الإخوة الكرام ،
كتبت هذا الموضوع وكان سلسلة حلقات في قاعة البث الحي لإذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير ، وقد اجتهدت فيه لوضع حجز أساس في بحث متطلبات العمران وتحديات الإسكان في دولة الخلافة القادمة إن شاء الله ..
وقد اعتمدت في هذا البحث على مراجع أهمها :
1- أحكام البنيان أو القاعدة الشرعية في العمارة الإسلامية : د. لحسن تاوشيخت ، أستاذ العمارة الإسلامية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، جامعة محمد الخامس ـ الرباط
- العمارة الإسلامية والتحول نحو الغرب : خالد محمد مصطفى عزب
- تخطيط وعمارة المدن الإسلامية : خالد محمد مصطفى عزب
- أحكام البنيان ابن الرامي
وكان تقييم المعضلات ومعالجة الحلول المطروحة مبني على وجهة النظر المستنيرة بفكر حزب التحرير .
سأقدم الموضوع على حلقات ، وألتمس المشاركة في الموضوع بإبداء الرأي في ما جاء فيه بالتصويب والاقتراح وإثراء البحث بوجهة نظر المتابع الكريم .
-------------------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم
متطلبات العمران وتحديات الإسكان في دولة الخلافة
متطلبات العمران وتحديات الإسكان في دولة الخلافة
مقدمة
الحمد لله رب العالمين ، الذي نزَّل القرآن تبيانا لكل شيء ، فقال تعالى : (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) (النحل : 89).
والصلاة والسلام على الرسول القدوة ، الذي جسد البيان لكل شيء ، بقوله وفعله وتقريره ، ليكون دليلا لتنزيل الأحكام على الواقع ، فلا تتيه الأفكار ، ولا تضل الأفهام .
نسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، أما بعد
فإن من أعظم ما ابتليت به الأمة الإسلامية على إثر تغييب حضارتها عن الوجود هو عمل أعدائها الدؤوب على محو ها وشطب كل ما يتصل بها من أشكال مدنية ومناهجَ ثقافية. وقد تحقق لهم ذلك لتمكنهم من السلطة في البلاد حيث حشدوا الطاقات المناهضةَ للإسلام وسخروا المقدرات للحيلولة دون عودة الإسلام.
ومن الأساليب التي استخدمها الكفار لتحقيق هذه الغاية القوة العسكرية والحرب الثقافية والتضليل الإعلامي ، ولكن لا ينبغي أن ننسى ما سخره الغرب من منتجات حضارية يسوقها بين المسلمين على أنها إفرازاتٌ مدنية وأشكالٌ مادية لا علاقة لها بالحضارة الغربية ، وإنما هي نتاج العلوم البشرية ، والتقدم العلمي والأبحاث. فالمسلم الذي لم يتعرف على التفريق بين الحضارة والمدنية وما يمكن أخذه وما ينبغي نبذه ، يجد نفسه مسوقا في طريق التقليد الذي لا يجد في الغالب له بديلا ، ولا يجدي معه تجاهل ، ومع مرور الزمن يجد نفسه أمام معطيات أصبحت شبه بدهيات في المجتمع يصعب استبدالها أو الاستغناء عنها.
وهنا يجدر التنبيه إلى عدم التقليل من شأن المنتجات المادية التي أفرزتها الحضارات الأخرى ، فالمسلم ملزم بمحاكمة المنتجات كافة مهما تعددت صورها واختلفت مصادرها ، صغرت أم كبرت ، وعرضها على مقاييسه ومعاييره المنبثقة من الشريعة الإسلامية ، وهذا ليس عمل الفقيه المتخصص بل يجب أن يكون عمل المتخصص الفقيه.
وعودا إلى موضوع الإسكان والعمران ، أقول مؤكدا أن البعض قد يلحظ دون عميق فكر مدى تأثير التقنيات الحديثة وفي مقدمتها وسائل الإعلام والاتصالات في الحياة العامة ، وما أدت إليه من تضليل ، وذلك لأن أثرها سريع ومحسوس مباشرة ، إلا أن الأخطر من هذا هو ذلك الأمر الذي لا تدرك آثاره المتراكمة إلا بعد حين ، ويكون قد استفحل وتفشى وصعب التخلص منه ، ومثال ذلك أنماط البناء ونظم العمارة وتخطيط المدن والمرفقات العامة ، وذلك لما تحمل هذه المنتجات من مبادئ وقناعات تحكم وظيفتها وهدفها وتخضعها لفلسفة حياة معينة وبذلك يصير الحجر ، والجدار ، والشارع ، والبيت ، والتقسيمات في داخل البيت ، وإزالة الحواجز بين الغرف ، كلها أدوات صامتة في الغزو الفكري
وهنا أقول إن إدراك الفرق بين الحضارة والمدنية بمفهومه العام لا يكفي لتجنب الوقوع في شباك الثقافة الغربية أو الغرق في مستنقعاتها في حال غياب الضوابط الشرعية للتفريق بين ما يقبل وما يرفض من أشكال مدنية ، فالمدنية بأشكالها المختلفة تحتاج إلى بحث عميق في تحقيق المناط لمعرفة التصاقها بالحضارة أو انفصالها عنها ، وهذا الأمر يستدعي سؤال أهل الاختصاص ، والأحسن هو أن يكون أهلُ الاختصاص أنفسُهم هم الحراس الأمناء على هذه المفاهيم فيحفظوا الأمة والمجتمع من سطو الغرباء وتسرب اللصوص في حين غرة.
والعمارة كفن هندسي أخص من سائر الفنون الأخرى ، لأنها تعتبر من الفنون التي لا يستغني عنها الإنسان ، وتلزمه في كل المواضع والأزمان ، ولذلك كان لا بد أن تتوافق مع العقيدة وتنسجم مع الضوابط الشرعية. فالفن المعماري والنسق التنظيمي في تخطيط المدن والشوارع والمرفقات العامة وأماكن النفع العام ، له أثر كبير في بناء العلاقات الإنسانية ، ومتانة النسيج الاجتماعي ، وإشاعة التوحد ، وتعميق التعاون ، والتراحم ، وحسن التجاور ، والإيثار ، والإحسان ، وغيرها من المعاني التي بدأت تموت في أحشاء المدن الحديثة.
بعيدا عن التفاصيل الفنية ودون الخوض في العمق التاريخي للعمارة الإسلامية أرى ضرورة التطلع إلى الأمام والبحث في كيفية العودة إلى الأنماط المعمارية الإسلامية المنسجمة مع العقيدة الإسلامية ، والتي تراعي الأحكام الشرعية في كل إنشاء أو هدم يقوم به الفرد المسلم أو تتولاه الدولة نفسها.
إذا علمنا أن الدولة ملزمة بتأمين المأكل والملبس والمسكن لكل فرد من أفراد الرعية ، وأن هذه القضايا قد تشكل صعوبات في بداية عهد الدولة الإسلامية الفتية ، يمكننا أن نتصور ما يلزم لتحقيق هذه المتطلبات الشرعية من تخطيط مسبق مبني على أسس علمية تخصصية مرتبطةٍ بمعارفَ شرعيةٍ لا تنفك عنها ومرهونة باستنارة فكرية في البحث لتحصيل النتيجة الأفضل ، وفتحِ باب الاستدراك لتكميل البحث ومتابعته لتحقيق الغايات كاملة. وقد يكون هناك من سبقني في هذا البحث ، ولكن ما قرأته كان مبنيا على تعامل مع واقع مفروض ينطلق منه الباحث رغبة في إحياء ثقافة أو حبا في إعادة تقليد أو تمسكا بدين يراه مفقودا ، دون إدراك أن النجاة مرتبطة بعودة سيادة الشرع وسلطان الأمة. ولذلك نرى أبحاثهم تنصب على الناحية التاريخية وتركز على الخصائص العمرانية وتهتم بالأشكال الفنية ، وقليل ما تضع حلولا عملية لهذه القضية لأنهم لم يدركوا عمقها الفكريِ المرتبط بالحل الكلي الذي لا يتجزأ.
يتبع...
