قال الله تعالى
(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً)
[الفرقان : 63]
والهَوْن : اللين والرفق .
ووقع هنا صفة لمصدر المشي محذوف تقديره ( مَشْياً ) فهو منصوب على النيابة عن المفعول المطلق .
والمشي الهَوْن : هو الذي ليس فيه ضرب بالأقدام وخفقُ النعال فهو مخالف لمشْي المتجبرين المعجَبين بنفوسهم وقوتهم .
وهذا الهَوْن ناشىء عن التواضع لله تعالى والتخلُّق بآداب النفس العالية وزوال بطر أهل الجاهلية فكانت هذه المشية من خلال الذين آمنوا على الضد من مشي أهل الجاهلية .
وعن عمر بن الخطاب أنه رأى غلاماً يتبختر في مِشيته فقال له ( إن البخترة مِشية تُكْره إلا في سبيل الله ) .
وقد مدح الله تعالى أقواماً بقوله سبحانه (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً ) فاقْصِدْ في مِشيتِك ، وحكى الله تعالى عن لقمان قولَه لابنه (ولا تَمْشِ في الأرض مرَحاً ) ( الإسراء : 37 ) .
والتخلّق بهذا الخلق مظهر من مظاهر التخلق بالرحمة المناسب لعباد الرحمن لأن الرحمة ضد الشدة ، فالهوْن يناسب ماهيتَها وفيه سلامة من صدم المارين .
وعن زيد بن أسلم قال : كنت أسأل عن تفسير قوله تعالى : ( الذين يمشون على الأرض هوناً ) فما وجدت في ذلك شفاء فرأيت في المنام من جاءني فقال لي : ( هُم الذين لا يريدون أن يفسدوا في الأرض ) .
فهذا رأي لزيد بن أسلم أُلهمه يجعل معنى (يمشون على الأرض) أنه استعارة للعمل في الأرض كقوله تعالى (وإذا تولّى سعى في الأرض لِيُفْسِد فيها ) ( البقرة : 205 ) وأن الهوْن مستعار لفعل الخير لأنه هون على الناس كما يسمى بالمعروف .
التحرير والتنوير