في عبارة بعض الفقهاء، يكون الحلال فيه غير بيّن، والحرام غير بيّن، فيختلط الأمر ولا يدرى الصواب من الخطأ، أو الحقّ من الباطل على وجه الدقة. أمّا في زمننا نحن، فالحلال بيّن والحرام بيّن، وإن كان بينهما مشتبهات، إلا أنّ الأمر في غاية الوضوح. فالإسلام اليوم قد غيّب عن الحياة والمجتمع والدولة، والأنظمة قائمة على الكفر البواح، وهو أمر تقرّ به العامة والخاصّة، فلا يقال إذن إننا في زمن الفتنة المطلقة التي لا يعرف فيها الحقّ من الباطل والمعروف من المنكر. ومن احتار من الناس اليوم بين أن يطبق الكفر أو الإسلام، فهو جاهل أو منافق، لأنّ ظهور الكفر في ديارنا وبلادنا غير خفي، ولا يحتاج إلى عقلية مجتهد وذهنية عالم. ولا يراد بالفتنة عدم التفرقة بين الكفر والإيمان، فإنّ هذا من الأسس التي لا تلتبس على أحد، ولا تخفى على مسلم بحيث يحتار فيها.
وإذا سلمنا بأننا في زمن الفتنة المطلقة التي تختلط فيها الأمور وتتشابك، فما معنى الترخيص في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هل هو واجب على مجموع الأمة أم هو مباح لأفراد من الأمة اختلط عليهم الحابل بالنابل، والخاثر بالزّباد، والمرعي بالهمل؟
إننا إذا جعلنا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رخصة تعمل بها الأمة كلّها في هذا الزمان، عطلّنا أحكام الإسلام، وأبقينا الشريعة غائبة عن الحياة والدولة والمجتمع، ورضينا بحكم الكفر، وأقررنا باغتصاب أراضي المسلمين وانتهاك مقدساتهم، واستباحة أعراضهم وأموالهم. وهو أمر لا يقول به عاقل في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
لذلك فإن وضع الإسلام اليوم يحتاج إلى العاملين بعزيمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنّ المسألة متعلّقة بوجود الإسلام ككلّ. فلا فتنة أشدّ من إبعاد الإسلام عن الحياة وسيادة الكفر فيها، ولا منكر أعظم من تحكيم الطاغوت واستباحة أراضي المسلمين وحرماتهم ومقدساتهم، ولا ذنب أكبر من السكوت عن الباطل الأبلج والكفر البواح. قال تعالى: )وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ(. (البقرة191) قال الطبري في تفسيره: "وابتلاء المؤمن في دينه حتى يرجع عنه، فيصير مشركا بالله من بعد إسلامه، أشد عليه وأضرّ من أن يقتل مقيما على دينه متمسكا عليه محقا فيه."

أمّا عدم الاستطاعة، فلقول النبي r: «لا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلّ نَفْسَهُ قالوا: وكَيْفَ يُذِلّ نَفْسَهُ؟ قال: يَتَعَرّضُ مِنَ الْبَلاَءِ لِمَا لا يُطِيقُ»، أي يتصدى لأمر لا يقوى على تحمل نتائجه وعواقبه.
وهذا الحديث ينسجم تمام الانسجام مع حديث تغيير المنكر الذي جعل الاستطاعة شرطا في التغيير. فالأصل في المسلم أنّه مكلّف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن رأى في نفسه قدرة على ذلك، بغلبة الظنّ، فيجب عليه، وإن رأى في نفسه ضعفا، بغلبة الظنّ، فيأتي المستطاع منه ويعذر في غير المستطاع له.
إلاّ أنّ في المسألة تفصيلا من وجه آخر. ذلك أنّ من الأحكام ما أنيط بالفرد، فيعذر في التقصير فيها عند الضعف وعدم تحقق الاستطاعة. ومن الأحكام ما أنيط بجماعة، كإقامة الخلافة، فلا يقول الفرد إني معذور لأني عاجز عن إقامتها بمفردي. لا يقول هذا، لأنّ تحقق الاستطاعة فيها مشروط بالجماعة، فوجب عليه العمل معها. وقد علّل أبو حنيفة النّعمان، الإمام الأعظم، وجوب العمل مع جماعة من أجل القيام ببعض أعمال فريضة الأمر والنهي، بقوله: (إن قام به رجل وحده قتل ولم يصلح للناس أمر، ولكن إن وجد عليه أعوانا صالحين ورجلا يرأس عليهم مأمونا على دين الله لا يحول...)
وفي السنة النبوية ما يدلّ على هذا. أخرج أحمد عن عبيد الله بن جرير عن أبيه أن نبي الله r قال: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعزّ وأكثر ممن يعمله لم يغيروه إلا عمهم الله بعقاب.» وفي رواية: «ما من قوم يعمل بين أظهرهم بالمعاصي هم أعزّ منهم وأمنع لم يغيروا إلا أصابهم الله منه بعقاب.»
فقد أرشد النبي r إلى أنّ تحقق الاستطاعة في بعض أعمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يكون بالجمع. قال الحافظ المناوي في شرح هذا الحديث: "لأن من لم يعمل إذا كانوا أكثر ممن يعمل كانوا قادرين على تغيير المنكر غالباً، فتركهم له رضاً بالمحرمات وعمومها، وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح."
ولا نجانب الصواب إذا قلنا، إنّ في هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي توجب على العامة التغيير، ما يدلّ على أنّ من المنكرات، كمنكرات الحكام، ما يلزمه الثورة العامة والعصيان من الأمة حتى تغيره، لأنّها إذا عزمت أمرها، وتقوّت بجمعها، قدرت على التغيير.













فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فضائل كثيرة. وقد قدمه الله عز وجل على الإيمان مبرزا فضله في قوله سبحانه: )كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ.( وقدّمه أيضا على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة في قوله سبحانه: )وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(. ومن الفضائل التي دلّت عليها الآيات والأحاديث، نذكر ما يلي:

أولا: أنه من أعمال الأنبياء والرسل عليهم السلام، قال تعالىsmile.gifوَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ(. (النحل36) وقد جعل الله عز وجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صفة من صفات النبي r، وعلامة مميّزة له ليعرف بها. قال تعالى: )الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ..( (الأعراف157) والمطّلع على سيرة النبي r وأحواله يقف على حقيقته، فقد كان r كما وصفه القرآن الكريم أَمورا بالمعروف ونَهُوا عن المنكر.

ثانيا: أنه من صفات المؤمنين وخصائصهم كما قال الله تعالى: )التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ(. (التوبة112) فهو معيار تفرقة بين المؤمنين والمنافقين.

ثالثا: أنّه أمارة خيرية هذه الأمّة، وعلامة دالة على تفضلها وتميّزها. قال تعالى: )كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ...( (آل عمران110) وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني وأحمد عن درة بنت أبي لهب قالت: قام رجل إلى النبي r وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ فقال: «خير الناس أقرؤهم وأتقاهم لله عز وجل وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم.»

رابعا: أنه من شروط النصر والتمكين في الأرض، قال تعالى: )ولَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ(. (الحج40/41)

خامسا: عظم أجر القيام به كما قال الله تعالى: )لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً(. (النساء114) وعن أَبِي ذر أَنّ ناسا مِن أَصحابِ النّبِي r قالوا لِلنّبِي r: يَا رَسُولَ اللّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدّثُورِ بِالأُجُورِ. يُصَلّونَ كَمَا نُصَلّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ. قَالَ: «أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللّهِ لَكُمْ مَا تَصّدّقُونَ؟ إِنّ بِكُلّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً. وَكُلّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ. وَكُلّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ. وَكُلّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ. وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ. وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ. وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ، أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلاَلِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ.» (مسلم) وقد وصف الصحابي الجليل علي بن أبي طالب فضل القيام بهذا الواجب بقوله: "..ما أعمال البرّ كلّها، والجهاد في سبيل الله، عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلاّ كنفثةٍ في بحر لُجِّيّ."

سادسا: أنه من أسباب تكفير الذنوب، وذلك كما قال r: «فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره، يكفرها الصيام والصلاة والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.» (متفق عليه) وعن عبد اللّهِ بن فَرّوخَ أنّه سمِع عائِشَةَ (رضي الله عنها) تقول: إِنّ رَسُولَ اللّهِ r قَالَ: «إِنّهُ خُلِقَ كُلّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَىَ سِتّينَ وَثَلاَثِمِائَةِ مَفْصِلٍ. فَمَنْ كَبّرَ اللّهَ، وَحَمِدَ اللّهَ، وَهَلّلَ اللّهَ، وَسَبّحَ اللّهَ، وَاسْتَغْفَرَ اللّهَ، وَعَزَلَ حَجَراً عَنْ طَرِيقِ النّاسِ، أَوْ شَوْكَةً أَوْ عَظْماً عَنْ طَرِيقِ النّاسِ، وَأَمَرَ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهَىَ عَنْ مُنْكَرٍ، عَدَدَ تِلْكَ السّتّينَ وَالثّلاَثِمِائَةِ السّلامى. فَإِنّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النّار.» قَالَ أَبُو تَوْبَةَ: وَرُبّمَا قَالَ «يُمْسِي» (مسلم)

سابعا: أنّه صمام الأمان للأمّة، وسبب نجاتها من العذاب العامّ، إذ إن التخلّي عن هذه الفريضة، يحلّ عليها كلّها عذاب الله، دون تمييز بين صالحها وطالحها، لأن الفئة الصالحة التي يفترض أن لا تتخلى عن واجبها قد سكتت عن إنكار المعصية والحرام، وعطلت فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فاستحقت لذلك أن تشملها العقوبة. قال الله تعالى (في سورة الأنفال25): )وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(. قال ابن عباس: "أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب".
وعن عدي بن عميرة أنّه سمع رسول الله r يقول: «إن الله لا يعذب العامّة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الخاصّة والعامّة». (أخرجه أحمد)


يتبع ان شاء الله
حبيب
بارك الله فيكم على هذه الجهود. ولو أننا قد افتقدنا منذ زمن كتابات أخينا يس.!!ويا حبذا لو يرجع الينا ويتحفنا بما وهبه الله تعالى به من علم عميق.و ان كان مشغولا باي شئ آخر فالله نسأل أن يعافيه من تلك الأشغال ويرجع بالتفرغ بما هو مفيد لنا وله. والله من وراء القصد.
ابو أحمد
الموضع رائع والطرح عميق فبارك الله في المؤلف ونرجو المزيد من هذا الكتاب النفيس حقا
ابو أحمد
السلام عليكم
قرأت في كتاب (الدعوة إلى الإسلام) ص 30 أن "الأمر بالمعروفوالنهي عن المنكر فرض على الكفاية ومنه ما يتعين" والكاتب هنا يقول "فرض عين" فكيف التوفيق جزاكم الله خيرا؟ وهل هناك من العلماء من يقول أنه فرض عين، لإانا لم أرى ذلك. وشكرا
أبو الدرداء
أخي الحبيب ابن الزيتونة هذا عنواني أرجو أن ترسل لي كل ما لديك من كتب على الوورد riyad@airtel.net & riyad@menta.net
بارك الله فيك وجزاك عنا خيرا ولي طلب آخر أن تطبع قبلة حارة على رأس حبيبي ياسين وأخبره أننا مشتاقون له جدا
إبن الزيتونة
السلام عليكم
شكرا لكم عن سؤالكم عن اخيكم وسارسل له بتحياتكم. وسارسل الكتاب قريبا لمن طلبه. بالنسة لسؤال ابي احمد فاظن ان الامر ليس في التوفيق بين راي كاتبين فاضلين, واظن ان الجواب يكون بقراءة الادلة فلربما لا يوجد خلاف كبير بينهما
واما من قال بان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين فالشيخ
العالم المجدد تقي الدين النبهاني رحمه الله.
وشكرا لكم
مستعين بالله
أخي الحبيب ابن الزيتونة
أرسل لي ما عندك إن أمكن على عنواني
mosta3een_bellah@yahoo.com

كي أضعه في مجموعة الخلافة فرض الفروض
أو ترسله أنت مباشرة على عنوان المجموعة
بارك الله فيك
إبن الزيتونة
السلام عليكم
بعثت لجميع الاخوة ما طلبوا. واضع الان فصلا من الفصول المهمة في الكتاب وشكرا لكم




مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الأمر في اللغة استعمال صيغة دالة على طلب من المخاطب على طريق الاستعلاء. والنهي في اللغة، هو الزجر عن الشيء بالفعل أو بالقول ك(اجتنب).

و أما معنى المعروف والمنكر، فقد جاء في لسان العرب أن المعروف : "ما يستحسن من الأفعال، وكلّ ما تعرفه النفس من الخير وتطمئن إليه." والمنكر: " كل ما قبّحه الشرع وحرّمه وكرّهه."
وقال ابن الأثير الجزري في النهاية: "المعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات، وهو من الصفات الغالبة أي أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه. والمعروف النصفة وحسن الصحبة مع الأهل وغيرهم من الناس. والمنكر ضد ذلك جميعه."
ومما قيل أيضا في حدّهما: إنّ المعروف هو "ما أوجبه الإسلام كالصلاة والصيام، أو ما ندب إليه كالصدقة والإطعام." والمنكر: هو "ما حرمه الإسلام كالخمر والزنا والربا، أو كرهه كالذهاب إلى مجالس البطالين، والأكل على الشبع."
وقيل: المعروف شامل للمستحب، و المنكر يختص بالحرام. وكل ما أمر الله ورسوله به فهو معروف، وما نهى الله ورسوله عنه فهو منكر.
وقيل : "الأمر بالمعروف: الإرشاد إلى المراشد المنجية، والنهي عن المنكر: الزجر عما لا يلائم في الشريعة. وقيل: الأمر بالمعروف: الدلالة على الخير، والنهي عن المنكر: المنع عن الشرّ. وقيل: الأمر بالمعروف: أمر بما يوافق الكتاب والسنة، والنهي عن المنكر: نهي عما تميل إليه النفس والشهوة. وقيل: الأمر بالمعروف إشارة إلى ما يرضي الله تعالى من أفعال العبد وأقواله. والنهي عن المنكر تقبيح ما تنفر عنه الشريعة والعفة، وهو ما لا يجوز في دين الله تعالى." وقيل أيضا: "المعروف هو كل ما يحسن في الشرع" و"المنكر ما ليس فيه رضا الله من قول أو فعل."

والذي نميل إليه، ونراه صوابا في حدّ المعروف والمنكر، أنّ المعروف هو كلّ ما حسّنه الشرع وفرضه من فعل واجب وترك حرام، والمنكر هو كل ما قبحه الشرع وحرّمه، من ترك واجب، أو فعل حرام. فلا يدخل المستحب في المعروف، ولا المكروه في المنكر، خلافا لمن أدخلهما، كليهما أو أحدهما. وعلى ذلك، فإنّ الأمر بالمعروف يعني طلب فعل ما حسّنه الشرع وفرضه، والنهي عن المنكر يعني طلب ترك ما قبحه الشرع وحرّمه.

والدليل على هذا، هو أنّ الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ملزم بإتّباع شرع الله تعالى، فلا أمر ولا نهي من غير شرعه سبحانه وتعالى. قال تعالى: )فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ..( (الشورى15) وما طلبه الشارع ينقسم إلى جازم وغير جازم أي إلى طلب فعل جازم أو طلب ترك جازم، وإلى طلب فعل غير جازم أو طلب ترك غير جازم. ولا خلاف في الطلب الجازم، وإنما الخلاف في غير الجازم الذي يحتاج إخراجه إلى دليل.

والدليل على إخراج المستحب والمكروه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما يلي :

1 . قوله r في الحديث المتفق عليه، عن أبي زيد أسامة بن زيد بن حارثة قال سمعت رسول اللّه r يقول: «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلقُ أقتابُ بطنه، فيدور كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان، مالك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: بلى، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه.» وفيه دلالة على أنّ المعروف هو الواجب، والمنكر هو الحرام؛ لأنّ استحقاق العقاب يكون بترك الفرض وفعل الحرام. وهو واضح من قول المعاقب: «قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه»، أي كان يأمر بفعل الواجب، ولا يفعله، وكان يأمر بترك الحرام، ويفعله.

2 . واقع المندوب هو "ما يتعلق الثواب بفعله، ولا يتعلّق العقاب بتركه، كصلوات النفل، وصدقات التطوع وغير ذلك من القرب المستحبّة." وواقع المكروه هو" ما تركه أفضل من فعله كالصلاة مع مدافعة الأخبثين ومع الالتفات، والصلاة في أعطان الإبل، واشتمال الصّمّاء وغير ذلك مما نهي عنه على وجه التنزيه." ومن المعلوم من فقه الدين بالضرورة أنّ الشارع لم يرتّب عقوبة على ترك المندوب أو فعل المكروه، وإنما رتّب على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عقوبة في الدنيا والآخرة. عن حذيفة بن اليمان عن النبي r قال: «والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهوّن عن المنكر أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم». (أخرجه الترمذي)
ووجه الاستدلال هو أنّ الحكم الذي لم يرتّب الشارع عقوبة على تركه أو عقوبة على فعله في ذاته، لا يرتّب عقوبة على ترك الأمر به أو ترك النهي عنه. فلمّا كان الشارع قد توعد بالعقاب على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قطعا، علمنا أنّ مراده فيما جزم في طلبه أو تركه لا فيما لم يجزم فيه. لذلك لا يدخل المستحب والمكروه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

3 . إنّ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرادة الإلزام بهما. فالآمر بالمعروف يريد إلزام المأمور بما أمره به، والناهي عن المنكر يريد إلزام المنهي بما نهاه عنه، وهو ما يخالف حقيقة المندوب والمكروه من حيث عدم الإلزام بهما في أصل التشريع.
ولا يقال هنا، إنّ إرادة الإلزام غير متعينة، لأنّ أمر الآمر بالمعروف أو نهيه مرتبط في حقيقته بصيغة الجزم في الحكم الشرعي المطلوب فعله أو تركه. فصيغة الجزم في الحكم، أي في الفرض والحرام، هي التي عينت كون إرادة الآمر منصبة على الإلزام. إذ لو لم يكن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرادة الإلزام بهما، لما كان لهما أي معنى عملي في الحياة.

والدليل عليه أيضا، أنّ الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إذا أمر ونهى شخصا ولم ينته، يحرم عليه أن يؤاكله أو يشاربه أو يجالسه ما دام لم ينته عن المنكر. وهذا الحكم قرّره الفقهاء استنباطا من حديث عن ابن مسعود عن النبي r قال: «إنّ أوّلَ مَا دَخَلَ النّقْصُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ كَانَ الرّجُلُ يَلْقَى الرّجُلَ فَيَقُولُ: يَا هَذَا اتّقِ الله وَدَعْ مَا تَصْنَعُ فإنّهُ لا يَحِلّ لَكَ ثمّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ فَلاَ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ فلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ الله قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ثُمّ قالَ: )لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى بنِ مَرْيَمَ - إلَى قَوْلِهِ – فَاسِقُونَ(...» (أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه)، ومن حديث عن أبي موسى عن النبي r قال: «إنه من كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل فيهم العامل الخطيئة، فنهاه الناهي تعذيراً، فإذا كان من الغد جالسه وواكله وشاربه، كأنه لم يره على خطيئة بالأمس، فلما رأى الله تعالى ذلك منهم، ضرب قلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم )ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون( والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهنّ عن المنكر، ولتأخذنّ على أيدي المسيء، ولتأطرنّه على الحق أطراً، أو ليضربنّ الله بقلوب بعضكم على بعض، ويلعنكم كما لعنهم». (قال الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح). وفيه دلالة واضحة على إرادة الإلزام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

علاوة على هذا، فقد حوى الحديث بيان واقع المنكر المتروك الذي استحقّ اليهود بسبب تركه اللعنة، وهو إتيان الحرام. وهذا واضح في قوله r «كانَ الرّجُلُ يَلْقَى الرّجُلَ فَيَقُولُ: يَا هَذَا اتّقِ الله وَدَعْ مَا تَصْنَعُ فإنّهُ لا يَحِلّ لَكَ » أي يحرم عليك. ومن قوله «عمل فيهم العامل الخطيئة» أي الحرام.

وعليه فإنّ المعروف الواجب الأمر به هو الفرض، والمنكر الواجب النهي عنه هو الحرام، ولا يدخل فيهما المندوب والمكروه. إلا أننا ننبه إلى أمرين:
أولهما، أنّ عدم إدخال المندوب والمكروه في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يفيد تركهما كلّية، بل يندب الأمر بالمندوب والنهي عن المكروه.

ثانيهما، أنّ الامتناع عن سنّة من السّنن أي الامتناع عن مندوب رغّب فيه الرسول r قد يدخل في المنكر إذا كان ذلك نكرانا للسنة، ونفرة منها، وعدم رغبة في الإقتداء بها من حيث الأصل. أخرج مسلم عَنْ أَنَسٍ أَنّ نَفَرَاً مِنْ أَصْحَابِ النّبِيّ r سَأَلُوا أَزْوَاجَ النّبِيّ r عِنْ عَمَلِهِ فِي السّرّ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ أَتَزَوَجُ النّسَاءَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا آكُلُ اللّحْمَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ، فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنّي أُصَلّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوّجُ النّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنّتِي فَلَيْسَ مِنّي.» قال النووي في شرحه على مسلم: " وأما قوله r : «فمن رغب عن سنتي فليس مني» فمعناه من رغب عنها إعراضاً عنها غير معتقد لها على ما هي عليه." و أخرج مسلم عن إِيَاس بن سَلَمَة بنِ الأَكْوَعِ أَنّ أباه حدّثه أنّ رجلا أَكل عِند رسولِ اللّهِ r بِشِمَالِهِ. فقال: «كُلْ بِيَمِينِكَ» قال: لاَ أَسْتَطِيعُ. قال: «لاَ اسْتَطَعْتَ مَا مَنَعَهُ إِلاّ الْكِبْرُ». قال: فما رَفَعَهَا إِلى فِيهِ. قال المناوي: "..وأن مشابهته للشيطان - أي فعل الأكل بالشمال كما روي في أحاديث - لا تدل على الحرمة بل للكراهة، ودعاؤه على الرجل إنما هو لكبره الحامل له على ترك الامتثال كما هو بيّن."

وعليه، فليس من المنكر عدم القيام بنافلة، وترك سنة كصيام ستة أيام من شوّال، أو تحية المسجد، أو إلقاء السلام أو غير ذلك مما ثبت أنّه مندوب، إنما المنكر هو الإصرار على ذلك وديمومة تركه، واتخاذه عادة، مما يشعر بعدم الرغبة في السنة والإعراض عنها، والمكابرة في عدم التأسي بمستحب مندوب فعله المصطفى r ورغّب فيه، ومن عُلم عليه ذلك، وشوهد منه ما يدلّ عليه وجب ساعتها أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر. هذا، وما قيل عن المندوب يقال عن المكروه.

ولأبي إسحاق الشاطبي كلام نفيس يتعلّق بمسألتنا، ويكشف عن وجه من وجوهها، أحببنا ذكره لعظيم فائدته، ننقله كما هو من كتابه:
" (فصل) إذا كان الفعل مندوبا بالجزء كان واجبا بالكل، كالأذان في المساجد الجوامع أو غيرها، وصلاة الجماعة، وصلاة العيدين، وصدقة التطوع، والنكاح، والوتر، والفجر، والعمرة وسائر النوافل الرواتب، فإنها مندوب إليها بالجزء. ولو فرض تركها جملة لجرح التارك لها. ألا ترى أن في الأذان إظهارا لشعائر الإسلام، ولذلك يستحق أهل المصر القتال إذا تركوه، وكذلك صلاة الجماعة من داوم على تركها يجرح، فلا تقبل شهادته لأن في تركها مضادة لإظهار شعائر الدين، وقد توعد الرسول عليه السلام من داوم على ترك الجماعة فهم أن يحرق عليهم بيوتهم، كما كان عليه السلام لا يغير على قوم حتى يصبح، فإن سمع أذانا أمسك، وإلاّ أغار، والنكاح لا يخفى ما فيه مما هو مقصود للشارع من تكثير النسل، وإبقاء النوع الإنساني وما أشبه ذلك، فالترك لها جملة مؤثر في أوضاع الدين إذا كان دائما، أما إذا كان فى بعض الأوقات فلا تأثير له فلا محظور في الترك.

(فصل) إذا كان الفعل مكروها بالجزء كان ممنوعا بالكل، كاللعب بالشطرنج، والنرد بغير مقامرة، وسماع الغناء المكروه، فإن مثل هذه الأشياء إذا وقعت على غير مداومة لم تقدح فى العدالة، فإن داوم عليها قدحت فى عدالته، وذلك دليل على المنع بناء على أصل الغزالي..."




شمول الفريضة

إنّ واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير محصور في جانب من جوانب الإسلام، أو في مجال واحد من مجالاته، إنما هو شامل للجوانب كلّها، العقدية منها والتعبدية، والسياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها. قال الشيخ الطاهر بن عاشور في قوله تعالى: )وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ(، "والتعريف في (الخير والمعروف والمنكر) تعريف الاستغراق، فيفيد العموم في المعاملات بحسب ما ينتهي إليه العلم والمقدرة فيشبه الاستغراق العرفي."
وقد جاء لفظ المنكر في قوله r: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده...» نكرة، ليكون عاماً، فإنَّ النكرة في سياق الشرط تعم، مثلما تعمّ في سياق النفي والنهي كما هو مقرر عند أهل الأصول.
لذا، فمن الأخطاء الفادحة التي يجب تداركها وتصحيحها تبعيض المعروف والمنكر، وحصرهما في جوانب معينة لا غير. من ذلك أنّ من المسلمين من يدعو إلى معاريف متعلقة بالعبادات كالصلاة والزكاة والحجّ، ويترك الأمر بمعاريف أخرى متعلقة بغير العبادات كالسياسة والحكم، ومن الناس من يأمر العامّة بمعاريف وينهاهم عن منكرات، ويغضّ الطرف عن الخاصّة أو الحكام والأمراء وأهل القوة والنفوذ في المجتمع، فلا يعبأ بإهمالهم الواجبات وإتيانهم المحرّمات والكبائر ولو رأى ذلك ووقف عليه بنفسه.

وفي السنة النبوية ما يدلّ على أنّ واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقبل التبعيض، وأنّ ترك البعض منه، بمداهنة فئة من الناس، وغض الطرف عن منكراتها، يؤدي إلى ترك الفريضة كلّها. وإذا تركت الفريضة حلّ العقاب فعمّ الجميع.
عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله r يقول: «إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له: أنت الظالم، فقد تودّع منهم.» قال الهيثمي (في مجمع الزوائد، ج7 ص531): رواه أحمد والبزار والطبراني وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح، وكذلك إسناد أحمد.

وعن حذيفة قال: قلت للنبي r: يا رسول الله متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما سيدا أعمال أهل البر؟ قال: «إذا أصابكم ما أصاب بني إسرائيل». قلت: يا رسول الله وما أصاب بني إسرائيل؟ قال: «إذا داهن خياركم فجاركم، وصار الفقه في شراركم، وصار الملك في صغاركم، فعند ذلك تلبسكم فتنة تكرّون ويكرّ عليكم». قال الهيثمي في المجمع (ج7 ص561): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمار بن سيف وثقه العجلي وغيره وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات وفي بعضهم خلاف.

إنّ تبعيض واجب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وانتقاء من يُؤمر ويُنهى من الناس ممن لا يؤمر ويُنهى تحكيما للهوى، رغبة ورهبة، ممّا عمّت به البلوى تقريبا، لذا وجب على الفاهمين لفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الواعين على أهميته، المتفقهين في أحكامه، المخلصين لدينهم وأمّتهم، تبصير الناس بخطورة هذا التبعيض والانتقاء، ومخالفته الواضحة للحكم الشرعي، وبيان أنّ القيام بهذه الفريضة قياما حسنا ومنتجا يكون بالمحافظة على أصل هامّ فيها ألا وهو الشّمول بالكيفية التي حددها الشارع.



شمول الفريضة

إنّ واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير محصور في جانب من جوانب الإسلام، أو في مجال واحد من مجالاته، إنما هو شامل للجوانب كلّها، العقدية منها والتعبدية، والسياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها. قال الشيخ الطاهر بن عاشور في قوله تعالى: )وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ(، "والتعريف في (الخير والمعروف والمنكر) تعريف الاستغراق، فيفيد العموم في المعاملات بحسب ما ينتهي إليه العلم والمقدرة فيشبه الاستغراق العرفي."

وقد جاء لفظ المنكر في قوله r: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده...» نكرة، ليكون عاماً، فإنَّ النكرة في سياق الشرط تعم، مثلما تعمّ في سياق النفي والنهي كما هو مقرر عند أهل الأصول.

لذا، فمن الأخطاء الفادحة التي يجب تداركها وتصحيحها تبعيض المعروف والمنكر، وحصرهما في جوانب معينة لا غير. من ذلك أنّ من المسلمين من يدعو إلى معاريف متعلقة بالعبادات كالصلاة والزكاة والحجّ، ويترك الأمر بمعاريف أخرى متعلقة بغير العبادات كالسياسة والحكم، ومن الناس من يأمر العامّة بمعاريف وينهاهم عن منكرات، ويغضّ الطرف عن الخاصّة أو الحكام والأمراء وأهل القوة والنفوذ في المجتمع، فلا يعبأ بإهمالهم الواجبات وإتيانهم المحرّمات والكبائر ولو رأى ذلك ووقف عليه بنفسه.

وفي السنة النبوية ما يدلّ على أنّ واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقبل التبعيض، وأنّ ترك البعض منه، بمداهنة فئة من الناس، وغض الطرف عن منكراتها، يؤدي إلى ترك الفريضة كلّها. وإذا تركت الفريضة حلّ العقاب فعمّ الجميع.
عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله r يقول: «إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له: أنت الظالم، فقد تودّع منهم.» قال الهيثمي (في مجمع الزوائد، ج7 ص531): رواه أحمد والبزار والطبراني وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح، وكذلك إسناد أحمد.

وعن حذيفة قال: قلت للنبي r: يا رسول الله متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما سيدا أعمال أهل البر؟ قال: «إذا أصابكم ما أصاب بني إسرائيل». قلت: يا رسول الله وما أصاب بني إسرائيل؟ قال: «إذا داهن خياركم فجاركم، وصار الفقه في شراركم، وصار الملك في صغاركم، فعند ذلك تلبسكم فتنة تكرّون ويكرّ عليكم». قال الهيثمي في المجمع (ج7 ص561): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمار بن سيف وثقه العجلي وغيره وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات وفي بعضهم خلاف.

إنّ تبعيض واجب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وانتقاء من يُؤمر ويُنهى من الناس ممن لا يؤمر ويُنهى تحكيما للهوى، رغبة ورهبة، ممّا عمّت به البلوى تقريبا، لذا وجب على الفاهمين لفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الواعين على أهميته، المتفقهين في أحكامه، المخلصين لدينهم وأمّتهم، تبصير الناس بخطورة هذا التبعيض والانتقاء، ومخالفته الواضحة للحكم الشرعي، وبيان أنّ القيام بهذه الفريضة قياما حسنا ومنتجا يكون بالمحافظة على أصل هامّ فيها ألا وهو الشّمول بالكيفية التي حددها الشارع.


يتبع ان شاء الله
الباحث محمد
اخي ابن الزيتونة المحترم
جزاك الله خيرا واعانك
كانني لست من اخوانك الذين طلبوا الكتاب ، فلم يصلني شيء .
لك خالص دعائي
اخوك الباحث محمد ( ابو محمد )
issa1133@yahoo.com
issa24i@maktoob.com
ابو أحمد
الاخ الكريم ابن الزيتونة

السلام عليكم
ارجو منك ان ترسل لي بنسخة من الكتاب على العنوان التالي
franc2005@walla.com
وبارك الله في مجهودك
إبن الزيتونة
السلام عليكم

اخي الباحث بعثت لك الكتاب مرةاخرى وان شاء الله يصل هذه المرة
وبعثت لابي احمد ايضا.
إبن الزيتونة
أهمّية الفريضة في حماية المجتمع

إنّ المجتمع، أيّ مجتمع، يتكوّن من الناس والأفكار والمشاعر والأنظمة. فإذا كانت الأفكار والمشاعر التي تحكم سلوك الناس إسلامية، وكان النظام المطبق عليهم إسلاميا، كان المجتمع مجتمعا إسلاميا. أمّا لو كان جميع الناس مسلمين، وكانت الأفكار أو المشاعر أو الأنظمة غير إسلامية كان المجتمع غير إسلامي رغم كون كلّ الناس أو جلّهم من المسلمين.
ولما كان المجتمع قائما على العرف العام، أي على الأفكار والمشاعر المُوحَدَة عند الناس، وعلى النظام الذي يضبط سلوك الناس فيه، ويرعى شؤونهم بما رضوا من مفاهيم وقناعات، قلنا إنّ صلاح المجتمع يقاس بصلاح العرف العام السائد فيه، والنظام الذي ينتظمه.

ولديمومة صلاح المجتمع، وبقائه مجتمعا سالما معافى وخاليا من الأمراض، وللحفاظ على مقوّماته ودعائمه، وصيانته داخليا من أيّ خلل أو انحراف قد يطرأ عليه، شرع الإسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ذلك أن وجوب الأمر بالمعروف يفيد وجوب إبقاء المفاهيم والمقاييس الأساسية التي قام عليها المجتمع وتعارف عليها الناس كميثاق، وتركزت لديهم كقواعد ضابطة للسلوك لا يجوز الخروج عنها، ووجوب إنكار المنكر يفيد وجوب مقاومة الأفعال الخاطئة مما هو محرّم و مخالف للإسلام، ومما هو مضادّ للقناعات الإيجابية العامة السائدة في المجتمع. وهو ما عناه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود بقوله المشهور: «إن الله عز وجل نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد r خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالاته، ثم نظر في قلوب العباد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيّه r يقاتلون عن دينه، فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سيئ».

ويعتبر حديث السّفينة الذي صحّ عن النّبي r من أروع الأمثلة الشارحة لأهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع، و المبيّنة لخطورة التفريط فيهما. أخرج البخاري عن النّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ قال: قال رسولُ الله r: «مثل القائم على حدود الله [أي المستقيم مع أوامر الله تعالى، ولا يتجاوز ما منع الله تعالى منه، والآمر بالمعروف الناهي عن المنكر] والواقع فيها[أي التارك للمعروف المرتكب للمنكر]، كمثل قوم استهموا [أي اقترعوا ليأخذ كل منهم سهما أي نصيبا]على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا». وفي رواية ثانية له: «مثل المُدهن في حدود الله [أي من يرائي ويضيع الحقوق ولا يغير المنكر، والمُدْهٍِِِن والمداهن واحد]والواقع فيها، مثل قوم استهموا سفينة، فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها، فكان الذين في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها، فتأذوا به، فأخذ فأسا، فجعل ينقر أسفل السفينة، فأتوه فقالوا: ما لك، قال: تأذيتم بي ولا بد لي من الماء، فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجّوا أنفسهم، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم».

والمعنى أنه كذلك إن منع النّاس الفاسق عن الفسق، والظالم عن الظلم، ووقفوا لكل منكر بالمرصاد، نجت سفينة المجتمع من الغرق وتابعت إبحارها باسم الله مجراها ومرساها، وإن تركوا العاصي يفعل المعصية ولم ينكروا عليه، أو تركوا أعمال الفحش والضلال تسري في المجتمع دون أن يتصدّوا لها، ويبيّنوا زيفها، ويكشفوا فسادها، ويوقفوا سريانها ويردّوها، تركزت في المجتمع وأفسدته، وخرقت فيه خرقا يؤدي إلى غرق الجميع. ولعلّ الصدّيق (رضي الله عنه) أراد هذا المعنى بقوله : « يا أيها الناس ائْتمِروا بالمعروفِ وانْهَوْا عن المنكرِ، تعيشوا بخيرٍ».





الجهات التي أناط بها الشارع القيام بالفريضة

لقد حدّد الشارع للمسلم حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحدّد له أيضا مفهومه، وشروطه -كما سيأتي بيانه – وكلّ ما يلزم للقيام به على وجه مستقيم. ومما حدّده الشارع للقيام بهذا الأمر الخطير، جهات معينة أنيط بها القيام بهذا الواجب. وبعبارة أخرى فإنّ الشارع قد حدّد لنا، من ضمن ما حدّده من مسائل تتعلّق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، جهات معينة كلّفت بالقيام بهذا الواجب أي أنّ الشارع حدّد لنا الواجب ومن يقوم به.

إنّ معرفة الجهات التي أناط الشارع بها هذا الواجب الخطير أمر في غاية الأهمية، لأنّ الخلط في هذا الأمر أي الخلط في معرفة الجهة المنوط بها الحكم قد يؤدي إلى تضييع الحكم، والعمل، والمقصد منه. لذلك كان لا بدّ من بيان هذا الأمر، وتفصيل القول فيه، حتّى تلتزم كلّ جهة بما كلّفت به، وتقوم بما أنيط بها أحسن قيام. فإذا قامت كلّ جهة بعملها دون زيادة أو نقصان، ودون أن تخلط عملها بعمل غيرها، تحقق القصد الذي أراده الشارع من العمل بشروطه التي اشترطها.
وبالاستقراء لنصوص الشرع تبيّن أنّ الجهات التي أناط الشارع بها القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثلاث، هي:

1 . الأفراد

ويعنى بالأفراد آحاد الناس. ودليل كون الشارع أناط بهم القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قوله تعالى: )وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(. (التوبة) حيث جعل الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صفة كل مؤمن ومؤمنة. وقوله r : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده...»

2 . الجماعات

والمراد بالجماعات التكتلات والأحزاب. ودليل ذلك قوله سبحانه وتعالى: )وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(. فقد أوجب الله عز وجلّ في هذه الآية على المسلمين إيجاد جماعة على الأقلّ يكون عملها الدعوة إلى الخير أي إلى الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وللأمة في اللغة معان كثيرة منها الجماعة، والأصل فيها كما أفادته معاجم اللغة هو القصد، من قولهم: أمّه يؤمّه أمّا إذا قصده. فالجماعة سميت أمة لاجتماعها على مقصد واحد. والمقصد الذي يجمع في هذه الآية هو الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنّه العمل الذي حدّد للجماعة الواجب إيجادها.

قال الراغب الأصفهاني: )وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ( أي: جماعة يتخيرون العلم والعمل الصالح يكونون أسوة لغيرهم.
وقال الشيخ الطاهر:" والآية أوجبت أن تقوم طائفة من المسلمين بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر..."
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله سبحانه وتعالى: )ولتكن منكم أمة( يقول: ليكن منكم قوم. يعني واحدا، أو اثنين، أو ثلاثة نفر فما فوق، ذلك أمة يقول: إماما يقتدى به. يدعون إلى الخير قال: إلى الخير، قال: إلى الإسلام، ويأمرون بالمعروف بطاعة ربهم، وينهون عن المنكر عن معصية ربهم.
وجاء في مختصر تفسير ابن كثير للصابوني: والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجباً على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي سعيد قال، قال رسول اللّه r: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان».

والحاصل فإن هذه الآية أوجبت وجود جماعة من المسلمين، وجعلت لها من أعمالها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأما الدليل على كون الأمر بوجود جماعة آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر في الآية للوجوب وليس للندب، فهو صيغة المضارع المقترن بلام الأمر، "لتكن".
هذا عند من يقول بأنّ الأمر للوجوب، أما عند من يقول بأنّ الأمر لمطلق الطلب، والقرينة هي التي تعيين الوجوب، فإنّ الأمر في الآية يفيد الوجوب بقرينتين هما:

أولا: إنّ حكم وجود الجماعة مقترن بحكم العمل الذي من أجله وجدت، فإذا كان العمل المطلوب منها حين قيامها مندوبا كان وجودها مندوبا، وإن كان العمل واجبا كعمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان وجودها وقيامها من أجل القيام به واجبا.

ثانيا: اقتران الأمر في الآية بالفلاح المقصور على الجماعة القائمة بالعمل دون سواها، وهو المفهوم من قوله تعالى: )وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(.
قال الشيخ الطاهر:" ومفاد هذه الجملة قصر صفة الفلاح عليهم، فهو إما قصر إضافي بالنسبة لمن لم يقم بذلك مع المقدرة عليه، وإما قصر أريد به المبالغة لعدم الاعتداد في هذا المقام بفلاح غيرهم، وهو معنى قصد الدلالة على معنى الكمال."
بناء عليه فإن وجود جماعة للأمر بالمعروف وللنهي عن المنكر واجب.

3 . الدولة

الأصل في الدولة الإسلامية أن يكون الحاكم فيها هو القوّام على تنفيذ أحكام الشرع، وهو المسؤول الأول عن منع المنكرات فيها. قال الرسول r: «أَلاَ كُلّكُمْ رَاعٍ. وَكُلّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيّتِهِ. فَالأَمِيرُ الّذِي عَلَى النّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيّتِهِ..» (متفق عليه)

فالحاكم في دولة الإسلام هو أولّ من يأمر بمعروف وينهى عن منكر، وهو الذي يعين من يقوم بهذا الدور في الدولة، وهو الذي ينشأ المؤسسات التي تقوم بهذا الواجب. فقد أوكل الله سبحانه إليه أن يرغم الناس أفرادا وجماعات على القيام بأداء جميع الواجبات التي أوجبها عزّ وجلّ عليهم، وإذا استدعى الأمر استخدام القوة لإرغامهم على أدائها وجب عليه أن يستخدمها . كما أوجب الله سبحانه وتعالى على الحاكم أن يمنع الناس عن ارتكاب المحرمات، وإذا استدعى الأمر استخدام القوة لمنعهم من ارتكاب المحرمات وجب عليه استخدامها. فالدولة هي الأصل في تغيير المنكر وإزالته ولو بالقوة، لأنها مسؤولة شرعا عن تطبيق الإسلام، وعن إلزام الناس بأحكامه. قال ابن تيمية: (يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها. فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس حتى قال النبي r «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم». رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة (...) ولأنّ الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتمّ ذلك إلا بقوة وإمارة...)

وقد تميّز بهذا العمل في الدولة الإسلامية عبر تاريخها من يسمى بالمحتسب، وهو – كما سيأتي بيانه مفصلا فيما بعد - القاضي الذي يتولى الفصل في المخالفات التي تضرّ حقّ الجماعة، حتى إنّ من العلماء من يطلق اسم الحسبة والاحتساب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.



الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في غياب الدولة

لقد قلنا إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منوط بالأفراد والجماعات وأولي الأمر، وقلنا إنّ الدولة هي الأصل في تغيير المنكر. والسؤال الذي يسأله كثير من الناس في ظلّ هذا الواقع الذي نعيشه هو: هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبط بدولة أم لا؟
والجواب هو: أنّ الأصل في الدولة أنّها "كيان سياسي تنفيذي لتطبيق أحكام الإسلام وتنفيذها ولحمل دعوته رسالة إلى العالم بالدعوة والجهاد. وهي الطريقة الوحيدة التي وضعها الإسلام لتطبيق أنظمته وأحكامه العامة في الحياة والمجتمع، وهي قوام حياة الإسلام في الحياة، وبدونها يغيض الإسلام كمبدأ ونظام للحياة من الوجود، ويبقى مجرد طقوس روحية، وصفات خلقية." فوجود الدولة هام جدا لتطبيق أحكام الإسلام، وهو أمر لا يختلف فيه اثنان. وصدق عبد الله بن المبارك (رحمه الله) حيث يقول:

إن الجماعة حبل الله فاعتصموا منه بعروته الوثقى لمن دانـا
كم يدفع الله بالسلطان معضلة في ديننا رحـمة منه ودنيانا
لولا الخلافة لم تؤمن لنا سبـل وكـان أضعفنا نهبا لأقوانـا

والواقع أنّ الشارع قد عدّد الجهات التي أناط بها إقامة الدين ككلّ، فكلّف الأفراد بأمور، وكلّف الجماعات والدولة بأمور أخرى. فمن الأحكام الشرعية ما أنيط تنفيذه بالخليفة أو من يقوم مقامه، ولا يجوز لغيره تنفيذه وإذا نفذه أحد من الناس يكون – كما في عبارة الفقهاء - مفتئتا على السلطة، كالحدود. ومن الأحكام ما هو منوط بالأفراد ويقوم به الخليفة متى قصّروا. ومن الأحكام أيضا ما هو منوط بالخليفة والأفراد، يقوم بها كلّ منهما بحسب ما طلبه الشرع من أحدهما وعلى قدره، فتكون بذلك غير مرتبطة بوجود خليفة ويقام بها رغم عدم وجوده وغيابه، كالجهاد. وذلك لأن الأدلة فيه مطلقة، ومنها قوله سبحانه وتعالى: )كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ(. (البقرة216) فالأصل أن يكون أمر القتال بيد الخليفة، ‎فهو وحده الذي يعلن الحرب، ويعقد الهدن، ولكن إذا لم يكن هناك خليفة للمسلمين، ولم تكن لهم دولة تطبق الإسلام في الداخل وتحمله إلى العالم في الخارج بالجهاد، فإن الجهاد لا يتعطل ولا يجوز أن يتعطل، ولو جاز تعطله لاغتُصبت أراضي المسلمين واحتُلت، ولانتُهبت خيراتهم، وسرقت ثرواتهم، وهُتكت أعراضهم، وديست مقدساتهم، وأُهينت كرامتهم كما هو الحال اليوم.

وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو غير مرتبط بالخليفة أو ولي الأمر. وهو واجب على المسلمين في كل الأحوال، سواء أكانت هناك دولة خلافة إسلامية أم لم تكن، وسواء أكان الحكم المطبق على المسلمين في بلادهم هو حكم الإسلام أم حكم الكفر، وسواء أحسن الحاكم تطبيق أحكام الإسلام أم أساء التطبيق. فطلب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير مقيّد بوجود الخليفة، وغير مشروط بقيام الدولة. قال r: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده...» وقال r: «لتأمرنّ بالمعروف ولتنهوّن عن المنكر أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقابا منه»، فلم يقيّد الأمر بشيء. قال ابن قدامة المقدسي (في مختصر منهاج القاصدين): "واشترط قوم كون المنكر مأذوناً فيه من جهة الإمام أو الوالي، ولم يجيزوا لآحاد الرعية الحسبة، وهذا فاسد، لأن الآيات والأخبار عامة تدل على أن كل من رأى منكراً فسكت عنه عصى، فالتخصيص بإذن الإمام تحكم‏." وقال النووي (في شرحه على صحيح مسلم): "قال العلماء: ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأصحاب الولايات، بل ذلك جائز لآحاد المسلمين‏." وقال أبو حامد الغزالي: "فالتخصيص بشرط التفويض من الإمام تحكم لا أصل له".


يتبع ان شاء الله
الباحث محمد
اخي ابن الزيتونة المحترم
لقد وصل الكتاب
جزاك الله عنا كل خير وجعل ذلك في ميزان حسناتك وجعلنا واياك وجميع احبابنا ممن يرد على حوض الحبيب محمد صلى الله عليه واله وسلم ونفوز بصحبته في الفردوس
اللهم امين
لك مني خالص الدعاء
اخوك الباحث محمد
ابو أحمد
السلام عليكم

شكرا اخي ابن زيتونة على الكتاب. جزاك الله كل خير.
بعد ان قرات الكتاب كله, اريد ان اسال عن بعض الامور التي تفوق فهمي . فالكتاب صغير الحجم ولكن فيه فقه عميق, وتفصيلات كثيرة.
فهل اكتب اسئلتي هنا ام ابعثها اليك. وبارك الله بك وزادك علما.
إبن الزيتونة
السلام عليكم
اخي ابو احمد اكتب اسئلتك هنا ولعل الاخوة من له علم يجيب عليها وبارك الله بك
إبن الزيتونة
عمل الجماعة في غياب الدولة

يفتح غياب الدولة الإسلامية الباب على مصراعيه للفساد وتفشي المنكر بشتى أنواعه. والفرد مهما أوتي من قدرة، وطاقة، وإخلاص، وعلم، لا يستطيع بمفرده تحمل هذا العبء الثقيل، والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أحسن وجه. لذلك، فإن المسؤولية الجسيمة ملقاة على كاهل الجماعات، فهي التي بمستطاعها تغيير الأوضاع، وإعادة الحكم بما أنزل الله، والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حقّ القيام.

وهاهنا مسألة متعلقة بعمل الجماعة. فالله سبحانه وتعالى يقول في آية الجماعة: )وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ(، والتعريف في لفظة الخير والمعروف والمنكر، تعريف الاستغراق فيفيد العموم. فهل يعني ذلك أن الواجب على الجماعة الأمر بكل معروف والنهي عن كلّ منكر؟

والجواب على هذا من وجهين هما:

1 . قد دلّت النصوص الشرعية على تفاضل المعاريف وتفاوت المنكرات، وأنّ منها الهام ومنها الأهمّ. قال الله تعالى في سورة التوبة: )أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(.
وعَنْ أَبِي مَعْبَدٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ النّبِيّ r يَخْطُبُ يَقُولُ: «لاَ يَخْلُو رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ. وَلاَ تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلاّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجّةً. وَإِنّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: «انْطَلِقْ فَحُجّ مَعَ أَهْلِكَ». (متفق عليه) وفي هذا الحديث تقديم الأهمّ على الهام؛ لأنّه لما تعارض اكتتاب الرجل في غزوة من أجل الجهاد مع سفر امرأته بدون محرم، قدّم أمر على أمر.
وعَنْ أَنَس بن مَالِكٍ قَالَ: «أُقِيمَتِ الصّلاَةُ وَالنّبِيّ r يُنَاجِي رَجُلاً، فَلَمْ يَزَلْ يُنَاجِيهِ حَتّى نَامَ أَصْحَابُهُ، ثُمّ جَاءَ فَصَلّى بِهِمْ». (متفق عليه) وفي هذا الحديث تقديم الأهم فالأهم من الأمور عند ازدحامها، فإنه صلى الله عليه وسلم إنما ناجاه بعد الإقامة في أمر هام من أمور الدين رجح على تقديم الصلاة.
وروي عن النبي r أنه نظر إلى الكعبة فقال: « لقد شرفك الله وكرمك وعظمك، والمؤمن أعظم حرمة منك ». (رواه الطبراني في الأوسط من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده) وعن البَرَاء بن عازِب أَنَّ رَسُول اللّهِ r قَالَ: «لَزَوَالُ الدُّنْيا أَهْوَنُ علَى اللهِ مِنْ قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ». (رواه ابن ماجه) لذلك كان هدم الكعبة، وزوال الدنيا، أهون عند الله عز وجلّ من منكر قتل مسلم بغير حقّ.
وعليه، إذا كثرت المنكرات في الواقع، وتفشت في المجتمع، فيلزم الجماعة تحديد الأولى والأهمّ وفق المقاييس الشرعية لينصبّ عملها عليهما.
فهناك منكر أعظم من منكر، وهناك معروف أهمّ من معروف. فقتل نفس معصومة أعظم من شرب خمر، وإعادة الحكم بالإسلام أهمّ من تقصير الإزار عند من يرى وجوبه. لذلك إذا رأى المسلم منكرين وجب عليه دفع أعظمهما وأشدهما نكارة قبل الآخر. وإذا وجب عليه الأمر بمعروفين، أمر بالأهمّ منهما.
وكذلك الجماعة، إذا تزاحمت أمامها الفروض، وكثرت قدّامها المنكرات، قدّمت الأهمّ على الهام.
ومن أهمّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محاسبة الحكام والأخذ على أيديهم. عن أبي سعِيدٍ الْخُدْرِيّ قال: قال رسول الله r: «أفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ أوْ أمِيرٍ جَائِرٍ». (أخرجه أبو داود) وعن عبد الله بن عمرو عن النبي r قال: «إذا رأيت أمتي تهاب فلا تقول للظالم يا ظالم، فقد تودع منهم» (رواه الحاكم) وروي عن النبي r قوله: «...ألا إن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم، إن عصيتموهم قتلوكم وإن أطعتموهم أضلوكم. قالوا: يا رسول الله، كيف نصنع؟ قال: كما صنع أصحاب عيسى بن مريم، نشروا بالمناشير، وحملوا على الخشب، موت في طاعة الله خير من حياة في معصية الله.» (رواه الطبراني في الكبير عن معاذ بن جبل)

2 . للمنكرات أسباب ومظاهر، والأصل في المرء أن يعتني بالسبب دون المظهر حتى يتحقق المقصد الأساسي وهو إزالة عين المنكر.
فإذا رأى إنسان شخصين، أحدهما يتعاطى المخدرات والثاني يبيعها، فعليه أن ينكر على البائع قبل المتعاطي، لأنه سبب.
وكذلك الجماعة، عليها أن تميز بين السبب ومظهره، لينصب عملها على السبب دون المظهر حتى يتحقّق حكم إزالة عين المنكر.
وإذا نظرنا إلى واقع المسلمين اليوم، نجدهم يعيشون في دار كفر يحكم فيها بحكم الكفر، ويطبق فيها أنظمة غير إسلامية، ويسوسهم فيها حكام ظلمة بالحديد والنار، ونجد الإسلام قد غُيّب عن حياتهم ومجتمعهم. لذلك، فإن الأولوية اليوم في عمل الجماعة من دعوة إلى الخير، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، متمثلة في إعادة الحكم بما أنزل الله، واستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة. عن معاوية قال: قال الرسول r: «من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية». (رواه الطبراني وأحمد وأبو يعلى وابن أبي عاصم بإسناد حسن) وعن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من خلع يدا من طاعة، لقي الله يوم القيامة، لا حجة له. ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية». (رواه مسلم) والمراد بالميتة الجاهلية وهي بكسر الميم أن يكون حاله في الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال وليس له إمام مطاع، لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك، وليس المراد أنه يموت كافرا بل يموت عاصيا. ويحتمل أن يكون التشبيه على ظاهره، ومعناه أنه يموت مثل موت الجاهلي وإن لم يكن جاهليا أو إن ذلك ورد مورد الزجر والتنفير فظاهره غير مراد.

وعن أبي أمامة الباهلي عن النبي r قال: «لتُنتَقضُنّ عُرى الإسلام عُروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة». (رواه الطبراني في الكبير وأحمد) وفي هذا الحديث دلالة على كون غياب الحكم بالإسلام سببا تنتج عنه منكرات عدّة كترك الصلاة. لأنّ النبي r شبّه أحكام الإسلام من ناحية عملية بالعروة، وهي في الأصل ما يعلّق به من طرف الدلو والكوز ونحوهما، فاستعير لما يتمسك به من أمر الدين، ويتعلق به من شعب الإسلام وأحكامه من ناحية تطبيقية عملية. وكأنّ الإسلام من ناحية التطبيق، والتنفيذ في المجتمع، مرهون بالحكم، فإذا انتقضت عروة الحكم انتقضت بقية العرى شيئا بعد شيء حتى يكون آخرها ترك الصلاة.

لذلك، كان الأصل في عمل الجماعة أن ينصبّ على السبب لا على المظهر. ولما كان سبب المنكرات في زمننا هو غياب الحكم بالإسلام، وجب على الجماعات التركيز عليه.

والحاصل، فإنّ الجماعة ملزمة بالأمر بكلّ معروف، والنهي عن كلّ منكر حسب الطاقة والأولوية التي حدّدها الشرع لمعالجة الواقع معالجة صحيحة جذرية. وإذا وجدت جماعة تقوم على فكرة كلية تستوعب شمول الإسلام، وشمول الأمر والنهي، وتعتني بالأهمّ، وتركّز على الأولى، وتتلبّس بالعمل من أجل التغيير الجذري الذي يزيل عين المنكر وسببه، فقد أدت ما عليها وأبرأت الذمة.
إبن الزيتونة
الفرق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإزالة المنكر

قلنا في حدّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إنّ الأمر بالمعروف يعني طلب فعل ما حسّنه الشرع وفرضه، والنهي عن المنكر يعني طلب ترك ما قبحه الشرع وحرّمه.
وأمّا إزالة المنكر فمعناها إذهابه وتنحيته أي تغييره، وهذا مأخوذ من الحديث النبوي: «من رأى منكم منكرا فليغيّره...» أي فليزله ويذهبه ويجعله كأنه لم يكن. وعليه فإن إزالة المنكر تعني تغيير ما حرّم الشرع.

وأما الفرق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبين إزالة المنكر، فيكمن خاصة في كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقتصر فيه على القول فقط، ولا يتعدّى القول إلى الفعل، كالدفع والضرب وغير ذلك من الأعمال المادية الجسدية، وهذا بخلاف إزالة المنكر التي لا يُقتصر فيها على مجرّد القول بل يتعدّاه إلى الفعل واستعمال القوّة المادية لإزالة المنكر وتغييره. ودليل ذلك أنّ النبيّ r قال في إزالة المنكر: «..فليغيّره بيده» وهذا يفيد جواز استعمال القوّة لتغيير المنكر. قال الجصّاص: " ..الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لهما حالان: حال يمكن فيها تغيير المنكر وإزالته ففرض على من أمكنه إزالة ذلك بيده أن يزيله، وإزالته باليد تكون على وجوه منها : ألا يمكن إزالته إلا بالسيف وأن يأتي على نفس فاعل المنكر، فعليه أن يفعل ذلك كمن رأى رجلاً قصده أو قصد غيره بقتله أو بأخذ ماله، أو قصد الزنا بامرأة أو نحو ذلك، وعلم أنه لا ينتهي إن أنكره بالقول أو قاتله بما دون السلاح، فعليه أن يقتله لقول الرسول r : «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده» فإذا لم يمكنه تغييره بيده إلا بقتل المقيم على هذا المنكر فعليه أن يقتله فرضاً عليه، وإن غلب في ظنه أنه إن أنكره بالدفع بيده أو بالقول امتنع عليه..."

وإذا دققنا النظر في حكم النهي عن المنكر وحكم تغيير المنكر، وجدنا أن النهي عام والتغيير خاص. ومردّ العموم والخصوص إلى واقع المنكر نفسه، لأنّه قد يحصل أثناء حضورنا، وقد يحصل أثناء غيابنا. فيكون الحكم العام هو النهي عنه سواء قبل حدوثه أو أثناء حدوثه أو بعد حدوثه، ويكون الحكم الخاص هو التغيير لمنع حدوثه أو بقائه. فالمسلم ينهى عن شرب الخمر، سواء رأى من يشربها أو لم ير، ولكنه يمنع شربها إذا رأى من همّ بشربها، وكذلك ينهى عن شربها إذا لم يستطع منع شاربها من شربها، أو رأى من انتهى من شربها.
أبو الدرداء
الإخوة الأفاضل أرجو أن ترسلوا لي الكتاب فعلى ما يبدو أن حبيبي ابن الزيتونة لم يتمكن من ذلك بارك الله فيكم وجزاكم خيرا سلفا
خالد بن الوليد
هذا هو عنواني

khajjar73@hotmail.com
khajjar73@yahoo.com

شاكر لك يا ابن الزيتونة
إبن الزيتونة
السلام عليكم اخوتي الافاضل

لقد تم ارسال نسخة الكتاب الى كل طالبيه واني انتظر مزيد من تفاعلكم لانه بحق يحتوي على زخم فكري ويحتاج الى دراسة عميقة وهو حقيقة من السهل الممتنع .

وفي رايي يحتاج اليه كل مسلم بعامة وكل حامل دعوة بخاصة كما اظن انه عملي وليس من الكتب المدرسية التي لا تعلق لها بالحياة ,وبارك الله فيكم.
إبن الزيتونة
قد فاتني كتابة الاهداء و تاخرت في ذلك ولكني مع ذلك احببت ان اضعه لما فيه من رقة واحساس نبيل.




الإهداء...

إلى من لم أره منذ أكثر من عقد من الزمن..
إلى من حال بيني وبينه فقه هذا الكتاب قبل كتابته..
إلى من رباني على حبّ الدّين في بلد ضاع فيه الدّين..
إلى أبي الحبيب..




ياسين
إبن الزيتونة
السلام عليكم

افردت لاهداء كتاب اخينا ياسين بن على موضوعا خاصا لادارة المنتدا ان تزيله بعد فترة ولكنه كان ارق ما ورد في الكتاب وفاتني ان انشره وفيه دلالات حركت مشاعري :

* حب الابن لابيه واعترافه بفضله وجميله .

* لوعة الابن بعد فراق ابيه لسنين عدة .

* والاجمل قوله مبينا سبب الفراق فقه هذا الكتاب قبل كتابته .


اسال الله ان يفرج كرب حملة الدعوة بقيام دولة الخلافة الراشدة الثانية , امين.




الإهداء...

إلى من لم أره منذ أكثر من عقد من الزمن..
إلى من حال بيني وبينه فقه هذا الكتاب قبل كتابته..
إلى من رباني على حبّ الدّين في بلد ضاع فيه الدّين..
إلى أبي الحبيب..



ياسين


وهذا رابط الموضوع

http://www.alokab.com/forums/index.php?showtopic=3960&st=20
وسام2
اخي ابن الزيتونة تحية والسلام عليكم ورحمة الله

مما قرأت الكتاب مشوق للقراءة لكن لم أعرف اسم الكتاب ان أمكن أرسله لي على بريدي

mamflowers@yahoo.com
الباحث محمد
اخوتي الكرام
لم اجد الموضوع الاصلي ( احكام جامعة.......... ) في قسم الثقافة العامة
فاين اجده وبارك الله فيكم
إبن الزيتونة
الفرق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة


النصيحة مطلب شرعي، والأصل فيها قول النبي r: «الدّينُ النّصِيحَةُ. قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لله وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامّتِهِمْ.» (رواه مسلم عن تميم الداري) وعن جرير بن عبد اللّه رضِيِ الله عنه قال: «بايعت رسول اللّهِ صلّى اللّه عليهِ وسلّم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم.» (متفق عليه)

والنصيحة: " كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له. ويقال: هي من وجيز الأسماء ومختصر الكلام، وليس في كلام العرب كلمة مفردة تستوفي العبارة غير معنى هذه الكلمة. كما قالوا في الفلاح: إنه ليس في كلام العرب كلمة أجمع لخيري الدنيا والآخرة منه."
قال أبو سليمان الخطابي في تعريفها: " النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له (...) وأصل النصح في اللغة الخلوص يقال نصحت العسل إذا خلصته من الشمع..."
وقال أبو عمرو بن الصلاح: " النصيحة كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلا فالنصيحة لله تعالى: توحيده ووصفه بصفات الكمال والجلال، وتنزيه عما يضادها ويخالفها، وتجنب معاصيه والقيام بطاعته ومحابه بوصف الإخلاص، والحب فيه والبغض فيه وجهاد من كفر به تعالى وما ضاهى ذلك والدعاء إلى ذلك والحث عليه. والنصيحة لكتابه: الإيمان به وتعظيمه وتنزيهه، وتلاوته حق تلاوته، والوقوف مع أوامره ونواهيه، وتفهم علومه وأمثاله وتدبر آياته، والدعاء إليه وذب تحريف الغالين وطعن الملحدين عنه. والنصيحة لرسوله r: قريب من ذلك الإيمان به وبما جاء به، وتوقيره وتبجيله، والتمسك بطاعته وإحياء سنته واستنشار علومه ونشرها، ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه ووالاها، والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه، ومحبة آله وأصحابه ونحو ذلك. والنصيحة لأئمة المسلمين: معاونتهم على الحق وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به وتنبيههم في رفق ولطف، ومجانبة الوثوب عليهم والدعاء لهم بالتوفيق وحث الأغيار على ذلك. والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم، وستر عوراتهم وسد خلاتهم، ونصرتهم على أعدائهم والذب عنهم، ومجانبة الغش والحسد لهم وأن يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه وما شابه ذلك."

هذه هي النصيحة، ويظهر من تعريفها أنها أعمّ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث تشمل في حقيقتها أكثر من طلب فعل الواجب وترك الحرام، وتتعدى علاقة الإنسان بالإنسان أو المسلم بالمسلم إلى بيان نوع العلاقة بين المسلم وربّه سبحانه، وكتابه الكريم ورسوله r ، كما تشمل إعطاء الرأي فيما هو من أمور الدنيا والمعاش، والإرشاد إلى ما فيه الخير والصلاح ولو كان من المندوب أو المباح.
ولعلّنا نوضّح الصورة ونجلّي الفرق بين الأمرين أي بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبين النصيحة من خلال المثال التالي:
لو أنّ تاجرا غشّ في تجارته، كأن كان لبّانا يخلط اللبن بالماء، فقلتَ له: اتق الله، ودع الغشّ في التجارة، إنه حرام يعاقب الله على فعله. قال النبيّ r : «مَنْ غَشّ فَلَيْسَ مِنّي.» (رواه مسلم) فهذا أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ونصيحة قدّمتها للتاجر.
أما لو قلت له: إنّك تغالي في السعر، ولو رخّصت لأقبل الناس على الشراء منك. فهذا القول نصيحة وليس أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر.










الفرق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة


عرفت الدعوة بأنّها" لغة: المرّة الواحدة من الدّعاء، واسم الفاعل منها: داعٍ، تقول : دعاه يدعوه؛ فهو داع له، وقوله تعالى : )وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا( (الأحزاب46) معناه : داعيًا إلى توحيد الله وما يقرّب منه. وجمع الداعي: دعاة وداعون، كقضاة وقاضون، والدعاة: قوم يدعون إلى بيعة هدى أو ضلالة، واحدهم داع، ورجل داعية إذا كان يدعو النّاس إلى بدعة أو دين، والهاء للمبالغة، والنبي r داعي الله تعالى، وفي تهذيب اللغة : المؤذّن داعي الله، والنبي داعي الأمّة إلى توحيد الله وطاعته قال تعالى في شأن الجنّ : )يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ( (الاحقاف 31) ودعوة الحق شهادة أن لا إله إِلاَّ الله، والدعاء إلى الشيء : الحثّ على قصده، ومنه قوله تعالى: )قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ( (يوسف33) فتحصّل أن الدعوة إلى الله هي دعوة الحقّ، ودعوة الحق هي شهادة أن لا إله إِلاَّ الله، وأنها تطلق على الدعوة إلى هدى أو ضلالة، وتطلق على الدعاء إلى الشيء والحثّ على قصده.
أمّا في الاصطلاح: فقد عرّفها بعض المتأخرين مثل الشيخ محمَّد الرَّاوي في كتابه (الدعوة إلى الإسلام دعوة عالمية) بتعريفين:
الأوّل، قال: الدعوة الإسلامية هي: دين الله الَّذي بُعث به الأنبياء جميعًا، تجدّد على يد محمَّد r خاتم النبيين كاملاً وافيًا لصلاح الدنيا والآخرة.
وقال أَيضًا : الدعوة الإسلامية : تبليغ رسالة النَّبي r .
وعرّفها الدكتور أبو بكر زكرى فقال : الدعوة هي: قيام من له أهلية النصح والتوجيه السديد من المسلمين في كلّ زمان ومكان بترغيب النّاس في الإسلام اعتقادًا ومنهجًا، وتحذيرهم من غيره بطرق مخصوصة.
وعرّفها الأستاذ محمَّد الغزالي فقال: هي برنامج كامل يضمّ في أطوائه جميع المعارف الَّتي يحتاج إليها النّاس ليُبصروا الغاية من محياهم، وليستكشفوا معالم الطريق الَّتي تجمعهم راشدين."
وقيل: هي" السعي لنشر دين الله، عقيدة وشريعة وأخلاقًا، وبذل الوسع في ذلك." وقيل:" الدعوة إلى الله تعني الدعوة إلى الإيمان بالله وبما جاءت به الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وطاعتهم فيما أمروا به، والانتهاء عما نهوا عنه على أن توجه إلى كل الناس في كل زمان ومكان." وقيل أيضا:" الدعوة إلى الإسلام هو الطلب من الناس الدخول في طاعة الله، وطاعة رسول الله r، والالتزام بشرائعه أي التدين بالدين الإسلامي الحنيف الذي اختاره الله تبارك وتعالى لخلقه والعمل بتعاليمه."
ولنا أن نعرّف الدعوة إلى الإسلام بقولنا: هي طلب قبول مجموع الأفكار والأحكام الشرعية، أو هي طلب قبول الإسلام كلّه؛ عقيدة ونظاما. ويصير المراد بقولنا: حمل الدعوة الإسلامية، هو تبليغ الناس الإسلام وإيصاله إليهم.

والناظر المدقّق في حمل الدعوة الإسلامية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يجد أنهما يلتقيان في أمور ويفترقان في أمور أخرى. ويمكن لنا إجمال أوجه الفرق بين المسألتين في النقاط التالية:

1 . إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - كما سبق بيانه - هو طلب فعل ما حسّنه الشرع وفرضه، وطلب ترك ما قبحه الشرع وحرّمه، فهو بناء على واقعه هذا أخصّ من الدعوة التي هي طلب الإسلام كلّه؛ معقوله ومنقوله، أصوله وفروعه، فروضه ومحرّماته، ومستحبّه ومكروهه ومباحه. فالدعوة أعمّ، لأنها تشمل أمورا فوق طلب فعل الواجب وترك الحرام أي تشمل أمورا أكثر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعلى هذا فقوله سبحانه وتعالى في آية الجماعة، )وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(، من قبيل عطف الخاص أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على العام أي الخير أو الإسلام، وذلك للاهتمام به والعناية.

2 . إنّ الدعوة في واقعها شرح لأفكار الإسلام وأحكامه، وليست بأمر ولا نهي. فهي تبليغ للإسلام بالبيان والحجة والبرهان، وهي محاورة وإقناع، بخلاف الأمر والنهي الذي يفيد طلب الفعل أو الترك، وإن أدى ذلك إلى استعمال القوة.

3 . إنّ ما يترتب عن حمل الدعوة غير ما يترتب عن الأمر والنهي. ذلك أنّ رفض الدعوة أو التبليغ أو الإعراض عن الشرح والبيان لا يوجب قطع العلاقة مع المدعو، وأما عدم الائتمار بالمعروف والانتهاء عن المنكر فيوجب قطع العلاقة مع المأمور والمنهي. فقد روي عن النبي r قوله: «إنّ أوّلَ مَا دَخَلَ النّقْصُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ كَانَ الرّجُلُ يَلْقَى الرّجُلَ فَيَقُولُ: يَا هَذَا اتّقِ الله وَدَعْ مَا تَصْنَعُ فإنّهُ لا يَحِلّ لَكَ ثمّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ فَلاَ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ فلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ الله قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ثُمّ قالَ: )لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى بنِ مَرْيَمَ -إلى قولِهِ- فَاسِقُونَ(...» (أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن ابن مسعود)
قال الجصاص: ( من شرط النهي عن المنكر أن ينكره، ثم لا يجالس المقيم على المعصية ولا يؤاكله ولا يشاربه. وكان ما ذكره النبي r من ذلك بيانا لقوله تعالى )ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا( فكانوا بمؤاكلتهم إياهم ومجالستهم لهم تاركين للنهي عن المنكر لقوله تعالى )كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه( مع ما أخبر النبي r من إنكاره بلسانه إلا أن ذلك لم ينفعه مع مجالسته ومؤاكلته ومشاربته إياه.)

4 . إنّ الدعوة تنقسم إلى قسمين هما:
· القسم الأول هو دعوة غير المسلمين إلى اعتناق الإسلام، والدخول في حظيرته والإيمان به والعمل بأحكامه. عن سهل بن سعد (رضِي اللّه عنه) أن النبي r قال لعليّ (رضِي اللّه عنه): «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ. حَتّىَ تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ. ثُمّ ادْعُهُمْ إِلَىَ الإِسْلاَمِ. وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقّ اللّهِ فِيهِ. فَوَاللّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النّعَمِ». (متفق عليه)

· القسم الثاني هو دعوة المسلمين إلى الإلتزام بالإسلام، والعمل بمقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أي الدعوة إلى لزوم طاعة الخالق تبارك وتعالى والاستقامة على نهجه الذي أمر به.
فالدعوة من هذا الجانب تختلف عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يقتصر فيه على أمر المسلمين ونهيهم، ولا يتعدّاه إلى الكافرين غير المسلمين.
إبن الزيتونة
اخي وسام2 تم ارسال الكتاب

كما اني مازلت انتظر اسالة اخينا ابو أحمد التي وعدنا بها,وبارك الله فيكم.
ابو أحمد
السلام عليكم
اخ ابن الزيتونة بارك الله بك انا بصدد تجهيز الاسئلة فلا تعجل
ابو أحمد
سؤال:
هل يمارس الحزب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر كله?
إبن الزيتونة
الفرق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحسبة

جاء في لسان العرب: " الحٍِِِسْبةُ: مصدر احْتِسابِكَ الأجر على اللّه، تقول: فَعَلْته حِسْبة، واحْتَسَب فيه احْتِسابا؛ والاحتِساب: طلب الأجر، والاسم: الحِسْبة بالكسر، وهو الأجر. واحتسب فلان ابنا له أو ابنة له إِذا مات وهو كبير، وافْتَرَط فَرَطا إِذا مات له ولد صغير، لم يبلغ الحُلُمَ؛ وفي الحديث: من مات له ولد فاحْتَسَبَه، أي احْتسب الأجر بصبره على مصيبتِه به، معناه: اعتدّ مصِيبَته به في جملةِ بلايا اللّه، التي يثاب على الصّبر عليها، واحتسب بكذا أَجرا عند اللّه، والجمع الحِسَبُ. وفي الحديث: من صام رمضانَ إِيمانا واحتِسابا، أَي طلبا لوجهِ اللّهِ تعالى وثوابِه. والاحتِساب من الحسْبِ: كالاعْتدادِ من العَدِّ؛ وإِنما قيل لمن ينوِي بعملِه وجه اللّهِ: احْتسبه، لأَن له حينئذ أَن يَعْتدّ بعمله، فجُعِل في حال مباشرة الفعل، كأَنه معتدّ به. والحِسْبةُ: اسم من الاحْتِسابِ كالعِدّةِ من الاعْتِداد. والاحتِساب في الأَعمال الصالحاتِ وعند المكروهاتِ: هو البِدارُ إِلى طلبِ الأجرِ وتحصِيله بالتسليم والصبر، أَو باستعمال أَنواعِ البِرّ والقِيامِ بها على الوجهِ الـمرسوم فيها، طلبا للثواب الـمَرْجُوِّ منها. وفي حديث عمر: أيّها الناس، احتسِبوا أَعمالكم، فإِنّ من احتسب عمله، كتِب له أَجر عملِه وأجر حِسْبتِه."
وقال ابن الأخوة القرشي في تعريف الحسبة: "الحسبة من قواعد الأمور الدينية، وقد كان أئمة الصدر الأول يباشرونها بأنفسهم لعموم صلاحها، وجزيل ثوابها، وهي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله، وإصلاح بين الناس، قال الله تعالى: )لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس(. (النساء114) والمحتسب: من نصبه الإمام، أو نائبه للنظر في أحوال الرعية، والكشف عن أمورهم ومصالحهم."
وقال الماوردي :" هي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله."

هذه هي الحسبة كما عرّفت، غير أننا نريد تفصيل القول فيها، تفصيلا يليق بالمقام، يبيّن واقعها والأصل في نشأتها وحقيقة التواضع عليها، ثم نبيّن بعدها أوجه الفرق بينها وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فنقول: الحسبة، أو ولاية السوق كما تسمى في المغرب، هي نوع من أنواع القضاء الثلاثة، وهي الإخبار بالحكم الشرعي على سبيل الإلزام فيما يضرّ حقّ الجماعة.
والأصل فيها والدليل عليها هو فعل الرسول r وقوله. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ r مَرّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ [الصبرة الكومة المجموعة من الطعام سميت صبرة لإفراغ بعضها على بعض]، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً. فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطّعَامِ؟» قَالَ: أَصَابَتْهُ السّمَاءُ [أي المطر] يَا رَسُولَ اللّهِ! قَالَ: «أَفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النّاسُ، مَنْ غَشّ فَلَيْسَ مِنّي» (رواه مسلم) وعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ قَالَ: كُنّا بِالْمَدِينَةِ نَبِيعُ الأَوْسَاقَ وَنَبْتَاعُهَا وَنُسَمّي أَنْفُسَنَا السّمَاسِرَةَ وَيُسَمّينَا النّاسُ فَخَرَجَ إلَيْنَا رَسُولُ اللّهِ r فَسَمّانَا بِاسْمٍ هُوَ خَيْرٌ لَنَا مِنَ الّذِي سَمّيْنَا بِهِ أَنْفُسَنَا فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ التّجّارِ إنّهُ يَشْهَدُ بَيْعَكُمُ الْحَلِفُ وَاللّغْوُ فَشُوبُوهُ [بضم الشين أمر من الشوب بمعنى الخلط أمرهم بذلك ليكون كفارة لما يجري بينهم من الكذب وغيره] بِالصّدَقَةِ» (النسائي)

لقد دلّ فعل النبي r وقوله على أنّ للحاكم في الدولة الإسلامية مراقبة التجار وأرباب الحرف، وذلك لمنعهم من الغش في تجارتهم، وعملهم ومصنوعاتهم، ومكاييلهم وموازينهم وغير ذلك مما يضر حقّ الجماعة. ولقد كان الرسول r يقوم بهذا العمل بنفسه، وقيل عيّن سعيد بن العاص على سوق المدينة ، وكذلك كان ولاته والخلفاء من بعده يقومون بالحسبة بأنفسهم، إلا ما بدر من عمر بن الخطّاب الذي عيّن على سوق المدينة إمرأة تدعى الشفاء العدوية، مع بقاء قيامه هو بنفسه أيضا بالحسبة. وقال بعض العلماء أصل ولاية الحسبة أنّ عمر بن الخطاب استعمل عبد الله بن عتبة على السوق. (روى ذلك ابن سعد عن الزهري)
وعندما أقيمت الدولة الأموية ثم الدولة العباسية زادت وظائف الدولة وكثرت المهام وتشعبت، وفي العصر العباسي على وجه الخصوص، بدأ يظهر التخصّص في بعض الأعمال، فتوزّع القضاء أي الإخبار بالحكم الشرعي على سبيل الإلزام لفصل الخصومات بين الناس، أو منع ما يضرّ حقّ الجماعة، أو رفع النزاع بين الراعي أو من هو في جهاز الحكم والرعية. واستقلّ تبعا لذلك عمل منع ما يضر حق الجماعة بجهاز خاصّ عرف بقضاء الحسبة، وأشهر من وليها في الدولة العباسية "ابن عائشة"، وتحددت اختصاصات المحتسب في مراقبة المبيعات في الأسواق، والعمل على مكافحة ظواهر الانحراف فيها كالتطفيف في الكيل، أو البخس في الميزان، أو الغش في البيع، أو التدليس في الثمن وغير ذلك، وأعطيت للمحتسب صلاحية النظر في كافة القضايا التي هي حقوق عامة، ولا يوجد فيها مدّع، على أن لا تكون داخلة في قضايا الحدود والجنايات، وحكمه فيها ملزم ينفذ بقوة القانون الممثلة في الشرطة.

أما أوجه الفرق بين الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فنخص بالذكر منها يما يلي:

1 . الحسبة في واقعها أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، إلاّ أنها لا تطلق على ما يقوم به الأفراد من عامة الناس من تلقاء أنفسهم، بل تطلق على ما يقوم به من انتدبه الخليفة وعينه لهذا الأمر، أي تطلق على أعمال جهة مخصوصة أو مؤسسة معينة في الدولة، لذلك عبر عنها الفقهاء قديما بقولهم: ولاية الحسبة.

2 . للمحتسب أن يتقاضى على أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أجرا، وذلك بخلاف غيره من الناس، لأنّ أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وظيفة وعمل من أعمال الدولة، وأما أمر غيره ونهيه فتطوّع يحتسب الأجر فيه عند الله تعالى.

3 . الحسبة نوع من أنواع القضاء، لذلك فإنّ المحتسب قاض له صلاحية الحكم في القضية، وإيقاع العقوبة، وتنفيذ الأمر بالقوة، وله الحقّ في أن يكون تحت يده عدد من الشرطة، وهو ما ليس لغيره ممن أمره ونهيه على سبيل التطوع. قال الماوردي:" ‏:‏ أنّ له – أي المحتسب - أن يتخذ على إنكاره أعوانا؛ لأنه عمل هو له منصوب وإليه مندوب ليكون له أقهر وعليه أقدر وليس للمتطوع أن يندب لذلك أعوانا‏."‏

ومما تجدر الإشارة إليه، هو أنّ إطلاق لفظ الحسبة والاحتساب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر لا يضير البتة، ولا يغيّر من واقع الفريضة شيئا، إذ العبرة بالمدلولات والمعاني لا بالألفاظ والمباني، ولا مشاحة في الاصطلاح ما لم يخالف الشرع، فإذا تأكدنا حصول الفقه بالمسألة وإدراك الفروق بين فروعها وموضوعاتها ومفرداتها، جاز لنا أن نعبّر عنها بما شئنا من الألفاظ.
ولا يخفى علينا أنّ إطلاق لفظ الحسبة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس من الاصطلاحات الحادثة الجديدة، بل هو من الاصطلاحات القديمة قدم الفقه الإسلامي ونموّه وتطوّره. والأصل في هذا الإطلاق وجود الدولة الإسلامية، وعيش الناس في كنفها لفترة زمنية طويلة مطبقة للكتاب والسنة، قائمة بتنفيذ الأحكام الشرعية التي منها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فكأنّ الدولة، عندما كانت قائمة، كَفَت الناس عناء القيام بالجزء الأكبر من هذه الفريضة، الأمر الذي دعاهم لربط الحسبة بها ربطا كليّا، حتى صارت تطلق ويراد بها فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإذا قلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عنيت الحسبة، وإذا قلت الحسبة، عنيت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
‏ إلا أننا بالرغم مما قدمناه من رفع الحرج في التسمية أو الاصطلاح، نميل منهجيا – كما هو واضح من سيرنا في الكتاب - إلى الفصل والتفرقة بين الأمرين لرفع اللبس، خصوصا ونحن نعيش في واقع غابت فيه الدولة الإسلامية المطبقة للإٍسلام. فنخشى أن يتبادر إلى ذهن النّاس كون الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر هو الحسبة، وهي وظيفة حكومية، وعمل من أعمال الدولة لم يكلّف به الأفراد وعامة الناس، فيهمل واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اتّكالا على الحاكم.



الفرق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاسبة الحكام

المحاسبة: "مفاعلة من الحساب وهو استيفاء الأعداد فيما للمرء وعليه من الأعمال الظاهرة والباطنة ليجازى بها." ومحاسبة الحكام عمل من الأعمال السياسية المطالب بها الفرد والجماعة في الإسلام وجوبا، ويعني بها مراجعة الحاكم فيما صدر منه وعنه، والتصدي لأعماله وتصرفاته بالنقد والمناقشة والإنكار عليه. وقد جاءت في محاسبة الحكام، إضافة إلى عموم أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعموم أدلة النصيحة الدالة عليها ضمنا، أدلة خاصّة فيها، كالذي روي عن النبي r أنه قال : «سيدُ الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله.» (أخرجه الحاكم في المستدرك) وعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قال: قال رسول الله r: «أفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ أوْ أمِيرٍ جَائِرٍ». (أخرجه أبو داود) وفي رواية «كَلِمَةُ حَق عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِر». (النسائي وأحمد) وعن أُمّ سَلَمَةَ أنّ رسول اللّهِ r قَالَ: «سَتَكُونُ أُمَرَاءُ. فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ. فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ. وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ. وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ» قَالُوا: أَفَلاَ نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: «لاَ. مَا صَلّوْا» (مسلم) وعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ قَالَ: «خِيَارُ أَئِمّتِكُمُ الّذِينَ تُحِبّونَهُمْ وَيُحِبّونَكُمْ. وَيُصَلّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلّونَ عَلَيْهِمْ. وَشِرَارُ أَئِمّتِكُمُ الّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللّهِ أَفَلاَ نُنَابِذُهُمْ بِالسّيْفِ؟ فَقَالَ: «لاَ. مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصّلاَةَ.. » (مسلم) و عن أبي هريرة قال: قال رسول الله r : «إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ويسخط لكم قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال». (أحمد) وعن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيت أمتي تهاب فلا تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم». (رواه الحاكم)

أمّا أوجه الفرق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاسبة الحكام فهي التالية:

1 . محاسبة الحكام تعني أمر فئة معينة في المجتمع ونهيها، وهم الحكام. لذلك فهي خاصة بهذه الفئة، ولا يطلق لفظ المحاسبة بمعناه الاصطلاحي السياسي إلا عليها، فلا يطلق على العامة أو التجار أو الكتاب أو غيرهم ممن هو ليس في الحكم أو في الوسط السياسي بعامة.

2 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو طريقة إصلاح المجتمع عموما، والمحاسبة طريقة إصلاح الدولة فيه خصوصا. فبالأمر والنهي نعالج الفساد في المجتمع بصفة عامة، وبالمحاسبة نصحّح أخطاء الحاكم، ونقوّم اعوجاجه، ونعالج الفساد في الدولة والأنظمة بصفة خاصة.

3 . المحاسبة باعتبارها مراجعة الحاكم، ومساءلته، ومناقشته، أعمّ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من وجه. ذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو طلب فعل ما حسّنه الشرع وفرضه، وطلب ترك ما قبحه الشرع وحرّمه، فحصر بناء على هذا في الواجبات والمحرّمات، أما المحاسبة فقد تكون في غير الواجبات والمحرّمات، بل قد تكون في غير المسائل الشرعية. روي أن الحُباب بن المنذر بن الجموح قال في غزوة بدر للنبي r وقد رآه نزل على أدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة: "يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة». فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نُغَوِّر ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون؛ فقال رسول الله r: «لقد أشرت بالرأي». (السيرة لابن هشام) فصنيع الحباب بن المنذر هنا من قبيل محاسبة الحاكم، فقد راجع النبي r في أمر فني يتعلّق بالحرب، فأقرّه النبي r على مراجعته وعمل برأيه.

4 . محاسبة الحكام والإنكار عليهم متى ظلموا الرعية وهضموا حقوقها، أو قصروا بواجباتهم نحوها، أو أهملوا شأنا من شؤونها، أو خالفوا أحكام الإسلام أو قاموا بغير ذلك من الأعمال الخاطئة أو التي فيها ضرر بالأمة ومصالحها، لا تكون بالقوة والأعمال المادية كمقاتلتهم إلا إذا كان ما قاموا به ظاهرا فيه الكفر البَوَاح. عن عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ قال: دَعَانَا رَسُولُ اللّهِ فَبَايَعْنَاهُ. فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا، أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السّمْعِ وَالطّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا. وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ. قال: «إلاّ أَنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً عِنْدَكُمْ مِنَ اللّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ.» (رواه مسلم والبخاري) وهذا الأمر أي عدم جواز تغيير منكر الحكام بالقوة إلا عند ظهور الكفر البواح، هو على خلاف حكم تغيير المنكر إذا كان من غير الحكام. وفي المسألة زيادة تفصيل نراها بعد قليل.
إبن الزيتونة
نعم اخي ابو أحمد سؤال جميل سارجئ الاجابة عليه علي اجد تفاعل الشباب ومشاركاتهم بارك الله فيك وفيهم.

ولكن اشير عليك اعادة قراءة موضوع الكتاب صفحة 59 *عمل الجماعة في غياب الدولة*

وتقبل تحياتي
عبدالسلام
أشكرك عزيزي ابن الزيتونة
وصلني الكتاب
من خلال مجموعة الخلافة فرض الفروض
بارك الله جهدكم
وتقبل تحياتي
إبن الزيتونة
تغيير المنكر مظهر الفعالية في الواقع

لم يرض الإسلام للمسلم أن يكون منفعلا في الوجود، متأثرا بالواقع، منطبعا به وبحركته الدائمة. إنّه يريد منه أن يكون متفاعلا مع الوجود تفاعلا إيجابيا تتجلّى فيه قدرته على الفعل والحركة والإبداع. يريد الإسلام أن يكون المسلم فاعلا مؤثّرا، صانعا للأحداث، قادرا على صياغة الواقع، ومستطيعا لتشكيل المادة التي سخرها رب العالمين له حسب رؤيته وإرادته.

لقد جاءت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة مفعمة بهذه الروح الفاعلة الإيجابية، وحاثة للمسلم على الحركة والإبداع، والتمتّع بشخصية قوّية قادرة على حمل عبء هذه الرسالة الأمانة، ألا وهي رسالة الإسلام. إننا نجد في القرآن هذه الروح في مواضع عدة منها قوله تعالى: وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (آل عمران139) فقد عزاهم وسلاهم بما نالهم يوم أحد من القتل والجراح، ونهاهم عن العجز والفشل فقال ولا تهنوا. وقوله مذكرا بسنة الصبر والثبات التي يتبعها النصر وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ. وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. (آل عمران146-148) وروي عن النبي  قوله «لا تَكُونُوا إِمّعةً [هو الذي يتابع كل ناعق ويقول لكل أحد أنا معك لأنه لا رأي له يرجع إليه] تَقُولُونَ إِن أَحْسَنَ النّاسُ أَحْسَنّا، وإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطّنُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنْ أَحْسَنَ النّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وإِنْ أساءوا فَلاَ تَظْلمُوا.» (رواه الترمذي عن حذيفة) وعن أَبِي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول اللّهِ : «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيّ خَيْرٌ وَأَحَبّ إِلَىَ اللّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضّعِيفِ. وَفِي كُلّ خَيْرٌ. احْرِصْ عَلَىَ مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللّهِ. وَلاَ تَعْجِزْ. وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلاَ تَقُلْ: لَوْ أَنّي فَعَلْتُ كذا لم يُصبني كذا. وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللّهِ. وَمَا شَاءَ فَعَلَ. فَإِنّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشّيْطَانِ.» (رواه مسلم)
وهي دعوة منه  إلى أن يكون المسلم قويا عتيدا، جلدا صارما لا يعرف الضعف ولا يعتريه الوهن، دؤبا كدودا لا يتسرب إليه الملل، صبورا صلبا لا يرقى إلى صبره الضجر، مندفعا بحزم وعزم نحو غايته دون أن يعرف اليأس إلى قلبه سبيلا، لا يفتر عن السعي والطلب والعمل، ولا يزهد في الأخذ بالأسباب والمسببات بحجة التوكل على الله، ولا يغتر بما فيه من قدرة، و لا بما عنده من عقل وقابلية تدبير فينسى حاجته إلى عون ربّه سبحانه ومدده.

إنّ الدعوة إلى الفعل والحركة الإيجابية في الواقع صريحة في الكتاب والسنة، واضحة فيهما وضوح الشمس في رابعة النهار. فالأشياء مرتبطة بفعلنا فيها، والواقع منفعل بحركتنا فيه إيجابا أو سلبا كما قال تعالى: إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ. (الرعد11)

بناء عليه فإنّ الإسلام ضدّ النزعة الواقعية المستكينة للأحداث، وعدو العجز والرضوخ للموجود الفاسد. إنّه يرفض الروح الواهنة المتخاذلة المتمثلة في المثل القائل: "إذا لم يوافقك الزمان فوافقه، وإذا لم يدارك الناس فدارهم"، ويحتقر العزيمة الخائرة الخاملة المتجسدة في قول القائل:
ارض الخمول تعشْ به نجوةً
مما تخـاف ومن معاندة العِـدا
دون المعالي غدوةٌ إن خضتها
متقحّما أوردتَ مهجتَك الرَّدى

ومن الأعمال الإيجابية التي تظهر فيها حركة المسلم الفاعلة في الواقع الذي يعيش فيه ويحيط به، التغيير المطلوب في حديث النبي : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان». فقد أوجب الرسول  العمل من أجل التغيير، والتحرّك من أجل إزالة المنكر، فلا يليق بعدها بالمسلم أن يركن إلي الفساد ويسكت عنه فلا يفوه في معارضته ببنت شفة، ولا ينبس بكلمة، ولا يحرّك لإزالته ساكنا. قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ (النساء135) وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله : «لا يحقرنّ أحدكم نفسه أن يرى أمر الله عليه فيه مقالا ثم لا يقوله، فيقول الله: ما منعك أن تقول فيه. فيقول: رب خشيت الناس. فيقول: وأنا أحق أن يخشى.» وفي رواية «فيقول: خشية الناس!، فيقول الله تبارك وتعالى: فإياي كنت أحق أن تخشى». وعن أبي ذر قال: «أمرني رسول الله  أن أصل رحمي وإن أدبرت وأن أقول الحق وإن كان مرا وأن لا تأخذني في الله لومة لائم...» (الطبراني وأحمد)

والتغيير يقال على وجهين: (أحدهما) لتغيير صورة الشيء دون ذاته، يقال غيّرت داري إذا بنيتها بناء غير الذي كان. (والثاني) لتبديله بغيره، نحو غيرت غلامي ودابتي، إذا أبدلتهما بغيرهما نحوإِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ. (الرعد11)
وقال أبو البقاء في الكليات: التغيير عبارة عن تبديل صفة إلى صفة أخرى مثل تغيير الأحمر إلى الأبيض. والتغيير إما في ذات الشيء أو جزئه أو الخارج عنه.

فالأصل في التغيير استبدال شيء بشيء آخر أي استبدال شيء مرغوب فيه بشيء مرغوب عنه، وهو في حقيقته ليس تركاً وإزالة فحسب، بل يتبعهما عملية إقامة الجديد مقام المتروك المزال، فيكون التغيير بناء على هذا الاعتبار أعمّ من الإزالة ومن النهي عن إتيان الشيء.

والأمر المتعلّق بالمنكر في الحديث الشريف هو (فليغيره)، فلم يقل النبي  فليزله، أو فليمنعه، أو فليذهبه، مع أن الإزالة هي المطلوبة في الأساس، وإنما قال فليغيّره، وكأنّه  يرشدنا إلى أنّ في غياب المنكر حضور المعروف، وفي وجود المنكر غياب المعروف، أو كأنّه  يرشدنا إلى تمام الفعالية وكمال الفريضة بإقامة المعروف مقام المنكر المزال حتىّ يتمّ القضاء على المنكر نهائيا ويتمّ في المقابل ترسيخ المعروف وتركيزه.
إبن الزيتونة
ماهية المنكر الواجب تغييره

المنكر – كما مرّ بيانه - هو كل ما قبحه الشرع وحرمه، من ترك واجب، أو فعل حرام، وإنكار المنكر حكم شرعي فرضه الله سبحانه وتعالى على المسلمين جميعا؛ أفرادا وجماعات، كتلا وأمة ودولة.

إلا أنّ تعريف المنكر هذا، لا يصلح أن بكون أساسا يُبنى عليه عمل إزالة المنكر وتغييره ولو بقوة اليد، إذ إنّ ما قبّحه الشرع وحرمه من ترك واجب أو فعل حرام كثير مختلف في أغلبه. فلو جعلنا هذا التعريف أساس التغيير، لسادت الفوضى، وعمّ الهرج والمرج المجتمع الإسلامي، وانشغل الناس فيه ببعضهم بعضا. لذلك كان لا بدّ لنا من وضع قيد تعرف به ماهية المنكر الواجب تغييره، مع مراعاة المقصد العام لحكم التغيير، وتجنّب الانعكاسات السلبية التي قد تنتج عن سوء الفقه في المسألة.

والقيد الذي نعنيه ونرمي إليه كضابط للمنكر هو، ما كان منه غير مختلف فيه، وهو القدر المجمع عليه بين المسلمين، إذ لا يختلف المسلمون في حرمة السرقة، والزنا، وشرب الخمر، والحكم بالكفر وغير ذلك مما جاء الدليل بحرمته يقينا، وأما المختلف فيه، المحتمل للاجتهاد مما كان ظنيا في دلالته أو ثبوته، فلا يدخل في حدّ المنكر.

وإلى هذا الرأي ذهب جلّ العلماء والفقهاء، وارتضوه كقيد معرّف للمنكر الواجب تغييره. وهذه بعض النقول عن أهل العلم نستأنس من خلالها بموافقة من وافقنا، كما نبسط من خلالها أيضا رأي من خالفنا للردّ عليه بعد الإطلاع.

قال أبو حامد الغزالي: "الشرط الرابع، أن يكون كونه منكرا معلوما بغير اجتهاد، فكلّ ما هو في محلّ الاجتهاد فلا حسبة. فليس للحنفي أن ينكر على الشافعي أكله الضب والضبع ومتروك التسمية. ولا الشافعي على الحنفي شربه النبيذ الذي ليس بمسكر..."

وقال ابن مفلح الحنبلي: "ولا إنكار فيما يسوغ فيه خلاف من الفروع على من اجتهد فيه أو قلد مجتهدا فيه كذا ذكره القاضي والأصحاب وصرحوا بأنه لا يجوز‏، ‏ومثلوه بشرب يسير النبيذ والتزوج بغير ولي‏، ‏ومثله بعضهم بأكل متروك التسمية.‏ وهذا الكلام منهم مع قولهم يحد شارب النبيذ متأولا ومقلدا أعجب لأن الإنكار يكون وعظا وأمرا ونهيا وتعزيرا وتأديبا وغايته الحد‏،‏ فكيف يحد ولا ينكر عليه أم كيف يفسق على رواية ولا ينكر على فاسق ‏؟‏
وذكر في المغني أنه لا يملك منع امرأته الذمية من يسير الخمر على نص أحمد لاعتقادها إباحته ثم ذكر تخريجا من أحد الوجهين في أكل الثوم أنه يملك منعها لكراهة رائحته قال وعلى هذا الحكم لو تزوج امرأة تعتقد إباحة يسير النبيذ هل له منعها على وجهين‏.
‏وذكر أيضا في مسألة مفردة أنه لا ينبغي لأحد أن ينكر على غيره العمل بمذهبه فإنه لا إنكار على المجتهدات ‏.‏ انتهى كلامه‏. وقد قال أحمد في رواية المروذي لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه.‏ ولا يشدد عليهم وقال مهنا سمعت أحمد يقول من أراد أن يشرب هذا النبيذ يتبع فيه شرب من شربه فليشربه وحده.‏
وعن أحمد ‏رواية أخرى بخلاف ذلك قال في رواية الميموني في الرجل يمر بالقوم وهم يلعبون بالشطرنج ينهاهم ويعظهم‏.‏ وقال أبو داود سمعت أحمد سئل عن رجل مر بقوم يلعبون بالشطرنج فنهاهم فلم ينتهوا فأخذ الشطرنج فرمى به فقال قد أحسن وقال في رواية أبي طالب فيمن يمر بالقوم يلعبون بالشطرنج يقلبها عليهم إلا أن يغطوها ويستروها ‏.‏ وصلى أحمد يوما إلى جنب رجل لا يتم ركوعه ولا سجوده فقال يا هذا أقم صلبك وأحسن صلاتك‏،‏ نقله إسحاق بن إبراهيم‏.
‏وقال المروذي قلت لأبي عبد الله دخلت على رجل وكان أبو عبد الله بعث بي إليه بشيء فأتى بمكحلة رأسها مفضض فقطعتها فأعجبه ذلك وتبسم وأنكر على صاحبها وفي التبصرة للحلواني لمن تزوج بلا ولي‏،‏ أو أكل متروك التسمية ‏،‏ أو تزوج بنته من زنا أو أم من زنى بها احتمال ترد شهادته‏،‏ وهذا ينبغي أن يكون فيما قوي دليله أو كان القول خلاف خبر واحد‏،‏ وإذا نقض الحكم لمخالفته خبر الواحد أو إجماعا ظنيا أو قياسا جليا فما نحن فيه مثله وأولى ‏،‏ وحمل القاضي وابن عقيل رواية الميموني على أن الفاعل ليس من أهل الاجتهاد ولا هو مقلد لمن يرى ذلك‏.‏
وعن أحمد رواية ثالثة لا ينكر على المجتهد بل على المقلد فقال إسحاق بن إبراهيم عن الإمام أحمد أنه سئل عن الصلاة في جلود الثعالب قال‏:‏ إذا كان متأولا أرجو أن لا يكون به بأس وإن كان جاهلا ينهى ويقال له إن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عنها.‏
وفي المسألة قول رابع قال في الأحكام السلطانية [لأبي يعلى الفراء] ‏:‏ ما ضعف الخلاف فيه وكان ذريعة إلى محظور متفق عليه كربا النقد الخلاف فيه ضعيف وهو ذريعة إلى ربا النساء المتفق على تحريمه وكنكاح المتعة وربما صارت ذريعة إلى استباحة الزنا فيدخل في إنكار المحتسب بحكم ولايته‏.‏ ثم ذكر القاضي كلام أبي إسحاق وابن بطة في نكاح المتعة‏،‏ وقد ذكر أبو الخطاب وغيره ما يدل على أنه يسوغ التقليد في نكاح المتعة‏.
‏وقال في الرعاية في نكاح المتعة ويكره تقليد من يفتي بها وقال في الأحكام السلطانية في موضع آخر المجاهرة بإظهار النبيذ كالخمر وليس في إراقته غرم‏،‏ وقد تقدم كلامه في رواية مهنا‏،‏ وذكر ابن الجوزي أنه ينكر على من يسيء في صلاته بترك الطمأنينة في الركوع والسجود مع أنها من مسائل الخلاف وقال الشيخ عبد القادر يجب أن يأمره ويعظه‏.
‏قال ابن الجوزي واشتغال المعتكف بإنكاره هذه الأشياء وتعريفها أفضل من نافلة يقتصر عليها‏،‏ وذكر أيضا في المنكرات غمس اليد والأواني النجسة في المياه القليلة قال ‏:‏ فإن فعل ذلك مالكي لم ينكر عليه بل يتلطف به ويقول له يمكنك أن لا تؤذيني بتفويت الطهارة علي‏. ‏
وفي المسألة قول خامس قال الشيخ تقي الدين والصواب ما عليه جماهير المسلمين أن كل مسكر خمر يجلد شاربه ولو شرب قطرة واحدة لتداو أو غير تداو وقال في كتاب ‏"‏بطلان التحليل‏"‏ قولهم ومسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل أما الأول فإن كان القول يخالف سنة أو إجماعا قديما وجب إنكاره وفاقا وإن لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول المصيب واحد وهم عامة السلف والفقهاء‏.‏
وأما العمل إذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره أيضا بحسب الإنكار كما ذكرنا من حديث شارب النبيذ المختلف فيه وكما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سنة وإن كان قد اتبع بعض العلماء وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ فلا ينكر على من عمل بها مجتهدا أو مقلدا‏.‏
‏وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل بها وجوبا ظاهرا مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ إذا عدم ذلك الاجتهاد لتعارض الأدلة المقاربة أو لخفاء الأدلة فيها وليس في ذكر كون المسألة قطعية طعن على من خالفها من المجتهدين كسائر المسائل التي اختلف فيها السلف وقد تيقنا صحة أحد القولين فيها مثل كون الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بوضع الحمل،‏ وأن الجماع المجرد عن إنزال يوجب الغسل‏،‏ وأن ربا الفضل والمتعة حرام وذكر مسائل كثيرة‏.‏
وقال أيضا في مكان آخر ‏:‏ إن من أصر على ترك الجماعة ينكر عليه ويقاتل أيضا في أحد الوجهين عند من استحبها،‏ وأما من أوجبها فإنه عنده يقاتل ويفسق إذا قام الدليل عنده المبيح للمقاتلة والتفسيق كالبغاة بعد زوال الشبهة‏.‏
وقال أيضا ‏:‏ يعيد من ترك الطمأنينة ومن لم يوقت المسح نص عليه بخلاف متأول لم يتوضأ من لحم الإبل فإنه على روايتين لتعارض الأدلة والآثار فيه‏.‏
‏وذكر الشيخ محيي الدين النووي أن المختلف فيه لا إنكار فيه. قال لكن إن ندبه على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف فهو حسن محبوب مندوب إلى فعله برفق وذكر غيره من الشافعية في المسألة وجهين وذكر مسألة الإنكار على من كشف فخذه وأن فيه الوجهين." انتهى‏ ‏

وقال الماوردي الشافعي: " واختلف الفقهاء من أصحاب الشافعي‏،‏ هل يجوز له أن يحمل الناس فيما ينكره من الأمور التي اختلف الفقهاء فيها على رأيه واجتهاده أم لا ‏؟‏ على وجهين ‏:‏ أحدهما وهو قول أبي سعيد الإصطخري أن له أن يحمل ذلك على رأيه واجتهاده،‏ فعلى ذا يجب على المحتسب أن يكون عالما من أهل الاجتهاد في أحكام الدين ليجتهد رأيه فيما اختلف فيه ‏.‏
‏والوجه الثاني ‏:‏ ليس له أن يحمل الناس على رأيه واجتهاده ولا يقودهم إلى مذهبه لتسويغ الاجتهاد للكافة‏،‏ وفيما اختلف فيه‏،‏ فعلى هذا يجوز أن يكون المحتسب من غير أهل الاجتهاد إذا كان عارفا بالمنكرات المتفق عليها." انتهى

وقال ابن رجب الحنبلي:"...والمنكر الذي يجب إنكاره ما كان مجمعا عليه. فأما المختلف فيه، فمن أصحابنا من قال لا يجب إنكاره على من فعله مجتهدا أو مقلدا لمجتهد تقليدا سائغا، واستثني القاضي [الفراء] في الأحكام السلطانية ما ضعف فيه الخلاف وإن كان ذريعة إلى محظور متفق عليه كربا النقد فالخلاف فيه ضعيف وهو ذريعة إلى ربا النساء المتفق عليه وكنكاح المتعة فإنه ذريعة إلى الزنا. وذكر عن إسحاق بن شاقلا أنه ذكر أن المتعة هي الزنا صراحا. عن ابن بطة قال لا يفسخ نكاح حكم به قاض إن كان قد تأول فيه تأويلا إلا أن يكون قضي لرجل بعقد متعة أو طلق ثلاثا في لفظ واحد وحكم بالمراجعة زوج فحكمه مردود، وعلي فاعله العقوبة والنكال. والمنصوص عن أحمد الإنكار على اللاعب بالشطرنج، وتأوله القاضي على من لعب بها بغير اجتهاد أو تقليد سائغ وفيه نظر، فإن المنصوص عنه أنه يحد شارب النبيذ المختلف فيه، وإقامة الحدّ أبلغ مراتب الإنكار مع أنه لا يفسق عنده بذلك، فدل على أنه ينكر كل مختلف فيه ضعف الخلاف فيه لدلالة السنة على تحريمه، ولا يخرج فاعله المتأوّل من العدالة بذلك والله أعلم. وكذلك نص أحمد على الإنكار على من لا يتمّ صلاته ولا يقيم صلبه من الركوع والسجود مع وجود الاختلاف في وجوب ذلك." انتهى

فهذه جملة من أقوال أهل العلم في المسألة بسطناها لعظيم فائدة الإطلاع عليها، وأما تحرير القول فيها والردّ على من خالف قولنا في وجوب حصر المنكر الذي يلزم تغييره في غير المختلف فيه لا غير، فهو كالآتي:

أوّلا: إنّ من العلماء من يرى أنّ المسائل المختلف فيها لا إنكار فيها على المجتهد إنما على المقلد، وهذا في رأينا يجانب الصواب؛ لأنّ أغلب الناس مقلّدون غير مجتهدين، ولا معنى لإنكار المختلف فيه عليهم إلا منعهم من التقليد، وهذا باطل للإجماع على جوازه.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ المقلّد في العمل بما قلّد فيه كالمجتهد في العمل بما اجتهد فيه، أي كلّ منهما يعمل بما غلب على ظنّه تقليدا أو اجتهادا. لذلك لا معنى للإنكار على المقلّد العامل بغلبة ظنّه وفق ما طلب منه الشرع وعدم الإنكار على المجتهد في ذلك.

هذا، وإننا نقول بالإنكار على المقلّد إذا قلّد بدون ترجيح مشروع يبرئ ذمته أمام ربّ العالمين سبحانه وتعالى، لأنّه اتّبع الهوى وما تشتهيه نفسه وإن اتّصل عمله بغير ذلك أو رأى الصواب في غير الذي يشتهي فعله، فيكون إنكارنا عليه من باب الإنكار على فعل الحرام القطعي المجمع عليه ألا وهو إتباع الهوى في العمل. قال تعالى: ...وَمَنْ أَضَلّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. (القصص50) وروى ابن عباس عن النبي  قال: «اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه [أي بهواه] فليتبوأ مقعده من النار». (الترمذي)

ثانيا: قول بعض العلماء: "قولهم ومسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل، أما الأول فإن كان القول يخالف سنة أو إجماعا قديما وجب إنكاره وفاقا... وأما العمل إذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره أيضا.." فيه نظر من وجهين:

1 . لا أحد من المسلمين، من خاصتهم أو عامتهم، يخالف السنّة متعمدا ذلك، فلو صحت عنده بشروطه التي اشترطها، أو لو فهم منها ما فهم مخالفه لما خالف فيها ورغب عنها، فأنّى لنا أن نلزمه بشروطنا أو نقيده بفهمنا.
صحيح أنّه لو خالف أحد النّاس السنّة بدون رأي مرضي، أي بدون دليل ضعيف أو شبهة دليل أو تقليد مبرئ للذمة، فإننا ننكر عليه لأنّه من عمل الهوى، وقد سبق القول فيه.

2 . إنّ القول بإنكار القول أو العمل الذي هو على خلاف الإجماع يحتاج إلى تقييد وتبيين لحقيقة الإجماع ذاته. فما المراد بالإجماع هنا، هل هو إجماع الصحابة أو العلماء أو المذاهب؟ وما حجية هذا الإجماع؟
لقد مرّ صاحب القول – وهو ابن تيمية رحمه الله – بفتنة الاتهام بمخالفة الإجماع في فتواه بالطلاق الثلاث، وقد كان يرى أنّ الطلاق الثلاث في كلمة واحدة يقع واحدة، فقال أحدهم فيه "إنه خالف الإجماع وسلك مسلك الابتداع". قال الصنعاني في (سبل السلام): "وقد أطبق أهل المذاهب الأربعة على وقوع الثلاث متابعة لإمضاء عمر لها، واشتد نكيرهم على من خالف ذلك وصارت هذه المسألة علما عندهم للرافضة والمخالفين، وعوقب بسبب الفتيا بها شيخ الإسلام ابن تيمية، وطيف بتلميذه الحافظ ابن القيم على جمل بسبب الفتوى بعدم وقوع الثلاث. ولا يخفى أن هذه محض عصبية شديدة في مسألة فرعية قد اختلف فيها سلف الأمة وخلفها فلا نكير على من ذهب إلى قول من الأقوال المختلف فيها كما هو معروف، وها هنا يتميز المنصف من غيره من فحول النظار والأتقياء من الرجال."
لذلك فلا بد من بيان حقيقة المراد بالإجماع؟
والصواب، أنّ الإجماع الذي يصلح قيدا في إيجاب الإنكار هو الذي تواطأ عليه المسلمون من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، فعلمه الكبير منهم والصغير، وأطبق عليه العالم فيهم والجاهل، واتفقت عليه كلمة المذاهب كلّها والعلماء جميعهم بدون مخالف أو منازع في ذلك، كحرمة الزنا، والربا، والخمر، والسرقة، والقتل بدون حق، والحكم بغير ما أنزل الله، وغير ذلك من المنكرات المعلومة من الدين بالضرورة. وهو أمر متحقق غالبا في القطعيات. فإن كان هذا هو المراد من قولهم "ينكر على مخالف الإجماع" فبها ونعمت وإلاّ فلا.

ثالثا: قال بعض العلماء بالإنكار على "ما ضعف فيه الخلاف وكان ذريعة إلى محظور متفق عليه". والمراد بما ضعف فيه الخلاف ما كان الرأي المخالف فيه بيّن الخطأ لضعف دليله ووهن حجته. ويعرف ذلك عندهم بأمرين مجتمعين؛ أولهما، مخالفة النصّ الصحيح الصريح بتأوّله تأوّلا بعيدا أو بإهماله وعدم إعماله. ثانيهما، قلّة القائلين به أي مخالفة الجمع الغفير من العلماء والجمهور.

وهذا القول من الأقوال الصائبة؛ لأن الوسيلة إلى الحرام حرام باتفاق. ومن الأمثلة على ما ضعف فيه الخلاف وكان ذريعة إلى فشو الحرام المتفق عليه في المجتمع، مسألة المتعة، فهي حرام. عن الرّبِيع بْن سَبْرَةَ الْجُهَنِيّ عن أبيه أَنّ رسول اللّهِ  نَهى عن الْمُتْعَةِ [في حجة الوداع]. وقال «أَلاَ إِنّهَا حَرَامٌ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». (مسلم) والقول بجوازها من الأقوال الضعيفة الشاذّة المؤدية إلى فشو الزنا في المجتمع بذريعة التمتع المباح، لذا فهي حرام، وينكر على فاعلها لأنّ الوسيلة إلى الحرام حرام.
إلا أنّ هذا القول أي إنكار ما ضعف فيه الخلاف وكان ذريعة إلى فشو الحرام المتفق عليه في المجتمع يحتاج إلى تقييد من حيث الجهة التي تحدد الضعف في الرأي بكيفية ملزمة يتأتى بناء عليها الإنكار.

والرأي عندنا، أن الجهة التي يعود إليها أمر تحديد القول الضعيف هو الإمام؛ لأن رفع الخلاف في المسائل على سبيل الإلزام، مما يعود إلى الخليفة بما أعطاه الشرع من صلاحية رفع الخلاف بتبني أحد الآراء في المسائل المختلف فيها، وبما أعطاه أيضا من صلاحية رعاية الشؤون وتدبير الأمور في الدولة والمجتمع. فأمر الإمام يرفع الخلاف، ومخالفته توجب الإنكار.

يتبع ان شاء الله تعالى
إبن الزيتونة
مراعاة مراتب التغيير

لقد انقسم الناس في مسألة مراتب تغيير المنكر على قسمين؛ قسم يوجب الالتزام بالترتيب الوارد في حديث التغيير، وهو قوله : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»، ويرى فيه دلالة على وجوب مراعاة الترتيب مطلقا. وقسم لا يوجبه ويرى أنّ الأصل وجوب التغيير بأيّ كيفية من الكيفيات دون مراعاة لظاهر الترتيب المأخوذ من الحديث. قال أبو حامد الغزالي: "أما الدرجات فأولها التعرف، ثم التعريف، ثم النهي، ثم الوعظ والنصح، ثم السبّ والتعنيف، ثم التغيير باليد، ثم التهديد بالضرب، ثمّ الضرب وتحقيقه، ثم شهر السلاح، ثم الاستظهار فيه بالأعوان وجمع الجنود." وقال ابن العربي (في أحكام القرآن): " وإنَّما يبدأُ باللّسانِ والبيانِ، فإن لم يكن فباليدّ." وقال الشوكاني (في السيل الجرار): " ... ولكنه يُقَدِّمُ الموعظة بالقولِ اللّين، فإن لم يُؤَثِّرْ ذلك جاء بالقولِ الخشِنِ، فإن لم يُؤثِّرْ ذلك انتقل إلى التغييرِ باليدّ، ثم المقاتلةِ إن لم يمكن التغيير إلا بها ..."

والواقع، أنّ هذا الحديث يخالف الصورة الواقعية العملية لإنكار المنكر حين رؤيته. ذلك أنّ المرء إذا شاهد منكرا ما، فإنّه ينكره بقلبه أوّلا، أي لا يرضاه ولا يقبل به، فينهى عنه بلسانه، أي يطلب من المتلبس به تركه والامتناع عنه، فإنّ تركه حصل المقصود، وإن امتنع عن تركه تدخل بالقوة لمنعه من إتيانه. إلا أنّ الحديث خالف هذه الصورة الطبيعية، وابتدأ بالإنكار باليد، فاللسان، فالقلب. فإن قلنا: إنّ مراعاة ظاهر الحديث واجبة مطلقا، فمعناه أن علينا أن نبدأ باليد، دون استعمال اللسان أو إنكار القلب، أي دون أن نأمر بتركه باللسان، ودون أن نكرهه بالقلب. وهو أمر غير واقعي، وليس بمقصود من الحديث.
لذلك وجب التدبّر في هذا الحديث، وصرف ظاهره إلى مقصود كلي للشارع، لا يخلّ بمعناه ولا بالصورة العملية للفريضة ككل.

وعند التحقيق، يتبين أنّ هذا الحديث يشرّع لإجراء عملي في حالة غلبة الظنّ بأن المنكر المراد إزالته لا يزول إلا باستعمال القوة، أمّا إن غلب على الظنّ استطاعة تغيير المنكر باللسان دون استعمال اليد، فلا يصار إلى اليد إلا بعد عدم الاستطاعة. فقوله : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان». وفي رواية عند النسائي: «مَنْ رَأَى مُنْكَرا فَغَيّرَهُ بِيَدِهِ فَقَدْ بريء وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُغَيّرَهُ بِيَدِهِ فَغَيّرَهُ بِلِسَانِهِ فَقَدْ بريء وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُغَيّرَهُ بِلِسَانِهِ فَغَيّرَهُ بِقَلْبِهِ فَقَدْ بريء وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإيمان» يفيد التدرّج في الأسلوب من الأعلى إلى الأدنى، ومن الأقوى إلى الأضعف، عند غلبة الظن بأن القوة هي الأسلوب الأنجع في تغيير المنكر. فساعتها يبادر المغيّر إلى استعمال يده، فإن لم يستطع التغيير بيده وتبيّن له عدم القدرة عليه، فإنّه ينهى بلسانه، وإن لم يستطع التغيير بلسانه، فإنه ينكر بقلبه.
وقد ورد الحديث النبوي على خلاف واقع التغيير العملي التلقائي عند رؤية المنكر، لأمرين:

أوّلها، الحثّ على إنكار المنكر وعدم السكوت عليه وإن أدى ذلك إلى استعمال القوة. إذ إنّ التنصيص على أعلى درجات الفريضة وأقواها أبلغ في بيان لزوم إنكار المنكر وإثبات أهمية الفرض لتحقق أدنى الدرجات وأضعفها في الجميع.

ثانيها، التشريع لجواز إيقاع الأذى بالغير. ذلك، أنّ إيقاع الأذى بالمسلم حرام قطعا، فجاء هذا النص بتشريع يستثني حالة من الحالات وهي إذا ارتكب المسلم منكرا مجمعا عليه، فيجب منعه وإن أدى ذلك إلى إيقاع الأذى به.

وعليه، فإنّ ظاهر الحديث ليس على إطلاقه، ومراعاة الترتيب تكون في حالة غلبة الظنّ بلزومها. وقد ورد في السنة النبوية ما يدلّ على أنّ اعتماد أحد الأساليب الثلاثة الواردة في الحديث موقوف على واقع المنكر، وواقع المتلبس به، وغلبة ظنّ المغيّر:

أخرج مسلم عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ أنّ رسول اللّهِ  قال: «مَا مِنْ نَبِيَ بَعَثَهُ الله فِي أُمّةٍ قَبْلِي، إِلاّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمّتِهِ حَوَارِيّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ. ثُمّ إِنّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمِ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرُونَ. فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ. وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبّةُ خَرْدَلٍ».
وفي هذا الحديث دلالة على أنّ من حقّ المغير أن يغيّر المنكر بكل وجه أمكنه زواله به، قولا كان أو فعلا. فأمر الأسلوب إذن مرتبط بغلبة ظنّ المغيّر، فإن رأى أن الإنكار باللسان يؤدي إلى التغيير، أنكر بلسانه، وإن غلب على ظنّه أن الإنكار باللسان لا يؤدي إلى التغيير وأنّه بمستطاعه إزالة المنكر بيده، لزمه أن يغير بالقوة.

وأخرج مسلم عن أنس بن مالك قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله  إذ جاء أعرابي. فقام يبول في المسجد. فقال أصحاب رسول الله : مه، مه [هي كلمة زجر. قال العلماء: هو اسم مبني على السكون. معناه اسكت. قال صاحب المطالع: هي كلمة زجر. قيل: أصلها ما هذا ثم حذف تخفيفا. قال: وتقال مكررة مه مه. وتقال فردة مه]. قال: قال رسول الله  «لا تُزرموه. دعوه». فتركوه حتى بال. ثم إن رسول الله  دعاه فقال له «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر. إنما هي لذكر الله عز وجل، والصلاة، وقراءة القرآن»، أو كما قال رسول الله. وفي رواية للبخاري عن أبي هريرة قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي : «دعوه وهريقوا [صبوا] على بوله سجلا من ماء، أو ذنوبا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين.» وفي رواية لابن ماجه عن أبي هريرة قال: دخل أعرابي المسجد، ورسول الله  جالس. فقال: اللّهم اغفر لي ولمحمد. ولا تغفر لأحدٍ مَعَنا. فضحك رَسُول اللَّه  وَقَالَ: «لَقَدْ احتظرت واسعا» ثُمَّ ولّى. حَتَّى إِذَا كَانَ فِيْ ناحية المسجد فشج يبول [الفشج تفريج ما بين الرجلين]. فَقَالَ الأعرابي، بَعْد أَن فَقِه، فقام إليّ، بأبي وأمي، فلم يُؤنّب ولم يَسُبَّ. فقال: «إن هذا المسجد لا يبال فيه. وإنما بني لذكر اللَّه وللصلاة».
ففي هذا الحديث، نهى النبي  أصحابه عن منع الإعرابي من البول في المسجد، لعلمه  بأنه أقدم على المنكر بجهل وعن غير قصد. لذلك ترفق به النبي  وعلمه أن المسجد لا يبال فيه. وفيه دلالة على أنّ جهل مرتكب المنكر بالمنكر يقتضي الرفق به وعدم إيذائه، وتعريفه بلطف بأنّ ما آتاه منكرا. قال أبو حامد الغزالي: «فإن إيذاء المسلم حرام محذور كما أنّ تقريره على المنكر محذور، وليس من العقلاء من يغسل الدم بالدم أو بالبول، ومن اجتنب محذور السكوت على المنكر واستبدل عنه محذور الإيذاء للمسلم مع الاستغناء عنه فقد غسل الدم بالبول على التحقيق.»

وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أَن رسول اللّه  رأى خاتماً مِنْ ذَهَبٍ في يَد رَجُلٍ، فَنَزعَهُ فطَرحَهُ وقَال: « يَعْمَدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيجْعلهَا في يَدِهِ» فَقِيل لِلرَّجُل بَعْدَ مَا ذَهَبَ رسولُ اللَّه : خُذْ خَاتمَكَ، انتَفعْ بِهِ. قال: لا واللَّه لا آخُذُهُ أَبَداً وقَدْ طَرحهُ رسول اللَّه . (رواه مسلم) وفي هذا الحديث أنّ النبي  استعمل يده لتغيير المنكر، إذ نزع خاتم الرجل وطرحه أرضا. قال النووي في شرحه على مسلم: "فيه إزالة المنكر باليد لمن قدر عليه".

وعن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: «أَنّ رَسُولَ الله  خَرَجَ فَرَأَى قُبّةً مُشْرِفَةً فقَالَ: مَا هَذِهِ؟ قالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: هَذِهِ لِفُلاَنٍ - رَجُلٍ مِنَ الانْصَارِ - قال: فَسَكَتَ وَحَمَلَهَا في نَفْسِهِ [أي أضمر تلك الفعلة في نفسه غضباً على فاعلها في فعلها] حَتّى إِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا رَسُولَ الله  يُسَلّمُ عَلَيْهِ في النّاسِ أَعْرَضَ عَنْهُ، صَنَعَ ذَلِكَ مِرَاراً حَتّى عَرَفَ الرّجُلُ الْغَضَبَ فِيهِ وَالإعْرَاضِ عَنْهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى أَصحَابِهِ، فقَالَ: وَالله إِنّي لأنْكِرُ رَسُولَ الله ، [أي أرى منه ما لم أعهده من الغضب والكراهة ولا أعرف له سبباً] قالُوا: خَرَجَ فَرَأَى قُبّتَكَ، فَرَجَعَ الرّجُلُ إِلَى قُبّتِهِ فَهَدَمَهَا حتّى سَوّاهَا بالأرضِ فَخَرَجَ رَسُولُ الله  ذَاتَ يَوْمٍ فَلمْ يَرَهَا فَقَالَ: مَا فَعَلَتِ الْقُبّةُ؟ قالُوا: شَكَا إِلَيْنَا صَاحِبُهَا إِعْرَاضَكَ عَنْهُ، فأَخْبَرْنَاهُ، فَهَدَمَهَا، فقَالَ: أَمَا إِنّ كُلّ بِنَاءٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ إِلا مَالا، إِلا مَالا، يَعْنِي مَا لاَبُدّ مِنْهُ.» (أخرجه أبو داود، وقال ابن حجر –كما في فيض القدير ج2 ص163- رجاله موثوقون إلا الراوي عن أنس وهو أبو طلحة الأسدي غير معروف وله شواهد عن واثلة عند الطبراني).
وفي هذا الحديث اعتمد النبي  أسلوب الإعراض عن الكلام، وإظهار الغضب والامتعاض من الفعل، ولو شاء  لهدمها بالقوة، إلا أنه يتبع الأسلوب الأمثل لحكمة يراها.

والحاصل، فإنّ الأصل إزالة المنكر بأي كيفية من الكيفيات، أو بأي أسلوب من الأساليب حسب الاستطاعة، إلا أنه إذا غلب على الظنّ أنّ منكرا ما لا يزول إلا بالقوة، يجب ساعتها إزالته بالقوة لمن استطاع ذلك، ولا يجوز له الاقتصار على الإنكار باللسان أو القلب.
إبن الزيتونة
تفصيل مراتب التغيير


أ . التغيير باليد

التغيير باليد، وإزالة المنكر بالقوة، هو المرتبة الأولى من مراتب التغيير كما قال : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه..» وعن أبي جحيفة قال: قال علي (رضي الله عنه): "الجهاد بثلاثة: باليد واللسان والقلب. فأولها اليد، ثم اللسان ثم القلب." (ذكره ابن عبد البر في التمهيد) فهو المقدّم على بقية الأساليب والوسائل لأنه يقتلع المنكر من جذوره، ويمنع من حصوله أو استمراره الذي قد يضر بالفرد والمجتمع.

فأي فرد مسلم يقع أمامه منكر، كأن يرى شخصا يشرب الخمر أو يسرق أو يهمّ بالاعتداء على امرأة، يجب عليه إزالته. فان كان قادرا ولو بغلبة الظن على إزالة هذا المنكر بيده وجب عليه حينها أن يبادر الى تغييره وإزالته بيده. فيمنع الشخص مثلا من شرب الخمر بأن يكسّر آنية خمره، أو يمنعه من الزنا بالدفع والضرب. فهو يمنع ذلك المنكر ويزيله بيده، لأنه قادر على تغييره باليد، تنفيذا لقول النبي  المذكور أعلاه.

ومما يجب فقهه أنّ استعمال اليد، أي القوة المادية لتغيير المنكر، منوط بالقدرة الفعلية ولو بغلبة الظن على تغيير عين هذا المنكر وإزالته باليد، فان عدمت قدرة الإزالة لا يستعمل اليد ولا القوة، لأن استعمالها عندئذ لا يحقق الغرض الذي استعملت من أجله أو شرع استعمالها من أجله، ألا وهو تغيير المنكر وإزالته. فمناط استعمال اليد الوارد في الحديث منوط بالقدرة على تغيير المنكر بالفعل. والدليل عليه أنّ الحديث نفسه جعل الانتقال من رتبة إلى أخرى، أي الانتقال من إنكار المنكر باليد إلى إنكاره باللسان، عند عدم الاستطاعة، أي عند عدم القدرة على تغير المنكر وإزالته بالقوة حيث قال الرسول : «فان لم يستطع فبلسانه».

ب . التغيير باللّسان

التغيير باللسان هو المرتبة الثانية بعد التغيير باليد تُعتمد حين ترجّح عدم القدرة على استعمال القوة.
والواقع أنّ تغيير المنكر باللسان ليس تغييرا له حقيقة، وإنما هو تغيير على مرتكب المنكر، أي هو إنكار على فاعل المنكر فعله المنكر.
ويكون الإنكار على فاعل المنكر بأن ينهاه و يزجره، ويحذره من فعله، ويذكر له ما أعدّ اللَّه سبحانه و‏تعالى للعاصين من العقاب والعذاب الأليم، وما أعدّه للمطيعين من الثّواب الجسيم والفوز فى‏جنات النّعيم. ولا بأس أن يتخللّ نهيه وزجره مرتكب المنكر تحقيره، وترذيله وتقبيحه، وسبّه وشتمه، لعلّه تأخذه حمية فينصرف عن فعله، وتخويفه من ردعه بالقوة، أو تهديده بالاستعانة بالغير، إلاّ أنّه يراعي في كلّ ذلك حدود الشرع. فإن عجز المرء عن كلّ هذا، ولم ير في نفسه قدرة على التغيير باللسان، فإنّه يغيّر بقلبه.

ج . التغيير بالقلب

التغيير بالقلب هو المرتبة الثالثة والأخيرة من مراتب تغيير المنكر وإزالته، يعتمدها المغيّر للمنكر حين عدم استطاعته التغيير باليد أو اللسان. وحقيقة التغيير بالقلب أنّه لا يزيل المنكر فعلا، ولا يعدّ إنكارا على مقترف المنكر ومرتكب الحرام، إنما هو إنكار للمنكر، وتمن لزواله أو لوجود من يزيله.
وقد عدّ النبي  التغيير بالقلب أضعف الإيمان. فأقلّ رتبة يقتضيها الإيمان حين ورود المنكر على المسلم أن لا يرضاه ويكرهه بقلبه، وهو ما يجب على الجميع من المغيّرين للمنكر بل هو ما يجب على المسلمين عامة لأنّ الرضا بالمعصية معصية. وقد روي عن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) أنه قال له بعض الناس: هلك من لم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. فقال له: "بل هلك من لم يعرف المعروف بقلبه، ويُنكر المنكر بقلبه." (ذكره ابن عبد البر في التمهيد)


يتبع ان شاء الله تعالى
إبن الزيتونة
الفصل الخامس



1 . شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (الذكورة، الإسلام، العدالة، الاستطاعة، العلم، عدم التجسس، المنكر الأكبر)
2 . أنواع المنكر
3 . منكر الحكام
4 . من آداب الأمر والنهي










شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

المراد بالشرط هو الأمر الذي يتوقف عليه وجود الحكم، ويلزم من عدمه عدم الحكم، ولا يلزم من وجوده وجود الحكم.
فالوضوء مثلا شرط للصلاة، ولا تتم الصلاة إلا به، فيلزم من عدم وجود الوضوء عدم الصلاة، ولكن لا يلزم من وجود الوضوء الصلاة.
وكذلك الشهود في النكاح، وستر العورة في الصلاة، والحرز في السرقة، والنصاب في الزكاة، والاستطاعة في تغيير المنكر، فهي كلّها من الشروط الشرعية.
والشرط، حتى يعتبر شرطا شرعيا، لا بدّ له من دليل يدلّ عليه. من ذلك الوضوء، فهو شرط في الصلاة لأنّ الله سبحانه وتعالى نصّ عليه فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ. (المائدة6)
فما لم يدلّ الدليل عليه بعينه أنّه شرط فليس بشرط، ولا تجب مراعاته حين العمل.

بناء عليه يكون بحثنا في شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي شروط الآمر والناهي، فما دلّ عليه الدليل اعتبر شرطا في مسألتنا، وما لم يدلّ عليه الدليل فهو ردّ.

1 . الذكورة

لا تشترط الذكورة في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، فللمرأة أن تنهى وتأمر، وتغيّر المنكر إذا كانت قادرة، وذلك لعموم أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. (التوبة)

2. الإسلام

ذهب جلّ العلماء، إن لم نقل كلّهم، إلى أنّه لا يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلاّ على المسلم، وأنّ الكافر ممنوع منه. قال ابن الجوزي: " الكافر ممنوع من إنكار المنكر لما فيه من السلطنة والعز." وقال ابن الأخوة: "ولا يخفى وجه اشتراطه؛ لأن هذه نصرة الدين فكيف يكون من أهله، وهو جاحد لأصل الدين؟ وعدو له ممنوع منه لما فيه من السلطنة، وعز التحكيم، والكافر ذليل لا يستحق أن ينال عز التحكيم على المسلمين. قال الله سبحانه وتعالى: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا."
والحقيقة أنّ منع الكافر مطلقا غير دقيق، فهل يعقل أن نقول له لا تمنع منكر قتل نفس زكية بغير حقّ لكفرك، ولا تمنع اغتصاب امرأة مسلمة لكفرك؟ لا يعقل هذا !
إنّ الصواب أن يقال: يجب على الكافر أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، كما يجب عليه أن يصلّي، وأن يصوم ويلتزم بأحكام الإسلام كلّها، لأنّه مخاطب بالفروع كما هو مخاطب بالأصول.
هذا من ناحية الأصل في التشريع ووجوب الحكم على الناس جميعا. أمّا من الناحية العملية التطبيقية، أو من حيث قيام الكافر بالأمر والنهي والتغيير، فلا يجب عليه ولا يطلب منه لأنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصائص المسلمين. قال تعالى: :كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ.. (آل عمران110) وقال: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. (التوبة67و71)
إلاّ أنّ الكافر إذا قام بتغيير بعض المنكرات من نفسه يقبل منه ولا يمنع من ذلك. فالإسلام ليس شرطا في منع اغتصاب امرأة أو منع سرقة محلّ أو منع قتل نفس بغير حقّ.
وأمّا ما ذهب إليه بعض أهل العلم من كون السماح للكافر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيه من التحكيم والعزّ والسلطنة ما لا يستحقّه، فلا نشاطرهم فيه الرأي. ذلك أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس من الحكم في شيء، وليس فيه سلطة، ولا تنطبق عليه آية ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا. (النساء141)
أفلا يجوز للكافر أن ينقذ مسلما شارف على الغرق؟ أنجوّز ذلك ولا نعدّه من السبيل عليه، ونمنعه من إنقاذ ذلك المسلم لو همّ أحد الناس بقتله! وننكر على المسلم المستطيع لتغيير منكر كافر اغتصب امرأة ولم يغيّر، وفي الوقت ذاته ننكر على الكافر المغيّر لمنكر مسلم اغتصب امرأة! كلّ هذا بحجة السبيل، مع أنّ المراد بالسبيل هنا الحكم والولاية، وهو ما لا ينطبق على واقع مسألتنا.

والظاهر أنّ الخلط بين الحسبة و بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واعتبارهما مسألة واحدة، وحصر الأمر والنهي في وظيفة الحسبة هو الذي جعل العلماء يقولون بعدم جواز الأمر والنهي والتغيير للكافر مطلقا لأنه تحكيم في المسلم لا يستحقه. وهذا الخلط بين الأمرين - كما سبق بيانه- غير صحيح.

3. العدالة

لا تشترط العدالة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيجوز للفاسق أن يأمر وينهى، وأن يغيّر المنكر. فإِننا لو اشترطنا أن يكون القائم بالتغيير خالياً من كل منكر، عدلا تقيا ورعا، فإنا نكاد لا نجد من يتحقق فيه ذلك، ولا سيما في عصرنا هذا. قال الحسن لمطرف بن عبد الله: (عظ أصحابك، فقال إني أخاف أن أقول ما لا أفعل)، قال: (يرحمك الله وأينا يفعل ما يقول ويود الشيطان أنه قد ظفر بهذا، فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر.) وقال مالك عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن سمعت سعيد بن جبير يقول: ( لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء، ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر ). قال مالك: (وصدق، من ذا الذي ليس فيه شيء.)
وأما قوله  في الحديث المتفق عليه: «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلقُ أقتابُ بطنه فيدور كما يدور الحمار بالرحى فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون : يا فلان، مالك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: بلى، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه» فغير مسوقٍ للنهي عن القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فاسق لم يفعل المعروف ولم يمتنع عن المنكر بل هو مسوق في بيان شناعة إتيان المنكر مع النهي عنه وترك المعروف مع الأمر به.

4. الاستطاعة

المراد بالاستطاعة القدرة على فعل الشيء. وهي من الشروط بلا نزاع لقوله : «فإن لم يستطع» الذي يدلّ بوضوح على كون مناط التغيير هو الاستطاعة.وتتحققّ الاستطاعة والقدرة الفعلية على التغيير بغلبة الظنّ، فلا يجب فيها اليقين. ولما كانت الاستطاعة من شروط الفعل دون الإرادة، فقد اشترطها النبي  في حديث التغيير في اليد واللسان ولم يشترطها في القلب لتحقّقها.

5. العلم

العلم بالمعروف والمنكر من شروط الأمر والنهي والتغيير، فإن لم يعلم المرء حكم الشرع يحرم عليه الحكم بالهوى والتصرّف بناء على رغبة شخصية، وهو من المعلوم من الدين بالضرورة.
والواقع، أنّ اشتراطنا أن يكون المعروف والمنكر مما أجمع عليه الناس قديما وحديثا، يجعل مهمة الآمر والناهي في المتناول بحكم العلم الضروري الحاصل بالمعروف والمنكر. فكل فرد في المجتمع الإسلامي يعلم وجوب الصلاة، والزكاة، ويعلم حرمة الزنا والخمر. ولا نظنّ أن هناك من يجهل المعروف أو المنكر في المجتمع الإسلامي، وإن وجد فهو شاذ، والشاذ لا يقاس عليه.

6 . عدم التجسّس

من شروط تغيير المنكر أن يكون المنكر بَواحاً ظاهراً، لا يحتاج العلم به إلى تجسس، واستراق سمع أو نظر. ويستوي في هذا أن يكون ظهور المنكر بذاته، أو بما اقترن به من صوت، أو رائحة أو غير ذلك من القرائن. أما إن كان المنكر خفيَّاً، يُقترف سراً في بيت مثلا، فلا يجوز التفتيش عنه، والتجسس لكشفه. قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا. (الحجرات12) وعن أبي برزة الأسلمي قال : قال رسول الله : «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمانُ قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتَّبع عوراتهم، يتَّبع الله عورته، ومن يتَّبع الله عورته، يفضحه في بيته». (أخرجه أبو داود وأحمد) وعن الأعمشِ عن زيدِ بنِ وهبِ قال: "أُتِيَ ابنُ مَسْعُودٍ فَقِيلَ هَذَا فُلاَنٌ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْراً، فقَال عَبْدُ الله: إِنّا قَدْ نُهِينَا عن التّجَسّسِ وَلكِنْ إِنْ يَظْهَرُ لَنَا شَيْءٌ نَأَخُذْ بِهِ." (قال النووي في رياض الصالحين: حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري ومسلم.)

7 . المنكر الأكبر

يقول بعض الناس: (المقصود بالأمر بالمعروف النهي عن المنكر إنما هو تحصيل المصالح ودرء المفاسد. ولهذا إذا علم المسلم أن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر سيترتب عليه مفسدة في موقفٍ من المواقف فإنه يمنع من الأمر والنهي في ذلك الموضع . ومما يروى في هذا الباب أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله خرج مع بعض تلاميذه من دمشق وفي طريقهم مروا ببعض التتر وهم يشربون الخمر، فهمّ بعض التلاميذ بالإنكار عليهم، فقال شيخ الإسلام : دعوهم وما هم فيه . فقالوا : نتركهم رحمك الله على هذا المنكر ؟ قال: نعم إن هؤلاء القوم لو أفاقوا من سكرهم لدخلوا دمشق ، فهتكوا الأعراض ، ونهبوا الأموال وقتلوا الرجال. ولا يكاد يوجد في الدنيا مصالح محضة، ولا مفاسد محضة، فالقضية قضية موازنة، فإن كانت المصلحة أرجح حُصِّلَت، وإذا كانت المفسدة أكبر دفعت).

والجواب على هذا من وجوه هي:

أولا : على فرض التسليم بهذا الشرط، فقد أساء الناس فهمه، وبالغوا فيه وشطّوا حتّى تُرك لأجله واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفي هذا يقول الشيخ الطاهر بن عاشور: ( إني أنبّه إلى شرط ساء فهم بعض الناس فيه وهو قول بعض الفقهاء: يشترط أن لا يجرّ النّهي إلى منكر أعظم. وهذا شرط قد خرم مزية الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، واتّخذه المسلمون ذريعة لترك هذا الواجب، ولقد ساء فهمهم فيه إذ مراد مشترطه أن يتحقّق الآمر أن أمره يجرّ إلى منكر أعظم لا أن يخاف أو يتوهم إذ الوجوب قطعي لا يعارضه إلاّ ظن أقوى).

ثانيا: لو اعتبرنا المسألة كما يقولون، مسألة مصلحة ومفسدة، وترجيح بينهما وموازنة، فسؤالنا هو: من الذي يحدّد المصلحة والمفسدة، ومن الذي يرجح بينهما ويوازن؟
ولنأخذ المثل المشهور لابن تيمية مع التتار، علّل تركه لواجب تغيير المنكر بقوله: (إن هؤلاء القوم لو أفاقوا من سكرهم لدخلوا دمشق، فهتكوا الأعراض، ونهبوا الأموال وقتلوا الرجال). ولكن، لقائل أن يقول -وقوله حقّ-: إنّ الخمر أمّ الخبائث، فلو سكروا، لدخلوا دمشق، فهتكوا الأعراض، ونهبوا الأموال وقتلوا الرجال. ودليل هذا ما روي عن الرسول  قال: «الخمر أم الفواحش، وأكبر الكبائر. ومن شرب الخمر ترك الصلاة، ووقع على أمه وعمته وخالته.»
بناء عليه نقول: إذا لم يحدّد الشرع المصلحة والمفسدة، ولم يرجح بينهما، فلا اعتبار لترجيح البشر، لأنّ ترجيحهم يُبنى على العقل الذي لا يخفى على العاقل قصوره وعجزه. علاوة على ذلك، فإنّ أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأدلة تغيير المنكر التي سقناها في ثنايا الكتاب، لم تعلّل الأمر والنهي بالمصلحة والمفسدة كما يزعمون، فمن أين لهم القول بالتعليل؟ ومن أين لهم القول بالمصلحة والمفسدة؟
ثالثا: لما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يُقتصر فيه على القول فقط، فهو في واقعه طلب الفعل وطلب الترك لا غير، فلا يتصوّر فيه أن يجرّ إلى مفسدة كما يقولون، أو إلى فتنة أو منكر أعظم، إنما قد يتصوّر ذلك في تغيير المنكر وإزالته بالقوة. إلاّ أنّه لما كان أمر النبي  في تغيير المنكر واضحا صريحا في استعمال القوّة بدون تقييد له بجلب مصلحة ودرء مفسدة، أو بترجيح بينهما، فإنّ المطلق يبقى على إطلاقه حتّى يدلّ الدليل الشرعي على تقييده.
إضافة إلى هذا، فإنّه لا مفسدة أعظم من التهاون في إزالة المنكر، ولا منكر أكبر من التساهل في ذلك حتّى يأتي الخسيس منكره في حمى قيد الفتنة والمفسدة الكبرى الناجمة عن التغيير عليه، بل إن من المنكرات ما يترتب على السكوت عنها منكر أعظم منها، كالسكوت على مغتصب السلطة أو السكوت عن حكم الحاكم بالكفر. فلو سكت الناس عن هذا خشية الفتنة وإراقة الدماء وإثارة الدهماء، كما يقولون، لضاعت السلطة من يد الأمة، كما هو الحال اليوم، وفشي الظلم والجور في المجتمع، وحكم بالكفر والطاغوت وهدم الإسلام. لذلك، إذا جاء النص بحل فعل فلا ينبغي النظر العقلي في مآله، إنما يطبق النص بغض النظر عن النتيجة والمآل. فإذا أجاز الرسول  قتال الصائل مثلا في نص صريح، فلا يجوز للعقل البشري تقييده بشرط عدم المنكر الأكبر. عن أبي هريرة قال: «جاء رجل إلى رسول الله  فقال: يارسول الله، أرأيت إن عدي على مالي؟ قال: فانشد بالله، قال: فإن أبوا علي؟ ( كرّرها ثلاثا) قال: فقاتل، فإن قُتلت ففي الجنة، وإن قَتلت ففي النار.» (أخرجه النسائي)
وإذا أجاز الشارع قتال الحاكم الذي حكم بالكفر البواح، وحّول دار الإسلام إلى دار كفر، فلا يجوز للعقل البشري أن يقيّد هذا الجواز الصريح بشرط عدم المنكر الأكبر. فالرسول  حينما أمر بقتال الحاكم الذي أظهر الكفر البواح علم أنّ القتال فيه إزهاق النفوس، وخراب العمران، إلاّ أنه أمر بذلك لأنّ إقرار حكم الكفر أعظم نكارة وأشدّ عند الله من القتل. يقول الجصاص (رحمه الله): (ولم يدفع أحد من علماء الأمة وفقهائها سلفهم وخلفهم وجوب ذلك إلا قوم من الحشو وجهال أصحاب الحديث، فإنهم أنكروا قتال الفئة الباغية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالسلاح، وسموا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتنة إذا احتيج فيه إلى حمل السلاح وقتال الفئة الباغية (...) وزعموا مع ذلك أن السلطان لا ينكر عليه الظلم والجور وقتل النفس التي حرم الله (...) فصاروا شرا على الأمة من أعدائها المخالفين لها لأنهم اقعدوا الناس عن قتال الفئة الباغية وعن الإنكار على السلطان الظلم والجور حتى أدى ذلك إلى تغلب الفجار بل المجوس وأعداء الإسلام حتى ذهبت الثغور وشاع الظلم وخربت البلاد وذهب الدين والدنيا وظهرت الزندقة والغلو ومذهب الثنوية والخرمية والمزدكية، والذي جلب ذلك كله عليهم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإنكار على السلطان الجائر والله المستعان).




يتبع ان شاء الله تعالى
إبن الزيتونة
أنواع المنكر

ينقسم المنكر إلى قسمين؛ باعتبار المكان والزمان الذي يحصل فيه، وباعتبار المتسبّب فيه والفاعل له.

أولا: باعتبار المكان والزمان

باعتبار المكان فإنّ المنكر يحصل في الأمكنة الخاصّة والعامّة.
فمن الأمكنة الخاصّة التي يحصل فيها المنكر البيت. ومن منكرات البيت الاختلاط فيه بين الرجال والنساء، والزنا، وشرب الخمر وغير ذلك.
ومن الأمكنة العامّة، الأسواق، والمساجد، والشوارع وغيرها مما لا يحتاج الدخول إليها إلى إذن خاص. ومن منكراتها كشف العورة، وبيع المحرّم كالخمر والأشرطة الإباحية، والسرقة وغير ذلك.

وأمّا باعتبار الزمان، فقد اشترط الفقهاء من أجل تغيير المنكر، أن يكون موجودا في الحال احترازا عمّا فرغ منه. فإن تمّ حصول المنكر، وفرغ صاحبه منه، فلا يغيّر عليه بل ينهى ويأمر وينصح.
والمنكر المفروغ منه له أحكامه الخاصة التي تختلف باختلاف المنكر المأتي. فمن فرغ من شرب خمر، ليس كمن فرغ من قتل نفس معصومة. ومن هذا الباب، ما أتاه كمال أتاتورك من منكر. فقد كان الواجب على المسلمين، حينما ألغى الخلافة (سنة 1924م) وأدخل أحكام الكفر على دار الإسلام، أن يزيلوا منكره بالقوة. أمّا الآن، وقد فرغ منه، وتم الأمر، واستقرت أحكام الكفر في دار الإسلام، فقد اختلف الحال، وأصبح الواجب إتباع منهج الرسول  في تغيير الدار.

ثانيا: باعتبار المتسبّب والفاعل

باعتبار المتسبّب في حصول المنكر وفاعله فإنّه يكون من جهة الفرد والحاكم والجماعات. فمنكر الفرد والحاكم واضح معلوم، فلا يحتاج إلى بيان. وأما منكر الجماعات فهو دعوتها إلى الحرام أو الكفر. من ذلك، الجماعات التي قامت على فكرة العلمانية، أو الديمقراطية، أو القومية، أو الاشتراكية أو على غير ذلك من أفكار الكفر. فإنها تكون قد قامت على منكر تبنته وتدعو إليه، فوجب التغيير عليها.
أما ما المراد بقولنا المتسبّب والفاعل، فإنّ المنكر في واقعه إما يؤتى مباشرة أو يهيأ له سبب إتيانه. والمثال على ذلك الحاكم، فهو قد يأتي المنكر مباشرة، كأن يشرب الخمر ويتبنى الكفر، أو يتسبب فيه، كأن يسمح بدور الدعارة وأندية القمار. فمن هنا جاءت التفرقة بين المتسبّب في فعل المنكر وبين فاعله.
وهذه التفرقة لازمة للأفراد والجماعات اليوم على وجه الخصوص، إذ بإدراكها والوقوف عليها يتحدد عمل الفرد والجماعة، وتتعين الأولويات لهم في التغيير. فإذا كان المنكر قد تسبّب فيه الحاكم، كأغلب المنكرات اليوم في مجتمعنا، فإن تغييره يكون بتغيير الحاكم وإزالته. والدليل على هذا أن التغيير منوط بغلبة الظن بحصوله أي منوط بغلبة الظنّ على إزالة عين المنكر. فان عدمت قدرة الإزالة لا يستعمل اليد، لأن استعمالها عندئذ لا يحقق الغرض الذي استعملت من أجله وهو تغيير المنكر وإزالته، فمناط استعمال اليد الوارد في حديث التغيير منوط بالقدرة على تغيير المنكر بالفعل، بدليل أن الحديث نفسه جعل الانتقال الى إنكار المنكر باللسان عند عدم الاستطاعة، أي عدم القدرة على تغير المنكر وإزالته باليد، «فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان». فلو أزيل المنكر الذي تسبب فيه الحاكم بالقوة، لما كان ذلك في واقعه تغييرا لعين المنكر؛ لأنّ التغيير لم يطل المسبب له. فحرق حانة لا يعتبر تغييرا لعين المنكر؛ لأنّ الحاكم سيسمح بغيرها. وتفجير بيت دعارة لا يعتبر تغييرا لعين المنكر؛ لأنّ الحاكم سيسمح ببناء غيرها. وحرق قاعة "سينما" أو "بنك" لا يعتبر تغييرا لعين المنكر؛ لأنّ الحاكم سيسمح بوجود غيرها. لذلك، فإن تغيير عين المنكر يكون بإزالة الحاكم نفسه لأنه المسبب له.





منكر الحكام

إنّ موضوع منكر الحكام، وتغييره بالقوة، من المواضيع الشّائكة الخطيرة التي زاغت فيها الأفهام وزلّت الأقدام. لذلك آثرنا أن نخصّه بمزيد تفصيل وبيان.
فقد ذهب بعض العلماء إلى عدم جواز سلّ السيف على الحاكم وتغيير منكره بالقوة، وذهب بعض آخر إلى وجوبه. ولكي نعطي الإجابة الصحيحة في المسألة تستعرض الأدلة فيها، وهي:

عن أُمّ سَلَمَةَ أنّ رسول اللّهِ  قَالَ: «سَتَكُونُ أُمَرَاءُ. فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ. فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ. وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ. وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ» قَالُوا: أَفَلاَ نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: «لاَ. مَا صَلّوْا» (مسلم) وعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ قَالَ: «خِيَارُ أَئِمّتِكُمُ الّذِينَ تُحِبّونَهُمْ وَيُحِبّونَكُمْ. وَيُصَلّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلّونَ عَلَيْهِمْ. وَشِرَارُ أَئِمّتِكُمُ الّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللّهِ أَفَلاَ نُنَابِذُهُمْ بِالسّيْفِ؟ فَقَالَ: «لاَ. مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصّلاَةَ.. » (مسلم) وعن عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ قال: دَعَانَا رَسُولُ اللّهِ فَبَايَعْنَاهُ. فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا، أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السّمْعِ وَالطّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا. وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ. قال: «إلاّ أَنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً عِنْدَكُمْ مِنَ اللّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ.» (رواه مسلم والبخاري)
إنّ النظر الدقيق في الأحاديث المذكورة، يكشف لنا عن مناطها أي عن الواقع الذي تتنزل عليه الأحاديث لمعالجته. فمناط الأحاديث هو الحاكم بدار الإسلام، أي أنّ هذه النصوص لم تنصبّ على معالجة مشكلة بدار كفر، إنما بدار الإسلام التي يحكم فيها بالإسلام وأمانها بأمان المسلمين.
فالرسول  يقول (سَتَكُونُ أُمَرَاءُ) أي في المستقبل من أمركم سيأتي من الأمراء من يرتكب الحرام، فلا تقاتلوهم ما داموا على الحكم بالإسلام وإن فسقوا وأدخلوا من البدع ما يعرف منها وينكر.
ويقول  (أَئِمّتِكُمُ) أي حكّامكم. وحكّامنا هم من بايعناهم على العمل فينا بالكتاب والسنّة. وفي استعماله  لكلمة (أئمة) ما يدلّ على هذه الخصوصية أي على كونهم حكامنا الذين بايعناهم، لأنّ كلمة الإمامة بمفردها تدلّ على المنصب الشرعي الذي هو الخلافة، فما بالك إذا أسندت إلينا.
ويقول أيضا  (تُحِبّونَهُمْ) وهو يدلّ قطعا على حكام المسلمين، لأنّ الحبّ من الولاية التي لا تجوز لكافر قطعا. ولا يقال: إنما أراد  الحاكم الكافر لأنّه قال: (وَتَلْعَنُونَهُمْ) واللّعنة لا تكون لمسلم. لا يقال هذا لأنّه  قال: (مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصّلاَةَ) والكافر لا يقيم الصلاة، هذا إن فهم قوله حرفيا، فكيف وهو كناية عن الحكم بالإسلام ككل.
وفي حديث عبادة (رضي الله عنه) : (وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ) أي لا نخاصم أولي الأمر ونختلف معهم حول ولايتهم ووجوب طاعتهم، إلاّ إذا حكموا بكفر صراح لا شبهة فيه. وواضح من لفظة (أهله) أنّ المراد بها المسلم إذا حكم، لأنّ الكافر ليس أهلا لذلك أصلا. وواضح أيضا من قوله  : (إلاّ أَنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً) أنّ المراد الحاكم المسلم الذي أدخل الكفر على حكمه، أي أنّ الكفر طارىء على الحكم، وليس بأصل كحكم الحكّام اليوم. وواضح أيضا من قوله : (عِنْدَكُمْ مِنَ اللّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ)، البحث، والتدقيق، وإعادة الأمور إلى مصادرها ومقارنتها بأصولها حتّى تظهر لنا الحجة الدامغة القاطعة على الكفر، وهو ما لا نحتاجه مع الحاكم بالكفر أصالة، كحكام اليوم، لوضوح حكمه بالكفر.
بناء عليه، فإنّ الرأي عندنا أنّ الحاكم في دار الإسلام إذا حكم بالكفر الواضح الصريح يجب الخروج عليه ومقاتلته حتى يزال منكره أو يتنحىّ. وهذا واضح من قوله  حين سأله أصحابه: «أَفَلاَ نُنَابِذُهُمْ بِالسّيْفِ؟ فَقَالَ: «لاَ. مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصّلاَةَ..». وروي عنه  قوله: «استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإن لم يستقيموا لكم، فضعوا سيوفكم على عواتقكم فأبيدوا خضراءهم، فإن لم تفعلوا، فكونوا زراعين أشقياء».
وأمّا إذا كانت الدار دار كفر، وكانت أحكام الإسلام غير موضوعة موضع التطبيق، فإن إزالة الحاكم الذي يحكم المسلمين بها تكون بالنسبة للتكتل عن طريق النصرة إتباعا للرسول  في سيره لإقامة دولة الإسلام، وتطبيق أحكام الإسلام.
وأمّا بالنسبة للجماعات المسلّحة العاملة لتغيير منكر حكام هذا الزمن بالقوة. فهي قد قامت بناء على أحاديث المنابذة بالسيف عند ظهور الكفر البواح، وحديث التغيير، وحديث كسر الصنم.

أمّا حديث كسر الصنم، فعن علي رضي الله عنه قال: «انطلقت أنا والنبي  حتى أتينا الكعبة فقال لي رسول الله : اجلس. وصعد على منكبي فذهبت لأنهض به فرأى مني ضعفا فنزل وجلس لي نبي الله  وقال: اصعد على منكبي قال: فصعدت على منكبيه قال: فنهض بي قال: فإنه يخيل لي أني لو شئت لنلت أفق السماء حتى صعدت على البيت وعليه تمثال صفر أو نحاس فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله وبين يديه ومن خلفه حتى إذا استمكنت منه قال لي رسول : اقذف به فقذفت به فتكسر كما تتكسر القوارير ثم نزلت فانطلقت أنا ورسول الله  نستبق حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس». (رواه أحمد)
لقد صحّح القائلون بجواز العمل المادي اليوم لتغيير منكر الحكام والدولة هذا الحديث سندا ومتنا، واعتبروه حجة قوية تدلّل على مشروعية عملهم. وجوابنا على هذا كالآتي:
أولا : لقد قال الحافظ الذهبي في التّلخيص: إسناده نظيف والمتن منكر. وقد أصاب في قوله بنكارة المتن، إذ لا يعقل أن يعمل النبي  عملا مشروعا يستنّ به من بعده في الخفاء خشية أن يراه الناس. فمتى كان النبي  يخاف قريشاً ويخشاها، وقد قال للقوم ما هو أعظم نكارة عندهم من هذا العمل، فقد سبّ آلهتهم، وعاب دينهم وسفّه أحلامهم.
ثمّ إذا كان هذا العمل من منهج الرسول  في تغيير الواقع، فلماذا لم يكرّره ولم يبرز في سيرته؟
ولماذا لم يخرّج في كتب الحديث والسيرة سوى هذا الحديث من طريق فيها ما فيها، وقيل عنها ما قيل، بل إنّ في كتب السيرة ما هو أصح من هذا الحديث، وما يشهد بخلافه. قال العباس بن عبادة بن نضلة للنبي  في بيعة العقبة المعروفة بالبيعة على الدم: «والذي بعثك بالحق لئن شئت لنميلنّ على أهل منى [غداً] بأسيافنا. قال: فقال رسول الله : « لم أؤمر بذلك.» (أخرجه أحمد والطبراني، وقال الهيثمي في المجمع: ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع)

ثانيا : لقد روي هذا الحديث من طريقين؛ طريق أسباط بن محمد، وطريق شبّابة بن سوار.
فالطريق الأولى، طريق أسباط، يفهم منها أنّ الحادثة قبل الهجرة في مكة. أخرج الإمام أحمد في المسند: حدثنا أسباط بن محمد حدثنا نعيم بن حكيم المدائني عن أبي مريم عن علي رضي الله عنه قال: «انطلقت أنا والنبي  حتى أتينا الكعبة فقال لي رسول الله : اجلس. وصعد على منكبي فذهبت لأنهض به فرأى مني ضعفا فنزل وجلس لي نبي الله  وقال: اصعد على منكبي قال: فصعدت على منكبيه قال: فنهض بي قال: فإنه يخيل لي أني لو شئت لنلت أفق السماء حتى صعدت على البيت وعليه تمثال صفر أو نحاس فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله وبين يديه ومن خلفه حتى إذا استمكنت منه قال لي رسول : اقذف به فقذفت به فتكسر كما تتكسر القوارير ثم نزلت فانطلقت أنا ورسول الله  نستبق حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس».
والطريق الثانية، طريق شبابة، يفهم منها أنّ الحادثة بعد الهجرة في فتح مكة. أخرج ابن أبي شيبة في المغازي في فتح مكة (رقم375)، وفي مصنّفه: حدثنا شبابة بن سوار قال حدثنا نعيم بن حكيم قال حدثني أبو مريم عن علي قال: « انطلق بي رسول الله  حتى أتى بي الكعبة فقال: اجلس فجلست إلى جنب الكعبة وصعد رسول الله  على منكبي ثم قال: لي انهض بي فنهضت به فلما رأى ضعفي تحته قال: اجلس فجلست فنزل عني وجلس لي فقال: يا علي، اصعد على منكبي فصعدت على منكبيه ثم نهض بي رسول الله  فلما نهض بي خيل إلي أني لو شئت نلت أفق السماء، وصعدت على الكعبة وتنحى رسول الله  فقال لي ألق صنمهم الأكبر صنم قريش، وكان من نحاس، وكان موتودا بأوتاد من حديد في الأرض، فقال لي رسول الله  : عالجه، فجعلت أعالجه ورسول الله  يقول: إيه، فلم أزل أعالجه حتى استمكنت منه، فقال: اقذفه، فقذفته ونزلت».
ولما كان شبّابة بن سوار ثقة من رجال البخاري ومسلم، ولم يُتكلّم فيه من ناحية حفظه، أو لين في روايته، إنما تَكلّم فيه من تَكلّم راميا إيّاه بالإرجاء، وقد قيل رجع عنه، فإنّ روايته مقدّمة على رواية أسباط الذي تُكلّم فيه من ناحية حفظه ولين في روايته. إذن فلا تقبل زيادة أسباط (فانطلقت أنا ورسول الله  نستبق حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس) على من هو أحفظ منه وأضبط.
وهكذا فإن هذا الحديث ينسجم مع ما تواتر عن النبي  من خلوّ منهجه من العنف، والقيام بأعمال مادية قبل الهجرة وإقامة الدولة.

أمّا أحاديث المنابذة وحديث التغيير، ففقهها كالآتي:

1. إن كان المراد الاستدلال بهذه الأحاديث على جواز استعمال القوة لتغيير المنكرات الموجودة في المجتمع التي تسبب فيها الحاكم وأقرّها، كدور القمار والزنا، فقد سبق بيان أنّ هذا الأمر لا يؤدي إلى تغيير عين المنكر، وأن تغيير عين المنكر يكون بإزالة الحاكم نفسه لأنه المسبب له.

2. إن كان المراد الاستدلال بهذه الأحاديث على جواز تغيير عين المنكر بالقوة، واستعمال اليد لإزاحة الحاكم الذي يحكم بالكفر، وإزالة حكم الكفر الذي يحكم به، ووضع ما أنزل الله تعالى من أحكام موضع التطبيق والتنفيذ، فإنّ هذا الأمر منوط بالاستطاعة. فمناط حديث وجوب تغيير المنكر باليد، ومناط أحاديث المنابذة ووجوب الخروج على الحاكم الذي يحكم بأحكام الكفر الصراح بالسلاح، مربوط بقدرة القوة المادية، واستطاعتها على تغيير المنكر، والكفر الصراح وإزالته بالفعل، ولو بغلبة الظن. ولكن إذا لم تكن القوة المادية قادرة بالفعل، أو بغلبة الظن على تغيير المنكر وأحكام الكفر وإزالته بالفعل، فإنها لا تستعمل، لأن استعمالها حينئذ لا يحقق الغرض الذي أوجب الشارع لأجله استعمالها، وهو تغيير المنكر، وأحكام الكفر وإزالتهما بالفعل. ويعمل عندئذ على إنكار المنكر باللسان، كما يعمل على زيادة القوة حتى تصل الى حد استطاعتها، ولو بغلبة الظن على تغير المنكر وأحكام الكفر بالفعل، وعند ذلك يجب استعمالها.




يتبع ان شاء الله تعالى
قانت
أخي وحبيبي إبن الزيتونة


ممكن الكتاب anwerko@yahoo.com
إبن الزيتونة
لبيك اخي قانت,جعلك الله من القنتين الطائعين.

مازلت اطمع مداخلات الاحبة في هذا العمل العظيم من اخينا ياسين

اجزل الله له بكل حرف خطه في هذا العمل الجامع الفريد اجرا وافرا

وقبولا حسنا .
إبن الزيتونة
منكر الحكام

إنّ موضوع منكر الحكام، وتغييره بالقوة، من المواضيع الشّائكة الخطيرة التي زاغت فيها الأفهام وزلّت الأقدام. لذلك آثرنا أن نخصّه بمزيد تفصيل وبيان.

فقد ذهب بعض العلماء إلى عدم جواز سلّ السيف على الحاكم وتغيير منكره بالقوة، وذهب بعض آخر إلى وجوبه. ولكي نعطي الإجابة الصحيحة في المسألة تستعرض الأدلة فيها، وهي:

عن أُمّ سَلَمَةَ أنّ رسول اللّهِ  قَالَ: «سَتَكُونُ أُمَرَاءُ. فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ. فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ. وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ. وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ» قَالُوا: أَفَلاَ نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: «لاَ. مَا صَلّوْا» (مسلم) وعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ قَالَ: «خِيَارُ أَئِمّتِكُمُ الّذِينَ تُحِبّونَهُمْ وَيُحِبّونَكُمْ. وَيُصَلّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلّونَ عَلَيْهِمْ. وَشِرَارُ أَئِمّتِكُمُ الّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللّهِ أَفَلاَ نُنَابِذُهُمْ بِالسّيْفِ؟ فَقَالَ: «لاَ. مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصّلاَةَ.. » (مسلم) وعن عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ قال: دَعَانَا رَسُولُ اللّهِ فَبَايَعْنَاهُ. فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا، أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السّمْعِ وَالطّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا. وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ. قال: «إلاّ أَنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً عِنْدَكُمْ مِنَ اللّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ.» (رواه مسلم والبخاري)

إنّ النظر الدقيق في الأحاديث المذكورة، يكشف لنا عن مناطها أي عن الواقع الذي تتنزل عليه الأحاديث لمعالجته. فمناط الأحاديث هو الحاكم بدار الإسلام، أي أنّ هذه النصوص لم تنصبّ على معالجة مشكلة بدار كفر، إنما بدار الإسلام التي يحكم فيها بالإسلام وأمانها بأمان المسلمين.
فالرسول  يقول (سَتَكُونُ أُمَرَاءُ) أي في المستقبل من أمركم سيأتي من الأمراء من يرتكب الحرام، فلا تقاتلوهم ما داموا على الحكم بالإسلام وإن فسقوا وأدخلوا من البدع ما يعرف منها وينكر.
ويقول  (أَئِمّتِكُمُ) أي حكّامكم. وحكّامنا هم من بايعناهم على العمل فينا بالكتاب والسنّة. وفي استعماله  لكلمة (أئمة) ما يدلّ على هذه الخصوصية أي على كونهم حكامنا الذين بايعناهم، لأنّ كلمة الإمامة بمفردها تدلّ على المنصب الشرعي الذي هو الخلافة، فما بالك إذا أسندت إلينا.
ويقول أيضا  (تُحِبّونَهُمْ) وهو يدلّ قطعا على حكام المسلمين، لأنّ الحبّ من الولاية التي لا تجوز لكافر قطعا. ولا يقال: إنما أراد  الحاكم الكافر لأنّه قال: (وَتَلْعَنُونَهُمْ) واللّعنة لا تكون لمسلم. لا يقال هذا لأنّه  قال: (مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصّلاَةَ) والكافر لا يقيم الصلاة، هذا إن فهم قوله حرفيا، فكيف وهو كناية عن الحكم بالإسلام ككل.
وفي حديث عبادة (رضي الله عنه) : (وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ) أي لا نخاصم أولي الأمر ونختلف معهم حول ولايتهم ووجوب طاعتهم، إلاّ إذا حكموا بكفر صراح لا شبهة فيه. وواضح من لفظة (أهله) أنّ المراد بها المسلم إذا حكم، لأنّ الكافر ليس أهلا لذلك أصلا. وواضح أيضا من قوله  : (إلاّ أَنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً) أنّ المراد الحاكم المسلم الذي أدخل الكفر على حكمه، أي أنّ الكفر طارىء على الحكم، وليس بأصل كحكم الحكّام اليوم. وواضح أيضا من قوله : (عِنْدَكُمْ مِنَ اللّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ)، البحث، والتدقيق، وإعادة الأمور إلى مصادرها ومقارنتها بأصولها حتّى تظهر لنا الحجة الدامغة القاطعة على الكفر، وهو ما لا نحتاجه مع الحاكم بالكفر أصالة، كحكام اليوم، لوضوح حكمه بالكفر.
بناء عليه، فإنّ الرأي عندنا أنّ الحاكم في دار الإسلام إذا حكم بالكفر الواضح الصريح يجب الخروج عليه ومقاتلته حتى يزال منكره أو يتنحىّ. وهذا واضح من قوله  حين سأله أصحابه: «أَفَلاَ نُنَابِذُهُمْ بِالسّيْفِ؟ فَقَالَ: «لاَ. مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصّلاَةَ..». وروي عنه  قوله: «استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإن لم يستقيموا لكم، فضعوا سيوفكم على عواتقكم فأبيدوا خضراءهم، فإن لم تفعلوا، فكونوا زراعين أشقياء».
وأمّا إذا كانت الدار دار كفر، وكانت أحكام الإسلام غير موضوعة موضع التطبيق، فإن إزالة الحاكم الذي يحكم المسلمين بها تكون بالنسبة للتكتل عن طريق النصرة إتباعا للرسول  في سيره لإقامة دولة الإسلام، وتطبيق أحكام الإسلام.
وأمّا بالنسبة للجماعات المسلّحة العاملة لتغيير منكر حكام هذا الزمن بالقوة. فهي قد قامت بناء على أحاديث المنابذة بالسيف عند ظهور الكفر البواح، وحديث التغيير، وحديث كسر الصنم.

أمّا حديث كسر الصنم، فعن علي رضي الله عنه قال: «انطلقت أنا والنبي  حتى أتينا الكعبة فقال لي رسول الله : اجلس. وصعد على منكبي فذهبت لأنهض به فرأى مني ضعفا فنزل وجلس لي نبي الله  وقال: اصعد على منكبي قال: فصعدت على منكبيه قال: فنهض بي قال: فإنه يخيل لي أني لو شئت لنلت أفق السماء حتى صعدت على البيت وعليه تمثال صفر أو نحاس فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله وبين يديه ومن خلفه حتى إذا استمكنت منه قال لي رسول : اقذف به فقذفت به فتكسر كما تتكسر القوارير ثم نزلت فانطلقت أنا ورسول الله  نستبق حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس». (رواه أحمد)
لقد صحّح القائلون بجواز العمل المادي اليوم لتغيير منكر الحكام والدولة هذا الحديث سندا ومتنا، واعتبروه حجة قوية تدلّل على مشروعية عملهم. وجوابنا على هذا كالآتي:

أولا : لقد قال الحافظ الذهبي في التّلخيص: إسناده نظيف والمتن منكر. وقد أصاب في قوله بنكارة المتن، إذ لا يعقل أن يعمل النبي  عملا مشروعا يستنّ به من بعده في الخفاء خشية أن يراه الناس. فمتى كان النبي  يخاف قريشاً ويخشاها، وقد قال للقوم ما هو أعظم نكارة عندهم من هذا العمل، فقد سبّ آلهتهم، وعاب دينهم وسفّه أحلامهم.
ثمّ إذا كان هذا العمل من منهج الرسول  في تغيير الواقع، فلماذا لم يكرّره ولم يبرز في سيرته؟
ولماذا لم يخرّج في كتب الحديث والسيرة سوى هذا الحديث من طريق فيها ما فيها، وقيل عنها ما قيل، بل إنّ في كتب السيرة ما هو أصح من هذا الحديث، وما يشهد بخلافه. قال العباس بن عبادة بن نضلة للنبي  في بيعة العقبة المعروفة بالبيعة على الدم: «والذي بعثك بالحق لئن شئت لنميلنّ على أهل منى [غداً] بأسيافنا. قال: فقال رسول الله : « لم أؤمر بذلك.» (أخرجه أحمد والطبراني، وقال الهيثمي في المجمع: ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع)

ثانيا : لقد روي هذا الحديث من طريقين؛ طريق أسباط بن محمد، وطريق شبّابة بن سوار.
فالطريق الأولى، طريق أسباط، يفهم منها أنّ الحادثة قبل الهجرة في مكة. أخرج الإمام أحمد في المسند: حدثنا أسباط بن محمد حدثنا نعيم بن حكيم المدائني عن أبي مريم عن علي رضي الله عنه قال: «انطلقت أنا والنبي  حتى أتينا الكعبة فقال لي رسول الله : اجلس. وصعد على منكبي فذهبت لأنهض به فرأى مني ضعفا فنزل وجلس لي نبي الله  وقال: اصعد على منكبي قال: فصعدت على منكبيه قال: فنهض بي قال: فإنه يخيل لي أني لو شئت لنلت أفق السماء حتى صعدت على البيت وعليه تمثال صفر أو نحاس فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله وبين يديه ومن خلفه حتى إذا استمكنت منه قال لي رسول : اقذف به فقذفت به فتكسر كما تتكسر القوارير ثم نزلت فانطلقت أنا ورسول الله  نستبق حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس».
والطريق الثانية، طريق شبابة، يفهم منها أنّ الحادثة بعد الهجرة في فتح مكة. أخرج ابن أبي شيبة في المغازي في فتح مكة (رقم375)، وفي مصنّفه: حدثنا شبابة بن سوار قال حدثنا نعيم بن حكيم قال حدثني أبو مريم عن علي قال: « انطلق بي رسول الله  حتى أتى بي الكعبة فقال: اجلس فجلست إلى جنب الكعبة وصعد رسول الله  على منكبي ثم قال: لي انهض بي فنهضت به فلما رأى ضعفي تحته قال: اجلس فجلست فنزل عني وجلس لي فقال: يا علي، اصعد على منكبي فصعدت على منكبيه ثم نهض بي رسول الله  فلما نهض بي خيل إلي أني لو شئت نلت أفق السماء، وصعدت على الكعبة وتنحى رسول الله  فقال لي ألق صنمهم الأكبر صنم قريش، وكان من نحاس، وكان موتودا بأوتاد من حديد في الأرض، فقال لي رسول الله  : عالجه، فجعلت أعالجه ورسول الله  يقول: إيه، فلم أزل أعالجه حتى استمكنت منه، فقال: اقذفه، فقذفته ونزلت».
ولما كان شبّابة بن سوار ثقة من رجال البخاري ومسلم، ولم يُتكلّم فيه من ناحية حفظه، أو لين في روايته، إنما تَكلّم فيه من تَكلّم راميا إيّاه بالإرجاء، وقد قيل رجع عنه، فإنّ روايته مقدّمة على رواية أسباط الذي تُكلّم فيه من ناحية حفظه ولين في روايته. إذن فلا تقبل زيادة أسباط (فانطلقت أنا ورسول الله  نستبق حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس) على من هو أحفظ منه وأضبط.
وهكذا فإن هذا الحديث ينسجم مع ما تواتر عن النبي  من خلوّ منهجه من العنف، والقيام بأعمال مادية قبل الهجرة وإقامة الدولة.

أمّا أحاديث المنابذة وحديث التغيير، ففقهها كالآتي:

1. إن كان المراد الاستدلال بهذه الأحاديث على جواز استعمال القوة لتغيير المنكرات الموجودة في المجتمع التي تسبب فيها الحاكم وأقرّها، كدور القمار والزنا، فقد سبق بيان أنّ هذا الأمر لا يؤدي إلى تغيير عين المنكر، وأن تغيير عين المنكر يكون بإزالة الحاكم نفسه لأنه المسبب له.

2. إن كان المراد الاستدلال بهذه الأحاديث على جواز تغيير عين المنكر بالقوة، واستعمال اليد لإزاحة الحاكم الذي يحكم بالكفر، وإزالة حكم الكفر الذي يحكم به، ووضع ما أنزل الله تعالى من أحكام موضع التطبيق والتنفيذ، فإنّ هذا الأمر منوط بالاستطاعة. فمناط حديث وجوب تغيير المنكر باليد، ومناط أحاديث المنابذة ووجوب الخروج على الحاكم الذي يحكم بأحكام الكفر الصراح بالسلاح، مربوط بقدرة القوة المادية، واستطاعتها على تغيير المنكر، والكفر الصراح وإزالته بالفعل، ولو بغلبة الظن. ولكن إذا لم تكن القوة المادية قادرة بالفعل، أو بغلبة الظن على تغيير المنكر وأحكام الكفر وإزالته بالفعل، فإنها لا تستعمل، لأن استعمالها حينئذ لا يحقق الغرض الذي أوجب الشارع لأجله استعمالها، وهو تغيير المنكر، وأحكام الكفر وإزالتهما بالفعل. ويعمل عندئذ على إنكار المنكر باللسان، كما يعمل على زيادة القوة حتى تصل الى حد استطاعتها، ولو بغلبة الظن على تغير المنكر وأحكام الكفر بالفعل، وعند ذلك يجب استعمالها.




يتبع ان شاء الله تعالى
إبن الزيتونة
بسم الله الرحمان الرحيم

اخوتي الكرام

انتهي بهذه المشاركة من انزال كتاب استاذنا الفاضل

من أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر


سائلا المولى سبحانه وتعالى ان يجازيه خير الجزاء على هذا المجهود الرائع

وان تعم فائدته على كل ابناء الامة الاسلامية

وان من مبتغى يطمع ان يحصله اخوكم العبد الفقير الى رحمة ربه

فهو الدعاء بظهر الغيب

سائلا المولى سبحانه وتعالى ان ينعم على كتلة الخير في هذا الشهر الفضيل

بالنصر والاستخلاف والتمكين

وانه بحق قرب بل حان زمانها

والى كتاب اخر انشره

اتمنى ان يكون في ظل دولة الجاه والسلطان


رمضان كريم ايها الاخيار وكل عام وانتم بخير .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته




من آداب الأمر والنهي

للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آدابه التي نخصّ منها بالذكر ما يلي:

1. من آداب الآمر و الناهي

أولا: الرفق

أخرج مسلم والبخاري عن عائِشة قالتِ: اسْتأْذنَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللّهِ . فَقَالُوا: السّامُ عَلَيْكُمْ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السّامُ وَاللّعْنَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ :«يَا عَائِشَةُ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الرّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلّهِ» قَالَتْ: أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ «قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ» وفي رواية لمسلم: «يَا عَائِشَةُ إِنّ اللّهَ رَفِيقٌ يُحِبّ الرّفْقَ. وَيُعْطِي عَلَىَ الرّفْقِ مَا لاَ يُعْطِي عَلَىَ الْعُنْفِ. وَمَا لاَ يُعْطِي عَلَىَ مَا سِوَاهُ» وفي رواية له عنها: «إِنّ الرّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلاّ زَانَهُ، وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ شَانَهُ.» وأخرج البيهقي في الشّعب من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنّ النبي  قال: «من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف».

والرفق هو اللطف في القول واللين في المعاملة. فعلى من أمر بمعروف ونهى عن منكر أن يتلطّف في قوله، ويلين فيه، ولا يفحش، بل يتخيّر الألفاظ المؤدّبة التي تقع في النفوس موقعا حسنا، فإنّ الكلام الحسن مفتاح القلوب. فإن لم ينفع ذلك جاز له الانتقال إلى الشدّة والترهيب والتخويف.

"وقد ذكر النواوّي فصلا في كتاب (الأذكار)، في أنه يحوز للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وكلّ مؤدّب، أن يقول لمن يخاطبه في ذلك: ويلك، ويا ضعيف الحال، ويا قليل النظر لنفسه، أو يا ظالم نفسه، وأورد في ذلك أحاديث، منها: حديث عديّ بن حاتم الثابت في صحيح مسلم: أنّ رجلا خطب عند رسول الله  فقال: من يطع الله ورسوله، فقد رشد، ومن يعصهما، فقد غوى. فقال رسول الله  : «بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله». وروى فيه حديث جابر بن عبد الله: أنّ عبدا لحاطب جاء يشكو حاطبا، فقال: يا رسول الله ليدخلنّ حاطب النار. فقال رسول الله : «كذبت، لا يدخلها فإنه شهد بدرا والحديبية». (رواه مسلم في الصحيح) وذكر فيه قوله  لصاحب البدنة: «ويلك اركبها». (رواه البخاري ومسلم) وقوله  لذي الخويصرة: «ويلك فمن يعدل إن لم أعدل». (رواه البخاري ومسلم) (...) واعلم أنّ للزجر والتخويف بالألفاظ الغليظة شروطا أربعة: شرطين في الإباحة، وهما: أن لا يكون المزجور محقا في قوله أو فعله، وأن لا يكون الزاجر كاذبا في قوله، فلا يقول لمن ارتكب مكروها: يا عاصي، ولا لمن ارتكب ذنبا لا يعلم كبره: يا فاسق، ولا لصاحب الفسق -من المسلمين-: يا كافر، ونحو ذلك. وشرطين في الندب، وهما: أن يظنّ المتكلم أنّ الشدة أقرب إلى قبول الخصم للحقّ، أو إلى وضوح الدليل عليه، وأن يفعل ذلك بنيّة صحيحة، ولا يفعله لمجرد داعية الطبيعة".

ثانيا: الستر

من الأدب التستّر على ذنوب الناس، وعدم فضحهم ما أمكن ذلك، وما لم يعرفوا بفسق وبدعة ظاهرة. وفي هذا يقول الإمام أحمد بن حنبل :" الناس يحتاجون إلى مُداراةٍ، ورِفْقٍ في الأمرِ بالمعروفِ بلا غِلْظةٍ، إلاّ رجُلاً مُبايناً، مُعلناً بالفسْقِ والرَّدى، فيجب عليك نهيه وإعلامه؛ لأنَه يقال: ليس لِفاسقٍ حُرمة، فهذا لا حُرْمةَ له." والدليل على الستر قول الرسول : « إنَّ الله سِتِّيرٌ يُحِبُّ السِّتْرَ». (رواه أحمد وأبو داود) وقوله أيضا  : «مَنْ نَفّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدّنْيَا، نَفّسَ اللّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَمَنْ يَسّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسّرَ اللّهُ عَلَيْهِ فِي الدّنْيَا والآخرة. وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً، سَتَرَهُ اللّهُ فِي الدّنْيَا والآخرة. وَاللّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ..» و «لا يَسْتُرُ عبدٌ عبداً في الدُّنيا، إلاَّ سَتَرَه الله يومَ القِيامةِ». (أخرجهما مسلم عن أبي هريرة) ويتأكّد الستر أكثر فأكثر لذوي الجاه، والأشراف، والعلماء، والبارزين في المجتمع وبين الناس، لقول النبي : «أَقِيلُوا ذَوِي الهيئاتِ عَثَراتِهم». (أخرجه أحمد وأبو داود عن عائشة).

ثالثا: الصبر

الصبر هو تحمّل الأذى والمكروه، وتوطين النفس على ذلك، لأنّه قد ينتج عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما يتأذى به الآمر والناهي ويكرهه من ضرر معنوي أو مادي. قال تعالى: يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور.ِ (لقمان17) وعن أبي جعفر الخطمي أن جده عمير بن حبيب بن حماشة وكان قد أدرك النبي  عند احتلامه، أوصى ولده فقال: «يا بني إياك ومجالسة السفهاء فإن مجالستهم داء، ومن يحلم عن السفيه يسر، ومن يجبه يندم، ومن لا يرضى بالقليل مما يأتي به السفيه يرضى بالكثير، وإذا أراد أحدكم أن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر، فليوطّن نفسه على الصبر على الأذى، وليثق بالثواب من الله تعالى، فإنه من وثق بالثواب من الله عز وجل لم يضرّه مسّ الأذى». (رواه الطبراني في الأوسط، والبيهقي في الكبرى، وابن أبي شيبة في مصنفه).

2 . من آداب المأمور والمنهي

من الآداب المتعلقة بالمأمور بالمعروف والمنهي عن المنكر أن يصغي للحقّ، ويتقبّل النصيحة، فيلتزم بالأمر، ويتوقف عن المنكر، ويكفّ عن المعصية. فليس من شيم المؤمن، رغم عصيانه وفسقه، أن تأخذه الحمية أو العصبية، فيتمادى في إثمه، ويستمرّ في معصيته، ولا يلتفت إلى ناصح له بالمعروف ومذكّر له بالطاعة. قال تعالى في وصف الكافر والمنافق: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ. (البقرة206) وعن ابن مسعود قال: «إن من أكبر الذنب عند الله أن يقول الرجل لأخيه: اتق الله. فيقول: عليك بنفسك، أنت تأمرني؟» (أخرجه الطبراني في الكبير، والبيهقي في الشعب) وعنه أيضا قال: «كفى بالمرء إثما إذا قيل له: اتق الله، غضب». (الطبراني في الكبير)

وبه تمّ الفراغ من الكتاب، ولله الحمد، في يوم الجمعة
18من ذي الحجة من سنة 1425هـ









من مراجع الكتاب

• تفسير التّحرير والتّنوير
للطاهر بن عاشور، دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس 1997م.

• تفسير فتح القدير
لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني، دار المعرفة، لبنان، بدون تاريخ.

• أحكام القرآن
لأبي عبد الله القرطبي، دار الشعب، القاهرة، ط2 سنة 1372هـ.

• أحكام القرآن
لأبي بكر الجصاص، دار إحياء التراث العربي، لبنان، 1985م.

• الدّر المنثور في التفسير بالمأثور
لجلال الدين السيوطي، دار الفكر، لبنان، ط2 سنة 1983م.

• مجمع الزوائد ومنبع الفوائد
لنور الدين علي الهيثمي، دار الفكر، لبنان، 1992م.

• فيض القدير شرح الجامع الصغير
لعبد الرؤوف المناوي، دار الحديث، القاهرة، بدون تاريخ.

• جامع العلوم والحكم
لابن رجب الحنبلي، دار الكتب العلمية، لبنان، بدون تاريخ.

• معجم مفردات ألفاظ القرآن
للراغب الأصفهاني، دار الفكر، لبنان، بدون تاريخ.

• كتاب التعريفات
للشريف الجرجاني، دار الفكر، لبنان، ط1 سنة 1997م.

• الكلّيات
لأبي البقاء الكفوي، مؤسسة الرسالة، لبنان، ط1 سنة 1992م.

• كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
لأبي بكر الخلاّل، المكتب الإسلامي، لبنان، ط1 سنة 1990م.

• الأحكام السلطانية
لأبي الحسن الماوردي، دار الكتب العلمية، لبنان، بدون تاريخ.

• إحياء علوم الدّين
لأبي حامد الغزالي، دار الكتب العلمية، لبنان، ط1 سنة2002م.

• الآداب الشرعية والمنح المرعية
لابن مفلح المقدسي الحنبلي، مكتبة الرياض الحديثة، 1971م.


والحمد لله رب العالمين
أبو بدر
بارك الله فيك أخي ابن الزيتونة.
ممكن الكتاب لو سمحت على البريد التالي
bader63434@hotmail.com
إبن الزيتونة
لبيك اخي الحبيب أبو بدر تجده بعد دقائق على بريدك ان شاء الله .
.
Invision Power Board © 2001-2012 Invision Power Services, Inc.