وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرالقول بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القول الراجح عند العلماء، والسائد عند الجمهور، وقيل هو المجمع عليه. وقد اعتمد أغلب العلماء إثبات الوجوب من الآيات والأحاديث المتضمنة الحكم دون ذكر تفاصيل الاستدلال بها، وذلك لشدّة وضوح دلالتها عندهم حتى قال أحدهم: (إنّ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضرورة دينية عند المسلمين يستدلُّ بها، ولا يستدلّ عليها).
وأما ما روي عن بعض العلماء مما يفهم منه عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقول بأنه نافلة، كالذي روي عن عبد الواحد بن زياد قال:" قلت للحسن (البصري): يا أبا سعيد أرأيت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أفريضة هو؟ قال: لا، يا بني كان فريضة على بني إسرائيل فرحم الله هذه الأمة وضعفهم فجعله عليهم نافلة." أو كالذي روي عن الحسن بن صالح قال: " كتب عمرو بن عبيد الله إلى عبد الله بن شبرمة يعذله في تخلفه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكتب إليه عبد الله بن شبرمة:
الأمر يا عمرو بالمعروف نـافلة والعـاملون بـه لله أنصار
والتاركون له ضعفا لهم عـذر واللائمون لهم في ذاك أشرار
الأمر يا عمرو لا بالسيف تشهره على الأئمة إنّ القتل إضـرار
فمحمول – إن صحّ – على حالة الضعف والخوف على النفس. ولدفع أي شبهة قد تشوب فَرْضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نذكر فيما يلي أدلة الوجوب من الكتاب والسنة مع بعض التفصيل.
أدلة الوجوب من القرآن الآية الأولى، قوله تعالى

كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ..( (آل عمران110)
قال الشيخ الطاهر بن عاشور: " يتنزّل هذا منزلة التعليل لأمرهم بالدعوة إلى الخير وما بعده فإنّ قوله )تأمرون بالمعروف( حال من ضمير كنتم، فهو مؤذن بتعليل كونهم خير أمة فيترتب عليه أنّ ما كان فيه خيريتهم يجدر أن يفرض عليهم، إن لم يكن مفروضا من قبل، وأن يؤكّد عليهم فرضه إن كان قد فرض عليهم من قبل" . وقيل إنّ معنى الآية: صرتم خير أُمّة، أو أنتم خير أمة خُلقت لأمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر وإيمانكم بالله، فتصير هذه الخصال الثلاث المذكورة على هذا القول شرطاً في كونهم خيراً. وهذه الخيرية التي نصّ عليها الشارع لا يستحقّها من المسلمين من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، وحجّ البيت الحرام، والتزم فعل الحلال، واجتنب فعل الحرام، إلاّ بعد القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أي بعد الوفاء بشرطها الذي حدّده الشارع عند التنصيص عليها، قال الشوكاني: " وقوله )تأمرون بالمعروف( الخ كلام مستأنف يتضمن بيان كونهم خير أمة مع ما يشتمل عليه من أنهم خير أمة ما أقاموا على ذلك واتصفوا به، فإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر زال عنهم ذلك."
ولذا نجد عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول بعد أن قرأ الآية السّابقة : "يا أيها الناس مَنْ سرّه أن يكون من هذه الأمَّةِ فليُؤَدِّ شَرْطَ الله فيها" وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله )كنتم خير أمة أخرجت للناس( يقول: "على هذا الشرط. أن تأمروا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر، وتؤمنوا بالله."
الآية الثانية، قوله تعالى: )لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ(. (المائدة63)
إنّ هذه الآية توبيخ للعلماء في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي تدلّ على أنّ تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه. قال الطبري في تفسيره: " أما قوله )لبئس ما كانوا يصنعون( وهذا قسم من الله أقسم به، يقول تعالى ذكره: أقسم لبئس الصنيع كان يصنع هؤلاء الربانيون والأحبار في تركهم نهي الذين يسارعون منهم في الإثم والعدوان وأكل السحت عما كانوا يفعلون من ذلك. وكان العلماء يقولون: ما في القرآن آية أشد توبيخا للعلماء من هذه الآية ولا أخوف عليهم منها."
الآية الثالثة، قوله تعالى: )لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَ ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وكَانُواْ يَعْتَدُونَ. كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ(. (المائدة78/79)
ففي هذه الآية يعلّل الله سبحانه وتعالى استحقاق بني إسرائيل اللعنة بتركهم النهي عن المنكر، فلو لم يكن النهي عن المنكر واجباً لما استحقوا اللعنة بتركهم إيّاه، لأنّ اللعنة أشدّ ما يعبّر به اللَّه تعالى عن غضبه تختص بترك الواجبات وفعل المحرّمات، لا بترك المندوبات وفعل المكروهات. قال الشوكاني: " والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم القواعد الإسلامية وأجل الفرائض الشرعية، ولهذا كان تاركه شريكا لفاعل المعصية ومستحقا لغضب الله وانتقامه كما وقع لأهل السبت. فإنّ الله سبحانه مسخ من لم يشاركهم في الفعل ولكن ترك الإنكار عليهم، كما مسخ المعتدين فصاروا جميعا قردة وخنازير...ثمّ إنّ الله سبحانه قال مقبحا لعدم التناهي عن المنكر )لبئس ما كانوا يفعلون( أي من تركهم لإنكار ما يجب عليهم إنكاره."
الآية الرابعة، قوله تعالى: )الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.( ثمّ قوله تعالى: )وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.( (التوبة67و71)
لقد جعل الله سبحانه وتعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين، فدلّ – كما يقول القرطبي في تفسيره - على "أن أخصّ أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". وقد روي عن النبي r أنه قال: «أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة وأهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في الآخرة.» (رواه الطبراني عن أبي موسى الأشعري)
وفي جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصائص المؤمن وعكسه من خصائص المنافق، وترتيب الرحمة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما يدلّ على الوجوب.
ومما يدلّ أيضا على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو على أقلّ تقدير يؤيّد ثبوت الحكم لهما ويؤكّده، تكرّر اقتران ذكرهما في القرآن بالواجبات. من ذلك )تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ( و )يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ..( و)الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ.( (الحج41) و)التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ.( (التوبة112)
فهذه جملة من الآيات القرآنية تدلّ مجتمعة، إن لم نقل منفردة، دلالة قوية على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أدلة الوجوب من السنّة الحديث الأوّل، عن حذيفة بن اليمان عن النبي r قال: «والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهوّن عن المنكر أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم.» (الترمذي)
الحديث الثاني، عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر الصديق قال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية )يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم( وإني سمعت رسول الله r يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقابه.» (أخرجه أحمد) وفي رواية عند ابن ماجه، قال الرسول r : «إنّ النّاس إذا رَأَوُا الْمُنْكَرَ لاَ يُغَيِّرُونَهُ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بعقابه.»
الحديث الثالث، عن عدي بن عميرة أنّه سمع رسول الله r يقول: «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الخاصّة والعامّة». (أخرجه أحمد) وفي رواية للطبراني عن العرس بن عميرة قال: قال رسول الله r: «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى تعمل الخاصة بعمل تقدر العامة أن تغيره ولا تغيره فذاك حين يأذن الله في هلاك العامة والخاصة».
فهذه الأحاديث الثلاثة كافية في بيان حكم الوجوب، وذلك لأنّها رتّبت العقاب والعذاب على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو أمر في غاية الوضوح تدلّ عليه العبارات التالية: «عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» و «يَعُمَّهُمُ اللهُ بعقابه» و «عذب الخاصّة والعامّة» و «هلاك العامة والخاصة». وقد تقرّر في علم أصول الفقه أنّ ترتيب عقوبة في الدنيا أو الآخرة، أو ما في معناها، على ترك فعل أو القيام به قرينة تفيد الجزم في الطلب، فهي تعيّن الفرض والحرام.
وعليه فإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب بشهادة القرآن والسنة.
هل وجوب الأمر والنهي عيني أو كفائي؟لقد اعتاد المسلمون التفرقة بين الفروض، فيقولون فرض عين وفرض كفاية. والأصل في هذه التفرقة واقع الفروض التي منها ما يلزم القيام به من كل فرد مسلم، وقد طلبه الشارع من كلّ فرد بعينه، كالصلاة والزكاة والحج والصيام، ومنها ما يلزم القيام به من فرد واحد فقط أو جماعة، كصلاة الجنازة وإطعام الجائع وردّ السّلام. فهناك واجب على كل فرد لا يسقط عنه إن أقامه الآخرون لأنفسهم، لأنّ الأمر الجازم أتى بأن يقوم كلّ فرد مسلم به، وهناك واجب على الجماعة يسقط بفعل البعض إن أقاموه، لأنّ الأمر الجازم أتى بأن يقام به بغضّ النظر عمّن يقوم به من المسلمين.
بناء على هذا الواقع الشرعي، من حيث التفريق بين الفروض باعتبار الفاعل، أي من حيث إن الأمر جاء بطلب القيام بالفعل في أشياء من جميع المسلمين بدون تعيين، وجاء بطلب القيام به من كل فرد مسلم، جرى اصطلاح العلماء على تقسيم الفروض بأنها فرض عين وفرض كفاية، وحقيقتها أنها كلها فروض، والاختلاف بالنسبة للطلب من حيث القيام بالشيء هل هو متعلق بكلّ فرد بعينه أم بالمسلمين جميعهم، فإن حصلت الكفاية بإقامته فقد وجد الفرض سواء أقام به كل واحد منهم أم قام به بعضهم، وإن لم تحصل الكفاية بإقامته ظلّ واجبا على كل واحد منهم حتى يوجد الفرض.
وتحرير الفرق بين فرض العين وفرض الكفاية، أشار إليه ابن النجار، قال: "وإنما يفترقان في كون المطلوب عينا يختبر به الفاعل ويمتحن، ليثاب أو يعاقب. والمطلوب على الكفاية يقصد حصوله قصدا ذاتيا، وقصد الفاعل فيه تبع لا ذاتي."
والذي دفعنا إلى تحرير القول في هذه المسألة، مع أنّ المقام ليس مقامها، محاولة بعض المسلمين التنصّل من كثير من الواجبات، ومنها وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واتّخاذ التفرقة بين الفرضين ذريعة لذلك. فأردنا بما قررّناه لفت نظر المسلمين إلى أنّ المسألة في حقيقتها ليست مسألة فرض عين وفرض كفاية بل مسألة تنفيذ أمر الله عزّ وجلّ بالقيام بالأمر الذي طلبه جازما فيه، ورتّب عليه الثواب أو العقاب.
وأمّا فيما يتعلّق بمسألتنا وهي، هل وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عيني أو كفائي، فالجواب هو أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين على كل مسلم، وليس بفرض كفاية.
أمّا كونه فرض عين فلأنّ المراد بالمعروف والمنكر جنسهما، ولا معروف معين، ولا منكر معين، وهذا إذا أدرك واقعه لا يتأتى فيه وجود الكفاية في القيام به، لأنه يقع في كل مكان، ويتجدد في كل زمان.
فمن منّا يستطيع أن يحدد الزمان والمكان الذي يترك فيه الواجب أو يفعل فيه الحرام؟ لا أحد يستطيع ذلك، سواء على وجه اليقين أو التخمين. فترك المعروف وفعل المنكر مما يحصل في الأمكنة العامة والخاصّة في كلّ الأوقات، فيقع في الشارع، وفي البيت، وفي المدرسة، وفي المسجد، وفي السوق وفي غير ذلك من الأمكنة مما لا يمكن حصرها، وهو ما يجعل القول بعينية الفرض ضرورة يعرف بها المعروف و ينكر بها المنكر.
وهذا ما بيّنته السنة النبوية حيث يقول الرسول r: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان.» (أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري) فأوجب على كلّ فرد من المسلمين إزالة المنكر حال شهوده ورؤيته. إذ يقول الرسول r «من رأى منكم» أي من المسلمين عامة بدون استثناء لدلالة (من) على العموم، فيدخل فيها المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، فأيّ فرد من المسلمين أو جمع رأى المنكر يلزمه تغييره.
ثمّ إنّ تفصيل مراتب التغيير والاستطاعة، بنقل حكم التغيير من أمر بعد عدم القدرة عليه إلى أمر آخر، دليل على كونه لا يترك بحال. وما كان حاله كذلك فهو من فروض الأعيان. وهذا نظير قوله r في الصلاة. أخرج البخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال كانت بي بواسير، فسألت النبي r عن الصلاة، فقال: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع، فعلى جنب.» وزاد النسائي: «فإِن لم تستطع، فمستلقيا» وذلك لأنّ الصلاة فرض عين فلا تترك بحال.
ومما يدلّ أيضا على عينية فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو يدعمها، ما يلي:
1 . اقتران ذكر الفريضة بالواجبات العينية في جلّ الأدلة الدّالة عليها. من ذلك قوله تعالى: )وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.( وقوله: )التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ(.
2 . اتفاق العلماء على كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات المؤمنين وخصائصهم، وما كان كذلك فحرّي به أن يكون ملازما لهم جميعهم، فيفرض على كل فرد بعينه.
3 . أخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: "قال رسول الله r: «لا يمنعن رجلا مهابة الناس أن يقوم بحق إذا علمه (وفي رواية إذا رآه)» ثم بكى أبو سعيد قال: قد والله شهدناه فما قمنا به."
وقوله r «رجلا» نكرة في سياق النهي فتعمّ. وقد فهم الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري أن المطلب الشرعي من كلّ فرد مسلم، لذلك بكى وقال: "قد والله شهدناه فما قمنا به."
وقد التبس الأمر على بعض المسلمين فجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية مطلقا، أو جعل كونه على الكفاية أصلا في المسألة فقال هو على الكفاية وقد يتعيّن. والسبب في هذا يعود إلى أمور منها:
أوّلا: اعتماد بعض العلماء على قوله تعالى: )وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ((آل عمران104) في فهم أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون النظر في بقية الأدلة. وهذه الآية تنصّ على وجوب وجود جماعة من أعمالها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي لا تحصر عمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الجماعة الواجب وجودها؛ لأن الأمر في الآية مسلّط على إقامة الجماعة وليس مسلّطا على العملين لأنه سبق فرضهما. والعملان هما بيان لأعمال الجماعة المطلوب إيجادها، فيكون وصفا لنوع الجماعة المطلوب إيجادها، ولا يوجد فيها ما يدلّ على حصر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الجماعة.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ هذه الآية قد تدلّ على أنّ من أعمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما أنيط بجماعة، أي أنّ من المعاريف ما يلزم للأمر بها جماعة، ومن المنكرات ما يلزم للنهي عنها جماعة، ولا يعني ذلك اختصاص الجماعة بكل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثانيا: إساءة الربط بين الاستطاعة والفرض. ذلك أنّ من المسلمين من قال إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منوط بالاستطاعة، والاستطاعة المادية والفكرية متحققة في بعض الناس وليس في جميعهم أي في خاصة الناس لا في عامتهم، لذا فإنّ الفرض على الكفاية.
والردّ على هذا القول من وجهين:
أولهما، قوله r: «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى تعمل الخاصة بعمل تقدر العامة أن تغيره ولا تغيره فذاك حين يأذن الله في هلاك العامة والخاصة». (الطبراني) فيه دليل على أنّ الطلب من العامة وليس من الخاصة فقط أي العلماء أو الحكام، لأنّ لفظ العامة في الحديث يشمل العلماء وعامة الناس. فكيف يقال بعدها بحصر الفرض في الخاصة.
ثانيهما، أنّ عدم تحقق الاستطاعة يلغي الحكم ويسقطه، ولا يلغي نوعه متى ثبت. فإذا كان الفرض فرض عين فلا نجعل منه فرض كفاية لعدم استطاعة البعض القيام به، ولو كان الأمر كما يدّعون لأصبحت كلّ الفروض على الكفاية لدوام وجود غير المستطيع. ومن الأمثلة على هذا قوله تعالى: )وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً.( (آل عمران97) حيث جعل الله سبحانه حج البيت على المستطيع. وقد اختلف العلماء في تحقيق معنى الاستطاعة ولكنهم اتفقوا على أنّ الحج ساقط عن غير المستطيع، فهل يقول واحد منهم بأنّ الحج فرض على الكفاية لعدم الاستطاعة؟
علاوة على هذا، فإنّ الاستطاعة مناط التكليف عامّة فلا تختصّ بحكم من الأحكام، وهي مطلوبة في الواجبات كلّها، العينية والكفائية، قال تعالى: )فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ( (التغابن16) وقال الرسول r : «...وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم.» (متفق عليه) وعن جَرِيرٍ قال: بَايَعْتُ النّبِيّ r عَلَى السّمْعِ وَالطّاعَةِ. فَلَقّنَنِي «فِيمَا اسْتَطعْتَ». (أخرجه مسلم)
ثالثا: من الناس من يقول، إنّ واقع الحال يثبت أنّ الفرض على الكفاية، فلو شاهدت جماعة من الناس منكرا ما، وقام فرد منها بإزالته، لسقط الحكم عن البقية. مثال ذلك، رجل يشرب الخمر على قارعة الطريق، ومرّت عليه جماعة من الناس فشاهدته وهو بصدد شرب الخمر أي بصدد فعل المنكر، فسبق أحد الأفراد من الجماعة الجمع، فكسر آنية الخمر ومنع الرجل من الشرب، فيكون بذلك قد أزال المنكر وكفى البقية عناء إزالته.
والجواب عليه من وجهين:
أولهما، أنّ البحث في الفرض من حيث عينيته أو كفائيته متعلّق بتشريعه ابتداء، أي هل طلبه الشارع من كل فرد بعينه أم طلبه من الجماعة. وهذا المثال المذكور، رغم واقعيته فلا تعلّق له بالتشريع؛ لأنّ استنباط عينية الفرض أو كفائيته يكون من الدليل الشرعي محلّ التشريع، وليس من المثال السلوكي للبعض.
ثانيهما، أنّ المدقّق في هذه الواقعة لا يجد أي تعارض بينها وبين واقعية العينية في الفرض. ذلك أن المنكر إذا رأته جماعة، لزمها كلّها التغيير والإنكار. فإن همّت جميعها به لإنكاره، إلا أن أحدهم سبق وأزال المنكر، فقد قامت بواجبها، وسقط عنها التكليف لأمرين هما: همّها بالتغيير وعزمها عليه، وانتفاء المنكر ذاته. وإن أزال المنكر أحدهم، دون أن يهمّ البقية بإزالته أو يعزموا عليه، فينظر في حالهم؛ هل توقفوا خوفا وبغلبة ظنّ عدم الاستطاعة أم توقفوا لغير ذلك. فإن كانوا قد توقفوا لعدم إرادة التغيير، فقد أثموا بلا خلاف، وإن كانوا قد توقفوا لغلبة ظنّ بعدم الاستطاعة - وهو أمر مستبعد من الجماعة عمليا- فقد عذروا بلا خلاف لأنّ الاستطاعة شرط.
لذا، لا يقال إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية لعدم استطاعة الجميع القيام به، أو لعدم واقعيته، بل هو فرض عين يقام به كما يقام بأي فرض آخر، يؤتى به كاملا عند الاستطاعة التامة، وناقصا عند نقصانها، ويسقط عن المكلف عند انعدامها. ولا نجانب الصواب إذا قلنا إنّ فاعلية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تتصور عمليا إلا إذا كان الفرض عينيا، فيكثر به الآمرون والناهون، وتتعدّد به عيون القوامة على المجتمع التي تترصد كلّ منكر لتنهى عنه وتزيله.
يتبع ان شاء الله