أحفاد عدو الله ( كعب ابن الأشرف)
الحمد لله ثمَّ الحمد لله, الحمد لله الذي خلق فسوى, والذي قدَّر فهدى, والذي أخرج المرعى, فجعله غثاءً أحوى, وأصلى وأسلم على نبي الرحمة والهدى, وإمام التقى, ومصباح الدجى, وصاحب الضحى, سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن بسنته اهتدى.
وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده, صدق وعده, ونصر عبده, وأعزَّ جنده, وهزم الأحزاب وحده, الأول فلا شيء قبله, والآخر فلا شيء بعده, وأشهد أن سيدنا, ونبينا, وحبيبنا محمداً عبده ورسوله, وصفيه من خيرة خلقه وخليله, بلـَّغ الرسالة, وأدَّى الأمانة, ونصح الأمة, وكشف الغمة, وجاهد في الله حقَّ جهاده, حتى أتاه اليقين من ربه, فصلاة ربي وسلامه عليه, صلاة دائمة طيبة مباركاً فيها, ما دامت السماواتُ والأرضُ, وتعاقب الليل والنهار.
إعلموا عباد الله يرحمني وإياكم الله: أن الساعة آتية لاريب فيها, وأن الله يبعث من في القبور, فاصدقوا اللهَ العملَ, وأخلصوا له النية من قبل ِأن يأتيَ أحدكُمُ الموتُ فيقولَ: ربِّ لولا أخرتني إلى أجل قريب ٍفأصَّدقَ وأكن من الصالحين, ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون.
وبعدُ أيها الإخوة الأحبة: إسمعوا إلى قول ربكم جلَّ وعلا, مبيناً, وموضحاً, ومؤكداً عداوة َأهل ِالشركِ قاطبة وعلى رأسهم اليهود لأمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم إذ يقول عزَّ مِن قائل: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ... {82}) المائدة.
فهل بعد هذا القول قولٌ ؟! وهل بعد هذا البيان بيان, وإن شئتم فاسمعوا معي ما ذكره ابن هشام في سيرته فقال: لما أصيب أصحاب بدر، وقدم زيد بن حارثة إلى أهل السافلة، وعبد الله بن رواحة إلى أهل العالية بشيرين بعثهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من بالمدينة من المسلمين بفتح الله عز وجل عليه وقتل من قتل من المشركين. فلما بلغ الخبر عدو الله كعب ابن الأشرف ( وكان سيداً من ساداتِ يهودَ وشعرائهم وأكثرهم مالا ) قال: أحقٌّ هذا ؟ أترون محمداً قتل هؤلاء الذين يسمى هذان الرجلان - يعني زيدا وعبد الله بن رواحة - فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها.
فلما تيقن عدو الله الخبر، خرج حتى قدم مكة، فنزل على المطلب بن أبي وداعة ... ) وجعل يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشد الأشعار ويبكي أصحاب القليب من قريش, ثم رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة فشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من لي بابن الأشرف؟ فقال له محمد بن مسلمة أنا لك به يا رسول الله, أنا أقتله, قال: فافعل إن قدرت على ذلك . فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما يعلق به نفسه فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه فقال له: لم تركت الطعام والشراب ؟ فقال: يا رسول الله قلت لك قولا لا أدري هل أفين لك به أم لا ؟ فقال إنما عليك الجهدُ, فقال: يا رسول الله إنه لا بد لنا من أن نقول قال قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك . فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة، وسلكان بن سلامة بن وقش وهو أبو نائلة, وكان أخاً لكعب بن الأشرف من الرضاعة, وعباد بن بشر بن وقش، والحارث بن أوس بن معاذ, وأبو عبس بن جبر, ثم قدَّمُوا إلى عدو الله كعب بن الأشرف قبل أن يأتوه, سلكان بن سلامة أبا نائلة, فجاءه فتحدث معه ساعة وتناشدا شعراً، وكان أبو نائلة يقول الشعر, ثم قال: ويحك يا ابن الأشرف, إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك، فاكتم عني; قال: أفعل, قال كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء, عادتنا به العرب، ورمتنا عن قوس واحدة, وقطعت عنا السبل حتى ضاع العيال, وجهدت الأنفس, وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا. فقال كعب أنا ابن الأشرف أما والله لقد كنت أُخبرك يا ابن سلامة أن الأمر سيصير إلى ما أقول. فقال له سلكان: إني قد أردت أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك، ونحسن في ذلك. فقال أترهَنونني أبناءكم ؟ قال لقد أردت أن تفضحنا, إن معي أصحابا لي على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن في ذلك, ونرهنك من الحلقة ما فيه وفاء, وأراد سلكان أن لا يُنكر السلاح إذا جاءوا بها; قال: إن في الحلقة لوفاءً. قال: فرجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم خبره, وأمرهم أن يأخذوا السلاح ثم ينطلقوا فيجتمعوا إليه فاجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثمَّ خرجوا ومشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد، ثم وجههم فقال: انطلقوا على اسم الله; اللهم أعنهم. ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته وهو في ليلة مقمرة.
يتبع الجزء الثاني بإذنه تعالى
