المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
من الأدلة على وجود الخالق سبحانه وتعالى
منتدى العقاب > الديوان العام > قسم المواضيع المتميزة
أبو مالك
الدليل الأول:

دليل التناسق والانسجام في الكون أو دليل "النظام السببي":


أما دليل التناسق والانسجام في نظام الكون فهو يقوم على أساس العلاقة السببية في الكون، وهذا يعني أن كل أشياء هذا الكون بالمشاهدة ساكنة مستقرة لا يمكنها أن تتحرك أو تتغير إلا بتأثير غيرها، وأنها محتاجة إلى هذا الغير في تصرفها وانتقالها من حال إلى حال وهذا الغير المحتاج إليه والذي يملك الاستطاعة على تغيير حال الشيء يسمى "سببا".
والسبب هو الشيء الذي يملك طاقة سببية فاعلة قادرة على التأثير في المسبب ونقله من حال معين في زمن سابق إلى حال جديد في زمن لاحق. إن كل أنواع التغييرات التي تحدث في الكون هي تحدث بواسطة الفعالية السببية. والأشياء العاجزة الساكنة حتى تتحول إلى أسباب مؤثرة يجب أن تكتسب طاقة سببية من غيرها من الأسباب. ثم تعود هذه الأشياء إلى وضعها الطبيعي من الاستقرار والعطالة بعد نفاد الطاقة السببية منها بتفريغ هذه الطاقة السببية في غيرها.
فإذا شاهدنا شخصا يطلق رصاصة من بندقية في يده، أدركنا أن هذه الرصاصة تمتلك وهي في حالتها هذه طاقة سببية انتقلت إلى هذه الرصاصة من البندقية والتي بدورها استقبلتها من يد الشخص الذي استخدمها. وإذا أصابت هذه الرصاصة زجاجة موضوعة على بعد حطمتها وانتشر الحطام في المكان ليصيب بعض الحيوانات فيؤذيها.ومن خلال مشاهدة هذا الحدث عرفنا أن هذه الرصاصة احتوت طاقة سببية قادرة على اختراق الأجسام الصلبة، ولكنها بعد نفاد طاقتها السببية أصبحت قطعة معدنية خامدة مستقرة غير مؤثرة ولا فاعلة.
ونلاحظ بذلك أهمية وجود الطاقة السببية لإحداث التغيير والتأثير في الأشياء، ونسمي الشيء الحامل للطاقة السببية الفاعلة بـ"السبب" المؤثر. والشيء الآخر الواقع تحت التأثير والانفعال بـ"المسبب". ثم يتحول هذا المسبَّب بدوره وبفعل الطاقة السببية إلى سبب مؤثر في غيره. وهنا يمكننا أن نلاحظ أن السببية تنتقل في الأشياء على شكل سلسلة أو سلاسل. وهذه السلاسل السببية إذا أنعمنا النظر فيها نلاحظ أنها تتناقص كلما رجعت في الأسباب إلى الخلف، كما تتناقص فروع أغصان شجرة وأنت تنظر إليها كلما تتبعت هذه الأغصان بنظرك إلى الأسفل نحو جذعها. وفي النهاية نجد أن الأسباب المختلفة تجتمع كلها في سبب رئيسي واحد وهو السبب الواجب أو الضروري وإلا فقدت السلسلة وجودها أصلا.
أن الناظر في هذا الكون يجد هذا التناسق العجيب بين أجزائه، فيجدها مرتبة بعضها على البعض الآخر، بأن يكون هذا محتاجا وذاك محتاجا إليه، فيكمل بعضهما الآخر في تناسق رائع من الروابط بين هذه الأشياء، وكأنك تنظر إلى شبكة يرتبط كل جزء فيها بالجزء الآخر ويتعاون الجميع ويتكامل لأداء مهمة معينة لمنظومة هذه الأشياء المتفاعلة فيما بينها.
فإذا تجلى للناظر هذا التناسق في الكون وكأنه منظومة واحدة يرتبط بعضها ببعض على أساس العلاقة السببية، تنبه إلى أن الأسباب في هذه المنظومة تتناقص كلما سبر أغوارها؛ إلى أن تنتهي هذه الأسباب الكثيرة التي يراها في سبب واحد وهو سبب واجب الوجود وهو الله تعالى.
أبو مالك
فمثلا إذا نظر الإنسان إلى أجزاء آلة معينة تؤدي هدفا محددا، وللنظر إلى الساعة تدل على الزمان. إن الإنسان لا يمكن أن يصدق أن هذه الساعة هي من صنع شخص واحد إلا إذا نظر إلى أجزائها وتأملها فرآى أن بعضها يتمم البعض الآخر وتتداخل أجزاؤها فيما بينها وكأنها تتعاون وتتكامل في ارتباط عجيب، بحيث أن تجميع هذه الأجزاء يكون نظاما واحدا متناسقا ومتماسكا يحقق غاية واحدة وهي ضبط الزمن. وإذا نقص جزء هام من هذه الساعة أو اختل ترتيب هذه الأجزاء فيما بينها أو فقدت بعض الروابط لاحظنا أن هذا النظام يختل ويتعطل أو قد ينهار.


وإذا قام شخص ما بتجميع أجزاء هذه الساعة وركبها التركيب الصحيح المتناسق المنسجم فسيرى أنها قد تحولت في يده إلى نظام تام كامل أي ساعة حقيقية تتحرك عقاربها معا في انسجام وتوازن لتؤشر على الوقت، وإذا به يلاحظ أن هذه الساعة التي جمعها دلت على أنها من صنع شركة معروفة في صناعة الساعات فعرف صانعها الحقيقي.


ويمكننا أن نشبه الكون من حولنا بهذه الساعة والذي يعمل ككل كنظام سببي متكامل ومتوازن، وتتداخل في هذا النظام الكلي عدة أنظمة جزئية تؤدي أغراضا معينة، كنظام دورة مياه الأمطار في الأرض وعلاقتها بالريح والضغط واعتماد هذه الدورة في الأساس في هذه الحركة الدورية على مصدر طاقة واحد هو الشمس. وكذلك منظومة الحياة الحيوانية وكيفية اعتماد هذه الكائنات على بعضها فالكبير فيها يعتمد على الصغير الأدنى منه في عيشه، وأدناها يعتمد على الأعشاب واعتماد العشبيات يكون على الطاقة السببية الآتية من الشمس. فنعرف بالتالي أن مصدر الحياة للنباتات والحيوانات في الأرض يعتمد على الشمس كعامل سببي واحد وأساسي.


وهكذا باقي الأنظمة السببية الجزئية المتوازنة في هذه الأرض والتي تجتمع جميعا لتكون نظاما سببيا أكبر، حتى يتسع هذا النظام في ارتباطاته ليشمل الكون كله في نظام متناسق يؤدي هدفا محددا، فيدل على صانع واحد رتب أجزاءه بعضها على بعض، ليكمل كل منها الآخر في تناسق واتزان تام بحيث تؤدي الوظيفة التي من أجلها وجد هذا النظام.
أبو مالك
وإذا تبدّى للإنسان هذا التناسق في نظام الكون وعرف أن العلاقات بين أجزاء أنظمته الخاصة وكذا نظامه الكلي يقوم على أسباب محركة تحتاج إلى طاقة سببية فاعلة، وأن هذه الأسباب تتكون من سلاسل، وأن هذه السلاسل السببية تتناقص كلما سبرنا أغوارها لتتوحد في سبب واحد، دلنا هذا على أن وراء هذا الكون من يدبره بأمره ويؤلف بين أنظمته بما يدل على وحدة صانعه وعلى بعض صفات الكمال التي يتصف بها خالق هذا الكون ومدبره.


كذلك إذا عرفنا أن كل نظام سببي مصمم لهدف يسعى لتحقيقه، عرفنا أن النظام الكلي لا بد له من هدف كلي وضعه له خالقه وصانعه ليؤديه. لكننا وبوصفنا نظاما -أي البشر- داخل هذه الأنظمة الجزئية والتي هي جزء من النظام الكلي لا ندرك بعقولنا القاصرة الهدف الأسمى من خلق هذا النظام الكوني الرائع. فكان علينا البحث عن هذا الهدف بسؤال الصانع نفسه ليدلنا على ذلك.

ولذلك فالعقل البشري يبحث عن الهدف الأسمى من خلقه ووجوده في هذا الكون، وعن الأهداف التي تؤديها الأنظمة السببية العديدة في داخل النظام الكوني الأكبر. وكذلك لا بد أن يسأل عن الهدف من وجود الإنسان نفسه لأنه أيضا نظام سببي كباقي الأنظمة. وأحس أنه لا بد له أن يؤدي الهدف الذي رسمه له من صنعه وخلقه. ولكن أنى لهذا الإنسان أن يدرك هذا الهدف من تلقاء نفسه، فتنشأ عنده العقدة الكبرى التي تؤرقه وتلاحقه لأجل حلها بإجابة شافية وافية عن هذه التساؤلات الكبرى في حياته.

وما دام هذا الإنسان الذي هو جزء من هذا النظام لا يمكنه أن يدرك الهدف أو يستطيع حل هذه العقدة الكبرى من نفسه، فكان لا بد له من التطلع إلى الصانع الذي صنع النظام ليسأله عن ذلك، ولكن أنى له الاتصال مع هذا الصانع. ولكن عقله يقوده إلى أن هذا الخالق لا بد أن يرشده إلى هذا الهدف بصورة من الصور.

ولكن ما هي تلك الصورة؟

إن العقل لا يمكن أن يدركها ولكنه ينتظرها ويتوقعها من خالقه. والله عز وجل ما دام خلق هذا الكون بالحق وللحق وليس للعبث، قد أرسل له رسالة تدله الإجابات التي ينتظرها. وكانت الصورة هي "الأنبياء والرسل" من البشر الذين كلفهم الله بتبليغ هذه الرسالة فيعلمونهم العقيدة التي تحل العقدة الكبرى لديهم، فتحصل لهم سكينة القلب وقناعة العقل، وتتحقق لهم الطمأنينة والسعادة التي ينشدونها.


وبهذا دل هذا النظام السببي والتناسق والنظام في الكون على وجوب وجود سبب واجب أول قد صنعه، وعلى أنه واحد أحد وعلى أنه منظم حكيم وعلى أنه رب هذا الكون، وعلى أنه مدبر له يقوم على رعايته وحفظه. ودل على وجوب وجود هدف أسمى من خلق هذا النظام الكوني لا بد للإنسان من معرفته وبالإضافة إلى معرفة هدف خلقه هو ذاته، وأن عليه أن يتلقى تلك الإجابات التي ينشدها من هذا الخالق بصورة ما من الصور.
وبالتالي فهذا الدليل " دليل النظام السببي أو التناسق والانسجام في الكون" يدل على وجوب وجود سبب أول وراء كل الأسباب، وأن هذا السبب الأول هو خالق الكون ومدبره، وأنه يجب أن يكون واحدا. ودله أيضا أن لكل نظام سببي هدفا لا بد أن يسعى لتحقيقه يضعه له من صنعه.

وأن الإنسان بحاجة إلى إجابة عن هذا الهدف بالإضافة عن هدف خلق الإنسان ذاته من هذا الخالق بصورة من الصور.
أي أننا توصلنا من هذا الدليل إلى:

1. وجوب وجود خالق لهذا الكون.
2. ضرورة وجود هدف من خلق النظام الكوني.
3. الحاجة إلى إخبار الله الإنسان بهذه الأهداف، أي إرسال الرسل.

وتبارك مسبب الأسباب خالق النظام الكوني وربه القيوم الذي يدبره بأمره، فسبحانه من خالق عظيم
وندعوا الله أن يهدينا دائما وأبدا إلى سواء السبيل.
أبو مالك
بسم الله الرحمن الرحيم

أما الدليل الثاني على وحدانية الله وتفرده بصفة الخلق فهو:

دليل وجوب الوجود للواحد:

من خلال دليل الاحتياج ندرك أن الكون والإنسان والحياة محتاجة وعاجزة وبالتالي فهي مخلوقة. ويفرض العقل أنه ما دامت هذه الأشياء موجودة ولها الوصف بأنها مخلوقة، وجود من خلقها. ويوجب العقل أن يتصف خالقها بوصف عدم الاحتياج وعدم العجز وكونه غير مخلوق وإلا لا يجوز أن يعتبر خالقا للأشياء.

وبالتالي يعتبر الخالق واجب الوجود لأن الأشياء المخلوقة دلت على احتياجها له بالضرورة، وما دامت هي موجودة بالفعل والقطع كما ثبت ذلك بالحواس، كان وجود الله الخالق واجبا لحاجة المخلوقات إليه بالضرورة. ونحصر الخالق الواجب الوجود في الواحد لأن الضرورة دلت عليه بدون الاستدلال على وجوده بالإحساس به مباشرة بل بآثار وجوده.

أما إذا فرضنا وجود خالق آخر، فهذا فرض لا ضرورة له، لأن الضروري هو وجود خالق واحد واجب الوجود خلق الأشياء أما وجود أكثر من خالق واحد فهو غير ضروري بالاستناد إلى وجود المخلوقات التي هي آثار لوجود هذا الخالق. وكل ما عدا هذا الواجب الوجود يكون ممكن الوجود أي مسلوب الضرورة عن وجوده وعدمه ليس له في نفسه ما يقتضي أن يكون موجودا أو معدوما.

فإذا وجد ذات ممكنة الوجود (وإن سميناها خالقا تجاوزا) فقد وجدت لسبب خارج عنها يرجح لها الوجود، وإذا عدم الممكن عدم لعدم وجود السبب المرجح لوجوده, وإذا وجد وجد حادثا ومحتاجا إلى إيجاد الموجد وإبقائه موجودا. وبالتالي كان كل ممكن الوجود هو مخلوق والله الخالق هو وحده واجب الوجود بالضرورة.

وحال جميع الموجودات في العالم ما عدا الموجود الواحد واجب الوجود أنها ممكنة الوجود أي مستعدة للوجود والعدم، أي أنه يمكننا أن نفرض عدم وجود هذا الكون من أوله أو طروء العدم عليه في وقت من الأوقات، بحيث لا يترتب على كل من هذين الافتراضين أي أمر محال، أي لا يستلزم مستحيل من المستحيلات كاجتماع النقيضين أو الدور (الحلقة المفرغة) أو التسلسل أو اللاسببية.

أما إذا افترضنا عدم وجود الواحد الواجب الوجود بذاته فيجب نفي وجود هذا الكون أيضا، لأن هذا الكون احتاج قطعا إلى الموجِد وإذا انتفى السبب ينتفي المسبَّب. ولكن ما دام هذا الكون مشهود ومحسوس أي موجود بالقطع، كان خالقه موجودا بالقطع وإلا وقعنا في التناقض المستحيل.

إذن فنحن من خلال هذا الدليل نثبت وجوب وجود خالق لهذا الكون بالضرورة لكون المخلوقات في حاجة إلى من يوجدها وهي موجودة بالقطع فيكون وجود سبب وجودها واجب الوجود بالضرورة.

ثم أثبتنا بدليل التوحيد أن واجب الوجود لا يكون إلا واحدا وأن افتراض وجود خالق غيره ليس بواجب وما دام ليس بواجب عقلا فيكون ممكن الوجود وصفة إمكان الوجود هي صفة للمخلوقات، لأن انعدام ممكن الوجود -حتى لو سميناه خالقا- فإن ذلك يعني أنه ليس بأزلي، وما ليس بأزلي فهو محدود أي مخلوق.

وبالتالي يكون ما عدا واجب الوجود من الموجودات الحقيقية أو المفروضة هي مخلوقات قطعا، ويكون الله تعالى هو وحده واجب الوجود بالضرورة وهو متفرد لا ثاني له ولا شريك ولا ند.

فتعالى الله عن أن يكون له ند أو شريك أو مثيل وهو واحد أحد فرد صمد ثبت كل ذلك من صفاته بشهادة العقل، فسبحانه من إله عظيم نعبده ونستعين به ونرجوه أن يهدينا إلى أرشد الأمر وأن يغفر لنا ما قصرنا في جنبه.

ملاحظة:
أود الإشارة إلى أنني استعنت في هذا الدليل ببعض ما جاء في كتاب موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين لآخر شيخ للإسلام في الدولة العثمانية وهو الشيخ مصطفى صبري رحمه الله تعالى.

أبو مالك
أود أن أضيف إلى الأدلة التي ذكرتها المستدل بها على وجوده ووحدانيته دليلا معروفا مع بعض الشرح له وهو:


دليل محدودية الكون:


أن الاستدلال على حاجة الكون إلى الخالق من خلال دليل المحدودية . إلا أنني أود هنا التعرض لمسألة قد تشكل على بعض الأخوة حول القول بأن "مجموع المحدودات محدود بداهة". فيصبح الاستدلال بهذا الدليل فيه غموض وتصبح هذه القضية البديهية بحاجة إلى دليل فتخرج عن كونها قضية بديهية. وسألقي بعض الضوء على هذه القضية حتى تصبح مبلورة وواضحة بإذن الله.


أن البديهيات تستند مباشرة إلى قوانين التفكير التي خلقها الله في العقل البشري. أما كيفية استنباط أية حقيقة بديهية فيكون بربط أكثر من قانون من هذه القوانين مع بعضها والخروج بنتيجة معينة تمثل بديهية متداولة. مقولة "مجموع المحدودات محدود" هي من الحقائق البديهية التي استخدمها الشيخ تقي الدين رحمه الله في إثبات أن الكون مخلوق لخالق أزلي غير محدود ليس له أول ولا آخر. والمتكلمون استخدموا مصطلحا قريبا وهو "بطلان التسلسل".

والطريقة في تبيان الحقائق البديهية للناس والمفكرين تكون بشرحها وضرب الأمثلة عليها كأسلوب الشيخ رحمه الله في كتاب نقض الاشتراكية الماركسية في شرحه للاحتياج، وإذا بدأ الإنسان في إثبات القضايا البديهية فقد وقع في إشكالية يثبت فيها لخصمه أن ما طرحه ليس بديهي، لأته احتاج إلى إثبات وهذا يبطل برهانه أمام من يناظره.


أما تفصيل الدليل فهو كالتالي:
أبو مالك
إن الدماغ يربط قانون هوية الشيء (الجرم) وشكله المجسم في ذاكرته، وكذلك يفعل مع الجرم الثاني والثالث والرابع وهكذا ويربط مجموع هذه الأجرام وكأنها كيان واحد جديد يعطيه هوية خاصة يسميها [الكون].

ويدرك أن لكل جرم منها جسم، ومعنى الجسم هو وجود هيأة أو شكل محدد له، ومعنى ذلك أن الجسم يبدأ عند نقطة وينتهي عند نقطة أخرى. وأن الدماغ إذا أحس بجزء معين من الجسم أدرك أن الجسم له شكل محدد مكون من مجموعة أجزاء لها الوصف الكياني، حتى لو لم ير آخره وهذا آت من مفهوم الهوية ومن معنى الوصف الكياني.

فإذا أحس الدماغ ببعض الأجرام التي هي أجزاء من الكون الفسيح أدرك أن الكون محدود لأنه مجموعة من الأجزاء وهي الأجرام، حتى ولو لم يقع حسه عليها جميعها من أولها إلى آخرها، فبمجرد أن يضع إصبعه على جزء منها فقد أثبت محدودية هذا الجزء المكون لها، وأدرك أن ما يزيد هو عدد الأجزاء المحدودة ولكن الكيان المكون لمجموعها يجب أن يكون محدودا لأن ما يزيد هو محدود يضاف إلى محدود سبقه، فيثبت أن الكون محدود من فهمه هذا.

بالإضافة إلى إدراك الدماغ لبديهية أخرى هي بطلان التسلسل فيدرك أن الأجزاء مهما تعددت فإن لها نهاية تنتهي عندها ويكون مجموع ما له نهاية محدود، لأن الجزء المكون للمجموع هو جسم محدود ويكون المجموع الكلي محدود أيضا.

ويمكن للدماغ الحكم على محدودية الكون من خلال ربط محدودية الجزء (الجرم) في المكان (الجسم) مع مفهوم الزمن، فيحكم بوجوب محدودية عمر الجرم لتلازم الصفتين من ناحية وصف المحدودية أي المكان والزمان، فيدرك أن الجرم قد بدأ وجوده عند لحظة معينة في الزمان حتى ولو لم يشهد تلك اللحظة ويعرف إنه سينتهي عند لحظة معينة أيضا، وبما أن الكون هو الكيان الذي يشمل مجموع هذه الأجرام وكل جرم له عمر محدود فيحكم بمحدودية عمر الكون.

وإذا أدرك الدماغ المحدودية في الكون ومفهوم وجود صفة العجز فيه بربط ذلك بمفهوم الاستقرار، يكوون قد أدرك وجوب وجود من وضع له تلك الحدود في الزمان والمكان وربط ذلك بمفهوم السببية أي العلاقة بين السبب والمسبب وعرف من ذلك وجوب وجود الصانع المبدع الذي فطر هذا الكون المحدود وخلقه بعد أن لم يكن وأدرك أن هذا الخالق يجب أن يكون غير محدود وغير عاجز.

إلا أنه توجد مشكلة مع بعض المتعلمين المثقفين الذين درسوا العلوم النظرية البحتة كالرياضيات والذين يخلطون البديهيات مع نظريات درسوها تتعلق باللانهائي في تخيلهم للرسم البياني فيبدأون يتخيلون اللانهاية أو اللامحدود ويخلطون المفاهيم النظرية الافتراضية في الرياضيات مع حقائق الحياة فنقع في إشكال معهم ويمكن حل إشكال بعض المثقفين بضرب أمثلة على ذلك.

من الأمثلة التي يمكن ضربها لتوضيح بديهية حقيقة كون "مجموع المحدودات محدود" ما يلي:


أبو مالك
من الأمثلة التي يمكن ضربها لتوضيح بديهية حقيقة كون "مجموع المحدودات محدود" ما يلي:



إن تقسيم الجزء -نظريا- إلى أجزاء غير متناهية كأن يقسم أجزاء السنتمتر الواحد إلى أجزاء وأجزاء غير متناهية في الصغر، فهذا الكلام باطل واقعيا، فخذ ما شئت من الأشياء الملموسة وابحث فيها من مثل حجر أو برتقالة أو تفاحة، فإذا قسمنا التفاحة إلى نصفين ثم إلى أربعة أرباع ثم هكذا فإننا سنصل عند حد معين لا يمكننا تجاوزه في التقسيم وهو الذرة أو الأجزاء الصغيرة المكونة لها وبعدها نتوقف، وهذه هي المحدودية فإذا كان الجزء المكوِّن محدودا، كان المجموع الكلي للأجزاء محدودا وهو التفاحة.

حقيقة محدودية الكرة الأرض نعرفها من خلال لمسنا لجزء منها كجبل وبحر وسهل ورمل وحجارة الخ ونرى أن كل جزء من أجزائها الذي نلمسه هو محدود وبالتالي فتكون الأرض محدودة لأنها مجموع هذه الأجزاء المحدودة حتى ولو لم نخرج إلى الفضاء العلوي لرؤية محدوديتها وكرويتها ولا أظن أن أحدا يمكن أن يجادل في كونها محدودة مع أنه لم يرها كمجموع (كيان متصل الأجزاء) بعيني رأسه.

نعرف أن رمال شاطئ البحر محدودة مع إقرارنا بعدم القدرة على عد أعداد حبات الرمل المكونة لها ونعرف ذلك من خلال لمسنا بحواسنا لحبة واحدة منها ونعرف أن الذي يزيد هو عدد حباتها المحدودة ولا يمكن لعاقل أن يتصور أو يقول أن مجموع حبات الرمل ليس بمحدود ولا يطلب البرهان على ذلك.

ويمكن إثبات المحدودية للمجموع من خلال خاصيات وصفات الأجزاء المكونة لهذا المجموع فإذا كان ثقل الشيء محدودا كان حجمه وعدد أجزائه محدودا، فالأرض وزنها محدود لأن مقدار جاذبيتها محدود لوجود علاقة بينهما، وبما أن جاذبيتها محدودة ووزنها محدود فإن حجمها محدود لوجود العلاقة بينها، وإذا رأيت سكة حديد ممتدة إلى الأفق لا ترى أولها ولا آخرها حكمت بمحدودية طولها لأنك ترى عرضها المحدود وتدرك العلاقة بين طول الشيء وعرضه وهكذا.

وكذلك فإن أشهر نظريات الفيزياء حاليا هي نظرية الانفجار العظيم والتي تقول بأن الكون بدأ من نقطة ثم انفجر وتوسع وما يزال في توسعه حتى الآن، ويعطون الكون عمرا زمنيا يبلغ حوالي 13 بليون سنة، ويحددون نصف قطره بمسافة تبلغ حوالي 13 مليون سنة ضوئية، وهذا يثبت محدودية الكون للمتعلمين من علومهم نفسها.

يتبع : الدليل على وصف الوحدانية لله تعالى
أبو مالك
استنباط وصف الوحدانية لله سبحانه من هذا الدليل:

ومن خلال إدراكنا هنا لمعنى المحدودية ومعنى كون مجموع المحدودات محدود بداهة، نكون قد أثبتنا أن كل ما نراه من أشياء هي محدودة قطعا، لأنها كل مركب من أجزاء فإذا وقع حسنا على جزء ما، يتكون منه الكل، أدركنا أن الكل محدود وإن لم نر أوله أو آخره.

وكذلك ندرك أن خالق هذه الأشياء يجب أن لا يكون متصفا بصفة المحدودية لأنها صفة نقص. فلا بد أن يكون له وصف الكمال أي أنه غير محدود. أما افتراض تعدد الآلهة فإنه يتناقض مع وصف الكمال لهذا الخالق المستدل على وجوده من مخلوقاته، من باب أن الافتراض بوجود أكثر من إله يعني الافتراض بأن الخالق مكون من عدة خالقين كلهم أجزاء من الإله الكلي. وهذا يوصل إلى الاستنتاج أن الخالق كل مركب من أجزاء وهذا يعني أنه محدود. فوجب أن يكون الخالق واحدا أحدا غير مركب من أجزاء لأنه غير محدود أي وجب أن نثبت لله سبحانه وصف الوحدانية بالعقل ابتداء والنقل ثانيا.

ونحمد الله تعالى أن هدانا للتعرف عليه والإيمان به والإيمان بكمال صفاته. فسبحان الله الأول والآخر، المتصف بصفة الأزلية الذي ليس كمثله شيء، والذي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار.

والسلام عليكم
معاذ
اخي ابا مالك
تحية
ان ما اوردت لنا عن النظام السببي :
( ويمكننا أن نشبه الكون من حولنا بهذه الساعة والذي يعمل ككل كنظام سببي متكامل ومتوازن، وتتداخل في هذا النظام الكلي عدة أنظمة جزئية تؤدي أغراضا معينة، كنظام دورة مياه الأمطار في الأرض وعلاقتها بالريح والضغط واعتماد هذه الدورة في الأساس في هذه الحركة الدورية على مصدر طاقة واحد هو الشمس. وكذلك منظومة الحياة الحيوانية وكيفية اعتماد هذه الكائنات على بعضها فالكبير فيها يعتمد على الصغير الأدنى منه في عيشه، وأدناها يعتمد على الأعشاب واعتماد العشبيات يكون على الطاقة السببية الآتية من الشمس. فنعرف بالتالي أن مصدر الحياة للنباتات والحيوانات في الأرض يعتمد على الشمس كعامل سببي واحد وأساسي. )
قد يقال ان هذا هو دليل التسلسل والذي منه استنتج البعض ازلية المادة بمعنى ان اجزاءها تكمل بعضها بعضا فهي بمجموعها غير محتاجة .
لذلك فان التدقيق يدل على ان جميع الاجزاء ما زالت محتاجة الى النظام والذي يلاحظ انه مفروض عليها وانه شيء خارج عنها فنظام دورة الامطار الذي تحدثت عنه وعلاقته بالرياح والضغط واعتماده على الشمس ، نلاحظ ان هذه الاشياء تخضع لنظام ، اي ان الرياح والضغط والطاقة يجب ان تتوفر بنسب محددة كي يتشكل المطر فلو وجدت الشمس واعطت طاقة اقل من اللازم لما حصل التبخر ولو ان الرياح لم تكن بسرعة معينة واتجاه معين ودرجة حرارة معينة وكذلك درجة الحرارة في طبقات الجو العليا ان لم تكن عند درجة معينة فلن يحصل التكثف وهكذا واذا لم يحصل تأين فوق تلك البقعة فلن يهطل المطر وفوق هذا كمية من الزمن محددة لا تزيد والا فلن يكون هناك مطر ، فكل العناصر مطلوبة ولكن بقدر
( انا كل شيء خلقناه بقدر - صدق الله العظيم ) .
فهذه النسب شيء خارج عن المادة واذا زادت النسب او قلت فلن يكون هناك مطر .
هذا هو دليل النظام الذي يثبت بطلان دليل التسلسل .
وفقنا الله واياكم











يوسف الساريسي
السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،

أخي معاذ

حبذا لو دققت أكثر في تسلسل الأفكار المتعلقة بالاستدلال على وجوب وجود سبب أول

حيث أنه ينفي قطعا القول باحتياج الأشياء لبعضها وأنها سلاسل لا متناهية

إذ لب الموضوع يقوم على أساس أن الطاقة السببية غير ذاتية في الأشياء ويجب أن تأتي إليها من غيرها إلى أن نصل إلى السبب الأول (مجازا)

أي الحاجة إلى القوة الذاتية

بانتظار مراجعتك ثم تعقيبك

مع تحاتي لك
معاذ
اخي يوسف
حياكم الله
واشكرك على ما تقدم حيث تعلمت منك الكثير والحمدلله
لم اقل انه يوجد عيب في طرحك ولكن هناك من الفلاسفة من قال بان هذا دليل على عدم احتياج الطبيعة الى غيرها وبالتالي قالوا بازلية الطبيعة لذلك ظننت اننا بحاجة الى دليل " النظام " الذي احببت ان اضيفه الى موضوعكم .
جزاك الله خيرا
وجزى الله الاخ ابي مالك خيرا
.
Invision Power Board © 2001-2012 Invision Power Services, Inc.