المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
شرح لمواد النظام الاقتصادي في الاسلام
منتدى العقاب > ديوان الخلافة > قسم أنظمة المجتمع > النظام الإقتصادي
أبو دجانة
شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
الحلقة(1)


إن النظام الاقتصادي في الإسلام لهو أعظم ثروة فكرية عملية للإنسان, طُبق اثنا عشر قرناً من الزمان, ولم يعش الناس بكنفه ألا سعداء أمناء, ولم يذكر التاريخ أزمة اقتصادية واحدة حصلت إبان هذه الحقبة من الزمان.

إن استئناف الحياة الإسلامية برجوع الدولة الإسلامية إلى الوجود, وتطبيق أنظمة الحياة كلها التي عالجها الإسلام معالجة صحيحة, لأنها من عند خالق الإنسان والكون والحياة, تكون سعادة البشرية كلها, لذا قام حزب التحرير الذي يعمل لإنهاض المسلمين, وإقامة الدولة التي تحكم بالإسلام لتنشره في بقاع الأرض, لتخرج الناس من الظلمات إلى النور, وبه تحرق الفساد ويحي العباد حياةً لا ظلم فيها ولا استبداد .

إن الأفكار الرأسمالية, وخاصة ما يتعلق بالناحية الاقتصادية, كان ولا يزالُ لها رواج فظيع عند المسلمين, ولا تزال هذه النظم الاقتصادية هي المطبقة في بلاد المسلمين,مع إن الأمة تعاني أشدّ المعاناة من ظلم هذه النظم, التي يعمل الكفار وعملاؤهم بكل الوسائل الخبيثة و الأساليب التضليلية,لتزيينها, وأفكارها الفاسدة, ونشرها في بلاد المسلمين, وغيروا بعض الألفاظ كي يستمرأها المسلمون, فقالوا عن الربا فائدة وعن الرشوة مصلحة وعن الضرائب ضرورة.

وها نحن نشهد السقوط تلو السقوط لهذه النظم, التي ظهر عوارها وبان فسادها, وأحترق الناس بلهيبها فزادت البطالة, وعم الفقر تلك المجتمعات الغربية, وتكدست الثروة بأيدي قلة من الناس, وأخذت الدول الرأسمالية تعقد المؤتمرات المكثفة كي تنقذ ما تستطيع إنقاذه, إلا أنها وبمعالجتها المأخوذة من هذا النظام الفاسد, تتفاقم المشاكل وتزداد, فهذا النظام العفن في طريقهُ إلى زوال كقرينه النظام الاشتراكي الذي ذهب بغير رجعة.
لقد سطر حزب التحرير دستوراً جاهزاً للتطبيق حال قيام دولة الخلافة، وهذه لأول مرة في تاريخ المسلمين يظهر دستوراً على شكل مواد، هذه المواد مستنبطة من القرآن والسنة وما أرشدا إليه من إجماع وقياس, وتجد في هذا الدستور نظام الحكم في الإسلام وما يتعلق به من مجلس الشورى والخلافة والمعاونين والولاة والقضاة والجيش والجهاز الإداري, ثم بين النظام الاجتماعي والنظام الاقتصادي وسياسة التعليم والسياسة الخارجية.

أما ما سنتناوله في هذه الحلقات إن شاء الله, هي مواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام, وسنقوم بذكر مواده وشرحها وبيان أدلتها ومعالجاتها .و نظرة الإسلام إلى الاقتصاد وغايته, وكيفية تملك المال وتنميته, وكيفية إنفاقه والتصرف فيه, وكيفية توزيع الثروة على الأفراد, وكيفية إيجاد التوازن فيه.

كما بينت هذه المواد أنواع الملكيات من ملكية فردية وملكية عامة وملكية دولة, والمال المستحق لبيت المال وجهات صرفه.كما بينت أحكام الأراضي عشرية وخراجيه, وما يجب فيها من عُشر وخراج, وكيفية استغلالها وإحيائها وإقطاعها, كما تعرضت للنقود وأنواعها, وقاعدة الذهب والفضة, والتجارة الخارجية.

فأول مادة في النظام الاقتصادي هي المادة(124) ونصها: سياسة الاقتصاد هي النظرة إلى ما يجب أن يكون عليه المجتمع عند النظرة إلى إشباع الحاجات,فيجعلُ ما يجب أن يكون عليه المجتمع عند أساسا لإشباع الحاجات.

إن هذه المادة مستنبطة من عدة أدله, والحكم الشرعي يستنبط من دليل واحد أو من عدة أدلة, فهذه المادة استنبطت من أربع جهات ، استنبطت في الأصل من عدة أدلة ، فأولى هذه الجهات تحديد ملكية الأشياء بكيفية مخصوصة ، وثانيها :تحديد أسباب التملك بأسباب معينة ، وثالثها:تحديد تنمية الملك بكيفية معينة ، ورابعها: تحريم بعض الأشياء وبعض الأعمال.

وسياسة الاقتصاد في الإسلام تعني أن الثروة التي تسد الحاجات عند الإنسان, لا بد وأن تكون مقرونة بالحكم الشرعي ومبنية عليه، فالحبوب مثل القمح والذرة والسمسم وغيرها من الثروة ، والزيتون والبصل والعسل من الثروة، لأن الشارع قد أذن بتملكها فأباحها، والحشيش والخمرة والخنزير والميتة ليست من الثروة, لأن الشارع لم يأذن بتملكها فحرمها،وكذلك المال الذي يؤخذ أجره،والمال الذي يشترى به من الثروة ، لأن الشرع في هاتين الحالتين قد أباح كسبه،أما المال المسروق والمال الذي يكسب بعقد باطل, فإنه ليس من الثروة لأن الشارع حرم كلا منها ، فعند النظر إلى إشباع الحاجة يجب أن ينظر إلى الحكم الشرعي ، بل يجب أن يكون هو أساس للنظر،أي الأساس الذي يجري عليه إنتاج الثروة واستهلاكها,إن تقييد العلاقات بين الناس بالأحكام الشرعية وسيرها بحسبها, هي النظرة إلى ما يجب أن يكون عليه المجتمع عند النظرة لإشباع الحاجات.
وبمعنى آخر حتى تعتبر المادة اقتصادية شرعا يصح إنتاجها واستهلاكها,هذا ما يجب أن يكون عليه المجتمع .

لم يكتف الشرع بالتدليل على السياسة الاقتصادية بالأدلة العامة من مثل قوله تعالى(وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) بل جاء بأدلة تفصيلية خاصة بالثروة من حيث توفيرها, ومن حيث قضاء الحاجات بها ، وهي أدلة تحديد كيفية التملك,وتحديد أسباب التملك,وتحديد تنمية الملك, وتحريم بعض الأشياء وبعض الأعمال, فتكون سياسة الاقتصاد في الإسلام ليس النظرة إلى الثروة فقط, من حيث كونها تشبع حاجه, بل هي إلى جانب ذلك كون هذه الثروة مباحة وكون الحاجة التي تشبعها مباحة,أي هي بناء هذه النظرة إلى الثروة,في تقييد العلاقات بين الناس بالأحكام الشرعية.

والى حلقة قادمة لشرح مادة أخرى من مواد النظام الاقتصادي نستودعكم الله.
والسلام عليكم ورحمة الله.
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام

(ح2)

شرح المادة 124:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

أيها الإخوة المستمعون: نواصل حديثان في شرح مواد الدستور، وها هي المادة المائة والعشرون من مقدمة الدستور والثانية من مواد النظام الاقتصادي.

أم نص المادة:

(المشكلة الاقتصادية هي توزيع الأموال والمنافع على جميع أفراد الرعية، وتمكينهم من الانتفاع بها ، بتمكينهم من حيازتها ومن السعي لها)

إن المشكلة الاقتصادية في الإسلام هي فقر الأفراد, أي هي سوء توزيع الثروة على الأفراد، بحيث ينتج عن هذا التوزيع فقر أفراد الرعية، فيجب أن يعالج هذا التوزيع حتى تصل هذه الثروة لكل فرد،فالأدلة التي جاءت في الكتاب والسنة، كثيرة جدا ومتنوعة, وتلفت النظر إلى أن هذه المشكلة هي من مهمات الدولة التي يجب عليها ان توليها اهتماما كبيرا, ويجب عليها معالجتها بالسرعة الممكنة، فقد جعلت الأحكام الشرعية المعالجة فرضا على الدولة وفرضا على المسلمين، حتى أن بعض الأحاديث, قد نفت عمن يعلم بجوع جاره وهو شبعان, نفت عنه صفة الإيمان.

فالأدلة التي جاءت بشأن الفقير والمسكين وابن السبيل من القرآن الكريم, كثيرة جداً, يقول سبحانه تعالى: (وأطعموا البائس الفقير), ويقول سبحانه: (وما تنفقوا من خير يُوفَ إليكم وأنتم لا تظلمون, للفقراء الذين أُحصروا في سبيل الله) ويقول سبحانه: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم, وفي الرقاب, والغارمين و في سبيل الله وابن السبيل، والله عليم حكيم)، ويقول سبحانه: (ما أفاء الله على رسولهِ من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل... إلى أن يقول للفقراء والمهاجرين)، ويقول إن تبدوا الصدقات فنعما هي وان تخفونها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم)، ويقول سبحانه: (أو إطعام في يوم ذي مسغبة, يتيماً ذا مقربة, أو مسكينا ًذا متربة).

وأما الأحاديث: فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما أهل عَرصه أصبح فيهم امرؤ جائع, فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى)، ويقول فيما يرويه عن ربه (وما آمن بي من بات شبعان وجاره جائعٌ وهو يعلم)، وقال عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن لا يؤمن لا يؤمن)، قيل من يا رسول الله قال: (من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم ), فهذه الآيات والأحاديث التي وردت بالإنفاق, وأحكام الصدقات,وأحكام الزكاة ,وتكرار الحث على إعالة الفقير والمسكين وابن السبيل والسائلين, أي من تحقق فيهم صفةُ الفقر, كل ذلك يدل دلالة واضحة على أن المشكلة الاقتصادية في الإسلام هي فقر الأفراد, أي هي سوء توزيع الثروة, وليس كما هو موجود في النظام الرأسمالي (الندرة النسبية والإنتاج وميكانيكية الثمن).

أما ما يتعلق بتمكين كل فرد من أفراد الرعية, من الانتفاع بهذه الثروة كما تنص المادة (120) فقد أباح الشارع الملكية إباحة عامة, في كل سبب أباح التملك به, يقول سبحانه: (أحل لكم صيد البحر)، وقال صلى الله عليه وسلم: (من أحاط حائطاً على شيء فهو له)، فهذه الآية وهذا الحديث, هما من قبيل إباحة الملكية, وتدل أيضا على عموم الإباحة لكل فرد من أفراد الرعية, والمسلم والذمي سواء, وتدل على تمكينه من حيازة الملكية, ومن السعي لها, والانتفاع بها من مأكل وملبس ومسكن, والتمتع عامة, ويقول سبحانه: (وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً )، وقال تعالى: (قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق)، وقال تعالى: (كلوا من طيبات ما رزقناكم )، وقال صلى الله عليه وسلم: (ما أكل احدٌ طعاماً قط خير من أن يأكل من عمل يده).

لقد جاءت هذه الأدلة عامة, وتبين أن الانتفاع بالمال وحيازتِهِ حقٌ لكل فرد من أفراد الرعية مسلما كان أو ذمياً, صغيرا كان أو كبيرا, ذكرا كان أو أنثى.
والآيات والأحاديث المتعلقة بالفقر أيها الإخوة، أي بسوء التوزيع ومعالجته, قد بلغت حد الاستفاضة, والأدلة التي جاءت لإباحة الملكية كذلك بلغت حد الاستفاضة, بإباحة الملكية وإباحة الانتفاع, هذا من جهة, ومن جهة أخرى فإنها قد عالجت أصلا في الاقتصاد وليس فرعا, وعنه تتفرع جميع مشاكل الاقتصاد, أي انه المشكلة الأساسية.

الإخوة الكرام: بالإضافة إلى ما تقدم من أدلة على المشكلة الأساسية في الاقتصاد, فقد جاءت إحكام شرعية تقتضي إيجاد الثروة في البلاد, أي تقتضي علاج الإنتاج فقوله تعالى: (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل)، يقتضي وجود الثروة في البلاد, ويوجب العمل لإيجادها, وتوفير الأمن للرعية, والقيام بمصالحها, وما يلزم لها من شقّ طرقات, وإيجاد المياه, وبناء المدارس والمساجد, وتوفير التطبيب والتعليم, ومعالجة الحوادث الطارئة كالزلازل والطوفان, والنهوض بأعباء الرعية, وهذا كله لا يتأتي إلا بوجود الثروة والعمل لإيجادها,وكذلك فقر الأفراد الذي هو المشكلة الأساسية, لا يتأتى إلا بوجود الثروة فهو يحتم العمل لها.

فهذه الأحكام تعالج ما يقتضي الإنتاج, وتدلُّ على وجوب الإنتاج, من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وأما الأحكام الصريحة التي جاءت في الحث على إيجاد الثروة, فإنها وان كانت موجودة, ولكنها محدودة معدودة, فقد قال تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله)، وقال تعالى: (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها الصوم ولا الصلاة, قيل فما يكفرها يا رسول الله, قال: الهموم في طلب الرزق): وقال صلى الله عليه وسلم: (من طلب الدنيا حلالا طيبا لقي الله تعالى ووجهه كالقمر في ليلة البدر)، فهذه أدلة مباشرة في الحث على طلب الرزق, أي في الحثّ على الإنتاج, أو بتعبير أخر على معالجة فقر البلاد.

هذا كله بالنسبة للأدلة الشرعية, أما بالنسبة لواقع الحياة الاقتصادية, فإن الذي لا يختلف عليه اثنان, أن كل بلد تعاني من اضطرابات اقتصادية من جراء سوء التوزيع, وليس من جراء الإنتاج, فالنظام الاشتراكي البائد, ما ظهر في ذلك الوقت, إلا نتيجة ظلم النظام الرأسمالي, أي نتيجة سوء التوزيع, وما نراه من أزمات مالية واقتصادية واجتماعية وسياسية, وانهيارات في كثير من المؤسسات الاقتصادية العملاقة, في أمريكا وأوروبا وغيرها من الدول التي تطبق المبدأ الرأسمالي إلا من جراء هذا المبدأ الأيل للسقوط, لقد جعل هذا المبدأ بعض الناس أغنياء غناءً فاحشاً, وبعض الناس فقراء فقراً مدقعاً, حتى في أمريكا حارسةُ هذا المبدأ,فقد تجمعت الثروة في يدِ خمسة بالمائة من الشعب الأمريكي, وبقية الشعب لا يملك إلا ما يمكنه الحياة.
والى أن نلتقي معكم مع مادة أخرى من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام نستودعكم الله.

والسلام عليكم ورحمة الله.
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).

(ح3)

شرح المادة 125

نص المادة 125:
(يجب إن يضمن إشباع جميع الحاجات الأساسية لجميع الأفراد فردا فردا إشباعا كليا, وأن يضمن تمكين كل فرد منهم من إشباع الحاجات الكمالية على ارفع مستوى مستطاع).

إن الإنسان في هذه الحياة لا يستقيم عيشة فيها, إلا بإشباع حاجاته عامة.

فحاجاته على قسمين: أساسية لا بد من إشباعها, وكماليه يُفسح له المجال ليتمكن من إشباعها.

فالذي يوضح لنا هذا التصنيف هو واقع الحياة من جهة, وحرص الإسلام على ضمان إشباعها من جهة ثانية, فمن حيث واقع الحياة فالإنسان لا يستطيع العيش دون مأكل أو مشرب أو مسكن أو ملبس أبدا, فان لم يجدها يتفرق لطلبها, ويصعب عليه أن يؤلف مجتمعا عند عدم وجودها, ويصعب عليه أن يستقر في عيشه أو يستمر, هذا من حيث واقع الحياة.

أما من حيث الإسلام, فقد جاءت الأدلة من القرآن والسنة مبينةً بوضوح أن الحاجات الأساسية للإنسان هي المأكل والملبس والمسكن, يقول تعالى بخصوص المأكل والملبس: {... وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ...}البقرة233 ويقول سبحانه بخصوص المسكن: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ ..}الطلاق6

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: في حديثين شريفين, ما يبين بصراحة أن هذه الثلاثة هي الحاجات الأساسية التي لابد من ضمانها لكل فرد.

ففي الحديث الأول يقول صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم أمنا في سربه, لامعافى في جسده, عنده قوت يومه, فكأنما حِيزت له الدنيا)

وأما الحديث الثاني: (جاء في مسند احمد إن رجلا من الأنصار جاء بعذقٍ فوضعه, فأكل رسول الله عليه الصلاة و السلام وأصحابه, ثم دعا بماءٍ بارد فشرب فقال: لتُسألنَ عن هذا يوم القيامة, قال: فأخذ عمر العذق فضرب به الأرض, تناثر البُشر قِبلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم قال: يا رسول الله أئنا المسئولون عن هذا يوم القيامة؟ قال: نعم، إلا من ثلاث, خرقةٍ كفَّ بها الرجل عورته, أو كسرةٍ سد بها جوعته, أو جحر يتدخل فيه من الحرَّ والقر)

ففي الحديث الأول يقول آمنا في سربه ويقول (عنده قوت يومه), أما في الحديث الثاني: فيقول خرقة كف بها الرجل عورته أي ملبسه, ويقول كِسرة سدّ بها جوعته يعني المأكل أو جحر يتدخل فيه من الحر والقر يعني المسكن.

أما الحاجات الكمالية: فهي كل ما زاد عن الحاجات الأساسية, كتحسين المسكن والملبس والمأكل, والتمتع بالطيبات وزينة الحياة الدنيا, التي يستطيع أن يمتع نفسه بها, وبذلك تتحقق له الرفاهية في طراز خاص من العيش, فهذه الإباحة الشرعية دليل على التمكين من إشباع الحاجات الكمالية, قال تعالى: {.... كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ...}البقرة57 وقال: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .... }آل عمران180

فهذه كلها أدلة على أن الشرع أباح لكل فرد أن يشبع حاجاته الكمالية, وان تمكنه الدولة من إشباعها .

أما ضمان إشباع الحاجات الأساسية لكل الأفراد فردا فرداً إشباعا تاما فقد جاءت عدة أدلة تدل عليه, فالشارع حث على الكسب وعلى طلب الرزق وعلى السعي, وجعل السعي لكسب الرزق فرضاً, قال تعالى: {... فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ... }الملك15 وقال تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ .... }الجمعة10

وهذا هو الأصل في إشباع الحاجات الأساسية وحتى الكمالية أن يكون من الإنسان نفسه وبعمل يده, فالله قد فرض العمل على القادر المحتاج من الذكور, وهذا يعني أن العمل إجباري على هذا القادر, وان لم يقم به يعاقب كشأن كل فرض.

أما لو كان عاجزاً ولا يقدر على العمل اوجب الشرع النفقة عليه من ذي الأرحام, فلو كان هؤلاء فقراء, أو لم يوجد له أرحام, وجبت نفقته حينئذ على بيت المال أي على الدولة, عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ترك كلاً فإلينا ومن ترك مالا فلورثته)، وقال أيضا: (من ترك مالا فلورثته ومن ترك ضياعا فإلينا وعلينا) هذا بالنسبة للعاجز عن العمل من الذكور, أما بالنسبة للإناث فقد اوجب الشرع النفقة لهن مطلقاً, إن تحقق الفقر في حالة العجز أو في حالة الصحة, لأن الشرع لم يفرض عليهن الكسب, بل جعل النفقة عليهن حقاً لازماً, وألزم الدولة بتحصيلها وبها, ففرض النفقة للزوجة على الزوج, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهند, لما شكت له إن أبا سفيان رجلٌ شحيح, قال: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) وفرض النفقة للأب على أولاده, قال تعالى: {... وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ .... }البقرة233 وفرض النفقة للأقارب إذا كانوا ذوي رحم محرم, قال تعالى: {... وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ...}البقرة233 بعد قوله:{... وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ .... }البقرة233

ولكي يضمن الشرع قيام بيت المال بهذه النفقة عني بالواردات المخصصة لها عناية خاصة, فجعل في بيت المال جهة الزكاة للفقراء والمساكين وابن السبيل, فإن لم تَفِ الزكاة كانت النفقة على واردات بيت المال الأخرى, لقوله صلى الله عليه وسلم: (من ترك ضياعاً فإلينا وعلينا) أي على الدولة, ولقوله صلى الله عليه وسلم: (الأمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته ) وإن لم تفِ بها واردات بيت المال الثابتة, تصبح فرضاً على جميع المسلمين، قال صلى الله عليه وسلم: (أيما أهل عَرصة أصبح فيهم امرؤ جائعاً فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى) وهو إخبار يتضمن الطلب ومقرون بالذم فكان طلباً جازماً, فدل على انه الفرض, فيفرضه الخليفة ضرائب على المسلمين القادرين, ويحصله منهم ولو بالقوة إن امتنعوا عنها.

فالشارع ضمن إشباع جميع الحاجات الأساسية لجميع الأفراد فرداً فردا, وعين الواردات التي تضمن القيام بهذا الإشباع .

وإلى حلقة قادمة ومادة أخرى من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله .

أبو الصادق
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح4)

شرح المادة 126

نص المادة 126:

المال لله وحده,وهو الذي استخلف بني الإنسان فيه فصار لهم بهذا الاستخلاف العام حق ملكيته, وهو الذي أذن للفرد بحيازته فصار له بهذا الإذن الخاص ملكيته بالفعل.

المال على الحقيقة لله سبحانه وتعالى وهو خالقه ورازقه للبشر, وهو وحده سبحانه الذي استخلف بني الإنسان فيه بشكل عام, فأستحق الإنسان أن يتملكه وان يتصرف به ولكن, بإذن من الله سبحانه وتعالىه.

المال كلمة عامة تشمل ما يُمول للانتفاع به, بالشراء أو الإجارة أو الإعارة, إما بالاستهلاك إفناء كالرغيف, أو بعدم استهلاكها كالسيارة, وإما بالانتفاع به مع بقاء عينه كالكتاب إعارة, وكسكنى الدار التي في حيازة غيره إجارة.

ويشمل المال النقد كالذهب والفضة ويشمل السلع والعقارات والمصانع وغير ذلك مما يتمول, والمال هو الذي يشبع حاجات الإنسان, لهذا كان الإنسان بفطرته يسعى للحصول على هذا المال ليحوزه.

فالدليل على أن المال لله وحده كما هو مذكور في نفس المادة (122) من الدستور, هو قوله سبحانه وتعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً.... }البقرة29، وقوله: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ.....}النحل53، وقوله:{.... وَآتُوهُم مِّن مَّالِ ..}النور33، وقوله: {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ.....}نوح12، وآيات أخرى كثيرة تسند الملك والخلق والتدبير لله وحده.

ثم إن الله تعالى قد استخلف الإنسان بشكل عام بهذا المال, فهذا دليل على أن أصل المال هو لله والإنسان مستخلف, فيقول سبحانه وتعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً....}البقرة30، ويقول سبحانه: {.... وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ .... }الحديد7 فجعلهم خلفاء في المال عن الله تعالى, ولكنه سبحانه بجعله الناس مستخلفين فيه لهم حق ملكية المال, ولهذا فإن آية الاستخلاف, ليست دليلا على ملكية الفرد, بل هي دليل على أن للإنسان من حيث هو إنسان حق الملكية للمال.

وأما ملكية الفرد الفعلية, أي كونه يحوز المال فعلا ملكية له, فإنها آتية من دليل أخر, وهو السبب الذي أباح للفرد التملك بالفعل من مثل قوله عليه الصلاة والسلام: (من أحاط حائطا على شئ فهو له)، ومن مثل قوله عليه السلام: (من أحيا أرضا ميتة فهي له)، ومن مثل قوله تعالى: {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ...}النساء7، ومن قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ ... }المائدة96، وغير ذلك من النصوص, فحق الملكية ثابت لكل إنسان فيما خلقه الله تعالى من الأشياء, لأنه سبحانه سخر له ما في الأرض: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ...}الجاثية13

ثم ان الملكية الفعلية للأشياء, تحتاج إلى إذن الشارع المالك الحقيقي في كيفية الملك, وفي المال المراد ملكه, أي تحتاج دليلا من الشرع يبيح هذه الملكية بالفعل, لذلك فالتملك المشروع له شروط لا بد من تحقيقها كي لا تخرج الملكية عن مصلحة الجماعة, ومصلحة الفرد باعتباره جزءا من الجماعة, لا فردا منفصلا, أي إن أصل الملكية للشارع وهو الذي أعطاها للفرد, بترتيب منه على أساس السبب الشرعي في التملك, فالإذن من الله تعالى هو الذي أباح للفرد أن يتملك, ولولا هذا الأذن لما حق له أن يتملك أبدا.

فكل شيء أذن به الله سبحانه وتعالى حق للفرد تملكه, وكل شيء حرمه الشارع يعني لم يأذن بتملكه, فلا تجوز حيازته كالخمرة والخنزير.

فتكون المادة حوت ثلاثة أمور:

احدها: إن الملكية لله, وأدلتها مستفيضة جداً, وهي كل ما اسند اليه الله تعالى من ملك {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم ... }المنافقون10.

وثانيها: إن للإنسان حق الملكية في المال, ودليلها أية الاستخلاف: {.... وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ .... }الحديد7

وثالثها: إن الملكية بالفعل للفرد تحتاج إلى إذن من الشارع, أي إلى دليل يجيز الملكية فعلا, وأدلتها النصوص الدالة على إباحة التملك بالفعل من مثل قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ ..... }المائدة96

والى حلقة قادمة ومادة أخرى من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام نستودعكم الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو الصادق

http://www.hizb-ut-tahrir.info/info/index....ents/entry_3349
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح5)


شرح المواد (127-128-129-130)

أما المادة 127 والتي نصها:

( الملكية ثلاثة أنواع, ملكية فردية , وملكية عامة, وملكية الدولة).

إن مصطلح الملكية هو مصطلح جديد, لم يكن مستعملا عند الفقهاء من قبل, فهو وكأي مصطلح, من المباحات التي تستعمل للتعبير عن معنى شرعي, على أن تكون الأدلة عليه كلها مستنبطة من الشرع, سواء من ناحية التعريف أو من ناحية الأنواع,

فالمادة مائة وثلاثة وعشرون من الدستور, تبين أن الملكية تحتوي ثلاثة أنواع من الملكيات, ملكية فردية, وملكية عامة, وملكية الدولة.

وتعريف الملكية هو: (أذن الشارع المقدر بالعين).

وهو مستنبط من الكتاب والسنة, وكذلك أنواعها الثلاثة جاءت من استقراء هذه الملكيات من خلال الأدلة الشرعية.

ومن المقطوع فيه أن الملكية لله تعالى ودليلها آية: {.. وَآتُوهُم مِّن مَّالِ..} النور33، وان الله سبحانه جعل الحق للإنسان بتملك المال, والدليل على ذلك آية الاستخلاف {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}الحديد7، وأذن سبحانه وتعالى للفرد ليمتلك بالفعل أشياء فأباحها ولم يأذن له التملك لأشياء أخرى فحرمها, فقد جاء الأذن بالتملك بالدليل العام, وهذا هو الأصل, قال سبحانه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} البقرة29، وقال: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ... }الجاثية13

أما المادة 128 والتي نصها:

(الملكية الفردية هي حكم شرعي مقدر بالعين أو المنفعة, يقتضي تمكين من يضاف اليه من انتفاعه بالشيء وأخذ العوض عنه).

من تعريف الملكية الفردية بأنها: (إذن الشارع بالإنتفاع بالعين) والمستنبط من الأدلة الشرعية, وهو يشمل الإذن ويشمل الانتفاع فالإذن قد ورد الدليل عليه, أما الانتفاع فهو يحتاج إلى دليل على كل انتفاع , لأنه فعل للعبد, فلا بد من خطاب من الشارع يتعلق به, ويشمل كذلك إذنه أي اذن الشارع بالنسبة للعين نفسها, هل يُنتَفع بها أم لا؟ وهو لا يحتاج إلى دليل لكل عين, بل الأصل في كل عين أنه قد أُذن بتملكها بالدليل العام في قوله سبحانه تعالى:{وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ... }الجاثية13، فإذا منع الشارع ملكية عين فلا بد من نص من القرآن أو السنة أو مما ارشدا اليه من قياس وإجماع.

فمن المعلوم أن أدلة الأذن بالانتفاع أباحت حيازة الشيء, وأدلة إباحة جميع الأشياء للإنسان أطلقت له حيازة كل شيء,فأستنبط منها تعريف الملكية بأنها ( إذن الشارع بلأنتفاع بالعين).

وأما لتوضيح هذه المادة نسوق هذا المثال, انك لو ملكت سيارة مثلا, فالسيارة هي العين, والحكم الشرعي المقدر فيها هو إذن الشارع للإنسان بالانتفاع بها استهلاكا, ومنفعة, ومبادلة, وهذا الإذن بالانتفاع يستوجب أن يمكن المالك من هذه العين, وهو من أضيف اليه الأذن, من استعمال السيارة أو بيعها أو مبادلتها, فالحكم الشرعي المقدر بالعين أي بالسيارة هو الإذن بالتصرف بها من مالكها على الحقيقة وهو الله تعالى, وهذا ما تبينه المادة مائة وأربعة وعشرون.

أما المادة 129 من الدستور والتي نصها:

(الملكية العامة هي إذن الشارع للجماعة بالاشتراك في الانتفاع بالعين).

فدليلها جاء من النصوص الواردة فيما هو ملكية عامة, أي ان الأدلة الشرعية دلت على تعريف الملكية العامة, بأنها إذن الشارع بالاشتراك في الانتفاع بالعين, كقوله صلى الله عليه وسلم: (المسلمون شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار)، وما روي عن أبيض بن حمال (أنه أستقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم ,الملح بمأرب فلما ولى قيل يا رسول الله, أتدري ما أقطعته له؟ إنما أقطعت له المال العد, فرجعه منه, والمال العد هو الذي لا ينقطع, أي أقطعت له معدنا لا ينقطع).

وفي حديث أخر, قال صلى الله عليه وسلم: (منى مناخ من سبق) ومنى المكان المعروف بالحجاز الذي ينزل اليه الحجيج بعد وقوفهم بعرفات, هو لجميع الناس ينيخ ناقته فيه كل من سبق اليه, وقد أقرّ الرسول صلى الله عليه وسلم اشتراك الناس في الطريق العام, من كل هذا يستنبط منه تعريف الملكية العامة.

أما ملكية الدولة فهي التي نصت عليها المادة 130 ونصها:

) كل مال مصرفه موقوف على رئيس الدولة واجتهاده يعتبر ملكا للدولة, كأموال الضرائب والخراج والجزية).

إن الأدلة الشرعية دلت على تعريف ملكية الدولة بأنها إذن الشارع للخليفة بأن يصرف المال برأيه واجتهاده، فكان ذلك هو تعريف ملكية الدولة, ولهذا تجد أموال الزكاة لم يترك صرفها للخليفة برأيه واجتهاده, ولذلك لم تكن من أموال الدولة, فالدولة تكون فقط قَيِّمةً على جمعها وحفظها في بيت المال على جهة منه, لتعطي لمستحقيها الثمانية إن وجدوا.

وعليه فكل ما جعل الشارع للإمام أن يصرفه برأيه واجتهاده, كان نص الشارع هذا إذناً للإمام بالصرف, وكونه إذنا مطلقاً لم يعين فيه الجهة التي يصرفها عليها , كان إذنا له بالصرف برأيه واجتهاده.

ومن هنا كانت أموال الفيء والخراج والجزية وما شاكلها من أموال الضرائب التي أجاز الشرع استيفاءها, وريع أملاك الدولة من أجرة العقارات التي تمتلكها الدولة أو ما شاكلها, فإنها كلها أموال للدولة, ينطبق عليها التعريف المستنبط من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم, وعمومية النصوص التي جاءت تأمر بصرف هذه الأموال, وعلى هذا الأساس وضعت هذه المادة.

وإلى حلقة قادمة ومادة أخرى من مواد النظام الاقتصادي فى الإسلام نستودعكم الله.

والسلام عليكم ورحمة الله

أبو الصادق
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح6)


شرح المادة 131 من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام

نص المادة 131:
الملكية الفردية في الأموال المنقولة وغير المنقولة مقيدة بالأسباب الشرعية الخمسة وهي:
(أ) العمل.
(ب) الإرث.
(ج) الحاجة إلى المال لأجل الحياة.
(د) إعطاء الدولة من أموالها للرعية.
(ه) الأموال التي يأخذها الأفراد دون مقابل مال أو جهد.

هذه المادة قيدت أسباب حيازة أصل المال, أي قيدت الحالات التي أذن الشارع فيها بالانتفاع بالعين, فيجب أن يفرق بين أسباب الملكية بالفعل, وأسباب تنمية الملك .

فالشارع بين السبب أو الحالة التي تم بها إنشاء ملكية المال للشخص بعد أن لم يكن مملوكاً, وبين اسباب تنمية الملكية له, أي أسباب زيادة المال الذي يملكه, وقد جاء الشرع لكل من الملك ومن تنمية الملك بأحكام تتعلق به, فالعقود من بيع وأجاره وغيرها, من الأحكام المتعلقة بتنمية الملك, والعمل من صيد ومضاربة وغيرها, من الأحكام المتعلقة بالملك أي بحيازة أصل المال, فهذه المادة تبين اسباب الملكية, ولا تبين اسباب تنميتها.

ولبيان دليل هذه المادة لا بد من استقراء الأدلة التي بينت أذن الشارع في الانتفاع بالعين, أي استقراء أدلة الملكية بالفعل, فتبين بعد الاستقراء إن اسباب الملكية خمسة, والدليل المطلوب يدخل تحت واحد من هذه الخمسة.

أما الأدلة على هذه الأسباب الخمسة فهي:
السبب الأول هو: العمل.

أدلته هي أدلة الأحوال التي يحوز فيها الفرد المال بالعمل ، أي تنشأ ملكية المال من حيث هو بالعمل ، وهذه الحالات سبعة وهي:

أولا: إحياء الأرض الموات
ودليله قوله عليه السلام: (من أحيا أرضا مواتا فهي له)، وقوله: (من عمر أرضا ليست لأحد فهو أحق بها)، وقوله: (من أحاط حائطا على أرض فهي له )، والأرض الميتة هي الأرض التي لم يظهر عليها ملك أحد من الناس، فلم يظهر فيها شيء من إحاطة، أو زرع أو عمارة أو نحو ذلك، وإحياؤها يكون بأي شيء يدل علي العمارة, من تشجير, أو زراعة, أو بناء أو غير ذلك، أو وضع سياج أو أوتاد ظاهرة، أو إحاطتها بحائط من الطوب أو الحجارة .

ثانيا: الصيد
ودليله قوله تعالى:{... وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا ...}المائدة2، وقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ ...}المائدة96
وثالثا: السمسرة والدلالة أي ما يسمى بالعمولة في وقتنا الحاضر، وهي المال الذي يؤخذ من أحد المتبايعين لقاء جلب مشتر أو بائع لسلعة تجوز حيازتها .

والدليل على جواز السمسرة أو الأدلة هو ما رواه قيس بن غرزه الكناني قال: كنا نبتاع الأسواق في المدينة ونسمي أنفسنا السماسرة فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمانا باسم هو أحسن من اسمنا، قال صلى الله عليه وسلم: ( يا معشر التجار إن البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة) فمعنى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم سكت عن عملهم هذا.

رابعا : المضاربة
ودليله ما روي أن العباس بن عبد المطلب، كان إذا دفع مالا مضاربة، شرط على المضارب أن لا يسلك به بحرا وأن لا ينزل به واديا، ولا يشتري به ذات كبد رطب، فإن فعل ذلك فقد ضمن, فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحسنه.

خامسا : المساقاة
ودليلها ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر مما يخرج من ثمر أو زرع).
سادسا:العمل للآخرين بأجر
ودليلها قوله سبحانه تعالى: {.... فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أجورهن ...} الطلاق6، وما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: استأجر رسول الله رجلا من بني الديل هاديا خريتا وهو على دين قومه ، ودفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال.

سابعا: الركاز
ودليله قوله عليه السلام: (وفي الركاز الخمس) .
فهذه الأدلة للحالات السبع هي أدلة السبب الأول للتملك وهو العمل .


أما السبب الثاني من أسباب التملك: الإرث.
وهو انتقال المال من شخص ميت إلى شخص آخر أو أشخاص ، بسبب القربى المورثة شرعا, ودليله قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ......}النساء11
وهنالك آيات وأحاديث كثيرة تبين وتدلل على الإرث .


والسبب الثالث من أسباب التملك: هو الحاجة للمال لأجل الحياة.

ودليله دليل النفقة من كونها واجبة له إذا كان عاجزا عن الكسب فعلا ، كمن كان صغيرا، أو لا يستطيع العمل، أو كون النفقة واجبة حكما كمن لا يجد عملا وهو قادر على العمل، فالشرع أوجب نفقته على الأقارب، ثم على بيت المال، إذا لم يستطع الأقارب الإنفاق عليه ،فأدلة ذلك دليل على أنه يملك هذا المال الذي يأخذه نفقة، أي يأخذه من أجل الحياة.


والسبب الرابع: إعطاء الدولة من أموالها .
كإقطاع الأراضي ، وكإعطائها مالا لسد الديون ، أو لإعانة المزارعين.
ودليل إقطاع الأرض، ما روي عن بلال المزني (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطعه العقيق أجمع)، وما روي عن عمر بن شعيب قال: (أقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم ناساً من مزينة أو جهينة أرضا)، وأما إعطاؤهم مالا لسداد الديون، فالله تعالى جعل من أسهم الزكاة (الغارمين)، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (فمن ترك دينا فعلي ومن ترك مالا فلورثته)، ومعنى قوله صلى الله عليه (فعلي) أي على الدولة، وأما إعطاء المزارعين مالا للزراعة فقد أعطى عمر من بيت المال للفلاحين في العراق مالا غير مسترد، لإعانتهم وسد حاجاتهم ، فكان عمله هذا إجماعا.
أما السبب الخامس: وهو الأموال التي يأخذها الأفراد دون مقابل مال أو جهد.

فيشمل خمسة أحوال:
أحدها صلة الأفراد بعضهم بعضا كالهدية والهبة والوصية، فقد روي عن أبي حميد الساعدي قال: (غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك، وأهدى ملك إيلية للنبي بغلة بيضاء وكساه بردا )، فهذا الحديث دليل على جواز الهدية, وقال عليه الصلاة والسلام: (تهادوا تحابوا).
أما الهبة فدليلها قوله عليه صلى الله عليه وسلم: (العائد في هبته كالعائد في قيئه ).

وأما الوصية فدليلها قوله صلى الله عليه وسلم لسعد بن مالك: (أوص بالثلث والثلث كثير).

وثاني الحالات: استحقاق المال عوضا عن ضرر، كدية القتيل وديات الجراح، قال تعالى في الدّية: {.... وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ....}النساء92، وقال صلى الله عليه وسلم في ديات الجراح: (في السن خمس من الإبل).

وثالث الحالات: استحقاق المهر وتوابعه ، قال تعالى: {وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ....}النساء4

ورابع الحالات: اللقطة، فاللقطة يملكها من التقطها بشروطها، قال عليه السلام: )من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل، أو ليحفظ عفاصها ووكاءها فإن جاء صاحبها فلا يكتم فهو أحق بها، وإن لم يجئ صاحبها، فهو مال الله يؤتيه من يشاء)

وخامس الحالات: تعويض الخليفة والمعاونين وسائر الحكام مالا مقابل حبسهم عن القيام بأعمالهم قبل استعمالهم بالقيام برعاية شؤون المسلمين. فقد ورد أن أبا بكر لما بويع للخلافة، خرج في اليوم الثاني يبيع الثياب كعادته قبل البيعة، فلقيه عمر فقال: إلى أين؟. قال إلى السوق، قال عمر: ومصالح المسلمين. قال أبو بكر ومن أين أطعم العيال؟ قال عمر: نفرض لك في بيت المال، فرجع وفرض له من بيت المال ما يكفيه وعياله، فكان ذلك إجماعا من الصحابة رضوان الله عليهم على تعويض الخليفة, ومثله تعويض المعاونين والولاة وسائر الحكام فهو تعويض وليس أجرة, كما هو معمول به في أنظمة الحكم اليوم.

وهكذا أيها الأخوة المستمعون: بينت لكم الأدلة على اسباب الملك الخمسة وهي أدلة قد ثبت بالاستقراء انه لا يوجد غيرها أسبابا للملك وهي الإذن الشرعي بالتملك, وما عدا هذه الأسباب الخمسة فهي اسباب لتنمية الملك كالتجارة والصناعة والزراعة, وليست أسبابا للتملك .
والى حلقة قادمة إن شاء الله ومادة أخرى من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام نستودعكم الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو الصادق
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح7)

شرح المادة 132 من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام

نص المادة 132:

(التصرف بالملكية مقيد بإذن الشارع, سواء أكان تصرفا بالإنفاق أم تصرفا بتنمية الملك, فيمنع السرف والترف والتقتير, وتمنع الشركات الرأسمالية والجمعيات التعاونية, وسائر المعاملات المخالفة للشرع ويمنع الربا والغبن الفاحش والاحتكار والقمار وما شابه ذلك).

إن دليل هذه المادة هو دليل الأنفاق, ودليل التصرفات القوليه به, مثل البيع والإجارة وغيرها, وهي أدلة تنميته, أما دليل الأنفاق هو قوله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ .... }الطلاق,7 وقال تعالى في النهي عن الإسراف:{... وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ }الأعراف31، وقال: {... وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً(26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ... }الإسراء27، وقال في النهي عن التقتير: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً }الفرقان67.

وأما التصرفات القولية, فإن الشارع قد حددها بمعاملات معينة من بيع, وإجارة, وشركة ونحو ذلك, وحدد كيفيتها, وحرم ما سواها, قال عليه الصلاة والسلام : (كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد) فهذا التحديد للمعاملات لكيفية مخصوصة, والنهي عن معاملات معينة نهيا صريحا, هو تقييد للتصرف بتنمية الملك بإذن الشارع.

فهناك تصرفات ورد الأمر بها على وجه مخصوص محدد, ووردت النصوص الشرعية على شروط انعقاد المعاملة, وعلى شروط صحتها بشكل جازم, فكان القيام بها فرض يجب أن يكون على الوجه الذي جاء به النص الشرعي, وأن يكون مستوفيا جميع شروط الانعقاد وجميع شروط الصحة التي جاء بها النص الشرعي, فإذا جاءت مخالفة لما جاء به النص أو غير مستوفية شروط الانعقاد وشروط الصحة فقد خالفت الشرع, فكانت أما باطلة إذا لم تستوف شروط الانعقاد, وإما فاسدة, إذا كانت لم تستوف خلافها مما جاء الشرع بالأمر به أو بالنهي عنه وفي هذا مخالفة للشرع أي مخالفة لأوامر الله ونواهيه وهو ارتكاب الإثم,فهي تعتبر مما نهى عنه الشرع, مثال ذلك, العقد الشرعي, فقد أمر الشارع فيه أن يكون بين عاقدين اثنين, قال عليه الصلاة والسلام: (البيعان بالخيار ما لم يفترقا )، وقال تعالى بالحديث القدسي : (أنا ثالث الشريكين )، وأمر أن يكون العقد بإيجاب وقبول,فإذا لم يستوف العقد هذه الشروط, (عاقدين, وإيجاب وقبول)، في معاملة من المعاملات بطل العقد ولم ينعقد, وكان التصرف الحاصل في هذه المعاملة, ارتكابا لاثم وفعلا لحرام , إذ تعتبر هذه المعاملة مما نهى الشرع منه, مثال ذلك الشركات المساهمة, فإنها تتم من جانب واحد, فبمجرد توقيع الشخص على شروط الشركة يصير شريكا, وبمجرد شراء الشخص للسهم في الشركة يصير شريكا, فهي عند الرأسماليين من قبيل الاداره المنفردة كالوقف والوصية في الإسلام, وهذا مخالف لواقع الشركة التي تحتاج إلى طرف يحصل به الإيجاب وأخر يحصل به القبول , فليس في شركة المساهمة عاقدان بل متصرف واحد, والشركة شرعا لابد أن تكون بعقد إيجاب وقبول, من عاقدين مثلها مثل البيع والإجارة والنكاح وما شاكل ذلك من العقود , ولذلك لم تنعقد شركة المساهمة فكانت باطلة وكانت حراما, وفيها ترك ما أمر الله به من شروط انعقاد الشركة, والله تعالى يقول:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}النور63

وكذلك أيضا شركات التأمين والتي يجري فيها التأمين على الحياة وعلى البضاعة والممتلكات, فأنه تعهد من شركة التأمين بأن تعوض على المؤمن عين ما خسره أو ثمنه بالنسبة للبضاعة أو الممتلكات, أو مبلغا من المال بالنسبة للحياة وما هو مثلها مثل: التأمين على عضو من أعضاء الجسم , وذلك حين حصول حادث جرى حصوله في مدة اتفقا عليها , مقابل مبلغ من المال معين .

فليس في هذا التأمين مضمون عنه ,أي ضم ذمة إلى ذمة, إذ لا يوجد احد قد ضمنته الشركة, وضمت ذمتها إلى ذمته, ولا يوجد في هذا التأمين حق مالي للمؤمن عند احد قد ألتزمته شركة التأمين, إذ ليس للمؤمن حق مالي عند أحد وجاءت الشركة وضمنته, ومعنى التأمين هو ضمان, والضمان شرعا هو ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق, فلابد فيه من ضم ذمة إلى ذمة, ولا بد فيه من ضامن ومضمون عنه ومضمون له, ولابد أن يكون ضمانا لحق ثابت في الذمة, وهذه شروط انعقاد وشروط صحة في الضمان, وما دام عقد التأمين لم يستوف هذه الشروط الشرعية فهو باطل شرعا, وكان حراما , فكان القيام بها ارتكابا لاثم وفعلا لحرام, فكانت من المعاملات المحرمة شرعا, لأن كل معاملة باطله حرام, فهذه التصرفات مثل الشركة والضمان قد حددت بكيفية مخصوصة, وشروط مخصوصة, بنصوص شرعية فوجب التقيد بها , وهذا دليل على ان التصرف بتنمية الملك مقيد بأذن الشارع , وهناك تصرفات قد تم النهي عنها صراحة, كالغبن الفاحش , كما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما, أن رجلا ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم انه يخدع في البيوع , فقال: ( إذا بايعت فقل لا خلابة )، والخلابة هي الخديعة, وقال صلى الله عليه وسلم: ( بيع المحفلات خلابة ولا تحل الخلابة لمسلم )، لذلك كان الغبن الفاحش حراما, وكذلك الاحتكار لقوله صلى الله عليه وسلم: ( من احتكر فهو خاطئ) وكذلك القمار لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }المائدة90، وكذلك الربا لقوله تعالى: {.... وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا }البقرة275، فكان هذا النهي الصريح عن هذه التصرفات وأمثالها تقييدا للتصرف بتنمية الملك بأن لا يكون في هذه المعاملات وأمثالها وهذا أيضا دليل على أن التصرف بتنمية الملك مقيد بأذن الشارع .

والى أن نلقاكم مع مادة أخرى من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام نستودعكم الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو الصادق


أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح8)


شرح المادة 133 من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام و نص المادة 133:

((الأرض العشرية هي التي اسلم أهلها عليها, وأرض جزيرة العرب, والأرض الخراجية هي التي فتحت حربا أو صلحا ما عدا جزيرة العرب, والأرض العشرية يملك الأفراد رقبتها ومنفعتها, وأما الأرض الخراجية, فرقبتها ملك للدولة ومنفعتها يملكها الأفراد, ويحق لكل فرد تبادل الأرض العشرية, ومنفعة الأرض الخراجية بالعقود الشرعية وتورث عنهم كسائر الأموال)) .

هذه المادة تحتوي على عدة أحكام شرعية, فلا بد من بيانها وبيان أدلتها من الكتاب والسنة وما ارشدا اليه من إجماع وقياس.

والأرض نوعان لا ثالث لهما وستبقى هكذا حتى قيام الساعة, إما أن تكون عشرية وهي الأرض التي أسلم عليها أهلها, فإنها تكون كأموال المسلمين ملكا لهم, يملكون رقبتها ومنفعتها وارض جزيرة العرب, وأما أن تكون خراجية فتحت حربا أو صلحا ما عدا جزيرة العرب, فالأرض بمنزلة المال تعتبر غنيمة أحلها الله تعالى للمسلمين, والدليل على أنها كسائر الأموال أي غنيمة للمسلمين, ما روي عن حفص بن غياث عن أبي ذئب عن الزهري قال: (قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن أسلم من أهل البحرين أنه قد أحرز دمه وماله إلا أرضه, فإنها فيء للمسلمين, لأنهم لم يسلموا وهم ممتنعون).

والأرض التي لم يسلم أهلها عليها وفتحها المسلمون صلحا أو حربا تكون ملكا لجميع المسلمين إلى يوم القيامة, والخليفة يملك منفعتها للناس, وهذا ما جرى عليه خلفاء المسلمين طيلة عهود الدولة الإسلامية, من زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه, فهذا الحكم خرج به عمر بعد أن حصل خلاف بينه وبين بلال والزبير رضي الله عنهما, فالزبير رأى في أرض مصر لما فتحت أن تكون كالأموال المنقولة تقسم على المحاربين, ولكن عمر أبى ذلك حين كتب له عمرو بن العاص فأجابه عمرsad.gif أن دعها حتى يغزو منها حبلُ الحِبلة) أي أن تكون ملكا للمسلمين ما تناسلوا, وبلال رضي الله عنه رأى ما رآه الزبير في أرض العراق، فكتب إليه واليها سعد،فأجابه عمر: ( وأترك الأرضيين والأنهار لعمالها ليكون ذلك في أعطيات المسلمين, فإنا لو قسمناها بين من حضر لم يكن لمن بعدهم شيء)، وقد كانت حجة عمر في ذلك قوله تعالى: {وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ....} الحشر6

فإن الله قد قال: {... فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ...}الحشر7
ثم قال: (للفقراء والمهاجرين)، ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم, فقال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ... }الحشر9، فهذا للأنصار خاصة, ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم, فقال سبحانه{وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ ...}الحشر10، فكانت هذه عامة لمن جاء بعدهم, فقد صار الفيء بين هؤلاء جميعا, فهذا دليل عمر وكان الأقوى.

إلا أنه رضي الله عنه قد أستشار المسلمين فاختلفوا فأرسل إلى عشرة من الأنصار ,خمسة من الأوس وخمسة من الخزرج من كبرائهم وأشرافهم, وكان مما قاله لهم: (وقد رأيت أن أحبس أرضين بعلوجها وأضع فيها الخراج وفي رقابهم الجزية يؤدونها , فتكون فيئا للمسلمين المقاتلة والذرية من بعدهم, أرأيتم هذه الثغور لا بد من رجال يلزمونها, أرأيتم هذه المدن العظام كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر, لا بد لها أن تشحن بالجيوش, وإدرار العطاء لهم, فمن أين يعطي هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج؟)، فقالوا جميعا الرأي رأيك فنعم ما قلت وما رأيت.

فاستشهاد عمر بالآية وبعلة إبقاء الأرض بأنها غلة دائمة لبيت المال, استشهاد بالدليل الأقوى, ولذلك كانت الأرض التي تفتح فتحا أرضا خراجية تبقى رقبتها ملكا لبيت المال وينتفع أهلها بها, وهذا الحكم سواء فتحت حربا كأرض العراق أو فتحت صلحا كمدينة بيت المقدس.

أما إذا فتحت الأرض على خرج معلوم, فيجب على الدولة أن تعاملهم على ما صولحوا عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنكم لعلكم تقاتلون قوما فيتقونكم بأموالهم دون أنفسهم وأبنائهم, ويصالحونكم على صلح, فلا تأخذوا منه فوق ذلك, فإنه لا يحل لكم)، هذا ان اشترطوا في عقد الصلح شرطا منصوصا عنه في الأرض, أما إذا لم يشترطوا، كما حصل في بيت المقدس, فإنها تعامل معاملة الأرض المفتوحة عنوة, لأنها تكون فيئا للمسلمين, وهذا كله في غير جزيرة العرب.

أما جزيرة العرب فلها وضع خاص فأرضها جميعها عشرية, فالرسول صلى الله عليه وسلم فتح مكة عنوة وترك أرضها لأهلها, ولم يضرب عليها الخراج, لأن الخراج على الأرض بمنزلة الجزية على الرؤوس, فلم يثبت في جزيرة العرب, كما لم تثبت الجزية في رقابهم, لأن مشركي العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف, يقول الله تعالى: (تقاتلونهم أو يسلمون)، ولذلك كانت أرضهم عشرية لا خراجية.

أما بالنسبة للأرض العشرية, فقد جعل عليها العشر وهو بمعنى الزكاة, والزكاة واجبة على المسلم ولكنها هنا واجبة في غلة الأرض, ولذلك تؤخذ بحسب الأرض لا بحسب مالكها, فإن ملك الكافر أرضا عشرية أخذ منه الخراج , لأن صفة الأرض عشرية, ولا تعتبر زكاة من الكافر, لأنه لا تؤخذ من الكافر زكاة, لأن شرطها الإسلام.

وأما كون الأرض العشرية والخراجية يحق تبادلها, وتورث عن مالكها, فلأنها ملك لمالكها أي ملك مال من أمواله, فتنطبق عليها جميع أحكام التملك, فالأرض الخراجية والأرض العشرية لا فرق بينهما إلا في أمرين اثنين:

أحدهما: بالنسبة لعين ما يملك, فإن مالك الأرض العشرية يملك رقبتها ومنفعتها, ومالك الأرض الخراجية يملك منفعتها فقط ولا يملك رقبتها, فإذا أراد مالك الأرض العشرية أن يوقف أرضه قبلت الدولة ذلك، لأنه يملك رقبتها, أما إذا أراد مالك الأرض الخراجية أن يوقف أرضه فلن يقبل منه لأنه لا يملك رقبتها أي لا يملك عينها, وإنما يملك منفعتها ورقبتها مملوكة لبيت المال.

أما الأمر الثاني الذي تختلف به الأرض العشرية عن الخراجية فهو: ما يجب على الأرض العشرية فهو ما يجب على الأرض العشرية فهو العشر, أي تجب فيها الزكاة على عين الخارج إذا بلغ النصاب.

وأما الأرض الخراجية, فيجب فيها الخراج أي المقدار الذي تعينه الدولة سنويا عليها, سواء زرعت أم لم تزرع, أنبتت أم لم تنبت, فأحكام الأرض الخراجية والأرض العشرية لا اختلاف في أحكامها إلا في هذين الأمرين, ولهذا يحق لمالكها إجراء العقود والتصرفات والتوريث .

وإلى حلقة قادمة ومادة أخرى من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله .


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أبو الصادق

أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح9)


شرح المادة 134 من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام

نص المادة 134:

((الأرض الموات تملك بالأحياء والتحجير, وأما غير الموات فلا تملك إلا بسبب شرعي كالإرث والشراء والإقطاع)).

الأرض الموات: هي الأرض التي لم يظهر عليها أنه جرى عليها ملك أحد, فلم يظهر فيها تأثير شيء من إحاطة أو زرع أو عمارة أو نحو ذلك, ولا مالك لها ولا ينتفع بها أحد, هذه هي الأرض الموات وما عداها لا يكون أرضا مواتاً ولو كانت لا مالك لها, ولا ينتفع بها أحد.

فالأرض الميتة إذا أحياها شخص أو حجرها أي جعل حولها حجارة أوسياجا أو حائطا أو أي علم بارز, كانت ملكا له, ومفهوم المخالفة أنه إذا لم تكن الأرض ميتة, فإنه لا يملكها بالأحياء والتحجير ولو كانت غير مزروعة, أو غير صالحة للزراعة, ولو لم يكن لها صاحب معروف, فإن الأرض إذا لم تكن مواتا, لا تملك إلا بسبب شرعي أي بسبب من أسباب التملك إن كان لها صاحب معروف, وإن لم يكن لها صاحب معروف لا تملك إلا بإقطاع الخليفة إياها, فتُملك بهذا الإقطاع, أما إن كانت مواتا فتملك بالإحياء أو بوضع اليد عليها, ولو كان من غير إحياء, والدليل على هذه المادة, قوله عليه الصلاة والسلام: (( من أحيا أرضا ميتة فهي له)) وقوله عليه السلام ((أيما قوم أحيوا شيئا من الأرض فهم أحق به)) وقوله صلى الله عليه وسلم ((من أحاط حائطا على شيء فهو له)) وقوله عليه السلام((عادي الأرض لله ولرسوله ثم لكم من بعد, فمن أحيا أرضا ميتة فهي له, وليس لمتحجر حق بعد ثلاث سنوات)) .

فإحياء الأرض غير الإقطاع, لأن الإحياء يتعلق بموات الأرض التي لم يظهر عليها أنه جرى ملك أحد عليها, فردا كان أو دولة, ولم يظهر عليها شيء من الإحاطة من سياج أو تحجير أو عمارة أو نحو ذلك.

وأما الإقطاع، فيكون في الأراضي التي تضع الدولة يدها عليها وهي التي تسمى أرض الدولة أو (أرض الخزينة), وهي على أربعة أنواع :

1- الأرض العامرة: الصالحة للزراعة والتشجير, كالأرض التي أقطعها الرسول صلى الله عليه وسلم للزبير في خيبر, وفي أرض بني النضير في المدينة وكان بها شجر ونخيل, ومثل الأراضي التي هرب منها أهلها بعد الفتح.

2- الأرض التي سبق لها أن زرعت ثم خربت مثل أرض البطائح والسباخ في العراق الواقعة بين الكوفة والبصرة, وكالأرض التي استقطعها نافع بن عبد الله من عمر رضي الله عنهما ليتخذها قصلا لخيله, وهي ليست من أرض الخراج, ولا تضر بأحد من المسلمين, فكتب عمر إلى أبو موسى الأشعري, إن كانت كذلك فأقطعه إياها.

3- الأرض الموات التي لم يسبق أن زرعت أو عمرت أباد الدهر, ووضعت الدولة يدها عليها, لأنها من مرافق المدن والقرى مثل شواطئ البحار والأنهار القريبة منها.

4- الأرض التي أهملها أصحابها بعد ثلاث سنين, وأخذتها الدولة منهم, مثل الأرض التي أقطعها الرسول صلى الله عليه وسلم لبلال المزني, ثم أسترجع عمر جزءً منها كان مهملا بعد ثلاث سنين, وأقطعها لغيره من المسلمين.

5- وإحياء الأرض إما أن يكون في ارض موات عشرية, أو أرض موات خراجيه.

أما من إحياء أرضا ميتة في أرض العشر مَلَكَ رقبتها ومنفعتها, مسلما كان أو كافرا, ويجب على المسلم فيها العشر زكاة على الزر وع والثمار التي يجب فيها الزكاة, إذا بلغت النصاب, وأما الكافر فيجب عليه الخراج وليس العشر لأنه ليس من أهل الزكاة, أي ليس مسلما, وذلك لأن شرط قبول الزكاة من الكافر الإسلام.

ومن أحيا أرضا ميتة في أرض الخراج, لم يسبق أن ضرب الخراج عليها, ملكَ رقبتها ومنفعتها إن كان مسلما, والكافر لا يملك إلا منفعتها فقط, ويجب على المسلم فيها العشر ولا خراج عليه, ويجب على الكافر فيها الخراج, كما وضِعَ على أهلها الكفار حين أقروا عليها عند الفتح, مقابل خراج يؤدونه عنها.

ومن أحيا أرضا في أرض الخراج, سبق أن وضع عليها الخراج قبل أن تتحول إلى أرض ميتة, مَلَكَ منفعتها فقط, دون رقبتها, مسلما كان أو كافرا, ووجب عليه فيها الخراج, لأنها كالأرض المفتوحة والتي ضرب عليها الخراج, لذلك فالخراج يبقى عليها أبد الدهر.

هذا إذا كان الإحياء للزرع, أما إذا كان للسكنى أو لإقامة مصانع أو مخازن أو حظائر للحيوانات, فإنه لا عشر فيها ولا خراج, لا فرق في ذلك بين أرض العشر وأرض الخراج, فإن الصحابة رضوان الله عليهم الذين افتتحوا العراق ومصر قد اختطوا الكوفة والبصرة, والفسطاط, ونزلوها أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه, ونزل معهم غيرهم ،ولم يضرب عليهم الخراج, ولم يدفعوا الزكاة عنها, لأن الزكاة والخراج لا تجب على المساكن والمباني في المدن والقرى.

وإلى اللقاء في حلقة قادمة ومادة أخرى من النظام الاقتصادي في الإسلام.
أستودعكم الله .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو الصادق

أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح10)

شرح المادة 135 من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام

نص المادة 135:

((يمنع تأجير الأرض للزراعة مطلقا, سواء أكانت خراجيه أم عشرية, كما تمنع المزارعة, أما المساقاة فجائزة مطلقا)).

تبين هذه المادة أن الأرض سواء أكانت عشرية أم خراجيه لا يجوز تأجيرها للزراعة, ولا مزارعتها, وذلك لكثرة النصوص التي منعت إجارة الأرض, فلا تؤجر بالنقود ولا بالمبادلة ولا بغيرها, كما لا يجوز مزارعتها أي تأجير الأرض بشيء مما تخرج, أو بشيء مما تنبته من الطعام أو غيره, لأن كله إجارة.

فقد روى رافع بن خديج قال: ((كنا نخابر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, فذكر أن بعض عمومته أتاه فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعا, وطواعية رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفع, قال: قلنا ما ذاك؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كانت له أرض فليزرعها, ولا يكريها بثلث ولا بربع ولا بطعام مسمى)).

وعن أبن عمر رضي الله عنهما قال: ما كنا نرى بالمزارعة بأسا حتى سمعنا رافع بن خديج يقول: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها)).

وفي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها, فإن أبى فليمسك أرضه)).

وفي سنن النسائي ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كراء الأرض, قلنا يا رسول الله: إذن نكريها بشيء من الحب, قال: لا, قال نكريها بالتبن, فقال لا, قال نكريها على الربيع, قال: لا ازرعها أو أمنحها أخاك)) .
فهذه الأحاديث صريحة في نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن تأجير الأرض, والنهي وإن كان يدل على مجرد طلب الترك, غير أن القرينة هنا تدل على أن الطلب للجزم.

أما بالنسبة لتحريم المزارعة, فقد أخرج أبو داوود عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولsad.gif(من لم يذر المخابرة (المزارعة) فليؤذن بحرب من الله ورسوله)).

ومما تقدم نرى وضوح الإصرار على التأكيد عن النهي, والأحاديث ظاهر فيها الجزم, فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهاهم عن كراء الأرض على الإطلاق. فقد قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: نكريها بشيء من الحب, قال: لا, ثم قالوا نكريها بالتبن فقال لا, ثم قالوا نكريها على الربيع فقال لا, ثم أكد ذلك بقوله: ((أزرعها أو أمنحها أخاك))، فتكرار اللفظ يفيد التوكيد على الرفض, وتنوع الحالات التي جاء بها النهي تدل على الجزم, وما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: ((أزرعها أو أمنحها أخاك)) يفيد الحصر, وحرف (أو) للتخيير بين شيئين افعل هذا أو هذا, ومعناه لا تفعل غيرهما، فهذا الحصر يدل على الجزم , فهو قرينة على أن النهي الوارد في الأحاديث عن إجارة الأرض للزراعة نهيا جازما, ويؤيد أن النهي للتحريم ما ورد في رواية أبي داوود عن رافع قال: (( انه زرع أرضا فمر به النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسقيها, فسأله لمن الزرع ولمن الأرض؟ فقال: زرعي ببذري وعملي, ولي شطر ولبني فلان الشطر, فقال: أربيتما, فرد الأرض على أهلها, وخذ نفقتك)), فهنا وصف الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المعاملة بأنها ربا, والربا حرام بالنص القطعي, وأيضا طلب الرسول صلى الله عليه وسلم من رافع أن يرد الأرض على صاحبها بما فيها من زرع ويأخذ نفقته, أي طلب منه فسخ المعاملة, فدل على أن النهي نهي جازم فهو حرام.

فالأدلة التي أستند أليها بعض الفقهاء في جواز إجارة الأرض للزراعة, أدلة جرى تمحيصها ومحاولة تبيان ما فيها من عدم الانطباق على ما أجازوه من أن تأجير الأرض الزراعية جائز فتبين بوضوح أن استدلالهم لم يكن في محله, وذلك عند محاكمتها.

أما المساقاة الواردة في المادة: وهي تأجير الشجر على جزء من ثمره أو تأجير الشجر مع الأرض التابعة له, على جزء من التمر والزرع على أن يكون الشجر أكثر من الأرض.

والدليل على أن هذا هو معنى المساقاة شرعا, وعلى جواز المساقاة, الأحاديث الواردة في ذلك,
فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال)( قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم, اقسم بيننا وبين إخواننا النخل, قال: لا, فقالوا تكفونا المؤنة ونشرككم في الثمرة, قالوا سمعنا وأطعنا)).

وأخرج البخاري عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما , أخبره, أن النبي صلى الله عليه وسلم, عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع, فكان يعطي أزواجه مائة وسق, ثمانون وسقا تمرا, وعشرون وسقا شعيرا, فقسم عمر خيبر، فخير أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم, أن يقطع لهن من الماء والأرض, أو يمضي لهن الأوسق, وكانت عائشة اختارت الأرض.

وأخرج مسلم وأبو داوود والنسائي: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من أموالهم, ولرسول الله صلى الله عليه وسلم شطر ثمرها)).

فهذه الأحاديث تبين معنى المساقاة, أنها تأجير الشجر وحده على جزء من ثمرة كما هو ظاهر في حديث أبي هريرة من فعل الأنصار, وتدل على أنها أي المساقاة تأجير الشجر ومعه الأرض على جزء من ثمر الشجر وزرع الأرض, كما هو ظاهر في حديث نافع عن عبد الله بن عمر ((عامل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمرا أو زرع))

وكما هو ظاهر في حديث مسلم وأبي داوود والنسائي((نخل خيبر وأرضها))، فتدل على أن التأجير إما للشجر وحده وإما للشجر والأرض معا, وتدل أيضا على أن الأرض تكون أقل من الشجر, فواقع المساقاة التي أجازها الشرع هي: تأجير الشجر بجزء من ثمره أو تأجير الشجر والأرض بجزء من الثمر وجزء من الزرع على أن يكون الشجر أكثر من الأرض .

وإلى حلقة قادمة ومادة أخرى من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام نستودعكم الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو الصادق
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح11)


شرح المادة 136 من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام

نص المادة 136:

((يجبر كل من ملك أرضا على استغلالها, ويعطى المحتاج من بيت المال ما يمكنه من هذا الاستغلال, وكل من يهمل الأرض ثلاث سنين من غير استغلال تؤخذ منه وتعطى لغيره))

تبين هذه المادة أن كل من يحمل تابعية الدولة الحق في أن يتملك الأرض لاستغلالها , ولكنه إن لم يقم باستغلالها فأهملها ثلاث سنوات متوالية, فعلى الدولة أن تأخذها منه وتعطيها غيره، وله أن يأخذ من بيت المال ما يمكنه من استغلالها إن كان محتاجا للمال.

ودليل هذه المادة ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: )(عادي الأرض لله ولرسوله, ثم لكم من بعد, فمن أحيا أرضا ميتة فهي له, وليس لمتحجر حق بعد ثلاث سنين))، فالشخص يملك الأرض الموات بعد أن يحييها أو يضع عليها سياجا أو حجارة أو وضع اليد عليها, وأما الأرض التي يملكها الشخص بغير الأحياء بالشراء أو الإرث أو الهبة أو غير ذلك, فإنها كذلك, إذا لم يستغلها ثلاث سنوات متتالية تؤخذ من مالكها, والدليل على ذلك, ما أخرجه يحيى بن أدم عندما قال: أقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من مزينة أو جهينة أرضا فعطلوها, فجاء قوم فأحيوها, فقال عمر: لو كانت قطيعة مني أو من أبي بكر لرددتها ولكن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي لو كانت قطيعة من عمر أو من أبي بكر لما مر عليها ثلاث سنوات ولهذا لكان ردها, لأن مدة أبي بكر في الخلافة سنتان, ويظهر أن الحادث كان بعد مُضي سنة من تولي عمر ولكنها قطيعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم, أي منذ أكثر من ثلاث سنوات، ولذلك لا أردها, وقول عمر رضي الله عنه: ((من عطل أرضا ثلاث سنين لم يعمرها فجاء غيره فعمرها فهي له))،

وحادثة بلال بن الحارث المزني: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطعه العقيق أجمع، قال: فلما كان زمان عمر قال لبلال, إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقطعك لتحجره على الناس, إنما أقطعك لتعمل, فخذ منها ما قدرت عمارته ورد الباقي))

فهذا يدل على أن الأرض التي يملكها الشخص بغير الأحياء وبغير وضع اليد, كأن كان يملكها بالإقطاع أو بالشراء أو الإرث أو غير ذلك, فإنها تؤخذ منه إذا لم يستغلها ثلاث سنين متوالية, وقد كان هذا أمام مرأى من الصحابة, ولم يسمع أنه أنكر عليه أحد منهم, لذا فإن ذلك إجماع, لأن هذا مما ينكر مثله, لأن إجماع الصحابة السكوتي هو إن فعل أحد منهم فعلا مما ينكر على ملأ منهم, لا ينكر عليه أحد, وهو دليل شرعي, وعليه تكون الأرض العامرة المملوكة لشخص إذا لم يعمرها ثلاث سنين متوالية تأخذها الدولة منه جبرا عنه ودون مقابل, ولا يقال أن هذا في الأرض المقطعة, لأن الموضوع ليس سؤالا, ولا حادثة حصلت, فكان النص خاصا بها, بل هو عام, فيكون عاما لكل أرض مملوكة, فالحكم يشمل الجميع الأرض المملوكة بالشراء أو الإقطاع أو الأحياء, والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ((وليس لمحتجر حق بعد ثلاث)).

وأما إعطاء الفلاحين من بيت المال ما يمكنهم من زراعة أرضهم فإن دليله ما فعل عمر رضي الله عنه في أرض العراق المفتوحة, فإنه لما فتحت العراق ترك الأرض تحت يد أهلها ولم يقسمها على المحاربين مع أنها من الغنائم, وأعطى الفلاحين مالا من بيت المال, يتقوون به على زراعة أرضهم, مع أنهم كانوا غير مسلمين بعد, ومع أن الفلاحين بوصفهم فلاحين ليسوا مما يستحقون شيئا من بيت المال ما داموا يملكون أرضا فلا يدخلون في الفقراء ولا في المساكين, فهذان الأمران مما ينكر مثلهما لمخالفتهما لأحكام الغنائم وأحكام بيت المال, فترك الأرض بيد أهلها بعد أن غنمها المسلمون, وعدم تقسيمها على المحاربين, فقد وجد في الصحابة من ينكره على عمر رضي الله عنه, وصار فيه نقاش بينهم وبينه, إلى أ ن قدم لهم عمر الدليل الأقوى فكان إجماعا سكوتيا, هذا الأمر الأول، أما الأمر الثاني وهو إعطاء الفلاحين في العراق من بيت المال مالا لزراعة أرضهم, فلم ينكره أحد على عمر, فكان إجماعا سكوتيا على أن الفلاحين يعطون من بيت المال ما يمكنهم من زراعة أراضيهم, فالإجماع ألسكوتي من الصحابة هو دليل هذه المادة.

وإلى حلقة قادمة ومادة أخرى من مواد النظام الاقتصادي أستودعكم الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أبو الصادق


http://www.hizb-ut-tahrir.info/info/index....ents/entry_3631
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح12)


شرح المادة 137 من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام

نص المادة 137:

تتحقق الملكية العامة في ثلاثة أشياء هي:-

( أ ). كل ما هو من مرافق الجماعة كساحات البلدة .
(ب). المعادن التي لا تنقطع كمنابع البترول.
(ج). الأشياء التي طبيعتها تمنع اختصاص الفرد بحيازتها كالأنهار .

عُرفت الملكية العامة بأنها إذن الشارع للجماعة بالاشتراك بالعين, والأعيان التي تتحقق فيها الملكية العامة هي الأعيان التي نص الشارع على أنها للجماعة مشتركة بينهم, ومنع من أن يحوزها الفرد وحده, وقد بين أن تحقيقها يكون بهذه الأشياء الثلاثة المذكورة في المادة ليس غير، والدليل على ذلك, فإنه بالاستقراء, فقد جرى استقراء الأدلة التي تدل على الملكية العامة فوجد أنها محصورة في هذه الأنواع الثلاثة وبها يظهر الدليل على هذه المادة.

فدليل الفقرة( أ ) من المادة قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار))، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يُمنع الماء والنار والكلأ))، وهذا الحديث فيه التعليل بأن منعها إنما هو من أجل الجماعة لأنها من المرافق الهامة لهم, فالرسول صلى الله عليه وسلم أباح ملكية الماء في الطائف وخيبر للأفراد, وامتلكوه بالفعل, لسقي زرعهم وبساتينهم دون غيرهم, فلو كانت الشركة بالماء مطلقا, لما سمح للأفراد أن يمتلكوه, فمن هذا الحديث ((الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ و النار))، ومن إباحته صلى الله عليه وسلم للأفراد أن يتملكوا الماء, تستنبط علة الشراكة في الماء والكلأ والنار, وهي كونها من مرافق الجماعة التي لا تستغني عنها, فكل ما يتحقق فيه كونه من مرافق الجماعة كساحات البلدة وأحراش الاحتطاب, ومراعي الماشية, فإنه يكون ملكية عامة, هذه هي أدلة الملكية العامة.

أما الفقرة (ب) فإنها تبين أن المعادن على حالين, إما أنها لا تنقطع أي غير محدودة المقدار كأن تكون كمية كبيرة كالبترول في الجزيرة العربية, فإنه يقدر بمليارات وحدات القياس, وكذلك الفوسفات في الأردن والمغرب, والغاز في قطر, وجميع المعادن التي تزخر بها بلاد المسلمين في شتى بلدانهم, فهذه لا يجوز أن يتملكها الأفراد وهي ملكية عامة, وأما المعادن التي تكون محدودة المقدار فيجوز للفرد أن يتملكها وتدخل في الملكية الفردية, والدليل على هذه الفقرة, ما روي عن عمرو بن قيس المأربي قال: (( استقطعت رسول الله صلى الله عليه وسلم معدن الملح بمأرب, فأقطعنيه، فقيل يا رسول الله: إنه بمنزلة الماء العد يعني أنه لا ينقطع , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذن لا ))، والماء العد هو الماء الذي لا ينقطع, فالرسول صلى الله عليه وسلم شبه معدن الملح بالماء الذي لا ينقطع, ولا يقال هنا أنه الملح هو المراد من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم, بل المراد المعادن بشتى أنواعها والتي تحتوي كميات كبيرة, فيطلق عليها معدنٌ عِد.

ومن إقطاع الرسول صلى الله عليه وسلم لعمرو بن قيس المأربي أول الأمر يتبين من فعل الرسول هذا أنه جائز أن يقطع الأفراد المعادن التي لا تكون عداً، أي محدودة المقدار, بدليل ما قاله أبو عبيد: (( فلما تبين للنبي صلى الله عليه وسلم أنه ماءٌ عد إرتجعه منه, لأنه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكلأ والماء والنار أن الناس جميعا فيه شركاء, فكرة أن يجعله لرجل يحوزه دون سواه))،

وعلى هذا فكل معدن من المعادن التي لا تنقطع أي غير محدودة المقدار بكمية قليلة, فإنه ملكية عامة.

أما الفقرة (ج) فهي تتعلق بالأشياء التي طبيعة تكوينها تمنع اختصاص الفرد بحيازتها, فهي الأعيان التي تشتمل على المنافع العامة, وهي وإن كانت تدخل في الفقرة ( أ ) لأنها من مرافق الجماعة, ولكنها تختلف عنها من حيث أن طبيعتها أنه لا يتأتى أن يمتلكها الأفراد, فعين الماء يمكن أن يملكها الفرد, ولكنه يمنع من ملكيتها إذا كانت الجماعة لا تستغني عنها, بخلاف الطريق فإنه لا يمكن أن يملكها الفرد.

لهذا فإن واقع الأشياء هو الذي يجعلها ملكية عامة, مثل الأنهار والبحار والبحيرات والأقنية العامة والخلجان والمضائق والطرق ونحوها ويلحق بها المساجد ومدارس الدولة ومستشفياتها والملاعب والحدائق العامة والملاجئ وغيرها.

وإلى حلقة قادمة ومادة أخرى من مواد النظام الاقتصادي أستودعكم الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أبو الصادق
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح13)



شرح المادة 138 من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام

نص المادة 138:

((المصنع من حيث هو من الأملاك الفردية, إلا أن المصنع يأخذ حكم المادة التي يصنعها, فإن كانت المادة من الأملاك الفردية, كان المصنع ملكا فرديا كمصانع النسيج, وإن كانت المادة من الأملاك العامة, كان المصنع ملكا عاما كمصانع استخراج الحديد)) .

هذه المادة تبين أمرين بشأن المصانع أولهما: أن المصانع في الأصل هي من الملكية الفردية, وثانيهما أن المصانع يأخذ حكم المادة التي يصنعها.

فدليل الأمر الأول هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم استصنع خاتما, وأنه صلى الله عليه وسلم استصنع منبر المسجد في المدينة المنورة, فيدل استصناعه هذين الشيئين عند من يملك المصنع ملكا فرديا, أنه صلى الله عليه وسلم أجاز للأفراد أن يتملكوا المصانع, ثم إن الناس كانوا يستصنعون في أيامه صلى الله عليه وسلم أشياء عند من يملكون هذه المصانع فسكت عنهم, ودليل أخر أنه أرسل اثنين إلى جرش اليمن يتعلمان صناعة السلاح, مما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم، أقر الملكية الفردية للمصانع سواء أكانت مصانع أسلحة, أم مصانع معادن أم مصانع نسيج أم غيرها, ولم يروي أحدٌ من الصحابة أنه نهى عن تملك المصنع من قبل الأفراد, ولم يرد أي نص على أن المصنع ملكية عامة, كما لم يرد أي نص أن المصنع ملكية الدولة, فيبقي الدليل عاما ولا يخصص إلا بمخصص, على أن المصانع داخلة في الملكية الفردية.

أما بالنسبة للأمر الثاني وهو أن المصنع يأخذ حكم المادة التي يصنعها فدليله هي القاعدة الشرعية التي نصها: (( أن المصنع يأخذ حكم ما ينتج))، وهذه استنبطت من الحديث الشريف أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: ((لعن الله شارب الخمر وعاصرها ومعتصرها))، وعنه صلى الله عليه وسلم قال: (( لعنت الخمر على عشرة أوجه, بعينها, وعاصرها, ومعتصرها, وبائعها, ومبتاعها , وحاملها والمحمولة إليه, وأكل ثمنها وشاربها وساقيها))، فالنهي عن عصر الخمر وليس نهيا عن العصر, وإنما هو نهي عن عصر الخمر, فالعصر ليس حراما, وإنما عصر الخمر هو الحرام, فالعصر والاعتصار قد حرما لتحرير الخمر , فأخذا حكم الشيء الذي جرى عصره, فالنهي منصب على العصر أي على صناعة العصر, فيكون منصبا على آلة العصر يعني على المصنع الذي يصنع الخمر, فالصناعة تأخذ حكم الشيء الذي يصنع, فجاءت حرمة المصنع من حرمة الإنتاج الذي ينتجه, فالمصنع الذي يصنع الألبان ويصنع المربيات ويصنع المنظفات وغيرها ليس حراما, أما المصنع الذي يصنع الخمور واللحوم الميتة حرام, فالأحاديث التي جاءت بهذا الشأن ليست دليلا على أن المصانع ملكية عامة, بل هي فقط دليل على أن المصنع يأخذ حكم المادة التي ينتجها, بهذا ينظر في المصانع, فإن كانت المواد التي تصنع فيها ليست من المواد الداخلة في الملكية العامة, كانت هذه المصانع ملكية فردية, كمصانع النسيج , ومصانع الحلويات والنجارة وما شاكل ذلك, وإن كانت المصانع التي تصنع المواد الداخلة في الملكية العامة, كمصانع المعادن التي تستخرج المعادن التي لا تنقطع, فإنها تكون مملوكة ملكية عامة, تبعا للمادة التي تستخرجها من ذهب أو فضة أو نحاس أو نفط, كتبعية حكم مصنع الخمر للخمر في الحرمة, ويجوز أن تكون مملوكة للدولة, باعتبار أن الدولة, هي التي يجب عليها أن تقوم باستخراج هذه المعادن نيابة عن الأمة الإسلامية, ولحسابها, أما مصانع قطع الحديد وطرقه, ومصانع السيارات وما شاكل ذلك, مما تكون مواده داخلة في الملكية الفردية, فإنه يجوز للأفراد أن يتملكوها، لأن المادة التي تصنعها, ليست من المواد الداخلة في الملكية العامة, وعلى ذلك, فكل مادة مصنعة مما هو داخل في الملكية العامة يجوز أن تكون مملوكتا ملكية عامة أو مملوكتا للدولة, كما يجوز أن تكون مملوكتا ملكية فردية لأفراد تستأجرها الدولة منهم, وكل مصنع تكون مادة صنعه مما هو داخل في الملكية الفردية, فإنه يجوز للأفراد أن يتملكوه من نوع الملكية الفردية.

وإلى حلقة قادمة ومادة أخرى من مواد النظام الاقتصادي نستودعكم الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أبو الصادق

http://www.hizb-ut-tahrir.info/info/index....ents/entry_3717
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).

(ح14)


شرح المواد 139-140-141

نص المادة (139):

(لا يجوز للدولة أن تحول ملكية فردية إلى ملكية عامة, لأن الملكية العامة ثابتة في طبيعة المال وصفته لا برأي الدولة).

حرم الله سبحانه وتعالى أخذ مال المسلم أو غير المسلم إلا بسبب مشروع, لأن أخذه بغير سبب شرعي هو الظلم, والظلم حرام, فيحرم على الفرد ويحرم على الدولة أي على الحاكم أن يأخذ مال أي فرد إلا بسبب شرعي, فلا يجوز تحويل ملكية الأفراد إلى الملكية عامة بحجة المصلحة, أو تحويل ملكية عامة إلى ملكية الدولة أو ملكية الدولة إلى ملكية فردية أو ملكية عامة بحجة المصلحة, لأن القاعدة الشرعية تقول : (أينما يكون الشرع فثم المصلحة), وذلك بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل مال أمريء مسلم إلا بطيب نفسه))، وهذا عام يشمل كل مال ويشمل كل إنسان, فالحديث حرم أخذ المال إلا بحقه أي بسبب شرعي والمصلحة لا تجعله بناء على ذلك حلالا, ولا يقال أنه حق للإمام أن يفعل ذلك رعاية لمصالح المسلمين, لأنه له حق رعاية الشؤون. لا يقال ذلك, لأن رعاية الشؤون هي القيام بمصالح الناس حسب الأحكام الشرعية, وليست هي القيام بمصالح الناس حسب ما يراه الخليفة ودون الرجوع إلى الشرع, فما حرمه الله هو الحرام وما أحله هو الحلال، فليس للخليفة أن يجعله حلالا أو حراماً مطلقا،, لأن الحكم لله وحده، إذ يقول سبحانه: ((إن الحكم إلا لله))، وان فعل ذلك كان فعله مظلمة يحاكم عليها أمام محكمة المظالم, ويرجع المال إلى صاحبه, وعلى هذا فإن أخذ الدول للأملاك بحجة التأميم ليس من الشرع بشيء,؟ لأنه إن كان في مال طبيعته وصفته ملك عام, كان فرضا على الدولة أن تجعله ملكية عامة, وهي ليست مختارة في ذلك, فلا تكون في هذه الحالة قد أممته, وإنما أرجعته إلى أصله يعني إلى طبيعته وصفته التي كانت عليه, ويحرم على الدولة أن تجعله ملكية فردية, وأما إن كان في مال يتملكه فرد وليس من طبيعته ولا من صفته أن يكون ملكا عاما, فإنه يحرم على الدولة أن تأممه, وإن فعلت تحاكم ويرجع المال لصاحبه, كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم عندما ارجع أرض الملح من ابيض بن حمال بعد أن أقطعه إياها حين ظهر أنها معدن عد.

نص المادة (140) :

((لكل فرد من أفراد الأمة حق الانتفاع بما هو داخل في الملكية العامة, ولا يجوز للدولة أن تأذن لأحد دون باقي الرعية بملكية الأملاك العامة أو استغلالها)) .

إن هذه المادة ذات شقين أحدهما أنه يحق لكل فرد من أفراد الرعية أن ينتفع من المال الذي يقع في دائرة الملكية العامة, مسلما كان أم غير مسلم ما دام يحمل التابعية الإسلامية.

ثانيهما : أن المسلمين سواسية كأسنان المشط لا فرق بين مسلم ومسلم ولا بين مسلم وذمي في الأذن بالانتفاع من الملكية العامة, فالرسول صلى الله عليه وسلم قال في حق الذمي: (له ما لنا وعليه ما علينا ).

نص المادة( 141):

((يجوز للدولة أن تحمى من الأرض الموات, ومما هو داخل في الملكية العامة لأية مصلحة تراها من مصالح الرعية)) .

هذه المادة تبين أن للدولة الحق في أن تحجز من الأرض الموات ما يكون فيه مصلحة للمسلمين, والدليل على ذلك ما روي عن الرسول صلى الله علية وسلم قال: ((لا حمى إلا لله ولرسوله))، والحمى، هو أن يحمي شيئا مما هو لعامة المسلمين, فيمنع الناس منها, فقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك، أي حرمه، فلا يحل لشخص أن يفعله، ولا يحل للخليفة كذلك أن يفعله لنفسه لأنه لا يحل ما حرم الله ولا يحرم ما أحل الله, ومن هنا جاء منع الدولة من أن تملك أحدا شيئا مما هو داخل في الملكية العامة تمليكا يمنع به غيره من الانتفاع به .

أما الدولة نفسها أي الخليفة، فيجوز له أن يختص بشيء من الأرض الموات ومما هو داخل في الملكية العامة لمصلحة من مصالح المسلمين لا لنفسه, والدليل على ذلك ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال : ((حمى النبي صلى الله عليه وسلم , النقيع لخيل المسلمين)) ،والنقيع موضع ينتقع فيه الماء فيكثر فيها الخصب لما يستقر فيه من الماء , أي مراعي خصبة،

وروى أبو عبيد عن عامر بن عبدا لله بن زبير أحسبه عن أبيه قال : ((أتى أعرابي عمر فقال : يا أمير المؤمنين بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها في الإسلام تحميها ؟ ))، أي أتحميها يا عمر؟ فاطرق عمر وجعل ينفخ ويفتل شاربه, وكان إذا كربه أمر فتل شاربه ونفخ , فلما رأى الأعرابي ما به جعل يردد ذلك فقال عمر: المال مال الله والعباد عباد الله , والله لولا ما أحمل عليه في سبيل الله ما حميت شبرا من الأرض.

فمن عمل الرسول صلى الله عليه وسلم عندما حمى النبي صلى الله عليه وسلم النقيع لخيل المسلمين، التي تعد للغزو في سبيل الله , ومن عمل الفاروق رضي الله عنه عندما حمى أرضا لتكون لخيل المسلمين ,فمن هذا يتبين لنا أنه يجوز أن تختص الدولة بشيء مما هو داخل في الملكية العامة كمراعي الماشية ومراعي الخيل المعدة للقتال, لصالح المسلمين والجهاد في سبيل الله , وقد سار الصحابة رضوان الله عليهم بعد الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك وهو عام لكل خليفة .

وإلى الحلقة القادمة استودعكم الله تعالى .


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أبو الصادق
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).

(ح15)


شرح المادة142

نص المادة (142):


(يمنع كنز المال ولو أخرجت زكاته).

دليل تحريم كنز الأموال جاء في القرآن والسنة,.

ففي القرآن يقول تعالى:{.... وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ (35) }التوبة.

وأما دليل تحريم الكنز في السنة ما أسنده الطبري في تفسيره إلى أبي إمامة الباهلي قال: (توفي رجلٌ من أهل الصُفة فوجد في مئزره دينار, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كَيَة) ثم توفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كيتان)).

فهذا الوعيد بالعذاب الأليم الذي ورد في الآية, والكي بالنار في الآية الأخرى والحديث, لدليل ظاهر على أن الشارع طلب ترك الكنز طلبا جازما، لأنه جاء في عموم هذه الآية, فنص الآية منطوقا ومفهوما يدل على ذلك وفيه المنع البات.

والكنز في اللغة: هو جمع المال بعضه على بعض وحفظه. ومال مكنوز: أي مجموع, والكنز كل شيء مجموع بعضه إلى بعض, في بطن الأرض أو على ظهرها. والقرآن تفسر كلماته بالمعنى اللغوي وحده, إلا أن يرد معنى شرعي لها, فتفسر حينئذ بالمعنى الشرعي, وكلمة الكنز لم يصح أنه ورد أي معنى شرعي وضع لها, فيجب أن تفسر بمعناها اللغوي فقط, وهو أنه مجرد جمع المال بعضه إلى بعض من غير حاجة جُمع من أجلها, يعتبر من الكنز المذموم الذي وعد الله فاعله بالعذاب الأليم.

إن الإسلام قد ضمن أن توزع الثروة توزيعا متوازنا, فحدد كيفية الملكية, وكيفية التصرف بها, وفي إعطاء من قصرت به مواهبه ما يضمن له تقاربا مع غيره ممن يعيشون في المجتمع, فتنعدم الطبقية تماما, ويحصل التقارب في توفير الحاجات بين الناس, والتقارب الذي أراده الإسلام بين الناس لم يكن في الملكية, لأن التفاوت بها فطري, وقد سمح به الشرع ولم يتدخل به, وإنما التقارب الذي أراده الشرع, هو استغناء كل فرد عن غيره في حاجاته المعروفة, بالنسبة له, يقول صلى الله عليه وسلم ( خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى) رواه البخاري.

إن كنز المال فيه ضرر للمجتمع وفيه خطورة على ثروة البلاد, فعندما يكنز الأفراد أصحاب الثروات الكبيرة المال, فإن مستوى دخل الفرد يهبط, وتنتشر البطالة, ويصل الناس إلى حالة الفقر, لأن النقود هي أداة التبادل, والكنزيوقف دولاب الاقتصاد, وذلك أنه ما من دخل لشخص أو هيئة إلا ومصدره شخص أخر أو هيئة أخرى, فالأموال التي تجنيها الدولة من الضرائب هي دخل للدولة, ولكنها إنفاق من الناس, والنفقات التي تنفقها الدولة على الموظفين والمشاريع وأرزاق الجند وغيرها, هي دخل لهؤلاء, وإنفاق من الدولة, والنفقات التي ينفقها الموظف والجندي وغيرهما, هي دخل لمن يشترى السلع منهم كصاحب المنزل واللحام والتاجر والخضري, وغيرهم, فتكون دخول الناس في المجتمع ونفقاتهم الإجمالية, تسير في شكل دائرة مستمرة, فإذا كنز الشخص المال, فإنه كمن سحب من السوق نقدا وعطلة عن التداول, فهذا يؤدي حتما إلى تقليل ما يدخل للآخرين الذين يعطيهم, وهذا يؤدي إلى تقليل إنتاجهم, لأن الطلب على السلع قد قل.

قد يسأل سائل: ما الفرق بين الكنز والادخار؟ والجواب أن الكنز هو جمع المال بعضه فوق بعض لغير حاجة, فهو حبس النقد عن السوق, فهو حرام وفيه ضرر, وأما الادخار, فهو خزن المال لحاجة تظهر في حنها كأن يخزنها ليتزوج أو ليشتري بيتا أو ليشتري أثاثا أو غير ذلك, فهذا النوع من جمع النقود لا يؤثر في السوق, ولا في دولاب العمل، لأنه ليس حبا للمال، وإنما هو تجميعه لقضاء حاجة، لذلك لا خطر في الادخار ولا ضرر, والإسلام قد أباح للمسلم انه يدخر من الذهب والفضة، لأنه جمع للنقد لحاجة، وأباح للمكاتب أن يشتغل, ويجمع المال فوق بعضه بعض, كي يحرر نفسه من الرق، وأباح للرجل بان يجمع المال كمهر لامرأة يريد أن يتزوجها، وأباح له أن يجمع مالا ليقوم بفريضة الحج وعليه إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول أن يؤدي زكاته.

بقيت مسالة واحدة في هذه المادة وهي هل إذا دفع زكاة المال المكنوز أصبح المال غير مكنوزا؟ والجواب أن آية :{.... وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(34) }التوبة.

نصت منطوقا على منع كنز المال من ذهب وفضة منعا باتا، فمن يقول بزكاة المال المكنوز، يكون قد ترك حكم الآية القطعية الدلالة، علما بان لا يصير الترك إلا عند النسخ، ولم يرد أي نص صريح ينسخها، وفوق ذلك فرضت الزكاة في السنة الثانية للهجرة ونزلت آية الكنز في السنة التاسعة للهجرة, والمعروف أنه لا ينسخ المتقدم المتأخر في النزول, وأما الأحاديث الواردة في هذا الموضوع والتي احتج بعض الفقهاء وخاصة حديث أم سلمه فانه روي عن طريق ((عتاب)) وهو رجل مجهول فيسقط الاحتجاج بحديثه، ومن جهة أخرى فالحديث حتى لو كان متوترا لا ينسخ الآية لأن القرآن قطعي الثبوت لفظا ومعنى، بخلاف الحديث المتواتر فهو قطعي الثبوت معنى لا لفظا، ولسنا متعبدين بلفظه .

والى لقاء آخر ومادة أخرى من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام نستودعكم الله و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو الصادق
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).

(ح16)


شرح المادة143-ج1

نص المادة (143):


((تجبى الزكاة من المسلمين, وتؤخذ على الأموال التي عين الشرع الأخذ منها من نقد وعروض تجارة ومواش وحبوب, ولا تؤخذ من غير ما ورد الشرع به, وتؤخذ من كل مالك سواء أكان مكلفا كالبالغ العاقل أم غير مكلف, كالصبي والمجنون, وتوضع في باب خاص من بيت المال, ولا تصرف إلا لواحد أو أكثر, من الأصناف الثمانية الذين ذكرهم القرآن الكريم)) .

الزكاة ركن من أركان الإسلام, وقد جاءت في كثير من الآيات مقرونة بالصلاة, فمنكرها كافر, ومن منعها وهي مستحقة عليه نصابا وحولا, فهو آثم.

ففي هذه المادة خمسة أمور:

أولها: أن الزكاة فرض فرضه الله تعالى على المسلمين دون غيرهم, فهي واجبة عليهم.

ثانيها: تؤخذ الزكاة من أموال عينها الشرع, ولا تؤخذ من غيرها مطلقا.

وثالثها: أخذها من كل مالك عاقلٍ كان أو غير عاقل, ومن الصبي الذي لم يبلغ الحلم.

ورابعها: توضع في باب خاص في بيت المال, ولا تخلط بغيرها.

وخامسها: تصرف لأشخاص مخصوصين محددين بالصفة والعدد.
أما الأمر الأول: فإن أدلة وجوبها قد وردت في القرآن الكريم والسنة المطهرة, وأدلتها مستفيضة جدا.

قال تعالى: {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ...}النور37، وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ }المؤمنون4، وقال:{.... الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ ...}الأحزاب33.

ويقول صلى الله عليه وسلم ( بني الإسلام على خمس, شهادة أن لا إله إلا الله,وأن محمدا رسول الله, وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ,والحج,وصوم رمضان). وعن أبي هريرة أن أعرابيا أتى الرسول صلى الله عليه وسلم فقالsmile.gif دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: ((تعبد الله ولا تشرك به شيئا, وتقيم الصلاة المكتوبة, وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان)) الحديث, وعن قيس قال: قال جرير بن عبد الله: ((بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة و إيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم)).

فهذه أدلة وجوب الزكاة التي فرضها الله تعالى على المسلمين, وهي تؤخذ فقط من المسلمين ولا تؤخذ من الذميين, لأن الشرط في قبولها الإسلام. فهي أيضا لا تعطى لغير المسلمين, لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ عندما أرسله إلى اليمن وقال له: ( أعلمهم أن الله أفترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم))،

وأغنيائهم التي وردت في الحديث أغنياء المسلمين وفقرائهم أيضا فقراء المسلمين, فلا تعطى الزكاة إلا للمسلمين.

أما الأمر الثاني: الذي ورد بالمادة: فإن الشارع قد حدد الأنواع التي تؤخذ منها الزكاة بتحديد المقدار الذي يؤخذ من هذه الأنواع. فكل ما جعل به الشرع نصابا تؤخذ الزكاة منه إذا بلغ النصاب, ولا تؤخذ منه إذا لم يبلغ النصاب, لما روي عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ليس دون خمسة أواق من الورق صدقة, وليس فيما دون ذود من الإبل صدقة, وليس دون خمسة أوسق من الثمر صدقة) .

ولا تؤخذ الزكاة من مال لم يبين الشرع فيه نصابا للزكاة, لأن الآية وإن كانت مجملة ولكن الحديث جاء وبينها, فأحاديث الزكاة مبينة للمجمل, وليست مخصصة له, وهنالك فرق بين البيان والتخصيص, فآية الصلاة مجملة ( وأقيموا الصلاة ) وجاء الرسول صلى الله عليه وسلم وبينها, فما عدا ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم من الصلاة لا يجوز أن يؤتى به باعتباره صلاة, لأننا مقيدون بما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم, وكذلك آية الزكاة جاءت مجملة ( وآتوا الزكاة )، ( خذ من أموالهم صدقة )، ( إنما الصدقات)، وجاءت الأحاديث فبينت الأنواع التي تؤخذ منها الزكاة ببيان المقدار الذي يؤخذ من هذه الأنواع, وبيان النصاب فيها, وما عدا ذلك لا تؤخذ منه الزكاة, بل ويحرم أخذها بوصفها زكاة من غير ما جاء النص على نصابه, وعلى المقدار الذي يؤخذ منه.

وعليه فلا تؤخذ الزكاة إلا من الأصناف العشرة التي وردت فيها النصوص الصريحة وهي: الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم والحنطة والشعير والتمر والزبيب والذرة. فلكل واحد من هذه العشرة, جاء النص صريحا فيها.

فأما الذهب والفضة دليلها: ما روي عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم, وليس عليك شيء يعني في الذهب حتى يكون لك عشرون دينارا)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما من صاحب ذهب أو فضة, لا يؤدي منها حقها, إلا إذا كان يوم القيامة, صُفِحت له صفائح من نار, فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره, كلما بردت أعيدت له, في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد, فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار)، رواه الخمسة إلا الترمذي.

لقد وضع الشارع لكل من الذهب والفضة نصابا مفروضا, فنصاب الفضة التي تجب فيه الزكاة, هو خمس أواق, لقوله صلى الله عليه وسلم ( ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة) متفق عليه, وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: ( وفي كل مائتي درهم خمسة دراهم) رواه أبو عبيد، وفي كتاب عمر بن الخطاب في الصدقة (والوَِرقُ لا يؤخذ منه شيء حتى يبلغ مائتي درهم).

وعلى ذلك فلو نقصت الفضة عن ألمائتي درهم ولو درهما واحدا فلا تجب فيها الزكاة, لأنها تكون أقل من خمس أواق.

والفضة إذا بلغت نصاب الزكاة, وحال عليها الحول, وجب فيها ربع العشر, أي وجب عليها خمسة دراهم في النصاب الذي هو مائتا درهم, عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قالsad.gif في الرقَّةِ رُبع العشر) والرقة هي الفضة المضروبة, والخمسة دراهم الواجبة في نصاب الزكاة, تساوي
875 ،14 غراما, لأن الدرهم وزنه 2,9752 غراما.

والذهب تجب فيه الزكاة عندما يكون مقداره عشرين دينار ففيه نصف دينار, عن علي بن أبي طالب قال: ( في كل عشرين دينارا نصف دينار)، وقال صلى الله عليه وسلم ( ليس في أقل من عشرين مثقالا من الذهب صدقة).

أما ما يجب في الذهب عندما يبلغ النصاب فهو ربع العشر, أي نصف دينار , وإن وزن نصف الدينار الواجب في نصاب الذهب 2,125 غراما، لأن وزن الدينار4,25 غراما ذهبا.

وإلى حلقة قادمة نكمل فيها شرح ما تبقى بيانه من هذه المادة ان شاء الله, نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو الصادق


أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).

(ح17)



شرح المادة143-ج2

نص المادة (143):

((تجبى الزكاة من المسلمين, وتؤخذ على الأموال التي عين الشرع الأخذ منها من نقد وعروض تجارة ومواش وحبوب, ولا تؤخذ من غير ما ورد الشرع به, وتؤخذ من كل مالك سواء أكان مكلفا كالبالغ العاقل أم غير مكلف, كالصبي والمجنون, وتوضع في باب خاص من بيت المال, ولا تصرف إلا لواحد أو أكثر, من الأصناف الثمانية الذين ذكرهم القرآن الكريم)) .

تحدثنا في الحلقة السابقة عن زكاة الذهب والفضة ، وسنتحدث في هذه الحلقة عن زكاة الإبل والغنم والبقر.

أما زكاة الإبل والغنم:

فدليلها ما روي عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كتب الصدقة, ولم يخرجها إلى عماله حتى توفي , قال: فأخرجها أبو بكر من بعده, فعمل بها حتى توفي, ثم أخرجها عمر من بعده فعمل بها، قال: فلقد هلك عمر يوم هلك, وان ذلك لمقرون بوصيته, قال: فكان فيها في الإبل في خمسٍ شاه , حتى تنتهي إلى أربع وعشرين، فإذا بلغت إلى خمس وعشرين, ففيها بنت مخاض إلى خمس وثلاثين, فان لم تكن بنت مخاض فابن لبون, فإذا زادت على خمس وثلاثين ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين, فإذا زادت واحدة ففيها حِقه, إلى ستين, فإذا زادت ففيها جذعه إلى خمس وسبعين، فإذا زادت ففيها ابنتا لبون, إلى تسعين، فإذا زادت ففيها حقتان, إلى عشرين ومائة, فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقه, وفي أربعين بنت لبون .

أما زكاة الغنم:
ففي كل أربعين شاة شاه, إلى عشرين ومائة، فإذا زادت شاة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت ففيها ثلاث شياه, إلى ثلاثمائة, فإذا زادت بعد فليس فيها شيء حتى تبلغ أربعمائة, فإذا كثرت الغنم ففي كل مئة شاة.

وعن انس رضي الله عنه أن أبا بكر كتب لهم: ( إن هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين التي أمر الله بها ورسوله )، ثم ذكر الإبل والغنم على النحو الذي ورد في حديث الزهري .

وبنت المخاض بفتح الميم هي التي أتى عليها حول ودخلت في الثاني, وابن أللبون, هو الذي دخل في الثالثة وصارت أمه لبونا بوضع الحمل, والأنثى منه بنت لبون, والحقة بكسر الحاء وتشديد القاف والجمع حقاق بكسر الحاء, وهي التي أتى عليها ثلاث سنين ودخل في الرابعة, والجذعة بفتح الجيم والذال هي التي أتى عليها أربع سنين ودخلت في الخامسة,

وكون الحديث نص على بنت اللبون فيما زاد على خمس وثلاثين, يدل على عدم جواز ابن اللبون في هذا ولذلك زاد البخاري (أنثى)

وتؤخذ الصدقة من الإبل من جنسها,وعلى صفتها فيؤخذ عن البَخاتي بُختيّه , وعن العراب عربيه وعن الكرام كريمة, وعن السمان سمينة, وعن اللئام والهزال لئيمة هزيلة, ولا تؤخذ الهرمة ولا العوراء ولا المريضة.

روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث من فعلهن فقد طَعِمَ طعم الإيمان: من عبد الله وحده , وانه لا اله إلا الله , وأعطى زكاة ماله طيبةًً بها نفسه رافده عليها كل عام, ولا يعطي الهرمة , ولا الدرنة, ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة, ولكن من وسط أموالكم , فأن الله لم يسألكم خيره, ولم يأمركم بشره .

فإذا لم توجد السن التي وجدت في الإبل , واخذ السن التي دونها وجد على رب الإبل أن يدفع فوقها شاتين, أو عشرين درهما, وان اخذ السن التي فوقها دفع لرب الإبل شاتان, أو عشرون درهما.

أما زكاة الغنم فواجبة بالسنة وإجماع الصحابة.

أما السنة: فلما روى أبو ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من صاحب ابل, ولا بقر,ولا غنم,لا يؤدي زكاتها, إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت واسمن تنطحه بقرونها وتطؤه بإخفافها ) متفق عليه.

وأما إجماع الصحابة: فإنهم قد اجمعوا جميعا دون مخالف على وجوب الزكاة في الغنم، وتجب الزكاة في الغنم السائمة التي ترعى أكثر السنة, إذا مضى على بلوغها النصاب حولٌ كامل .

روى أبو داوود عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طويل أنه قال: ( ..... وفي سائمة الغنم اذا كانت أربعين، ففيها شاه ..... )،

ولقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول ) رواه الترمذي.

واقل نصاب الغنم أربعون شاةً , فلو نقصت عن الأربعين , ولو شاة واحده , فانه لا زكاة عليها وتكون أنصبة الغنم وما يجب فيها , بالشكل التالي :

أولا: أربعون شاة, فيها شاة واحده
ثانيا: مائة وإحدى وعشرون, فيها شاتان.
ثالثا:مائتا شاة وشاة , فيها ثلاث شياه .
رابعا: أربعمائة شاة, فيها أربع شياه .

والزيادة بين كل عددين لا زكاة فيها , واذا بلغت الغنم أربعمائة شاه فتعد في كل مائة شاة شاه ,ولا شيء في الزيادة حتى تكمل مائة أخرى. فلو نقصت واحدة عن المائة فلا زكاة فيها.

ما يُعَدّ , وما يؤخذ, وما لا يؤخذ في زكاة الغنم:

يعد كل ما يملكه المسلم من غنم صغارا كانت أو كبارا حتى السخال وهي أولاد المعز, وأولاد الضأن ,على شرط أن تكون قد ولدت قبل حلول الحول.

ويؤخذ في زكاة الغنم الجذعة من الضأن , وهو ماله ستة أشهر, والثني من المعز وهو ماله سنة, لا فرق بين ذكور وإناث, فيؤخذ الذكر وتؤخذ الأنثى , ولا تؤخذ أولاد المعز والضان الصغار, فإنها لا تجزئ في الزكاة, كما لا تؤخذ الشاة الوالدة ولا التي هي على وجه الولادة , ولا الشاة التي تربى للحليب أو التي تربى للحم أو فحل الغنم , إلا أن يطوع صاحب الغنم , فيدفعها زكاة فتقبل منه , وله زيادة اجر , وذلك لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إنما حقنا في الجذعة والثنية ) ذكره ابن قدامه في المغني

ولا تؤخذ الهرمة في الزكاة , ولا التي فيها عيب لقوله تعالى: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) البقرة 276
ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا تؤخذ في الصدقة هرمه , ولا ذات عوار ولا تيسٌ , إلا أن يشاء المصدق )رواه أبو داوود .

ويؤخذ في زكاة الماشية عين ما يجب فيها من غنم او ابل او بقر, ولا يجوز ان تؤخذ قيمته بدلا عنه, لان نصوص الأحاديث عينت عين ما يؤخذ من الإبل والبقر والغنم وحددت أسنانها .

وإذا اتخذت الماشية للتجارة, فان زكاتها تكون زكاة عروض التجارة لا زكاة الماشية , فلا يعتبر فيها العدد ولا السن , وتقوم تقويمَ عروض التجارة , بالدراهم من
الذهب والفضة او الأوراق النائبة التي تتعامل بها الدولة .

وأما زكاة البقر: فدليلها ما روي عن معاذ بن جبل قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا أو تبيعه, ومن كل أربعين مسنة), وعن يحيى بن الحكم إن معاذا قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم اصدق أهل اليمن ,فأمرني ان آخذ من كل ثلاثين تبيعا, ومن كل أربعين مسنة, فعرضوا علي ان آخذ بين الأربعين والخمسين, وما بين الستين والسبعين, وما بين الثمانين والتسعين, فقدمت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فامرني ان لا آخذ فيما بين ذلك ), والتبيع والتبيعة ما كان في أول سنة, والمسنة ما كانت في سنة الثانية.

وأول نصاب للبقر تجب فيه الزكاة هو ثلاثون ,فتكون الأنصبة كما يلي :

1) ثلاثون بقرة فيها تبيع او تبيعه,وسمي ذلك لأنه قادر على ان يتبع أمه .
2) أربعون بقرة فيها مسنة, والمسنة ما لها سنتان ودخلت الثالثة ,
3) ستون بقرة فيها تبيعان ,او تبيعتان .
4) سبعون بقرة فيها مسنة وتبيع.
5) ثمانون بقرة فيها مسنتان
6) تسعون بقرة فيها ثلاثة أتبعة
7) مائة بقرة فيها مسنة وتبيعان
8) مائة وعشر بقرات فيها مسنتان وتبيع .
9) مائة وعشرون بقرة فيها ثلاث مسنات ,او أربعة أتبعة.

والجاموس يأخذ حكم البقر في الزكاة ,

إخوتي الكرام: بقي في هذه المادة ما يتعلق بزكاة الثمار، سنتحدث عنها في الحلقة القادمة إن شاء الله، وإلى ذلك الحين نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو الصادق
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).

(ح18)



شرح المادة143-ج3 والأخير

نص المادة (143):

((تجبى الزكاة من المسلمين, وتؤخذ على الأموال التي عين الشرع الأخذ منها من نقد وعروض تجارة ومواش وحبوب, ولا تؤخذ من غير ما ورد الشرع به, وتؤخذ من كل مالك سواء أكان مكلفا كالبالغ العاقل أم غير مكلف, كالصبي والمجنون, وتوضع في باب خاص من بيت المال, ولا تصرف إلا لواحد أو أكثر, من الأصناف الثمانية الذين ذكرهم القرآن الكريم)) .

تحدثنا في الحلقة السابقة عن زكاة الذهب والفضة ، وعن زكاة الإبل والغنم والبقر، وفي هذه الحلقة سنتحدث عن زكاة الثمار والزروع.

أما زكاة الثمار والزروع:

أوجب الشرع الزكاة في أربعة من الزروع والثمار, وهي القمح والشعير والزبيب والتمر, ولا تجب في غير هذه الأربعة مطلقا, والدليل فيما أخرجه الحاكم والبيهقي والطبراني من حديث أبي موسى ومعاذ حيث بعثهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم فقال: (لا تأخذا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير والحنطة والزبيب والتمر) قال البيهقي رواته ثقاة وهو متصل, وأخرج الطبراني عن عمر قال: (إنما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في هذه الأربعة, الشعير والحنطة والزبيب والتمر), وحكي عن الشعبي أنه قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن: (إنما الصدقة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب) فهذه الأحاديث تبين أن الزكاة في الزروع والثمار لا تؤخذ إلا من هذه الأربعة أنواع حصرا, وهي التي ذكرت في هذه الأحاديث الحنطة والشعير والتمر والزبيب, ولا تؤخذ من غيرها, لأن الحديث الأول الذي أخرجه الحاكم والبيهقي والطبراني, من حديث أبي موسى ومعاذ حين بعثهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم, قال: (لا تأخذا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير والحنطة والزبيب والتمر ) فهذا الحديث واضح فيه حصر أخذ الزكاة في الزروع والثمار من هذه الأربعة, لأن لفظ {إلا} إذا سبقت بأداة نفي أونهي , أفادت قصر ما قبلها على ما بعدها, أي قصر أخذ الصدقة عن هذه الأنواع الأربعة.

أما الحديث الثاني قد صُّّدر بلفظ { إنما } الدالة على الحصر, فهو يؤكد حصر وجوب الزكاة في الأربعة فقط.

أما ما قاله بعض الفقهاء: أن هذه الألفاظ أي الحنطة والشعير والتمر والزبيب, تدل على معان وصفات منها الاقتيات أو اليبس أو الادخار, فإنه ليس كذلك, لأن ألفاظها جامدة فلا يتناول لفظها غيرها لا منطوقا ولا مفهوما ولا التزاما, وهذه الأسماء الجامدة ليست صفات ولا أسماء لمعان, بل هي مقصورة على الأعيان التي سميت بها, وأطلقت عليها.

وهذه الأسماء الجامدة خصصت ألفاظ العموم الواردة في حديث ( فيما سقت السماء العشر, وفيما سقي بغرب أو دالية, نصف العشر)، وبذلك يكون معناها أن ما سقت السماء من حنطة وشعير وعنب وتمر العشر, وفيما سقي بغرب أو دالية نصف العشر, فالحبوب من ذرة وأرز وفول وبصل وعدس وغيرها لا يؤخذ منها زكاة, والفواكه بأنواعها من تفاح وبرتقال وأجاص ودراق ورمان وموز وغيرها لا يؤخذ منها زكاة, لأن لفظ القمح والشعير والزبيب والتمر لا يشملها مطلقا ويقتصر على موضوع النص ولا يذهب لغيره, لأن الزكاة من العبادات، ومن المعلوم أن العبادات لا يدخلها القياس, كما لا تؤخذ الزكاة من الخضراوات من قتاء وخيار ويقطين وجزر وغيرها, فقد روي عن عمر وعلي ومجاهد وغيرهم أنه ليس في الخضروات صدقة.

لقد حدد الشرع نصاب الزر وع والثمار التي تجب فيها الزكاة وهو خمسة أوسق, من الحنطة أو الشعير أو التمر أو الزبيب, ولا زكاة على ما هو أقل من خمسة أوسق لقوله صلى الله عليه وسلم: ( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ) أخرجه البخاري ومسلم, ولما رواه أبو عبيد أن كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أن لا تؤخذ من شيء حتى يبلغ خمسة أوسق) والو سق ستون صاعا والصاع أربعة أمداد, والمد رطل وثلث بالبغدادي, والصاع يساوي 176, 2 غراما، والو سق يساوي 56, 130 كيلو غراما من القمح, وعلى ذلك يكون وزن خمسة أوسق وهو نصاب الزكاة في الحنطة 652 كغم, وهذا الوزن يختلف عن وزن الشعير أو التمر أو الزبيب, لأن هذه الأنواع غير متساوية الأوزاق لكيل الواحد, والنصاب معتبر بالكيل وليس بالوزن, ووقت استيفاء الزكاة في الحبوب هو بعد أن تحصد وتداس وتصفى من التبن, لقوله سبحانه وتعالى: ( وآتوا حقه يوم حصاده) الأنعام 141, وكذلك في الثمار بعد أن تجف ويصير الرطب تمرا والعنب زبيبا، ولا يشترط فيها الحول, وقد دلت السنة أن أخذ الزكاة يكون بعد أن يجف الرطب والعنب ويتحولا إلى تمر وزبيب وبعد أن يحصد الحب ويصفى, إذا بلغ ما أخرجت الأرض من قمح أوشعير, أو تمر أو زبيب خمسة أوسق وجب فيه العشر إن سقي بغير مؤونة, كأن سقي بماء السماء أو الأنهار أو كان يشرب بعروقه بغير سقي, كالشجر الذي يغرس في أرض ماؤها قريب يعني دون حاجة إلى سقى.

أما إذا سقي بالنواضح أو الآبار الارتوازية والدوالي, فهذا النوع ممن سقى بمؤونة فزكاته نصف العشر, عن علي كرم الله وجهه قال: ( فيما سقت السماء العشر, وفيما سقي بالدوالي والنواضح نصف العشر) رواه أبو عبيد, وعن بسر بن سعيد قال: ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة فيما سقت السماء, وفي البعل, وفيما سقت العيون العشر, وفيما سقت السواني ( النواضح ) نصف العشر) رواه أبو عبيد, فإن سقي أكثر العام بدون مؤونة كان فيه العشر, وإن سقي نصف السنة بدون مؤونة والنصف الثاني بمؤونة كان فيه ثلاثة أرباع.

تؤخذ زكاة الزر وع والثمار من عين الزرع أو التمر الذي وجبت زكاته, وأن تؤخذ من وسطه, لا من أعلاه ولا من أردئه, فلا يجوز للمصدق أن يعمد إلى أخذ أجود الزر وع والثمار, لقوله صلى الله عليه وسلم: ( إياك وكرائم أموالهم) رواه الترمذي, كما لا يجوز لرب الزرع والثمر أن يعمد إلى الرديء من الزرع والثمر لإخراجه في الصدقة, لقوله تعالى: ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) البقرة 267.

ويجوز في زكاة الزر وع والثمار أن تؤخذ القيمة نقودا أو غيرها بدلا عن أخذ العين من الزر وع والثمار, وذلك لما روي عمرو بن دينار عن طاووس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمين فكان يأخذ الثياب بصدقة الحنطة والشعير) رواه أبو عبيد, ولأنه يوجد نوع من النخيل لا يصير رطبه تمرا, كما يوجد نوع من العنب لا يصير زبيبا, والنبي صلى الله عليه وسلم أخذ الثياب مكان الذهب, لقوله صلى الله عليه وسلم في الجزية: ( أن على كل حالم دينار أو عدله من المعافر). أي من الثساب، كما أن عليا رضي الله عنه كان يأخذ الإبر والحبال والمسال في الجزية بدل الذهب والفضة.

وإلى أن نلتقي معكم في حلقة قادمة ومع مادة اخرى أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

أبو الصادق
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).

(ح19)



شرح المادة 144

نص المادة (144):

( تجبى الجزية من الذميين, وتؤخذ على الرجال البالغين بقدر ما يحتملونها, ولا تؤخذ على النساء ولا على الأولاد).

عرفت الجزية بأنها: هي حق أوصل الله المسلمين اليه من الكفار, خضوعا منهم لحكم الإسلام, ويلتزم المسلمون للكفار الذين يعطون الجزية بالكف عنهم, والحماية لهم, ليكونوا بالكف آمنين, وبالحماية محروسين. ودليل الجزية في الكتاب والسنة.

أما الكتاب: فقد قال سبحانه وتعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ }التوبة29.

وأما السنة: (فقد كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر يدعوهم إلى الإسلام، فمن أسلم قُبل منه, وإلا ضربت عليه الجزية في أن لا تؤكل له ذبيحة ولا تنكح له امرأة)، وتؤخذ على القادر من أهل الكتاب أي من اليهود والنصارى بدليل الآية السابقة (مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ) عربا كانوا أم غير عرب, لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخذها من يهود اليمن ومن نصارى نجران, وفي الحديث عن عروة بن الزبير قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا إلى أهل اليمن: (....ومن كان على يهودية أو نصرانية فإنه لا يفتن عنها وعليه الجزية)، وعن أبن شهاب قال: (أول من أعطى الجزية أهل نجران, وكانوا نصارى) وأخذها أبو بكر من نصارى الحيرة وكانوا عربا, كما أخذها عمر من نصارى الشام من عرب وعجم .

وتؤخذ كذلك من غير أهل الكتاب من الصابئة والمجوس والهندوس والشيوعيين وأمثالهم, لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخذها من مجوس هجر, عن الحسن بن محمد قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر يدعوهم إلى الإسلام, فمن أسلم قُبل منه, ومن لا, ضربت عليه الجزية في أن لا تؤكل له ذبيحة ولا تنكح له إمراة, كما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) رواه مالك .

أما العرب من عبدة الأوثان: فإنه لا يقبل منهم إلا الإسلام, وإلا فالسيف, لقوله تعالى: {... فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ...}التوبة5، وقوله سبحانه: {....سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ...}الفتح16، وكان هذا عام تبوك في السنة التاسعة للهجرة, وفيها نزلت سورة براءة, التي أوجبت الجزية على أهل الكتاب, وقتل المشركين من العرب من عبدة الأوثان، وقد انتهى وجودهم منذ السنة العاشرة للهجرة.

أما الأشخاص أو الفئات التي كانت مسلمة وارتدت عن الإسلام وهي موجودة اليوم في بلاد المسلمين, فإنه ينظر, فإن كانوا قد ولدوا من المرتدين, ولم يرتدوا هم أنفسهم, وإنما الذي ارتد آباؤهم أو أجدادهم أو أجداد أجدادهم, مثل الدروز والبهائيين والإسماعيليين والنصيرين الذين يؤلهون عليا كرم الله وجهه, فإنهم لايعاملون معاملة المرتدين, بل يعاملون معاملة المجوس والصابئة, فتضرب عليهم الجزية ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم, إلا إن جددوا إسلامهم ودخلوا في الإسلام. أما إن ارتدوا هم عن الإسلام ,كأن تحولوا إلى اليهودية أو النصرانية أو الشيوعية, أو إلى أية فكرة تنكر أن الإسلام دين منزل من عند الله, وتنكر أن محمدا رسول الله, اوتنكر أن الإسلام واجب التطبيق أو تنكر السنة أو غير ذلك مما يخرجهم عن الإسلام ,فإنهم يعاملون معاملة المرتدين سواء بسواء.

تؤخذ الجزية من الرجال العقلاء البالغين, ولا تؤخذ منصبي ولا مجنون ولا امرأة، فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما أرسل معاذا إلى اليمن (أمره أن يأخذ من كل حالم دينار ) رواه أبو داود .

وكتب عمر إلى أمراء الأجناد (أن يضربوا الجزية ولا يضربوها على النساء والصبيان, ولا يضربوها إلا على من جرت عليه الموسى) أي البالغين, رواه أبو عبيد, فإذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون, وجب عليه الجزية, وتجب على الرهبان في أديرتهم ,وعلى أهل الصوامع وعلى المرضى وعلى العمى والشيوخ، إن كانوا من أهل اليسار, فآية الجزية تشملهم, أما إن كانوا فقراء فتسقط عنهم الجزية لقوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) البقرة 286, وروى أبو يوسف وأبو عبيد عن عمر بن الخطاب (أنه مر بشيخ من أهل الذمة يسأل أبواب الناس, فقال له ما ألجأك إلى ما أرى؟

قال الجزية والسن والحاجة, فقال له عمر: ما أنصفناك أن كنا أخذنا منك الجزية في شيبتك ثم ضيعناك في كبرك ) وأخذه إلى بيته, وأعطاه ما يقيته, ثم أرسله إلى خازن بيت المال, وأمره أن يسقط عنه الجزية, وأن يعطيه من بيت المال من غير الزكاة.

وتسقط الجزية عند إسلام الشخص, سواء أسلم في أول الحول أم في منتصفه أم في منتصفه أم بعد انقضائه, لقوله تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ ..... }الأنفال38، ولما روي أبن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ليس على مسلم جزية)، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( الإسلام يجب ما كان قبله) رواه أحمد, وإذا كان الإسلام يهدم ما قبله من الشرك والكفر والمعاصي، فكيف لا يهدم الجزية وصغارها؟ والجزية لا تسقط بالموت، يعني إن مات الشخص بعد مرور الحول, فيجب عليه سدادها من تركته كبقية ديونه فإن لم يكن له تركه سقطت عنه, ولا يعفى الذمي من دفع الجزية حتى ولو كان جنديا متطوعا في الجيش الإسلامي يقاتل الكفار, طالما هو باق على كفره.

يختلف مقدار الجزية من مكان إلى أخر, فالرسول النبي صلى الله عليه وسلم أمر معاذا عندما أرسله إلى اليمن ( أن يأخذ من كل حالم من أهل الذمة دينارا, أو عدله من المعافر) رواه أبو داود. وعمر رضي الله عنه فرض أهل الشام وأهل مصر على الغني منهم أربعة دنانير, وعلى المتوسط ديناران وعلى الفقير المتكسب دينارا, كما فرض عليهم فوق ذلك طعاما للجند, وضيافة للمسلمين, وفرض على أهل العراق ثمانية وأربعين درهما على الغني وأربعة وعشرين درهما على المتوسط, وأثنى عشر درهما على الفقير المتكسب.

يتبين من هذا أن مقدار الجزية ليس واحدا, وليس محددا بحد واحد ولا يجوز تعديه, بل ترك الشرع للخليفة أن يراعي فيه ناحية اليسار والضيق, بحيث لا يشق على أهل الذمة ولا يكلفهم فوق طاقتهم, فأهل الخبرة وكذلك العرف اللذان يرجع لهما الخليفة عند التقدير, فيعين من أهل الخبرة أشخاصا للتميز بين الأغنياء, والمتوسطين والفقراء, لوضع حدودها كي لا يظلم أهل الذمة ولا يظلم بيت المال فينتقصه حقه.

ويعمل سجل خاص لجميع أهل الذمة حسب أديانهم وفرقهم, يكون له مكان خاص في دائرة الجزية, يحوي جميع المعلومات اللازمة من تواريخ ميلادهم وأعمارهم وموتهم وحالتهم المالية ليكون تقدير أخذ الجزية على أساسه.

والجزية تستوفي بحلول الحول ويكون مرة في السنة, ويعين الحول بأول محرم وينتهي في آخر ذي الحجة, حتى يكون الحول محدد الأول والآخر للجميع, لا أن يكون لكل شخص حول خاص به, ويعين جباة خاصون لاستيفائها, ويمنعوا من أخذ ما يزيد عن مقدارها المفروض على الأشخاص, لأن الزيادة ظلم وغلول, والغلول في النار, ويمنع الجباة من ضرب أو تعذيب من يمتنع عن أدائها, لأن الرسول النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، فقد روى أبو يوسف عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب مرّ عن قوم وهو بطريق الشام, قد أقيموا في الشمس, يصب على رؤوسهم الزيت, فقال ما بال هؤلاء, فقالوا عليهم الجزية لم يؤدوها, فهم يعذبون حتى يؤدوها, فقال عمر فما يقولون هم, وما يعتذرون في الجزية؟ قالوا يقولون لا نجد, قال فدعوهم, لا تكلفوهم مالا يطيقون, فإني سمعت رسول الله النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا تعذبوا الناس, فإن الذين يعذبون الناس في الدنيا يعذبهم الله يوم القيامة) فَخُلي سبيلهم. فعلى المعسر منهم أن يأتي بالبينة على عسره, فإن أثبته يمهل إلى ميسرة, فإن لم يثبته وثبت أنه مماطل سجن وترك حتى يدفع الجزية.

والجزية تدفع بالذهب أو الفضة أو غير ذلك من عروض أو حيوان,، فقد أخذ معاذ بدلا عنها مغامرا أي ثيابا, ويجوز أن تجعل الجزية من النقد المتداول.

وإلى أن نلتقي في حلقة قادمة إن شاء الله نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو الصادق
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).

(ح20)

شرح المادة 145

نص المادة (145):

(يجبى الخراج على الأرض الخراجية بقدر احتمالها وأما الأرض العشرية، فتجبى بها الزكاة على الناتج الفعلي)

تبين هذه المادة: أن الأرض تكون على نوعين لا ثالث لهما، إما أن تكون أرضا خراجية, وهي الأرض التي فتحت عَنوة أو صلحا، وهي غنيمة للمسلمين فتكون منفعتها لهم, ورقبتها لبيت المال، وإما أن تكون أرضا عشرية وهي الأرض التي أسلم أهلها عليها, وهي غنيمة للمسلمين يملكون رقبتها ومنفعتها.

والخراج نوعان: خراج العنوه وخراج الصلح، أما خراج العنوه, فهو الخراج الذي يوضع على كل أرض استولى عليها المسلمون من الكفار عنوة بالقتال, مثل أرض العراق والشام ومصر، ودليله قوله سبحانه تعالى ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ...)، ثم قال سبحانه: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون)، ثم قال تعالى: (والذين تبوئوا الدار والإيمان من قبلهم)، ثم قال سبحانه: (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان).

وهذه هي الآيات, التي احتج بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه لدعم رأيه في عدم تقسيم أرض العراق والشام ومصر على المقاتلين، بعد أن طلب منه بلال وعبد الرحمن والزبير، بأن يقسم الأرض التي أفاءها الله عليهم بأسيافهم، كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض خيبر على المقاتلين عندما افتتحها, فعمر رضي الله عنه جمع بعض الأنصار وقال لهم: قد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها، وأضع عليهم فيها الخراج، وفي رقابهم الجزية يؤدونها، فتكون فيئا للمسلمين المقاتلة والذرية ولمن يأتي بعدهم، أرأيتم هذه الثغور, لابد لها من رجال يلزمونها ؟ أرأيتم هذه المدن العظام كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر؟ لا بد أن تشحن بالجيوش, وإدرار العطاء عليهم، فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج؟ فوافقوه على رأيه, وبذلك أبقى عمر الأرض بيد أصحابها, وفرض عليها خراجا يؤدونه إلى بيت مال المسلمين, وجعله فيئا للمسلمين, ويبقى خراجا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

أما خراج الصلح: فهو الخراج الذي يوضع على كل أرض صولح أهلها عليها، ويكون تبعا للصلح الذي يتم الاتفاق عليه بين المسلمين وبين من يصالحونهم، فإن كان الصلح على أن الأرض لنا, وأن نقر أهلها عليها مقابل خراج يدفعونه, فإن هذا الخراج يبقى أبد الدهر على هذه الأرض, وتبقى أرضه خراجيه حتى لو انتقلت إلى المسلمين, بإسلام أو شراء أو غير ذلك.

أما إن كان الصلح على أن الأرض لهم, وأن تبقى في أيديهم, وأن يقروا عليها بخراج معلوم يضرب عليهم, فهذا الخراج يكون بمقام الجزية, ويسقط بإسلامهم أو ببيعهم الأرض إلى مسلم, وأما إن باعوا الأرض إلى كافر, فإن خراج الأرض يظل باقيا ولا يسقط, لأن الكافر من أهل الخراج والجزية, وليس من أهل الزكاة .

أما الأرض العشرية: فيؤخذ منها العشر على ناتجها, وهذا العشر يبقى عشرا, ولا يتحول إلى خراج إلافي حالة واحدة, وهي إذا اشترى كافر من مسلم أرضا عشرية, فإن عليه أن يدفع الخراج, وليس العشر, لأن العشر زكاة, والكافر ليس من أهل الزكاة, ولأنها صدقة وطهر للمسلم.

وأرض العشر هي :

أ‌- أرض جزيرة العرب ,لأن أهلها كانوا من عبد ة الأوثان, فلم يقبل منهم إلا الإسلام, ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفرض أي خراج عليها, مع أنه حارب وفتح عدة أمكنة فيها.

ب‌- كل أرض أسلم أهلها عليها, مثل اندونيسيا واليمن وجنوب شرق آسيا,قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله, فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه, وحسابه على الله ) رواه الشيخان عن طريق أبي هريرة .


ج- كل أرض فتحت عنوة. وقسمها الخليفة على المحاربين مثل أرض خيبر, أو أقر المحاربين على امتلاك جزء منها .

د- كل أرض صولح أهلها عليها على أن نقرها في أيديهم ملكا لهم, لقاء خراج يؤدونه, فإنها تصبح أرض عشر عندما يسلمون أو يبيعونها لمسلم .

هـ- كل أرض ميتة أحياها مسلم , قال صلى الله عليه وسلم: )من أحيا أرضا ليست لأحد فهو أحق بها ).

هذه هي الأرض العشرية وبهذه الكيفية تصبح الأرض أرضا عشرية.

أما اجتماع العشر والخراج في أرض واحدة فهذا ممكن وجائز, لأن الأرض عندما تكون في يد الكفار, ففيها الخراج, فإن أسلموا أو باعوها لمسلم, لم يسقط خراجها, ويصبح على المسلم الذي اشتراها أن يدفع الخراج وفيما زاد عن الخراج يدفع العشر, لأن الخراج حق وجب على الأرض والعشر حق وجب على ناتج الأرض, فلا تنافي بين الحقين, لأنهما وجبا بسببين مختلفين.

وأما ما استدل به الأحناف على عدم الجمع بين العشر والخراج من حديث يروونه عن الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم)، فإنه ليس بحديث.

قد يسأل سائل كيف نعرف أن هذه الأرض عشرية وتلك خراجيه, بعد أن هدمت الخلافة ودمرت السجلات والدواوين, التي تميز الأرض المقطعة؟

فالجواب يمكن أن يسار على النحو التالي:

اعتبارا بالأعم الأغلب لما هو معروف بأنه فتح عنوة أو أسلم أهله عليه أو اتخذ معه وضع معين, فجميع أرض العراق ومنها الكويت وإيران والهند وباكستان وأفغانستان وتركستان وبخارى وسمرقند وأرض بلاد الشام وتركيا ومصر والسودان وشمال أفريقيا, كلها تعتبر أرض خراج, لأنها قد فتحت عنوة يجب فيها الخراج على أهلها من المسلمين والكفار, والعشر كذلك على المسلمين, إذا كان ناتج أرضهم مما تجب فيه الزكاة, ويبلغ نصابا بعد أداء الخراج.

أما شبه جزيرة العرب, بما فيها اليمن واندونيسيا وجنوب شرق أسيا وأمثالها, فإنها أرض عشرية لا خراج عليها, ولا يجب عليها إلا العشر, زكاة على الناتج الذي تجب فيه الزكاة.

وعند وضع الخراج, لا بد من أن ينتدب الخليفة أو من ينوب عنه أشخاصا من ذوي الخبرة في المساحة والخرص والتقدير, كي ينصفوا الناس وينصفوا بيت المال, فعمر رضي الله عنه, استشار المسلمين فيمن يرسله لهذا الغرض, فاجتمعوا على عثمان بن حنيف, وقالوا: ( تبعثه إلى أهم من ذلك, فإن له بصرا وعقلا وتجربة, فولاه عمر مساحة السودان), فالٌمنتدب لوضع الخراج, عليه أن يراعي واقع الأرض, أهي خصبة يجود إنتاجها ويكثر عطاؤها؟ أم رديئة يقل ريعها ويردؤ إنتاجها؟ ومن حيث كونها تسقى بماء السماء أو بماء العيون والآبار, أو بماء القنوات والأنهار, ومن حيث الكلفة, وقربها من الأسواق والمدن والطرق المعبدة وغير ذلك.

أما بالنسبة لتقدير الخراج فيكون حسب رأي الخليفة واجتهاده, وحسب تقلبات الأوضاع على الأرض, من طروء خراب أو انقطاع مياه, أوحصول آفات وغلاء أسعار النقل, فكل هذه التقلبات يجعل لها أثر في التقدير.

والخراج والعشر حق للمسلمين, وأن العشر يوضع في بيت المال في باب الزكاة, ويصرف على الأصناف الثمانية, أما الخراج فينفق على جميع مصالح الدولة, وتدفع منه أرزاق الموظفين, والجند, والأعطيات, ومنه تُعد الجيوش, وتُجهز بالسلاح, وُينفق على الأرامل والمحتاجين, وتقضى مصالح الناس وترعى شؤونهم، ويتصرف فيه الخليفة برأيه واجتهاده بما فيه الخير والصلاح للإسلام والمسلمين.

وإلى حلقة قادمة نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو الصادق


http://www.hizb-ut-tahrir.info/info/index....ents/entry_3779
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).

(ح21)

شرح المادة 146

نص المادة (146):

(يجبى الخراج على الأرض الخراجية بقدر احتمالها وأما الأرض العشرية، فتجبى بها الزكاة على الناتج الفعلي)

تبين هذه المادة: أن الأرض تكون على نوعين لا ثالث لهما، إما أن تكون أرضا خراجية, وهي الأرض التي فتحت عَنوة أو صلحا، وهي غنيمة للمسلمين فتكون منفعتها لهم, ورقبتها لبيت المال، وإما أن تكون أرضا عشرية وهي الأرض التي أسلم أهلها عليها, وهي غنيمة للمسلمين يملكون رقبتها ومنفعتها.

والخراج نوعان: خراج العنوه وخراج الصلح، أما خراج العنوه, فهو الخراج الذي يوضع على كل أرض استولى عليها المسلمون من الكفار عنوة بالقتال, مثل أرض العراق والشام ومصر، ودليله قوله سبحانه تعالى ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ...)، ثم قال سبحانه: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون)، ثم قال تعالى: (والذين تبوئوا الدار والإيمان من قبلهم)، ثم قال سبحانه: (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان).

وهذه هي الآيات, التي احتج بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه لدعم رأيه في عدم تقسيم أرض العراق والشام ومصر على المقاتلين، بعد أن طلب منه بلال وعبد الرحمن والزبير، بأن يقسم الأرض التي أفاءها الله عليهم بأسيافهم، كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض خيبر على المقاتلين عندما افتتحها, فعمر رضي الله عنه جمع بعض الأنصار وقال لهم: قد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها، وأضع عليهم فيها الخراج، وفي رقابهم الجزية يؤدونها، فتكون فيئا للمسلمين المقاتلة والذرية ولمن يأتي بعدهم، أرأيتم هذه الثغور, لابد لها من رجال يلزمونها ؟ أرأيتم هذه المدن العظام كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر؟ لا بد أن تشحن بالجيوش, وإدرار العطاء عليهم، فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج؟ فوافقوه على رأيه, وبذلك أبقى عمر الأرض بيد أصحابها, وفرض عليها خراجا يؤدونه إلى بيت مال المسلمين, وجعله فيئا للمسلمين, ويبقى خراجا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

أما خراج الصلح: فهو الخراج الذي يوضع على كل أرض صولح أهلها عليها، ويكون تبعا للصلح الذي يتم الاتفاق عليه بين المسلمين وبين من يصالحونهم، فإن كان الصلح على أن الأرض لنا, وأن نقر أهلها عليها مقابل خراج يدفعونه, فإن هذا الخراج يبقى أبد الدهر على هذه الأرض, وتبقى أرضه خراجيه حتى لو انتقلت إلى المسلمين, بإسلام أو شراء أو غير ذلك.

أما إن كان الصلح على أن الأرض لهم, وأن تبقى في أيديهم, وأن يقروا عليها بخراج معلوم يضرب عليهم, فهذا الخراج يكون بمقام الجزية, ويسقط بإسلامهم أو ببيعهم الأرض إلى مسلم, وأما إن باعوا الأرض إلى كافر, فإن خراج الأرض يظل باقيا ولا يسقط, لأن الكافر من أهل الخراج والجزية, وليس من أهل الزكاة .

أما الأرض العشرية: فيؤخذ منها العشر على ناتجها, وهذا العشر يبقى عشرا, ولا يتحول إلى خراج إلافي حالة واحدة, وهي إذا اشترى كافر من مسلم أرضا عشرية, فإن عليه أن يدفع الخراج, وليس العشر, لأن العشر زكاة, والكافر ليس من أهل الزكاة, ولأنها صدقة وطهر للمسلم.

وأرض العشر هي :

أ‌- أرض جزيرة العرب ,لأن أهلها كانوا من عبد ة الأوثان, فلم يقبل منهم إلا الإسلام, ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفرض أي خراج عليها, مع أنه حارب وفتح عدة أمكنة فيها.

ب‌- كل أرض أسلم أهلها عليها, مثل اندونيسيا واليمن وجنوب شرق آسيا,قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله, فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه, وحسابه على الله ) رواه الشيخان عن طريق أبي هريرة .


ج- كل أرض فتحت عنوة. وقسمها الخليفة على المحاربين مثل أرض خيبر, أو أقر المحاربين على امتلاك جزء منها .

د- كل أرض صولح أهلها عليها على أن نقرها في أيديهم ملكا لهم, لقاء خراج يؤدونه, فإنها تصبح أرض عشر عندما يسلمون أو يبيعونها لمسلم .

هـ- كل أرض ميتة أحياها مسلم , قال صلى الله عليه وسلم: )من أحيا أرضا ليست لأحد فهو أحق بها ).

هذه هي الأرض العشرية وبهذه الكيفية تصبح الأرض أرضا عشرية.

أما اجتماع العشر والخراج في أرض واحدة فهذا ممكن وجائز, لأن الأرض عندما تكون في يد الكفار, ففيها الخراج, فإن أسلموا أو باعوها لمسلم, لم يسقط خراجها, ويصبح على المسلم الذي اشتراها أن يدفع الخراج وفيما زاد عن الخراج يدفع العشر, لأن الخراج حق وجب على الأرض والعشر حق وجب على ناتج الأرض, فلا تنافي بين الحقين, لأنهما وجبا بسببين مختلفين.

وأما ما استدل به الأحناف على عدم الجمع بين العشر والخراج من حديث يروونه عن الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم)، فإنه ليس بحديث.

قد يسأل سائل كيف نعرف أن هذه الأرض عشرية وتلك خراجيه, بعد أن هدمت الخلافة ودمرت السجلات والدواوين, التي تميز الأرض المقطعة؟

فالجواب يمكن أن يسار على النحو التالي:

اعتبارا بالأعم الأغلب لما هو معروف بأنه فتح عنوة أو أسلم أهله عليه أو اتخذ معه وضع معين, فجميع أرض العراق ومنها الكويت وإيران والهند وباكستان وأفغانستان وتركستان وبخارى وسمرقند وأرض بلاد الشام وتركيا ومصر والسودان وشمال أفريقيا, كلها تعتبر أرض خراج, لأنها قد فتحت عنوة يجب فيها الخراج على أهلها من المسلمين والكفار, والعشر كذلك على المسلمين, إذا كان ناتج أرضهم مما تجب فيه الزكاة, ويبلغ نصابا بعد أداء الخراج.

أما شبه جزيرة العرب, بما فيها اليمن واندونيسيا وجنوب شرق أسيا وأمثالها, فإنها أرض عشرية لا خراج عليها, ولا يجب عليها إلا العشر, زكاة على الناتج الذي تجب فيه الزكاة.

وعند وضع الخراج, لا بد من أن ينتدب الخليفة أو من ينوب عنه أشخاصا من ذوي الخبرة في المساحة والخرص والتقدير, كي ينصفوا الناس وينصفوا بيت المال, فعمر رضي الله عنه, استشار المسلمين فيمن يرسله لهذا الغرض, فاجتمعوا على عثمان بن حنيف, وقالوا: ( تبعثه إلى أهم من ذلك, فإن له بصرا وعقلا وتجربة, فولاه عمر مساحة السودان), فالٌمنتدب لوضع الخراج, عليه أن يراعي واقع الأرض, أهي خصبة يجود إنتاجها ويكثر عطاؤها؟ أم رديئة يقل ريعها ويردؤ إنتاجها؟ ومن حيث كونها تسقى بماء السماء أو بماء العيون والآبار, أو بماء القنوات والأنهار, ومن حيث الكلفة, وقربها من الأسواق والمدن والطرق المعبدة وغير ذلك.

أما بالنسبة لتقدير الخراج فيكون حسب رأي الخليفة واجتهاده, وحسب تقلبات الأوضاع على الأرض, من طروء خراب أو انقطاع مياه, أوحصول آفات وغلاء أسعار النقل, فكل هذه التقلبات يجعل لها أثر في التقدير.

والخراج والعشر حق للمسلمين, وأن العشر يوضع في بيت المال في باب الزكاة, ويصرف على الأصناف الثمانية, أما الخراج فينفق على جميع مصالح الدولة, وتدفع منه أرزاق الموظفين, والجند, والأعطيات, ومنه تُعد الجيوش, وتُجهز بالسلاح, وُينفق على الأرامل والمحتاجين, وتقضى مصالح الناس وترعى شؤونهم، ويتصرف فيه الخليفة برأيه واجتهاده بما فيه الخير والصلاح للإسلام والمسلمين.

وإلى حلقة قادمة نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو الصادق
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح22)



شرح المادة 147-ج1
نص المادة (147):
( كل ما أوجب الشرع على الأمة القيام به من الأعمال ,وليس في بيت المال مال للقيام به فإن وجوبه ينتقل على الأمة, وللدولة حينئذ الحق في أن تحصله من الأمة بفرض الضريبة عليها, وما لم يجب على الأمة شرعا القيام به, لا يجوز للدولة أن تفرض أية ضريبة من أجله ,فلا يجوز أن تأخذ رسوما للمحاكم أو الدوائر أو لقضاء أية مصلحة ).

إخوتي الكرام: إن أموال واردات بيت المال الدائمية, كافية للإنفاق على ما يجب على بيت المال الإنفاق عليه, دون أن تفرض ا ضريبة على المسلمين من أجل أية مصلحة من المصالح, أما إذا أصبحت هذه الواردات غير كافية, ولم يكن في بيت المال مال للإنفاق على الحاجات والجهات المستحقة الصرف عليها في حالة عدم وجود المال، ولم يتبرع المسلمون من أنفسهم تبرعا كافيا لتغطية النفقة على هذه الحاجات والجهات التي طلب الخليفة التبرع منهم، إنتقل عندئذ وجوب الإنفاق من بيت المال إلى المسلمين.

فللدولة أن تفرض الضرائب على المسلمين بالقدر الذي يحتاج إليه لتغطية النفقات الواجبة لهذه الحاجات والجهات دون زيادة وتحصلها الدولة مما يفضل عن إشباع حاجات الناس الأساسية والكمالية بالمعروف.

وقد ذكر في كتاب الأموال في دولة الخلافة وهو من منشورات حزب التحرير، ذكرت، الحاجات والجهات التي يجب على بيت المال الإنفاق عليها ، والتي تستحق الصرف عليها في حالة وجود المال، والتي ينتقل وجوب الإنفاق عليها من بيت المال إلى المسلمين ، في حالة عدم وجود المال فيه ، والتي تفرض ضرائب لأجل الإنفاق عليها ، فهي:


1. نفقات الجهاد وما يلزم من تكوين جيش قوي وتدريبه تدريبا عالي المستوى، وإعداد السلاح المتطور له، كما وكيفا بالدرجة التي تردع العدو وترهبه، ، وتمكن من قهر أعدائنا، وتحرير أراضينا، والقضاء على نفوذ الكفار من بلاد المسلمين، وتمكن كذلك من حمل دعوة الإسلام إلى العالم.فاستحقاق الصرف للجهاد وما يلزم له هو من الحقوق ألازمة على بيت المال، سواء أكان في بيت المال مال، أم لم يكن فيه مال.فإن كان المال موجودا فيه، صرف منه على الجهاد وما يلزم له، وإن لم يكن المال موجودا فيه انتقل وجوب الصرف عليه- مادام الجهاد واجبا ومتعينا- من بيت المال إلى المسلمين، لأن الجهاد واجب عليهم بالمال والنفس قال تعالىsad.gifانفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "جاهدوا المشركين بأموالكم، وأيديكم، وألسنتكم" وهناك كذلك عشرات الآيات والأحاديث التي تفرض على المسلمين الجهاد بالمال والنفس. لذلك فإنه في حالة عدم وجود مال في بيت المال لإنفاق على الجهاد وما يلزم له إلى حض المسلمين على التبرع للجهاد.أخرج أحمد عن عبد الرحمن بن خباب السلمي قال: "خطب النبي صلى الله عليه وسلم فحث على جيش العسرة، فقال عثمان بن عفان:علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها" وعن حذيفة بن اليمان قال: " بعث النبي صلى الله عليه وسلم " إلى عثمان يستعينه في جيش العسرة، فبعث إليه عثمان بعشرة آلاف دينار، فصب بين يديه، فجعل فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها بين يديه ظهرا لبطن، ويدعو له ويقول: غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت، وما أخفيت، وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ما يبالي عثمان ما عمل بعد هذا". فإن لم تكف تبرعات المسلمين للإنفاق على الجهاد وكان متعينا، قامت الدولة بفرض ضرائب على المسلمين بالقدر اللازم للإنفاق عليه، وعلى ما يلزم له دون زيادة، ولا يحل لها أن تفرض أكثر من الحاجة اللازمة لذلك.


2. نفقات الصناعات الحربية وما يلزم لها من صناعات ومصانع، للتمكن من صناعة الأسلحة اللازمة؛ لأن الجهاد يحتاج إلى الجيش، والجيش حتى يستطيع أن يقاتل لا يد له من سلاح، والسلاح حتى يتوفر للجيش توفرا تاما وعلى أعلى مستوى، لا بد له من صناعة، لذلك كانت الصناعة الحربية لها علاقة تامة بالجهاد، ومربوطة به ربطا محكما، والدولة حتى تكون مالكة لزمام أمرها، بعيد عن تأثير غيرها فيها، وتحكمه بها، لا بد من أن تقوم بصناعة سلاحها، خاصة الحيوي منه، ، وتطويره بنفسها، حتى تكون مالكة لأحدث الأسلحة، وأقواها، مهما تقدمت الأسلحة وتطورت، وليكون تحت تصرفها كل ما تحتاجه من سلاح لإرهاب كل عدو ظاهرا كان أو خفيا، حسب الوضع الدولي الذي تكون فيه. وعدم وجود هذه المصانع عند الأمة، يجعل المسلمين معتمدين في التسلح على الدول الكافرة، مما قد يجعل إرادة المسلمين، وقراراتهم، مرهونة لإرادة وقرارات الدول الكافرة، لأنها لا تبيع السلاح إلا بشروط تحقق مصالحها، وهذا ضرر من أفظع الأضرار على الأمة. لذلك فإن إقامة هذه المصانع على المسلمين بنصوص الآيات والأحاديث التي توجب على المسلمين بنصوص والأحاديث التي توجب على المسلمين الجهاد بالمال والنفس بدلالة الالتزام. لأن الجهاد يتوقف على السلاح، والسلاح يحتاج على صناعة، وكذلك بدلالة قوله تعالى: ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوةة، ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم) فالإعداد الذي أوجبه الله على المسلمين هو الإعداد الذي يتحقق به إرهاب الأعداء، الظاهرين، والخفيين، والمحتملين، وهذا الإعداد المرهب يتوقف على الحصول على الأسلحة الحيوية والمتطورة من أعلى طراز، وهذه الأسلحة يتوقف الحصول عليها على إقامة المصانع. ولذلك فإن هذه الآية تدل على وجوب إقامة المصانع على الأمة بدلالة الالتزام، ولأن عدم إقامة هذه المصانع ضرر فظيع على الأمة، وإزالة الضرر عن الأمة واجب، ولا تحقق إزالة هذا الضرر عن الأمة واجب، ولا تحقق إزالة هذا الضرر إلا مع إقامة مصانع الصناعات الحربية، وما يلزم لها من مصانع وصناعات. وهذه المصانع يجوز لأبناء الأمة أن يقيموها، أو يقيموا بعضها لصناعة السلاح اللازم. فإن لم يقيموها، أو أقاموا بعضها، وجب على الدولة أن تقيم هي هذه المصانع بالقدر اللازم لإنتاج جميع ما يلزم أسلحة ومعدات. وتكون لإقامة هذه المصانع بالقدر اللازم لإنتاج جميع ما يلزم من أسلحة ومعدات. وتكون إقامة هذه المصانع من الحقوق اللازمة، سواء أكان المال موجودا في بيت، أم كان غير موجود ا، صرف على إقامة هذه المصانع منه، وإن لم يكن في بيت المال مال للصرف على هذه المصانع، انتقل وجوب الصرف عليها إلى الأمة، وفرضت الدولة لأجله الضرائب اللازمة، بالقدر الكاف، بالغا ما بلغ.

إخوتي الكرام ما زال هناك حاجات وجهات يجب على المسلمين الإنفاق عليها في حالة خلو بيت المال من المال سنتحدث عنها في الحلقة القادمة إن شاء الله وغلى ذلك الحين نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو الصادق
أبو دجانة

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح23)


شرح المادة 147-ج2

إخوتي الكرام:

أتابع معكم شرح المادة147 والتي تحدثنا فيها في الحلقة السابقة عن بعض الحاجات والجهات التي يجب على المسلمين الإنفاق عليها في حال خلو بيت المال من المال، حيث تحدثنا عن نفقات الجهات وما يلزم له، وتحدثنا عن نفقات الصناعات الحربية وما يلزم لها من صناعات ومصانع،.
أما الجانب الثالث الذي يجب على المسلمين الإنفاق عليه في حال خلو بيت المال من المال فهو:

1. نفقات الفقراء، والمساكين، وأبناء السبيل، فالإنفاق عليهم مستحق في حالة وجود المال في بيت المال، وفي حالة عدم وجوده، فإن كان المال موجودا في بيت المال أنفق منه عليهم، فإن لم يكن في بيت المال مال انتقل وجوب الإنفاق عليهم إلى المسلمين، لأن الإنفاق على الفقراء والمساكين وأبناء السبيل، قد فرضه الله على المسلمين في الزكاة والصدقات وغيرها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: " ما آمن بي من بات شبعان، وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به" لذلك إن كان في بيت المال مال للإنفاق على الفقراء، والمساكين، وأبناء السبيل، أنفق عليهم منه، وإلا انتقل وجوب الإنفاق عليهم إلى المسلمين، وفرضت الدولة على المسلمين ضرائب لذلك، بالقدر الكافي، للإنفاق عليهم.


2. نفقات رواتب الجند، والموظفين، والقضاة، والمعلمين، وغيرهم ممن يقدمون خدمة يقومون بها في مصالح المسلمين، فإنهم مقابل تقديمهم هذه الخدمة يستحقون الأجرة عليها من بيت المال، واستحقاق الصرف لهم من الحقوق اللازمة، سواء أكان في بيت المال، أم لم يكن فيه مال، فإن كان في بيت المال مال، صرف منه لهم وإن لم يكن فيه مال، انتقل وجوب الصرف عليهم إلى المسلمين، لأن الله سبحانه قد جعل السلطان للأمة، وأوجب عليها أن تنصب خليفة، تبايعه على السمع والطاعة على العمل بكتاب الله، وسنة رسوله، ليقوم بهذا السلطان نيابة عنها، وليرعى شؤونها وفق الكتاب والسنة. ورعاية شؤونها لا تتم إلا بإقامة أجهزة الدولة، من حكام، وقضاة، وجند، ومعلمين وموظفين، وغيرهم.

وإقامتهم متوقفة على دفع تعويضات، ورواتب لهم. وما دام أن الله قد أوجب على المسلمين إقامتهم، فإنه يكون يقد أوجب على المسلمين دفع تعويضاتهم، وأجورهم، بطريق الالتزام. فقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم الولاة، والعمال، والكتّاب، وفرض لهم أعطيات. كما أقام الخلفاء من بعده الولاة، والعمّال، والقضاة، والكتّاب والجند، وفرضوا لهم الأعطيات من بيت المال.

لذلك إن كان في بيت المال مال، صرف عليهم منه، وإن لم يكن في بيت المال، فرضت الدولة على المسلمين ضرائب، للإنفاق عليهم، بالقدر الذي يُحتاج إليه.


3. النفقات المستحقة على وجه المصلحة، والإرفاق بالأمة، والتي تُنفق على المرافق، التي يُعتبر وجودها ضرورة من الضرورات، وينال الأمة ضرر من عدم القيام بها، مثل الطرقات العامة، والمدارس، والجامعات، والمستشفيات، والمساجد، وتوفير المياه، وما شاكل ذلك. فاستحقاق الصرف لهذه الأمور يُعتبر من الحقوق اللازمة، سواء أوجد مال في بيت المال، أم لم يوجد. فإن وجد مال في بيت المال، صرف على إقامة هذه المرافق، وإن لم يكن في بيت المال مال، انتقل وجوب الصرف عليها إلى الأمة، لأن الصرف عليها واجب على المسلمين، لأن عدم إقامتها يؤدي إلى ضرر بالأمة، والضرر تجب إزالته على الدولة والأمة، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار". وقوله: "ما ضارّ أضرّ الله به، ومن شاقّ شاقّ الله عليه".

ولا يجوز أن تفرض الضرائب على الأمة للنفقات التي تجب على بيت المال في حالة وجود المال فيه، لا في حالة العدم، وذلك كالنفقات التي تُصرف على المرافق التي تقيمها الدولة، وتوفرها للناس على سبيل المصلحة والإرفاق، ولا يوجد ضرر يلحق بالمسلمين من عدم القيام بها، ومن عدم توفيرها، مثل فتح طريق ثانية، أو عمارتها، مع وجود غيرها يغني عنها، ويسدّ مسدّها، ومثل بناء مدرسة، أو جامعة، أو مستشفى، يوجد غيرها يسدّ مسدّها، ويغني عنها، أو مثل توسعة الشوارع التي لا تستدعي الضرورة توسيعها، ومثل إقامة المشاريع الإنتاجية التي لا يترتب على عدم إقامتها أيّ ضرر بالأمة، كإقامة مصنع لاستخراج النيكل، أو الكحل، أو إنشاء حوض لبناء السفن التجارية، وأمثالها. فإن جميع هذه الأمور تقوم بها الدولة عندما يكون عندها في بيت المال مال فاضل عن نفقات الجهات التي يلحق الأمة ضرر من عدم القيام بها، فإن لم يكن في بيت المال مال، لا تقوم الدولة بها، ولا يجوز أن تُفرض ضرائب لأجلها، لأنه لا ينال المسلمين ضرر من عدم القيام بها، لذلك فإنّ إقامتها ليست واجبة عليهم.

وعليه فإنه إن وُجد في بيت المال مال، صرف منه على إقامة وتوفير المرافق الضرورية، وإذا لم يكن في بيت المال مال، فرضت الدولة ضرائب على المسلمين بالقدر اللازم، للإنفاق على إقامة هذه المرافق، وتوفيرها.

4. نفقات الحوادث الطارئة من مجاعات وزلازل وطوفان، أو هجوم عدو، فاستحقاق الإنفاق على هذه الأمور غير معتبر بالوجود، بل هو من الأمور اللازمة في حالة وجود المال في بيت المال، وفي حالة عدم وجوده. فإن كان المال موجوداً في بيت المال، وجب صرفه في الحال على ما يحدث من هذه الطوارئ. وإن كان المال غير موجود، صار فرضاً على المسلمين، ويجب أن يُجمع منهم في الحال، دون إبطاء، فإن خِيفَ الضرر من التأخير، استقْرَضَت الدولة ما يكفي للإنفاق على ما يحدث من هذه الطوارئ، ثم تسدد ما اقترضته مما تجمعه من المسلمين. ودليل وجوبه على المسلمين حديث: "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به"، وحديث: "أيّما أهل عَرْصَةٍ أصبح فيهم امرؤ جائعاً فقد برئت منهم ذمة الله". هذا بالنسبة للمجاعات، وأما الزلازل والطوفان، فإن أدلة وجوب إغاثة الملهوف، ووجوب رفع الضرر عن المسلمين هي أدلة وجوب الصرف عليها من المسلمين.

هذه هي الجهات التي يجب على المسلمين الإنفاق عليها في حالة عدم وجود مال في بيت مال المسلمين، والتي يجب على الدولة أن تقوم بفرض ضرائب على المسلمين لأجل الإنفاق عليها، في حالة عدم كفاية واردات بيت المال الدائمية، وواردات الحمى من الملكيات العامة للإنفاق عليها.
وتؤخذ الضرائب من المسلمين، مما يَفْضُلُ عن إشباع حاجاتهم الأساسية والكمالية بالمعروف، حسب حياتهم التي يعيشون عليها.

فمن كان عنده من المسلمين فضل عن إشباع حاجاته الأساسية، والكمالية، أخذت منه الضريبة، ومن كان لا يَفْضُلُ عنده شيء بعد هذا الإشباع لا يُخذ منه شيء، وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى". والغنى ما يستغني عنه الإنسان، مما هو قدر كفايته لإشباع حاجاته. وروى مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ابدأ بنفسك فتصدّق عليها فإن فَضُلَ شيءٌ فلأهلك، فإن فَضُلَ عن أهلك شيءٌ فلذي قرابتك، فإن فَضُلَ عن ذي قرابتك شيءٌ فهكذا وهكذا –يقول فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك". فأخّر من تجب عليه نفقته عن نفسه، ومثل ذلك الضريبة، لأنها مثل النفقة، ومثل الصدقة، والله سبحانه وتعالى يقول: {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} أي ما ليس في إنفاقه جهد، وهو الزائد عن الحاجة. وتُؤخذ الضريبة على جميع المال الزائد عن الحاجة، لا على الدخل.

وتُفرض الضرائب بقدر الحاجة والكفاية لتغطية العجز في النفقات اللازمة على الجهات السابقة المذكورة. ولا يُراعى في فرض الضرائب منع تزايد الثروة، أو منع الغنى، أو زيادة واردات بيت المال، ولا يُراعى في فرضها إلا كفايتها لسد النفقات اللازمة لهذه الجهات، ولا يُؤخذ أكثر من ذلك، لأن أخذه يكو ظلماً، لكونه غير واجب على المسلمين أن يدفعوه، والظلم ظلمات يوم القيامة.

ولا يجوز للدولة أن تفرض ضرائب غير مباشرة، كما لا يجوز أن تفرض ضرائب على شكل رسوم محاكم، أو على الطلبات المقدمة للدولة، أو على معاملات بيع الأراضي وتسجيلها، أو على المسقّفات، أو الموازين، أو غير ذلك من أنواع الضرائب غير السابقة، لأن فرضها من الظلم المنهيّ عنه، ومن المكس الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة صاحب مكس".
وإلى أن نلقاكم في حلقة قادمة إن شاء الله نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أبو الصادق


أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح24)


شرح المادة (148)
نص المادة : 148
(لميزانية الدولة أبواب دائمية قررتها أحكام شرعية، وأما فصول الميزانية والمبالغ التي يتضمنها كل فصل، والأمور التي تخصص لها هذه المبالغ في كل فصل، فإن ذلك موكول لرأي رئيس الدولة واجتهاده).

تستعمل الدول القائمة اليوم ألفاظا لم تكن مستعملة من قبل لدى الفقهاء، مثل الميزانية والموازنة.
فهل يجوز للدولة الإسلامية أن تستعملها؟

والجواب على ذلك هو: إن لفظ الميزانية أو الموازنة إصطلاح غربي، ومعناه بيان الواردات التي تأخذها الدولة، وذلك ببيان أبوابها، وهي الجهات التي التي تجمع منها، وبيان فصولها وهي فروع هذه الجهات، وبيان المبالغ التي ترد. هذا من جانب ومن جانب آخر، هو ما يكون نفقات تنفقها الدولة، وبيان أبوابها وهي الجهات التي يجري الانفاق عليها، وبيان فصولها اي فروع هذه الجهات، وبيان المبالغ التي تنفق على كل امر من هذه الامور المذكورة في كل فصل.

هذا هو واقع الميزانية او الموازنة، وهذا الواقع لم يكن المسلمون يعرفونه كما اسلفنا بل كانوا يعرفون بيت المال، وقد استعملوه طيلة الفترة التي كان بها للمسلمين دولة الى ان هدمها الكافر المستعمر سنة 1342هـ فاخذوا يطبقون مفاهيمه الاقتصادية الرأسمالية، فلم يعد لبيت المال وجود في حياة المسلمين الى يومنا هذا، أي بعد ثمان وثمانين سنة من هدمها.

وبيت المال هو الجهة التي تختص بكل ما يرد الى الدولة، أو يخرج منها مما يستحقه المسلمون من مال، أرضا كان أو بناء، أو معدنا أو نقدا أو عروضا، استحقه المسلمون وفق الأحكام الشرعية، ولم يتعين شخص مالكه، وإن تعينت جهته، فهو حق لبيت مال المسلمين سواء أدخل في حرز بيت المال أم لم يدخل.
وكل مال وجب صرفه على مستحقيه وأصحابه، أو على مصالح المسلمين، ورعاية شؤونهم، أو على حمل الدعوة، فهو حق على بيت المال، سواء صرف بالفعل، أم لم يصرف، فبيت المال بهذا المعنى، وهو الذي ترد اليه الواردات، وتنفق منه على مصالح المسلمين، ووجود مثل هذا اي الواردات والنفقات يشكل واقع الميزانية أو الموازنة، وان لم يسم بهذا الاسم، ولهذا لا يوجد ما يمنع من اخذ هذا اللفظ بما يعنيه من اصطلاح، وهو بمثابة العلم او التكنولوجيا التي لا ترتبط بحضارة الغرب فيجوز أخذها.

والميزانية والموازنة هي مجموع ابواب الواردات، وأبواب النفقات، وفصول كل منها.

وبناء على ذلك تكون للدولة ميزانية او موازنة، ويكون بيت المال هو الموكل في هذه الميزانية، إذ انه في واقعه الشرعي قد عرفه الفقهاء بأنه (( الجهة التي تختص بكل دخل او خرج لما يستحقه المسلمون من مال ))، وهذا يعني انه ليس اسم مكان، بل هو الجهة في قبض ما أمر الله الخليفة أن يقبضه، وصرف ما أمر الله به الخليفة أن يصرفه. هذا هو واقع بيت المال.

أما بيت المال بمعنى المكان الذي توضع فيه الأموال الواردة، وتصرف منه الأموال الخارجة فلم يخصص له في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مكان معين، إذ إن الأموال التي كانت ترد لم تكن بعد كثيرة، ولا تكاد تفيض بشيء عما يوزع على المسلمين، وينفق على رعاية شؤونهم، روى أبو عبيد عن الحسن بن محمد (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يقيل مالا عنده، ولا يبيته) أي إن جاءه غدوة، لم ينتصف النهار حتى يقسمه، وإن جاءه عشية لم يبيته، لذا لم يكن هنالك مال مدخر يحتاج الى مكان أو سجل .

وبقي الحال على ذلك طيلة أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما ولي أبو بكر، استمر على ذلك في السنة الاولى من خلافته، وفي السنة الثانية أنشأ نواة لبيت المال، حيث خصص مكانا في داره يضع فيه ما يرد المدينة من مال، وكان ينفق جميع ما فيه على المسلمين ومصالحهم. ولما تولى عمر،جمع الأمناء ودخل دار أبي بكر وفتح بيت المال فلم يجد فيه الا دينارا واحدا سقط من غراره، ولما كثرت الفتوحات زمن عمر، وكثرت الأموال، وانهالت على المدينة. خصص عمر لها بيتا، ودون لها الدواوين، وعين لها الكتاب،وفرض منها الأعطيات، وجند الجند، وقسمها دون تأخير، عن ابن عباس قال: ( دعاني عمر، فإذا حصير بين يديه، عليه الذهب منثورا نثر الحثا (التبن) فقال هلم فاقسم بين قومك، فالله أعلم حيث حبس هذا عن نبيه صلى الله عليه وسلم، وعن أبي بكر، وأعطنيه، ألخير أراد بذلك أم الشر رواه أبو عبيد.

وبذلك أصبح للمسلمين بيت مال مستقر، تجمع فيه الأموال، وتحفظ فيه الدواوين، وتخرج منه الأعطيات، وتعطى الأموال لمستحقيها. وترد إليه الواردات وتنفق منه على مصالح المسلمين ووجود مثل هذا يشكل واقع الميزانية او الموازنة.

والميزانية أو الموازنة : هي مجموع أبواب الواردات، وأبواب النفقات، وفصول كل منهما. وبناء على هذا تكون للدولة ميزانية أو موازنة، ويكون بيت المال هو الموكل في هذه الميزانية .

أما إعداد هذه الميزانية في ابوابها وفصولها، والمبالغ التي توضع فيها فانها خاضعة للاحكام الشرعية ليس غير، والأحكام الشرعية هي التي قررتها، فالواردات جاءت احكام شرعية وقررتها، مثل الأحكام المتعلقة بالخراج والفيء والغنائم وغير ذلك.

والنفقات جاءت احكام شرعية وقررت كيفيتها، وبيان ما يجب صرفه حتما وما لايصرف الا اذا وجد مال في بيت المال.
فالذي جعل هذه الواردات دائمية هي من دوام الشرع الاسلامي الذي لايتغير ولا يتبدل، ودائم ما دامت السماوات والأرض، وكذلك النفقات فهي أيضا دائمية لانها قد جاءت أحكام شرعية قررتها.

أما فصول الميزانية وهي الفروع التي تتفرع عنها مثل خراج أراضي البعل، وخراج أراضي السقي، وتقدير الجزية وتقدير الخراج، فإن الخليفة هو الذي يضعها، لأنها من رعاية الشؤون، و رعاية الشؤون هي موكلة للخليفة اي لرأيه واجتهاده، وكذلك المبالغ التي توضع، ويكون الخليفة قد وضعها برأيه و اجتهاده.

والدليل على هذه المادة: هوما أورده الشرع من أدلة الواردات من خراج و جزية وغير ذلك، وما أورده من أدلة النفقات وما أورده من أدلة رعاية الخليفة لشؤون الناس.

فيجوز للخليفة شرعا ان يضع برأيه واجتهاده فصول الواردات والمبالغ التي توضع في كل فصل، وفصول النفقات والمبالغ التي توضع في كل فصل، فإنه لا يستدعي أن يوضع ميزانية سنوية للدولة في فصولها والمبالغ التي لكل فصل، سواء في الواردات او في النفقات، كما هي الحال في النظام الرأسمالي، الذي يسن كل سنة قانونا خاصا بها، يعرضه على مجلس الأمة أو على البرلمان ليأخذ رأيه بها.

والقانون عندهم يسنه البرلمان لسنة واحدة، مع بعض اختلافات فرعية في بعض السنين حسب الوقائع المختلفة، أو مع بعض اختلافات فرعية بين الدول حسب الوقائع المختلفة .

وهذا كله لا تحتاج اليه الدولة الإسلامية، لأن واردات بيت المال تحصل بسبب الأحكام الشرعية المنصوص عليها، وتصرف بسبب الاحكام الشرعية المنصوص عليها، وهي أحكام شرعية دائمية، فلا مجال لأخذ رأي مجلس الأمة أو غيره بها، لا في الواردات ولا في النفقات وعلى هذا لا يوجد أي مجال لوضع ميزانية سنوية للدولة،

وإلى حلقة قادمة ومادة أخرى من مواد النظام الإقتصادي في الإسلام نستودعكم الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أبو الصادق

أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح25)



شرح المادة (149)
نص المادة : 149
(واردات بيت المال الدائمية هي: الفيء كله، والجزية، والخراج، وخمس الركاز، والزكاة، وتؤخذ هذه الأموال دائميا سواء اكانت هنالك حاجة أم لم تكن).

تبين هذه المادة واردات بيت المال الدائمية الخمسة هذه، مع أن لبيت المال واردات أخرى مثل الملكيات العامة بأنواعها، وأملاك الدولة، والعشور، ومال الغلول من الحكام، ومال ما لا وارث له، ومال المرتدين، والضرائب، وأدلتها جميعاً جاءت في القرآن والسنة المطهرة، فدليل الفيء قوله سبحانه وتعالى: {مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ... }الحشر7، وقوله سبحانه وتعالى: {وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }الحشر6، (فجعلها الله تعالى للرسول خاصة)، ثم كانت غزوة بني قريظة بعد أن نقضوا العهد، وخانوا المسلمين، وانضموا إلى الأحزاب في غزوة الخندق، فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم اموالهم على المسلمين، وجعل للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهما، ثم جاءت غزوة خيبر، بعد عقد الرسول صلى الله عليه وسلم هدنة مع قريش في الحديبية، ففتحها الله على رسوله وعلى المؤمنين عنوة، وملكه أرضهم، وديارهم، وأموالهم، فقسم الغنائم والأرضيين بعد أن خمسها، وجعل والأرضيين ألفا وثمان مائة سهم، ثم عامل أهلها عليها، على النصف مما يخرج منها من التمر والحب.
أما الجزية: فهي حق أوصل الله المسلمين إليه من الكفار، خضوعا منهم لحكم الإسلام، ويلتزم المسلمون للكفار الذين يعطون الجزية بالكف عنهم، والحماية لهم.

ودليلها قوله تعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ }التوبة29

وتؤخذ الجزية من اهل الكتاب من اليهود والنصارى، وتؤخذ كذلك من غير أهل الكتاب مثل المجوس والصابئة والهندوس والشيوعيون، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخذها من مجوس هجر، وأن عمر رضي الله عنه قد أخذها من مجوس فارس، وأن عثمان رضي الله عنه أخذ الجزية من البربر.
وتؤخذ الجزية من الرجال العقلاء البالغين، ولا تؤخذ من صبي أو مجنون أو امرأة، وتسقط الجزية بالإسلام لقوله صلى الله عليه وسلم: ( ليس على مسلم جزية).

ومقدار الجزية ليس واحدا وليس محددا بحدا واحد، بل ترك لرأي الخليفة واجتهاده، ويراعى فيه ناحية اليسار والضيق، ويعين لها وقت استيفاء، يبدأ بأول محرم وينتهي في أخر ذي الحجة، ومصرفها مصرف أموال الفيء حسب ما يراه الخليفة وفق رأيه واجتهاده.

أما الخراج، فهو حق للمسلمين يوضع على الأرض التي غنمت من الكفار حربا او صلحا، ويكون خراج عنوة وخراج صلح، وقد جاء دليله في القرآن الكريم في الآيات التي احتج بها عمر بن الخطاب لرأيه في عدم تقسيم أرض العراق والشام ومصر على المقاتلين، وهي: {مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) ِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ(8) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}الحشر.

أما خمس الركاز، فالركاز هو المال المدفون في الأرض، فضة كان أو ذهبا أو جواهر أو لآلئ أو غيرها من حلي وسلاح، سواء أكان كنوزا مدفونة لأقوام سابقين، كالمصريين والبابليين والأشوريين والساسانيين والرومان والأغريق وغيرهم، وكالنقود والحلي والجواهر التي توجد في قبور ملوكهم وعظائمهم، أو في تلال مدنهم القديمة المتهدمة، أم كان نقودا ذهبية, مخبأة في الأرض من أيام الجاهلية أو الأيام الاسلامية الماضية، فكل ذلك يعتبر ركازا.

والأصل في الركاز، ما روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( العجماء جرحها جبار، وفي الركاز الخمس)، وما روي عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( وفي السيوب الخمس قال: والسيوب عروق الذهب والفضة تحت الارض ) ذكره أبن قدامة في المغني.

وعلى ذلك فإن كل مال مدفون من ذهب أو فضة أو حلي أو جواهر أو غيرها، وجد في قبور أو في تلال أو في مدن الامم السابقة، أو وجد في أرض ميتة أو في الخرب العادي، أي القديمة نسبة الى عاد من دفن الجاهلية، أو من دفن المسلمين في عصور الإسلام الماضية يكون ملكا لواجده، يؤدي عنه الخمس لبيت المال.

أما الزكاة فأدلتها كثيرة، قال سبحانه تعالى: {... وَآتُواْ الزَّكَاةَ ...} البقرة43، وقال عليه الصلاة السلام لمعاذ بن جبل: (فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم)، وهذه كلها أدلة تفيد الوجوب، فأداء هذه الأموال فرض، ولذلك تؤخذ دائمياً سواء أكانت هنالك حاجة أم لم تكن، لأن الله فرضها والفرض يجب أداؤه.

وإلى حلقة قادمة ومادة أخرى من مواد النظام الإقتصادي في الإسلام نستودعكم الله،

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أبو الصادق
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح26)



شرح المادة 150
نص المادة 150:
( اذا لم تكف واردات بيت المال الدائمية لنفقات الدولة، فإن لها أن تحصل من المسلمين ضرائب، ويجب أن تسير في تحصيل الضرائب على الوجه التالي :
أ‌- لسد النفقات الواجبة على بيت المال للفقراء والمساكين وابن السبيل، وللقيام بفرض الجهاد.

ب‌- لسد النفقات الواجبة على بيت المال على سبيل البدل، كنفقات الموظفين وأرزاق الجند وتعويضات الحكام.

ج- لسد النفقات الواجبة على بيت المال على وجه المصلحة والإرفاق دون بدل، كإنشاء الطرقات، واستخراج المياه، وبناء المساجد والمدارس والمستشفيات.

د- لسد النفقات الواجبة على بيت المال على وجه الضرورة، كحادث طرأ على الرعية من مجاعة أو طوفان أو زلزال ).
تؤخذ واردات بيت المال الدائمية دائميا، ولا تعطل أي واحدة منها مطلقا ، لأنها أحكام شرعية، وفي تعطيلها إثم يصيب الأمة جميعها، بل يقاتل كل من ينكر أو يمتنع عن أداء أي واحدة منها، وهي الفيء، والجزية، والخراج، وخمس الركاز، والزكاة ، فقد قاتل أبو بكر رضي الله عنه مانعي الزكاة، واعتبروا مرتدون، فأجاز الشرع قتالهم .

هذه الموارد الدائمية لبيت المال، كافية لإدارة شؤون الرعية ورعاية مصالحهم، ولا يحتاج الأمر لفرض ضرائب مباشرة أو غير مباشرة، ولكن الشرع مع ذلك احتاط فجعل حاجات الأمة قسمين: حاجات فرضها على بيت المال، وحاجات فرضها على المسلمين كافة، وجعل للدولة الحق في أن تحصل المال منهم لقضاء تلك الحاجات، وعلى ذلك، فالضرائب هي: مما فرضه الله تعالى على المسلمين لقضاء مصالحهم، وجعل الإمام واليا عليهم، يحصل هذا المال، وينفقه هو على الوجه الذي يراه، ويصح أن يسمى هذا المال ضريبة، كما يصح أن يسمى مالا مفروضا وغير ذلك.

ويجوز للإمام أن يفرض ضريبة على المسلمين، وأن يأخذها منهم بالقوة إن أبوا، وأخذها في هذه الحال لا يكون بناء على أمر السلطان، بل بناء على أمر الله بها، والسلطان إنما ينفذ الأمر الذي أمر به الله.
والضريبة لا تؤخذ الا من المسلمين، لأن قضاء الحاجات الذي فرضه الشرع، إنما فرضه على المسلمين فقط، فلا تؤخذ الضريبة من غيرهم، فالذمي لا يدفع إلا الجزية، والخراج عن الأرض.

والضريبة لا تؤخذ إلا عن ظهر غنى، أي ما يفضل عن إشباعه حاجاته الأساسية، وحاجاته الكمالية بالمعروف، لأن نفقة الفرد على نفسه هي سده لكفاية جميع حاجاته، التي تتطلب إشباعا بالمعروف، حسب حياته التي يعيش عليها بين الناس.

أما ما ذكر في المادة من تفصيلات أوجبها الله تعالى على المسلمين :
فالفقرة (أ) :- دليلها، أن الله فرض على الخليفة أن ينفق على الفقراء والمساكين وابن السبيل، وأن ينفق للقيام بفرض الجهاد، قال سبحانه وتعالى (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل)، والخليفة هو الذي يجمعها، وهو الذي يعطيها لمستحقيها الثمانية، وإن لم تكف هذه الصدقات، فللخليفة إن يأخذ من الأبواب الأخرى في بيت المال، فان لم يكف المال الذي ببيت المال، انتقل الفرض على المسلمين، قال صلى الله عليه وسلم: (ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم) وقال في صحيح البخاري: (فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم)، ومن أدلة وجوب الإنفاق على الجهاد قوله سبحانه وتعالى: (وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم).

وأما الفقرة ب:- فدليلها أن الله فرض على الخليفة نفقات الموظفين، وأرزاق الجند، أي أجرتهم، بعقد الإجارة الذي عقده معهم، وفرض على بيت المال تعويضات الخليفة وسائر الحكام، من ولاة وعمال وغيرهم، بدليل تخصيص الصحابة لأبي بكر مالا معينا من بيت مال المسلمين، مقابل تركه التجارة، وتفرغه للخلافة، وكذلك فرض على المسلمين أن يقيموا المدارس والمعاهد والجامعات للتعليم، لإيجاد شخصيات إسلامية، ولتزويد الناس بالعلوم والمعارف المتعلقة بشؤون الحياة، وجعل تعليم ما يلزم للإنسان في معترك الحياة فرضا على الدولة أن توفره لكل فرد، ذكرا كان أو أنثى مجانا، وفسح مجال التعليم العالي مجانا للجميع.

والتعليم يلزمه المعلمون، إذ لا يتأتى تعينهم إلا بإيجاد مال يدفع أجرة لهم، فتكون لذلك أجرتهم واجبة.
وفرض الله على الخليفة النفقة على القضاء، وتعيين القضاة الذين يفضون الخصومات بين الناس، بعقود إجارة لابد من استيفائها، وذلك من باب دلالة الالتزام، أي وجوب إقامة القاضي ، يلزم منها وجوب دفع أجرته، ومن باب مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وأما سائر الموظفين، فإن كان العمل الذي يقومون به قد أوجبه الله على المسلمين وعلى بيت المال، مثل أئمة المساجد، وموظفي إدارة الشؤون الحربية، ومن على شاكلة ذلك، فإن الضرائب تفرض من أجلهم، وأما إن كان مما أوجبه الله على بيت المال فقط، ولم يوجبه على المسلمين، مثل جباة الأموال والغارمين، فلا يفرض عليهم ضريبة من أجلهم، وأما تعويضات الحكام، فإن الله قد فرض على المسلمين إقامة الحاكم الذي يحكمهم بالإسلام، فيكون قد فرض عليهم المال الذي يأخذه الحاكم بدلالة الالتزام، من أجل تفرغه للحكم.

أما الفقرة (ج) :- فإن الله فرض على الخليفة أن يقوم برعاية مصالح المسلمين، بالإنفاق على ما فيه مصلحتهم والإرفاق بهم.
فالمصلحة هي ما تستعمله الأمة كلها، مثل استخراج المياه والتعليم وإصلاح الطرق وما شاكل ذلك.

والمرافق هي من الإرفاق، وهو ما يرتفق به الناس لقضاء مصالحهم، مثل أمكنة الاستراحة للمسافرين، ومثل المراحيض العامة، والمستشفيات للمرضى، والمساجد للمصلين، فالمسلم يرتفق في ساحة المسجد للجلوس، وفي مياهه للوضوء، فالشرع أوجب مثل هذه الأمور على الخليفة، لأن فيها مصلحة المسلمين، وفي عدم وجودها مضرة لهم، وإزالة الضرر واجبة على الخليفة، وكذلك واجبة على المسلمين، عن ابن عباس قالsmile.gif : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا ضرر ولا ضرار)، وقال: (من ضار أضر الله به ومن شاق شاق الله عليه)، فالذي أوجب إزالة الضرر، وجعله فرضا على الخليفة وعلى المسلمين، هو عموم الأدلة، فكلمة (لا ضرر ولا ضرار) عام، وكذلك ( من شاق) عام، فيشمل الخليفة ويشمل جميع المسلمين.
وأما الفقرة(د) :- فدليلها ما ورد من أدلة إغاثة الملهوفين، فإن أمثال الطوفان والزلازل ونحوهما، تدخل في إغاثة الملهوفين، وأما المجاعات، فتدخل في حديث (ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم)، فهي واجبة على بيت المال وعلى المسلمين لعموم الأدلة.


وإلى حلقة قادمة ومادة أخرى من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أبو الصادق


أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح27)



شرح المادة 151
نص المادة 151:
( يعتبر من الواردات التي توضع في بيت المال، الأموال التي تؤخذ من الجمارك على ثغور البلاد، والأموال الناتجة من الملكية العامة، وملكية الدولة، والأموال الموروثة عمن لا وارث له).

في هذه المادة يرفد بيت المال روافد ثلاثة : أولها: الجمارك أو المكوس التي تؤخذ على ثغور البلاد، وثانيها: الأموال الناتجة من الملكية العامة أو ملكية الدولة، وثالثها: الأموال الموروثة عمن لا وارث له.

أما ما يؤخذ من جمارك على الثغور، فهو المكس أو العشور، وهو حق للمسلمين، يؤخذ من مال أهل الذمة وعروض تجارتهم، ومن أهل دار الحرب المارين بها على ثغور دولة الخلافة، والذي يتولى أخذها يسمى العاشر، ورغم أنه قد وردت عدة أحاديث في ذم المكس، والتغليط على من يأخذه، مثل ما روى عقبة بن عامر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا يدخل الجنة صاحب مكس) وما روي عن كريز بن سليمان قال: ( كتب عمر بن عبد العزيز الى عبد الله بن عوف القاري أن اركب الى البيت الذي برفح، الذي يقال له بيت المكس فاهدمه، ثم أحمله الى البحر فانسفه فيه نسفا) رواه أبو عبيد، كما كتب الى عدي بن أرطأة أن ضع عن الناس الفدية، وضع عن الناس المائدة، وضع عن الناس المكس، وليس هو بالمكس، ولكنه البخس الذي قال الله فيه ( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين) فجميع هذه الأحاديث والآثار فيها ذم المكس، وتشديد وتغليط على آخذه، ولكن، قد وردت آثار أخرى تبين أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومن بعده من الخلفاء، عثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز، كانوا يأخذون على التجارات التي تمر على ثغور الدولة، وكانوا يأخذون من تجار المسلمين ربع العشر، ومن تجار أهل الذمة نصف العشر، ومن تجار أهل دار الحرب العشر، وعندما أخذها عمر رضي الله عنه، كان على مرأى ومسمع الصحابة، فيكون إجماعا منهم على جواز أخذها، ولا يوجد تناقض في الأحاديث والآثار التي رويت، لأن الذم الذي ورد في بعضها، إنما هو في الأموال التي تؤخذ بغير حق من المسلمين أو من أهل الذمة أو من أهل الحرب، فالمسلم لا يجب عليه عشور، ولا تجب علي عروض تجارته الا الزكاة، ولا يجب فيها إلا ربع العشر وهي ليست ضريبة ولا عشرا .

وأهل الذمة، فإنه كذلك لم يكن يؤخذ منهم العشر، وإنما كان يؤخذ منهم نصف العشر، وكان هذا مشروطا عليهم في اتفاقيات عقد الصلح التي عقدت معهم أيام عمر بن الخطاب، عندما فتع العراق والشام ومصر .

اما اهل الحرب الذين يمرون في تجارتهم على ثغور الدولة فيدفعون العشر، وذلك معاملة بالمثل، فكما يأخذون من تجارنا نأخذ من تجارهم، و قد كان العشر هو المقدار الذي يأخذه أهل الحرب من تجار المسلمين إذا مروا ببلادهم ايام عمر والخلفاء من بعده.

أما الأموال الناتجة عن الملكية العامة، فهي تخضع لرأي الخليفة واجتهاده في إنفاقها وتوزيعها لتصل الى جميع المسلمين، فإن الخليفة قد جعل نائبا عن المسلمين في رعاية مصالحهم، فما كان من الأموال العامة، يمكن أن يتمتع به جميع المسلمين، فإنهم يتركون ان يأخذوا منه ما يشاؤون، كماء النهر و كماء البئر التي يستقون منها، والصيد في البحر وما شاكل ذلك، وأما إن كان بعضهم يمنع البعض الآخر من الإستفادة منها، لعجز فيه، أوقلة إمكانيات، كمعدن الحديد إن وجد في مكان يمكن استخراجه بإمكانيات، توجد عند البعض ولا توجد عند غيرهم، ففي مثل هذه الحال، يتولى الخليفة رعاية هذا المنجم واستخراج خاماته، ليجعل نفعه عاما لجميع المسلمين، و كذلك جميع المعادن العد.

فهذه الأموال توضع في بيت المال، وتعتبر من وارداته، لأن الخليفة هو الذي يتولاها ، ولكنها ليست مما يصرف برأي الخليفة واجتهاده، فهي لعامة المسلمين، ورأي الخليفة واجتهاده إنما هو بالتوزيع بالتساوى وعدم التساوي، والأنفاق، لا بمن تنفق عليه فهي ليست من ملكية الدولة .
وأما الأموال التي لا وارث لها، فإنها توضع في بيت المال، فإن ظهر لها وارث أعطيت له، وإلا كانت لبيت المال، لأن بيت المال وارث من لا وارث له، ولأن المسلمين كانوا يأتون بميراث من لا وارث له للرسول صلى الله عليه وسلم، فكان يسأل هل له من نسيب أو رحم؟ ثم يأمر بإعطائه لمن يراه مناسبا، مما يدل على أنه من واردات بيت المال.

وإلى حلقة قادمة ومادة أخرى من مواد النظام الإقتصادي في الإسلام،نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أبو الصادق


أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح28)


شرح المادة 152
نص المادة 152:
( نفقات بيت المال مقسمة على ست جهات هي :
أ‌- الأصناف الثمانية اللذين يستحقون أموال الزكاة يصرف لهم من باب الزكاة، فإذا لم يوجد مال في باب الزكاة، لا يصرف لهم شيء.
ب‌- الفقراء والمساكين وابن السبيل والجهاد والغارمين إذا لم يوجد في باب أموال الزكاة مال، صرف لهم من واردات بيت المال الدائمة، وإذا لم يوجد، لا يصرف للغارمين شيء، وأما الفقراء والمساكين وابن السبيل والجهاد، فتحصل ضرائب لسد نفقاتهم، ويقترض لأجل ذلك في حالة خوف الفساد.
ج- المصالح والمرافق الأساسية كالطرقات والمساجد والمستشفيات، والمدارس، يصرف عليها من بيت المال، فإذا لم يفِ ما في بيت المال تحصل ضرائب في الحال لسد هذه النفقات.
هـ- المصالح والمرافق الكمالية، يصرف عليها من بيت المال، وإذا لم يوجد ما يكفي لها في بيت المال لا يصرف لها ولا تؤجل.

و- الحوادث الطارئة كالزلازل والطوفان، يصرف عليها من بيت المال، وإذا لم يوجد، يقترض لأجلها المال في الحال، ثم يسدد من الضرائب التي تجمع.
هذا نص المادة إما في ما يتعلق بشرحها:
فالفقرة (أ) من هذه المادة: تحديد لمصارف الزكاة الثمانية أصناف التي حصرتهم الآية الكريمة ، وقصرتها عليهم، وخصتها بهم وهي قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل) فلا يجوز أن يعطي منها غير هذه الأصناف الثمانية، لأن الآية صُدِّرت ب (إنما) التي تفيد الحصر والقصر وجاءت بعدها لام الملك. فدل ذلك على حصر استحقاق الصدقة وملكيتها في هذه الأصناف الثمانية.

وأما الفقرة (ب ): فالإنفاق على الفقراء والمساكين والجهاد وابن السبيل، واجب على بيت المال في حال وجوده، وعلى المسلمين في حال عدم وجوده، لأنها مما أوجبه الله تعالى على بيت المال وعلى المسلمين، لذلك فإنه يفرض على المسلمين ضرائب إن لم يكن في بيت المال مال، وذلك واجب شرعه الله سبحانه.

وإما بالنسبة للغارمين أي المدينين، فإنه مما أوجبه على بيت المال، ولم يوجبه على المسلمين، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: ( أنا أولي بكل مؤمن من نفسه، فمن ترك دينا فعلي، ومن ترك مالا فلورثته ) وعليه هنا بوصفه رئيس الدولة، فهو مما أوجبه الله على بيت المال، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فأيما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه ) فمن هذا الحديث، والذي قبله يتبين أن الدين على بيت المال، فإن كان في بيت المال مال وجب صرفه، وإن لم يوجد مال لا تفرض لأجله ضرائب، لأنه لا يوجد ما يدل على أنه فرض على المسلمين، ولأن حديث جابر رضي الله عنه: ( فلما فتح الله على رسوله قال: أنا أولى بكل مؤمن) الحديث، وفي لفظ (فلما فتح عليه الفتوح ) فإنه دليل على أنه إنما يدفع من بيت المال إذا وجد.

وأما الفقرة (ج): فإن دليلها أن التعليم فرض على الدولة، وعليها أن توظف له موظفين، ولا يتأتى توظيفهم بغير أجرة، لذلك لا بد أن تصرف إليهم رواتب، من حديث ( للغازي أجره وللجاعل أجره)، وكذلك القضاء، فهو واجب أيضا وعلى الدولة أن توظف قضاة ليفضوا الخصومات بين الناس، والله أمر المسلمين بإقامتهم، فقد أوجب عليهم دفع أجرة من يقوم بالقضاء من باب دلالة الالتزام، أي إيجاب أقامة القاضي يلزم منها إيجاب دفع أجرته، ومن باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإذا لا يوجد في بيت المال مال، فرض على المسلمين الضرائب.

وكذلك أرزاق الجند، فإن الله تعالى قد فرض الجهاد، وفرض على بيت المال أرزاق من يشتغلون بالجهاد والشؤون الحربية، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (للغازي أجره)، والغازي: هو من يكون غازيا بأجرته، فتكون أجرة من يقوم بهذا الواجب من الأجراء أي من الموظفين على بيت المال فإن لم يوجد في بيت المال مال، صار واجب دفع أجرتهم على المسلمين، فتفرض له ضرائب.

وأما الفقرة ( د): فدليلها قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا ضرر ولا ضرار) وإزالة الضرر واجبة على الخليفة، وواجبة على المسلمين، قال صلى الله عليه وسلم: (من ضار أضر الله به، ومن شاق شاق الله عليه)، فلأن عدم توفير المصالح والمرافق الضرورية يصيب الأمة بضرر، وإزالة الضرر واجبة على الخليفة وعلى المسلمين، لذا يجب دفع المال الذي يلزم، من بيت المال فإن لم يوجد في بيت المال مال فرضت الضرائب على المسلمين لإزالته.
وأما الفقرة (هـ): فإن دليلها دليل رعاية الشؤون، وهو ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته) فسد النفقات الواجبة على سبيل الإرفاق والمصلحة دون بدل، هو من رعاية الشؤون .

وبما أن عدم سدها يسبب ضررا للأمة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لا ضرر ولا ضرار) فهذان الحديثان هما دليل وجوب المصلحة والإرفاق على الخليفة، ولذلك يجب عليه القيام بها مطلقا، سواء أكانت من الضروريات أم من الكماليات، ولا يجب على المسلمين إلا ما يحقق الضرر، فالمصالح الكمالية لا تجب على المسلمين، لأنه لا يصيب الأمة ضرر من عدم القيام به، أما بيت المال فيجب عليه القيام بكل ما ينفع المسلمين، وبكل ما يوجد من عدم القيام به ضرر على المسلمين..

وإلى حلقة قادمة ومادة أخرى من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو الصادق
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح29)



شرح المادة 153
نص المادة 153:
( تضمن الدولة ايجاد الأعمال لكل من يحمل التابعية ) .

تبين هذه المادة إن يضمن الخليفة يضمن إيجاد الأعمال لكل من يحمل تابعية الدولة، مسلما كان أم غير مسلم،وذلك لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته)، وإن من الأمور المهمة في رعاية الشؤون، إيجاد العمل للقادرين عليه ولا يجدونه، عن أنس بن مالك أن رجلا من الأنصار، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله، فقال ( لك في بيتك شيء) قال بلى: حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقدح نشرب فيه الماء، قال: ( إئتني بهما) قال فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، ثم قال: ( من يشتري هذين ) فقال رجل: أنا أخذهما بدرهم، قال من يزيد على درهم، مرتين أو ثلاثا، قال رجل: آخذهما بدرهمين: فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري وقال: (اشتر بأحدهما طعاما فانبذه الى أهلك، واشتر بالآخر قدوما فأتني به)، ففعل، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشد فيه عودا بيده وقال: ( إذهب واحتطب ولا أراك خمسة عشر يوما) فجعل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فقال: (اشتر ببعضها طعاما وببعضها ثوبا) ثم قال: ( هذا خيرلك من أن تجيء والمسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح الا لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع او دم موجع)، فمباشرة الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل في ايجاد عمل له، هي دليل ساطع على وجوب ايجاد العمل للعاطل عنه على الخليفة.

وفوق ذلك، فإن النفقة على بيت المال للعاجز، فعلا أو حكما، فالعاجز فعلا، هو الذي لا يقدر على العمل لما عنده من مرض او عاهة اوغير ذلك، أما العاجز حكما، فهو الذي يقدر على العمل ولا يجده، فهو عاجز حكما وتجب له النفقة، فيكون توفير العمل للعاجز حكما، كتوفير النفقة للعاجز فعلا سواء بسواء، وأيضا فإن الشرع حرم السؤال، إي حرم الاستجداء من الناس، وأجازه من السلطان أي من الدولة، جاء في مسند أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه، ومن شاء ترك، إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان، أو يسأل في الأمر لا يجد منه بدا)، فهذا الحديث دليل على سؤال السلطان عن العمل وعن النفقة، لكل من يحمل التابعية، وعلى الدولة ان تقطع بعض الأرض التي لا مالك لها لمن يكون عاطلا عن العمل وعنده القدرة على مزاولة الزراعة، وتعطيه مالا من بيت المال لسد حاجاته واستغلال الأرض، فقد أعطى عمر بن الخطاب من بيت المال للفلاحين في العراق أموالا أعانهم بها على زراعة أرضهم، وسد بها حاجاتهم دون أن يستردها منهم.

وقد جعل الإسلام إشباع الحاجات الأساسية وتوفيرها لمن لم يجدها فرضا، فإذا وفرها الفرد لنفسه بالعمل كان بها، وإن لم يوفرها لنفسه لعدم مقدرته او لعدم وجود مال كاف بين يديه، أو لعدم إمكانية تحصيل المال الكافي، جعل الشرع إعانته على غيره، ورتبها، وجعلها أولويات، فلا بد من أن تصيبه واحدة منها، فأولى هذه الأولويات أن يوجد له عمل وفره هو لنفسه أو وفرته الدولة له، فإذا لم يتمكن من هذا، ينتقل إلى الأمر الثاني: وهو وجوب نفقته على الأقارب الورثه، قال تعالى: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف، لا تكلف نفس إلا وسعها، لا تضار والدة بولدها، ولا مولود له بولده، وعلى الوارث مثل ذلك) اي على الوارث مثل المولود له من حيث الرزق والكسوة، وليس المراد بالوارث ان يكون وارثا بالفعل، بل أن يكون ممن يستحق الميراث.

أما الأمر الثالث: فان لم يكن له أقارب ورثة، ممن أوجب الله عليهم نفقة قريبهم، انتقلت نفقته على بيت المال في باب الزكاة، أما غير المسلم ممن يحمل التابعية، انتقلت إلى بيت المال من غير الزكاة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ترك مالا فلورثته ومن ترك كلا فإلينا) رواه مسلم، والكل هو الضعيف الذي لا ولد له ولا والد،.

فان لم يف قسم الزكاة من بيت المال في حاجات الفقراء والمساكين، كان واجبا على الدوله ان تنفق عليهم من ألأبواب الأخرى من بيت المال، فان لم يوجد في بيت المال مال ينتقل الوجوب الى الأمر الرابع ألا وهو أن تفرض الدولة ضريبة على أموال الأغنياء، وتحصلها لتنفق على الفقراء والمساكين منها، لأن النفقة فرض على الأقارب، فان لم يوجد فعلى واردات الزكاة، فان لم يوجد منها واردات ففرض على بيت المال، فان لم يوجد فيه مال كانت فرض على جميع المسلمين، قال صلى الله عليه وسلم: (أيما أهل عرصه أصبح فيهم امرؤ جائع،فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى)، والرسول صلى الله عليه وسلم ألزم الأنصار بإعالة المهاجرين الفقراء، مما يدل على أنه فرض على جميع المسلمين حتى يكفوهم.

أما إن قصرت الدولة في توفير العمل لمن هو بحاجة إليه، وقصرت جماعة المسلمين في كفالة المحتاجين من الفقراء والمساكين، (وليس متوقعا في جماعة المسلمين أن تقصر ولا في الدولة أن تقصر)، انتقل إلى الأمر الخامس، ألا وهو أن يأخذ الفرد ما يقيم به أوده من أي مكان يجده، سواء أكان ملك الأفراد أم ملك الدولة،فلم يعتبر الشارع أخذ الطعام في عام المجاعة سرقة تقطع اليد عليها، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا قطع في زمن المجاع)، وفي هذه الحال لا يباح للجائع ان يأكل لحم الميتة، مادام هناك أكل عند أحد من الناس، لأنه لا يعد مضطرا لأكل الميتة، مع وجود ما يأكله في يد إنسان أخر، أما إذا لم يستطع الحصول على الأكل فإن له ان يأكل لحم الميتة لإنقاذ حياته.

فالإسلام ضمن للمسلم العمل، وضمن له العيش الكريم، لا منحة ولا عطفا من أحد، بل هذا واجب أوجبه الله تعالى على الخليفه وعلى المسلمين.

والى حلقه قادمه وماده اخرى من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام.
نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو الصادق
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح30)




شرح المادة 154
نص المادة 154:
(الموظفون عند الأفراد والشركات كالموظفين عند الدولة في جميع الحقوق والواجبات، وكل من يعمل بأجر هو موظف، مهما اختلف نوع العمل أو العامل، وإذا اختلف الأجير والمستأجر على الأجرة، يحكم أجر المثل، أما إذا اختلفوا على غيرها فيحكم عقد الإجارة على حسب أحكام الشرع.)
تبين هذه المادة: الموظف أجير، والشرع الإسلامي يعني بالأجير، كل إنسان يشتغل بأجرة، سواء أكان المستأجر فردا أو شركة أو دولة، فالأجير يشمل العامل في نوع من أنواع العمل، بلا فرق في الحكم الشرعي بين أجير الأفراد مهما دنا، وأجير الدولة وما علا، حسب أحكام الشرع فكل واحد منهم عامل، وتجري عليهم أحكام العمل، وتجري عليهم أحكام الإجارة.

فالذي يعمل لغيره في الزراعة أجير، والخادم أجير، وعمال المصانع أجراء، والمحاسبون عند التجار أجراء، ويطلق عليهم أيضا موظفون، لأن الموظف هو الذي يعمل بأجر مهما اختلف نوع العمل أو العامل.

أما إذا اختلف الأجير والمستأجر على الأجر، يحكم أًجْر المثل، لأن الإجارة عقد على المنفعة بعوض، ويشترط لانعقاد الإجارة أهلية العاقدين، ورضاهما، ويشترط أن تكون الأجرة معلومة وليست مجهولة، لقوله صلى الله عليه وسلم (إذا استأجر أحدكم أجيرا فليعلمه أجره)، رواه الدارقطني عن ابن مسعود، ولما رواه أحمد عن أبي سعيد: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن استئجار الأجير حتى تبين له أجره)، إلا أنه إذا لم تكن الأجرة معلومة انعقدت الإجارة وصحت، ويرجع عند الاختلاف في مقدارها الى أجر المثل، قياسا على المهر، وذلك لما روى النسائي والترمذي وقال حسن صحيح، عن ابن مسعود أنه سئل عن رجل تزوج امرأة، ولم يفرض لها صداقا، ولم يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود لها مثل صداق نسائها، لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق إمرأة منا مثل الذي قضيت، ففرح بها ابن مسعود، ومعنى قوله: لها صداق نسائها أي مهر مثل مهر نسائها، فأوجب الشرع عند الإختلاف على المهر مهر المثل. ولما كان عوضا لازما يترتب على عقد النكاح، فإنه يقاس عليه، كل عوض لازم يترتب على عقد، بغض النظر عن مقابل هذا العوض، أكان مالا كالبيع أم منفعة أم جهدا كالإجارة، أم نحلة كما في عقد النكاح، وعليه فإنه يحكم فيه بأجر المثل في حالة عدم تسمية الأجر في العقد أو في حالة الإختلاف على الأجر.

فالأجرة قسمان: الأجر المسمى، وأجر المثل، أما الأجر المسمى فيشترط في اعتباره رضا العاقدين عليه، فإذا رضي العاقدان بأجرة معينة، كانت هذه هي الأجر المسمى، ولا يجبر المستأجر على دفع أكثر منها، كما لا يجبر الأجير على أخذ أقل منها، بل هي الأجرة الواجبة شرعا.
أما أجر المثل، فهو أجر مثل العمل، ومثل العامل، إذا كان عقد الإجارة قد ورد على منفعة العمل، ويكون أجر المثل، أجر مثل العامل فقط إذا كان عقد الإجارة ورد على منفعة الشخص.

والذي يقدر أجر المثل عند الإختلاف إنما هم ذوو الخبرة في تعيين الأجرة، وليست الدولة ولا عرف أهل البلد، على أساس المنفعة، سواء أكانت منفعة العامل أم منفعة العمل لأن عقد الإجارة وارد على المنفعة، فتكون هي الأساس الذي يقوم عليه تقدير الأجرة، فلا تقدر الأجرة بإنتاج الأجير، ولا بأدنى حد لمستوى عيشه بين جماعته، فلا دخل للأجير بهذين الأمرين، فإذا جرى الاختلاف على تقدير قيمة المنفعة التي قدرها الخبراء، فلا يجوز أن تقدر بالبينة او الحجة، بل يكتفي برأي الخبراء فحسب. لأنهم قد نظروا الى الشخص المماثل لذلك الأجير ولذلك العمل، ونظروا إلى الزمان والمكان بالنسبة للأجرة، لأنها تتفاوت بتفاوت العمل والعامل والزمان والمكان.

أما إذا اختلف الأجير والمستأجر على غير الأجرة، فيرجع إلى العقد ويحكم على حسب أحكام الشرع وما فيه من مواد كانا قد اتفقا عليها عند العقد.
وإلى حلقة قادمة ومادة أخرى من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أبو الصادق
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح31)


شرح المادة 155
نص المادة 155:
(يجوز أن تكون الأجرة حسب منفعة العمل، وأن تكون حسب منفعة العامل، ولا تكون حسب معلومات الأجير، أو شهاداته العلمية، ولا توجد ترقيات للموظفين، بل يعطون جميع ما يستحقونه من أجر سواء أكان على العمل أم على العامل)

دليل هذه المادة هو التعريف الشرعي للإجارة، لأن التعريف الشرعي كالقاعدة الشرعية أحكام شرعية استنبطها المجتهدون من مجموعة أدلة شرعية صحيحة، وباجتهاد صحيح، لذلك فالتعريف هوحكم شرعي، ويكون دليلا على المسألة التي انطبق عليها.
والتعريف الشرعي للإجارة هو أنها ((عقد على المنفعة بعوض)).

والمنفعة إما منفعة العمل الذي يقوم به كالمهندس والطبيب، وإما منفعة الشخص نفسه كالخادم.
فهذان النوعان من المنافع هما اللذان يجري عليهما العقد، وما عداهما لا يصح أن يجعل العقد مسلطا عليه.

أما العقد في إجارة الأجير، فهو إما أن يكون على منفعة العمل الذي يقوم به الأجير، وإما أن يرد على منفعة الأجير نفسه، فإذا ورد العقد على منفعة العمل، كان المعقود عليه هو المنفعة التي تحصل من العمل، كاستئجار أرباب الحرف والمصانع لأعمال معينة، وكاستئجار الصباغ والحداد والنجار، وإن ورد العقد على منفعة الشخص، كان المعقود عليه هو منفعة الشخص، كاستئجار الخدمة والعمال.

وهذا الأجير إما أن يعمل للفرد فقط مدة معلومة، كمن يشتغل في معمل أو بستان أو مزرعة لأحد الناس بأجره معينة، أو كموظفي الحكومة في جميع مصالحها، وإما أن يعمل عملا معينا لجميع الناس بأجرة معينة عما يعمل، كالنجار والخياط والحذاء ومن شاكلهم، والأول هو الأجير الخاص والثاني هو الأجير المشتراك او الأجير العام.

ومن هنا لا يسلط العقد على منفعة المعلومات التي لدى الشخص، ولا على منفعة الشهادات، بل يسلط على منفعة الأجير، لأنه كثيرا ممن يحمل الشهادات العليا، ليس لديه مهارة حامل الخبرة، ولا منفعته، فمن الظلم أن تقدر المنفعة في الشهادات، ولا تقدر بالمنفعة الحقيقية للأجير، إما منفعة شخصه وإما منفعة عمله، والأجرة إنما تكون مقابل هذه المنفعة التي سلط عليها العقد، ولهذا فإن ما يسمى بدرجات الموظفين، أي ما يقدر من أجر للموظفين لا يكون حسب الشهادة، ولا حسب المعلومات، وإنما تكون حسب الشخص نفسه، إذا كان يقوم بعمله بجسمه كالخادم، أو حسب منفعة عمله، إن كان يقوم به بعلمه وخبرته كالمهندس، ولا يكون غير ذلك، لأن هذا هو المنطبق على التعريف الشرعي.

والعقود في الشرع تسلط على ثلاث منافع، منفعة الشخص نفسه، أو منفعة العمل الذي يقوم به، أو منفعة الأعيان، كأن تستأجر سيارة من مكاتب تأجير السيارات.

ففي منفعة الأعيان لا يدخل فيه بحث الأجير، إذ لا علاقة له به، بل العلاقة في العين المستأجرة، ولا بد في إجارة الأجير من تحديد العمل، وتحديد المدة، وتحديد الأجرة وتحديد الجهد، ولا بد من بيان نوع العمل، حتى لا يكون مجهولا، لأن الإجارة على المجهول فاسدة، ولا بد من تحديد مدة العمل، مياومة أو مشاهرة أو مسانهة، ولا بد من تحديد أجرة العامل، عن أبن مسعود رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (إذا استأجر أحدكم أجيرا فليعلمه أجره)، فلا يجوز أن يطلب من العامل أن يبذل جهدا إلا بقدر طاقته المعتادة، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا به ما استطعتم)، وبما أن الجهد لا يمكن ضبطه بمعيار حقيقي، كان تحديد ساعات العمل ضبطا للجهد، ويحدد معها نوع العمل كحفر أرض صلبة أو رخوة، أو طرق حديد أو قطع حجارة أو سوق سيارة، أو عمل في منجم فإنه يبين الجهد.

أما بالنسبة للزيادات السنوية التي تعطى للموظف حسب درجات مقررة، فإنه لا وجود لها في الإسلام، لأن الأجير يعطى أجره المسمى مدة الإجارة، وعند إبرام العقد، فزيادة أجرته أثناء المدة غير واردة، فهو إنما استؤجر بأجر معلوم مدة معلومة فلا يستحق أية زيادة، وأما الزيادات الموجودة في نظام الحكومات اليوم فهي من النظام الرأسمالي الفاسد وهي خداع، فإنهم لا يقدرون درجة الموظف تقديرا صحيحا، فيعطونه إياها ناقصة، ثم يزيدونها سنويا، ثم بعد عدة سنوات يصل نهاية هذه الدرجة، ويعتبرون ذلك زيادة سنوية.

أما الإسلام فإنه يعطيه أجرته التي يستحقها من أول يوم يبدأ فيه العمل حسب السوق، أي يعطى آخر ما يسمى بالدرجة رأسا، فلا تحصل هناك زيادات سنوية.
وأما الزيادات التي يجيزها الشرع فهي العقود الجديدة وبأجر جديد وليس زيادات سنوية.

وإلى حلقة قادمة ومادة أخرى من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أبو الصادق

أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح32)


شرح المادة 156
نص المادة 156:
(تضمن الدولة نفقة من لا مال عنده، ولا عمل له، ولا يوجد من تجب عليه نفقته وتتولى إيواء العجزة وذوي العاهات.)
تبين هذه المادة أيها الإخوة أن الدولة هي الخليفة، والخليفة هو الدولة، فهو راع ومسؤول عن الرعية، قال صلى الله عليه وسلم: ((الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته))، فإذا قصر الخليفة في شأن من شؤون الرعية فعليها أن تحاسبه، يقول تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون)، فالرعية لابد أن يكون فيهم الفقير والمسكين وابن السبيل، أي من لا مال عنده، فالضامن لكل هؤلاء وغيرهم هو خليفة المسلمين، فضمانته لهم بأن يتقصى أحوالهم، ويعرف أخبارهم، ويعطيهم من بيت المال ما يستحقون، وعلى المسلمين من أفراد الرعية أن يحاسبوا الحاكم للتغيير عليه إن قصر في ذلك، ويكونون آثمين إذا رضوا بأعمال الحاكم التي تنكر عليه وتابعوه عليها، هذا بالنسبة لمن لا مال عنده.

أما بالنسبة لمن لا عمل له فعلى الدولة أن توجد له عمل، ففي الحديث الذي رواه أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رجلا من الأنصار جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله، فقال: (لك في بيتك شيء) قال بلى، حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقدح نشرب فيه الماء، قال: (ائتني بهما)، قال: فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، ثم قال: (من يشتري هذين؟)، فقال: رجل أنا آخذهما بدرهم، (قال من يزيد على درهم)، مرتين أو ثلاثا، قال رجل آخذهما بدرهمين: فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري وقال: (اشتر بأحدهما طعاما فانبذه الى أهلك، واشتر بالآخر قدوما فأتني به)، ففعل، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشد فيه عودا بيده وقال: (اذهب فاحتطب ولا أراك خمسة عشر يوما)، فجعل يحتطب ويبيع، فجاء وقد اصاب عشرة دراهم، فقال اشتر ببعضها طعاما وببعضها ثوبا) ثم قال: (هذا خير لك من أن تجيء والمسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع أو دم موجع).

إن مباشرة الرسول صلى الله عليه وسلم كرئيس للدولة لهذه العملية، يعني أن إيجاد عمل للعاطل عن العمل واجب على الخليفة، فهذا العاجز حكما عن كسب عيشه بيده لعدم توفر العمل له، أو لعدم توفر المال الذي به يتمكن من ايجاد عمل له، فعلى الخليفة أن يوفر له المال الكافي الذي يمكنه من العمل.

أما العجزة فعلاً، أي الذين لا يقدرون على العمل، فعلى الدولة أن تتولى شؤونهم، وتوفر لهم المسكن والملبس والمطعم، وتوفر لهم بعض الحاجات الكمالية، وتوفر لهم من يرعى شؤونهم من موظفين مختصين بأصحاب العاهات والمرضى، وتوفر لهم ما يساعدهم على قضاء حوائجهم، مثل المستشفيات المتخصصة والأجهزة الطبية، ومن يتولى الرعاية الصحية لهم، مثل الأطباء المتخصصين والممرضين، وأن تعمل على تعليمهم بعض الحرف التي تناسبهم، فقد ثبت أن كثيرا ممن عندهم العاهات، أبدعوا في مجالات كثيرة، فالدولة هي المسؤولة عن هؤلاء لأنهم من الضياع الذين ذكروا في الحديث الشريف، عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏رضي الله عنه قال: عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال: ‏ ‏ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)، فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه .
والضياع هم الفقراء وكل عاجز وكل ذي عاهة.


وكذلك ما جاء في الحديث الشريف((من ترك مالا فلورثته ومن ترك كلاً فإلينا)) والكل هو الضعيف، وهو يشمل الفقير، ويشمل العاجز، ويشمل ذوي العاهات. فقوله((ومن ترك كلا فإلينا)) أي على الدولة واجب رعايتهم.
والى حلقه قادمة ومادة اخرى من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام، نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أبو الصادق
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح33)


شرح المادة 157
نص المادة 157:
(تعمل الدولة على تداول المال بين الرعية، وتحول دون تداوله، بين فئة خاصة.)

دليل هذه المادة هي آية سورة الحشر في قوله سبحانه وتعالى: (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم)، فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما غنم فيء بني النضير، أعطاه لفقراء المهاجرين ولم يعط من فقراء الأنصار إلا رجلين وهما أبو دجانة وسهل بن حنيف، مع إن هذا الفيء هو للمسلمين كافة، وكان هذا الفعل من الرسول صلى الله عليه وسلم تحقيقا لآية ( كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم).

وهذا التعليل وهذه العلة الشرعية حتى لا يتداوله الأغنياء فقط، وبما أن العلة تدور مع المعلول وجودا وعدما، فهذه العلة تبقى لكل وقت، والخليفة هو الذي يعملها بين الناس، لأنه برأيه واجتهاده يُوجد التوازن في المجتمع، عندما يكون فيه التفاوت الكبير في امتلاك الثروات.

والإسلام أوجب تداول المال بين جميع أفراد الرعية، ومنع حصر تداوله بين فئة من الناس، فالأصل في الدولة أن تعالج التفاوت الفاحش بين الأفراد وتوجد التوازن بإعطائها من أموالها التي تمتلكها لمن قصرت به حاجته، حتى يحصل بهذه الأعطيات توازن في توفير الحاجات، وعليها أن تعطي المال لقضاء الحاجة، وتوفير وسائل قضائها، بتوفير ملكية الثروة التي تسد بها هذه الحاجات، وإذا كانت الدولة لا تملك مالا، أو لم تفِ أموالها بإيجاد هذا التوازن، لا يصح أن تفرض ضرائب من اجل هذا التوازن في المجتمع، لأنه ليس من الأمور التي فرضت على المسلمين، فان النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى التفاوت في ملكية الأموال بين المهاجرين والأنصار، خص المهاجرين من أجل التوازن، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار، إن شئتم قسمت للمهاجرين من دياركم وأموالكم وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم تقسم لكم من الغنيمة شيئا، فقالت الأنصار بل نقسم لإخواننا من ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالغنيمة، فأنزل الله تعالى قوله: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة).

أما قوله تعالى ( لكيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم)، أي كيلا يتداول بين الأغنياء فقط، والدولة في اللغة اسم للشيء الذي يتداوله القوم، وهي أيضا اسم لما يتداول من المال، أي كيلا يكون الفيء الذي هو حق أن يعطي للفقراء ليكون بلغة لهم أن يعيشون بها، واقعا في يد الأغنياء، ودولة بينهم.
فأموال الغنائم يفعل بها مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كإعطاء الفقراء دون الأغنياء، فهذه الأموال لم تأت مما يجمع المسلمون وهي أموال الغنائم فتصرف للتوازن حسب ما يرى الخليفة، أما إن كانت هذه الأموال قد جمعت من المسلمين كأموال الضرائب فلا تصرف على التوازن، بل تصرف لما جمعت من أجله، ويفعل ذلك في كل وقت، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

وعليه فإن على الخليفة أن يوجد التوازن الاقتصادي في المجتمع وذلك بإعطائه الفقراء من الرعية وحدهم دون الأغنياء.
والى حلقة قادمة ومادة أخرى من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أبو الصادق

أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح34)


شرح المادة 158
نص المادة 158:
تيسر الدولة لأفراد الرعية إمكانية إشباع حاجاتهم الكمالية، وإيجاد التوازن في المجتمع، حسب توفر الأموال لديها على الوجه التالي:
أ- أن تعطي المال منقولا أو غير منقول من أموالها التي تملكها في بيت المال ومن الفيء وما شابه.

ب- أن تقطع من أراضيها العامرة وغير العامرة من لا يملكون أرضا كافية، أما من يملكون أرضا ولا يستغلونها فلا تعطيهم، وتعطي العاجزين عن الزراعة مالا لتوجد لديهم القدرة على الزراعة.

ج- تقوم بسداد ديون العاجزين عن السداد من مال الزكاة ومن الفيء وما شابه.
تبين هذه المادة أن للأفراد في الدولة الإسلامية حاجات أساسية، يجب عليها أن توفرها لكل فرد من أفراد الرعية، وهي المسكن، والملبس، والمأكل، وتفرض الضرائب من أجلها إن لم يكن في بيت المال مال، ولهم حاجات كمالية، على الدولة أن تعمل على تيسيرها لهم، وذلك بإيجاد الأعمال التي تمكنهم من توفير هذه الحاجات الكمالية، وعليها أيضا واجب إيجاد التوازن بين أفراد المجتمع، فتعطي من الأموال المتوفرة لديها في بيت المال، من هم في حاجة إليه من الفقراء والمساكين وابن السبيل وفي سبيل الله وغيرهم.

دليل الفقرة(أ): أن الله جعل أموال بني النضير للنبي صلى الله عليه وسلم، يضعها حيث يشاء، والرسول صلى الله عليه وسلم خص بها المهاجرين دون الأنصار سوى رجلين هما: أبودجانة وسهل بن حنيف، وأموال بني النضير من الفيء، ومثل الفيء بقية الأموال التي هي من الموارد الدائمية لبيت المال كالخراج والجزية وخمس الركاز والزكاة، لأنها مما جُعل مصرفه موكولا لرأي الإمام واجتهاده، اللهم إلا ما جاء النص مبينا مصرفه كمصارف الزكاة، فلا يصح أن تصرف الا فيما ورد فيه النص، وهم الأصناف الثمانية التي ورد ذكرهم في القرآن الكريم، وهذا فقط في الموارد الثابتة.أما الأموال التي تجمع ضرائب من المسلمين، فلا يعطى منها لهم، لأن النص في الفيء، ويقاس عليه الأموال التي مثله، وهي الموارد الثابتة.
وهذا ينطبق على الأموال المنقولة وغير المنقولة التي يحوزها بيت المال.

وأما الفقرة (ب): فإن دليلها فعل الرسول صلى الله عليه وسلم بإقطاعه الأراضي، عن ابن عمر قال: (أقطع النبي صلى الله عليه وسلم الزبير حضر فرسه، فأجرى الفرس حتى قام، ثم رمى بسوطه فقال صلى الله عليه وسلم: أعطوه حيث بلغ السوط)، وعن عمر بن حريث قال: (إنطلق بي أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا غلام شاب فدعا لي بالبركة ومسح رأسي وخط لي دارا بالمدينة بقوس ثم قال ألا أزيدك)، وعن علقمة بن وائل بن الحضرمي يحدث عن أبيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطعه أرضا لا أعلمه إلا قال بحضرموت، وقد ذكر في حديث آخر، أن تميم الداري رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم أن يقطعه عيون البلد الذي كان منه بالشام قبل فتحه، وهو مدينة الخليل، فأقطعه إياها صلى الله عليه وسلم، ودليلها أيضا ما فعله عمر بن الخطاب من إعطاء الفلاحين في العراق مالا من بيت المال لزراعة أراضيهم، وسكت عنه الصحابة فكان إجماعا.

وأما الفقرة (ج): فإن دليلها ما جعله الله في مال الزكاة بقوله: (والغارمين)، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فمن ترك دينا فعلي، ومن ترك مالاً فلورثته)، وجعل الشرع مال الفيء ينفقه الإمام برأيه واجتهاده، ومنه سداد الدين.
والى حلقة قادمة ومادة أخرى من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أبو الصادق

أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح35)


شرح المواد (159-160)
أما نص المادة 159:
(تشرف الدولة على الشؤون الزراعية ومحصولاتها وفق ما تتطلبه السياسة الزراعية التي تحقق استغلال الأرض على أعلى مستوى من الإنتاج.)
دليل هذه المادة هو دليل رعاية الشؤون، قال صلى الله عليه وسلم (الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته)، فالدولة تشرف على الشؤون الزراعية من باب رعاية الشؤون عامة، ولكنها لا تباشر الشؤون الزراعية فتقوم بزراعة الأشجار والخضروات وغيرها التي هي من عمل الأفراد، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم تركها للمسلمين، فقال لهم في حديث تأبير النخل، (أنتم أدرى بشؤون دنياكم)، مما يدل على أن الدولة لا تشرف إشرافا مباشرا على الزراعة، ولا تتولاها، وإنما تشرف إشرافا عاما بتنظيم المباحات، بأساليب عملية تختارها لتنمية الزراعة وتقويتها وتسهيل أمورها، وتسمح باستيراد الأدوات الزراعية من الخارج، وكذلك العلوم التي من شأنها أن تزيد في الأنتاج وفي تحسينه، وعلى الدولة أن ترسم سياسة زراعية تؤدي الى الوفرة في الإنتاج.

والزراعة هي مصدر أساسي من مصادر الأقتصاد التي تعتمد عليها الدولة، فعليها أن توليها إهتماما كبيرا، كيلا تعتمد الدولة فيما هو من ضرورياتها على غيرها من الدول فتصبح اسيرة لها ولا تستطيع الانفكاك عنها.



وأما المادة 160 والتي نصها:
(تشرف الدولة على الشؤون الصناعية برمتها، وتتولى مباشرة الصناعات التي تتعلق بما هو داخل في الملكية العامة.)

تبين هذه المادة هذه المادة أن واجب الدولة أن تتولى الإشراف على الصناعات كلها إشرافا عاما، خاصة ذلك الذي يخص الأفراد، من باب رعاية الشؤون لقوله عليه السلام (الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته)، والإسلام أقر ملكية الأفراد للمصانع، كمصانع الحلويات والملابس والأثاث وغيرها، وقد استصنع عندهم الرسول صلى الله عليه وسلم خاتما، واستصنع عندهم منبرا لمسجده صلى الله عليه وسلم، مما يدل على أن المصانع إنما يتملكها الأفراد لا الدولة، ولكن الدولة بما أولاها الله من رعاية لشؤون المسلمين، تشرف على مصالحهم، إشرافا عاما بتنظيم هذه المباحات، بأساليب تساعد على تحسين الصناعة، وبفتح أسواق لها، وبتوفير المواد الخام، وما شاكل ذلك.

أما ما يتعلق بما هو داخل في الملكية العامة، فإن دليله القاعدة الشرعية: (يأخذ المصنع حكم المادة التي ينتجها)، وهذه القاعدة الشرعية مستنبطة من حديث الرسول عن أنس قال: ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمرة عشرة: عاصرها ومعتصرها) الحديث، فقد حرم صناعة عصر الخمر، لأنها صنعت لأجل عصر الخمر، مع أن صناعة العصر مباحة، فأخذ المصنع حكم المادة التي أنتجها، وهذا عام، وبناء عليه يأخذ المصنع حكم المادة التي ينتجها، فتكون المصانع التي تنتج ما هو داخل في الملكية العامة ملكية عامة، لأنه أخذ حكم المادة التي ينتجها، والملكية العامة ملك لعامة المسلمين، ولا يصح أن يستقل فيها فردٌ أو أفراد، يمنع استقلالهم تمكين غيرهم من ملكيتها.

ومن هنا كان الخليفه هو الذي يتولى هذه المصانع ويمنع الأفراد من ملكيتها، لأن ملكيتهم لها تمنع غيرهم من التمكن من ملكيتها.
ولهذا كانت الدولة هي التي تتولى مباشرة المصانع التي هي داخلة بالملكية العامة، مثل استخراج النفط واستخراج الحديد والذهب وما شاكله، غير أنها تجعل لها مصلحة خاصة بها في واراداتها ونفقاتها وسائر شؤونها، وتضع أرباحها في بيت المال في باب خاص بها، لأنها ليست من ملكية الدولة بل هي من الملكية العامة.

وإلى حلقة قادمة ومادة أخرى من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أبو الصادق

أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح36)


شرح المادة 161
نص المادة 161:
(التجارة الخارجية تعتبر حسب تابعية التاجر لا حسب منشأ البضاعة، فالتجار الحربيون يمنعون من التجارة في بلادنا إلا بإذن خاص للتاجر أو للمال. والتجار المعاهدون يعاملون حسب المعاهدات التي بيننا وبينهم، والتجار الذين من الرعية يمنعون من إخراج ما تحتاجه البلاد من المواد، ومن إخراج المواد التي من شأنها أن يتقوى بها العدو، عسكريا أو صناعيا، أو اقتصاديا، ولا يمنعون من إدخال أي مال يملكونه، ويستثنى من هذه الأحكام البلد الذي بيننا وبين أهله حرب فعلية (كإسرائيل)، فإنه يأخذ أحكام دار الحرب الفعلية في جميع العلاقات معه تجارية كانت أم غير تجارية).
في هذه المادة أحكام الشرعية المتعلقة بالتجارة الداخلية، تختلف عن الأحكام الشرعية المتعلقة بالتجارة الخارجية.

فالتجارة الداخلية هي عمليات البيع والشراء بين الأفراد في الأمة الواحدة، وهذه ينطبق عليها أحكام البيع التي ذكرها الفقهاء، ولا تحتاج الى أية مباشرة من الدولة، حتى ولا إشراف مباشر، وإنما تحتاج الى إشراف عام، في إلزام الناس بأحكام الاسلام في البيع والشراء، ومعاقبة المخالفين لها، كأيةعملية من عمليات المعاملات كالأجارة والزواج وغير ذلك.

أما التجارة الخارجية فهي عمليات البيع والشراء التي تتم بين الشعوب والأمم لا بين أفراد من دولة واحدة، سواء أكانت بين دولتين، أم كانت بين فردين، كل منهما من دولة غير الأخرى، فهي كلها تدخل تحت سيطرة علاقة دولة بدولة.

ولذلك تباشر الدولة منع إخراج بعض البضائع وإباحة بعضها، وتباشر موضوع التجار الحربيين والمعاهدين، فهي تباشر التجارة مطلقا وتباشر موضوع التجار من غير رعاياها، أما رعاياها فيكفي الأشراف عليهم في التجارة الخارجية كالتجارة الداخلية.

أما هذه المادة فتشتمل على ثلاثة أمور:
أحدها: أن البضاعة تعتبر بحسب تابعية التاجر لا بحسب منشأ البضاعة.
والثاني: اختلاف أحكام التجار بأختلاف تابعيتهم.
والثالث: الحالات التي يمنع فيها التصدير والإستيراد.

أما الأمر الأول: فإن دليله أن التجارة الخارجية تتعلق بها أحكام شرعية هي:
أحكام البيع، وأحكام دخول الأموال من دار الحرب الى دار الإسلام وخروجها من دار الإسلام إلى دار الحرب، وأحكام ما ينال المسلمين منها ضرر، وأحكام ما يتقوى به العدو على المسلمين.

والحكم الشرعي هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد.
لذلك كانت التجارة الخارجية متعلقة بالتجار وليس بمنشأ البضاعة.
ذلك أن الأحكام الشرعية المتعلقة بالتجارة الخارجية إنما نزلت في حق أفراد الإنسان، والحكم الذي نزل متعلقا بالمال إنما يتعلق به من ناحية كونه مملوكا لفرد معين لا من ناحية كونه مالا فقط، أي باعتباره مالا مملوكا لفرد، لا باعتباره مجرد مال.

ولهذا كانت الأحكام المتعلقة بالتجارة الخارجية إنما هي الأحكام المتعلقة بالأفراد من حيث نظر الشرع لهم ولأموالهم، أي من حيث حكم الله في حقهم، ومن حيث حكم الله في أموالهم المملوكة لهم.

ومن هنا كانت أحكام التجارة الخارجية ليست متعلقة بالمنشأ بل متعلقة بالتاجر.

وأما الأمر الثاني: فإن دليله ما ورد في حديث سليمان بن بريدة عن أبيه في وصية الرسول لأمراء الجيوش، حيث يقول: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مما قاله للأمير: (أدعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم أدعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم الذي يجري على المسلمين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين).

ووجه الاستدلال بهذا الحديث، أن قول الرسول عليه السلام: ثم ادعهم إلى التحول من دارهم الى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك، لهم ما للمهاجرين وعليهم ما عليهم.

فالتحول إلى دار المهاجرين شرط ليكون لهم ما لنا وعليهم ما علينا، أي لتشملهم الأحكام، فيكون من لا يتحول الى دار الإسلام من حيث حكم المال كغير المسلمين من ناحية حرمانه منه، وهذا يعني عدم تطبيق الأحكام المالية عليه لأنه لم يتحول لدار المهاجرين أي لدار الإسلام، فالرسول كان يعتبر غير دار المهاجرين دار كفر ولوكان يسكنها مسلمون، وعلى هذا فالتاجر الحربي مسلما كان أو غير مسلم لايدخل بلادنا إلا بأمان، وكذلك المعاهد فيسار معه حسب معاهدته لقوله سبحانه: (فأتموا إليهم عهدهم) ولا فرق في المعاهد بين المسلم والكافر.

أما من يحمل التابعية الإسلامية مسلما كان أو ذميا، فلا يمنع من إخراج البضاعة التي يريدها، ولا من إدخال البضاعة التي يريدها، وذلك لقوله تعالى: (وأحل الله البيع)، فهو عام يشمل كل بيع أي يشمل التجارة الداخلية والتجارة الخارجية، وكذلك لا تؤخذ منه رسوم جمارك لما روي عن ابراهيم بن مهاجر قال: سمعت زياد بن حدير يقول: (أنا أول عاشر عشر في الإسلام، قلت من كنتم تعشرون؟ قال: ما كنا نعشر مسلما ولا معاهدا، كنا نعشر نصارى تغلب)، فهذه الأدلة على دار الإسلام ودار الحرب وعلى عدم دخول الحربي دار الإسلام إلا بأمان مسلما كان أم كافرا، والمعاهد يعامل حسب معاهدته.
وأما الأمر الثالث: فدليله قاعدة (الشيء المباح ذا كان فرد من أفراده يؤدي إلى ضرر يمنع ذلك الفرد ويبقى ذلك الشيء مباحا)، وهذه القاعدة مستنبطة من منع الرسول الجيش من الشرب من بئر ثمود وهو في طريقه الى تبوك.

فالبضاعة التي يتقوى بها العدو كالسلاح والمواد الإستراتيجية، أو البضاعة التي يعتبر إخراجها مضرا بالبلاد كالطعام، يجب أن يمنع إخراجها، وكذلك إدخال البضاعة يقاس على هذه القاعدة.

أما دليل جواز إخراج البضاعة، هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر ثمامة أن يمير أهل مكة وهم حرب عليه.

وإلى حلقة قادمة ومادة أخرى من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أبو الصادق

أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح37)


شرح المواد162-163
أما نص المادة 162:
(لجميع أفراد الرعية الحق في إنشاء المختبرات العلمية المتعلقة بكافة شؤون الحياة، وعلى الدولة أن تقوم هي بإنشاء هذه المختبرات.)
أباح الله سبحانه وتعالى العلم مطلقا، والأدلة على ذلك مستفيضة جدا في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة، يقول تعالى: ( اقرأ باسم ربك الذي خلق)، ويقول: (علم الإنسان ما لم يعلم)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيرا يفقه في الدين، وإنما العلم بالتعلم)، فقوله سبحانه وتعالى (اقرأ)، عام يشمل كل علم، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنما العلم)، اسم جنس محلى بالألف، فهو من ألفاظ العموم، وهذا كله يدل على إباحة العلم مطلقا.

وعلى هذا فإن لكل فرد من أفراد الرعية أن يطلب العلم أي علم، وأن يتخذ الوسائل اللازمة للوصول الى المعارف والحقائق العلمية، فلكل فرد الحق أن يقوم بإنشاء المختبر الذي يراه، وأن يساعد من يشاء في إنشاء المختبرات.
إلا أنه إذا كانت بعض العلوم يؤدي تعليمها الى الى زيغ في العقائد أو ضعف في المعتقدات، فإن هذه العلوم بالذات، يحرم تعليمها ما دامت توصل الى ذلك، وكذلك المختبرات.

إن المختبرات إنما يتولاها الأفراد، لأنها من الملكية الفردية، وليست من الملكية العامة ولا ملكية الدولة، إلا أن هذه الملكية الفردية، يجوز للدولة أن تملكها بوصفها شخصية معنوية، كما تملكها أية شخصية حقيقية، أي كما يملكها كل فرد من أفراد الرعية، إلا أن ما تملكه الدولة يصبح ملكية لها من أملاكها، مع كونه ملكية فردية.

والدولة حين تقوم بإنشاء المختبرات، إنما تقوم بذلك من باب رعاية الشؤون، ومن باب القيام بالفرض الذي أوجبه الله عليها، لقوله صلى الله عليه وسلم: (الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته)، وللقاعدة الشرعية: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).
فالمكتبات والمختبرات وسائر وسائل المعرفة هي من شؤون الأمة التي يجب على الإمام أن يرعاها، فهو مسؤول عنها، وإذا قصر يحاسب على تقصيره.

وهذه الوسائل للمعرفة، إن كانت مما لا يتأتى ايجاد الإجتهاد في الفقه إلا بتوفيره، أو مما لا يتأتى ايجاد الإختراع فيما يلزم من المختبرات لإعداد القوى إلا به، فإن توفيرها فرض على الخليفة، عملا بقاعدة: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، وإن كانت مما يساعد على ذلك، ويسهل أمر الإجتهاد والاختراع، كانت داخلة في رعاية الشؤون مما هو من جلب المنافع، وحينئذ لا تكون واجبا، فإن كان لدى الدولة مال قامت بها وإلا فلا.

أما المادة 163 والتي نصها:
(يمنع الأفراد من ملكية المختبرات التي تنتج مواد تؤدي ملكيتهم لها الى ضررعلى الأمة أو على الدولة.)
تبين هذه المادة ملكية الأفراد للمختبرات مباحة، ولكن الدولة إن رأت أن تمنع بعض المختبرات، التي تؤدي ملكية الأفراد لها الى ضرر، من مثل مختبرات الذرة وغيرها، فلها ذلك، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار)، ولأن القاعدة الشرعية التي نصها: (الشيء المباح إذا أوصل فرد من أفراده الى ضرر، حرم ذلك الفرد وحده وبقي الشيء مباحا)، وذلك لما روي عن النبي صلى الله وسلم، أنه حين مر بالحجر نزلها واستقى الناس من بئرها، فلما راحوا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تشربوا من مائها شيئا، ولا تتوضئوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الأبل ولا تأكلوا منه شيئا، ولا يخرجن أحد منكم الا ومعه صاحبا له)، فشرب الماء مباح، ولكن ذلك الفرد من أفراد الماء، وهو بئر ثمود، قد حرمه الرسول لأنه يوصل إلى أذى، ولكن ظل الماء مباحا.

وخروج الشخص في الليل دون أن يكون معه صاحب مباح، ولكن خروج أحد من ذلك الجيش في تلك الليلة في ذلك المكان، قد حرمه الرسول، لأنه يوصل إلى أذى، وما عدا ذلك ظل خروج الشخص ليلا بدون صاحب مباحا، وهذا دليل على أن الفرد الواحد من المباح إذا أوصل إلى أذى، صار ذلك الفرد وحده حرام، وظل الشيء نفسه مباحا.

وإلى حلقة قادمة ومادة أخرى من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أبو الصادق

أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح38)


شرح المادة 164
نص المادة 164:
(توفر الدولة جميع الخدمات الصحية مجانا للجميع ، ولكنها لا تمنع استئجار الأطباء، ولا بيع الأدوية.)
أن الله قد فرض على الخليفة أن يقوم برعاية شؤون المسلمين، برعاية مصالحهم، والإرفاق بهم.
فالمصلحة ما تستعمله الأمة كلها، مثل التعليم وإصلاح الطرق وما شاكل ذلك.
والمرافق هي من الإرفاق، وهو ما يرتفق بها الناس لقضاء مصالحهم، مثل بناء المستشفيات والعيادات لنزول المرضى، وبناء المساجد للمصلين وغير ذلك.
والطب هو من المصالح والمرافق التي لا يستغني عنها الناس، وهو من ضرورياتهم.

والرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر بالتداوي، عن أسامة بن شريك قال: ((جاء أعرابي فقال: يا رسول الله أنتداوى؟ قال: نعم، فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله))، وفي لفظ)): قالت الأعراب يا رسول الله ألا نتداوى؟ قال: نعم عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء)، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم، وأعطى الحجام أجره واستعط) يعني استعمل السعوط وهو دواء يوضع في الأنف.

وهذا يدل على إباحة التداوي، وبالتداوي جلب منفعة ودرء مضرة، فهو مصلحة، علاوة على أن العيادات والمستشفيات مرافق يرتفق بها المسلمون، في الاستشفاء والتداوي.

فصار الطب من حيث هو من المصالح والمرافق، وواجب على الدولة أن تقوم بها، لأنها مما يجب عليها رعايته، عملا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته)، وهذا من مسؤولية الرعاية، ولذلك وجب على الدولة توفيره للناس، ووجب عليها أن توفره مجانا، لأنه من النفقات الواجبة على بيت المال على وجه المصلحة والأرفاق دون بدل، ولذلك كان عليها أن توفر جميع الخدمات الصحية دون بدل، وهذا هو الدليل على أن الطب مما يجب أن توفره الدولة للناس بالمجان.

وأما جواز أن يستأجر الطبيب، وتدفع له أجرة، فلأن المداواة مباحة، قال عليه الصلاة والسلام: ( عباد الله تداوو).

ولأنها أي المداواة منفعة يمكن للمستأجر استيفاؤها، فينطبق عليها تعريف الإجارة ولم يرد نهي عنها، وفوق ذلك فقد روى أنس: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم إحتجم، حجمه أبو طبية وأعطاه صاعين وكلم مواليه فخففوا عنه ) والمراد بمواليه سادته، لأنه كان مملوكا لجماعة، كما يدل على ذلك رواية مسلم، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (إحتجم النبي صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره، ولو كان سحتا لم يعطه )، وقد كانت الحجامة من الأدوية التي يتداوى بها في ذلك الوقت.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، (أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتوا على حي من أحياء العرب، فلم يقروهم، فبينما هم كذلك، إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل معكم من دواء أو راق؟ فقالوا إنكم لم تقرونا ، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلا، فجعلوا لهم قطيعا من الشاء، فجعل يقرأ بأم القرآن ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ، فأتوهم بالشاء، فقالوا لا نأخذه حتى نسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه فضحك وقال: ( وما أدراك أنها رقية، خذوها وأضربوا لي بسهم).

وقد كانت الرقية في ذلك الوقت، وهي- قراءة بعضا من القرآن وبعضا من الأدعية، كانت من الأدوية التي يتطبب بها، فدل أخذ الأجرة عليها، وعلى أخذ الأجرة على الحجامة، على جواز تأجير الطبيب، ومثل أجرة الطبيب بيع الأدوية، لأنها شيء مباح، يشمل عموم قوله تعالى: ( وأحل الله البيع)، ولم يرد نص بتحريمه.

أما الأدوية التي يدخل في صناعتها ما يضر الإنسان، فيحرم بيعها ويحرم استعمالها.

وإلى حلقة قادمة ومادة أخرى من مواد النظام الإقتصادي في الإسلام نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو الصادق
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح39)


شرح المادة 165
نص المادة 165:
(يمنع استغلال واستثمار الأموال الأجنبية في البلاد كما يمنع منح الإمتيازات لأي أجنبي).
الشرح: تشتمل هذه المادة على ثلاثة أمور، الأول الاستغلال، والثاني الاستثمار، والثالث الامتيازات، وكل واحد منها له مدلول.
أما الاستثمار، فهو اصطلاح غربي استعملته الدول الإستعمارية الكافرة وطبقته عمليا، فأخذت تضخ الأموال بقصد استثمارها في البلد المستعمَر (بالربا)، أي أن ينتج المال مالا.

وبقي هذا الاستثمار على هذه الحال ، الى أن أوجدت هذه الدول الإستعمارية أساليب أخرى، للسيطرة على البلد اقتصاديا وبالتالي سياسيا، كصندوق النقد الدولي الذي أنشأ بعد الحرب العالمية الثانية، ليقوم بنفس الغرض وبسط النفوذ، بحجة مساعدة الدول الفقيرة كي تقوم بمشاريع تنموية، ولكنه على شكل قروض ربوية مجحفة.

لقد نصت المادة على منع الإستثمار الأجنبي، تبنيا لحكم أن الكافر الحربي، يحرم الاشتغال معه بالربا كالذمي وكالمسلم سواء بسواء، وذلك لعموم قوله سبحانه تعالى: ((وحرم الربا))، إذ هناك من يجيز الإشتغال بالربا مع الكافر الحربي لأن أمواله مباحة.

وهذا القول خطأ محض.
لأنه لو صحت هذه العلة لكانت سرقته جائزة، مع أنه لا خلاف في تحريمها.
على أن هذه العلة غير صحيحة على إطلاقها فيكون مالُه حلالٌ على المسلمين حين يؤخذ غنيمة، أما سرقته فحرام، ويقاس عليها التعامل معه بالربا فإنه حرام، على أن عموم الآية وهي نص تحتاج الى نص آخر يخصصها، ولم يرد أي نص يخصصها فتظل عامة، فيكون استثمار الأموال الأجنبية حرام، كالأموال التي يملكها الرعايا من مسلمين وذميين.

وأما ما أستدلوا به كذلك من حديث (لا ربا بين المسلمين وأهل الحرب في دار الحرب) فإنه حديث ضعيف لا يصلح أن يكون حجة على الربا، ولا على تخصيص لآية الربا.

وأما كلمة الإستغلال فإنها إصطلاح أجنبي أيضا ومعناها تشغيل المال بالصناعة، أو الزراعة، أو التجارة، كي يعطي ربحا.
فالأموال الأجنبية التي تدخل البلاد بحجة الإستغلال فإنها توصل إلى حرام محقق، لأن الثابت المحسوس، والمعلومات الموثوق بصحتها، تري أن إستغلال الأموال الأجنبية في البلاد، هو طريق لبسط نفوذ الكفار عليها، وبسط نفوذ الكفار على البلاد حرام، لقوله تعالى: ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا).

والدليل الآخر هو القاعدة الشرعية ( الوسيلة الى الحرام حرام).
فإذا كانت هذه الأموال لا توصل الى بسط نفوذهم ولا إلى ضرر فإنها في هذه الحالة لا تنطبق عليها القاعدة الشرعية ولا الآية، فتكون حينئذ مباحة كسائر القروض.

وأما الامتيازات، فإنها اصطلاح غربي، ولها معنيان أحدهما:
أن تعطى دولة اجنبية في البلاد حقوقا معينة دون سائر الدول بإعتبار ذلك فرضا لهذه الدولة على الدولة الإسلامية، وذلك كالامتيازات التي أعطيت للدول المستعمرة في القرن التاسع عشر من قبل الدولة الإسلامية حين كانت ضعيفة، وكالامتيازات التي تعطى للدول الطامعة في بلادنا والتي تملي علينا شروطا مجحفة (كالأرامكو) في ما يسمى بالسعودية (والكي أو سي) في الكويت وغيرها من الشركات الأجنبية التي تعمل في الخليج والعراق وغيرها من الدول النفطية أو الدول الغنية ببعض المعادن كالفوسفات واليورانيوم والحديد والنحاس، وكالامتيازات التي كانت لأنجلترا وفرنسا في مصر، وذلك مثل أن يحاكم الرعايا الأجانب بقانون بلادهم لا بقانون الإسلام، ومثل أن لا يكون للدولة سلطان على الأجانب.

فهذه الامتيازات بهذا المعنى حرام من وجهين:
الأول: أنها تخل بسيادة الدولة الإسلامية، وتجعل للدول الكافرة سلطانا على بلاد المسلمين وذلك حرام قطعا.
والثاني: أنها تمنع حكم الإسلام من أن يطبق على غير المسلمين في بلاد الإسلام وتجعل حكم الكفر هو الذي يطبق وذلك حرام أيضا، فهذا النوع من الإمتيازات حرام .

أما المعنى الثاني للامتيازات: فهو إعطاء الترخيص بعمل من الأعمال المباحة، على أن يمنع عن غير المعطى له، وهذا كذلك حرام، سواء أكان لأجنبي أم لغير أجنبي، لأن المباح مباح للجميع فتخصيصه بشخص ومنعه من غيره، هو تحريم للمباح على الناس، صحيح أنه يجوز للدولة أن تنظم هذا المباح بأسلوب يمكن من الإنتفاع منه على أحسن وجه، ولكن لا يصح أن يكون هذا التنظيم محرما المباح على أحد.

وأما ما نصت عليه المادة، على منع الأجنبي من أخذ الإمتيازات في بلاد الإسلام، وذلك لأنه يسبب ضررا، ولأنه يؤدي إلى جعل سيطرة له في البلاد، كما هي الحال في إمتيازات البترول والإمتيازات الأخرى في بلاد المسلمين.

ومن المعلوم أن الاشتغال في المباح لا يحتاج إلى ترخيص، وأن غير المباح لا يعطى أي ترخيص، فهذا يعني أن الترخيص الذي تزاوله الدول القائمة اليوم، غير جائز في الإسلام، اللهم إلا ما كان لتنظيم المباح.

والى حلقة قادمة ومادة أخرى من مواد النظام الإقتصادي في الإسلام نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أبو الصادق
أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح40)


شرح المادة 166
نص المادة 166:
(تصدر الدولة نقدا خاصا بها يكون مستقلا ولا يجوز أن يرتبط بأي نقد أجنبي).

تُعَرَّف النقود بأنها الشيء الذي اصطلح الناس على جعله ثمنا للسلع وأجرة للجهود والخدمات، سواء أكان معدنا أم غير معدن، وبه تقاس جميع السلع وجميع الجهود والخدمات.

وكان الناس يتبايعون ويتبادلون السلع والجهود مقايضة قبل أن تعرف النقود، ولكن لما كان تبادل السلع والجهود مقايضة، يكتنفه كثير من الصعوبات التي فرضت قيدا على المعاملات التجارية، فقد فكرت الجماعات في اختيار سلعة أساسية، لها قيمة في ذاتها وسهلة التداول، وقد اتخذت الدولة الرومانية والبلاد التابعة لها الذهب أساسا لعملتها، فسكت منه الدنانير الهرقلية، وجعلتها على شكل ووزن معينين.

كذلك اتخذت الدولة الفارسية والبلاد التابعة لها الفضة أساسا لعملتها، وسكَّت منها الدراهم وجعلتها على شكل ووزن معينيين.
فلما جاء الإسلام، أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم التعامل بهذه الدنانير الرومانية والدراهم الفارسية وأقر اعتبارها نقدا، وأقرها الخلفاء الراشدون من بعده، كما أقر الأوزان التي كانت قريش تزن بها هذه الدنانير والدراهم.

وبقي المسلمون يستعملون هذه الدنانير والدراهم على شكلها وضربها وصورها، طيلة حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يضرب نقدا معينا على صفة معينة، وظلت الدولة طوال أيامه عليه السلام، وطوال أيام الخلفاء الراشدين الأربعة، وصدر بني أمية، اللهم إلا ما قام به عمر في أيام خلافته الأولى من ضرب دراهم جديدة، ولكن على الطراز البيزنطي والطراز الفارسي، إلى أن جاء عبد الملك بن مروان سنة 76من الهجرة، فرأى أن يصدر نقدا من الذهب والفضة ويجعلها على الطراز الإسلامي، وتحمل نصوصا إسلامية، وتصييرها وزنا واحدا لا يختلف، وبناء على الأوزان الشرعية.
ومنذ ذلك التاريخ وجدت دراهم إسلامية، ودنانير إسلامية مضروبة، أما قبل ذلك فلم يكن موجودا.

ومن هنا كان إصدار النقد مباحا، وليس واجبا على الدولة، إلا أنه إذا أصبح حفظ اقتصاد البلاد من الضياع، وحمايته من الأعداء، يحتاج الى إصدار النقد، فإنه حينئذ يصبح إصداره واجبا، عملا بالقاعدة الشرعية: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).

هذا هو واقع إصدار النقود، وواقع ما سار عليه المسلمون من إتخاذ النقود وإصدارها، واستعمال الذهب والفضة أساسا لها.
وعلى دولة الخلافة أن تجعل نقدها هو الذهب والفضة وأن تسير على قاعدة هذين المعدنين كما كان الحال أيام الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده.
أما ما ذكر في المادة من حرمة ربط هذا النقد الذي تصدره الدولة بنقد آخر، كربطه بالدولار أو الجنيه الإسترليني أو أي نقد للدول الكافرة، كما هي الحال مع جميع الدول القائمة في بلا د المسلمين اليوم، لأن النقد يكون تابعا عند ربطه، وتحت مطرقة الدول الكافرة من الناحية المالية والسياسية، ووسيلة ضغط تستعمله هذه للإذلال والخضوع، والله سبحانه وتعالى يقول: )ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا)، والقاعدة الشرعية: (الوسيلة إلى الحرام حرام).

لذلك يحرم على الدولة أن تربط نقدها بنقد غيرها مطلقا.
والى حلقة قادمة ومادة اخرى من مواد النظام اللإقتصادي في الإسلام نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح40)


شرح المادة 166
نص المادة 166:
(تصدر الدولة نقدا خاصا بها يكون مستقلا ولا يجوز أن يرتبط بأي نقد أجنبي).

تُعَرَّف النقود بأنها الشيء الذي اصطلح الناس على جعله ثمنا للسلع وأجرة للجهود والخدمات، سواء أكان معدنا أم غير معدن، وبه تقاس جميع السلع وجميع الجهود والخدمات.

وكان الناس يتبايعون ويتبادلون السلع والجهود مقايضة قبل أن تعرف النقود، ولكن لما كان تبادل السلع والجهود مقايضة، يكتنفه كثير من الصعوبات التي فرضت قيدا على المعاملات التجارية، فقد فكرت الجماعات في اختيار سلعة أساسية، لها قيمة في ذاتها وسهلة التداول، وقد اتخذت الدولة الرومانية والبلاد التابعة لها الذهب أساسا لعملتها، فسكت منه الدنانير الهرقلية، وجعلتها على شكل ووزن معينين.

كذلك اتخذت الدولة الفارسية والبلاد التابعة لها الفضة أساسا لعملتها، وسكَّت منها الدراهم وجعلتها على شكل ووزن معينيين.
فلما جاء الإسلام، أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم التعامل بهذه الدنانير الرومانية والدراهم الفارسية وأقر اعتبارها نقدا، وأقرها الخلفاء الراشدون من بعده، كما أقر الأوزان التي كانت قريش تزن بها هذه الدنانير والدراهم.

وبقي المسلمون يستعملون هذه الدنانير والدراهم على شكلها وضربها وصورها، طيلة حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يضرب نقدا معينا على صفة معينة، وظلت الدولة طوال أيامه عليه السلام، وطوال أيام الخلفاء الراشدين الأربعة، وصدر بني أمية، اللهم إلا ما قام به عمر في أيام خلافته الأولى من ضرب دراهم جديدة، ولكن على الطراز البيزنطي والطراز الفارسي، إلى أن جاء عبد الملك بن مروان سنة 76من الهجرة، فرأى أن يصدر نقدا من الذهب والفضة ويجعلها على الطراز الإسلامي، وتحمل نصوصا إسلامية، وتصييرها وزنا واحدا لا يختلف، وبناء على الأوزان الشرعية.
ومنذ ذلك التاريخ وجدت دراهم إسلامية، ودنانير إسلامية مضروبة، أما قبل ذلك فلم يكن موجودا.

ومن هنا كان إصدار النقد مباحا، وليس واجبا على الدولة، إلا أنه إذا أصبح حفظ اقتصاد البلاد من الضياع، وحمايته من الأعداء، يحتاج الى إصدار النقد، فإنه حينئذ يصبح إصداره واجبا، عملا بالقاعدة الشرعية: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).

هذا هو واقع إصدار النقود، وواقع ما سار عليه المسلمون من إتخاذ النقود وإصدارها، واستعمال الذهب والفضة أساسا لها.
وعلى دولة الخلافة أن تجعل نقدها هو الذهب والفضة وأن تسير على قاعدة هذين المعدنين كما كان الحال أيام الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده.
أما ما ذكر في المادة من حرمة ربط هذا النقد الذي تصدره الدولة بنقد آخر، كربطه بالدولار أو الجنيه الإسترليني أو أي نقد للدول الكافرة، كما هي الحال مع جميع الدول القائمة في بلا د المسلمين اليوم، لأن النقد يكون تابعا عند ربطه، وتحت مطرقة الدول الكافرة من الناحية المالية والسياسية، ووسيلة ضغط تستعمله هذه للإذلال والخضوع، والله سبحانه وتعالى يقول: )ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا)، والقاعدة الشرعية: (الوسيلة إلى الحرام حرام).

لذلك يحرم على الدولة أن تربط نقدها بنقد غيرها مطلقا.
والى حلقة قادمة ومادة اخرى من مواد النظام اللإقتصادي في الإسلام نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح41)


شرح المادة 167
نص المادة 167:
(نقود الدولة هي الذهب والفضة، مضروبة كانت أو غير مضروبة، ولا يجوز أن يكون لها نقد غيرهما، ويجوز أن تصدر الدولة بدل الذهب والفضة شيئا أخر، على أن يكون في خزانة الدولة ما يساويه من الذهب والفضة، فيجوز أن تصدر الدولة نحاسا أو برونزا أو ورقا أو غير ذلك، وتضربه باسمها نقدا لها إذا كان له مقابل يساويه تماما من الذهب والفضة).

تبين هذه المادة أن الإسلام قد حدد النقد، وفرض على الدولة أن تتقيد به، وهذا النقد هو الذهب والفضة ليس غير، فالشرع لم يترك للدولة أن تصدر النقد الذي تريده من أي نوع تشاء، وإنما عين الوحدات النقدية التي للدولة أن تجعلها نقدا لها إذا أرادت أن تصدر نقدا بوحدات نقدية معينة، هي الذهب والفضة ليس غير.

والدليل على ذلك أن الإسلام ربط الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية، عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب، قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: (وإن في النفس المؤمنة مائة من الإبل، وعلى أهل الوَرِق ألفُ دينار)، وقال: (لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا)، فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار والدرهم والمثقال، يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة، وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود.

فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد، فربط الشرع الذهب والفضة بهذه الأحكام يعني أنهما حَصْرا هما النقد.
وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى حين فرض زكاة النقد أوجبها على الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة، فلو كان النقد غيرهما لما وجبت فيه زكاة النقد، لأنه لم يأت نص في زكاة النقد إلا على الذهب والفضة، مما يدل على أنه لا إعتبار لغيرهما من النقود.

وأيضا فإن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما، وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت على الذهب والفضة.

وأما الصرف فهو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة وإما بيع عملة بعملة أخرى.
وبعبارة أخرى الصرف بيع نقد بنقد، فتعيين الشرع للصرف بالذهب والفضة وحدهما دون غيرهما، دليل صريح على أن النقد يجب أن يكون الذهب والفضة ليس غير، قال عليه الصلاة والسلام: ( بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد)، وقال عليه السلام: (الذهب بالوَرِق ربا إلا هاءَ وهاء). وفوق ذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد عين الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يُرجع اليه عند قياس السلع والجهود والخدمات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم والدانق والقيراط والمثقال والدينار. وكانت هذه كلها معروفة ومشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس.

فكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد جعل النقد الذهب والفضة، وكون الشرع قد ربط بعض الأحكام الشرعية بهما وحدهما، وجعل الزكاة النقدية محصورة بهما، وحصر الصرف والمعاملات المالية بهما، كل ذلك دليل واضح على أن نقد الإسلام، إنما هو الذهب والفضة ليس غير.


فكون الشرع قد عين النقد الذي تصدره الدولة وهو الذهب والفضة، لا يعني أن الدولة تقيد المبادلات بين الناس في البلاد التي تحكمها بهذا النقد، بل يعني أن الأحكام الشرعية التي عين الشرع فيها النقد، بوحدة معينة، لا تجري على هذه الأحكام إلا بحسب هذا النقد.

أما المبادلات بين السلع فتبقى مباحة كما جاء الشرع بها، ولا يحل للخليفة أن يقيدها، لأن هذا التقييد هو تحريم لمباح، وهو لا يجوز ولا يحل للدولة أن تفعله، إلا أنه إذا رأت الدولة أن إباحة نقدٍ غيرها في البلاد التي تحت سلطانها، يؤدي إلى ضرب نقدها، أو ضرب مالها، أو ضرب اقتصادها، أو يؤدي إلى ضرر، فإنها حينئذ تمنعه عملا بقاعدة: ( الوسيلة إلى الحرام حرام)، وكذلك إذا رأت نقدا معينا يؤدي إلى ذلك، فإنها تمنع ذلك بقاعدة: ( كل فرد من أفراد الشيء المباح إذا كان يؤدي إلى ضرر يحرم ذلك الفرد ويبقى الشيء مباحا).

إن المبادلة في الأشياء مباحة مطلقا، إلا ما ورد النص بتحريمه، فيحرم التبادل فيه. وبناء على ذلك، فان مبادلة السلعة بنقد والنقد بسلعة، وكذلك مبادلة الجهد بنقد، والنقد بجهد مباحة مطلقا، إلا السلع والجهود التي ورد نص بتحريمها.

ولتسهيل هذه المبادلات على الناس، يجوز للدولة أن تصد ر أوراقا نقدية نائبة عن الذهب والفضة تمثلهما تمثيلا كاملا، يعني أن غطاءهما الذهبي أو الفضي يمثل قيمتهما مائة في المائة، ولحامل هذه الأوراق النقدية النائبة أن يحولها الى ذهب أو فضة حسب غطائها .

وقد تصدر الدولة أوراقا نقدية مغطاة بجزء من قيمتها – ذهبا أو فضة – بنسبة محددة معينة، ويطلق عليها (النقود الوثيقة) أي حصلت الثقة بها من الثقة فى الجهة التي أصدرتها، ويكون القسم المغطى منها بالذهب أو الفضة عملة نائبة عنهما، ويجري بها التبادل، للنقود والسلع والخدمات.
ويجوز للدولة أن تصدر نقدا خاصا وتضربه باسمها، من المعادن الأخرى غير الذهب أو الفضة، كالبرونز والنحاس، التي يسهل على المسلم تداولها، لشراء المحقرات من الأشياء، شريطة أن يكون له ما يساويه من الذهب والفضة .

والى حلقة قادمة ومادة اخرى من مواد النظام الا قتصادي في الاسلام نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أبو الصادق

أبو دجانة
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
شرح لمواد الدستور المتعلقة بالنظام الاقتصادي في الإسلام
من مشروع دستور دولة الخلافة (من منشورات حزب التحرير).
(ح42)


شرح المادة 168
نص المادة 168:
(الصرف بين عملة الدولة وبين عملا ت الدول الأخرى جائز، كالصرف بين عملتها هي سواء بسواء، وجائز أن يتفاضل الصرف بينهما إذا كانا من جنسين مختلفين، على شرط أن يكون يدا بيد، ولا يصح أن يكون نسيئة، ويسمح بتغيير سعر الصرف دون أي قيد ما دام الجنسان مختلفين، ولكل فرد من أفراد الرعية أن يشتري العملة التي يريدها من الداخل والخارج، وأن يشتري بها دون أية حاجة إلى إذن عملة أو غيره).

عُرّف الصرف أنه بيع نقد بنقد من جنس واحد، وبيع نقد بنقد من جنسين مختلفين، ومعاملات الصرف إما حاضرا بحاضر، وإما ذمة بذمة، ولا تكون بين حاضر وبين ذمة غير حاضرة مطلقا، فإن معاملات الصرف جميعها، مهما تعددت وتنوعت فإنها لاتخرج عما جاء في هذا التعريف، وهي جائزة شرعا، لأن الصرف مبادلة مال بمال من الذهب والفضة إما بجنسه مماثلة وإما بغير جنسه مماثلة ومفاضلة.

فالصرف في النقد الواحد جائز، ويشترط فيه أن يكون مثلا بمثل، يدا بيد، عينا بعين، والصرف بين نقدين جائز، ولا يشترط فيه التماثل أو التفاضل، وإنما يشترط به أن يكون يدا بيد وعينا بعين.

ودليل جواز الصرف قوله عليه الصلاة والسلام: (بيعوا الذهب بالفضة،كيف شئتم، يدا بيد).

وعن عبادة بن الصامت قال: ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى). رواه مسلم.

وعن أبي بكرة قال: (( أمرنا، أي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشتري الفضة بالذهب، كيف شئنا، ونشتري الذهب بالفضة، كيف شئنا، قال: فسأله رجل فقال: يدا بيد، فقال: هكذا سمعت)) رواه مسلم.

(وعن مالك أبن أوس أنه قال: أقبلتُ أقول من يصطرف الدراهم؟ فقال طلحة أبنُ عبيد الله، وهو عند عمرَبنِ الخطاب: أرنا ذهبك، ثم أتنا، إذا جاء خادمنا نعطك وَرِقَك. فقال عمر كلا والله لتعطينه ورقه، أو لتردن اليه ذهبا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الورق بالذهب ربا إلا هاءَ وهاء، والبُر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعيرُ بالشعير ربا إلا هاء وهاء والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء)، رواه البخاري.

وأخرج البخاري من طريق سليمان أبن أبي مسلم قال: سألت أبا المنهال عن الصرف يدا بيد، فقال: إشتريت أنا وشريك لي شيئا يدا بيد ونسيئة، فجاءنا البراء أبن عازب فقال: فعلت أنا وشريكي زيد أبن أرقم وسألنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: ( ما كان يدا بيد فخذوه وما كان نسيئة فذروه ).

وهذا يدل على أن الصرف لا بد وأن يكون يدا بيد، وهو يجري في المعاملات الداخلية كما يجري في المعاملات الخارجية، فكما يستبدل الذهب بالفضة والفضة بالذهب من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد سواء أكان في داخل البلد أم في خارجها.

وحين يجري الصرف بين عملتين مختلفتين، يكون بينهما فرق يسمى سعر الصرف، فسعر الصرف هو النسبة بين وزن الذهب الصافي في عملة دولة، ووزن الذهب الصافي في عملة دولة أخرى، لذلك تجد سعر الصرف يتغير تبعا لتغير هذه النسبة، وتبعا لتغير سعر الذهب في البلدان، ولا سيما الآن وقد صارت العملة ورقا نقديا له رصيد من الذهب بنسبة معينة، فإن أسعار الصرف بين العملات في العالم تتغير صعودا ونزولا.

فالصرف حكمه بالإسلام أنه مباح، وكذلك سعر الصرف مباح،وللمسلم الخيار في أن يشتري أو يبيع بالسعر الذي يريده،لأن السعر لا يبقى على حال واحدة، بل يتغير تبعا للظروف والأحوال.

ويشترط أن يتقابضا المتصارفان في المجلس،فمتى انصرف المتصارفان قبل التقابض فلا بيع بينهما، لأن الصرف هو بيع الأثمان بعضُها ببعض، والقبض في المجلس شرط لصحته، عن مالك أبن أوس قال: قال صلى الله عليه وسلم: ( الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالورق دينا، ونهى عن أن يباع غائب منها بناجز.

ولذلك كان لابد من التقابض في المجلس فإن تفرقا قبل التقابض بطل الصرف لفوات شرطه، وإن قُبض بعضُه ثم افترقا بطل فيما لم يُقبض وفيما يقابله من العوض، وصح فيما قبض وفيما يقابله من العوض وذلك لجواز تفريق الصفقة.

وبهذه المادة نكون ايها الأخوة المستمعون قد أنهينا بعون الله وفضله، شرح وبيان أدلة مواد النظام الإقتصادي في الإسلام، المأخوذة من مشروع دستور دولة الخلافة وهو من منشورات حزب التحرير .

فنسال الله سبحانه تعالى أن يعجل للمسلمين بوضع دستور دولة الخلافة موضع التطبيق والتنفيذ، في دولة خلافة راشدة ثانية على منهاج النبوة، إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير.

وإلى أن نلتقي معكم في موضوع آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أبو الصادق
مسلمة55
ما شاء الله ، مجهود مبارك وفي ميزان حسناتك أخي الفاضل ،،

إقتباس
فنسال الله سبحانه تعالى أن يعجل للمسلمين بوضع دستور دولة الخلافة موضع التطبيق والتنفيذ، في دولة خلافة راشدة ثانية على منهاج النبوة، إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير.


اللهم آمين آمين آمين
.
Invision Power Board © 2001-2012 Invision Power Services, Inc.