رسالة من شاب مسلم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين :
قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما * إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا) ]الأحزاب[
(يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء) ]إبراهيم[27
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( والذي نفسي بيده لتأمُرُنَّ بالمعروف ولتنهوُنَّ عن المنكر ، أو ليوشكنَّ الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم ))
وبعد:
فقد آثرت أن أبدأ رسالتي لك بهذه الآيات وهذا الحديث لما سيكون في مضمون رسالتي من تلمس لمعانيها واقتفاء مراميها ، وحسبي قبل أن أباشر رسالتي أن تعلم أني ما سبقتك بعلم ولافضل ولا أنا بالذي تدفعه الرغائب والأهواء عصبية لقوم أو مذهب وإنما هي رسالة رأيت أنه من الواجب علي أدائها لك فلا خير فيّ إن لم أقلها ولا خير فيك إن لم تسمعها.
من المعلوم ما سبق لهذه الأمة من تتابع ويلات وتلاحق مصائب عليها بعد أن منيت بزوال دولتها عنوة من أرض الواقع .. وغير خاف عليك ما تبع ذلك من سفور ومجون وبعد عن الإسلام بشتى المناحي .. فكأن منشأ النفرة من الإسلام على الصعد المختلفة بمثابة المعلول لتلك العلة ألا وهي زوال دولة الإسلام ممثلة بالخلافة العثمانية .
ومما تبع زوال تلك الدولة أن تكالبت الأمم والدول على ديار الإسلام فاقتطعتها عنوة وتقاسمتها تقاسم القصعة من أكلتها .. فقسم كان من نصيب بريطانيا وقسم من نصيب فرنسا وقسم من نصيب إيطاليا وقسم من نصيب هولندا وقسم من نصيب البرتغال وهكذا ..
والناظر إلى خريطة ديار الإسلام يجدها ملئى بخطوط التقسيم تحدد وترسم معالم الدول القطرية فتميز إحداها عن الأخرى تمايز استقلال فيه ملمح من الأنانية القومية المناقضة للأخوة الإسلامية ..
ولم يمض كثير على تلك المصيبة –زوال دولة الإسلام- حتى تبعتها مصائب أشد وقعا وأكثر شناعة فاستولى الطغام من اليهود شذاذ الآفاف على فلسطين بموجب وعد بلفور 1917م وحققوا ما رسمه لهم هرتزل في مؤتمر بال بسويسرا 1897م .. ووحققت دول الاستعمار مرادها من ديار الإسلام بأن أحلت محل الاستعمار العسكري المباشر استعمارا مخفيا بعد مسرحيات مدروسة لاستقلال الدويلات الإسلامية من الاستعمار العسكري .. وتحقق مفهوم الدولة الحاجزة الذي رسمه مؤرخو وسياسيو الغرب في المؤتمر الاستعماري بلندن .
واستمر حال الأمة في تفرق وتشرذم ألى يومنا هذا تحصرهم دول قطرية وتمنع أخوتهم مقررات دساتيرهم المستوردة المبنية على القومية القطرية ممثلة بمفهوم الوطنية وربما سمحت بالتوسع قليلا في الانتماء إلى حد القومية العربية!! ولكن ليس أكثر من ذلك .
قال شيخ الإسلام مصطفى صبري: (والذي يفتت أكباد الغيرة الدينية أن الذين يريدون هدم أسس الدين لهم أبصار ترى النجوم في النهار وقلوب أهدى من القطا في ترويج خطتهم وأشجع، وأكف أندى وأرجل أسرع وأدخل في غمرات المخاطر، وبينهم تساند في الاعتصام بالباطل أي تساند.
والمتدينون من المسلمين أصلحهم سجين في بيت عزلته وعبادته وراحته حتى تخرجه يد أبادت إخوته قبله وهو قاصر عن إغاثتهم وإعانتهم، فكأن الغافل في سلمه والجاهل في علمه يمتثل باحاديث الفتن التي عدّ فيها القاعد خيرا من القائم وهيهات ذلك لاينجيه من مسؤوليته بين يدي الله في تهاونه في واجبه وتوانيه.)]النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة[
فلله ما في هذا الكلام من حسرة تقلب عقل اللبيب وتوقظ حفيظة الحليم .. ولا أحسب أن هذا الكلام مما يخفى عليك فضلا عن عامة الناس ، وخلاصة الأمر أنه بعد علمي بحال الامة وتقهقرها وعلمي –كما تعلم- بأساس انحطاطها وأس تخلفها أوجه رسالتي لك وأنا أغالب النفس وما فيها من حسرات فلعلي أسقط الواجب علي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. وأنت تعلم أن شابا مثلي لا يصل صوته إلا لمن يعرفه من الأصحاب والخلان والأقرباء .. أما من هو في مقامك ومنزلتك فما أكثر من يسمع منه لعلملك ورتبتك حفظك الله.
فانظر أيكون الواجب المعلق على كاهلك هو نفس الواجب المعلق على كاهلي .. فلربما كان من هو في مرتبتي من عامة الناس يكفيه نكران المنكر في خلجات نفسه أو في حدود ما يصل إليه صوته !! ..
وإني حين أتابع محاضراتك وخطبك ومواعظك أجدها تقصر عن الواجب المعلق على كاهلك وأنت في مرتبة الدعاة والوعاظ والعلماء .. وإني حين قرأت محنة الإمام أحمد بن حنبل أيام المأمون والواثق والمعتصم وما لاقى فيها من فتن وويلات وقارنتها بحال علماءنا وأئمتنا تجاه منكرات لربما يقصر عنها منكر القول بخلق القرآن ..رأيت مواقفهم لا تصل عشر معشار ما لقي الإمام أحمد !!
وبدل ن نرى من العلماء الأفاضل من ينبري للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكل قوة وحزم .. نرى منهم اشتغالا بالنهي عن المنكرات التي لا تودي بهم إلى أن يعانوا في سبيلها كما عانى الإمام أحمد.
فقل لي بالله عليك أيها العالم الفاضل ..أنواجه قوة الباطل بهدهدة وهمس وكلام في الجزئيات .!!!
أفنواجه هدم الدولة الإسلامية وإحالتها إلى دويلات تحكم بشرائع البشر وتتسمى باسم الإسلام أفنواجهها ببرنامج على قناة فضائية يتكلم عن الزواج في الإسلام!!
اعلم أيها العالم الفاضل أن ما أنت عليه من حمل أمانة الدعوة إلى دين الله يلزمك بأن تدور مع الحق حيث دار وأن تصدح به ولو كلفك مالك ورزقك وحتى نفسك .. فلا يسوغ أن نرى حاكم دولة يبني جامعة مختلطة ثم لا يقابل بمن يوقفه على الحق .. بل لا يسوغ أن نرى علماء المسلمين ودعاتهم منشغلين بتبيان المنظومة الأخلاقية في الإسلام ومنظومة العقيدة تهدم من وراء ظهورهم من الأنظمة التي تقدم قوانين البشر على قوانين الله.
أيها الفاضل.. إني أعلم علم اليقين أنك مدرك أن حال الأمة يستوجب منك أكثر من الاكتفاء بالإصلاح الاجتماعي والدعوة إلى الأخلاق ..
ختام رسالتي إليك هو أن أورد قول الإمام أحمد: إن سكت العالم وفي الناس جاهل يجهل فمتى يتبين الحق!!
وأذكرك بأن الله قد كتب آجال العباد وأرزاقهم في اللوح المحفوظ فليس يملك أحد أن يؤخر أجلك أو يقدمه أو ينقص رزقك أويزيده ..
واعلم أن مرارة السجن في سبيل الحق أهون من رغد العيش مع القعود مع القاعدين ... ولأن تزهق نفوسنا في طريق الله خير من أن نموت على فرشنا وقد أسخطنا الله علينا بأن لم نؤد ما حملنا إياه من أمانة .. واذكر سلا الجزور الذي ألقي على ظهر رسول الله .. والخرقة التي التفت حول عنقه والحجارة التي أدمت قدميه الشريفتين في الطائف .. واذكر مقالته لقريش (والله لو وضعتم الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه)
اللهم نسألك أن نكون قد أدينا ما علينا حتى نأتيك وقد رضيت عنا .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
أبو يحيى
24/4/2010م