مَصون لا مُصان

في نقدنا كلمة من لغة الإعلام ذكرنا أنّ صحبة المعجم قد تجنّب القارئ الحديث العثار و العوار ، و قد تغنيه عما كان يتاح للقدماء من السماع ، و هم يعايشون الأعراب في الصحراء ، أو يحاورونهم في المربد ، و زعمنا أن هذه الصحبة تقف القارئ على الصحاح ، و تجنّبه الملحون الشائع ، ثمّ ثبت لنا أنّ المعجم وحده لا يفي بالغرض ، فهو إذاً ذكر اسم الفاعل و اسم المفعول من بعض الجذور الثلاثية ، فإنه لا يذكر كل المشتقات في كل المواد ، و لو فعل ذلك لتضاعف حجمه و ثقل جرمه ، و أصبحت كل جوهرة من تاج العروس تاجاً آخر يحتاج إلى قاموس و لهذا لم يكن بد من الاستعانة بوسيلة أخرى لتصحيح بعض الأخطاء ، فما هذه الوسيلة ، و ما نوع الخطأ الذي يمكن تصحيحه بها أو على ضوئها ؟
الوسيلة الصرف ، و الخطأ بنية الكلمة لا صوغها في جملة مفيدة ، فلفظة ( مُصان ) بمعنى محفوظ أو محمي غلط شائع ، صوابه ( مصون ) ، و تصحيح هذا الغلط و نظائره يحتاج إلى سطر واحد من علم الصرف ، و هو : ' لا تحذف واو اسم المفعول المشتق من الفعل الثلاثي الأجوف مثل مقول و مبيع ' و أصل الكلمتين : مقوول و مبيوع ، و وفق هذه القاعدة الصرفية تقول : محرك السيارة مصون ، لأنه اسم مفعول من الثلاثي
( صان ) لا من الرباعي غير المستعمل ( أصان ) .
و في لغة الإعلام _ و لا سيّما ما سخّر منها لترويج المعروض من العروض _ تتكرّر لفظة ( مصانة ) للدلالة على الكفالة ، و البرهان على الضمان ، و يبدو أنّ هذا الخطأ قديم ، يعود إلى أواخر القرن الثامن الهجري ، و لهذا نبّه عليه الفيروز أبادي ( توفي 817هـ ) في لسان العرب ، فقال : ' الصون أن تقي شيئاً أو ثوباً ، و صان الشيء صوناً و صيانة .. يقال : صنت الشيء أصونه ، و لا تقل : أصنته فهو مصون ، لا مصان ' .. و إذا كان اللسان قد صحح هذه الغلطة ، ففي العربية مئات الغلطات يمكن أن تقع ، و مئات أخرى قد وقعت ، و كلّها من هذا النمط الذي يصححه سطر من علم الصرف ، فأنت تسمع أمثال هذا الغلط في نحو : هذا مباع ، و ألمر مناط بفلان و الصوا مبيع و منوط .. استعمل أبو العلاء اسم الفاعل في واحدة من لزومياته ، فقال :
يصون الكريمُ العرضَ بالمال جاهداً و ذو اللؤم للأموال بالعرض صائنُ
و ترك لك أن تستعمل اسم المفعول ، كأن تقول :
ربأتُ بسمعي أن يصيخَ إلى صدي غناءٍ حديثٍ ، فهو منه مصونُ


نقلت هذه المقالة من جريدة العروبة العدد 12576
للدكتور غازي مختار طليمات
--------------------