أيها الأحبة...
سلامٌ من اللهِ عليكم، و رحمةٌ منه و بركات...
و بعدُ...
لم أدرِ من أيِّ بابٍ ألج الموضوع الذي أقدم له هنا بين يدي حضراتكم...
أمن باب طريق الإيمان؟ أم من باب العلوم الحديثة الصِّرف؟ أم من كلا البابين معاً؟
و الحقيقة أن لديَّ "بحثاً" شبهَ ناضجٍ، أو هو مجموعة خواطر، في موضوع "الشيفرة الكونية" أنجزتُه منذ بضع سنوات...
و لربما وددتُ ان أسردَه هنا كما هو بطولِه، مع أنه غير مطبوع، لولا أني -بما علمني الله من هذا المنتدى المبارك- لاحظتُ ضرباً ألمعياً من ضروبِ طرح الأفكار على طريقة حزب التحرير المنصور بإذن الله: التلقي الفكري...
فعوضاً عن سكبِ الموضوع سبيكةً مُصْمَتةً لامعةً -من وجهة نظر صاحب الطرح- على الأحبة، فإنه لمن الأحرى طرح أفكاره طرحاً فكرياً يحتملُ النقاش و الأخذ و الرد و التقويم، و ربما الإجهاض قبلَ التمام إن تبين في أصله أو فروعه المبكرة انحرافٌ فكريٌّ خطير أو منهجيٌّ مُخلٌّ بجدواه...
و بما أن البللَ أصابنا سلفاً، فلندخل فجأةً في موضوع الصفحة...
أيها الأحبة...
الإختزالية العلمية...
ما هي؟ ماذا نقصد بها؟ ما هذا الإسم؟ ما معناه و مؤداه؟...
لنجيبَ على هذه التساؤلات، و غيرها، علينا ان نعرفَ -أولاً- أهمية هذه الإختزالية العلمية، و موقعَها من الإعراب على خارطة العلوم المادية الحديثة...
و مرةً أخرى، ما هي العلومُ المادية؟ و لماذا يُطلقُ عليها هذا الإسم؟...
و لكيلا نراكم الأسئلة دون إجاباتٍ، لنشرعْ بتبيان واقع العلوم المادية...
العلوم المادية هي تلك الحزمةُ من العلوم التي تصفُ سلوك المكوِّن الكوني، أي مادته الأساسية...
و كونَها تصفُ سلوك المادة، فلكم أن تتصوروا سعةَ مجالات أبحاثها، من مكونات الجسيمات تحت الذرية، بل تحت النووية، في المستوى "المفكك" منها، إلى عناقيد المجراتِ السابحة في صفحة الكون الفسيح في المستوى "المركب/المعقَّد"، مروراً -طبعاً- بالعلوم الحيوية، أي المتعلقة بالأحياء، و منها الطبية...
إنها -أي العلوم المادية- تتناول "كلَّ" تفاصيل الكون المادي الخاضع للحس المباشر أو الحس غير المباشر، بطريقةٍ أو بأخرى...
و ليس لأحدٍ أن يزعم الإحاطة بتفاصيل ما نُشر -و ما زال يُنشرُ- من أوراقٍ علميةٍ مختصة في كل فرع، و فرعٍ فرعيٍّ، و أدنى، من هذه العلوم؛ فتلك "رحلةٌ" لا يقطعها الآدمي في عُمرٍ و لا عُمرين و لا ثلاثة، و لو كان حجةَ زمانه و فريدَ عصره...
و العلوم المادية هذه يقابلُها -في العرف الأكاديمي المُعاصر- العلومُ الإنسانيةُ، و هي تلك العلوم التي تتناول الشؤون الخاصةً بالإنسان من حيثُ كونُه كائناً مُفكراً ذا نشاطٍ إجتماعيٍّ تفاعليٍّ...
و هذه العلومُ الإنسانيةُ لا شأنَ لنا بها في نقاشنا هاهنا، على الأقلِّ بشكلٍ مباشر، أو لنقل: في هذه المرحلة من الطرح...
و عوداً إلى حزمة العلوم المادية، و عوداً -كذلك- إلى مصطلح الإختزالية العلمية، و الذي لم نمسَّه بعدُ بتعريفٍ...
و لكننا الآن سنعرِّفُ الإختزالية العلمية، و من خلال تعريفِها سنكتشفُ المستويات العُمْقيّةَ، أي الرأسيةَ، "المتفاوتة" بين عناصر حزمة العلوم المادية المتعددة، و الممتدة أفقياً بشكل موسوعي "مهيب"...
الإختزالية العلمية هي ترجمةٌ عربيةٌ مُعبِّرةٌ للمصطلح الإنجليزي (Reductionism)...
ربما تلاحظون عدم وجود كلمة (Scientific-علمي) في المصطلح بلغته الأصيلة، حيثُ إن ما يُسمى بال(Reductionism) يُمثلُ "مذهباً" علمياً، و "المذهبية" أو "النمطية" بشكلٍ عامٍّ يُعبَّرُ عنها -في اللغة الإنجليزية- بإضافة التذييل (ism-)، و بالتالي فإن الترجمة الحرفية كان ينبغي أن تكون (الإختزالية) فقط، أو (المذهب الإختزالي)...
و لكن، و لكي تكون الترجمة معبرةً في "الثقافة" العربية المُعاصرة، و التي هي جزءٌ فرعيٌّ من الثقافة الغربية العالمية "الممجِّدة"، بل "المؤلِّهة" للعلم "المادي"، أو كانت كذلك إلى عهدٍ قريب، لربما يُستساغُ وصفُ هذا المذهب القائم على "الإختزال" ب(العلمي) لإضفاء "الصبغة المقصودة" عليه...
ما هو هذا الإختزال؟ ما هي حقيقته؟ ما هي طبيعته؟...
لغةً، الإختزال هو الإنتقاص، و أما في الإصطلاح فإن الإختزالية العلمية تعني: تفسير سلوك المكوِّن الكوني -أي المادة- بناءاً على سلوك العناصر الفرعية فيه في مستوى أعمق من التركيب و/أو الوظيفة...
ببساطةٍ متناهية، الإختزالية هي "تفكيك" المادة -من هنا بالضبط جاءت كلمة إختزال- المراد تفسير سلوكها إلى "مكوناتها" الأدنى أو الأدق، و دراسة سلوك هذه المكونات، و التي بدورها "تُلقي بالضوء" على سلوك المادة في المستوى الأعلى من التعقيد...
أيها الأحبة...
لربما يتبادر إلى الذهن التساؤل: ما الجديد؟ دراسة العلوم، بل دراسة أي شيء و أية مشكلة، و منذ فجر التاريخ، قائمة على التحليل و التفكيك و دراسة "الأجزاء" لفهم "الكل"...
ما جدوى الكلام إذاً؟...
هنا مربط الفرس! و لكن، مع الأسف، و رغمَ أني سأعلق فوراً على هذا التساؤل الأخير، لن يتجلى هذا "المربط" في هذه المرحلة على وجهٍ معبرٍ مقبولٍ!
الجديد في مفهوم الإختزالية العلمية -إخوتي و أخواتي- هو مركوز في أصل الإسم المذيل ب(ism-)؛ هذا التذييل الدال على "المذهبية" يعني أن أصحاب مدرسة الإختزالية العلمية لهم "اتجاه"! و هذا الإتجاه هو -حصرياً و فقط- السير "من" المعقَّد المركَّب الأعلى "إلى" المبسّط المُجزَّأ (المختزل) الأدنى، و ليس العكس بحال...
و هذه الحصرية آتيةٌ، و لعلكم تُفاجؤون بما ساقول، من كون السير معهم -إبتداءاً- في "اتجاههم" من المُركَّبِ إلى المُفَكَّكِ (المُخْتَزََلِ) هو سيرٌ "بديعٌ" و"جميلٌ" و "عقلانيٌّ" و "مُقنع" إلى حدٍّ ما لا يتجاوزه، و أما السير "معهم" -رغم أنوفهم- في الإتجاه المعاكس من المُفكك (المُختزل) إلى المركَّب -و هنا المُفاجأة- فهو سيرٌ مشطور مقطوع بهوَّةٍ كونيةٍ سحيقةٍ تشطر الألباب و تحبسُ الأنفاسَ، و وصلةُ هؤلاء الإختزاليين -أو "حلفائهم" بمعنى أصح- لجَسْرِ هذه الهوة السحيقة عنوانها الرئيس هو: الغباء العجيب!...
و سميتُه غباءاً لأنَّه تجاوزٌ لكل الإعتبارات "العلمية" الرصينة التي "يتحلون" بها، و وصفته بالعجيب لأنه إسقاطٌ لجهدهم الكبير و الأصيل، و إلقاءٌ له في "سلة قمامة" الفكر و العلم!...
و من الجدير بالذكر هنا أن هؤلاء "العباقرة" و -مِن ورائهم- السياسيين و القضائيين و الإعلاميين و المفكرين، و -بالتالي- الحضارةَ الغربيةَ كلَّها، يحيطون هذه الوصلة أو هذا الجسر من "الغباء العجيب" بهالةٍ من القداسة و التنزيه، و الإرهاب الفكري و العلمي المخيف و العميق، و هو إرهابٌ لا يُضاهيه إلا إرهاب كبار ضباط الجيش التركي المتعلق بالمساس بالعلمانية! و هو -و أيم الله- عين الإرهاب الرأسمالي العلماني الكبير الممارس من قبل أقطاب الرأسمالية في عواصم الكفر الغربية...
و بيان ذلك يحتاج إلى تفصيل، و هو جوهر البحث و لبُّه، أو يكاد يكون كذلك...
و هو المدخل الكبير إلى الموضوع المركزي: الشيفرة الكونية...
يتبع، إن شاء الله تعالى.
