المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
الشيفرة الكونية...
منتدى العقاب > ديوان الشخصية الإسلامية > القسم الفكري
1, 2, 3
الطائف
أيها الأحبة...

سلامٌ من اللهِ عليكم، و رحمةٌ منه و بركات...

و بعدُ...

لم أدرِ من أيِّ بابٍ ألج الموضوع الذي أقدم له هنا بين يدي حضراتكم...

أمن باب طريق الإيمان؟ أم من باب العلوم الحديثة الصِّرف؟ أم من كلا البابين معاً؟

و الحقيقة أن لديَّ "بحثاً" شبهَ ناضجٍ، أو هو مجموعة خواطر، في موضوع "الشيفرة الكونية" أنجزتُه منذ بضع سنوات...

و لربما وددتُ ان أسردَه هنا كما هو بطولِه، مع أنه غير مطبوع، لولا أني -بما علمني الله من هذا المنتدى المبارك- لاحظتُ ضرباً ألمعياً من ضروبِ طرح الأفكار على طريقة حزب التحرير المنصور بإذن الله: التلقي الفكري...

فعوضاً عن سكبِ الموضوع سبيكةً مُصْمَتةً لامعةً -من وجهة نظر صاحب الطرح- على الأحبة، فإنه لمن الأحرى طرح أفكاره طرحاً فكرياً يحتملُ النقاش و الأخذ و الرد و التقويم، و ربما الإجهاض قبلَ التمام إن تبين في أصله أو فروعه المبكرة انحرافٌ فكريٌّ خطير أو منهجيٌّ مُخلٌّ بجدواه...

و بما أن البللَ أصابنا سلفاً، فلندخل فجأةً في موضوع الصفحة...

أيها الأحبة...

الإختزالية العلمية...

ما هي؟ ماذا نقصد بها؟ ما هذا الإسم؟ ما معناه و مؤداه؟...

لنجيبَ على هذه التساؤلات، و غيرها، علينا ان نعرفَ -أولاً- أهمية هذه الإختزالية العلمية، و موقعَها من الإعراب على خارطة العلوم المادية الحديثة...

و مرةً أخرى، ما هي العلومُ المادية؟ و لماذا يُطلقُ عليها هذا الإسم؟...

و لكيلا نراكم الأسئلة دون إجاباتٍ، لنشرعْ بتبيان واقع العلوم المادية...

العلوم المادية هي تلك الحزمةُ من العلوم التي تصفُ سلوك المكوِّن الكوني، أي مادته الأساسية...

و كونَها تصفُ سلوك المادة، فلكم أن تتصوروا سعةَ مجالات أبحاثها، من مكونات الجسيمات تحت الذرية، بل تحت النووية، في المستوى "المفكك" منها، إلى عناقيد المجراتِ السابحة في صفحة الكون الفسيح في المستوى "المركب/المعقَّد"، مروراً -طبعاً- بالعلوم الحيوية، أي المتعلقة بالأحياء، و منها الطبية...

إنها -أي العلوم المادية- تتناول "كلَّ" تفاصيل الكون المادي الخاضع للحس المباشر أو الحس غير المباشر، بطريقةٍ أو بأخرى...

و ليس لأحدٍ أن يزعم الإحاطة بتفاصيل ما نُشر -و ما زال يُنشرُ- من أوراقٍ علميةٍ مختصة في كل فرع، و فرعٍ فرعيٍّ، و أدنى، من هذه العلوم؛ فتلك "رحلةٌ" لا يقطعها الآدمي في عُمرٍ و لا عُمرين و لا ثلاثة، و لو كان حجةَ زمانه و فريدَ عصره...

و العلوم المادية هذه يقابلُها -في العرف الأكاديمي المُعاصر- العلومُ الإنسانيةُ، و هي تلك العلوم التي تتناول الشؤون الخاصةً بالإنسان من حيثُ كونُه كائناً مُفكراً ذا نشاطٍ إجتماعيٍّ تفاعليٍّ...

و هذه العلومُ الإنسانيةُ لا شأنَ لنا بها في نقاشنا هاهنا، على الأقلِّ بشكلٍ مباشر، أو لنقل: في هذه المرحلة من الطرح...

و عوداً إلى حزمة العلوم المادية، و عوداً -كذلك- إلى مصطلح الإختزالية العلمية، و الذي لم نمسَّه بعدُ بتعريفٍ...

و لكننا الآن سنعرِّفُ الإختزالية العلمية، و من خلال تعريفِها سنكتشفُ المستويات العُمْقيّةَ، أي الرأسيةَ، "المتفاوتة" بين عناصر حزمة العلوم المادية المتعددة، و الممتدة أفقياً بشكل موسوعي "مهيب"...

الإختزالية العلمية هي ترجمةٌ عربيةٌ مُعبِّرةٌ للمصطلح الإنجليزي (Reductionism)...

ربما تلاحظون عدم وجود كلمة (Scientific-علمي) في المصطلح بلغته الأصيلة، حيثُ إن ما يُسمى بال(Reductionism) يُمثلُ "مذهباً" علمياً، و "المذهبية" أو "النمطية" بشكلٍ عامٍّ يُعبَّرُ عنها -في اللغة الإنجليزية- بإضافة التذييل (ism-)، و بالتالي فإن الترجمة الحرفية كان ينبغي أن تكون (الإختزالية) فقط، أو (المذهب الإختزالي)...

و لكن، و لكي تكون الترجمة معبرةً في "الثقافة" العربية المُعاصرة، و التي هي جزءٌ فرعيٌّ من الثقافة الغربية العالمية "الممجِّدة"، بل "المؤلِّهة" للعلم "المادي"، أو كانت كذلك إلى عهدٍ قريب، لربما يُستساغُ وصفُ هذا المذهب القائم على "الإختزال" ب(العلمي) لإضفاء "الصبغة المقصودة" عليه...

ما هو هذا الإختزال؟ ما هي حقيقته؟ ما هي طبيعته؟...

لغةً، الإختزال هو الإنتقاص، و أما في الإصطلاح فإن الإختزالية العلمية تعني: تفسير سلوك المكوِّن الكوني -أي المادة- بناءاً على سلوك العناصر الفرعية فيه في مستوى أعمق من التركيب و/أو الوظيفة...

ببساطةٍ متناهية، الإختزالية هي "تفكيك" المادة -من هنا بالضبط جاءت كلمة إختزال- المراد تفسير سلوكها إلى "مكوناتها" الأدنى أو الأدق، و دراسة سلوك هذه المكونات، و التي بدورها "تُلقي بالضوء" على سلوك المادة في المستوى الأعلى من التعقيد...

أيها الأحبة...

لربما يتبادر إلى الذهن التساؤل: ما الجديد؟ دراسة العلوم، بل دراسة أي شيء و أية مشكلة، و منذ فجر التاريخ، قائمة على التحليل و التفكيك و دراسة "الأجزاء" لفهم "الكل"...

ما جدوى الكلام إذاً؟...

هنا مربط الفرس! و لكن، مع الأسف، و رغمَ أني سأعلق فوراً على هذا التساؤل الأخير، لن يتجلى هذا "المربط" في هذه المرحلة على وجهٍ معبرٍ مقبولٍ!

الجديد في مفهوم الإختزالية العلمية -إخوتي و أخواتي- هو مركوز في أصل الإسم المذيل ب(ism-)؛ هذا التذييل الدال على "المذهبية" يعني أن أصحاب مدرسة الإختزالية العلمية لهم "اتجاه"! و هذا الإتجاه هو -حصرياً و فقط- السير "من" المعقَّد المركَّب الأعلى "إلى" المبسّط المُجزَّأ (المختزل) الأدنى، و ليس العكس بحال...

و هذه الحصرية آتيةٌ، و لعلكم تُفاجؤون بما ساقول، من كون السير معهم -إبتداءاً- في "اتجاههم" من المُركَّبِ إلى المُفَكَّكِ (المُخْتَزََلِ) هو سيرٌ "بديعٌ" و"جميلٌ" و "عقلانيٌّ" و "مُقنع" إلى حدٍّ ما لا يتجاوزه، و أما السير "معهم" -رغم أنوفهم- في الإتجاه المعاكس من المُفكك (المُختزل) إلى المركَّب -و هنا المُفاجأة- فهو سيرٌ مشطور مقطوع بهوَّةٍ كونيةٍ سحيقةٍ تشطر الألباب و تحبسُ الأنفاسَ، و وصلةُ هؤلاء الإختزاليين -أو "حلفائهم" بمعنى أصح- لجَسْرِ هذه الهوة السحيقة عنوانها الرئيس هو: الغباء العجيب!...

و سميتُه غباءاً لأنَّه تجاوزٌ لكل الإعتبارات "العلمية" الرصينة التي "يتحلون" بها، و وصفته بالعجيب لأنه إسقاطٌ لجهدهم الكبير و الأصيل، و إلقاءٌ له في "سلة قمامة" الفكر و العلم!...

و من الجدير بالذكر هنا أن هؤلاء "العباقرة" و -مِن ورائهم- السياسيين و القضائيين و الإعلاميين و المفكرين، و -بالتالي- الحضارةَ الغربيةَ كلَّها، يحيطون هذه الوصلة أو هذا الجسر من "الغباء العجيب" بهالةٍ من القداسة و التنزيه، و الإرهاب الفكري و العلمي المخيف و العميق، و هو إرهابٌ لا يُضاهيه إلا إرهاب كبار ضباط الجيش التركي المتعلق بالمساس بالعلمانية! و هو -و أيم الله- عين الإرهاب الرأسمالي العلماني الكبير الممارس من قبل أقطاب الرأسمالية في عواصم الكفر الغربية...

و بيان ذلك يحتاج إلى تفصيل، و هو جوهر البحث و لبُّه، أو يكاد يكون كذلك...

و هو المدخل الكبير إلى الموضوع المركزي: الشيفرة الكونية...

يتبع، إن شاء الله تعالى.
عبد الحميد

بارك الله فيك اخي الطائف


ننتظر الدخول والتفصيل ... فعجل يرحمك الله
راجي العقابي
إقتباس(الطائف @ Apr 6 2010, 09:19 AM) *
و هذه الحصرية آتيةٌ، و لعلكم تُفاجؤون بما ساقول، من كون السير معهم -إبتداءاً- في "اتجاههم" من المُركَّبِ إلى المُفَكَّكِ (المُخْتَزََلِ) هو سيرٌ "بديعٌ" و"جميلٌ" و "عقلانيٌّ" و "مُقنع" إلى حدٍّ ما لا يتجاوزه، و أما السير "معهم" -رغم أنوفهم- في الإتجاه المعاكس من المُفكك (المُختزل) إلى المركَّب -و هنا المُفاجأة- فهو سيرٌ مشطور مقطوع بهوَّةٍ كونيةٍ سحيقةٍ تشطر الألباب و تحبسُ الأنفاسَ، و وصلةُ هؤلاء الإختزاليين -أو "حلفائهم" بمعنى أصح- لجَسْرِ هذه الهوة السحيقة عنوانها الرئيس هو: الغباء العجيب!...


ما شاء الله عليك يا صاحبي الطائف

تمتلك ناصية من نواصي المفردات في اللغة العربية

رائع بحق

الفقرة المقتبسة أعلاه لم أفهم مرادها، وكأني بالمراد سيتضح بعد الخوض في التفاصيل أكثر وأكثر

والحق

أنك حبست أنفاسنا انتظاراً للحلقة القادمة من الاختزالية العلمية، فلا تقطعها -أي أنفاسنا- يا صاحبي

وبانتظارك


الطائف
إقتباس(عبد الحميد @ Apr 6 2010, 07:46 AM) *
بارك الله فيك اخي الطائف


ننتظر الدخول والتفصيل ... فعجل يرحمك الله


و فيك بارك أخي الحبيب...

و ادعُ اللهَ لي أخي أن يعينني...

و لك دعوةٌ مني بظهر الغيب...
الطائف
إقتباس(راجي العقابي @ Apr 6 2010, 01:12 PM) *
الفقرة المقتبسة أعلاه لم أفهم مرادها، وكأني بالمراد سيتضح بعد الخوض في التفاصيل أكثر وأكثر

والحق

أنك حبست أنفاسنا انتظاراً للحلقة القادمة من الاختزالية العلمية، فلا تقطعها -أي أنفاسنا- يا صاحبي

وبانتظارك


فتح الله عليك يا راجي الخير...

و أنت الأستاذ، شئتَ أم أبيتَ أيها الحبيب...

بارك الله في عمرك، و طيبَ أنفاسك بذكره، و عطَّر حياتك بهديه و بركته سبحانه...
الطائف
السلام عليكم...

نستأنف من حيثُ انتهينا...

كنا نتحدثُ عن تعريف الإختزالية العلمية، و "مذهبيتها" المتطرفة في التوجه القسري (الإجباري) و القصري (الحصري) من المُركَّبِ إلى المُفكك في تفسير سلوك المكون الكوني (المادة) دون العكس...

و أشرنا -و إن من بعيد- إلى "موقعها من الإعراب" في المنظومة الفكرية الغربية، و قذفناها بتهمة الغباء العجيب، و نقض الأساس الذاتي الضمني، و بتعنُّتٍ مثيرٍ للإهتمام، بل و مضحكٍ في أحيانٍ كثيرة، لولا ما تلطخت به يدا الحضارة الغربية الطاغوتية من جرائم فظيعة متراكمة، و معقدة الأبعاد، و هو ما يجعل قائمة حسابها طويلةً جداً جداً...

و لِنخطوَ خطوةً جديدة في فهم الطبيعة التفكيكية للإختزالية العلمية، دعونا -من بعد إذنكم- نُفصِّل قليلاً فيما تركناه رَهْواً آنفاً: العلوم المادية...

و لعلكم تذكرون الإشارة السريعة إلى الترتيب الرأسي (العمقي) لهذه العلوم بعضها فوق بعض، فما المقصود بذلك؟...

و جواب هذا السؤال هو عينهُ بيانٌ -و إن كان مختصراً- للمنهج الإختزالي في الدرس، و إظهارٌ للوجه "الجميل" -مع تحفظي الكامل على هذا الوصف، و لنا إليه عودة- لجهود "الباحثين" في الجامعات الغربية و مخابرها...

و بجواب هذا السؤال سنمرُّ سريعاً على "تفسير" ظاهرةٍ عجيبة في حزمة العلوم المادية، يواجهها الدارسون الجادون لطبقات هذه العلوم وفق الترتيب "الموصى به" من قبل الإختزاليين...

أيها الأحبة...

ما المقصود "بالطبقية" في حزمة العلوم المادية؟ و ما هي هذه الطبقات؟...

أما الطبقية فإن المقصود بها هو: "إعتمادُ" فهمِ سلوك المكون الكوني في كلِّ طبقةٍ من هذه الطبقاتِ على مقدارِ فهمِ سلوكه في الطبقات الأدنى منها و الأدق...

و مع أن هذه هي فرصتنا السانحة "لسرد" هذه الطبقات مع التعليق لتوضيح تعريف الطبقية آنفة الذِّكر، إلا أنني احترتُ من أية طبقةٍ أبدأ!...

فالطبقات هذه تتسلسلُ في "سلم" مستقلٍّ -مرحلياً، إقبلوا مني هذا الوصف- من الجهة الدُّنيا، و لكنها تُتاخم طبقاتٍ مُعقدة في الجهة العليا...

و مصدر حيرتي هو كون الطرح على صفحات مُنتدى يُحسبُ على شباب حزب التحرير أو شباب تحريري الهوى! و ثقافة حزب التحرير الإسلامية شديدة الحسم، و بالغة الدقة، و مرهفة الإحساس، و الإقترابُ من أعلى السلم في الترتيب الطبقي للعلوم المادية يتاخم -كما أشرنا تواً- طبقات "العلوم الإنسانية" في عرف الأكاديمية الغربية!...

و إحساس شباب حزب التحرير الُمرهف لا ينحصرُ في الإحساس بخطورة الإقتراب بالعلوم المادية من مجال بحث "العلوم الإنسانية" فقط ، بل أكاد أقسم أن منهم من يترقَّبُ المقصود "بالمكوِّن الكوني" و "المادة" و "الشيفرة الكونية" بتوجُّسٍ و حذر، و معهم كامل الحقُّ، و سبقَ أن ألمحتُ إلى تنبهي لخطورة بعض هذه المُعطيات بالإشارة إلى تحفظي على وصف (الوجه "الجميل" للإختزالية)...

أما و قد أبنتُ عن تنبهي هذا، فأستميحكم عذراً بتأجيل الكلام عن التداخل "الظاهري" بين العلوم المادية و العلوم الإنسانية، فبعض عباقرة الإختزالية ذاتها غير مُدركين لقضية التداخل أو انعدامه...

و لأحسم بداية الطبقات من الأعلى، فسوف أترك علمَ النفس وراء ظهري (هذا أول ذكر لعلم النفس على الصفحة! لا تحاول الرجوع للخلف بحثاً عنه!)، إذ يعتبره حزب التحرير غير خليقٍ بوصف "العلم" و لا حتى "بالوجود" (مع كامل الإحترام لمن ابتُلي بهذا التخصص!)، و هذا -واللهِ- كلامٌ ذهبيٌّ بل ماسيٌّ، و يكفيكم أن تعلموا أن الأكاديمية الغربية تُلحقُ علم النفس بالكليات الإنسانية لا العلمية...

و هنا سأسمح لنفسي بالقول إن أول طبقة من طبقات العلوم الماديةِ من الجهة "العلوية" هو الطب النفسي!...

و حتى لو لم يوافقني شباب الحزب على اعتبار هذه الطبقة علماً مادياً، فلنعتبره -إخوتي و أخواتي- آخر عنصر في الطيف الرمادي بين "العالمين"! فما دونه لا يكاد يكون عليه اختلاف و لا خلاف...

و بتحديد هذه البداية "الغريبة" من الطب النفسي، لعل البعضَ يتساءل: أين موقع علوم الفضاء و أبحاث المجرات من السلم؟ و الحقيقة هي أن هذا التباين و التفرُّع في العلوم ظاهري، و لسوف نستبين موقع كل فرعٍ يُتوهمُ إهمالنا له -حالياً- في الوقت الصحيح و المناسب، فنحن الآن "نسير وراء" الإختزالية و نسايرها إلى "عقر دارها"، فلنؤجل النقد و التجريح و التعديل و التقويم -و إن كنا "لامسناه" سلفاً- لحينه!...

و إذ قد أمسكنا طرفاً من الأطراف -لم أقل الطرفين قصداً- نقول: سوف تأخذ الإختزالية بأيدينا من

طبقة الطب النفسي، و في نفس طبقته أو أدنى قليلاً -من ناحية الإختزال-

الطب الباطني بفروعه، و الطب الجراحي بفروعه (و ما يُقابلُها في عالم الحيوان و البيطرة)،

ثُمَّ طبقة علم وظائف الأعضاء (Physiology)، و التشريح (ِAnatomy)، بفروعيهما،

ثمَّ طبقة علوم الأحياء (Biology)، و علم الخلية الحية (Cytology)، و هذا الأخير فصل في "جماله" الفاضل أبو مالك في موضوع خاص في القسم الفكري نفسه،

ثمَّ طبقة علم الجينات و الوراثة (Genetics)، و الأحياء الجزيئية (Molecular Biology)،

ثُمَّ طبقة الكيمياء الحيوية (Biochemistry)،

ثُمَّ -و هنا انتقال "هام"- طبقة الكيمياء العضوية (Organic Chemistry)،

ثمَّ طبقة الكيمياء "العامة" (Chemistry)،

ثمَّ طبقة الكيمياء الفيزيائية (Physical Chemistry)،

ثمَّ طبقة الفيزياء "النيوتونية أو العامة" (Physics)،

ثمَّ طبقة الفيزياء الذرية و النووية المُدمجتين -في المحصلة- في الفيزياء النووية (Nuclear Physics)،

ثمَّ طبقة الفيزياء تحت-النووية (Sub-nuclear Physics)، أو ما بات يُعرف مُؤخراً بفيزياء الطاقة العالية (High-Energy Physics).


و يُرجى ملاحظة كون كلمة "طبقة" في "أغلبِ" الأسطر أعلاه "مضافةً" مجرد إضافة -إعرابياً- للأسماء التي بعدها، و ليست هذه الأسماء أسماءاً للطبقات و بشكل حصريٍّ...

بمعنى أن طبقة علمي وظائف الأعضاء و التشريح لا تعني تفردهما، أو حتى جنسهما، بالطبقة، بل قد يشترك معهما علومٌ أخرى في سلاسل أخرى...

و قلتُ "أغلب" لأن بعض هذه الأسطر تصف طبقاتٍ ليس فيها -مادياً- غير العلم المذكور فيها حصراً، و خاصةً من الجهة الدنيا، أي أواخر السطور، و تلتقي فيها سلاسل "التخصصات" الأخرى...

و لعل هذه التلميحات "تؤسس" -نوعاً ما- لما سنكتشفه معاً -إن شاء الله تعالى- في نفوس عباقرة الإختزالية و عقولهم...



يتبع، إن شاء الله تعالى.
الطائف
السلام عليكم...

أيها الأحبة...

لئن بدا "الأمرُ" يزداد "تعقيداً" شيئاً فشيئاً، فجديرٌ بالقول إنه تعقيدٌ ظاهريٌّ؛ فنحن سنكتفي بطرق باب بعض العلوم التي سردنا ذكرها آنِفاً، دون الولوج فيها عميقاً، بل حتى و لا سطحياً، و بشكلٍ -أعني الطَّرْقَ- سَلِسٍ و مُريح، و بعيدٍ عن القلق و الإرباك...

و أرجو أن تكون الطبقية قد لُمست "طبيعتُها"؛ فنحن -في الحقيقة- قمنا بإمساك سلسلة "واحدةٍ" من سلاسل العلوم المادية، و تتبعنا مسارها الرأسي من أعلى نقطةٍ "نراها"، لا بل تراها الإختزالية، و هي الطب النفسي، إلى أدنى نقطة "نراها"، لا بل -مرةً أخرى- تراها الإختزالية، و هي فيزياء الطاقة العالية (تحت النووية)...

و الطبيعة التي أُشير إليها هي وجود سلاسل علمية أخرى مختلفة تشترك مع سلسلتنا "المثال" في التدرج الطبقي من المعقد إلى المبسط أو من المركب إلى المفكك، و لكن "شدة" التعقيد و التركيب تتجلى في سلسلتنا المختارة في "أبهى حُلَلِها العصرية"...

و أشرتُ -كذلك- إلى أن هذه السلاسل المختلفة تلتقي في نهاية سلم الطبقية الدنيا، و هي –أيضاً، في حقيقة الأمر- تلتقي في مستويات مختلفة، لا يخدمُ بحثُها الآن بحثَنا الحالي! فنتركَ بحثَ نِقاط "التلاقي" و مستوياته إلى حينه إن شاء المولى سبحانه...

و أكتفي هنا بالقول: إن "الشكل النهائي" لخارطة العلوم المادية و تشابكاتها قريبٌ جداٌ من شكل "التشجير"، أو ما يُعرفُ بالإنجليزية بال(Algorithm)، و لكنْ بمواصفاتٍ خاصةٍ، تشبه -نوعاً ما- تشجير الأوعية الدموية الدقيقة في الأنسجة الطرفية (المقابلة للقلب، المركزي) في جسم الإنسان، بين الجانب الشرياني و الجانب الوريدي!...

و بعيداً عن "تفسير الماء بالماء"، دعونا نبني على ما سلفَ، إذ سبق و أن زعمنا أن في سرد طبقات العلوم المادية بياناً لطريقة الإختزالية في الدرس، و إظهاراً لوجهها "الجميل" ممثلاً بجهود الجامعات الغربية و باحثيها في المخابر...

فأينهما (بيان الطريقة و إظهار الوجه الجميل)؟ و أين الهوة الكونية السحيقة التي تُظهر "غباء الإختزالية العجيب" و الفاحش، بل الفاضح؟...

و كذلك، أين تلك "الظاهرة العجيبة" المزعومة التي يواجهها الدارس الجاد للعلوم المادية وفق توصيات الإختزالية و منهجها الطبقي؟...



يتبع، إن شاء الله تعالى.
ابو القعقاع الحلبي
آسف لا زلت لا أفهم الا اليسير.


لكن رغم ذلك أكمل أخي الحبيب لعل الفهم يدركني في طريق الإستفاضة.
الطائف
إقتباس(ابو القعقاع الحلبي @ Apr 8 2010, 10:46 AM) *
آسف لا زلت لا أفهم الا اليسير.


لكن رغم ذلك أكمل أخي الحبيب لعل الفهم يدركني في طريق الإستفاضة.


السلام عليكم...

أخي الحبيب أبا القعقاع...

ليس من أحدٍ هو مظنة فهم هذا الكلام، بل و ما هو أعقد منه، من شباب حزب التحرير...

و لكنه "الغموض" النسبي الذي يعتري الفرسان عند نزول ميدانٍ جديد، و حسب...

و صدقتَ القول، فإن ملابسات الموضوع ستنجلي شيئاً فشيئاً إن شاء الله، و إن كانت الحاجة إلى إعادة قراءته أكثر من مرة ستظل قائمة، حتى من أصحاب الإختصاص، بل حتى من قبل أصحاب مذهب الإختزالية أنفسهم، صدقني، إنْ هم إلا كالأنعام، بل أضل، و من أصدقُ من الله قيلاً؟...

فالمؤمن مستنيرٌ بنور الله في وحيه و هديه، فما بالك بكم يا أحباب الله و إخوان رسوله صلى الله عليه و سلم؟...

أما أولائك، ففي ظلمات الكبر و العناد و الجهل المُطبق...الغباء العجيب!...


بارك الله فيك...

ثمَّ إن هنالك وِقفةً هامةً مع الأسئلة و التفاعل...

و مع أني رهن إشارة الأحبة، إلا أني أحبذ تأجيل الأسئلة -إن وُجدت- لحين تكشُّفِ ذيول الطرح أكثر و أكثر بإذن الله...

حفظكم الله تعالى، و على طريق الحقِّ سدد خُطاكم...
سيف الدّين عابد
عزيزي الطائف،

أسأل الله لك التوفيق والسداد،

كي نبقى نسبح معاً على نسق واحد متجانس من الفهم لما تتفضل به

فاتني فهم معنى كلمة " الأدق " التي تكرر ذكرها منكم مرتين

وأقتبس هنا: " أما الطبقية فإن المقصود بها هو: "إعتمادُ" فهمِ سلوك المكون الكوني في كلِّ طبقةٍ من هذه الطبقاتِ على مقدارِ فهمِ سلوكه في الطبقات الأدنى منها و الأدق...



فما هو معنى الدقة هنا وأين انطباقه على المكوّن الأدنى؟ وهل تحقق الدقة فيه يعني انعدامها أو عدم وضوحها في المكوّن الأكبر مقارنة بالأدنى؟
راجي العقابي
الأدق أي الأصغر
سيف الدّين عابد

شكراً يا راجي.
الطائف
إقتباس(سيف الدّين عابد @ Apr 8 2010, 03:34 PM) *
فاتني فهم معنى كلمة " الأدق " التي تكرر ذكرها منكم مرتين

وأقتبس هنا: " أما الطبقية فإن المقصود بها هو: "إعتمادُ" فهمِ سلوك المكون الكوني في كلِّ طبقةٍ من هذه الطبقاتِ على مقدارِ فهمِ سلوكه في الطبقات الأدنى منها و الأدق...

فما هو معنى الدقة هنا وأين انطباقه على المكوّن الأدنى؟ وهل تحقق الدقة فيه يعني انعدامها أو عدم وضوحها في المكوّن الأكبر مقارنة بالأدنى؟



السلام عليكم و رحمة الله...

بارك الله فيك أخي سيفَ الدين...

و أُحيي فيك "دقتَك" في الإقتباس عن نصوص البحث!...

فقد صدق أخونا راجي في توضيحه؛ الأدق في هذا السياق تعنى الأصغر حجماً أو ظهوراً...

و أما دقتك في الإقتباس، فإني أشير إلى وضعك كلمة إعتماد بين إشارتي إقتباس، و لعلك قمتَ بالنسخ، لا فرق، إذ أن وضعي للكلمة هذا الوضع له معنى! و هو زيف هذه الكلمة جزئياً أو كلياً! فهم كذابون! و بيان ذلك آتٍ قريباً إن شاء الله...

و دمتَ في حفظ العلي القدير...
احمد123
اعتقد و الله أعلم أنني بدأت ألتمس ملامح الموضوع

أكمل يا الحبيب أكمل

رائع و مذهل بكل معنى الكلمة

ريحانة الجنة
شكرا لك وبارك الله فيك ،، وجزاك كل الخير ،، ان شاء الله ،
اكمل يا اخي فانا متابعون
الطائف
إقتباس(احمد123 @ Apr 9 2010, 01:39 PM) *
اعتقد و الله أعلم أنني بدأت ألتمس ملامح الموضوع

أكمل يا الحبيب أكمل

رائع و مذهل بكل معنى الكلمة


السلام عليك أخي الحبيب أحمد...

صدقتَ، فالمشاركة الأخيرة -و التي حُذفت لمزيد تنقيح- تلقي ضوءاً معتبراً -وربما زائداً عن الحد!- على الطريق في الأفق...

زادك الله علماً و حرصاً على إرضائه...
الطائف
إقتباس(ريحانة الجنة @ Apr 9 2010, 02:43 PM) *
شكرا لك وبارك الله فيك ،، وجزاك كل الخير ،، ان شاء الله ،
اكمل يا اخي فانا متابعون


و فيكِ بارك أختاه...

إن شاء الله تعالى نعود و نتابع...
الطائف
السلام عليكم...

أيها الأحبة...

لقد أضفتُ أمس إضافةً كثيرة الإستطراد سببت -في تقديري- ضرراً بالبحث بسبب كشف استنتاجاتٍ قبل أوانها، أي قبل نضجها!...

و قد طلبتُ من المشرفين الكرام حذفها للتنقيح...فجزاهم الله خيراً على تعاونهم...

و أُعيدها اليوم دون "إزالة" سبب الضرر، فقد اطلع عليها أخونا أحمد123 -على الأقل-، و لم أحبَّ أن "يتأثَّرَ" وحده بذلك، و لكنني أعيدها اليوم مع إشارة واضحة لطبيعة الضرر، و إشارة كذلك للمخرج منه بعون الله...
الطائف
السلام عليكم...

نستأنف من حيثُ توقفنا سابقاً عند الأسئلة المقتبسةِ أدناه...

إقتباس(الطائف @ Apr 8 2010, 08:14 AM) *
فأينهما (بيان الطريقة و إظهار الوجه الجميل)؟ و أين الهوة الكونية السحيقة التي تُظهر "غباء الإختزالية العجيب" و الفاحش، بل الفاضح؟...

و كذلك، أين تلك "الظاهرة العجيبة" المزعومة التي يواجهها الدارس الجاد للعلوم المادية وفق توصيات الإختزالية و منهجها الطبقي؟...


الحقيقة "اللطيفة" هنا -و هي ثقيلة الظل في الوقت ذاته!- هي في أننا مررنا "فوق موقع" تلك الهوة السحيقة سلفاً، و هو عينه "موقع" الظاهرة العجيبة المزعومة!...

و أقول هنا للأخ سيف الدين: نحن -أخي الحبيب- لا نسبح معاً فحسب، بل نحلقُ تحليقاً؛ إذ أننا ندرس ما ندرس و الوحي الشريف و الفكر المستنير في جوهر قلوبنا كما هما مغروسان في جوهر وجودنا، و هما ملءُ حواسنا و أبصارنا، فنحنُ نرى الكون و الإنسان و الحياة بما فيها أبحاثهم و نتائجهم التي يُفنون أعمارهم في الوصول إليها أو التدليل على صحتها، جيلاً بعدَ جيل، بغير العيون التي يرونها هم بها. نعم، قد يستحقون الوصف بالعمق، لا شك، و لكنهم حين تكون الإستنارة هي الفيصل و الحكم، يظهرون في أبشع صور السخافة و احتقار الذات! و صدقَ رسول الهدى -صلى الله عليه و سلم- حين قال: (فربَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه)، أو كما قال. و لسوف تستبين معاني هذا الكلام إن شاء الله، فصبراً...


و قد أشرتُ إلى ذلك "الموقع" -موقع الهوة و الظاهرة- بإشارة "خفيفةٍ خفيَّةٍ"، و بجملةٍ مخطوطٍ تحتها بخط (الجملة كانت: و هنا انتقال "هام") أثناء سرد طبقات العلم المادي، و -تحديداً- عند الإنتقال من طبقة الكيمياء الحيوية إلى طبقة الكيمياء العضوية!...

و أرجو ألا يُساءَ فهم هذه "النكات السمجة"! فهي -في واقع الأمر، و في المحصلة- ستُعمِّقُ فهمِ المتابع للبحثِ تعميقاً متميزاً، و خاصةً عند إعادة قراءته، بعدَ تبيُّنِ أهميته بإذن الله...

و واقع الأمر أيها الأحبة، و خاصةً بعد اطِّلاعي على رسالة أبي القعقاع -حفظه الله- أعلاه، أنني راجعتُ نفسي في "أسلوب" عرض فكرة هذا البحثِ...

"فالسلسلة" التي اخترتُها لبيان الطبيعة الطبقية للعلوم المادية هي -فِعلاً- "الأشدُّ تعقيداً" من بين السلاسلِ المُرادِفَةِ لها "كلِّها"، و كنتُ أشرتُ إلى هذه "الحقيقة" -هي حقيقة مؤقتاً- سابقاً، و لكنها -أي هذه السلسلة-، و لأنها الأشدُّ تعقيداً، هي الأقوى بياناً و الأجلى إيضاحاً "لرسوخ" الطرح الذي أؤسس له هنا و "متانة" بُنيانه، و من عقر دار الإختزالية...

و ما شجعني على اختيار هذه السلسلة، بل إن من "أغراني" و "غرَّرَ بي" لفتح الموضوع كلِّه من أساسِه، و في المقام الأول، و بشكل غير مباشرٍ طبعاً، هما الأستاذان الفاضلان حاتم ناصر الشرباتي و أبو مالك، حفظهما الله تعالى و رعاهما!...

فالأول -الشرباتيَّ- لم يزل يُناقش نظرية تشارلز داروين "الرهيبة" في ظهور الكائنات الحية و منذ مدة، و الثاني، أبا مالك (منصوبٌ على الإختصاص، إعراب!)، بدأ يناقش تركيب الخلية الحية و وظائفها من قريب!...

و هذان البحثان، و كلاهما في القسم الفكريِّ، "عُمدتان" في بحثِيَ الحاليِّ هذا، و وجودهما -أعني البحثين- على صفحات العُقاب -حقيقةً- هو ما "أغراني" بطرح بحثي هنا و سوَّغه لي! و إن كنتُ -كما سبق و نبَّهتُ- لن أغوص في أيَّةِ مفاهيمَ علميةٍ غوصاً مُغرقاً أو مُخِلا بفهم النسق العام للطرح، إلا إن تحتَّم ذلك، و فرض نفسه عليَّ فرضاً، و خاصةً في خِضِم النقاش "المتوقَّع"، و الذي اُحاول جاهداً أن "أختصره" قبل "ولادته"، بتسليح طرحي -على رأي الأستاذ الحبيب راجي العقابي- بكافة ما يحتاج إليه من براهينَ أو أدلةٍ أو -على الأقل- مُسوِّغاتٍ، و لن يكون ذلك أمراً يسيراً، إلا أن يشاء الله...

و عوداً إلى مشكلةِ "التعقيد" المتأصل في السلسلة المُختارة بأمثلتها (الطب النفسي، و الطب الجراحي و الباطني، و وظائف الأعضاء و التشريح، و الأحياء، و الخلية الحية، و الجينات و الوراثة و الأحياء الجزيئية، و الكيمياء الحيوية، و الكيمياء العضوية، و الكيمياء العامة، و الكيمياء الفيزيائية، و الفيزياء، و الفيزياء النووية، و الفيزياء تحت-النووية أو فيزياء الطاقة العالية)، و تنبيهِ الحبيب أبي القعقاع عليها...

أقول: وجدتُ بفضل الله تعالى حلاً ملائماً لهذه المشكلة، و هو مبنيٌّ على كون الطبقات الدنيا من طبقات العلوم المادية علوماً حقيقيةً (Sciences) في العرف الأكاديمي -دون الإعلامي- الغربي، بينما كلما اقتربنا إلى الطبقات العلوية، كان وصفُ الفنون (Arts) أقرب إلى الصوابِ في العُرف ذاتِه. فالطبُّ -مثلاً- عندهم -الإختزاليين- فنٌّ، و ليس عِلماً، و الناحيةُ العلميةُ فيه آتيةٌ من حتمية دراسة العلوم الأساسية للمتخصصين فيه، و التي تنزل في سلم الإختزال إلى مستوى العلم "الحقيقي"!...

و هذه "النظرة العُرفية الأكاديمية الغربيَّةُ" مُخالفةٌ لنظرة الثقافة الإسلامية، و ليست مناقضةً لها مع ذلك، و التي -أي الثقافة الإسلامية- تعتبر أيَّ مَساقٍ فيه الثِّقَلُ المعتبر لناحية "الخبرة" و "المعرفة التراكمية"، و على رأس ذلك و قبله كلِّه معرفةُ "رأي" الخالق العظيم في الوجود عبر الوحي الشريف (وجهة نظر الإسلام إلى الكون و الإنسان و الحياة)، عِلماً حقيقاً بوصف العلم، بل هو العلم ذاتُه...

و استطراداً وراء هذه الملاحظات -و ما أكثر استطرادات هذا البحث! فأعانني اللهُ و إياكم-، يجدر القول إن تحرير هذه المباحث من قِبل حزب التحرير في ظل الخلافة الراشدة القادمة قريباً بإذن الله، سيكون مُغايراً تماماً لطبقية الإختزالية المتهتكة، إذ "ستعود" العلوم الأساسية (الطبقات الدنيا من سلم الإختزالية) إلى وضعها الصحيح و الطبيعي في الثقافة الإسلامية الربانية بوصفها علومَ أدواتٍ، فهي تكاد تكون بالنسبة "للفنون" في الطبقات العُليا من سلم الإختزالية، تماماً كالصرف و الإعراب بالنسبة للفقه و الإجتهاد...


صحيحٌ أنَّ العلمَ و الطريقةَ العلمية صار لهما مدلولان عصريان خاصان (وصفهما العلامة الحجة الشيخ تقي الدين النبهاني في رائعته: التفكير)، تتجلى هويتهما بالقول إنهما خاصان بما يُمكنُ دراستُه و بحثُه في المختبر العلمي. إلا أن من غير المُخلِّ ايضاً سوق الدلالة التاريخية لكلمة "علم" في الثقافة الإسلامية...


و قبلَ أن أُفسِدَ بحثي أكثر مما افسدتُه سلفاً بالقفز -بل قل التسلل- غير الناضج إلى الإستنتاجات النهائية، أعود -مرةً أُخرى- إلى حل مشكلة "التعقيد" في السلسلة، و التي نبه إليها الأخُ الفاضلُ أبو القعقاع...

باختصار، سأستخدم أسلوب القرآن العظيم –في حدود ما يفتح الله تعالى به علي- في التمثيل (ضربِ الأمثلة) و التمثيل المركَّب (نظام المرايا المتقابلة في الأمثلة القرآنية، إن سمعتم به سابقاً)...


و قبلَ أن نعود إلى الأسئلة المُرحَّلة من اللقاءات السابقة، أجد من السانحِ جداً التعليق على قضيةٍ عرضت لنا في استطراداتنا الأخيرة، و هي:


قضية التصنيف العُرفي الإختزالي لطبقات العلوم إلى: علوم "حقيقية" (Sciences) من جهة، و فنون (Arts) من جهةٍ أخرى، و نظرة الثقافة الإسلامية إلى هذه التقسيمات "المتطرفة"...


هذا التقسيم "المتطرِّف" يكاد -و أؤكد على كلمة يكاد- لا يُسمعُ به إلا من متطرفي الإختزالية، و بعض المُغفلين من خارج "طغمة حراس الأكاديمية الغربية" (الجمعية العلمية الأمريكية، و جهاز جائزة نوبل للعلوم بفروعها، و غيرهم كثير)، و ليس من داعٍ لمزيد كلامٍ فيمن يقول و فيمن لا يقول، بقدر الحاجة لوصف واقع الحال (الموضوع محلُّ صراعٍ -و إن كان صراعاً "خفيفَ" الأثر في الواقع- بين الإعلام و الجسم الأكاديمي، بل يكون غالباً في إطار الكوميديا و التندر!)...



"نظرة" الثقافة الإسلامية إلى علوم الطبقات الدنيا على أنها علومُ أدواتٍ "مُفعَّلةٌ" أيَّما "تفعيل" من قبل "أرباب الرأسمالية"، الذين أعماهم حبُّ المال و حبُّ مصِّ، بل شفط دماء الشعوب، و في "مجالات" رحبةٍ من التصنيع و "البحث العلمي الخاص" بشؤون "الإكتشاف" و "براءات الإختراع" و "التسويق" و دراسة "الحاجات المتجددة المُفتعلة" لإنسان العالم المتمدِّن. إنها "الفكرة المركزية" للإقتصاد الرأسماليِّ (الندرة النسبية للسلع و الخدمات مقابلَ الحاجات المتجددة للإنسان، و قيمة السلعة أو الخدمة، و الثمن)...


و زعمي –غير المهم في الواقع- بأن ذلك "تفعيلٌ" لنظرة الثقافة الإسلامية، آتٍ من كون هذه النظرة هي الحقيقية، أي -باختصار- هي المُطابِقة فِعلياً للواقع بكون العلوم الأساسية علوم أدواتٍ لا أكثر و لا أقل، و هو الواقع الذي "تتهيبُ" منه الإختزالية، و تمارسُ إرهاباً مرعباً لوضع حاجزٍ سميكٍ بمقدار قِدمِ النظام الرأسمالي، بينه -أي عالم الحقيقة و الواقع- و بين "البحث العلمي الأكاديمي المُقدَّس" في أروقة الجامعات الكبرى في عواصم الغرب!...


و من المثير -أيضاً- ملاحظةُ أن من يحمل لواء الإرهاب الإختزالي هذا هم أنفسهم "أرباب الرأسمالية" الذين يقودون "دراسة" السوق و الإحتياجات المتجددة "المفتعلة" لإنسان حضارتهم المهترئة!...


فهؤلاء "الأرباب" يعيثون في الأرض فساداً مُسخرين كلَّ "العلوم" الحقيقية و "الإعتبارية"، حتى ما يُسمى بالعلوم الإنسانية عندَهم، "لخلق" فرصٍ للإستيلاء على أموال الناس، بل و مص دمائهم و عرقهم، و في نفس الوقت، يجلدون "الوسط العلمي" بإرهاب الإختزالية، للحفاظ على الفصل الحاسم بين "البحث الأكاديمي" و الواقع الإنساني الحياتي...


و مرةً أخرى، و لأُزيلَ أيَّ التباس في إقحام النظرة الإسلامية هنا –و هو غير مهم، مرةً أخرى-؛ المقصود هو كون العلوم الأساسية علوم أدواتٍ، لا علومَ "تأليه و تقديس" كما سيتبين معنا...


و سأطلعكم لاحقاً -إن شاء الله-، و من نافذةٍ صغيرةٍ لكنها مُعبِّرة، و من خلال "أرصن" مجلات الإختزالية العلمية العالمية، على نصوص نقاشاتٍ تُظهر "الصراعَ النفسي الرهيب" الذي يعيشه عباقرة الإختزالية، في أنفسهم وفيما بينهم، المدفونون في سراديب "البحث" الأكاديمي، و هم "يَلْمَحون" بحسرةٍ -بين فينةٍ و أخرى- جلاديهم -الأرباب- يعيشون الحياة الدنيا -هم و أتباعُهم خارج الإطار الأكاديمي- بكل تفاصيلها الشهوانية و "الإبداعية" و التمتعية و الجبروتية و الطغيانية، و يُلقون إليهم –إلى الإختزاليين- "بالفُتات"، و في الوقتِ ذاتِه، يحيطونهم -أي يحيط الأربابُ و أتباعُهم هؤلاء الإختزاليين المجلودين- بهالةٍ من القداسة المهيبة، و يحمون هذه الهالةَ بإرهاب "دموي" عنيف!...


و لعلكم تلاحظون تداخلاً في أدوار الأرباب و الإختزاليين، و هو شيءٌ طبيعي، إذ قد يخرج الإختزالي من قمقمه الأكاديمي بطفرة إقتصادية "شخصية" (في الواقع، هو -أو هي- يُسحبُ -أو تُسحبُ- سحباً، سحبَ ترغيبٍ) لينضم إلى ركب الرأسماليين "الكبار"، و لكنه يحتفظ بقناعِ الإختزالية القميء!...


و سأغلقُ الآن الباب من "أعلى" السلم الإختزالي، لكيلا تتقطع بنا السبُلُ دون الوصولِ إلى "نتيجة مقنعة و ناضجة" بسبب القفز هنا و هناك...


و أعتذر منكم -أحبتي- من كل قلبي لطول هذه الإستطرادات، و التي لم تكن مقصودةً إطلاقاً، و لم يسوِّغها لي إلا الطمع في حلمكم و صبركم علي...


و مع ذلك، حُقَّ لنا الآن الذهابُ و راءَ استطرادٍ آخر! و لكنه هذه المرة يصبُّ في رأس بحثنا في الإختزالية، و هذا الإستطراد متعلِّقٌ بمفهوم العلم مقابل الفن (Science versus Art)؛ لماذا كان هذا التفريق؟ و ما أساسه؟...

و الحقيقة أن هذا السؤال يفتح رأس الموضوع، و ليس يصبُّ فيه فحسب! و هو -على غير قصدٍ مني- يسحبنا قسراً إلى جواب أسئلتنا المُرحَّلة حول الهوة الكونية و الظاهرة العجيبة التي يواجهها الدارس للمواد العلمية! و سبحان مُقدِّرِ الأقدار...



أيها الأحبة...


لقد تكرر هجومنا على الإختزالية، و كثرت الإشارات إلى أنهم أدوات مقهورة في أيدي أرباب الرأسمالية، و الحقيقة أن هذا الهجوم و هذه الإشارات سببت "ضرراً بالغاً" في البحث، أو الأصح في مقدار تأثيره في مُتابعِه، لأنها جاءت قبلَ أوانِها، و "أسقطتً" -للأسف- هيبة الإختزاليين، قبل أن نرى الوجه الجميل للإختزالية!...


و سأُحاولَ جَهدي أن أُصلح هذا الضرر بعون الله تعالى من خلال الإستطراد وراء قضية (العلم في مقابل الفن) آنفة الذكر...



يتبع، إن شاء الله تعالى...
الطائف
السلام عليكم...

ها نحن أخيرأً نقتربُ من جزءٍ جوهريٍّ جداً في البحث، و سندخلُه و نحن نمشي الهوينى(!) عبر قصةٍ، أو قصتين، أو أكثر (أمثلة و أمثلة مُركبة، أو أمثال بلغة القرآن العظيم)...

أيها الأحبة...

كنتُ قبل أسبوعين متوقفاً بالسيارة أمام الإشارة الضوئية الحمراء، و كان سطح الطريق ذا ميلان يسمح للجاذبية الأرضية أن تفعل فعلها في دفع السيارة إلى الحركة! و لتقديري لقصر وقت الإنتظار لحين ورود الضوء الأخضر، اكتفيت بالدوس على دواسة المكابح!...

و كان هنالك شعورٌ غريبٌ ما! عادةً ما يكون الدوس عمليةً "راسخة" و سهلة، يُكتفى فيها بوضع باطن القدم بشكل خفيف على الدواسة ليشعر السائق "بقوة" الدوس بمجرَّد وزن القدم و الساق، دون الحاجة "لجهدٍ" عضليٍّ إضافي للمحافظة على "قوة" الدوس!...

هذا كان مُجرَّدَ "شعور" بوجود شيءٍ غير اعتيادي في عملية كبح السيارة، أو طريقة استخدام السائق لنظام الكبح!...

ثُمَّ أضاء الضوء الأخضر، و عبرتُ التقاطع! و ظننتُ –أو أحببتُ كسلاً أن أظن- أن "ملاحظتي" كانت عابرةً!...

و لكنَّ الشعور نفسَه تكرر في موقفٍ آخر عند أزمةٍ مروريةٍ! أدركتُ حينَها أن خطباً ما، أي عُطلاً، لحق بالمكابح!...

هذا الشعور بوجود الخلل -أيها الأحبة- هو سلوكٌ "إجمالي" للمكوِّن الكوني في مستوى ما من التركيب يحتاج إلى "تفسير"، و اخترتُ "عطلَ" مكابح السيارة مثالاً "لجلب الإنتباه"، لأن شأن المكابح في السيارات خطير!...

و هذا "التفسير" قد يكون كامناً في أحد أجزاء السيارة، أو طبيعة الطرق التي لاحظتُ المشكلة أثناء مروري عبرها، أو في السائق نفسه (مرض)!...

و "لخطورة" الأمر، و "لغلبة ظني" بوجود الخلل في نظام الكبح، ذهبتُ إلى صاحبِ الإختصاص لتشخيص المشكلة و -الأهم طبعاً- حلِّها!...

قام فني الميكانيك بعدة مناورات، من خروج بالسيارة لاختبار المكابح، و من -ثَمَّ- "تفكيكٍ" للدواليب و حُجُر (غُرف) المكابح المخفية تحتَها، و فحصٍ لزيت النظام، إلخ...

كانت المُفاجأة لي في نفيه لوجود أية مشاكل، و إلحاحه على هذه الحقيقة! و على سبيل "الإحتياط"، إقترح علي تبديل ما يُسمى "الأحجار" أو "الفحمات" و الزيت، و ننظرَ في الأمر من بعد ذلك (أي نجرِّب)!...

و فعلاً، نفَّذ الرجل إقتراحه! مع أنني -شخصياً- لم أكن مقتنعاً لا بالتشخيص (عدم وجود مشكلة) و لا بالحل (تعجيل إجراءات الصيانة الدورية فيما يخص المكابح قبل أوانها)، و لا بالسير في الطريق -بعد ذلك- بمكابح غير "مقنعة" قد تعرضني و تعرض الناس "للخطر"، حتى و لو كان "مُستبعداً" نوعاً ما!...

على كلِّ حال، ما أزعجني -حقيقةً- هو إهمال ذلك الفني لوصفي "الدقيق" للمشكلة، إذ تجاوَزَه و كأنّهُ لم يكن، و عمِل الإجراءات التي ارتآها -تعوُّداً- تحلُّ مشاكلَ أغلبِ حالات خلل المكابح و أعطالِها!

و للقصة بقية آتية!...

في غضون نفس الفترة الزمنية، كان أحد المعارف، و هو شيخٌ فاضلٌ، يناهز الخامسة و السبعين من العمر، يُعاني من عدم اتزان المشي، و تعرض فعلاً لحادثتي سقوط على الأرض، واحدة في المسجد، و أخرى أثناء العودة منه!...

و لصلة قربى تجمعنا، أخبرني إبنٌ له بحيرته فيمن يعرضُ حالة أبيه عليه من الأطباء، أعني من أي اختصاص، فأشرتُ عليه -ناصحاً- "بالبدء" بطبيب مختص بأمراض القلب و الأوعية الدموية، أو -على الأقل- طبيب مختص بالأمراض الباطنة...

مرةً أخرى، تجري الرياح بغير ما "أشتهي"، و يذهب الشاب بأبيه إلى طبيبٍ "غير كُفء" -على الأقل في نظري!-، زعم أن الأعراض (عدم الإتزان و السقوط العرضي) ناجمةٌ عن "إلتهاب" بسيط في "الأذن"، و وصفَ للمريض أقراصاً لعلاج "الإلتهاب" المزعوم، و أخرى "لتهدئة" مركز الإتزان في "الأذن"، و أرسلهما -المريض و ابَنهُ- مُطمئنَّين إلى البيت!...

لم أكن مُرتاحاً إطلاقاً، لا للتشخيص (إلتهاب الأذن البسيط)، و لا للعلاج (الأقراص بنوعيها)، و لا لوجود المريض خارج مستشفى (إرساله إلى بيته)! تماماً مثلما حصل معي في ورشة فني ميكانيك السيارات!...

أحبتي...


أنا الآن أستخدم أسلوب التمثيل المركب (المرايا المُتقابلة) الوارد -أسلوباً- في كتاب الله الكريم...

و أنا أخبركم بذلك لكيلا تتحيروا بين القصتين! فلسوف نسير رويداً رويداً في كلٍّ منهما بشكل "مُتقابل" -لم أقل (متوازٍ) عمداً- كلما دعت الحاجة إلى ذلك...

قصة المريض "تحصل أو تسير" في السلسلة العلمية التي اخترناها ممثلة لطبقية العلوم من وجهة نظر الإختزالية...

قصة السيارة تسير في سلسلة أخرى مُقابلة لسلسلتنا، إلا أنها ربما تكون أقلَّ تعقيداً، و أيسر لي في العرض...

و بالمناسبة، فالقصتان حقيقيتان، و لم أحتج -بحمد الله- أن أؤلف قصصاً من خيالي، و هذا -في الواقع- غير مهم! و هو من "النكات السمجة" التي أتمنى منكم الصبر عليها، لأنَّ لها معنىً يَظهر في حينه بمشيئة الله!...


يتبع، إن شاء الله...قريباً!...
أمة الرحمن
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيك اخي الكريم ......... ونتابع معك كلمة كلمة ........


إقتباس
فنحنُ نرى الكون و الإنسان و الحياة بما فيها أبحاثهم و نتائجهم التي يُفنون أعمارهم في الوصول إليها أو التدليل على صحتها، جيلاً بعدَ جيل، بغير العيون التي يرونها هم بها. نعم، قد يستحقون الوصف بالعمق، لا شك،



إقتباس
و سأطلعكم لاحقاً -إن شاء الله-، و من نافذةٍ صغيرةٍ لكنها مُعبِّرة، و من خلال "أرصن" مجلات الإختزالية العلمية العالمية، على نصوص نقاشاتٍ تُظهر "الصراعَ النفسي الرهيب" الذي يعيشه عباقرة الإختزالية، في أنفسهم وفيما بينهم، المدفونون في سراديب "البحث" الأكاديمي،


هم أنفسهم لم يتمكنوا من تحديد قاعدة ثابتة تؤمن لهم الراحة ,,,,,, فلماذا نجدهم يوهمون الناس بابحاثهم واكتشافاتهم ..........؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!
الطائف
إقتباس(أمة الرحمن @ Apr 11 2010, 09:47 AM) *
هم أنفسهم لم يتمكنوا من تحديد قاعدة ثابتة تؤمن لهم الراحة ,,,,,, فلماذا نجدهم يوهمون الناس بابحاثهم واكتشافاتهم ..........؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!


و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته...

أختي الكريمة...

لقد وضعتِ يدك الكريمة على عين المشكلة ذاتِها!...

النظام الرأسمالي كلُّه قائمٌ عليها!...

مشكلة هؤلاء هي "التسويف" المُعقَّد؛ تأجيل مواجهة المشاكل!...

فنظامهم قائمٌ على الإعتراف بالدين (وجود الخالق و وجود "دَين" له في رقابهم)، و تنحيته جانباً! "فسوَّفوا" مواجهة الحقيقة و البحث عن الرسالة الحقة من الخالق، و "جعلوا" أمرهم لهواهم، فأرداهم....

المُهم عندَهم هو التمتُّع بساعتهم التي هم فيها!...

ما وراء ذلك...لا يهم...لا يهم الآن!...أنتَ تأتي بمنفعة؟! أنا أريدك معي...الآن!...ثم! لا يهم! نحلُّها فيما بعد! عند انتفاء المنفعة!...

حتى يزوروا المقابر، هم و حضارتهم، بإذن الله...
الطائف
إستدراكاً على تعليقي على ما تفضلت به الأختُ الكريمة (حيثُ يظهر كلامي هناك مقطوعاً عديم الصلة بالجملة المقتبسة!)...


أقول: نعم...هم "يُسوّفون" مواجهة الأقضية الحقيقية إلى أجلٍ "غير مُسمَّىً"...و في الوقتِ ذاتِه...يحيطون مواضع "النقص" و "القصور" و "العور" في حضارتهم بألوانٍ من التقديس و التنزيه المَقيت...

و ذلك -مرةً أُخرى- تطويلاً لغفلة الغافل، و تأخيراً "لفضيحتهم"، و حتى ذلك الحين، يأكلون و يشربون و يتمتعون و يقتلون و النارُ مثوىً لهم!...

و هو عينه أساس "الوهم" الفاحش و الكبير الذي عاشه الكوكب في الثلث الأوسط من القرن العشرين، و اضمحلَّ أثره رويداً رويداً في الثلث الأخير منه، و يوشك أن يصُخَّ رجعُ سقوطِه آذان المضبوعين به في عَزَمةِ القرن الحادي و العشرين!...

و دمتِ في حفظ الله...
عبد الحميد

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اصبحت عندي أفكار اشبه بالكلمات المتقاطعة،
ولكني متابع ان شاء الله حتى تتضح الصورة

اعانك الله أخي الطائف

أبو يحيى 1
السلام عليكم.

لم أستمتع بقراءة موضوع فكري فلسفي كمتعتي بقراءة موضوعك أخي الطائف .. لأنه على نحو ما يلامس شغفا عندي قي هذه المباحث .ولأنه من البداية مفتاح مشكلة الفصام النكد بين العلوم الطبيعية والعلوم الفلسفية ..ومع أني قاربت إحكام مكمن الإشكال إلى أني أجد شيئا جديدا في طرحك الماتع.

ويحضرني على عجالة ما ذكره وحيد الدين خان في كتاب الإسلام يتحدى حين قال أن التعمق في الطبيعيات لا يؤدي إلى معرفة السبب بل يؤدي إلى التعمق في الماهية فهو يجيب على السؤال "ماهذا؟" ولا يجيب على السؤال "لماذا" ..

ومع هذا وذاك أرجو منك أن تعجل علينا بإكمال هذا الموضع فقد شوقتنا إلى تمام مقصده ... فلا تتأخر علينا.

بارك الله فيك
الطائف
إقتباس(عبد الحميد @ Apr 12 2010, 10:09 AM) *
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اصبحت عندي أفكار اشبه بالكلمات المتقاطعة،
ولكني متابع ان شاء الله حتى تتضح الصورة

اعانك الله أخي الطائف


و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته...

و أعانك الله أخي عبدالحميد...

و جزاك اللهُ خيراً على هذه الدعوة...كنتُ، و لا زلتُ، بحاجتِها...

و إن شاء الله، و بعونه سبحانه، ستكتمل عُرى شبكة كلماتك المُتقاطعة لتحصُلَ على معنىً...
الطائف
إقتباس(أبو يحيى 1 @ Apr 12 2010, 07:53 PM) *
السلام عليكم.

لم أستمتع بقراءة موضوع فكري فلسفي كمتعتي بقراءة موضوعك أخي الطائف .. لأنه على نحو ما يلامس شغفا عندي قي هذه المباحث .ولأنه من البداية مفتاح مشكلة الفصام النكد بين العلوم الطبيعية والعلوم الفلسفية ..ومع أني قاربت إحكام مكمن الإشكال إلى أني أجد شيئا جديدا في طرحك الماتع.

ويحضرني على عجالة ما ذكره وحيد الدين خان في كتاب الإسلام يتحدى حين قال أن التعمق في الطبيعيات لا يؤدي إلى معرفة السبب بل يؤدي إلى التعمق في الماهية فهو يجيب على السؤال "ماهذا؟" ولا يجيب على السؤال "لماذا" ..

ومع هذا وذاك أرجو منك أن تعجل علينا بإكمال هذا الموضع فقد شوقتنا إلى تمام مقصده ... فلا تتأخر علينا.

بارك الله فيك


و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته...

أخي أبا يحيى...

بارك الله فيك، و أنتَ أخي الحبيب عندك فهم هذا البحث، بل إن ما نقلتَه عن وحيد الدين خان يكاد "يُفسِدُ" بحثي!...

و أنا مُتعجِّبٌ من وجود مثل هذا التصريح و لم نسمعْ عنهُ قطُّ في مدارسنا و لا جامعاتنا الشرقية! و أنا لا أعرف توجه هذا الإنسان! و تفسير قولي هذا في السطر التالي!...

المُذهل أخي حقيقةًً، و لربما تشاركني الرأي، هو ذاك العمقُ الذي ذهبَ إليه الشيخ التقي النقي، تقي الدين النبهاني، رحمه الله تعالى و ألحقه بالصالحين، في كتاباته!...

حتى و نحن في القرن الحادي و العشرين، بما فيه من فضائيات و شبكة معلومات و أدوات اتصال آنية، ندر، بل لم يحصل -معي- قطُّ، أن أجدَ عالماً "إسلامياً"، أعني فقيهاً، حتى من نجوم هؤلاء، مَن يتحدث في مواضيع تمسُّ الناحية العلمية الدقيقة، بلا تخليط و خبط شعواء، بل بمنتهى الدقة و منتهى الرقي في انتقاء الكلمات مثلما كان من أبي إبراهيم تغمده الله بواسع رحمته...

بل إن هذا الرجل، و في كتبٍ خطها في مطلع الخمسينيات، كتبٍ تتحدث عن الإسلام و الفكر، أشار إشارات مذهلة تبرهن على إدراكه المبكر جداً لمفهوم معادلة أينشتاين للكتلة و الطاقة!...

و كنتُ أعزي نفسي بتردي "العلوم" في الأمة الإسلامية بكون حزب التحرير "محارباً" من قبل السلطات الجبرية، و أقول لنفسي: لو أن هذا العلامة طلبَ الدنيا، و لم يؤسس دعوتَه التحريرية، لكان من شأنه الشخصي ما يُضاهي به شأن عباقرة الساسة من أمثال إمبراطور الحبشة و رئيس وزراء يوناني قديم! لقد جمع خيوط الذكاء من أمِّ رأسِها. لم أرَ له مثيلاً!...

و لكنه اختار -رحمه الله- المُلكَ الذي لا يفنى في جوار ملك المُلوك، نحسبُه كذلك، و لا نزكي أحداً على الله...

فكنتُ أقول: لو أنه غير مُحاربٍ إعلامياً، لدُهشَ أساتذة الفيزياء و الكيمياء في الجامعات من فهمه العميق و المبكر ذاك!...

بل إن وصفه -رحمه الله- لما يُقال عنها أسباب الموت "بالحالات" التي يحدُث فيها الموت و قد لا يحدثُ، و كذا في الرزق، لهو من عجائبِ عمق فهم هذا الرجل المُستنير بنور الله، بل و أتحدَّى وحيد الدين خان -رحمه الله حياً أو ميتاً- و غيرَه أن يغوص في كلام الشيخ تقي الدين و يجِدَ فيه "ثغرةً" عِلمية بمفهوم العلوم المادية!...

لن يقدر! و لن يقدر أحد! أتدري لماذا؟! لأنه يضعُ "نظارة" الوحي الشريف و هو يرى الكون و الإنسان و الحياة، و أنى لمن وهبه الله مكارم الذكاء الفطري و "نظارة" الوحي العظيم أن يتيه و يضل و يزلَّ؟!...

لقد أوجعتني يا أبا يحيى!...

و إن كان عندك من الكتب ما يبحثُ في هذا الموضوع فأسعفنا به جميعاً أخي الحبيب...

و سوف أُكمل عرض بحثي لأنه من معاناةٍ شخصيةٍ عشتُها، و لم أتوصل إليه بقراءة مثيل له، و أسميتُ المشكلةَ "انفصاماً" تماماً كما أسميتَها أنت! و هذا الإنفصام هو عينُه الهوة الكونية السحيقة التي أتحدَّثُ عنها! و هو منشأ الظاهرة التي يواجهها دارس العلوم!...


لا حول و لا قوة إلا بالله!...


فعلاً لقد كدتَ "تُفسد" بحثي يا أبا يحيى!...

مُجرد مُزاح أخي الحبيب!...

بارك الله فيك...

الطائف
و كعادتي! إستدراكاً على مُداخلتي في معرض التعليق على ما تفضَّلَ به الأخ الكريم أبو يحيى...

أريد أن ألفتَ عنايتَك أخي الكريم، إلى أن الإنفصام الذي ذكرتَه معلوم، و لكنَّ أصلَه في انفصامٍ أعمق، هو الذي أبحثُ في أمره! و لكنهما -أي الإنفصامين- على علاقة!...

و تعليقٌ صغير على إفادة خان الثانية؛ لا أوافقه في القول إن التعمُّقَ في الطبيعيات يُفضي إلى معرفة الماهية! إنها إنما تُساعِدُ في معرفة جزءٍ من "الكيفية"! أي كيفَ حدثَ "الحدث"! بالإضافة إلى فهم "جزءٍ" من الماهية، و إلى حدٍّ لا تعدوه!...

ألم أقل لك أنك كدتَ تُفسِدُ بحثي؟! و أنا أُجهز عليه بتعليقاتي هذه!...

أجل أيها الأحبة، و انتبهوا جيداً لهذه الحقيقة المُهمة لبحثنا فعلاً، العلوم المادية تُجيبُ -جُزئياً- السؤال (كيفَ؟)...الإختزالية و المادية و الشيوعية و الرأسمالية و الداروينية تزعُمُ و تُجبرُ "تلاميذها" على القول بأن هذه العلوم تجيب تماماً السؤال (لماذا؟)...

تعسوا، و تعس فهمهم!...

و نكمل بإذن الله...
ابو القعقاع الحلبي
لا تتأخر طويلاً علينا اخي الحبيب.
الطائف
إقتباس(ابو القعقاع الحلبي @ Apr 13 2010, 07:59 AM) *
لا تتأخر طويلاً علينا اخي الحبيب.


حياك الله أبا القعقاع!...

يا من غيرتَ وجهَ البحث!...

بإذن الله إلى الأفضل أخي الحبيب!...
أم أنس
أسلوب جديد متميز حقا....
بارك الله فيك أخانا الطائف أكمل وأكمل
يسّر الله أمرك...
الطائف
السلام عليكم...

لنسِر في قصة المريض الطيب (المثال التوضيحي)!...

قُلنا إن الخلل الذي يحدثُ في المُستوى المُعقَّد من المُكوِّن الكوني يُمكنُ أن نبحثَ عن "تفسيرٍ" له في المُستوى الذي يليه في سلسلة الطبقات التي دونه في مستوى التركيب...

[و لعلكم، بعد قراءة تعليقي على مداخلة أخينا أبي يحيى، تُدركون المغزى من وضعي كلمة تفسير بين إشارتي اقتباس! التطرُّفُ الإختزالي يزعم أن هذا التفسير هو، في كلِّ طبقات البحث، الجواب الوحيد و الكامل للسؤال: (لماذا؟)!... و نكمل الآن الكلام]...

بل إن الإختزالية "تُحتِّمُ" مثلَ هذا "الفرَض"، بل تجعلُه فرضاً مفروضاً، و تجعلُ أيَّة "فرضيةٍ" أخرى موضعاً للسخرية و التندُّر، و ذلك على طول السلسلة و عرضها!...

و هذا لا ينحصر في "تفسير" الخلل و حَسْب، و إنما في "تفسير" كلِّ "حدثٍ" و كلِّ "ملاحظةٍ" في الكون!...

لم أقبل بما حدث في عيادة ذاك الطبيب "الغِرِّ" مع شيخنا المريض! فألححتُ على ابنه و عليه –عبر الهاتف- في قصد طبيب قلبٍ موثوق يستشيرونه، و أبديتُ لهم مخاوفي!...

نجح أُسلوب "التخويف"، و تمَّ تقويمُ الحالة القلبية و الوعائية للشيخ في اليوم التالي، بفحص كهربائية القلب في وضع الراحة و أثناء الجهد (المشي، ثمَّ الهرولة على جهاز الحزام الدوار (Treadmill))!...

كانت المُفاجأة للشيخ و ابنه هي وجود مؤشراتٍ قوية لنقصٍ شديدٍ في تروية عضلة القلب، و فوق ذلك، منعَ الطبيب الشيخ من مُغادرة المُستشفى، بل و أمر بإدخاله إلى قسم العناية الحثيثة، في انتظار تحضيره لعملية التمييل (القسطرة) على وجه السرعة!...

و في صباح اليوم التالي، اُجريت القسطرة، و كان المأمول أن تتم "مُعالجة" الشرايين المتضيقة "المتوقع" وجودها باستخدام التوسيع البالونيِّ، و تثبيت التوسيع بما يُعرفُ بالشبكة (Stent) في نفس الإجراء!...

لكنَّ المُفاجأةَ الأخرى كانت في تَعذُّرِ إجراء أي تدخل علاجي عبر القسطرة، و تحتُّمِ اللجوء للإجراء الكبير؛ ما يُسمى بعملية القلب المفتوح! لقد كان عدد الشرايين المُتضيقة، و عدد مناطق التضيق في كلٍّ منها، و طبيعة تلك المناطق، كلُّ ذلك كان محتماً للجوء إلى الخيار الجراحي...

و مع أن وقع مثل هذه "الأخبار" قد يُثقل كاهل رجلٍ من مثل شيخنا، خاصةً و أنه لم يكد يُكمل الثلاثة أشهر من التقاعد من عمله الخاص! إلا أن إيمانه بقضاء الله، و تسليمَه لإرادته سبحانه و تعالى، قذفت في قلبه و قلوب من حوله أرسالاً من الطمأنينة و الانصياع لمشيئة الله، و أُجريت العملية بعد يومين من تلك القسطرة، و ها هو الآن -بفضل الله- يتعافى بشكلٍ طيب و مبشر، و في بيتِه و بين أهله، و الحمدُ لله رب العالمين...

أما السيارة "العجيبة"، فلم يتغيَّرْ في شعوري بتعطل المكابح فيها شيءٌ، رغمَ إجراء الصيانة الدورية قبل أوانها، و رغم تطمين الفني الطيب لي بعدم وجود بأس بها!...

بل إن المُشكلةَ تفاقمت بسرعة! و صار الشعور مُلازماً لاستخدام المكابح في أي حين! فهرعتُ إلى الفني الطيب (لم أذهب لغيره لمعرفتي "لأمانته")، و أخبرتُه بتفاقم المُشكلة!...

المُفاجأة كانت في تأكيده تارةً أخرى على عدم إحساسه بالمُشكلة، و لا قدرته –هذه المرة- على تفسير شعوري بها، و لا ما يجب عمله غير ما تمَّ سابقاً!...

قُلتُ له أنني لن أتحركَ من ورشته إلا و المُشكلة قد حُلت! وسألتُه: لماذا تُصرُّ على عدم "التأمل" في وصف المُشكلة؟! أقول لك أن الدوس على المكبح بحاجة لجهدٍ إضافيٍّ للمُحافظة على "قوة" الكبح، فلماذا لا تبحث عن موضع تهريبٍ أو تنفيسٍ في النظام الهيدروليكي للمكابح؟!...

قال: أولم نفحص زيت المكابح المرة الماضية و لم نجد فيه نقصاً يدلُّ على تسربه؟! بل و بدلناه أيضاً!...

هنا ثُرتُ في الرجل المسكين قائلاً: محمود! أنا لم أتمرن في ورشة و لم أرتد كلية هندسة، و كل ما لدي مبادئ علوم الميكانيك من المستوى المدرسي الثانوي، و رغم ذلك أقول لك أن النظام الهيدروليكي للمكبح "ينهار" الضغط فيه بسبب تنفيسٍ ما! فكَّه و أَرِنيه!...

لم يجد الرجلُ بُداً من الرضوخ لطلبي، و لكون العملية طويلة نسبياً، إستدعى صبياً فتياً ليقوم بعملية تفكيك ما يُسمى مضخة المكبح تحتَ إشرافي المباشر و "براحتي" على حدِّ تعبير المعلم الكبير!...

و ما أن فكك الصبي ما يحول بينه و بين المضخة، ثم فصلها عن باقي المُحرك حتى ابتدرتُه بأخذها و تفحُّصِها!...

و هنا، التفتُّ إلى المُعلم قائلاً: محمود، تعال و انظرْ!...

كانت الجلدة المركزية في المضخة ممزقة الجانب! و هذا "يُفسِّرُ" شعوري بانهيار ضغط النظام الهيدروليكي بتفلُّت الدواسة، و حاجتي لملاحقتها بضغط إضافي، حيثُ كان يحدثُ التسرب عبر التمزق الحاصل في تلك الجلدة...

الغريب أن محموداً لما رأى التمزُّقَ بادياً، بادرني بالقول بالحرف و باللغة الفصيحة: (إذا عُرفَ السبب بطُلَ العجب)! و كأنه هو من كشف المشكلة!...

عندها ظننتُ أن الموضوع موضوع جلدة بلاستيكية تُبدَّلُ و السلام! و لكن محموداً، و بتفحُّص المضخة، اكتشف السببَ الأعمق الذي أدى بدوره إلى تمزق الجلدة: إنهُ "الجرب"!...

و هذا "الجرب" يُقصدُ به تنخُّر السطح المصقول و المحميِّ و الحامي -في الوقت ذاته- لباطن الإسطوانة التي يتحرك فيها ذراع المضخة، و الذي على رأسه ومحيطه توجد الجلدة "المُهمة"! إذ حتى لو بدلنا الجلدة أو الذراع كله، فسوف يعود هذا التنخُّر أو الجرب ليُحدثَ تمزيقاً آخر في الجلدة الجديدة! و كان لا بدَّ من تغيير المضخة كاملةً!...

تلاحظون ايها الأحبة في القصتين وجود نوعٍ من الإجتهاد، و إمكانية الخطأ و الصواب في "قراءة" الأحداث...

فالطبيب الغرُّ عزا "الدوار" إلى التهاب الأذن الداخلية (الوسطى كما قال، و هو خطأٌ شائع)، و غابَ عنه "السبب" الأخطر و الأهم، و هو اعتلال عملية إيصال الدم إلى الدماغ، و أغلبُ الأحيان يكون منشأُ ذلك اعتلالاً في القلب، و خاصة في مثل عمر هذا الشيخ! و مثلُ هذا "الخطأ" في التشخيص، و عدم التنبه للإنذارات الحاسمة، يكون عادةً "قاتلاً"!...

و في حالة السيارة، لم يتنبَّه الفني لوصف المُشكلة الذي كان ليساعده في تحديد "موضع" المُشكلة في أول تقويم لها، و خطؤه هذا كان "ليتسبب" في حادث، إذ عندما عُدتُ إليه، كنت أقود السيارة بلا مكابح! كان النظام الهيدروليكي قد انهار تماماً!...

إمكانية الخطأ و الصواب هذه و عدم قطعية "صحة التفسير" فيها، و وضوح ثقل الخبرة التراكمية في زيادة فُرص "الصواب" على حساب "الخطأ"، هي ما تجعلُ الإختزالية تصف هذين الضربين من المعرفة بالفنون لا بالعلوم! و ذلك أن التعمُّقَ أكثر و أكثر -في زعمهم- يصير "أقربَ" إلى القطع و الصحة أكثر و أكثر!...

"الصواب" في هذه الحالة عندهم هو انسجام سلوك المكوِّن الكوني الُمعقد مع سلوكه في المُستوى المُفكك...

فمثلاً، وجود تضيقٍ في الشرايين التاجية عند مريضنا، أدّى إلى نقصٍ في تروية عضلة القلب بالدم، و بالتالي نقصٍ في دفق الأوكسجين لهذه العضلة، مما أدى إلى اختلال في كهربائية القلب، و بالتالي -أيضاً- إلى اضطرابٍ في نسق انقباض العضلة، و أدى ذلك إى هبوط نسبي لحظيٍّ -بحمد الله- في ضغط الدم، مما أدى إلى ضعف تدفق الدم المُحمل بالأوكسجين إلى الدماغ، و بالتالي إلى الشعور بعدم الإتزان و الترنح، و من ثم السقوط أرضاً!...

و كذلك الأمر في مشكلة السيارة: فُقدان السطح المبطن لإسطوانة المضخة لسلامته، أدى إلى تنخُّره و فقدانه لخاصية الصقل، و ذلك أدى إلى تجريح حافة الجلدة اللينة على رأس ذراع المضخة المُتحرك داخل الإسطوانة ذهاباً و إياباً، و هذا التجريح تفاقم بتكرر المرور على مواضع النخر حتى أضحى تمزُّقاً، و التمزُّقُ هذا شكل ثغرةً في نظام بناء الضغط الهيدروليكي يحدثُ عبرها -أي الثغرة- "تنفيسٌ" و انهيار تدريجيٌّ لقوة الضغط، و عليه، و أثناء هذا الإنهيار التدريجي للضغط، كان لزاماً علي أن أزيد في قوة دوسي بجهد إضافي مطرد، مما أدى إلى شعوري الغريب بوجود خطبٍ ما في المكابح!...

و هاتان الفقرتان الأخيرتان، بحاجة إلى مزيد "تشريح"، لنعرف كيف ينظر الإختزاليون لمحتوياتهما!...

و هذا التشريح، بل الجملتان كما هما، و مع إشارتنا إلى إلحاح الإختزاليين المتطرِّف على كون هذا التشريح جواباً "شافياً" للسؤالين (كيف؟) و (ماذا؟)، بل و "كلِّ" الأسئلة، هذا كلُّه بيانٌ للفقرة التي اقتبسها الحبيب راجي العُقابي في مُداخلته الأولى على هذه الصفحة...

إنه الوجه "الجميل" للإختزالية! و الحق، أنه كان ليكون أجمل بكثير لولا ما كلناه لها و لحملتها من "شتائم" و تعييب قبل أوانها الحاسم! و سيكون بإذن الله!...

يتبع، إن شاء الله...
الطائف
إقتباس(أم أنس @ Apr 13 2010, 10:14 AM) *
أسلوب جديد متميز حقا....
بارك الله فيك أخانا الطائف أكمل وأكمل
يسّر الله أمرك...


و أمرَكِ يسَّر أختَنا الكريمة...

بارك الله فيكِ...

و جزاك كل خير و بركة على الدعاء...
الطائف
إقتباس(الطائف @ Apr 13 2010, 05:42 AM) *
بل إن هذا الرجل، و في كتبٍ خطها في مطلع الخمسينيات، كتبٍ تتحدث عن الإسلام و الفكر، أشار إشارات مذهلة تبرهن على إدراكه المبكر جداً لمفهوم معادلة أينشتاين للكتلة و الطاقة!...

و كنتُ أعزي نفسي بتردي "العلوم" في الأمة الإسلامية بكون حزب التحرير "محارباً" من قبل السلطات الجبرية، و أقول لنفسي: لو أن هذا العلامة طلبَ الدنيا، و لم يؤسس دعوتَه التحريرية، لكان من شأنه الشخصي ما يُضاهي به شأن عباقرة الساسة من أمثال إمبراطور الحبشة و رئيس وزراء يوناني قديم! لقد جمع خيوط الذكاء من أمِّ رأسِها. لم أرَ له مثيلاً!...


الحقيقة أن مستوى ذكاء الشيخ تقي الدين النبهاني فريدٌ جداً، و لعلَّ من بلغَهُ -أي هذا المستوى- قلائل على مرِّ الزمان، بل هم نَزرٌ يسير جداً، و شخصياً، لا أجدُ لهُ نِدّاً إلا الإمامَ الحجةَ أبا عبدالله، محمداً بنَ إدريس الشافعيَّ...

بل أقول إن أهم تحولين حدثا في تاريخ الفكر الإسلامي و استخلاصه من نصوص الوحي كانا ما اختطه الإمام الشافعي و اختطه الإمام النبهاني...

و مع أن هذا رأيي الشخصيُّ، إلا أن أعداء الإسلام من داخل بيتِه يعرفون صدق ما أسلفتَ، أو يكادون...

حزبُ التحرير، الإرثُ العظيم للإمام تقي الدين، توجهت إليه فوهات مدافع الغرب الفكرية تتفحصُه و تدرسُه!...

أتعلمون من كان أشدَّ أعلام الإسلام عِتياً على كبار المستشرقين قديماً و كلاب المُستغربين حديثاً؟! جوابكم صحيح! إنه الإمام الشافعي...

الجهبذ الأول هو واضع أصول الفقه الإسلامي في عصر النهضة الذهبي...

الجهبذ الثاني هو المُجدد لأصول الفقه الإسلامي في عصرٍ كادت معالم الفكر الإسلامي فيه تندرسُ آثارُها...

الأول، وضع السكة التي يمشي عليها القطار...

الثاني، أزال الأتربة عن السكة، و لم يزل -و حزبُه من بعده رحمه الله- يسحبُ القطارَ الجانحَ عن سكته إليها!...

هما جنديان من جنود الله...

الأول، تقلبت عنه السنون و الأيام لتجلو سيرتَه و يسطُعَ نجمُه...

الثاني، لم تزل تتقلَّبُ عنه السنون و الأيام، و يكاد نور عمله يؤتي أكلَه، و نجم اسمه يسطع، ليعرفَه "أهلُه" الذين عادوه يوماً، و النبي مُكذبٌ في قومِه!...

و إنَّ غداً لناظره قريبُ...

أم أنس
الرأسماليين يعولون على الاختزاليين لايجاد أجوبة تشفي صدورهم في مواضيع حساسه مثل أصل الانسان ونشأة الكون ولذلك يحيطونهم بهالة من التقديس والدعم المادي....لانهم ماديون ولا يريدون اللجوء الى دين الحق(الاسلام) لانهم جاحدون ومتكبرون بالاعتراف بصدق عقيدة الاسلام فيفرون الى هؤلاء ظنا منهم أنهم سيجدون عندهم ما يبتغون.....
((وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ))

ولو دخلوا الاسلام لوجدوا فيه ما يقنع عقولهم ويملآ قلوبهم طمأنية وسعادة بدل تعاستهم وخوفهم ....

بارك الله فيك أخي الطائف أكمل يرحمك الله وحبذا لو تكثر من طرح الامثلة فهي تساعد كثيرا في فهم الطرح...


الرايات السود
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
أخي الفاضل الطائف زادك الله علما ونورا , بحث مستنير يزيد المرء إرتقاء ويكشف لنا جوانب مهمة جدا في طريقة التفكير عند الغرب وتعاملهم مع المادة والأفكار.
يا حملة الدعوة الكرام لا فضّت افواهكم، ولا انقطعت اصواتكم، ولا سكنت حركتكم ، ولا خملت ارادتكم .. ما شاء الله لا قوة الا بالله
اللهم زدنا علما ونورا وهيئ لنا من أمرنا رشدا
الطائف
إقتباس(الرايات السود @ Apr 14 2010, 06:39 AM) *
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
اللهم زدنا علما ونورا وهيئ لنا من أمرنا رشدا


و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته...

بارك الله فيك أخي الحبيب...

و عجل بنصره و تمكينه...

إنه هو ولي ذلك و القادر عليه وحده سبحانه و تعالى...
الطائف
السلام عليكم...

أيها الحبة...

لعل البعض تنبّه لنقطة مهمة جداً أثناء قراءة الفقرتين المُلخِّصتين لتسلسل الأحداث في المثالين، المريض و السيارة المعطلة...

لقد سرنا من المستوى المُفكك إلى المستوى المُركَّب، و كان سيراً جميلاً "منطقياً" و "معقولاً"!...

من تضيُّقِ الشرايين التاجية (المُستوى المُفكك)، إلى الترنُّحِ و السقوط أرضاً (المُستوى المُركب)...

و ملحوظةٌ صغيرة هنا "سمجة": في حقيقة الإختزال، مستوى نقص الأوكسجين المُتدفق إلى عضلة القلب كان أعمق رأسياً من تضيق الشرايين التاجية بالنسبة للمستوى المُركب للترنح و السقوط أرضاً، لكن هذا لا يهم أيضاً، و لا يضرُّ بسيرنا! و في الوقتِ نفسه، الإختزالية الحقيقية -كما سنرى معاً- لن تتوقف عند تضيق الشرايين التاجية، و إنما ستبحث في "سبب" حدوث التضيُّق؛ تصلُّبِ الشرايين! و هو -وحده- له قصة، سنُضطرُّ للوقوف عليها لوفاء المثال حقَّه!...

و ملاحظةٌ أخرى مهمة: مريضنا لم يشكُ من ألمٍ في الصدر! هل تساءلتم لماذا؟ أهو خلل في القصة أو افتعال؟ كلا! الرجل عانى من مرض السكري لفترة زمنية طويلة تزيد عن العشرين عاماً، و في هذه الأحوال يُمكن، و في أحيانٍ كثيرة، للمريض أن يُصاب بجلطةٍ قلبيةٍ حادة -و قد تكون قاتلة- و لا يشعرَ بألم إطلاقاً! و السبب هو العطب الذي يلحق كثيراً من الأعصاب تحت ثقل وطأة ارتفاع السكر عليها!...

لنعد لموضوعنا...

و سِرنا أيضاً من تنخُّر بطانة المضخة (المُستوى المُفكك)، إلى الشعور بوجود خلل في المكابح عند استخدامِها (المُستوى المُركب)...

و مرة أخرى، ملاحظة هامة: في هذا المثال أيضاً لن تكتفي الإختزالية بالوقوف على النخر (الجرب)، و ستبحثُ وراءه؛ ما الذي "سبَّبه"؟!...

و نعود!...

و هذا -أي السير بهذا الإتجاه- خلافُ ما قلناه في مُقدمة البحث! إذ كان مُلخَّصُ الكلام يزعم أن السير مع الإختزاليين من المُركب إلى المُفكك سيرٌ "بديع"، بينما السير معهم رغماً عنهم في الإتجاه المُعاكس هو سير مقطوع و مشطور بهوة كونية سحيقة!...

و الحقيقة الجديدة -الآن- هي أن السير في الإتجاهين على جانبي الهوة هو سيرٌ "جميل"، و السيرُ فوق منطقة الهوة مباشرةً من المُركب إلى المُفكك أيضاً "جميل"! أما المُرور فوق الهوة من المُفكك إلى المُركب فهو السقوط المُريع! و بيان ذلك هو التالي...

أيها الأحبة...

كيفَ تنظرُ الإختزالية إلى العلم المادي و تُقوِّمُه؟!...

لا أتحدَّثُ هنا عن القيمة "الحضارية" أو "الأخلاقية" للعلم، بل عن "قوةِ فعاليةِ" العلم المادي النسبية!...

و المقصود بالعلم المادي في السؤال -إخوتي و أخواتي- هو فروع و طبقات العلم المادي المُختلفة، و لعل الإبهام انجلى هنا!...

فمثلاً، ما الأهم و الأقوى و الأكثر فعالية: الطب؟ أم الفيزياء؟...

كيفَ تُجيبُ الإختزالية على هذا السؤال؟!...

الجواب طبعاً -و بشكل "دبلوماسيٍّ"- سيكون: كلُّ "علم" منهما مُهمٌّ جداً في مجاله! و لكنَّ الأقوى و الأهمّ إختزالياً هو الفيزياء...

بل إن جواب الإختزالية يذهبُ أبعدَ من ذلك -وسبقَ أن أشرنا إلى هذا أكثر من مرة- إذ يعتبر الإختزاليون الفيزياء علماً، و الطبَّ فنَّاً!...

على أي أساس؟! هذه هي "الترجمة" العملية للسؤال أعلاه: كيفَ تنظرُ الإختزالية إلى العلم المادي و تقوِّمُه؟!...


قيمة العلم (الفرع أو الطبقة) المادي -و الحقيقة أن الإختزالية لا تنفردُ بهذه النظرة- آتية من القدرة التنبُّؤية (Predictive Potential/Power) للعلم!...

القدرة التنبُّؤية! ما المقصود؟!...

"القُدرةُ التنبُّؤيةُ" لأي نوعٍ من أنواع المعرفة هي ملمحٌ هامٌّ جداً من ملامح "الجمال" في هذه المعرفة...

فمثلاً، أليس من "الجميل" أن نبدِّلَ مضخَّةَ المكبح في السيارة، ثمَّ نخرجَ بها إلى الطريق، فنجدَ أن "المياه قد عادت إلى مجاريها"؟!...

أليسَ من "الجميل" أن يتعافى الشيخ المريض بعد الجراحة، و يعودَ إلى سابق عهده من المشي باتزان و تؤدة دون ترنُّحٍ و لا سقوطٍ و لا تخوُّفٍ في صلاته و ذهابه إليها و عودته منها؟!...

أليس من "الجميل" أن يحسبَ مهندسو ناطحات السحاب حساب الرياح العاتية "المتوقع" هبوبها، و يسمحوا بهامشٍ أمانٍ من الحركة أو التمايل المَرنِ للبناء الهائل قد يصل -الهامش- إلى عدة أمتار حمايةً له -البناء- من "التكسر" الكارثي؟!...

أليس من "الجميل" حقن الطبيب لمريضه بمضاداتٍ حيوية قبلَ و أثناءَ و بعدَ خضوعه لجراحة في الأمعاء الغليظة المليئة بالجراثيم تحسُّباً من، بل و منعاً "لوقوع" إنتانٍ خطيرٍ "بسبب" تسرب الجراثيم إلى غير موضعها الطبيعي، يزيد -أي الإنتان- في تعقيد التشافي، بل و قد يودي بحياة المريض؟!...

أليس من "الجميل" أن نعرف أن المُهندس المعماري يزيد في متانة الأساسات للبناية وفق ما هو "مُخطط له" من عدد طوابق، و لوازم و تشغيل (سكني أو تجاري أو صناعي)؟!...

أليس من "الجميل" أن تجلسَ في مطعم، فتجدَ قائمةَ الأطعمةِ و الأشربةِ أمامك، و تجدَ زرَّاً لإطلاق صوتٍ لطيف لاستدعاء المُضيف لطلب ما تريد، و تجدَ المناديل و المناديل الرطبة و النكاشات و حاوية أنيقة صغيرة للمُهملات (المعروفة بمنفضة السجائر!) على طاولة نظيفة مُغطاة بكساء نظيف، و في مكان نظيف هادئ يُفصلُ فيه بين العائلات بفواصل خشبية ساترة و أنيقة و بالقرب من غرفة راحة (دورة مياه) نظيفة و مُرتبة (أي كل احتياجات الزبون "المتوقعة")؟...

أليس من "الجميل" حقن الأم الحامل ذات الدم سلبي الزمرة، و المتزوجة من رجل إيجابي الزمرة، بأجسام مُضادة في الأسبوع الثامن و العشرين من الحمل (و ربما مرة أخرى في الرابع و الثلاثين)، تمنع -أي هذه الأجسام المضادة- تشكلَ أجسامٍ مُضادةٍ "مُحتملاً"، موجهةٍ ضدَّ دم الجنين الذي "قد" يكون إيجابي الزمرة، و التي ستشكل -الأجسام المضادة الأخيرة- خطراً على سلامة و حياة أَخيه أو أُخته "القادم أو القادمة" في الحمل الذي يليه؟!!...

أليس من "الجميل" حقن الأطفال بلقاحات "تقيهم" من أمراضٍ قديمةٍ فتاكةٍ كان لها تاريخٌ أسودُ بشعٌ (من المضاعفات الموضوعة بين قوسين)، كالتهاب السحايا (وفاة، عمى، صمم، شلل، فقدان قدرة عقلية، و غيرها) و شلل الأطفال (وفاة أو شلل) و النكاف (وفاة أو عقم) و الحصبة (وفاة، إلتهابات رئوية شديدة) و الحصبة الألمانية (تشوهات في أجنة الحوامل غير الحصينات مناعياً أو فقدانها)؟!...

أليس من "الجميل" سماع النشرة الجوية التي "تساعد" الناس في "ترتيب" أمورهم، من طريقة لباس، و من تغييرات في البيت (فتح أو إغلاق نوافذ، تفقد للمدافيء و مخزون الوقود، و المؤن، إلخ)، و إلغاء أو تأجيل الزيارات غير الضرورية، بل -و على مستوى البلد- قد تُعلن حالة الطوارئ (عاصفة ثلجية، فيضانات، أعاصير، تسونامي)؟!...

ألم يكن من الرائع جدا استجابة النبي صلى الله عليه و سلم لنصيحة شابٍّ من المسلمين، الحبَّابِ بن المُنذر -رضي الله عنه-، في جعل آبار بدر في ظهورهم، فيشربَ المسلمون و لا يشربَ المشركون "القادمون" إلى أرض المعركة؟...

ألم يكن من الرائع جداً تكليفُ النبي صلى الله عليه و سلم لخمسين من الرماة على جبلٍ يحمون مِنْ عليه ظَهْرَ المسلمين في غزوة أُحد؟ و لولا أنهم أخطؤوا -رضي الله عنهم- في اجتهادهم في تنفيذ أمر قائدهم صلى الله عليه و سلم لما كان لخالد أن يجول جولتَه!..

ألم يكن من الرائع كذلك استجابة النبي صلى الله عليه و سلم لنصيحة سلمان الفارسي -رضي الله عنه- في حفر الخندق على طول مدخل المدينة "المتوقع" ورود الغزاة إليه لينفذوا عبره إلى المدينة، و عِظم تلك "المفاجأة" لقريشِ و حلفائها؟...

لعلَّ الأمثلة "الكثيرة"، و التي سُقتُها هكذا استجابةً -و إن جُزئياً- لطلب الفاضلة أم أنس، نقلتنا إلى مستويات مختلفة متباينة، و بطريقةٍ مربكةٍ "قليلاً"، و لكنها كلَّها فيها مَلمح "جمال" الإستشراف، و استباق الأحداث، و سبق العدو في فكره و خططه و ابتداره بمفاجأة غير سارة، أو سبق المشاكل و العراقيل في ظهورها و وقوعها و ابتدارها بالحلول الناجعة بمنعها أو "التحايل" عليها، إلخ...

باختصار شديد غير مُخل، إنها القيمة التنبُّؤية للمعرفة!...

نعم، لا يعلمُ الغيب إلا الله وحده، لا يشاركه أحدٌ مطلقاً في ذلك إلا من يشاء ( من رسول)، وفيما يشاء (من قضية)...

و من أجل هذه الحصرية العُظمى في علم -و العلم هنا يعني على وجه القطع- الغيب في حق رب السماوات و الأرض سبحانه و تعالى، جاءت هنا "القيمة الإعتبارية" العالية للقدرة التنبُّؤية للمعارف في عالم البشر الضعيف...

و هذه القدرة التنبُّؤية -كما تلاحظون طبعاً- مبنيَّةٌ على سُننٍ كونيَّة، و ليست من باب "قراءة الكف و الفنجان" و "الشعوذة"!...

و معناها التجريدي هو: قُدرة الفكر (الإنسان)، و بفهم سلوك المُكوِّن الكوني في حيِّزٍ مكاني محدد و في فترة زمنيةٍ محددة، و في مستوى ما محددٍ من سلم "طبقات العلوم"، نقول: قدرته على التنبُّؤِ بسلوكه -المكون الكوني- في مستوىً آخر من الطبقات، الأعلى منه أو الأسفل، لا يهم الآن، أو في حيزٍ آخر أو فترةٍ زمنيةٍ أخرى في المُستوى الأفقي نفسِه...

مثلاً...

فهم سلوك السائق مع السيارة على الطريق (الشعور بحاجة لضغط إضافي للدوس على المكابح باطراد بطيء)، أدى إلى فهمٍ إجماليٍّ لوجود تسرُّبٍ في النظام الهيدروليكي المُغلَق للمكابح...

و بتفكيك المضخة المعطوبة، و تبيُّنِ موضع العطب فيها (التمزُّق في جانب الجلدة، و الذي بدوره أثبت صحة الإفتراض بوجود تسرُّبٍ)، بل و تبيُّنِ العطب الأعمق الذي "سبب" العطب الأول (التنخُّر في بطانة المضخة، و بلغة أهل الصنعة: "الجرب"!)، أقول: و بتفكيك المضخة و فهم سلوك مكوناتها في هذا المستوى من التفكيك (الإختزال)، صار عندنا "تفسير" مُقنع للسلوك في المُستوى المركَّب (القيادة على الطريق)...

و بإصلاح العطب في المستوى المُفكك (استبدال مضخة جديدة بالمعطوبة، و جديدة تعني هنا "مفهومة السلوك")، إستطاع الفكر أن "يتنبَّأ" -و بدرجةٍ معقولة من احتمالية الصدق لا يؤكدها إلا "التجربة"- باستقامة استخدام المكابح، و زوال الشعور بالخلل، و فعلاً كان ذلك بحمد الله تعالى...

هذه هي القدرة التنبُّؤية التي تُظهر الجانب "الجمالي" للإختزالية...

و أتمنى -إخوتي و أخواتي- أن تكونوا أدركتم الحقيقة المهمة المَخْفيَّة في ثنايا هذا الكلام كله، و هي أن هذا الوجه الجميل في الحقيقة ليس حِكراً على الإختزالية، و إنما استطاعت الحضارة الغربية، و بمساعدة خاصية "الإنضباع" عند الإنهزاميين من أبناء جلدتنا، بل حتى عند غير الإنهزاميين، أن تُصوِّرَ امتلاكَها ناصية العلم و البحث العلمي من ألفه إلى يائه، و من رأسه إلى أخمص قدميه، بقوة السلاح و قوة النفوذ و قوة المال!...

و الحقيقة الكبرى في هذا الباب، هي في أن عوار الإختزالية المُخزي و البشع، و الذي لما نأتِ عليه بعد، "مستورٌ" بورقة توت إرهابية! إن الحضارة الغربية تفرض ما تريد تصويره "علما رصيناً" على أهل كوكب الأرض بفرعونيةٍ جاهليةٍ، لسان حالها: (ما اريكم إلا ما أرى، و ما أهديكم إلا سبيل الرشاد)!...

و في الوقت ذاتِه، مع ذلك، يُضفون "شرعيةً" ما على مزاعمهم، من حيثُ كونُ الجزء الأضخم من الكشوف و الإختراعات و الأبحاث العلمية خرجت و تخرجُ من داخل بيتهم شمالي الأطلسي!...

و بالعودة إلى القدرة التنبُّؤية التي يتحلى بها الجانب "الجميل" من الإختزالية، نقول:

كُلَّما كانت فرصُ الخطأ في التنبُّؤِ أكبر و أهم، و صار دور عامل الخبرة فيه أجلى و أوضح، "مالت" الإختزالة إلى تسمية ضرب المعرفة به بالفنِّ (Art)!...

و كلما كانت فرص الخطأ في التنبُّؤ أقل قدراً أو أهميةً، و تلاشتْ الحاجة فيه للخبرة، "مالت" الإختزالية إلى تسمية ضرب المعرفة به بالعلم (Science)!...

و بصراحة، لقد خففتُ من حدة الخطاب! فالعلم (ٍScience) عندهم "قاطع حاسم" في "تنبُّؤه"! و الإختزاليون لا "يميلون" في هذا الموضوع ميلاً، و إنما هم متطرِّفون، كما سبق و أشرنا! و لعلنا نرجع إلى هذه الملحوظة لاحقاً!...

و هنا أُحبُّ أن أُشير إلى مدرسةٍ جديدةٍ -أو هي سلعة تجارية جديدة، موضة- في عالم الدراما التلفزيونية الأمريكية و البريطانية، قائمةٍ على جَمال "القدرة التنبُّؤية" للعلم و الفن الجِنائيين، من قبيل سلسلة الCSI (تحريات مسرح الجريمة Criminal Scene Investigations:) في فروعه: CSI Miami، CSI New York، CSI London، و مسلسل القانون و النظام (Law and Order)، و مسلسل العقل الإجرامي (Criminal Mind)، و مسلسل "كاسل" (Castle)، إلخ! و هي مُختلفة قلباً و قالباً عن المُسلسلات البوليسية القديمة الساذجة إلى حدٍّ بعيد!...

و الحقيقة أن في هذه المسلسلات من "فلسفة الإنفصام بين الماديات و الإنسانيات" -التي أشار إليها الفاضل أبو يحيى- مُتَّسعاً رحباً للتفكُّر و التأمُّلِ، حيثُ يحتاج تأليف الحلقة -أو القصة- الواحدة منها فريقاً كاملاً من العلماء و الخبراء، بعضهم مبتعثون من مكتب التحقيقات الفيدرالية (FBI)! و هي -هذه المسلسلات- في الوقت نفسه، تكشفُ عن "فداحة التقدم" المادي الغربي مُقارنةً بالإنحطاط الخُلُقي الغريب و العجيب، الذي لم يسبقْهم إلى مستواه حيوانٌ و لا بهيمة، بل و لا شيطان!...

أيها الأحبة...

و إذ قد ألقينا شيئاً من الضوء على مفهوم القدرة التنبُّؤية للمعرفة، و عرفنا نظرة الإختزالية لأهمية هذه القدرة، بحيثُ تؤثر -هذه النظرة- عميقاً في قدر "القداسة" -و هي القيمة- التي تحيط بها ضروب المعرفة في المستويات المختلفة من سلم "العلوم"؛ فطرف السلم السفلي هو "العلم الحقيقي" الذي لا تخيب له "نبوءة"! و طرف السلم العلوي هو "فنون" فيها قبضةٌ من أثر العلم، لا أكثر، و تلعبُ الخبرة فيها دوراً رئيساً! أقول: و إذ قد وصلنا إلى هذا الحدِّ، لماذا لا نأخذ معاً شوطاً من الغوص رأسياً إلى عمقٍ أبعد في سلم الإختزال، و عبر الأمثلة المضروبة سلفاً، لنصل إلى منطقة الهوة التي أوجعت قلوبنا انتظاراً؟! ...

و قبل شوط الغوص، إليكم هذا البيان الصغير "المُسرَّب": شدة التعقيد و فداحته (في الحقيقة، لا توجد كلمات تستطيع وصف درجة التعقيد هذه دون "إفساد" البحث!) هي ما يدفع الإختزاليين لوصف المعارف في أعلى السلم الإختزالي بالفنون لا بالعلوم!...

هل أستطيع التكتم أكثر؟! أجل! عجز العقل البشري عن استيعاب شدة التعقيد في المستويات العليا و معالجته للخروج بنتائج (نبوءات) معقولة أو حتى مقبولة، يدفع قادة "الغباء" إلى القول بأن المعرفة في هذه المستويات ليست عُلوماً!...

إدخال "الذكاء" الصناعي الحاسوبي متعاظم القدرات التخزينية و التحليلية إلى المجالات العلمية أو المعرفية "عالية" التعقيد، و "الفتوح" الصغيرة في مجال "تخزين معلوماتها" التي تجمعها آلاف المختبرات، و "معالجتها" -أي تحليلها- و الإقتراب قليلاً من "إمكانية" فهم التعقيد المُركَّب الذي يلف أطنابَها، كلُّ ذلك يعمل على "تذويب" الجمود المُتطرف عند الإختزاليين في وصف هذه المستويات بالفنون! إذ كلما اقتربَ البشر من إمكانية "فهم" التعقيد و الخروج بنبوءات أقرب إلى الصحة، "تتحول" هذه "الفنون" إلى أشباه علوم!...

أوضحُ مثالٍ صارخٍ "فاضحٍ" على مثل هذه "الفتوحات" الصغيرة هو "مشروع خريطة جينات الإنسان" (Human Genome Project) الذي "أُنجز" في فجر القرن الحادي و العشرين، و تحدثَ عنه بشكل لطيف الفاضل أبو مالك في موضوع ما في القسم الفكري...

و سبحان من بيده ملكوت كل شيء! لو أن هذا "الفتح" العلمي حصل في سبعينيات أو ثمانينيات القرن الماضي، لما كان من الغرب كله، و ليس الإختزاليين وحدهم، إلا أن يملؤوا الدنيا نعيقاً و صراخاً و احتفالاً، و أن يُفيضوا في ألوان الوعود و الحلول و الكشوف و الفتوح الكبرى! و لربما "مدَّ" ذلك في عمر حضارتهم شأواً بعيداً! و لكن الرحمان الرحيم قدر أن يكون مثلُ هذا "الإعلان" في طور سقوط الحضارة الغربية، و تلاشي وعودها العريضة القديمة و الجديدة شيئاً فشيئاً! فلم يكن لإعلان "التوصُّل" إلى "خريطة جينات الإنسان" ذلك الرنين "التأليهي" للبحث العلمي و الحضارة الغربية!...

أيها الأحبة...

الإنسان البعيد عن مجال هذه الأبحاث "قد" -و بفضل الله تعالى كانت هذه ال"قد" كبيرة جداً في الواقع- يتأثر "إعلامياً" بتُرَّهات السياسيين و الإعلاميين و هم يتحدثون عن هذه "الفتوحات" و ما تُمثله في "رحلة البشرية الغراء" على سفينة الأرض السابحة في الكون!...

لا شيء! إطلاقاً! هذه هي الحقيقة! لا تُمثِّلُ هذه "الفتوحات" لا قفزةً و لا نصراً! هي تُمثِّلُ شيئاً ما يصعبُ قولُه عليَّ الآن دون تمهيد! و لئن كتب الله لنا بقاءاً لبضعة أيام نتواصل فيها، فلسوفُ "ترون الحقيقة كاملةً" إن شاء الله! هي بين أيديكم يا أهل الله! و لكنَّ بعضاً منا يختار "الطريقة الصعبة" في "رؤيتها"، و إنا لله و إنا إليه راجعون! تذكروا هنا أن أطول سورةٍ في كتاب الله هي سورة البقرة؛ تفكروا في قصة البقرة! لها علاقةٌ وثيقة بهذا البحث في مرحلةٍ متقدمة إن شاء الله! مُجرد ملحوظة!...

أَوَتَعلمون أن موضوع الخريطة الجينية الإنسانية كان إعلاناً شكلياً؟ نعم أيها الأحبة، منذ أكثر من خمسة عشر عاماً و المُختبرات تضمُّ بين جنباتِها كثيراً من الجينات "المُفيدة معرفتُها" من جينوم الإنسان (Human Genome)، و الجهود الأخيرة قبيل إعلان إكتمال خريطة هذا الجينوم كانت رتوشاً! مُجرد رتوش! معرفة سلاسل من الجينات "مجهولة" الوظيفة، و تجميع المعلومات "المُحتكرة" من كل مختبر يمتلكها، و إدخالها جميعها في قاعدة بيانات واحدة! و إعلام العالم بذلك على لسان رئيس "الدولة العُظمى"! هذا ما حصل! هذه هي الرتوش "العظيمة"! و هذا هو الإعلان الكبير!...

أنا لا أقلل من شأن "العلم" أيها الإخوة و الأخوات! و لكنني أحاول أن أبين موضعه اللائق المناسب له في الأذهان و الواقع! أو -على الأقل- أن أمهد لذلك!...

أتسمعون عن الإكتشافات الرهيبة في علاج السرطان جينياً؟! هي ترجمة عملية حقيقية لمعرفتنا بالجينوم البشري! و هي فكرة "مُفعلة" منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، و ربما أبكر من ذلك!...

أتعلمون ما هو "مقدار" نجاح مثل هذه الإكتشافات؟! يكاد يكون "لا شيء"!...

دواءٌ واحدٌ فقط أثبتَ نجاعةً ملموسةً تمَّ "تطويره" عبر قنوات علم الجينات، و قبل إعلان الجينوم "المهيب" السابق ذكره! هو ال Imatinib (و اسمه التجاري Gleevic)، المُستخدم في علاج نوعٍ مُحدد من سرطان الدم (AML)، بل في جزءٍ مُحدد من هذا النوع من سرطان الدم! فقط! لا غير!...

هنالك عشرات الأدوية "المُهندسة" بناءاً على علم الجينات -لم أقل مُهندسة وراثياً لسبب تقني- و كلَّفتْ أبحاثُها و صناعتها مئات ملايين، بل مليارات الدولارات، و يوصي بها الأطباء "العباقرة" و وكالة الدواء و الغذاء الأمريكية (FDA)، و هي في واقع الحال ذات فعالية محدودة إلى حدٍّ مثيرٍ للشفقة! بل أحياناً يتم التساؤل: ما جدوى (Cost-effectiveness) إنفاق هذه المليارات على هكذا أدوية؟ و يكون الجواب: الأمل في التوصل إلى فتح جديد في الأفق! إنتظروا! و إلى ذلك الحين، الشعب الذي يزيد معدل الدخل السنوي "للرأس" فيه (Net annual income per capita)، نعم، الرأس! يتعاملون مع البشر كقطعان! يقولون: الشعب الذي يزيد معدل دخله السنوي للرأس عن كذا و كذا، إستخدام هذه الأدوية المُكلفة المحدودة الفعالية في علاج مرضاه قد يكون "مبرراً"! أما الشعب الذي يُحصِّلُ دخلاً سنوياً للرأس أقل من كذا و كذا، فإن إستخدام هذه الأدوية في علاج مرضاه قد يكون غير مبرر! تعليقي الشخصي الإستكمالي: لا يستحقون ذلك!...

رائحة الرأسمالية تزكم الأنوف حتى في علاج المرضى الذين يعيشون المعاناة!...

الدواء الوحيد "المُفيد" -إلى الساعة- و المُسمى Imatinib، أتدرون كم كلَّفت أبحاث تطويره (كلفة الإنتاج)؟ لقد أنفقت عليه الشركة المصنعة ملياراً كاملاً من الدولارات! رئيس الفريق الطبي المُشرف على البحث، قال (سمعتُه بأذني، لم يخبرني أحد!): إن جزءاً كبيرا من هذا المليار أُنفق بلا مبرر (يقصد على حفلات الترويج، و الندوات الترويجية، و المأكل و المشرب و المسكن الفاخر المؤقت "لنجوم" الباحثين...إلخ)! كل ما نجم عن هذا الإنفاق غير الحكيم -يقول "البطل"- هو "رفع" تكلفة العلاج على المريض إلى كبد السماء (حوالي سبعة ألاف دولار أمريكي في الشهر! نعم في الشهر)!...

أقول: هذا في حالة الدواء المُبرَّرِ جداً إستخدامُه لنجاعته! فماذا عن أدوية تفوق تكاليفها تكاليف هذا الدواء الناجع بالكاد بمراحل؟! و نفعُها محدودٌ جداً! بل إن لبعضها ثمناً إضافياً من الآثار الجانبية البشعة يُنسي اللبيب أصل المعاناة، أهو المرض أم العلاج! أهو الداء أم الدواء! و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم...

الموضوع -دائماً- موضوع سلعة! و ندرة (إحتكار)! و ثمن! حتى في "الإتجار" بآمال المرضى و آلامهم!..

على كلِّ حال، سنعود الآن لشوط الغوص الرأسي وراء سلم الإختزالية!...

و قبل أن نغوص! كم أود لو أنكم -أيها الأحبة- تنبَّهتم إلى المستوى الذي تحدثنا "في رحابه" تواً! علم الجينات! لقد كدنا أن نصل إلى الهوة السحيقة! أعلم! سمجة! سامحوني أحبتي! لكنها جيدة!...

و الآن، إلى الغوص، و شيخنا المريض المُعافى بإذن الله...

يتبعُ، إن شاء الله تعالى...


الطائف
أنقل هنا سؤالاً تفضَّل الأخ الكريم سيف الدين عابد بطرحه على الخاص...

و هنا أود أن ألفتَ عنايتكم أنني أرحب بأي تساؤلات أو اعتراضات على صفحة الموضوع، إذ أن التوجه العام للبحثِ صار -نوعاً ما- مفهوماً...

إقتباس
تحياتي أيها الأخ الكريم

أود أن ألفت نظرك إلى سؤال احببت ان يكون على الخاص قبل الخوض في التساؤلات،

http://www.alokab.com/forums/index.php?sho...=50310&st=0

في مشاركتك الموسومة برقم 19
تقول: " و هذه "النظرة العُرفية الأكاديمية الغربيَّةُ" مُخالفةٌ لنظرة الثقافة الإسلامية، و ليست مناقضةً لها مع ذلك، و التي -أي الثقافة الإسلامية- تعتبر أيَّ مَساقٍ فيه الثِّقَلُ المعتبر لناحية "الخبرة" و "المعرفة التراكمية"، و على رأس ذلك و قبله كلِّه معرفةُ "رأي" الخالق العظيم في الوجود عبر الوحي الشريف (وجهة نظر الإسلام إلى الكون و الإنسان و الحياة)، عِلماً حقيقاً بوصف العلم، بل هو العلم ذاتُه..."

والفقرة بعدها مباشرة: " صحيحٌ أنَّ العلمَ و الطريقةَ العلمية صار لهما مدلولان عصريان خاصان (وصفهما العلامة الحجة الشيخ تقي الدين النبهاني في رائعته: التفكير)، تتجلى هويتهما بالقول إنهما خاصان بما يُمكنُ دراستُه و بحثُه في المختبر العلمي. إلا أن من غير المُخلِّ ايضاً سوق الدلالة التاريخية لكلمة "علم" في الثقافة الإسلامية..."

هل ترى- أخي الكريم - معنىً للعلم واحداً في الفقرتين؟ أم أن وجهة الناظر القائمة على الفكر والتفكير والاستدلال كما في مسألة الكون والانسان والحياة تخضع كذلك لمعنى العلم وتوصيفات طرقه البحثية والاستدلالية كما في سائر العلوم من النوع الذي تخضع فيه _وصولا إلى النتائج _ للفرضيات والنظريات والبناء التجريبي؟



السلام عليكم أخي سيف الدين...

و بارك الله فيك...

أخي الحبيب...

أنت تسأل عن "عظيم"!...

لستُ شخصياً بصدد وضع مصطلحات و تعاريف حاسمة قاطعة، خاصة و أننا نتكلم على صفحات تحريرية، و متبنى الحزب -في رأيي- هو الفيصل...

العلم، بمفهومه العصري الحديث، و كما بينه الشيخ تقي الدين عليه رحمة الله، هو -بصياغة من عندي- تلك المجموعة من المعارف التي يُمكنُ إخضاعُها للبحثِ و التجربة و الإستنتاج في المُختبر بصورة مقبولة "خُلُقياً" (من وجهة النظر الغربية)!...

في الثقافة الإسلامية، عندما يقول لك إمام من الأئمة، لعله ابن سيرين: (إن هذا العلم دين، فانظروا عمَّن تأخذون دينكم)، فإنما مقصوده العلم بالشرع و نصوصه و أدلته، فهي علم...

و تُلحقُ بها علوم العقيدة و فروعها؛ كلها علم. و هو العلم المقصود في قول النبي صلى الله عليه و سلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم). صححه السيوطي و الألباني، مع أن كثيرين ضعفوه. الشاهد هو أن العلم الشرعي هو مقصود بالقطع هنا، سواءٌ بُحثَ تعميمه على كل علم نافع من علوم الدنيا أم لم يُبحث...

و عليه، فجوابي هو النفي؛ ليس العلمان المذكوران في الفقرتين شيئاً واحداً...

الأولى تتحدثُ عن مفهوم العلم في الثقافة الغربية و مفهومه في الثقافة الإسلامية...

الثانية تصف مدلول العلم العصري الحديث المرتبط بالمختبر العلمي، بالفصيح: المادي! و هو الذي وصفه الشيخ رحمه الله وصفَ واقع...

أنا أشعر أنك تحسُّ أنني لم أفهم سؤالك كاملاً! أليس كذلك؟!...

لربما أنك أيضاً، في مستوى آخر مما أفهمه، تتساءل عما يُعرف بالمُسلمات و البدهيات العقلية الأولية و علاقة العلم المادي بها!...

ربما...

إن صحَّ ذلك أخي سيف، فأجيبك جواباً بسيطاً: البدهيات العقلية الأولية بالنسبة للتفكير في الكون و الإنسان و الحياة، هي تماماً كالعلوم الحقيقية في عرف الإختزالية (أدنى السلم، أي فيزياء الطاقة العالية و ما حولها) بالنسبة للفنون أو أشباه العلوم (أعلى السلم، الطب و البيطرة و أشباههما)...

هل تتبنى الإختزالية هذه النظرة؟! هذا أسٌّ آخر من أسس البحث الذي أطرحه...

أرجو أن أكون وفقتُ في فهم مُرادك و جوابه...

و أعلمني رجاءاً.

أخوك.
سيف الدّين عابد
السلام عليكم ورحمة الله،

أخي العزيز الطائف،

فإن هذا ما لزم التنويه إليه، وقد فعلت.

بارك الله بك.

عبد الحميد


أكمل أخي الطائف يرحمك الله

علقتنا في الهوة الكونية وهربت

نحن ننتظر بكامل الصبر

الطائف
إقتباس(عبد الحميد @ Apr 22 2010, 10:21 AM) *
أكمل أخي الطائف يرحمك الله

علقتنا في الهوة الكونية وهربت

نحن ننتظر بكامل الصبر


السلام عليكم...

عُذراً أخي الحبيب...

حصلت بعض الظروف، و نكمل إن شاء الله الآن...
الطائف
السلام عليكم...

إخوتي و أخواتي...

المُشاركة التالية أدناه كُتبت على عجل! و لعلَّ فيها كثيراً من "القفزات" التي قد يراها البعض قليلة الترابط...

و أُقحمها هكذا استجابةً لعتب أخي عبدالحميد للإبطاء!...

فمعذرة منكم جميعاً...


نُكمل بعون الله...

إن خط السير في الكلام في هذا البحثِ -كما تُلاحظون أيها الأحبة- "يتردد" في صبغته بين الفلسفة من جهة، و العلم المادي من جهة أخرى...

و هذا "التردد" ذو أصول و شجون، و ملموسٌ أثرُه على عدة أصعدةٍ و في عدة مستويات! و ليس وليدَ صدفةٍ أو إهمال أو خطأ!...

فالإختزالية العلمية "عقيدة"، بل "عقيدة متطرِّفة عمياء"! و هي -في المُحصلة و الإجمال- تُعطي نظرة مُحددةً عن الكون و الإنسان و الحياة! و هذه النظرة -كما لا يخفى عليكم- تتلخص في عدم وجود "ضرورة علمية" تُحتم الإيمان بجهة مدبِّرة لشؤون هذه المحسوسات! لا خالقَ! لا إلهَ! أو -على الأقل، و "احتراماً" لحليفتها "الرؤوم"، الرأسمالية- لا أثر لوجوده من عدمه في واقع هذه المحسوسات!...

فهي -الإختزالية- تنسجمُ مع المبدأ الرأسمالي المهيمن إنسجام تعايش و "احتمال" (قبول الآخر)، لا بل انسجام رضوخٍ و إذعان! فالأولى أداةٌ "طيِّعةٌ" في يد الأخيرة، إذ تسكتُ -تلك الأولى- عن "إنكار" علاقة هذه المحسوسات بما قبلَها (وجود الخالق أو أثره)، و بما بعدها (فكرة الدين و القيامة للحساب)، بشكل علني أو مباشر!...

و لكنها، وعندما كانت "تسنح" لها الفرصةٌ "للتعبير الكامل عن الذات"، و في "غفلة" من حليفتها، نجدها تقول (على لسان سيجموند فرويد، العالم النفسي المعروف، و أحد أهم أسلاف الإختزاليين العلميين من "قريب" زمان): ليس الدين إلا مرضاً عقلياً مستعصياً على العلاج!...

و مع أن "النمط الفكري" للإختزالية العلمية يوازي -في كثير من أساسياته- ذاك النمط الفكري الخاص بالإشتراكية العلمية و المادية في المستويات "العميقة" من المعارف، إلا أن الإختزالية "وُلدت" و "تبلورت" صورتُها الجزيئية (Molecular Reductionism: الإختزالية الجزيئية) و "طفت على السطح" في طور انهيار المُعسكر الإشتراكي و تهاوي بنيانه الفكري بعد تحطم أساسه على "صخرة الواقع"، و الذي -الفكر الإشتراكي أو معسكره- كان ليكون حليفاً، بل عشيقاً تاريخياً، و صنواً سياسياً "تكاملياً" للإختزالية العلمية في عقيدة الإلحاد، فيما لو حصل "تعاصرٌ" كافٍ بينهما!...

و بمناسبة ذكر "التردد" بين الفلسفة و العلم، لعل من الطريف أن نجدَ بعضاً من المراجع العلمية الكبرى دقيقة التخصص تُفتتح بمقدماتٍ فيها من "الفكر الفلسفي" ما يُنسي قارئَها موضوع الكتاب الرئيس و عنوانَه!...

و هذا الضربُ من بناء المقدمات العلمية على الفلسفة أو الأسس الفلسفية آخذٌ في "التلاشي" في الحقيقة، و منذ زمن قريب، إذ أن الإختزاليين، و منذ ما يزيد على الخمسة و عشرين عاماً، "نشروا" مذهبهم في كلِّ الأوساط العلمية الأكاديمية، و أشاعوا فكرةً مفادها إن الإختزالية أجابت كلَّ الأسئلة البشرية القديمة و الحديثة (و كانت ذروة "انتصارهم" -في تصورهم- في تفكيك شيفرة الجينوم البشري، و قبل أن يُعلنَه كلينتون للعالم بزمن غير قليل)، و بالتالي، ليس من حاجة للتوطئة الفلسفية لما بين أيدينا من علوم "بعد الآن"!...

أهم مثال يحضرني -على تلك الكتب العلمية ذات المقدمة الفلسفية- هو كتاب التشريح الموسوعي الضخامة، البريطاني الأصل، (Gray's Anatomy)، نسبةً إلى أستاذ التشريح البريطاني هنري جراي (عاش في أواسط القرن التاسع عشر)، حيثُ أن الطبعات القديمة منه (إلى عام 1996 تقريباً) كانت تُفتتحُ بمقدمة فلسفية، تتطرقُ إلى أصل الحياة، و كيفية نشوئها "التطوري"، و نظرة الفكر إلى هذه "القضية" و متعلقاتها، إلخ! أما آخر (أحدث) طبعاته، فليس فيها تلك الإشارات! البحثُ العلمي الدقيق بات -في ثقافتهم و فهمهم السقيم- يُفضي إلى تلك "الإستنتاجات الفلسفية" دون الحاجة إلى تمهيدٍ و تحضيرٍ نَشِطَيْنِ للدارس! تعست سخافتُهم! و شرُّ البلية ما يُضحك!...

فبالإنطلاق من هذا المستوى العميق من العلم -كما يقولون-، "يفهم" الإنسان -من وجهة نظرهم- الكون و الوجود فهماً "واضحاً" جداً، "رائعاً" جداً، بل إن هذا "الفهم" أفضى بالبشر إلى إلقاء ضوء كاشف على "أصل" الكون! أي الإنفجار الكبير (The Big Bang)! و أصل الحياة! أي التطور الدارويني!...

أجل! كان كتاب التشريح المرجعي -هذا- يبدأ بالحديث عن الإنفجار العظيم! و الأحداث تحت-النووية المصاحبة له، من إنشطارات و اندماجات و إطلاقات للطاقة، إلخ!...

و على ذكر "مستوى الفهم العميق للإختزالية"؛ المُدهش حقيقةً -إخوتي و أخواتي- أن الشيخ تقي الدين النبهاني -رحمه الله تعالى و أحسن مثواه- أشار إلى هذا المستوى من الفهم للمادة في "حالة" الطاقة (و تحولُ المادة إلى طاقة بشكل مباشر يُدعى "إفناءاً" (Annihilation)، و هو -هذا التحول المباشر- عجيبةٌ من عجائب الكون، و مُكتشفُ هذه الظاهرة هو ألبرت أينشتاين نفسه؛ و أعجبُ منه -من هذا التحول- تخلُّقُ المادة من الطاقة، أي تحول الطاقة إلى مادة، في ظاهرتين أغرب من "الخيال"، تُسمَّى إحداهما الإنتاجَ المزدوجَ (Pair production) و الأخرى الإنتاجَ الثُّلاثيَّ (Triple production)، و سبحان ملك الملوك عزَّ و جلَّ) في كتاباته الفكرية في منتصف القرن العشرين! و لكنَّ بوناً هائلاً شاسعاً، لا تجسره السنون و لا القرون، يفصل فهم هذا الفذِّ المُستنير، القائم على أساس العقيدة الإسلامية الربانية، عن أفهام أولائك "الرَّعاع الهمجيين"، أصحاب ربطات العنق، و أزرار الأكمام الأنيقة، في القارتين الأوروبية و الأمريكية الشمالية!...

أيها الأحبة...

مرةً أخرى، أجدُ لزاماً عليَّ أن أصف أسس المنهج الإختزالي في بحث سلوك المكون الكوني، و هو -في واقع الأمر- عينُه المنهج العلمي المادي الحديث، القائمُ على الوصف الدقيق لسلوك المكون الكوني في المُستوى المُركب الذي يلمسُه المُراقب (عبر الملاحظة)، الإنسان، و البحث عن "أصل" -أي "تفسير"- هذا السلوك في "أجزاء" ذاك المكوِّن الكوني، تماماً كما فعلنا مع مشكلة المكابح المُعطلة و مشكلة الشيخ المريض...

"الجديد" هنا -إن وجد؛ و إلا، فهو في الواقع تكرار- هو أن الإختزالية، و مثلها المادية و الشيوعية، "تعضُّ بالنواجذ" على هذه الفرضية (حتمية وجود "التفسير الكامل و الكاشف" في الجهة الدنيا من التركيب، و ليس العليا بحال) -و ربما لا يكون في ذلك من "بأس" أحياناً، و من بعض زوايا النظر السليم- بحيث أنها في كلِّ مستوى تفككه و "تُفسِّرُ" سلوك المكون الكوني فيه، تجهدُ و تجتهدُ في تفكيك المُفكك إلى أجزاء أصغر، و تدرسُ سلوكَ هذه الأجزاء، و بعدَ أن "تفهمَ" سلوك المُستوى السابق في التركيب، تعود لتفكك المكون الصغير الحالي (المفكك عن سابقه) إلى أجزائه الأصغر، و هكذا دواليك...

لكن، مهلاً!...

من أين جاءت فكرة المكون الكوني "الأصغر" أصلاً؟!...

الأصول الفلسفية القديمة للمكون الكوني الأصغر (أي الأصغر من المكون المحسوس مباشرة) و وجوده، و هي مُسجلة -كالعادة- فلسفةً يونانيةً قديمةً، بدأت بتساؤلات بسيطة، ربما كانت تخطر ببال كلٍّ منا في مرحلة ما من الطفولة! بل إن المراجع التاريخية تؤكد "التفات" قدماء المصريين إلى هكذا تساؤلات أيضاً، و قبل اليونانيين أنفسهم!...

نحن -مثلاً- نشاهد مكعبات السُّكَّر، و نرى حبيبات السكر التي يتفتت إليها المكعب إن سُحق، و قد ينظر أحدنا إلى أصغر حُبيبة يراها، و ربما عبر عدسة مُكبِّرة، و يتساءل: ماذا لو استمررنا في شطر الحبيبة مرة بعد أخرى؟ إلى أي حدٍّ يُمكن أن نصل؟ أين يذهبُ السكر عندما نضيفُه إلى الشاي؟ و ما معنى ذوبانه؟ و هل نفس الشيء (مؤدى الشطر المستمر) ينطبق على حبيبات الملح؟ و مسحوق البُنِّ (القهوة)؟ و نشارة الخشب؟ و برادة الحديد؟ و التراب؟...

هذا بالنسبة "لأفق" النظرة التفكيكية إلى أجزاء أصغر ثمَّ أصغر! ليس لها من "حدود" في فرضية الإختزال الأساسية! سوف يظل الإختزاليون يحاولون تفكيك المُفكك ما استطاعوا إلى ذلك من سبيل! "إسمهم" هو الإختزال! و هم قد وصلوا فعلاً -نوعاً ما- إلى "حدٍّ" بعيد جداً في تفكيك المكوِّنِ الكوني (المادة)، أو -الأحرى بالقول- إلى "حدٍّ" بعيدٍ جداً في فهم تركيب المكون الكوني! و هو جوهر مبحث فيزياء الطاقة العالية، أعمق العلوم المادية على الإطلاق إلى تاريخ تحرير هذه السطور!...

و إليكم طُرفةً بسيطةً -مُعترضة- للإستراحة: تكاد المراجع التاريخية تُجمع على أن "الباعث الحقيقي" وراء جهود الباحثين عن "المكون الكوني الأصغر" كان، و في كثير من المراحل، هو الرغبةَ العارمةَ، أو -بالفصيحة- الطمعَ في التوصُّل إلى صيغة عمليةٍ لتحويل المواد الرخيصة (كالرصاص مثلاً) إلى موادَّ ثمينةٍ، الذهبِ خُصوصاً! بل إن هذا "الطمع" كان هو "المحركَ" الأساسَ لكل الأبحاث الكيميائية على مرِّ العصور! إنتهت الطرفة!...

لعلَّ أحداً يعترض على هذه الصياغة لفرضية الإختزال "اللامحدود"! فالإنسان السوي عقلاً، حتى و لو كان مُنحرف المنهجية و المذهب، سوف يُلاحق المكوِّنَ الكونيَّ -إن حتم عليه مذهبه هذه الملاحقة- بالتفكيك إلى أن "يجد جوابَه المروم" في "تفسير" الأحداث، و يتوقَّفُ للتأمُّل و المُراجعة، قبل أن ينكبَّ من جديد على تفكيك المُفكك! الإختزاليون شواذُّ في هذا الباب، و عصبيتهم الجاهلية أشد ظلمةً و ظلاماً من جاهلية أجلاف الأعراب الذين ناصبوا النبي محمداً -صلى الله عليه و سلم- العِداءَ في بطن الصحراء! لا تغرنَّكم -و حاشاكم أن تَغُرَّ مثلَكم- القمصانُ البيضاء الناصعة و البزاتُ السوداء الفخمة!...

و لنعرف "ماهية" التفكيك بشكل أوضح، لنستذكر مثال السيارة ذات المكابح المُعطلة...

لقد قمنا بتفكيك مضخة المكابح عن باقي اجزاء السيارة، ثمَّ قمنا بتفكيك المضخة إلى أجزائها: الإسطوانة المصقولة البطانة (و التي أصيبت بالجرب!)، و الذراع المنزلق في جوفها، و الجلدة اللينة على رأس الذراع و جوانبه، إلخ...

المُستوى الأعمق الذي تنزل إليه الإختزالية -بحثاً عن "السبب"- هو مستوى "تشكل النخر في بطانة الإسطوانة"، و هذا المُستوى تتداخل فيه الأمور، و لكن الملمح الأهم سيكون المعادلات الكيميائية التي تصف التفاعلات الحاصلة بين "الماء" و "الهواء" و "المعدن" في تكوين ما يُعرف بالصدأ! و مع أننا سنسير وراء هذه "التفاعلات الكيميائية"، إلا أن من الجدير ذكره أن "الثغرة" في البطانة، و التي -في الأصل- أدت إلى الإتصال "التخريبي" بين أطراف التفاعل، هي -في نظر الإختزالية- "السبب" الأعمق في ظهور الصدأ...

لقد أوصلَنا مثالُ السيارةِ المُعطلةِ هذا إلى "مُستوى الكيمياء" في قفزة نوعية سلسة، لم تكن لتتوفر لنا -قطُّ- في قصة الشيخ المريض بهذا اليسر!...

أما هذه التفاعلات الكيميائية "المؤدية" إلى ظهور الصدأ، و تنخُّرِ بطانةِ الإسطوانة، فلها قصة تُطلبُ في رحاب (مستوى) علم الكيمياء...

و الكيمياء هي ذلك العلم المادي الذي يُعنى ببحثِ خصائص المواد و تركيبها و تغيُّرها (من حال إلى حال) و تفاعلها بعضها مع البعض الآخر (هذا هو التعريف "السطحي" المعروف! و هو صحيحٌ في مستوى معين فقط، أبينه في حينه)...

فهي تصفُ "طريقة تخاطب" المواد و تفاعلاتها فيما بينها من حيثُ هي موادُّ معينة مُحددة! ما المقصود؟!...

الكيمياء تصف تفاعل مادة ذات هوية مُحددة مع نفسها أو مع غيرها من المواد ذات الهوية المُحددة أيضاً!...

ببساطة شديدة، و في مثالنا "الرفيق" في المكابح المُعطلة الذي أوصلتنا الإختزالية فيه إلى "الصدأ"، لن تصف الكيمياء تفاعل الهواء مع الماء و المعدن هكذا و بكل "تهوُّر"! و إنما، ستدرسُ الكيمياء طبيعة الهواء، و "مكوِّناته" المُختزلة! و نفس الكلام ينطبق على الماء و على المعدن!...

فالهواء ليس "شيئاً" واحداً مُجرَّداً، و إنما هو عبارةٌ عن خليطٍ من المواد المُختلفة (المُكونات الكونية الأصغر)، المتواجدة بتراكيزَ و كثافاتٍ متباينةٍ، منها الغازات (كالأوكسجين، و النيتروجين، و ثاني أوكسيد الكربون، و الأوزون، و بخار الماء، و غيرها العشرات، بل المئات)، و منها المواد الصلبة على شكل غبار مُعلَّقٍ (غبار رملية من السيليكون؛ حبوب لقاح النباتات؛ الكائنات الدقيقة من فطريات و بكتيريا و فيروسات و بريونات؛ طفيليات حشرية مجهرية سابحة في الجوِّ، و غيرها المئات)!...

و نفس الشيء ينطبق على الماء! الماء ليس "شيئاً" واحداً مُجرَّداً، و إنما هو -أيضاً- عبارة عن خليط من المواد المُختلفة، المتواجدة بتراكيز و كثافات متباينة، أَهمُّها سائل الماء المُقطَّر (H2O)، و ما يذوب فيه من غازات (أوكسجين؛ نيتروجين؛ ثاني أوكسيد الكربون؛ أوزون؛ و غيرها الكثير الكثير) و أملاح (كملح الطعام و مئات الأملاح الأخرى، ذات الطبائع الحمضية المُتفاوتة)، و ما هو مُعلَّقٌ (يسبح) فيه (من مواد غير ذوابة، أو صلبة، كالكائنات و الطفيليات الدقيقة جداً، إلخ)...

و نفس الكلام -كذلك- ينطبق على المعدن، إذ هو خليط من المواد الصلبة المعدنية و غير المعدنية؛ و المعدنية منها فيها تنوعٌ و اختلاف وفق العملية التحضيرية في أفران الإستخلاص، فقد يكون المعدن صافياً جداً (كالذهب، و نقاوته تختلف أيضاً)، و قد يكون سبيكةً تشترك في إعطاء قوامها معادنُ (تسميها الكيمياء فِلِزَّاتٍ) مُختلفة (كخليط النحاس و الحديد، أو الحديد و القصدير، أو الرصاص و الألمنيوم) و فقَ ما يحتاجه -و يقدر عليه- المُصنِّع! فمثلاً، بعض الخلطات تُعطي سبائك متينة جداً جداً، لكنها ثقيلة جداً، و بعضها الآخر قد يكون متيناً و خفيفاً، و لكنهُ سريع العطب أو باهظ التكلفة (نادر الوجود نسبياً)، و منها ما هو متين و ثقيل و باهظ الثمن، لكنه بطيء العطب!...

و في مثالنا، قد تكون السبيكة المُشكِّلةُ لقوام الإسطوانة (اللب) متينةً مقبولةَ الوزن والثمن، و لكنها سريعة العطب إن تعرضت للماء و الهواء (أو بعض مكوناتهما إن أردنا الدقة)، و لذلك، يتمُّ "تلبيسها أو تغليفها" بطبقةٍ من سبيكةٍ مُقاومةٍ للعطب (خاملة، عصية على التفاعل مع أطراف تشكيل الصدأ)، لكنها غالية الثمن!...

و لذلك، ما أن يحدثَ فيها خدشٌ ما "لسببٍ" ما -أعني في الطبقة المُغلِّفة-، حتى تنكشفَ السبيكة المُخبَّأة تحتها، و تبدأ سلسلة الأحداث الكيميائية المُفضية إلى ظهور الصدأ الهشِّ، و الذي ينهار بالإحتكاك، لتظهر التنخُّرات في بطانة الإسطوانة (و التي سماها المعلم محمود جرباً)!...

و عبر هذه النُّخيراتِ الصغيرة، تتفاقم المشكلة أكثر، لسهولة تسرب الماء و الهواء تحت السبيكة المبطِّنة القوية كيميائياً و لكنها الآن مُختَرَقة، إلى السبيكة القوية هيكلياً الضعيفة كيميائياً، ليتفشى فيها الصدأ أكثر و أكثر! و يسبب تمزق الجلدة المرَّارة عليه، و بالتالي إلى إيجاد ثغرة في النظام الهيدروليكي المُغلق، تُسبب انهيارَ الضغط فيه، و فشلَه في عملية كبحِ السيارة بالسلاسة المعهودة!...

و مُلاحظةٌ لطيفة: لماذا سَمَّى المُعلمُ محمودٌ ذلك التنخرَ جرباً؟ و أجيب: لأن خبرته و زُملائِه تقول إن هذه المُشكلة لا تُشفى، بل تتفاقم و تمتد على مدى سطح الإسطوانة! فبمجرد أن رأى محمود تلك التنخرات، جاء بِوَرَقِ بَرْدٍ (تقشيرٍ خَشِنٍ)، و راح يُحاول أن يُسوِّيَ سطحَها! فقلتُ له: ماذا تفعل؟ قال: سأحفُّ الجرب (التنخرات) و أستبدلُ مكان الذراع و جلدتِه الممزقة آخرَ سليماً (لكنه مستعمل) لعلَّ المضخة تخدمك فترةً ما (المسكين يُريد أن يوفِّر عليَّ بعض المال، فثمن المضخة كاملةً و جديدةً يُكلفُ ثلاثة أضعاف ما يكلفه إقتراحه "الساذج")!...

هو بالطبع، و لأمانته، يريد أن يخدمني باجتهاده، و لكنه اجتهادٌ خاطئٌ جداً، لغياب الناحية "العلمية" عنده، فبمجرَّد فَقْدِ السبيكة الحامية (المبطِّنة) لسلامتها، لن يوقفَ شيءٌ التفاعلَ الكيميائيَّ بين الهواء و الماء و المعدن في السبيكة اللُّبِّيَّةِ المُنكشفة عبر "الثغر" مهما كان دقيقاً، و تَشَكُّلَ مزيدٍ و مزيدٍ من الصدأ! و واقع الحال، أنني كنتُ من رفض ذلك الحل الترقيعي من جانب محمود، و ذهبتُ إلى مخزن قطع الغيار و ابتعتُ منه مضخةً جديدة!...

و "فكرة الطبقة المُبطِّنة" هذه خطيرة أحياناً إن لم "تُفهم"، فالمعدن في علب الأطعمة المُعلبة -مثلاً- يكون معزولاً عن المادة الغذائية ببطانة معدنية خاملة (مُقاومة، و قليلة، أو بطيئة التفاعل). الآن، إن وجدنا علبةً من هذه العلب و قد حدثت فيها "أية ضربة" (إنبعاج أو انخساف أو كبس) فإنها تكون فاسدة! حتى و لو كانت "صالحةً للإستعمال" من ناحية تاريخ الإنتاج و الصلاحية، و ذلك أن هذه الضربة تكون قد أدت إلى "فتح ثغرة" في البطانة الخاملة، و سمحت للتفاعل "السام" أن يحصل بين محتوياتها من جهة، و بين المعدن المكشوف من جهة أخرى. و في نفس السياق، يُمنعُ فتح العلبة و الإحتفاظ "ببعض" المادة الغذائية فيها! لنفس السبب! فتح العلبة يتضمَّن "كسراً" للحائل بين الغذاء و المعدن "النشط" تفاعلياً!...

"الوعي الإختزالي" هنا يُرينا جانباً جمالياً! لو سرتُ مع محمودٍ في تبديل الذراع و جلدته و الإكتفاء بحفِّ التنخرات في بطانة الإسطوانة (الحف في ذاته هو تدميرٌ حقيقي "استباقي" -بغير قصد- لما تبقى من طبقة السبيكة الحامية! الحلول الترقيعية كثيراً ما تكون خدمةً "للأعداء" بنيةٍ طيبةٍ ساذجة!) لكنتُ دفعتُ ثمن قطع الغيار التي لن تخدم أكثر من بضعة أسابيع أو أشهر في أحسن الأحوال، و بدرجة كبيرة من عدم الكفاءة الميكانيكية، ثمَّ اضطررتُ -تارة أخرى- للقدوم إلى الورشة و دفع مزيد من النقود أتعاباً و ثمنَ قطعة غيار جديدة "لا بدَّ" منها!...

و جانبٌ جمالي آخر تُريناه الإختزالية، هو القدرة على التشخيص، و القدرة على وضع العلاج، بل و الوقاية، فهندسة تصنيع السيارات، فيها من "الفن" في التصميم و اختيار المواد بعناية فائقة ما فيها، بل إن أعمار قطع الغيار (الزمنية أو "التكرارية") أصبحت تُحسبُ، لا بل "تُصمم" وفق "الطلب"! مع أن في هذا الكلام شيئاً من "الظلم" الخفي لمُهندسي تصنيع السيارات!...

و ملمح "الظلم" هذا منشؤه قانونٌ حاكمٌ يحكمُ الكون! يحكمه بقبضةٍ ماسيةِ القسوة، فولاذيةِ المتانة! لا يتخلَّفُ إطلاقاً! لا يُمكن خرقُه، و لا "التحايل" عليه! تذكَّروا هذه الأوصاف، و عمقوها في أنفسكم، فهي تصفُ القانون الكوني الذي "اكتشفته" الإختزالية، و هو -في الوقت نفسه- يفضحُها و يُظهر عوارها الإلحادي في أبشع صور الغباء! و سوف نتطرَّقُ إليه في موضعٍ وشيك! و لكي أقلل من "التوتر"، أُسمي مجموعة القوانين التي ينتمي إليها القانون "الفاضح": إنها قوانين حركيات الحرارة (الديناميكية الحرارية: Thermodynamics)! و لنا إليها عودة! و أية عودة! إن شاء المولى سبحانه...

و هذه الإشارة إلى قوانين الحركيات الحرارية عبر "بوابة صيانة السيارات" كانت مجرَّد "مُصادفة" غريبة و عجيبة و غير محسوبة و لا مقصودة! أسأل الله تعالى أن تكون موفقةً بتوفيقه...

و متابعةً للإختزالية في قصة السيارة، و متابعةً لها في دراسة التفاعل "المُنتج" للصدأ، نتوقَّفُ عند طبيعة الهواء و الماء و المعدن (أطراف التفاعل) التي مهدنا لها سابقاً...

قلنا إن الهواء خليط من المواد، و البحثُ العلمي في مخابر الكيميائيين أفضى إلى تحديد هوية المادة الفاعلة من هذا الخليط في تفاعلات إحداث الصدأ، و هو -كما تعلمون- الأوكسجين...

و من "خليط" الماء، حُددت هوية المادة الفاعلة في هذه التفاعلات بأنها هي الماء النقي عينه (H2O)، و بالمُناسبة، يكفي بخار الماء المحمول في خليط الهواء للعب دور الفاعلية في إحداث الصدأ (بشرط أن يتكثَّف سائلاً على سطح المعدن). و كما تُلاحظون، بمعرفة "اللاعبين الأساسيين" من المكونات الكونية، تصير الأمور أوضح و أجلى شيئاً فشيئاً!...

و من خليط المعادن (الفلزات)، حُددت هوية الحديد كلاعبٍ أساسيٍّ في هذا النوع الهام جداً من التفاعلات الكيميائية (و هي تُسمى كمجموعة بتفاعلات الأكسدة و الإختزال! مرة أخرى)!...

و كما بدأنا بتعريف الكيمياء و بينَّا أنها تُعنى بوصف "طريقة التخاطب" -أي التفاعل- بين مواد محددة الهوية، فها نحن ذا قد حددنا هوية المواد "المتخاطبة" في عملية حدوث الصدأ: الأوكسجين (O2)، و الماء النقي (H2O)، و الحديد (Fe)...

و الصدأ الناتج هو عبارة عن الحديد المؤكسد و الرطب (Fe2O3.xH2O)، و هذه الصياغة لها أشكال أخرى، أهمها (Fe(OH)2)، لكن الصياغة الأولى هي المثلى...

على كل حال، لدينا حديد (Fe) و أوكسجين (O2) و ماء نقي (H2O)، و نتج عن تفاعلها صدأ الحديد (Fe2O3.xH2O)...

"القوانين" الحاكمة لهذه التفاعلات و توصيفها، و في مستوى المادة المحددة الهوية بالطريقة التي أسلفنا باختصار، هما لبُّ البحثِ الكيميائي و جوهره...

و إن تعمَّقنا أكثر وراءالإختزالية، فلن نكتفي -إطلاقاً- بوصف هذه "القوانين" كما هي! و لا بوصف التفاعل كما هو! بل سنغوص بحثاً عن أصول هذه القوانين و السلوكات! فسلوك الحديد و الماء و الأوكسجين في مستوى الكيمياء، و الذي فسَّرَ لنا عملية تخلُّقِ الصدأ الهش (Fe2O3.xH2O)، و حدوث التنخُّر في بطانة إسطوانة المضخة الخاصة بالمكابح، هذا السلوك في حدِّ ذاتِه سلوكٌ يُمكنُ اعتبارُه مُركَّباً، و بالتالي ستروح الإختزالية تُفكك المكون الكوني في هذا المستوى (الحديد و الأوكسجين و الماء النقي و الصدأ) إلى مكونٍ كوني أصغر، و ستفترضُ ايضاً أن سلوك هذا المكون الأصغر، سيُلقي لنا الضوء الكاشف و "المُفسِّر" على سلوك هذه المواد في المستوى الكيميائي...

و التعرُفُ على المكون الكوني الأصغر في هذه المستويات يستلزم معرفةَ التركيب الذري العام، و هو تركيب يمكن تبسيطه إلى حد بعيد جداً، بعكس ما قد يُشاع عنه أو يُتوهم فيه (في الحقيقة هو شديد التعقيد)!...


الطائف
إقتباس(عبد الحميد @ Apr 22 2010, 10:21 AM) *
أكمل أخي الطائف يرحمك الله

علقتنا في الهوة الكونية وهربت

نحن ننتظر بكامل الصبر


مُلاحظة أُخرى أخي عبدالحميد...

ليسَ أحدٌ منا مُعلَّقاً في الهوة الكونية!...

الإختزاليون هم "المُعلقون" فيها هم و من يتبعهم! و إصرارهم على "تجاهلها" سوف يُرديهم عبرها إلى نار جهنم، نعوذ بالله منها!...

الطائف
السلام عليكم...

ملاحظة هامة: الرجاء التعليق على "مدى وضوح" المعلومات التي أفصل فيها، لكي أضبط حجم العدسة بشكل ملائم! لربما يكون التفصيل على أحد نقيضين! أتمنى أن تُساعدوني في هذه النقطة...

و نكمل...

و الذرة عبارة عن علبة مركزية (النواة) تحيط بها أغلفة مُحيطة متتالية طباقاً بعضها فوق بعض (الإلكترونات السابحة في مداراتها على شكل غيوم) يفصل بينها مسافات...

و كتشبيه آخر، نواة الذرة كالشمس، و الإلكترونات السابحة حولها هي كواكب المجموعة الشمسية (عطارد و الزهرة و الأرض و المريخ، إلخ)، و لتمام التشبيه، تخيلوا الكوكب "يتفتت" و يتوزع على شكل غيمة غبارية في كل مداره حول الشمس، بل و على كل السطح الكروي لمداره حولها...

و الإلكترون هو جُسيمٌ ماديٌّ ذو شحنة كهربائية سلبية صغيرة (1.6× 10-19 كولومب لمن يهمه الأمر)، و له كُتلةٌ مُتناهيةٌ في الصغر (9.1 × 10-31 كغم) لكنها "حقيقية"، إذ لو قسمنا الكيلوغرام الواحد إلى عشرة ملايين تريليون تريليون جزءٍ، لكانت كتلة الإلكترون تسعةَ أجزاءٍ و عُشْرَ الجزءِ منها فقط!...

أما العلبة المركزية (النواة) في الذرة، فهي حيزٌ "مُخيف" توجد فيه جسيمات أكبر كتلةً من الإلكترونات الدوارة -سابقة الذكر- بمقدار ثمانية آلاف مرة تقريباً، و هي على نوعين؛ أساسية الوجود موجبة الشحنة (البروتونات)،و أخرى غير مشحونة (النيوترونات)...

عدد البروتونات (الموجبة) في نواة الذرة هو الذي يحدد هوية المادة (أو العنصر تحديداً في هذا المستوى)...

و في الوضع "الإعتيادي"، تكون الذرة -عموماً- مُتعادلة الشحنة، حيثُ يتساوى فيها عدد الإلكترونات السالبة و عدد البروتونات الموجبة، مع ملاحظة تساوي شحنة كل منهما، على الرغم من التباين الكبير -المُشار إليه أعلاه- بينهما في الكتلة...

و لهذه الجسيمات الذرية طريقةٌ مُحددةٌ تترتب وفقها في مستوياتِ طاقةٍ و أفلاكٍ فرعيةٍ خارجيةٍ للإلكترونات، و مثلها -أيضاً- للبروتونات و النيوترونات داخل النواة، و هو كلام قد يستغربه بعض المطلعين على تفاصيل الموضوع المبدئية! نعم، الفيزياء النووية تُعرِّفُ مستوياتٍ متباينةً للطاقةِ تتوزعُ فيها البروتونات و النيوترونات النووية، تُشبه -إلى حدٍ ما طبعاً- تلك الخاصة بالإلكترونات السابحة في "سماء" الذرة. و أرجو أن تركزوا قليلاً على كلمة "سماء" الذرة! لماذا؟...

جواب ذلك هو كون معظم حجم الذرة "فراغاً" بينياً "شاسعاً" جداً -نسبياً- يفصل مستويات الإلكتروناتِ المترتِّبةِ طِباقاً بعضُها فوق بعض، و يفصلها -هذا "الفراغ"- عن النواة المركزية كذلك! و لماذا وضعتُ كلمة ("الفراغ") هكذا؟...

أجل! هنالك مغزى من وضعها بين إشارتي إقتباس! و مع أن الوقت قد يكون غير مُلائمٍ لذكرها، فإن الحقيقة المُدهشة -أيها الأحبة-، و لعل البعض سبق له و اطلع على بعض عناوينها، هي في كون هذه "الفراغات" لا تُمثِّلُ فراغا حقيقياً! بل هي عبارة عن مادة مُتدنية الكثافة إلى حدٍّ بعيدٍ جداً، و تُسمَّى "المادةَ المُعتِمةَ"، و هي مادةُ "الفضاء" (و ما هو بفضاء) الخارجي -كذلك- الذي يفصل بين الأجرام في المجرات! بل و الأغرب من ذلك، هو أن هذه المادة المعتمة (أو السوداء) تشكل جزءاً ضخماً من كتلة الكون! و الأشدُّ عجباً، هو وجود ضربٍ من "الطاقة السوداء المعتمة" أيضاً! يُقدر علماء فيزياء الطاقة العالية و الفيزياء الكونية أن الطاقة السوداء و المادة السوداء تُشكِّلان معاً أكثر من تسعين بالمئة من كتلة الكون المحسوس!...

أظنُّ أننا بهذه التلميحات طرقنا أبواباً تقتربُ من حافة المعرفة البشرية المادية! أبواباً لربما تُثير لدى البعض شكوكاً و تساؤلات! ما الذي أدراهم -مثلاً- بوجود الإلكترون بكتلته التافهة هذه؟ و هل رأوه أصلاً؟ و ما الذي أدراهم بأن معظم حجم الذرة "فراغ" أو "مادة سوداء معتمة"؟ هل رأوها؟ و جواب هذه الأسئلة و غيرها، و إقامة الدليل "العلمي" على صحتها، و التمهيد لذلك و ترويضه، هو لبُّ مباحث الفيزياء النووية و تحت-النووية!...

فهذه الجُسيمات تحت-الذرية و تحت-النووية (و التي ذكرنا منها ثلاثةً فقط؛ الإلكترون و البروتون و النيوترون، مع أن المعروف منها أكثر بكثير؛ كالبوزترون و الميزون و الباي إلخ!) لها "مُكوناتٌ" أدق و أصغر! اللبتونات (Leptons) و الكواركات (Quarks)!...

و لنربط هذه "المعلومات" بالأخبار العالمية، تذكرون الإعلان عن تجربة فريدة في سويسرا، قبل بضعة أسابيع، لإجراء محاكاة مصغرة للإنفجار الكوني الكبير (The Big Bang)، بوساطة تسريع بعضٍ من الجُسيمات المذكورة أعلاه إلى سُرعات عالية جداً تقتربُ من -و لا تصل بحال إلى- سرعة الضوء، و من اتجاهين "مُتقابلين" تماماً (شُبِّهت دقة "التوجيه" تلك بالدقة المطلوبة لإطلاق رصاصتين من على ساحلي المُحيط الأطلسي، لتلتقيا رأساً برأس فوق وسط المحيط تماماً!)، في مسارِعات ضخمة (طولها عدة كيلومترات)، و توجيهها للإصطدام بعضها ببعضها الآخر!...

هذا "النوع" من التجارب له صُورٌ مُصغرةٌ تُجرى في معامل الفيزياء النووية مما يقارب ثلاثة أرباع القرن! و لتشبيهه، تخيلوا أننا نُريد دراسة صخرة صماء شديدة القساوة! سوف نقوم "بتكسيرها" لنُفصِّلَ في "تركيبها"، و تكسيرها قد يكون بقذفها أرضاً لتتحطم، أو "بقصفها" بأجسام صلبة أخرى! هكذا تماماً يدرس علماء الفيزياء تحت-النووية تركيب الجسيمات الذرية! يقصفونها بعضها ببعض، فتتحطم إلى أجزاءٍ أصغر، و يرصدون هذه الأجزاء، و يُعطونها أسماءاً، و "يقيسون" كتلتها، و شُحنتها (نوعاً و كماً)، و يصفون تصرفاتها تحت ظروفٍ مُختلفة، و هكذا!...

و على ذكر "القصف" و المُسارعات، لربما يُستساغُ نقل بعض المُلاحظات اللطيفة...

كما هو معلوم، أقطاب المغناطيس المتماثلة تتنافر (و المختلفة تتجاذب)، و مُحاولة "الجمع" بين بروتونين (كلاهما موجب الشحنة طبعاً)، يُشبه "الجمع" بين طرفي مغناطيسين متماثلي القطب، و الطاقة التي نحتاجها للتقريب بين بروتونين لدرجة تكفي "لجمعهما" معاً هي من جنس الطاقة التي أحرقت هيروشيما و ناغازاكي عن بكرة أبيهما! الطاقة النووية! و ذلك ما استدعى استخدام مسارعات ضخمة لتسريع الجسيمات بصورة كافية لتقترب بعضها من بعض، ليحدثَ تصادمٌ عميقٌ بينها، ثمَ انفجارٌ مُصغَّرٌ يحاكي الإنفجار الكوني الكبير!...

و لعلكم سمعتم يوماً عن كون القنبلة الإنشطارية (التي ضربت هيروشيما و ناغازاكي) هي -في الواقع- مُجردَ "عودِ ثقابٍ" لإطلاق فتيل ما يُسمى بالقنبلة الإندماجية أو الهيدروجينية! و ذلك لنفس "السبب" المذكور أعلاه! لتندمج ذرات الهيدروجين معاً (و نواة الهيدروجين هي بروتون بالمناسبة) مشكِّلةً ذرات الهيليوم، و مُطلقةً -في هذا التفاعل- طاقةً "تدميريةً" هائلة تكفي لنسف جزيرة كاملة من عدة كيلومترات مربعة من اليابسة من على وجه الأرض (أو المُحيط)، نقول: لتندمج هذه الذرات المتماثلة الشحنات، نحتاج إلى طاقة قنبلة إنشطارية "لتدفع" هذه الذرات بالقرب بعضها من بعض!...

هذا التفاعل الإندماجي هو ذاته ما "يحصل" في جرم الشمس! في الثانية الواحدة تتحول بلايين البلايين من أطنان الهيدروجين إلى هيليوم في تفاعلٍ إندماجي مُذهل، تُطلَقُ خلالَه طاقةٌ نووية مُذهلة، تُعطي الشمس "مظهرها" المُلهب، و تَمدُّ أرضنا بالطاقة الشمسية، أصل كل الطاقات على الكوكب! حتى النفط! حتى الغذاء!...

أتعلمون أيها الأحبة؟ فهم "الإنسان" لسلوك المكوِّن الكوني في المستوى تحت-النووي مهيبٌ جداً! و هو تعميقٌ لفهمنا لسلوكه في المستويات الأعلى! ففي مستوى الكيمياء، و الذي تركنا فيه –آنفاً- الماء النقي و الحديد و الأوكسجين تتفاعل لتنتج الصدأ (الحديد المؤكسد الرطب)، كان يكفينا معرفة كيفية توزُّع الإلكترونات في أفلاك ذرات تلك المواد "لنفهم" سلوكها في تشكيل الصدأ. و لكن "حبَّ المعرفة" –إن كان أحدٌ يُصدِّق- دفع "العُلماء الأفذاذ" للبحث في تفسير سلوك هذه الإلكترونات الخارجية! و ذلك أفضى -بطبيعة الحال- إلى "تشريح" التركيب الذري، و معه النووي، إلى مُكوناتها الكونية الأصغر منها!...


يتبع، بإذن الله و حوله...
ابو القعقاع الحلبي
هذه القفزات مترابطة أكثر لأنها أكثر اختزالية في البحث.

wink.gif
مشكور بارك الله فيك.
الطائف
إقتباس(ابو القعقاع الحلبي @ Apr 24 2010, 11:36 AM) *
هذه القفزات مترابطة أكثر لأنها أكثر اختزالية في البحث.

wink.gif
مشكور بارك الله فيك.


بارك الله فيك أخي الحبيب...

و شكر الله لك إستجابتك لطلبي...
الطائف
السلام عليكم...

مشاركتي اليوم قصيرة و غريبة و لعلها مثيرة للجدل! و لكن، و لحين تحضير مادة "أساسية" أخرى، أجدها "لطيفة"! فتحملوني، بارك الله في أعماركم...



نكمل من حيثُ توقفنا...

أجل، أيها الأحبة...

فهم سلوك المُكوِّنِ الكوني "الأصغر" يُعمِّقُ فهمنا -حقيقةً- لسلوك المُكون الكوني "الأكبر"...

و سأحاول أن أحدَّ من "الإنزلاق" وراء تفاصيل العلوم المادية، إذ مهما فصَّلنا فيها هنا، فسوف تظهر "التلاخيص" و "الإجمالات" ساذجةً نوعاً ما! الإختصار أحياناً يكون مُخلاً، و ذا ضرر!...

و بالمُناسبة، لعلكم تدركون أننا حتى لو قتلنا الجُسيمات تحت-النووية تفصيلاً، بل و أتينا على تفصيل "الوحدات الكمية" لأشكال الطاقة المُدركة في الكون (حتى الجاذبية الأرضية أُعطيت وحدة كمية تتكامل في العمق -بطريقة أو بأخرى-، أو تكاد، مع وحدات الطاقة الكهرومغناطيسية)، حتى لو سُقنا كلَّ ما توصَّلَ إليه "العلم" هنا، فستكون النتيجة الإختزالية: لا بدَّ من تفكيك هذه المكونات رغم دقتها المُتناهية لنفهم سلوكَها!...

هل أقول لكم أن هذه هي المعركة؟! معركة إنتظار؟ و صبر؟ هل هذه هي الهوة الكونية؟!...

الحقيقة هي أن الإختزالية الإلحادية "تكسبُ" وقتاً فقط! بل إن سيدتها الرأسمالية هي التي تكسب الوقت! كلما اقترب العلم المادي من مستوى أعمق، تنبري أقلام العلماء تُبشِّرُ بالفتح المُبين، و الإنكشاف المُبهر لسلوك المادة، و تطويعِها لخدمة الإنسان!...

أتدرون ما الوعد الجديد على أبواب نهاية فيزياء الطاقة العالية و تحت-النووية؟ إنه وعدٌ بوشوك التوصل إلى نظرية جديدة كاشفة! فبعد معادلات شرودنجر الكمية، و النظرية النسبية "الأينشتاينية"، تُطلُّ علينا الإختزالية بنظرية لم تولد بعد، و لكنها أُعطيتْ إسماً مُعبِّراً! إنها نظرية كل شيء (Theory of every thing)!...

في "تصورهم" أن هذه النظرية "ستغلق" ملف البحث وراء "السبب"! و ستسدل الستار على أية رتوشٍ بقيت لم تستطع الإختزالية الإجابة عليها!...

أيها الأحبة...

لنلخِّصْ ما مررنا عليه إلى الآن من "سُبُل" الإختزالية...

و لنبدأ من عمق أعماق الفيزياء تحت-النووية...

سلوك الجسيمات الأساسية (اللبتونات و الكواركات) و سلوك وحدات الطاقة الأساسية (الكهرومغناطيسية بالذات) "يُفسِّرُ" بجلاءٍ كاشف فعلاً سلوك المكون الكوني الأكبر مباشرة (الإلكترونات و البروتونات و "أخواتهما")...

سلوك هذه المُكوِّنات الكونية -بدوره- "يُفسِّرُ" بجلاءٍ كاشفٍ فعلاً سلوك الذرة في التفاعلات الكيميائية (مثلاً، تفاعل الحديد و الماء و الأوكسجين في إنتاج الصدأ)...

سلوك الذرة في التفاعلات الكيميائية -بدوره أيضاً- "يُفسِّرُ" بجلاء كاشف فعلاً سلوك المواد المحسوسة مباشرة (ظهور العطب في المعدن على شكل هشاشة و انهيار و تنخُّر و تخشُّنٍ في السطح، أدى إلى تمزُّق الجلدة "المهمة")!...

سلوك النظام الهيدروليكي المُخترق "يفسِّرُ" بجلاء كاشفٍ شعور السائق بتفلت دواسة المكابح من تحت قدمه!...

لا بُدَّ أن بعضكم يُلاحظُ وجودَ ضربٍ من "اللوثة العقلية" في هذا النسق من ترتيب "الأحداث"! مع أنه -في نظر البعض الآخر من حضراتكم- "قد" يكون "منطقيّاً" جداً، و عقلانيّاً إلى حدٍّ بعيد!...

أساس هذا "الإختلاف" -والذي قد لا يلمسُه بعضٌ ثالثٌ- هو اختلافٌ في الطبائع و الأنماط الفكرية الجبلية! فمن الناس من يغلبُ عليه النمط التحليلي التفصيلي، و منهم من يغلبُ عليه النمط الإجمالي التجميعي، و الإنسان السوي عقلاً هو من يسير بهذين الجناحين في الحياة، فكلاهما ضروري "لفهم" الكون و الإنسان و الحياة...

لقد دخلنا هنا منطقةً غريبةً بعض الشيء عن الموضوع! و كان هذا بلا تخطيط!...

الذي يغلبُ عليه الجانب التحليلي التفصيلي هو من يرى ترتيب الأحداث أعلاه "منطقياً" عقلانياً بل و جميلاً!...

و من يغلب عليه الجانبُ الإجمالي التجميعي هو من يلمح "لوثةً عقليةً" في هذا النسق من ترتيب الأحداث!...

ألا تلمسون هذا في الحياة؟! لن أضربَ أمثلةً الآن! بعد قليل! دعونا نسير قليلاً وراء هذه "القضية" العارضة! و سبحان الله!!...

أيها الأحبة...

أتعلمون أي المصطلحات من ثقافة حزب التحرير تتضمَّنُ بياناً لهذه "الضروب" من أنماط "المُحاكمة"؟!...

لربما يتحفظُ البعض! و لكنني أجد في عنواني كتابي الإمام تقي الدين النبهاني -رحمه الله تعالى و رضي عنه و أرضاه- (التفكير) و (سرعة البديهة) خير ممثلين لهذين النمطين من المُحاكمة العقلية للأحداث!...

التفكير و سرعة البديهة!...

التفكير يحتاج إلى تروٍّ و إنعام نظر (في تجميع الإحساسات) و ربط عميق للأمور (بحث "مستفيض" في المعلومات السابقة ذات العلاقة) في أناة و تؤدة و إصدار الحكم بعد تدبُّر (في العواقب القريبة و البعيدة)!...

سُرعة البديهة قائمةٌ على عامل السرعة! سرعة نقل الإحساس، و سرعة الربط (مَلمح الإجمال و التجميع الذكي)، و سرعة إصدار الحكم!...

فهل يُغني أحدهما عن الآخر؟ حقيقة الأمر أن الجواب: "لا" كبيرة! و السؤال بهذا الشكل ينمُّ عن قُصور في فهمهما و فهم واقعهما!...

ففي المواقف التي تحتاج إلى تروٍّ و تمهُّل، لا بُدَّ أن يغلبَ على المرء طابع "التفكير"!...

و في المواقف التي تحتاج إلى حكم آنيٍّ، لا بُدَّ أن يغلبَ على المرء طابع "سرعة البديهة"!...

مُلاحظة: التفريق بين "نوعي المواقف" -إبتداءاً- يحتاج في ذاته إلى سرعة بديهة!...

و الإنسان و التفكير و سرعة البديهة كالطائر بجناحيه! لا بُدَّ منهما معاً للتحليق! و "الموقف" هو الذي يُحدد أي الجناحين ينبغي أن "يُجنح" باتجاهه!...

تماماً كالإنسان و الخوف من الله و رجاء رحمته! الخوف و الرجاء جناحان لا غنىً للإنسان عنهما! و غياب أحدهما سقوط مُحتَّم! إما قنوط من رحمة الله، و إما أمنٌ من مكر الله، و كلاهما هلاكٌ مُحقق!...

و كذلك غيابُ أحد جناحي "المحاكمة العقلية"!...

غياب سرعة البديهة -النسبي، لأن غيابها تماماً مرضٌ عقلي- هو سقوطٌ محقق في براثن تضييع الفرص السانحة و الإنقياد "للآخر" و الجمود بالنسبة إلى حركة الكون! هو سقوطٌ في "فخِّ الإختزالية"! و عيشٌ أشبه ما يكون بعيش "المُهرِّجين" في معرض الحياة!...

و غياب التفكير -أيضاً النسبي، لأن غيابه مرضٌ عقليٌّ آخر- هو سقوطٌ محقق في براثن التهور و الإنفلات و الإرتماء في احضان الآخر! و عيشٌ أشبه ما يكون بعيش "المهرجين" -و لكن من نوعٍ آخر- في معرض الحياة!...

المُهرجون من نوع "غياب سرعة البديهة" هم من ذاك النوع الذي التقيتموه في أيام الدراسة (المدرسية أو الجامعية) ممن يسمَّوْن "نردات" (Nerds)! ديدان كتب، لا يكادون يفقهون من "الحياة" شيئاً!...

المُهرجون من نوع "غياب التفكير" هم من ذاك النوع الذي التقيتموه -أيضاً- في أيام الدراسة (المدرسية أو الجامعية) ممن يسمَّون "فهلويين"! بالكاد ينجحون أو يتوسطون، و لكنهم يعيشون الحياة الدنيا "الشهوانية" بطولها و عرضها!...

هذه أمثلة متطرفة قليلاً لبيان الفكرة!...

و ليست هجوماً على أحد! العبد الفقير مرَّ أيضاً بمرحلة "التهريج"!...

من "يُحسنُ" تدبُّرَ أمره في الحياة -في ظل النظام العالمي الحالي- من النوع الأول من المهرجين، ينتهي به المطاف إختزالياً من الطراز الرفيع!...

و من "يُحسن" تدُّبرَ أمره في الحياة -في ظل النظام العالمي الحالي كذلك- من النوع الثاني من المهرِّجين، ينتهي به المطاف "فناناً" أو "مطرباً" أو "مُقدمَ برنامجٍ حواريٍّ" من الطراز الرفيع!...

القياديون و الساسة و الإستراتيجيون، حتى من حملة مبادئ "الكفر"، هم ممن "يُحسنُ" استخدام الجناحين معاً في الحياة!...

وحدهم حملة الإسلام -عقلياً و نفسياً- هم من يُحسنُ اللهُ أمرَهم في الحياتين، الدنيا و الآخرة، بين هذين الجناحين، مزوَّدين "ببوصلة" الكتاب و السنة المُطهَّرين...

هذه نتيجة غريبة لم أتوقعها شخصياً! و أحتاج إلى أضوائكم الفكرية لنستبين صحتها (أعني كون الإختزاليين "مُعقدين")!...



و نكمل لاحقاً -بإذن الله- في صُلب الموضوع الأصيل...
عبد الحميد
إقتباس(الطائف @ Apr 24 2010, 12:26 PM) *
مُلاحظة أُخرى أخي عبدالحميد...

ليسَ أحدٌ منا مُعلَّقاً في الهوة الكونية!...

الإختزاليون هم "المُعلقون" فيها هم و من يتبعهم! و إصرارهم على "تجاهلها" سوف يُرديهم عبرها إلى نار جهنم، نعوذ بالله منها!...



عافانا الله واياكم من الكافرين وجدالهم العقيم

وهدانا الله واياكم الى سواء السبيل


الأمور واضحة بالنسبة لي فأكمل يرحمك الله

الطائف
إقتباس(عبد الحميد @ Apr 25 2010, 06:46 AM) *
عافانا الله واياكم من الكافرين وجدالهم العقيم

وهدانا الله واياكم الى سواء السبيل


الأمور واضحة بالنسبة لي فأكمل يرحمك الله


و عافاك أخي الحبيب...

لم أقصد قط أن في كلامك جدلاً!...

كلا! كل ما هنالك أني ظننتُ في "تعليقي" شيئاً من "خفة الظل"!...

أعذرني أيها الحبيب...

و جزاك الله كل خير و بركة...
.
Invision Power Board © 2001-2012 Invision Power Services, Inc.