لكم وددت أن أن أحتفظ بهذه الخاطرة لنفسي خوفا مني على مقام الإخلاص أن يضيع في غياهب الواقع الذي يجذبني من كل ناحية فأأبى إلا التمسك بوتد ما أومن به من تجاهل حظوظ النفس وشهواتها الدنيئة ، لكن شيئا معتملا في القلب يحثني على إخراج ما في قلبي لأشارك به من أحببتهم في الله .. ولأقاسمه من واليتهم لا لمنفعة دنيا زائلة وإنما لنيل رضا رب رحيم في جنة عالية على سرر متقابلين إن شاء الله..
وكثيرا ما أذكر نفسي بأن ساعة من خلو الفكر وصفاء التدبر يمكن أن يكون فيها راحة من ضنك صراع الحق والباطل الذي لم يتوقف منذ خلق الله آدم حتى تقوم الساعة ..
اعلموا رحمنا الله وإياكم يا شركاء الدرب ورفقاء الحق أن الإنسان حين يكون محجوبا عن درك حقائق الأمور تبدو له هذه الحقائق مساوية لغيرها لا فرق بينها وبين ما هو دونها في المنزلة فيرى الأمور بمرتبة واحدة فلا يكترث ولا يفطن إلى تمايز الحق عنها تمايز الشمس عن باقي الأجرام ، فيجعله هذا الحجاب غير آبه بتحصيل هذا الانكشاف وإزالة تلك الغشاوة الجاثمة على وجهه .. فيبدو كالنائم المستيقظ لا تدري أهو منتبه أم ساه.
أما حين يزول عنه ذلك الحجاب بمسعى منه أو من غيره من الدعاة إلى الحق المناصرين له .. رأيته مشدوها أمام نصاعة الحق ورونقه . وما يكاد يزول اندهاشه حتى تعتمل في قلبه غصة مغايرة واقعه لما رآه من جمال الحقيقة ورونقها فتجده محزونا جل وقته . مطرقا رأسه ذاهلا عمن حوله ممن كان قبل قليل من عدادهم .. فما يكاد الحق يصبح مختلجا ببصيرته متفاعلا مع مشاعره حتى تسارع الدمعة إلى جفونه.. وتتوالى انقباضات قلبه على ذلك التمايز بين ما أصبح يؤمن به وبين ما هو دونه .. فلا تسأل عن حاله حينئذ.. ولا تستغرب طول إطراقه وذهوله .. ولا تعجب من ندرة سروره .. فالحق المغترب أصبح جزءا منه فاغترب باغترابه .. فطال تفكره .. وحن قلبه واستوحش فؤاده .. وازداد جراحات الواقع الفاسد قلبه المجروح ندما على ما كان منه أيام غفلته .. فيالعظم همه ويالكبر ما زاده على نفسه الضعيفة من ضرائب الإيمان من تضحية بالروح وبذل لصفاء البال ..
أم نسيت أيها الأخ الحبيب حال رسولنا الأعظم ونبينا الأكرم حين أنزل عليه وحي السماء فانكشف عنه حجاب الغفلة وتوقدت في نفسه شعلة الحق الموقدة .. فرأيته يقول لأصحابه وهو يجالسهم يوما : " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله لوددت أني كنت شجرة تعضد " .. وانظر رحمك الله حاله حين يجالس أصحابه فتراه يضاحكهم ويمازحهم ثم يطرق برهة فتنزل دمعته ..
فحين ترى ذلك في نبينا لم تستغرب حالك ولم تتعجب مما حصل بك .. وعلمت أنها متطلبات الحق وضرائب الإيمان الخالص ..
فانظر حال نبينا يا حامل الحق وكاشف الغطاء وقارنه بحالك تجد في نفسك سلوى عما ألم بك ..فاهنأ بتوحد همك مع هم النبي .. وانعم بأن من هو خير منك كان حاله كحالك وأشد ..
فهل بعد ذلك أنت مستغن عن الحقيقة لأجل ساعة من راحة البال وصفاء الحال المتحصل من مجانبة الحق في زمن الفساد والباطل .. أم أنت متابع ما تابعه قبلك من سلوك درب الخلاص وهل أنت باغ من النار الخلاص...
أم أن نفسك اللاهية المتلونة تحثك على التنكب عن سبيل المؤمنين فأنت متبع لها أينما أخذتك فتبوء بإثم تركك لنصاعة الحق ولحوقك بظلمات الغفلة تارة أخرى ..؟؟؟
أما عني فقد اخترت مجاورة الحق وإن كان مرا .. وآثرت مصاحبة هموم الأمة التي أسأل الله أن يعينني وإياكم على تحملها .. وقد أحببت أن أسير على خطى سيدي رسول الله في تحمل أعباء الحق مع ما فيه من ضنك وهم .. فما أنا بالذي يؤثر نفسه على سلوك طريق رسول الله .. فأسألكم إخواني أن تصبروا على بلواكم التي بليتم بها من تحمل هموم الأمة الغافلة .. فسلام عليكم بما صبرتم .. والحمد لله على ما أمر وله الشكر على ما أراد وقدر .. والله المستعان .
والسلام