تصريحات غبية أم انهزامية؟
طفقت أقلب صفحات جريدة القدس في عددها الصادر هذا اليوم, أبحث بين ثناياها عن عناوين الأخبار, ثم لفتت انتباهي تلك العناوين البارزة والتي تضم تصريحات لجهات ومسئولين وعلماء من مثل:
- الأردن يؤكد رعايته للأقصى ويسعى لوقف الاعتداءات على مسرى الرسول.
- مجلس الوزراء: يثمن قرار الرئيس تشكيل لجنة تحقيق ويؤكد متابعة اعتماد توصيات لجنة غولدستون.
- الرئيس: القدس تحتاج إلى جهود العرب والمسلمين لمواجهة مخططات تهويدها.
- عمرو موسى: ما يجري في القدس يجب أن يكون دافعا لتحقيق الوحدة الفلسطينية.
- أحد المشايخ: يدعو الأمة لنصرة القدس قبل فوات الأوان.
- المجلس التشريعي: ادانة الاجراءات و الممارسات الاسرائيلية في القدس و الأقصى وترحيب بقرار الرئيس تشكيل لجنة تحقيق في ظروف تأجيل قرار غولدستون.
ومع أن مثل هذه العناوين و التصريحات تطالعنا صباح مساء على أوراق الصحف أو الاعلام المرئي و المسموع, وعلى الرغم من أن تلك العناوين قد اعتدنا أن نديم لها النظر و الاصغاء حين تقرع أسماعنا, وعلى الرغم من أننا لا نبني آمالا حول تلك التصريحات, على الرغم من كل ذلك وغير ذلك, إلا أنني وقفت مشدوها بما أقرأ, مشغولا عما يحدث حولي من حركة الحياة, ثم دارت رحى الأيام في مخيلتي فجأة, ودون سابق انذار, أفكر في تلك الصور المتهالكة, التي يعانيها أهل فلسطين, من قتل وتدمير وقلع للأشجار, وفوق ذلك كله صور هؤلاء الأطفال الذين أراهم والدموع تترقرق في محاجرهم, و علامات الذل والانكسار تشع من نظراتهم, وهالات من الحزن ترتسم على صفحات وجوههم.
ثم داعبتني وأنا على هذه الحال فكرة طريفة, ماذا لو بعث أحد أجدادنا الصالحين قبل مئات السنين مرة أخرى؟ و أجلسناه يقرأ هذه العناوين من صحيفتنا, وهو يرشف فنجان قهوته, وينفث دخان لفافته, فماذا سيظن؟
هل سيظن أن القدس محتلة من قبل يهود؟
أم هل سيظن أن فلسطين كلها محتلة و أن خلافتنا ليست موجودة؟
بالقطع لا, فكل تلك التصريحات تدل على أننا بأحسن حال, يعمنا ظل ظليل, ونشرب من ماء سلسبيل, وأن تلك العناوين تدل على هنات وعثرات وهفوات تقع بين الفينة و الأخرى, وهي لا تعدو أن تكون سحابة صيف, ثم لا تلبث إلا أن تنجلي عنا الغمة.
إن هؤلاء المصرحين إما أن تكون تصريحاتهم غبية أو انهزامية, والعرف يقول أن المهزوم يجب أن يبقى ساكتا ليحفظ عليه ماء وجهه, لأن بطن الأرض أولى له من ظهرها.
إذا هم أغبياء... كلا كلا كلا, هم ليسوا أغبياء, لأن عقولهم البائسة تتفتق من حين لآخر على فنون كثيرة لتدجين الشعوب واحتوائها, وما عمل الأجهزة الأمنية اليوم إلا دليل على سلامة العقل وصحة التفكير.
بالطبع هم ليسوا أغبياء, و لا تصريحاتهم تصريحات غبية, بل هي تصريحات انهزامية وقحة يشوبها بعض الغباء, تقضي بشرعنة الباطل, وقبول الانبطاح أمام أعداء الله الكفار.
إنها تصريحات نفسية المهزوم, الذي لا يملك إلا أن يعلق ويتحدث إلى وسائل الاعلام لإثبات الوجود تارة, و محاولة امتصاص غضب الغيورين على هذا الدين تارة أخرى, وصدق القائل: " إن لم تستح فاصنع ما شئت"