المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
الجناية في مادون النفس هل العين بالعين والسن
منتدى العقاب > ديوان الخلافة > قسم أنظمة المجتمع > نظام العقوبات
ابوعمر99
من نظام العقوبات
تحت فصل "الجناية في مادون النفس"

الجناية في ما دون النفس هي الجنايةعلى عضو من أعضاء جسم الانسان ، او على عظم من عظامة ، او على رأسه بالشج ، او على أي جزء من جسمه بالجرح ، وذلك بغض النظر عن كونه رجلا او امرأة ، حرا او عبدا ، مسلما او ذميا او مستأمنا . ويرى بعض الفقهاء ان قصاص مادون النفس من الأعضاء هو ماورد في آية: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص) فيجعل قصاص مادون النفس من الاعضاء قاعدة السن بالسن فمن قلع عين احد قلعت عينه .. وهكذا ، مع ان هذه الآية نزلت بحق بني اسرائيل ، وهي حكاية عنهم ، وليست خطابا لنا ، وشرع من قبلنا ليس شرعا لنا ، ولذلك اخطأ الذين استشهدوا بها واتخذوها دليلا ، لأننا لم نخاطب بها .
والحقيقة ان الجناية فيما دون النفس لايستدل عليها بهذه الآية ، وانما يستدل عليها بماورد في ذلك من الاحاديث . لأن هذه الآية حكاية عن بني اسرائيل ، وهي شريعة اليهود ، ونحن غير مخاطبين بها ، فلاتصلح دليلا ، بل لايصح ان تكون دليلا مادمنا لسنا مخاطبين بها ، وفوق هذا فانه لم يرد في القرآن دليل ينص على الجناية فيما دون النفس . وأما قوله تعالى: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل مااعتدى عليكم) فانها نزلت في معاملة المسلمين للكفار ، لافي عقوبات مادون النفس ، فان نص الآية هو: الشهر الحرام بالشهر الحرام ، والحرمات قصاص ، فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل مااعتدى عليكم واتقو الله واعلموا ان الله مع المتقين ذلك انه لم يكن هنالك قتال في الشهر الحرام ، فبين الله في هذه الآية انه اذا قاتلكم المشركون في الشهر الحرام فقاتلوهم في الشهر الحرام ، ومن اعتدى عليكم فقاتلوه بمثل مااعتدى عليكم ، والمراد به ان يقابل الكفار بمثل ما حصل منهم ، فالله تعالى يقول ان القاعدة مع المشركين هي ان الشهر الحرام بالشهر الحرام ، ثم قال الحرمات قصاص ، أي تجريء المماثلة في الحرمات ، ثم فرع على هذه القاعدة بأن أي عدوان عليكم قابلوه بالعدوان بمثله . فالموضوع موضوع قتال بين المسلمين والكفار ، وليس الموضوع موضوع عقوبة فيما دون النفس. والدليل على ذلك الآيات التي قبلها ، والمتصلة بها فإنها نص في القتال ، فالله يقول :وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولاتعتدوا ان الله لايحب المعتدين ، واقتلوهم حيث ثقفتموهم ، واخرجوهم من حيث اخرجوكم ، والفتنة أشد من القتل ، ولاتقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ، فان قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين، فان انتهوا فان الله غفور رحيم ، وقاتلوهم حتى لاتكون فتنة ويكون الدين لله ، فان انتهوا فلاعدوان الا على الظالمين ، الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص ، فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل مااعتدى عليكم

يتبع بحول الله تعالى
ابوعمر99
فهذا صريح بأن الموضوع هو موضوع الحرب بين المسلمين والكفار ، فتكون الآية خاصة بهذا الموضوع . وعليه لاتصلح دليلا على عقوبة مادون النفس . وأما قوله تعالى: فان عاقبتم فعاقبوا بمثل ماعوقبتم به فانه مثل قوله تعالى: وجزاء سيئة سيئة مثلها المراد منه دفع الاذى عن النفس، ومقابلة الاعتداء بمثله ، اليس هو بيان عقوبة مادون النفس ، بل هو متعلق بدفع الاذى بأنه لايصح أن يكون الا بمثل ماأوذي به ، ولايصح أن يزيد على ذلك ، بدليل قوله تعالى: ولئن صبرتم لهو خير للصابرين . وعليه لاتصلح هذه الآية دليلا على عقوبة مادون النفس من قبل الدولة . ومن ذلك يتبين انه لايوجد في القرآن مايدل على عقوبة مادون النفس ، ولذلك كان الدليل هو السنة ليس غير .
اما ماورد في السنة في عقوبات مادون النفس فان المدقق فيه لايرى ان هناك قصاصا في عضو من اعضاء الجسم مطلقا ، ولافي عظم من عظامة سوى السن . واما ماورد عن الحسن عن سمره ان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من قتل عبده قتلناه ، ومن جدع عبده جدعناه ومااخرج ابو داود بان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:من خصى عبده خصيناه فانه خاص في عقوبة السيد لعبده ، وليس عاما ، فانه في موضوع معاملة السيد لعبده ، وليس في مضوع بيان العقوبات فيختص بعقوبة السيد اذا فعل بعبده ذلك ، ولايعم كل انسان ، فلا يكون عاما لعقوبة جميع الناس ، حتى لو جدع أنف عبد غير عبده لايجدع به ، ولو خصى عبدا غير عبده لايخصى به ، لأن الحديث لايدل على ذلك ، اذ يقول عبده فقال: جدع عبده وقال: خصى عبده ولم يقل عبدا ، ولاقال احدا ، فالاسناد هو للفظ عبده فيختص به ، ولايتجاوزه الى غيره ولا بوجه من الوجوه ، فلايدل على القصاص في اعضاء الجسم ، ولابدلالة من الدلالات .
وقد يقال إنا قد استشهدنا بحديث من قتل عبده قتلناه ، وجعلناه دليلا على ان الحر يقتل بالعبد ، مع انه كذلك خاص في موضوع معاملة السيد لعبده ، والجواب على ذلك هو ان حديث :من قتل عبده قتلناه لايدل على ان الحر يقتل بالعبد دلالة منطوق ، بل يدل على ذلك بدلالة المفهوم ، فان قوله - صلى الله عليه وسلم - : من قتل عبده يدل بمنطوقه على ان السيد اذا قتل عبده يقتل به ، ولايدل على غير ذلك ، فلايدل على ان السيد يقتل بالعبد ، بل يدل على انه يقتل بعبده فقط . ولكن فحوى الخطاب يدل على ان غير السيد يقتل بعبده بالاولى ، أي انه اذا كان السيد يقتل بعبده وهو مالكه يتصرف به فان قتله لغير عبده من العبيد من باب اولى ان يقتل به ، فهو يدل على ذلك دلالة مفهوم ، لادلالة منطوق ، وهذه الدلالة غير موجودة في حديث :من جدع عبده جدعناه ولافي حديث : من خصى عبده خصيناه فانه لايدل لفحوى الخطاب على انه لو جدع عبدا غير عبده يجدع به ، ولو خصى عبدا غير عبده يخصى به ، لأن للسيد ان يؤدب عبده ، فنهي عن التأديب الذي يصل الى حد اتلاف عضو من اعضاءه ، فكونه ينهى عن ان يجدعه او ينهى عن ان يخصيه لايفهم منه انه من باب اولى ان يفعل به ذلك لو فعله في عبد غير عبدده ، ذلك ان مفهوم الموافقة قد يكون من قبيل التنبيه بالادنى على الاعلى ، وقد يكون من قبيل التنبيه بالاعلى على الادنى ، وقد يكون من قبيل المساوي ، وليس في من جدع عبده ولافي من خصى عبده شيء من هذا ، فليس فيه أي تنبيه بشيء على شيء ، ولكن من قتل عبده فيه تنبيه بالاعلى على الادنى ، فاذا كان عبده يقتل به فيقتل بعبد غير عبده من باب اولى ، ولذلك صح ان يكون قوله: من قتل عبده قتلناه دليلا على قتل الحر بالعبد من باب فحوى الخطاب ، ولم يصح قوله من جدع عبده ، من خصى عبده ان يكون دليلا على ان من جدع غيره يجدع به ، ومن خصى غيره يخصى به ، واذا لم يصح دليلا على القصاص فيما جاء
نصا به وهو الجدع والخصاء ، فلايصح ان يكون دليلا على القصاص في غيرهما ، وعليه لايصح ان يكون هذان الحديثان دليلا على القصاص في الاعضاء . ثم ان من تتبع الاحاديث يجد انه لنم يصح ولا حديث واحد في القصاص في أي عضو من اعضاء الجسم . وعليه فانه لاقصاص في اعضاء الجسم مطلقا ، فلاتقلع عين من قلع عين غيره ، ولاتقطع اذن من قطع اذن غيره ، ولاتقطع شفة من قطع شفة غيره ، لأن آية: وكتبنا عليهم هي في حق اليهود ، وليست في حقنا ولسنا مخاطبين بها ، وشرع من قبلنا ليس شرعا لنا ، ولأنه لم يأت في ذلك نص ، لامن كتاب الله ولامن سنة رسول الله .
وبما انه قد وردت احاديث صحيحة في دية كل عضو من أعضاء الجسم فتكون عقوبة أي عضو من أعضاء الجسم هي الدية الواردة في نص الحديث بشأن ذلك العضو .
هذا بالنسبة لأعضاء الجسم ، اما بالنسبة لعظام الجسم فهناك دليل من السنة على ان عظم السن يجري فيه القصاص. فقد اخرج البخاري عن أنس:ان الربيع عمته كسرت ثنية جارية فطلبوا اليها العفوا فأبوا ، فعرضوا الارش فأبوا ، فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأبوا الا القصاص ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقصاص ، فقال أنس بن النضر يارسول الله أتكسر ثنية الربيع لا والذي بعثك للحق لاتكسر ثنيتها ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتاب الله القصاص ، فرضي القوم فعفو، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ان من عباد الله من لو اقسم على الله لابره ، فهذا الحديث فيه دلالة على ان عظم السن اذا كسر ففيه القصاص ، أي يكسر سن ممن كسره . الا ان هذا الحديث فيه أمور يقتضي ان تلاحظ حين الاستدلال به . فمنها ان قول الرسول :كتاب الله القصاص ليس الى اشارة الى آية:وكتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس وانما هو اشارة الى قوله تعال: كتب عليكم القصاص ، وذلك لأن آية: وكتبنا عليهم انما تكون الاشارة االيها بقاعدة السن بالسن ، لأنها مشهورة بها ، بل اشهر مافيها هو قاعدة السن بالسن فلو كانت الاشارة اليها لقال: كتاب الله السن بالسن ، لاسيما وان الحادثة حادثة سن ، فكونه قال: كتاب الله القصاص يدل على ان المراد آية القصاص ، وهي قوله تعالى: كتب عليكم القصاص وليس آية: وكتبنا عليهم ، وايضا فان آية: وكتبنا عليهم لم تعبر عن عقوبة الاعضاء بالقصاص وانما عددت الاعضاء التي يجري فيها حكم قاعدة السن بالسن ، وأما القصاص فقد عبرت به عن عقوبة الحراج ، فبعد ان عددت الاعضاء انتقلت الى الجراح فقالت:والجروح قصاص والحادثة حادثة عظم وليست حادثة جراح ، لذلك لاتكون اشارة الى آية : السن بالسن بل الى آية القصاص وهي قوله تعال: كتب عليكم القصاص . ومنها ان الحديث نص على السن وحدها ، فهو دليل على وجوب القصاص في
السن ليس غير ، لايصج ان يستدل به على القصاص في عظم آخر ، لأن النص خاص بالسن ، ولايوجد هنا قياس ولاشبهة في القياس ، فلايكون الحديث دليلا على القصاص في أي عظم من عظام الجسم ، ومن باب اولى ان لايكون دليلا على أي عضو من أعضاء الجسم ، لأنه في العظم وليس في عضو من أعضاء الجسم ، وفي عظم السن خاصة .
فهذه الامور اذا لوحظت عند الاستدلال بالحديث يتبين ان الحديث دليل على ان السن اذا كسرت يجري فيها القصاص ، ولايري القصاص في غيرها من العظام مطلقا ، لعدم وجود دليل على ذلك ، ولأن حديث أنس لايدل الا على كسر السن . ومن هذا يتبين انه لاقصاص في أي عضو من أعضاء جسم الانسان ، ولاقصاص في أي عظم من عظام جسم الانسان ، سوى السن اذا كسرت . وانما عقوبة كل عضو ماورد بشأنها في الحديث من الأرش .
ثم ان الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يقل: السن بالسن ، وانما قال: القصاص ، وهذا يعني ان تجري في السن المماثلة عند العقوبة ، فان كسرت السن تكسر سن من كسرها ، وان قلعت السن تقلع سن من قلعها ، وان قلقلت من مكانها مجرد قلقلة فعل بسن الكاسر كذلك لأن هذا هو القصاص .
غير انه لابد ان يعلم أنه كما ورد القصاص في السن وردت الدية في السن ، فقد جاء في كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - الى عمرو بن حزم حين بعثه الى اليمن: وفي السن خمس من الابل فمتى يجب القصاص ومتى تجب الدية؟ يقول بعض افقهاء ان القصاص في السن انما هو في العمد ، فمن أصاب سن احد عمدا ففيه القصاص على حديث أنس ، وأما في غير العمد ففيه الدية ، وعلى ذلك فانه ان ضربه قاصدا كسر سنه بشيء يكسر غالبا ، أو بفعل الغالب منه أن يكسر السن ، او بشيء لايكسر السن ، ولكن اقترن بشيء يجعله يكسر السن ، او فعل فعلا الغالب منه ان يكسر السن ، فانه في هذه الحالات فقط يكون عمدا ، ويجري فيه القصاص ، فان ضربه غير قاصد كسر سنه ، او بشيء لايكسر السن ، وكسر سنه فانه لاقصاص ، وانما تجب الدية ، وهي خمس من الابل .
هذا هو حكم القصاص في اعضاء جسم الانسان ، وفي عظام جسم الانسان ، فلاقصاص في أي عضو من اعضاء جسم الانسان مطلقا ، ولاقصاص في أي عظم من عظام جسم الانسان سوى السن ، ففيه وحده القصاص . واما الجراح وهي التي في البدن فان القصاص فيها ثابت بالسنة .
ففي صحيح مسلم عن أنس ان أخت الربيع -أم حارثة- جرحت انسانا فاختصموا الى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: القصاص القصاص فقالت أم الربيع: يارسول الله أيقتص من فلانه؟! والله لايقتص منها ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: سبحان الله ياأم الربيع القصاص كتاب الله قالت: لا ، والله لايقتص منها ابدا ، فمازالت حتى قبلوا الدية ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ان من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره فهذا الحديث يدل على ان الجراح فيها القصاص ، واشارة الرسول هنا في قوله:القصاص كتاب الله اشارة الى قوله تعال: كتب عليكم القصاص وليس اشارة الى قوله تعال: وكتبنا عليهم فيها. وعن جابر ان رجلا جرح فأراد ان يستقيد ، فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - ان يستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح وعن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده ان رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أقذني ، فقال: حتى تبرأ ، ثم جاء اليه فقال: أقدني اليه ، فأقاده ، ثم جاء اليه فقال يارسول الله عرجت ، قال: قد نهيتك فعصيتني فابعدك الله ، ويطل عرجك ، ثم نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ان يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه فهذان الحديثان وان جاءا للدلالة على ان القود في الجراح انما يكون بعد ان يبرأ الجرح ، ولكنهما كذلك يدلان على ان الجراح فيها القود ، أي فيها القصاص بدلالة الاشارة ، فيصلحان دليلا على ان الجراح فيها القصاص ، أي فيها القود . وعليه فان القود يجري في الجراح أي التي في البدن .
غير ان القود في الجراح لايجري الا اذا توفرت شروطه ، فمن شروطه ان يكون عمدا ، فان كان غير عمد ، أي خطأ فلاقود ، وفيه حكومة ،ان لم يكن جائفة أو فتقا بالوطء ، فان كان كذلك ففيه الدية ، ومن شروطه ان لا يكون مخوفا ، أي ان لايخشى من القصاص موت المقتص منه ، فان كان مخوفا ، أي يخشى منه الهلاك فلاقصاص ، وفيه حكومة ، ان لم يكن جائفة ولافتقا بالوطء . ومن شروطه ان لايكون مما لايوصل الى القصاص فيه الا بأن يخطىء الضارب ، أو يزيد أو ينقص ، فان كان كذلك فلاقصاص ، وفيه حكومه ان لم يكن جائفة ، ولافتقا بالوطء ، وكذلك لاقصاص اذا عفى صاحب الحق ، او اذا أخذ الدية او الحكومة وترك طلب القصاص . والقصاص انما يجري اذا طلب المجني عليه ، فان لم يطلب فلا قصاص لأن هذا حق العدل ، فاذا توفرت هذه الشروط يجري القصاص ، واذا اختل شرط منها فلاقصاص ، وانما تكون عقوبتها العقوبة المالية الوارد في الشرع ، ولايجري القصاص الا بعد ان يندمل الجرح ، لحديث جابر المار ، ولأنه جاء في حديث عمرو بن شعيب بعد اذن الرسول قول: ثم نهى رسول الله فان هذا القول يدل على تحريم الاقتصاص قبل الاندمال ، لأن لفظ ثم يقتضي الترتيب فيكون النهي الواقع بعدها ناسخا للاذن الواقع قبلها . فلا يجري القود في الجراح الا بعد ان يبرأ الجرح .
هذا في الجراح وهي التي في البدن ، واما الشجاج وهي التي في الرأس فلاقود فيها ، أي لايجري فيها القصاص ، وذلك لأنها لاتدخل تحت احاديث الجراح ، لأنها ليست جراحا ، ولايطلق عليه اسم الجراح ، ومعروف عند العلماء ان الشجاج في الرأس ، والجراح في البدن ، فلاتكون احاديث الجراح دليلا عليها ، لأنها لاتدل عليها لالغة ولاشرعا ، ثم انه لم يرد نص يدل على القصاص في الشجاج ، لافي الكتاب ولافي السنة ، وانما ورد النص في دية الجراح ، ولذلك كانت عقوبة الشجاج هي الدية الواردة في السنة .
يتبع بحول الله تعالى
ابوعمر99
ومن ذلك كله يتبين ان عقوبة مادون النفس فيها تفصيل ، فأعضاء جسم الانسان جميعها ، وعظام جسم الانسان جميعها ماعدا الاسنان ، والشجاج أي الجراح التي في الرأس عقوبتها جميعها عقوبة مالية بحته ، وهي الدية الواردة في السنة ، ولاعقوبة بدنية فيها ، فلاقود فيها أي لاقصاص ، وأما الاسنان والجراح التي في البدن فلها عقوبة بدنية وعقوبة مالية ، كالاسنان ان كان الاعتداء عليها عمدا فعقوبتها القصاص ، وان كان غير عمد أي خطأ ، أو ترك المجني عليه القصاص او طلب الدية ، ففي الحالتين فيها الدية ليس غير ، أي تكون حينئذ عقوبتها عقوبة مالية . والجراح ان استوفت شروطها جميعها ، ولم يترك المجني عليه القصاص فان عقوبتها حينئذ عقوبة بدنية وهي القود ، أي القصاص ، وان اختل شرط من شروطها او ترك المجني عليه القصاص فحينئذ تكون عقوبتها عقوبة مالية . أما مقدار هذه العقوبة فينظر فيه ، فان جاء نص بين مقدار ديتها كانت عقوبة الجرح هي الدية التي جاء بها النص ، وذلك منحصر في جرحين : احدهما الجائفة وهي الجرح الذي يصل الى الجوف ، والثاني فتق الصغيرة بالوطء ، فالاول ورد فيه حديث ، والثاني دليله الاجماع السكوتي ، وماعدا هذين الجرحين من جراح البدن فإنه لم يأت فيها نص يبين ديتها ، فتكون عقوبتها حكومة عدل .
دية أعضاء جسم الانسان وعظامه
دية كل عضو من اعضاء جسم الانسان ، وكل عظم من عظامه هي ماورد في السنة ، وقد وردت الدية في السنة صريحة . عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده: ان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب الى اهل اليمن كتابا وكان في كتابه ان من أعتبط مؤمنا قتلا عن بينه فانه قود ، الا ان يرضي اولياء المقتول ، وان في النفس الدية مائة من الابل ، وان في الانف اذا أوعب جدعه الدية وفي اللسان الدية ، وفي الشفتين الدية ، وفي البيضتين الدية ، وفي الذكر الدية ، وفي الصلب الدية ، وفي العينين الدية ، وفي الرجل الواحدة نص الدية ، وفي المأمومه ثلث الدية ، وفي الجائفة ثلث الدية ، وفي المنقله خمسة عشر من الابل ، وفي كل اصبع من اصابع اليد والرجل عشر من الابل ، وفي السن خمس من الابل ، وفي الموضحة خمس من الابل ، وان الرجل يقتل بالمرأة ، وعلى أهل الذهب الف دينار رواه النسائي . وعلى ذلك فان عقوبة الاعضاء هي الدية أي الارش ليس غير .
وتفصيل هذه العقوبات هو: ان من اتلف مافي الانسان منه شيء واحد ففيه الدية ، ومافيه منه شيئان ففي كل واحد منهما نص الدية . فان الرسول - صلى الله عليه وسلم - كتب في كتابه لأهل اليمن وفيه: وان في الانف اذا اوعب جدعه الدية ، وفي اللسان الدية وفيه : وفي الذكر الدية ، وفي الصلب الدية فهذه الاعضاء يوجد في الانسان شيء واحد منها ، وكتب الرسول في كتابه: وفي الشفتين الدية ، وفي البيضتين الدية وكتب فيه: وفي العيني الدية وفي الرجل الواحد نصف الدية وهذه الاعضاء يوجد في الانسان منها شيئان ، فكان الواحد منها نصف الدية . والصلب جاء في القاموس في تفسيره ،والصلب بالضم وبالتحريك:عظم من لدن الكاهل الى العجب ، ويريد بذلك انه المتن أي الظهر ، وقيل ان المراد بالصلب هنا هو مافي الجدول المنحدر من الدماغ لتفريغ الرطوبة في الاعضاء لانفس المتن ، بدليل مارواه ابن المنذر عن علي رضي الله عنه انه قال:في الصلب الدية اذا منع الجماع ولكن نصوص الشرع تفسر بالمعنى اللغوي ، لا بأقوال الصحابة الا ان يرد لها معنى شرعي في الكتاب والسنة ، وهنا لم يرد فيكون معنى الصلب هو ماجاء في اللغة . واما مافي الانسان منه اربعة أشياء ففيها كلها الدية ، وفي كل واحد منها ربع الدية ، وهذه الاشياء هي ، اجفان العينين وأهدابهاما . ومافيه منه عشرة ففيها الدية وفي كل واحد منها عشرها ، وهي اصابع اليدين واصابع الرجلين ، ومافيه منها ثلاثة اشياء ففيها الدية في الواحد ثلثها وهو المنخران والحاجز بينهما . وهكذا جميع أعضاء الجسم ، لأن الاحاديث تدل على ذلك ومن تتبع جميع ماجاء في دية الاعضاء . اما تفاصيل ذلك فهي مايلي:
الاعضاء التي في الرأس
العينان: اذا اصيبت العينان ففيهما الدية ، وفي العين الواحدة نصف الدية لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: وفي العينين الدية وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - انه قال: وفي العين الواحدة خمسون من الابل ولافرق في ذلك بين ان تكون العينان صغيرتين او كبيرتين ، مليحتين او قبيحتين ، مريضتين او حولاوين ، او رمضتين ، فان كان فيهما بياض لاينقص البصر فلا ينقص الدية ، وان تقص البصر نقص من الدية بقدره ، وليس المراد من نقص البصر نقصه عن كماله مثل 6/6 أو 6/9 بل المراد نقصه عما كان عليه قبل ان تصاب . وفي ذهاب البصر الدية ، لأن كل عضوين وجبت الدية بذهابهما وجبت بذهاب نفعهما . وان جنى على رأسه جناية ذهب بها بصره فعليه ديته ، لأنه ذهب بسبب جنايته ، وان لم يذهب بها فداواها فذهب بالمداواه فعليه ديته لأنه ذهب بسبب فعله ، وان اختلفوا في ذهاب البصر رجع الى اثنين فاكثر من أهل الخبرة ، لأن لهما طريقا الى معرفة ذلك ، لمشاهدتهما العين التي في محل البصر ، ومعرفة بحالها . واذا ثبت ذهاب بصره ، وقال اهل الخبرة لايرجى عوده وجبت الدية ، وان قالوا يرجى عوده الى مدة عينوها انتظر اليها ، ولم يعط الدية حتى تنقضي المدة ، فان عاد البصر سقطت عن الجاني ، وان لم يعد استقرت الدية ، وان مات المجتي عليه قبل العود استقرت الدية ، سواء مات في المدة او بعدها ، وان جاء أجنبي فقلع عينه في المدة استقرت الدية على الاول ، لأنه اذهب البصر فلم يعد ، وعلى الثاني حكومة عدل لأنه اذهب عينا لاضوء لها يرجى عودها .
واذا جني على الشخص فنقص ضوء عينيه ففي ذلك حكومة عدل . وفي عين الاعور نص الدية لقوله عليه السلام:وفي العينين الدية ولايقال ان عمر وعثمان وعليا قضوا في عين الاعور بالدية ، وان الصحابة سكتوا على ذلك فكان اجماعا ، لايقال ذلك لأنه قد ثبت بالسنة ان عليها نصف الدية ، ولو فرضنا انه قد ثبت اجماع الصحابة فان الاجماع لاينسخ السنة ، فلايعمل به وتبقى السنة هي الدليل .
الاذنان: وفي الاذنين الدية ، وفي الاذن الواحدة نصف الدية ، لما ورد في كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم: وفي الاذنين الدية وهذا يعني ان في الاذن الواحدة نص الدية ، ومنه يفهم انه ان قطع بعض احداهما وجب بقدر ماقطع من ديتها ، ففي نصفها نصف ديتها ، وفي ربعها ربع ديتها وهكذا ، سواء قطع من أعلى الاذن او اسفلها او اختلف في الجمال أم لم يختلف ، وان جنى على الاذن فأصابها الشلل فان عليها نصف الدية ، وان اصحاب الاذنين ففيهما الدية ، لأن الشلل كالقطع ، وماوجبت ديته لقطعه ، وجبت باصابته بالشلل ، ولايقال ان شللها لايمنع بقاء السمع ، فان القطع كذلك لايمنع بقاء السمع ، فان لم يقطعا ولكن ذهب سمعهما ففيهما الدية ، لأن ذهاب منفعة العضو كذهاب العضو ، ولما روي عن معاذ: وفي السمع الدية وان ذهب السمع من احدى الاذنين وجب نصف الدية ، وان قطع اذنه فذهب سمعه وجبت ديتان ، لقول الرسول:وفي الاذنين الدية وقوله:وفي السمع الدية وهذا يعني ان للعضو دية ولمنفعته دية ثانية وهو صريح في ذلك .

---------------------------------

التفصيل في نظام العقوبات حول بقية الاعضاء ومقدار الارش فيها
.
Invision Power Board © 2001-2012 Invision Power Services, Inc.