بسم الله الرحمن الرحيم
التطرف و التشدد و التعصب و الإرهاب
(من إصدارات رابطة الوعي الثقافية)
لقد فشل الصليبيون أن يهزموا أمتنا عسكرياً، فعرفوا أن سر قوتها هو عقيدتها و مفاهيمها عن الحياة. فبدؤوا حرباً فكرية، في وقت أغلق فيه باب الاجتهاد في الأمة، وضَعُفَ فهم المسلمين للإسلام، فاستطاعوا أن يُلحقوا بنا أعظم هزيمة في تاريخنا، جعلتنا نفقد القدرة على تحديد الاتجاه والمسار، و نلغي بأيدينا سرَّ قوتنا، و نسقط الخلافة الإسلامية. ولذلك لابد من إعادة صياغة الأمة صياغة تزيل الغبش عن تصورها للكون و الإنسان والحياة، و تقضي على عوامل التغشية التي طرأت على فكرها و مفاهيمها، من أجل أن نستأنف حياةً إسلامية جديدة، تمكننا من حمل الإسلام إلى العالم.
تتردد في هذه الأيام، أو في هذه السنوات الأخيرة عبارات التطرف و التشدُّد و التعصب و الإرهاب و الأصولية، و يقابلها عبارات التسامح و الاعتدال و المعتدلين. تتردد هذه الألفاظ و أمثالها على ألسنة المسؤولين الغربيين و وسائل الإعلام الغربية، و ترددها من خلفهم وسائل الإعلام في البلاد الإسلامية و الحكام و المفكرون المفتونون بالثقافة الغربية و غيرهم من ببغاوات الأمة. و قد صرفوا هذه الألفاظ عن دلالتها عن خبث و سوء نية؛ فجعلوا من ينكر على الطواغيت ظلمهم و حكمهم بأحكام الكفر، و يعمل لإعادة الإسلام إلى حكم الحياة و الدولة و المجتمع، و يرفض الخضوع للدول الغربية و العمالة لها، جعلوه متطرفاً. و أما من يسايرهم و يسايسهم و يعمل للإصلاحات الجزئية و للمصالح الدنيوية، مع بقاء نظام الكفر و الخضوع للأجنبي، جعلوه معتدلاً.
هكذا دبَّروا، و هكذا نفذوا ، جاعلين من أنفسهم و دولهم المثل الأعلى و المصدر الذي تصدر عنه الآراء و الأفكار، مع أن الله سبحانه يوجب على المسلمين أن يتقيدوا بالإسلام و أحكامه. فأن يأتي بعض الناس، فيضعوا أنفسهم بدل ربهم، و أنظمتهم بدل دينهم، فهو الضلال المبين، و هو ادعاء الربوبية من دون الله. ثم أن يأتي أعوانهم من المثقفين بالثقافة الغربية و من بعض المشايخ و الجمعيات الإسلامية ليكونوا أبواقاً لهذه الضلالات، فهو الإجرام الذي ما بعده إجرام. ولنأت الآن إلى بيان هذه الألفاظ اصطلاحاًً و شرعاً:
فالتطرف هو مجاوزة الحد، و الاعتدال هو الاستقامة. هذا من حيث المعنى الاصطلاحي، فإذا أردنا أن نعرف حكم الشرع في هذين الاصطلاحين، فإن الرسول-صلى الله عليه وسلم- يقول:
(إن الله حد حدودًا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم محارم فلا تنتهكوها).
هذا الحديث يدلنا أن المعتدل شرعاً هو المستقيم الذي لا يعتدي حدود الله، ولا يضيع فروضه، و لا ينتهك محارمه. و أما المتطرِّف، فهو العكس من ذلك. و أما عبارة التشدد، فإنها من حيث المعنى اللغوي، تدل على عدم التفريط و التساهل، و على أخذ الأمر بشدَّة و قوة. و هنا يختلف معنى التشدد باختلاف الأمر الذي يُتَشَدَّدُ فيه. فإذا كان أمر الله، فإن أخذه بقوة واجب شرعي. يقول تعالى:
﴿ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ ﴾
[الأعراف١٧١]أي بشدة و تشدد. و كذلك التعصب؛ فأصله في اللغة من العصابة، و هي ما يشد به. و العصيب هو الشديد، كما جاء في قوله تعالى:
﴿ وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾
[هود ٧٧]أي يوم شديد. و تعصَّب للشيء، أي تمسَّك به و اعتصم بشدة و قوة. و هنا أيضاً يختلف معنى التعصب بحسب الشيء الذي يُتعصب له. فإن كان هذا الشيء دين الله و حبله، فإننا مأمورون بالاعتصام و الاستمساك به، و منهيون عن أي تفريط أو تساهل أو تنازل، و لو شيئاً قليلاً. و لهذا، خاطب ربنا سبحانه رسوله بقوله:
﴿ وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً(٧٤) إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ﴾
[الإسراء ٧٤-٧٥]إذاً، فالله سبحانه يحذرنا أشد التحذير من التساهل و التسامح فيما يتعلق بدينه و أوامره و نواهيه و حدوده.
هذه هي المعاني الشرعية التي يرضى عنها الله سبحانه. و لكن أكثر وسائل الإعلام صرفت هذه الألفاظ عن دلالتها، و صاروا يرمون كل من يطالب بإعادة الإسلام إلى حكم الحياة و الدولة والمجتمع، يرمونه بالتطرف. بل تمادوا في صلفهم و خبثهم، فنادوا بأن كل من يحرِّم موالاة الأمريكان أو الإنجليز أو الفرنسيين، و يحرم الاستعانة بهم، اعتبروه متطرفاً و متزمتاً و متشدداً. و أما من يقبل موالاتهم و الاستعانة بهم و الخضوع لهم، فهو معتدل و عقلاني و إيجابي.
كل هذا لا غرابة أن يصدر عن الكفار و أوليائهم و إعلامهم. و لكن الغريب العجيب أن نسمع مثل هذا يصدر عن علماء و جمعيات تسمي نفسها "إسلامية" و تعلن بكل صلفٍ و وقاحة أنها ليست متطرفة، وأن التطرف و الغلو آفة دينية مدمرة. نعم، الغلو في الدين آفة مدمرة؛ إنها كلمة حق، و لكنها، بكل أسف، كلمة حق يراد بها باطل. إنها كلمة لا يراد بها وجه الله، و إنما أطلقها أصحابها ابتغاء مرضاة الطواغيت ليقولوا لهم:
"نحن لا نريد إزالة ظلمكم وكفركم، و نحن لسنا كأولئك المتشددين الذين يرفضون القانون".
فما هو التطرف، و ما هو الاعتدال في نظركم يا سادة؟!
و من هو المتطرف يا ترى؟!
هل المتطرف هو الذي يسعى لإعادة مجد أمته، و تحريرها من الخضوع لأعدائها، و إعادة عقيدتها و دينها إلى حكم حياتها؟!
ومن يتعدَّى حدود الله، و يعطلها، و يضيع فروضه، ويبيح الزنا و الخمور، و يحمي الماجنين و المارقين، ويحكم بغير ما أنزل الله، و يقعد بكل صراط يهدد و يتوعد كل من يسعى لإظهار دين الله، و يطارد كل من يحمل الإسلام كما حمله الأنبياء، و يرتمي في أحضان الدول الكافرة، ألا يُعَدُّ هذا في نظركم متطرفاً؟!
لماذا لا تنظرون إلا بعين واحدة؟! وكأنكم ذلك الأعور الذي حذَّرنا منه رسول الله -عليه الصلاة و السلام-؟!
إننا أيها السادة المسلمون، و المسلم يأخذ مفاهيمه، بكل بساطة، من الإسلام، و ليس من غرب أو شرق. و هذه بديهة عند كل مسلم.
و هناك حالات طلب فيها الشرع الرحمة و الرأفة و العفو و التسامح، و هناك حالات طلب الشرع فيها الشدة و الغلظة و الإرهاب. قال تعالى:
﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ﴾
[الفتح٢٩]وقال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾
[التوبة ٧٣]﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً ﴾
[التوبة ١٢٣]و نهى سبحانه عن الرأفة بالزانية و الزاني، فقال:
﴿ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ﴾
[النور ٢]و أمرنا سبحانه بإرهاب العدو فقال:
﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾
[الأنفال ٦٠]و الرسول-صلى الله عليه و سلم- أمرنا بالأخذ على أيدي الطغاة و الظالمين فقال:
(لتأخذُنَّ على يد الظالم و لتأطرُنَّه على الحق أطراً) و تمام الرواية عن حذيفة (أو ليوشكنَّ الله أن يبعث عليكم عقاباً منه فتدعونه، فلا يستجاب لكم).
و حذرنا عليه الصلاة و السلام من السكوت عن الظالمين فقال:
(إذا خشيت أمتي أن تقول للظالم يا ظالم، فقد تُوُدِّعَ منها).
فالمسلم، يا علماء السلاطين، مع المسلمين رحيم و ذليل. و حتى مع غير المسلمين الذين لا يحاربون دينه، و لا يعطلون أحكامه، و لا يمنعون انتشاره، رحيم أيضاً. و أما مع أعداء الإسلام الذين يحاربون دعوته، و يطاردون حَمَلَته، فهو شديد غليظ مرهب. المسلم يتعصب للحق و يتمسك به تمسكاً شديداً. و هذا التعصب و التشدد من الفضائل، و ليس من الرذائل. و إذا كان الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إرهاباً في نظر الغرب، فإنه فريضة كريمة في نظر الإسلام. المسلم يجب أن يغضب لله إذا رأى حرمات الله تُنتهك، ولا يحل له أن يقابل ذلك بروح رياضية و دم بارد. إذا كان العمل لهدم أنظمة الكفر و إعادة حكم الإسلام أصولية خطرة في نظر الغرب، فإنه فريضة حتمية في نظر الإسلام. إذا كان الصلح مع اليهود الغاصبين اعتدالاً و تسامحاً و واقعية في نظر الغرب، فهو خيانة و تفريط و نذالة في نظر الإسلام. و نحن المسلمين لا نأخذ مفاهيمنا و قيمنا و مقاييسنا من حضارة الغرب الفاسدة المفسدة: حضارة الإيدز و الخمور و المخدرات، حضارة اللهاث و التكالب على المال و الشهوة. نحن نأخذ مفاهيمنا من حضارة الإسلام، حضارة الهداية و النور. قال تعالى:
﴿ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ(١٥) يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾
[المائدة١٥-١٦](لتنزيل هذه المحاضرة صوتياً اضغط هنا)
(لتنزيل مجموعة أخرى من المحاضرات القيِّمة اضغط هنا)
والسلام عليكم و رحمة الله و بركاته