بارك الله بك أخي الكريم
أولا أريد منك أن تحمل الكتاب الثالث في هذه السلسلة وهو كتاب
مفهوم الظن في القرآن الكريم وعلاقته باليقين انقر هناحيث يتناول مفهوم الظن في القرآن الكريم أينما ورد فيه
أما بالنسبة لسؤالك الطيب، فأقول ما يلي:
1- تعبدنا ربنا سبحانه وتعالى في الأحكام العملية بالظن، وأمرنا في موضوع الاعتقاد بالدليل القطعي
2- في موضوع الاعتقاد، طلب منا سبحانه أن نصل لمرحلة العلم ان هذا الخبر أو أن هذا الدليل قطعي في ثبوته قطعي في دلالته، ننفي فيه أي احتمال يفضي إلى الظن أي ينفي احتمال النقيض مهما كان بسيطا
3- في موضوع الأحكام الشرعية، أمرنا أن نعمل بناء على إخبار العدل بأن الشارع أمرنا أن نعمل.
قال شارح أصول البزدوي إذ قال: (بَابُ تَقْسِيمِ الرَّاوِي الَّذِي جُعِلَ خَبَرُهُ حُجَّةً):
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ فَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ خَبَرٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْقَبُولِ التَّصْدِيقُ، وَلَا بِالرَّدِّ التَّكْذِيبُ
بَلْ يَجِبُ عَلَيْنَا قَبُولُ قَوْلِ الْعَدْلِ،
وَرُبَّمَا يَكُونُ كَاذِبًا أَوْ غَالِطًا، وَلَا يَجُوزُ قَبُولُ قَوْلِ الْفَاسِقِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ صَادِقًا،
بَلْ الْمَقْبُولُ مَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَالْمَرْدُودُ مَا لَا تَكْلِيفَ عَلَيْنَا فِي الْعَمَلِ بِهِ
ثُمَّ لِلْقَبُولِ شَرَائِطُ بَعْضُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَبَعْضُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهَذَا الْبَابُ لِبَيَانِ بَعْضِ شَرَائِطِهِ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ اشْتِرَاطُ كَوْنِ الرَّاوِي مَعْرُوفًا بِالرِّوَايَةِ وَالْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ وَالْفَقَاهَةِ لِقَبُولِ خَبَرِهِ مُطْلَقًا، مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ أَوْ مُخَالِفًا وَلَيْسَتْ الْفَقَاهَةُ فِيهِ شَرْطًا عِنْدَ الْبَعْضِ.
انتهى
فالمسألة إذن أن الله تعالى تعبدنا بالعمل بخبر الواحد، إذ أخبرنا أن الشارع يأمرنا بأن نعمل كذا أو ننتهي عن كذا.
والموضوع ليس تصديق الراوي لنقول: إن صدق فهو الحق، وإن كذب فهو الباطل، بل الموضوع قبول قوله والعمل بناء على هذا القول، أي القبول وليس التصديق،
من هنا ففي العقائد مطلوب التصديق، بينما في الأحكام العملية المطلوب هو العمل، وليس التصديق
لاحظ أن التصديق بأن فرض الصلاة هو فرض، والتصديق بأن الله فرض علينا الحج، وأن الربا حرام لورود الدليل القطعي عليه، وما شابه، هذا التصديق يختلف عن القيام بالعمل نفسه ويترتب على إنكار التصديق هذا الكفر، ويترتب على عدم القيام بالعمل الفسق فقط عند المجاهرة به،
4- ولم يطلق على الحكم الشرعي الذي توصل إليه بالاجتهاد أنه الحق، مقابل الباطل، لأن الحق والباطل تتعلقان بأصول الاعتقاد، فالحق هو الهدى، والباطل هو الضلال والكفر
5- ولما كان الفقه يقوم على الاجتهاد، أي على إمكانية أن يصيب المجتهد في القضية أو يخطئ، ولا يقوم على الإصابة التي دونها الضلال، فإن اجتهاد المجتهد لا يسمى: بالحق، ولا يصل إلى مبلغ: العلم، بل هو غلبة ظن أن الشارع تعبدنا بأن نفعل كذا.
6- على أن من الأحكام العملية مسائل ثابتة بأدلة قطعية الثبوت والدلالة، كفرض الصلاة وحرمة الربا، فهذه كلها لا تدخل تحت مسمى الفقه، لأن الفقه قوامه الفهم والترجيح، وهذه لا يتوصل إليها بهذا الطريق، من هنا فلا تسمى فقها، فيكون منكرها داخلا في الضلال، وتكون هي الحق، أي أن إثبات ان الحكم هو كذا من باب الحق الذي ما بعده إلا الضلال
7- وعلى هذا فكل قطعي يكون الحق، ومقابله الضلال، وفي ما تعبدنا الشارع فيه بالظن لا يقال عنه أنه الحق.
هذا والله أعلم