عــوامــــل التطـــور[1 ]
في سنة 1859 هاجم داروين بشدّة الاعتقاد بأنَّ كل نوع من الأنواع الحيّة قد خُلِقَ خَلْقاً مسـتقلاً Special creation، وأنَّ جميع الكائنات قد خُلِقَت من العدم، وأن الكائنات الموجودة هي ثابتة لم تتغيّر ولم تتطور، وأنها احتفظت على الدّوام بأشكالها التي خُلقت بها أولَ مرّة، فقد ادعي داروين أنّ الأنواع المختلفة نباتاً كانت أم حيواناً ومعها الإنسان إنما نشأت تدرجاً من طريق الاحتفاظ بمختلف التحولات التي تنشأ في أفراد كل منها، إلا أنّ هذا التَّحول قد استغرق أحقاباً طويلة وفقاً لما يقتضيه تأثير سنن طبيعية دائمة التأثير في طبائع الأحياء.
سميت مقولة داروين تلك "نظرية التطور Evolution" ولقد شرح داروين أنَّ في مستطاع الإنسان أن يبتكر في السلالات الداجنة من صور مستحدثة بالانتخاب الاصطناعي Artificial selection وأنَّ في مكنة الطبيعة أن تستحدث مثله بالانتخاب الطبيعيNatural Selection، وإن كان الانتخاب الطبيعي أبطأ أثراً في تحول الأحياء بالانتخاب الصناعي.
أمّا العوامل الطبيعية التي يؤدي فعلها إلى التّطور ونشوء الأحياء فحصرها في خمسة عوامل هي:
1. الوراثة Heredity: ومحصلها أنَّ الشَّبه يأتي بمشابهه، فالسنانير لا تلد كلاباً بل سنانيراً، أي أنَّ صغار كل نوع تشابه آبائها، ذلك في النبات كما في الحيوان.
2. التحولية "أي الاستعداد للتحول" Variability: وذلك أنَّ أفراد كل نوع تتشابه ولا تتماثل، أي لا تكون نسخة مطابقة لأصولها، فهي تشابه آبائها ولكن لا تماثلهم، ففي بطن من السنانير مثلاً لا تقع على اثنين متماثلين تماماً، وإن تشابه الجميع حتى في اللون فإنها تختلف في الظلال التي يمتد فيها اللون.
3. التّوالد Nasality: وهو ناتج عن إسراف الطّبيعة، فإنَّ ما يولَد من النبات والحيوان أكثر مما يقدّر له البقاء، فالطبيعة تُسـرف في الإيجاد كما تسـرف في الإفناء، ومن هنا ينشأ العامل الرابع وهو:
4. التناحر بين المخلوقات على البقاء Atuggle for existence : أو ما يسمى "تنازع البقاء Competition " وهو عامل غير منقطع الفعل ، فكل نبات أو حيوان يبرز في الوجود ينبغي له أن يسعى إلى الرّزق وأن يجالد في سبيل ذلك وأن يجاهد غيره ويصارعه على ضرورات الحياة مما ينشأ عن ذلك " بقاء الأصلح " :
5. البقاء للأصلح Survival for the fittest: فالأفراد التي تتزود من بنائها بقوة أوفى أو حيلة أزكى أو تكون أقدر على مقاومة أفاعيل الطّبيعة تكون أكثر قابلية للبقاء، وإعقاب نسل فيه صفاتها التي مكنت له لها في الحياة.
هذه هي العوامل التي تؤدي إلى الانتخاب الطبيعي مما يؤدي إلى تطور الأنواع مما يُحدث نشوء أنواع جديدة ذات قدرات وصفات مُحسّنة متطورة، ومما يذكر أنّ تلك العوامل هي المعتمدة في المذهب التّطوري الأكثر شيوعاً والذي ينتمي إليه غالبية دعاة التّطور وهو المذهب الدارويني، في حين أنّ هناك مذاهب تطورية أخرى تخالف داروين في عوامل التّطور معتمدة غيرها كما ذكرنا في فصل سابق.[ ]
والانتخاب الطبيعي في نظر داروين هو مصاحب لفكرة التكيف مع البيئة أو التبايؤ "Adaptation " أو هو نتيجة حتمية لها، الذي هو عملية يتكيف بها الحيوان أو النبات مع محيطه وإلا خيف عليه من الانقراض، كما يُعرَّف بأنّه وجود صفة أو صفات وراثية تزيد من قدرة الفرد على البقاء والتناسل في بيئته، فهو تَكَيُف الكائن الحي مع بيئته التي يعيش فيها.[ ]
والتكيف لا يشمل الشكل والتركيب فقط، بل يشمل الوظيفة أيضاً، فهم يقولون أنَّ الكائنات الحية تتكيف كل حسب ظروف البيئة التي تعيش بها، فمثلاً تختلف أشكال المناقير في الطيور لتلائم نوع الغذاء التي تقتات به، والأسماك تتكيف بطرق عديدة في الشكل والتركيب لتناسب الوسط المائي الذي تعيش به، وقد فسّرَ داروين التّكيف الذي لاحظه في الكائنات الحية بأنّه نتيجة للانتخاب الطبيعي. فالأفراد المتكيفة مع بيئتها قد انحدرت من أسلاف ذات صفات ملائمة للبيئة أكثر من باقي أفراد نوعها في تلك البيئة ونقلت بعامل الوراثة هذه الصفات إلى نسلها، وهكذا فالانتخاب الطبيعي ينتج أفراداً متكيفة مع بيئتها. لـــــذا فقد استحدثوا علماً منفرداً بذلك سموه "البيئيات" أو"علم الأحياء البيئي"[ ] " ecology " "environmental biology" الذي هـو فـرع من علم الأحيـاء يعنى بعلاقـة
المتعضيات[ ] بعضها بالبعض الآخر وبعلاقتها بالبيئة الطبيعية، وهو يدرس في المقام الأول المناخ الجغرافي الملائم لحياة النوع، كما يدرس مسألة الغذاء لصلتها الوثيقة بالبيئة، ومسألة التكاثر والتناسل لأن هذه الظاهرة كثيراً ما تؤدي إلى مشاكل خاصة بالغذاء يضطر معها أفراد النوع إما إلى التكيف مع البيئة بالحد من التكاثر، أو إلى الهجرة إلى موطن آخر "emigration" أو البقاء بغير تكيف وبذلك يسير النوع في طريق الانقراض "extinction". وفي محاولتهم لإثبات مقولة الانتخاب الطبيعي فقد قاموا بإجراء تجارب في المختبر اعتمدوها للتدليل على مقولتهم منها: ( وضع في طبق معين 100 مليون خلية بكتيريا من نوع معين هو Staphylococcus aurous وقد عُرِضَ الطبق لجرعة بنسلين مخففة، فكانت النتيجة أن ماتت معظم الخلايا وبقي أقل من 10 خلايا تناسلت وأعطت نسلاً استطاع جميعه أن يقاوم هذه الجرعة المخففة، أما عند مضاعفة تركيز البنسلين في الطبق فقد ماتت جميع أفراد البكتيريا المقاومة للجرعة المخففة تقريباً ولم يبق سوى أفراد قليلة جداً. وقد أعيدت تلك التجربة خمس مرات فكانت النتيجة الحصول على بكتيريا تستطيع مقاومة جرعة بنسلين أقوى من الجرعة التي استخدمت في الجرعة الأولى 2500 مرّة، والحقيقة أنّ هذه البكتيريا المقاومة للبنسلين هي من نسل الأفراد القليلة التي كانت تنتخب في كل جيل، أي أنَّ هذه البكتيريا المقاومة هي نتيجة الانتخاب الطبيعي، وليست هي التي قامت بتكوين المقاومَة ضد البنسلين.)[ ]
ومثال آخر يوضح أثر الانتخاب الطبيعي هو الذباب وأحد المبيــدات الحشرية "D.D.T." الذي عندما استعمل لأول مرّة للقضاء على ذباب المنازل كان ناجحاً، على أننا ما لبثنا بعد عدة سنوات أن وجدنا أنّ ألذباب أصبحت له مناعــة
لتلك المادة، وتفسير ذلك أنه في السنة الأولى لاستعمال ذلك المبيد الحشري قتل تقريباً جميع الذباب ما عدا قليل لم يقتل بسبب اختلافات وراثية موجودة به مميزة عن غيره من بقية الأفراد وتضفي عليه مناعة ضد المبيد الحشري، فكانت النتيجة أن بقي هذا العدد القليل وتناسل فأنتج أفراداً ذات مقاومة، وعندما اسـتعمل ألـ " D.D.T. " بعد ذلك أصبح أقل تأثيراً وبقي الذباب المقاوم له بسـبب الانتخاب الطبيعي وماتت الأفراد القليلة غير المقاوِمَة، وكان كلما يستعمل آل " D.D.T. " يبقى عندنا أكثر الذباب المقاوم حتى أصبح معظم الذباب الموجود في المنازل مقاوماً لمادة أل " D.D.T" ويردون ذلك إلى أنّ الانتخاب الطبيعي هو الذي أنتج لنا الذباب المقاوم وليس مبيد أل "D.D.T.".[ ]
ومثال آخر لوحظ في التلال الصغيرة ذات الرمال البيضاء، ففي نيو مكسيكيو شوهد أنَّ الحيوانات الموجودة عليها كالسحالي والحشرات والفئران كلها ذات لون أبيض تقريباً، بينما الحيوانات الموجودة حول تلك التلال حيث الرمال الحمراء كلها كانت ذات لون أحمر، أي أنَّ لون الحيوان يكون حسب لون الوسط الذي يعيش فيه، فيفسرون وجود الحيوانات بتلك الألوان في هذين الوسطين بالانتخاب الطبيعي أي من نتائجه، إذ أن كل وسط كان يحوى حيوانات ذات ألوان أخرى بالإضافة إلى المشابهة في ألوان تلك الحيوانات المخالفة للون الوسط لأنه يسهل رؤيتها من قبل أعدائها المفترسة، بينما بقيت الحيوانات ذات اللون المشابه للوسط لصعوبة رؤيتها من قبل أعدائها.[ ]
هذه هي عوامل التطور في مذهب داروين وهو المذهب التّطوري الأكثر شيوعاً، في حين أنَّ مذاهب أخرى ترجعها إلى عوامل أخرى، وأشهر تلك المذاهب هو مذهب لامارك الذي يردها إلى عاملين أو قانونين:
[1] قانون الاستعمال والإهمال. [2] قانون توارث الصفات المكتسبة.[ ]
في حين أنَّ دي فريز مثلاً يُرجع التّطور إلى عامل واحد فقط هو "الطفرة Mutation" والتي تعني التّحول المفاجئ الذي يطرأ على المادة الوراثية في الكائن الحي تؤثر على الحامض النووي " DNA " الذي تتركب منه الجينات فيؤدي إلى نشوء مواليد جديدة ذات خصائص لم تكن لأي من الأبوين المنتجين.[ ]
أما "مذهب أرسطو" فيرجع ذلك إلى قانون الخلق التلقائي "Spontaneous generation" والذي يطلق عليه أيضاً التّولد الذاتي "A biogenesis autogenesis" وهي نظرية حاولت أن تفسر نشوء الحياة من مادة غير حية، ووفقاً لهذه النظرية اعتقد بعض الناس بأن قطع الجِبْن وكِسر الخبز الملفوفة في أسمال بالية والملقاة في زاوية مظلمة كانت تولد بعض الفئران، وذلك بسبب ظهور تلك الفئران في تلك الأسمال البالية بعد أسابيع محدودة، وقد آمن كثيرون بتلك النظرية لأنه كان يقدم لهم تفسيراً لظهور اليرقات على اللحم الفاسد، حتى إذا كان القرن الثامن عشر أصبح واضحاً أنَّ المتعضيات العليا لا يمكن أن تنشأ من مواد غير حية، علماً بأن علمائهم لم يتركوا تلك المقولة نهائياً وبشكل حاسم، إذ أنّ مسألة نشوء المتعضيات المجهرية كالبكتيريا مثلاً لم تُحْسَم لديهم نهائياً إلا بعد أن اثبت باسـتور في القرن التاسع عشر أنَّ المتعضيات المجهرية تتكاثر أو تتوالد.[ ]