حـامل الـدعوة القـدوة
أبو أسامة البكري
الأخوة الكرام
من طبيعة النفس البشرية أن تؤمن بالماديات والمحسوسات , أكثر من إيمانها بالمغيبات والأفكار المجردة الصرفة , ومن الطبيعي كذلك أن تدرك الوقائع المادية والأحداث الجارية , أكثر وأقوى من إدراكها للوقائع الغيبية والأحداث الماضية , ومن الطبيعي كذلك أيضا أن تتأثر سلبا أو إيجابا تجاه الوقائع المادية وبها , أكثر من تأثرها بالوقائع الغيبية والأحداث المنقولة .
والإسلام في حقيقته أفكار وأحكام , فإن طبق الإسلام في دولة وتمثل بها , فقد صار له واقع محسوس يندفع الناس إلى الإيمان به والدخول فيه والقيام بمقتضى التزاماته , وإن بقي أفكارا وأحكاما تنقل فقط على ألسنة أهله وحملة دعوته فإنه يبقى لا واقع محسوس له , ولن يؤمن به أو يتبعه ويلتزمه إلا القليلون .
والإسلام اليوم ليس له دولة يتمثل فيها واقعا محسوسا ,ولأن تمثل الإسلام في واقع محسوس أمر أساس لا بد منه , ولا يصح التهاون به ولا التفريط فيه . فإنه يجب على حملة الدعوة إدراك هذه المسالة إدراكا تاما فيجعلون هذا الإسلام يتمثل فيهم فيغذون الخطى ويضاعفون الجهود ويخلصون العمل لله الإخلاص الخالص , إلى أن يأذن الله بإعزاز دينه على أيديهم بالخلافة الراشدة القريبة التي يصبح للإسلام فيها واقعا محسوسا مطبقا .
فحمل الدعوة لا يجوز بحال أن يتوقف برهة من زمن سواء كانت للإسلام دولة أو لم تكن . فرسول الله صلى الله عليه وسلم قد حمل الدعوة في مكة قبل الدولة , وحمل الدعوة بعد قيامها , لذلك ولأهمية تمثل الإسلام كواقع محسوس فإنه لا بد من أن يتمثل في حملة الدعوة الذين يعملون لجعله متمثلا في دولة الخلافة .
وتشتد اليوم حاجة أبناء الأمة الإسلامية إلى مثل أعلى يقتدون به ويقتفون أثره , ويحذون حذوه , وذلك لعدة أسباب منها :
أولا – ضعف الناس بشكل عام في فهم الإسلام أفكاره وأحكامه ومفاهيمه , وعدم تطبيقهم له .
ثانيا : لان الإسلام لم يعد متمثلا في واقع محسوس , ما يجعل إدراك واقعه وعدله وصلاحه وعظمته وحتمية رجوعه لما يجب أن يكون عليه في الحياة ,أمرا لا يتسنى للعامة بل ومستبعدا عندهم .
ثالثا : سيادة الأهواء والمصالح الآنية الأنانية العاجلة , مع قلة العاملين المخلصين .
رابعا : فساد نماذج من الناس لبست ثوب الإسلام وثوب ما يسمى رجال الدين وعلماء الدين , ما افقد الناس ثقتهم بعودة الإسلام واقعا حيا متمثلا ومطبقا في دولة .
خامسا :الهجمة الصليبية الكافرة التي تقودها أمريكا ومن خلفها أوروبا وباقي دول الكفر , ومن خلفهم دول الضرار في العالم الإسلامي , على الإسلام وأهله , تلك الهجمة التي برزت على جميع الأصعدة , الفكرية والتعليمية والاقتصادية والسياسية والعسكرية , مباشرة أو غير مباشرة, سرا كانت أم علانية , الأمر الذي يحتم وجود المخلصين من أبناء الأمة الذين يأخذون على عاتقهم إرجاع الأمور إلى نصابها باستئناف الحياة الإسلامية ,وحمل الدعوة وتحرير البلاد من ربقة الكافر وسيطرته , والوقوف أمام هذه الهجمة والتصدي لها والعمل على تقويدها ودحرها بالصراع الفكري والكفاح السياسي , وهذه الثلة من أبناء الأمة – بالضرورة – يجب أن تكون موضع التأسي والاتباع عند الأمة , فتزرع فيها الأمل حقيقة بحتمية عودة الإسلام مطبقا ومتمثلا واقعا محسوسا في دولة الخلافة , بل ويزرع حامل الدعوة القدوة في الأمة الأمل القريب بهزيمة تلك الحملات الصليبية الحاقدة.
لهذا وذاك تزداد حاجة الناس على اختلاف أوساطهم وطبقاتهم إلى القدوة الحية , التي تكون أنموذجا حيا يرى الناس فيهم واقع الإسلام الحق , قولا وعملا , فكرا وسلوكا , خلقا واتصافا , فيقبلون عليهم وينجذبون إليهم وان التأثير بالأفعال والأحوال أبلغ وأشد من التأثير بالكلام .
فحامل الدعوة هو المثال الحي للإسلام , وهو القدوة بين الناس وهو الإمام فيهم , وبقدر تمثل الإسلام فيه , في القول والفعل والصفات , بقدر صلاحه لحمل الدعوة ونجاحه فيها , وإلا كان مدعيا حمل الدعوة تماما كادعاء الدول القائمة في العالم الإسلامي أنها دولا إسلامية وما هي بذلك قطعا , لأن أيا منها لا يتمثل فيها الإسلام ولا واقع له فيها على أي مستوى من المستويات , داخليا وخارجيا .
وأهمية القدوة في حياة الناس , وإبراز دور حامل الدعوة القدوة , أمر لم يفرط كتاب الله عز وجل في ذكره . فقد جعل الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أسوة لمن بعده : " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " كما أمره الله أن يقتدي بمن سبق من الأنبياء والرسل فقال : " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكر للعالمين " .
إن تأثير حامل الدعوة القدوة في الأوساط التي يوجد فيها , وفي غيره من الناس , حين يتمثل الإسلام أفكارا وأحكاما في شخصيته . في قوله وسلوكه وصفاته, أمر بالغ الأهمية والأثر . وحجر الرحى ورأس الأمر في القدوة الحسنة أن ندعو الناس بأفعالنا مع أقوالنا – إن لم يكن قبل أقوالنا - ,يقول عبد الواحد بن زياد : " ما بلغ الحسن البصري إلى ما بلغ إلا لكونه إذا أمر الناس بشيء يكون أسبقهم إليه , وإذا نهاهم عن شيء يكون أبعدهم عنه ".
وحين نبذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمه قال : " إني اتخذت خاتما من ذهب " فنبذه وقال " إني لن ألبسه أبدا " فنبذ الناس خواتمهم , فدل ذلك على أن الفعل أبلغ من القول .
وهذا ما يمكن لنا أن نطلق عليه التعليم بالقدوة والدعوة بالفعل قبل القول , وهذا ما يمكن لنا أن نطلق عليه المنهاج الخفي في التربية والتوجيه والتأثير مبتعدين عن أقوال وألفاظ افعل ولا تفعل .
وبهذا يكون للقدوة عظيم التأثير الخفي الذي يتمثل في الأفعال والأقوال ومواقف المثال الحي المرتقي نحو الكمال عند حامل الدعوة القدوة , الأمر الذي يثير عند الآخرين الإعجاب والمحبة والاحترام التي تولد في نفوسهم دوافع الغيرة والتنافس المحمود لأن يصنعوا صنيع حملة الدعوة , وأن يتمثل فيهم الإسلام فكرا وعملا شعورا واتصافا .
إن حملة الدعوة القدوة هم صفوة الناس وقادتهم ومحط أنظارهم وهم – أي حملة الدعوة - اليوم أشد وأخطر على الكفار من كل عدة فحين تمنى الناس ذهبا وأموالا ينفقونها في سبيل الله كانت مقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه :" ولكني أتمنى رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح , ومعاذ بن جبل , وسالم مولى أبي حذيفة فاستعين بهم على إعلاء كلمة الله ". فان هؤلاء النفر من الصحابة والذين هم بحق قدوة لغيرهم من الناس تمثل الإسلام في شخصياتهم كان لهم التمكين في الأرض , فعسى أن كنا نحن حملة الدعوة اليوم على مستوى حسن الأسوة والتأسي أن يمكن الله لنا في الأرض وأن يجعلنا أئمة ويجعلنا الوارثين .
أيها الإخوة :
إن عدم تمثل الإسلام فكرا وسلوكا واتصافا في حملة الدعوة , يعني غياب القدوة من حياة المسلمين اليوم , ما يجعل ابتعاد الناس عن احتضان المبدأ والذود عنه والموت في سبيل إعادته واقعا حيا مطبقا أمر بدهي , بل إن ذلك يعزز بقاء الناس منفصلين عن حرارة الإسلام وتأثير عقيدته في نفوسهم , ويعزز كذلك بقاء الفساد والوهن والهزيمة فيهم , ولذلك فإن العاملين المخلصين القائمين بأمر الله هم في الحقيقة يعلنون الحق بأفعالهم وينشرون دين الله وأحكامه حين ينتشرون بين الناس فتتفاعل الأمة مع المبدأ والفكر حين تتفاعل معهم, وقد نقل عن إبراهيم بن أدهم انه قال يوما لأصحابه :" ادعوا الناس وانتم صامتون" قالوا كيف ذلك ؟ قال : "ادعوا الناس بأفعالكم " .
أيها الإخوة :
لقد خلق الله الناس وجعلهم متفاوتين في قدراتهم , وعلى مستويات مختلفة في فهم الخطاب والأفكار والأقوال وإمعان النظر والتفكير فيها , إلا أن الجميع يتساوون أمام الرؤية بالعين لمثال حي , لذلك يكون هذا المثال الحي أيسر وأقوي في إيصال المعاني وإحداث التغيير , ومن ذلك ما كان من تزويج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش ابنة عمته من زيد بي حارثة مولاه الذي اعتقه لكي يكون قدوة ومثالا حيا للناس لما تأصل في نفوسهم الفوارق الطبقية التي جاء الإسلام بإلغائها .
ولعظم هذا الدور لحامل الدعوة القدوة فان على حامل الدعوة أن يدرك خطورة دوره وأهميته بين أبناء الأمة وعليه أن يدرك في الوقت ذاته أن الناس ينظرون لحامل الدعوة نظرة دقيقة فاحصة دون أن يعلم , فرب خطأ يقوم به لا يلقي له بالا يكون في حسابهم من الكبائر وذلك لأنه محسوب في مجتمعه قدوة لهم , وهنا تكمن أهمية القدوة وخطورتها إذ إن كل مفارقة بين أقوال حامل الدعوة القدوة وسلوكه واهتماماته تشكل مصدر حيرة وإحباط لدى عامة الناس , خصوصا المقبلون على الالتزام بالإسلام وبحمل الدعوة .
فالذين يعرفهم الناس بالصلاح والاستقامة وهم في الحقيقة جمعوا مع تلك السمعة تناقضا في الواقع ومخالفة لما يفترض أن يكونوا عليه , هؤلاء يمارسون دورا هداما , فهم يشوهون الصورة الصحيحة للقدوة ومفهومها ويشوهون أيضا صفاء الفكرة والأحكام التي يدعون لها , ويشوهون كذلك صورة حملة الدعوة الفضلاء المخلصون في أذهان أبناء الأمة , ويعطونهم صورة مخالفة لحقيقة الإسلام وواقعه , تلك الصورة التي لم يعرفوها إلا من خلالهم فيكون بذلك هذا المدعي لحمل الدعوة سببا في زوال هيبة الإسلام واحترام المخلصين وفي فقد الأمة ثقتها بهم . وما علماء السلاطين والفضائيات إلا شاهد قائم على ذلك .
لذلك كان يقول سفيان بن عيينة : " إذا كان نهاري نهار سفيه , وليلي ليل جاهل , فما أصنع بالعلم الذي كتبت ؟ " وقال الحسن " لا تكن ممن يجمع علم العلماء , وطرائف الحكماء ,ويجري في العمل مجرى السفهاء : , وقال أيضا : " كان الرجل يطلب العلم , فلا يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وهديه ولسانه وبصره ويده " .
ولذلك أيضا فحامل الدعوة القدوة لا يرضى لنفسه أن يكون من الخلوف الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم " يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمروا " بل يحرص على أن يكون من الذين " يأخذون بسنته ويقتدون بأمره " وكما يقول مالك بن دينار : " إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصخرة الصماء " .
الإخوة الكرام :
وأما مقومات القدوة وميادينها فنوجزها بما يلي :
1- في علاقة الإنسان بخالقه : وهنا لا بد من الإخلاص في القول والعمل والإخلاص الخالص في حمل دعوته وكذلك في المحافظة على الفروض والواجبات والحرص في التزود بالنوافل وسائر القربات والإكثار منها.
وهنا لا بد أن يظهر على حامل الدعوة حسن الطاعة والانقياد لله تعالى والإتيان بالفروض على تمامها ويظهر عليه في سجيته وعلى جوارحه ما يدل على ذلك , قلب خاشع ولسان ذاكر .
2- في علاقة الإنسان مع غيره من الناس
فعلاقة القدوة بالناس وتعامله معهم وكسبه لحبهم وتأييدهم واحترامهم وثقتهم يكون من خلال حسن تصرفه والتزامه بأحكام الإسلام والاستقامة عليها , والاستقامة على أوامر الله قد ظهر معناه البليغ في معرض إجابة الرسول صلوات ربي وسلامه عليه لمن سأله عن قول لا يرجع بعده لغيره قائلا : " قل آمنت بالله ثم استقم "
وحامل الدعوة يظهر التزامه بما يدعو في معاملاته فالدين المعاملة وهو كذلك يخالق الناس بخلق حسن, ويحس الناس هنا بحامل الدعوة ويتأثرون به , يتأثرون بصدق لهجته ويحسون فيه حرصه عليهم , لذلك ليس من المستغرب أن تدخل بلاد بأكملها في الإسلام وتدين لدولة الإسلام كإندونيسيا من خلال إخلاص حملة الدعوة وتمثل الإسلام في معاملاتهم وطراز عيشهم
3- في علاقة الإنسان مع نفسه :
إن الإخلاص لله والاستقامة على أوامره يدفعان حامل الدعوة القدوة ليكون صالحا في تكوين نفسه وتهذيبها , علما وأدبا وسمتا وخلقا , فيقع التأثير في نفوس الناس بمظهر القدوة وسمته ووقاره وخلقه موقعا بليغا يفوق أحيانا التأثر من أقواله وأفعاله .
في الختام أسأل الله عز وجل أن يجعلنا هداة مهديين غير ضالين ولا مضلين ونسأله أن يهدينا ويهد بنا ويجعلنا سببا لمن اهتدى
اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل وارزقنا الاستقامة على دينك , ومكن لنا في الأرض إنك على كل شيء قدير والحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
المكتب الاعلامي لحزب التحرير
http://www.hizb-ut-tahrir.info/arabic/inde...at/single/2069/
منقول عن رسائل: مجموعة طالب عوض الله البريدية
http://groups.yahoo.com/group/TALEB_AWAD_ALLAH/message/130








