مجتمعنا يحتاج إلى دعم حقوق المرأة.. ولكن!
المحامي: باسم الشمري
12/12/2009

--------------------------------------------------------------------------------
عشرات المؤتمرات والندوات المتركّزة في دول العالم الإسلامي، ومئات المقالات والبرامج التلفزيونية، وآلاف المراسلات بين الاتحاد الأوروبي وبعض الدول العربية كلها حول حقوق الإنسان، وحقوق المرأة في العالم الإسلامي، تفترض وتصدق أنه لا يوجد حقوق للمرأة لدينا، وأن الدول الإسلامية تنتهك الخصوصية الأنثوية، وتسلط عليها سيف التضييق والانتهاكات، وكأن قضية العالم اليوم محصورة في تمكين المرأة وإخراجها من منزلها، وتوطينها في المكاتب والشركات بين الرجال، وفتح الباب واسعاً أمام أي نوع من أنواع العري الأخلاقي والاجتماعي..
قد يستغرب البعض هذا الوصف الأخير، ويعتبرون أن الكلام فيه مغالاة، ولكن التجارب والحالات التي نشاهدها في العالم تخبرنا أن القادم أكبر، طالما كان الغرب هو الذي يسيّس الأمور لدينا، ويلقننا ثقافة جديدة بعيدة كل البعد عن ثقافتنا الإسلامية الكريمة الخلاقة، التي ما اجتهد فيها أحد، بل هي تعاليم الله عز وجل وتعاليم رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.

وكمثال يصدق ما أشرت إليه، فقد خرج بعض الشبان في الكويت قبل أيام، يطالبون بحقوق "الشواذ" في دولة إسلامية تحكّم شرع الله فيها وفي أبناء هذه الأمة.. فكيف يعقل أن تكون مثل هذه المطالبات معقولة وممكنة في بلد يحدد فيه شرع الله تبارك وتعالى عقوبة الشذوذ بالقتل.
لو افترضنا أن كل تلك الندوات والمحاضرات وورش العمل والمؤتمرات التي تقيمها دولنا العربية والإسلامية لنشر ثقافة حقوق المرأة وحقوق الإنسان صرفت على البحث العلمي، أو على دعم الفقراء والمحتاجين الفعليين في المجتمع، أو صرفت على أهلنا في غزة، أو قدّمت كموارد لإنشاء مؤسسات وشركات نسائية لتأمين عمل للنساء المحتاجات في مصانع نسوية تنتج منتجات محلية، بدلاً من البسطات المنتشرة في الشوارع والتي تسكب شيئاً من كرامة بعض النساء المحتاجات للعمل، لو صرفت هذه المبالغ على هذه المشاريع فلربما كان العائد أفضل بكثير من هذه المؤتمرات التي يرعاها الغرب، وإن بعدت المسافة بينه وبيننا.

وليس الأمر متعلقاً فقط بما تبذله دولنا الإسلامية في هذا المجال، بل هناك ضغط كبير ومستمر من قبل الدول الأوروبية لنشر ثقافة انفتاح المجتمع على المرأة، وانفتاح المرأة على المجتمع من ذات الباب الذي فتحته الدول الغربية لها، والتي أوصلتها إلى أغلفة مجلات الفضائح وصور الإعلانات لكل المنتجات، بهدف الإثارة واستقطاب الأنظار وتسليع جسدها كي يباع عليه كل شيء. ويكفي أن نورد مثالاً واحداً لحجم المراسلات بين الدول الأوروبية وإحدى الدول العربية حول حقوق الإنسان وحقوق المرأة، والتي وصلت إلى أكثر من ٧٠ ألف رسالة.. وهو ما كشف عنه السفير مارك فرانكو (رئيس وفد المفوضية الأوروبية بالقاهرة) حيث قال: "إن الاتحاد الأوروبي قدم دعماً لمصر بقيمة 2،5 مليون جنيه لدعم حقوق الإنسان وحقوق المرأة، وأضاف بالقول: " إن عدد المراسلات بين الاتحاد ومصر فيما يتعلق بدعم حالة حقوق الإنسان وصلت لنحو 70 ألف مراسلة بين الجانبين في إطار المحافظة علي الحوار ودعم وتحسين أوضاع حقوق الإنسان والاهتمام بحقوق الطفل والمرأة" مشيراً أيضاً إلى أن الاتحاد قدم دعماً لمنظمات المجتمع المدني بقيمة 4 ملايين يورو. ونتساءل .. هل هناك مراسلات بهذا الحجم بين أي دولة عربية ودول العالم حول قضية فلسطين، أو قضية العراق، أو غيرها من القضايا العادلة التي تمّ تغييبها مؤخراً أمام قضايا حقوق المرأة.؟ وهل يمكن تخيّل كل هذه المبالغ المدفوعة دون أن تكون هناك نوايا أوروبية غير ضمان حقوق المرأة.؟

هم يريدون للمرأة أن تكون في الملاعب والمسابح أمام أعين الجميع، ونحن نؤمن بأهمية الرياضة، ولكن نؤمن أيضاً بأن نقل صور ومشاهد النساء في الملاعب والصالات الرياضية ينتهك حرمات النساء، ويوجد فتنة بين الشباب والرجال.
هم يريدون للمرأة أن تعمل في النقل والمصانع وفي النجارة والحدادة ونحن نريد لها أماكن خاصة تضمن لها خصوصيتها، وترتقي بها عن الأعمال اليدوية الصعبة.
هم يريدون تحكيم نظام السوق وأفكار التسويق حتى لو على حساب جسد المرأة وكرامتها، ونحن نريد تحكيم شرع الله عز وجل في الرجال والنساء على حد سواء.

ربما من أجمل ما قرأت حول نظرة المجتمع الغربي للمرأة المسلمة، وماذا يراد بها، وكيف يتم التعامل معها، ما كتبته الأخت عاهد ناصر الدين.. حيث تقول: "يُروى أن الثعلب جاع يوماً جوعاً شديداً حتى أشرف على الموت، فراح يفتش عن طعام يأكله، أو لقمة يسد بها جوعه. فوجد في الحديقة ديكاً مزهواً بنفسه يصيح بين الحين والحين من على الحائط المرتفع، ويرفع بعرفه إلى العلاء بكبرياء،فعرف الثعلب الذكي أن الديك المغرور ضعيف العقل، فصمم أن يحصل عليه ليكون طعامه لهذا الأسبوع، بعد جوع أسبوع.فتقدم منه بحذر،وراح يعرج مظهرا الضعف والمرض والعجز، ثم قال له:صباح الخير أيها الديك الجميل، يا ملك الطيور وسيد الدجاج،فسُّر الديك بهذا الكلام وقال للثعلب: أهلاً بك أيها الكسيح، ماذا تريد مني وأية مساعدة تطلب؟
فرد الثعلب بخبث: أنا لا أطلب شيئاً لنفسي، لكنني سمعت أن جماعة من الدجاج تبحث عن ديك شجاع جميل صاحب عرف يليق بالتاج ليكون ملك الدجاج ،فتعالَ معي لأنصبك ملكاً قبل فوات الأوان،ومشى الثعلب على مهل، والديك أمامه يستعجله ليصل إلى المملكة الموعودة ،وعلى الطريق، هجم الثعلب من الخلف على الديك المخدوع، فدق عنقه وأكله،ثم لحس شفتيه وهو يردد: هذا جزاء الغرور فلأبحث عن مغرورٍ آخر.
هذه قصة الثعلب مع الديك أتاه يريد إعلاءه وتتويجه ملكا على الدجاج الذي يريد ديكا شجاعا ،ولكن لا ملك ولا وعود إلا دق العنق والأكل ،وهي نفس صورة أمريكا الآن التي تستهدف الأمة الإسلامية بالدرجة الأولى مرتكزة على الشرعية الدولية وأداتها المتمثلة بالأمم المتحدة والمؤسسات التابعة لها ،وعلى وزنها الدولي ونفوذها في العالم الإسلامي وزعامتها للدول الرأسمالية التي تحرص على إشراكها في حملتها ضد الأمة الإسلامية كما في حرب الخليج".

هذا هو الحال الحقيقي لدينا.. وكل ما نحلم به أن يكون لدينا عزّة بديننا وشريعتنا، فلا يتعالى علينا أحد ويقدم لنا النصح في شؤون شرّعها الله سبحانه وتعالى.. مع العلم أنني أعلم جيداً كما الجميع، أن هناك انتهاكات لحقوق المرأة في المجتمع، ولكنها انتهاكات فردية، ما يصل منها للقضاء يقضى فيه لصاحب أو صاحبة الحق.. ولكن ليس من المنطقي التنادي بهذه الانتهاكات في سبيل تغيير نظام كامل من التشريع والحقوق والأحكام.



http://wafa.com.sa/contents/161