المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
في يوم العمال العالمي:{وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ}
منتدى العقاب > ديوان الخلافة > قسم أنظمة المجتمع > النظام الإقتصادي
أبو حاتم
في يوم العمال العالمي:{وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ}


{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ }الحج18.

غابت شمس دولة الإسلام عن الأرض فتبدلت المفاهيم وتغيرت المقاييس والمعايير وتم أخذ المفاهيم التي سيطرت على عقول الناس فغيرت من سلوكهم ونظرتهم إلى كثير من الأمور، وعاشت البشرية في الشقاء والضنك والمشاكل والأزمات المتلاحقة فوقع الناس في الفقر والبطالة والجوع والإستبداد والظلم كأنهم يعيشون في غابة يأكل القوي فيها الضعيف ؛ طال هذا الظلم صنوفا شتى من الناس فكانت المحاولات لرفع الظلم عنهم ،فتم تخصيص يوم للمرأة ويوم للأم ويوم للأطفال ويوم للعمال وما شابه ذلك مما أفرزه النظام الرأسمالي ، فكان هذا التخصيص ترقيعا وتسكينا وبعدا عن الحل الجذري لكل مشكلة أو أزمة من الأزمات .
وهذا أدى إلى عدم إعطاء كل ذي حق حقه ، وإلى وضع الناس في غير المنزلة التي يجب أن يكونوا فيها ، ومنهم العمَّال الذين ظُلِموا واستُغلوا واغتصبت حقوقهم وأُهدرت كرامتهم واستُعبدوا ووقعوا في سندان تحكُّمِ واستبداد الإشتراكية ومطرقة الحريات المطلقة الرأسمالية التي نتج عنها الجشع والطمع والتحايل لجمع المال بشتى الطرق 0

ومع شهود العالم اليوم إعصار الأزمة الإقتصادية فإن آلاف العمال في كثير من دول العالم لا سيما الكبرى منها يتعرضون إلى موجات متتالية من التسريح من قِبل كثير من الشركات والمؤسسات والبنوك ؛فمثلا في تركيا وفي قطاع صناعة النسيج وهو أكثر قطاع تضرر نتيجة للأزمة العالمية ؛

ووفقاً لما صرح به رضوان بوداك (رئيس نقابة عمال النسيج): - منذ بداية عام 2008 فَقَد نحو 200 ألف عامل عملهم في قطاع النسيج000خلال الأشهر الثلاثة المقبلة من المنتظر أن يفقد 400 ألفا عامل آخرين عملهم في قطاع النسيج).

ظُلِم العمال وضاعت حقوقهم فأقروا لهم يوما أسموه "يوم العمال العالمي " وابتعدوا عن أصل المشكلة ومكمن البلاء وأسّ الداء والذي يتمثل في نظرية الإلتزام التي ثبت فشلها وفسادها.

فتم الإنتقال إلى الرأسمالية والحريات المطلقة وهي من أساسها خاطئة , لأنها تقوم على حرية الملكية , والحرية الشخصية , وهذه الحرية للشخص , وفي الملك , هي التي تسبب الفساد بين الناس, وهي التي تمكِّن من الاستغلال والاستعمار , لأن إعطاء الحرية في التملك , وإعطاء الحرية الشخصية يحميه القانون , حين بني على نظرية الإلتزام , وفي ذلك الفساد والشقاء.

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ }الحج18

أما في الإسلام فلا توجد مشكلة تسمى مشكلة عمال لا بطالة ولا غيرها وذلك لأن الدولة الإسلامية واقعها مختلف جدا عن الواقع الموجود اليوم لأنها قائمة على الرعاية أي رعاية شؤون الناس، ومن هذه الرعاية توفير الحاجات الأساسية لكل من يحمل التابعية الإسلامية ،عامل أو غير عامل.

أما بالنسبة لمشكلة البطالة فلا وجود لها في الإسلام؛ فالدولة الإسلامية هي التي توفر الحاجات الأساسية لرعاياها ، وعليها توفير فرص العمل للرعايا من أجل الإنتاج الطبيعي لنمو الدولة ، ومن عجز عن العمل توفر له الدولة هذه الرعاية بالإنفاق عليه لأنه من عجز عن العمل يستحق أخذ كفايته من الدولة لأن القيام بما يلزم إشباع الحاجات الأساسية حق على الدولة لكل من يعجز عنها لقوله صلى الله عليه وسلم : " والإمام راع وهو مسئول عن رعيته .....الحديث" .

وبذلك يكون الإسلام قد منع وجود مشاكل للعمال كالبطالة مثلا، وأتاح للناس فرص العمل في جميع أرجاء الدولة الإسلامية ، وأتاح للمستأجر والأجير أن يبذلا نشاطا دون أن يحدد لهم الإنتاج 0

وأما ما يحتاجه العمال من ضمان صحي لهم ولذويهم ، وضمان نفقاتهم في حال الخروج من العمل ، وفي حال كبرهم ، وضمان تعليم أبنائهم وما شاكل ذلك من الضمانات التي يبحث فيها لتأمين العمال لا يُبحث فيها في الإسلام عند بحث الأجير والأجراء ، لأن هذه ليست على المستأجر ،وإنما هي على الدولة ، وهي لكل عاجز من الرعية بوصفه عاجزا لا بوصفه عاملا 0

والدولة الإسلامية تضمن التطبيب والتعليم مجانا للجميع ، وتضمن الإنفاق للعاجز عليه سواء أكان عاملا أو غير عامل ، لأن هذا فرض على بيت المال ، وفرض على جميع المسلمين 0

ومن حيث أن الإنسان يبحث وراء العمل ليوفر لنفسه الحاجات الأساسية من مسكن ومأكل ومشرب وملبس ، وزيادة عليها الحاجات الكمالية التي يتوق إليها ؛فإن الإسلام أباح العمل ، وأباح لكل إنسان أن يعمل ؛ ولكن حدد له كيفية قيامه بالعمل للحصول على المال وقيدها الإسلام بالحكم الشرعي ، فأباح له أن يعمل أجيرا ، وأباح له أن يعمل تاجرا ، وأباح له أن يعمل مزارعا وغير ذلك وفق الحكم الشرعي 0

كما أن الإسلام حدد أسباب تملك المال ووضع ضوابط للعمل على أساسٍ يرفع المنازعات ؛ فلا تقع مشكلات عمال ولا غيرها من المشاكل مطلقا ، ثم جاء الإسلام ونظم المعاملات كأحكام الإجارة، ونظم العلاقة بين الأجير والمستأجر ، ونظم كذلك أحكام التجارة والزراعة ، والصناعة ونظم الأحكام الأخرى للعيش مثل أحكام النفقة وأحكام رعاية الشؤون ، ولذلك لا تجد في ظل الإسلام استعباد من المستأجرين للأجراء ، ولا يسمح لأحد أن يستغل غرض أحد ولا جهده ، والأجير يأخذ أجره حسب ما هو مقرر لمثله ، والمتعارف عليه كأجرة المثل ، فإن اختلف الأجير والمستأجر يأتي دور الخبراء لتقدير أجر المثل ، ولذلك حرم الإسلام على الحاكم أن يحدد أجرة الأجير مطلقا كما حرم عليه أن يسعِّر السلع قال عليه الصلاة والسلام : " إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق ، إني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال " 0

وإنَّ المؤمنَ خليفة أو واليا أو عاملا ملزم بالعدل في أقوالِه وأفعالِه، فبالعدلِ تُحفَظ الحقوق وتطمئِنّ النفوس، والظلمُ محرَّم على العباد، حرّمَه الله على نفسه، وجعَله بين عباده حرامًا، كما في الحديث القدسيّ: ((يا عبادي، إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تظالموا)). أخرجه مسلم .

وأرشد الإسلام إلى إعطاء الأجر قبل جفاف العرق كناية عن الإسراع في أداء الحق فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)) رواه ابن ماجه.

ويحرُم على صاحب العمل تأخيرُ الوفاءِ بلا عذرٍ شرعيّ، فمَطل الغنيِّ ظلمٌ لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( مطل الغني ظلم . وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع)) متفق عليه0

وأرشَدَ - صلَّى الله عليه وسلم - صاحبَ العَمَل كيف يتعامل معَ العامل، فيقول - صلى الله عليه وسلم -: ((إخوانُكم خَوَلُكم، جعَلهم الله تحت أيديكم، ومن كان أخوه تحت يدِه فليطعِمه مما يأكُل، وليُلبِسه مما يلبَس، ولا تكلِّفوهم ما لا يطيقون، وإن كلَّفتموهم فأعينوهم)) 0 وأرشد رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى التعامُل بالحقِّ، وحُسن الخلُق، وعدَم الأذى، فأبو مسعودٍ - رضي الله عنه - ضرب غلامًا له، قال: فما شَعرتُ إلاّ ورجل من خلفي يقول: ((أبا مسعود، للهُ أقدَر عليك من قدرَتِك عليه))، قال: فالتفتُّ فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: "يا رسول الله، هو حرٌّ لوجه الله"، قال: ((لو لم تفعل هذا للَفحَتْك النار يوم القيامة)) 0
ويجب إعطاء الحق كاملا غير منقوص ؛ ويحرم على صاحِب العمَل أن يظلمَ العاملَ ويبخسَه حقَّه، أويقتطعَ مِن راتبِه بلا حقٍّ، فإنَّ هذا ظلم له ،قال تعالى {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ }القصص77 وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثمّ غدَر، ورجلٌ باع حرًّا وأكل ثمنَه، ورجلٌ استأجَر أجيرًا فاستوفَى منه ولم يعطِه أُجرته)).

إن النظام الاقتصادي الإسلامي هو جزء من أحكام الإسلام الشامل الكامل لمعالجة مشاكل الإنسان، وحيث إن الإسلام لا يُطَبَّقُ مجزأ وإنما لا بد من تطبيقه كاملا، ولا يتأتى هذا التطبيق تحت ظل أي نظام من أنظمة الحكم السائدة في هذا العصر، وإنما يطبق في نظام حكمِ شرعه الله تعالى، وجعله مميزا عن باقي أنظمة الحكم الأخرى التي في الدنيا.

فالحياة الاقتصادية في ظل دولة الخلافة حياة هادئة طبيعية ينعم الجميع فيها بالرفاهية وسعة الحال، لا تطاحن فيها ولا تشاحن، لا فقر فيها ولا مجاعة، لا مؤامرات طبقية ولا هيمنة لأصحاب رؤوس الأموال فيها على رقاب الناس.

إن النظام الاقتصادي في الإسلام هو منارات في الحياة الاقتصادية للدولة الإسلامية، أضاء شعلتها وقود المبدأ، وبعث نورها أحكام الشريعة، فيها تصبح الدولة مستقرة اقتصاديا غنية ومتطورة، متقدمة اقتصاديا ومدنيا، لا تعرف المشاكل الاقتصادية العصرية ولا يجتاحها الفقر والمجاعة والبطالة ، ولا الجهل والمرض، لا عجز في موازنتها.

فإن خلت دولة الخلافة من هذه المشاكل كلها، ومن تلك الأوبئة الإقتصادية جميعها، فإنها تصبح بحق واحة غنى واستقرار تجذب إليها الأيدي العاملة والمدربة ورؤوس الأموال من كل حدب وصوب ليهنأ الجميع بحياة آمنة مستقرة سعيدة، وهذا الكلام ليس أحلاما وردية أو فرضيات تخيلية، وإنما هو حقائق شرعية وواقعية وتاريخية ثبت وجودها في الماضي، وسيثبت وجودها في المستقبل القريب بإذن الله تعالى.

فنظام الحكم في الإسلام هو الخلافة؛ وقد سارت عليها الأمة أكثر من ثلاثة عشر قرنا من الزمان، ولم ترض عنه بديلا لأنه نظام حكم من عند الله اللطيف الخبير، ألزم الله تعالى به الأمة وأوجبه عليها، ورتب عقوبة على من مات وليس في عنقه بيعة لخليفة قال صلى الله عليه وسلم: "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" رواه مسلم.

{وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ }النحل112.
أبو دجانة
لا فض فوك أخي أبا حاتم

وبارك الله فيك
أبو دجانة
لا توجد في الإسلام مشاكل عمال

وأما ما يسمى بمشاكل العمال فلا وجود له في الإسلام، لأن هذه المشكلة وجدت لأنه قد جعل مستوى المعيشة عند أدنى حدها، الأساس لتقدير أجرة الأجير، فكان العمال لا يأخذون أجرتهم، وإنما يأخذون ما يبقون به أحياء ليعملوا. فنتج عن ذلك استبداد أصحاب الأعمال بالأجراء، ولاقى هؤلاء الأجراء من المستأجرين العنت والإرهاق والظلم واستغلال عرقهم وجهدهم، فكان ذلك التذمر الشديد من العمال وظهرت فكرة الاشتراكية لإنصاف العامل بتحديد وقت العمل، وأجرة العامل، وضمان راحته...الخ لذلك اضطر الرأسماليون إلى إدخال تعديلات على نظرية حرية الملكية وحرية العمل، لا على جعل مستوى المعيشة عند أدنى حدها الأساس لتقدير أجر الأجير. فعقد العمل قد أدخلت عليه قواعد وأحكام تهدف إلى حماية العمال، وإلى إعطائهم من الحقوق ما لم يكن لهم من قبل، كحرية الاجتماع وحق تكوين النقابات، وحق الإضراب، وأعطي العمال تقاعد وإكراميات أو تعويضات... الخ وأعطوا حق زيادة الأجور، والراحة الأسبوعية، وحق التداوي...الخ فالمسألة الجارية فيما يسمى بمشاكل العمال تولدت عن الأساس الذي يقوم عليه النظام الرأسمالي، ألا وهو حرية الملكية وحرية العمل، وجعل مستوى المعيشة عند أدنى حدها الأساس الذي يبنى عليه تقدير أجر الأجير، وستظل هذه المشكلات العمالية قائمة طالما ظلت العلاقة بين الأجير والمستأجر مبنية على أساس هذا النظام، فقاموا بهذه الترقيعات لإسكات العمل والوقوف في وجه تحريضات الاشتراكية. وهذا الترقيع يحصل طبيعياً في مثل هذه الحالة في النظام الرأسمالي للمحافظة على بقائه. وأما الزعم بأن تلك التنظيمات والإجراءات علاج لمشكلات العمال فهو زعم كاذب، فما هو في الحقيقة إلا ترقيعات لإسكات العمال. ولكن ذلك كله لا يحصل في الإسلام، لأن الإسلام ليس فيه حرية ملكية وحرية عمل بل فيه إباحة ملكية وإباحة عمل. وهناك فرق شاسع بينهما. إذ أن حرية الملكية هي إطلاق يد الإنسان أن يملك بأي سبب كان، وأما إباحة الملكية فهي إباحة لأصل التملك. فالملكية فعل من أفعال الإنسان وحكمها الإباحة. فلكل مسلم أن يملك، ولكن كيفية التملك مقيدة بما نص الشرع عليه أن يتملك به، أي مقيدة بأسباب معينة نص عليها الشرع مثل الصيد والمضاربة والسمسرة وغيرها مما نص عليه الشرع.

فالإباحة إنما هي لأصل الملكية فقط لا للتملك بأي سبب كان. وكذلك تنمية ما يملك مقيدة بأحكام معينة مثل البيع والإجارة، وأيضاً ملكية أي عين معينة مقيدة بأحكام معينة من عقود وتصرفات. فإباحة الملكية ليست إطلاق يد الإنسان أن يملك بما يشاء وأن ينمي الملك بما يشاء وأن يملك أي عين معينة بما يشاء، بل هي محصورة في كون الإنسان له أن يملك أي في أصل التملك ليس غير، وأما ما عدا ذلك فهي مقيدة وممنوع على المرء أن يملك إلا حسب هذه الأحكام. وهذا بخلاف حرية الملك فإنها ترك الشخص حراً في أن يتملك وتركه حراً في أن يكون تملكه بأي سبب كان. وكذلك العمل فإنه فعل من أفعال الإنسان وحكمه الإباحة. فلكل مسلم أن يعمل، ولكن كيفية قيامه بالعمل للحصول على المال مقيدة بأحكام معينة، فله أن يعمل أجيراً وان يعمل تاجراً وأن يعمل زارعاً وأن يعمل صرافاً، ولكن قيامه بالعمل يجب أن يكون مقيداً فيه بأحكام الشرع، فلا يصح أن يعمل إلا في المباحات، فلا يصح أن يقوم بصناعة الخمر ولا بالتجارة بالخنازير ولا بزراعة الحشيش، ولا يصح أن يعمل في شركات المساهمة ولا في الربا ولا في القمار ولا بأي عمل حرمه الشرع.

وإذا عمل في المباحات فهو مقيد بأحكامها، فإن كان أجيراً قيد بأحكام الإجارة وإن كان تاجراً قيد بأحكام البيع وإن كان سمساراً قيد بأحكام السمسرة وهكذا.. فالإباحة إنما هي لأصل العمل فقط، وأما كيفية القيام به فهي مقيدة بأحكام معينة، وممنوع عليه أن يعمل على غير هذه الأحكام وهذا بخلاف حرية العمل فإنها ترك الشخص حراً في أن يعمل وتركه حراً في أن يعمل في أي عمل كان وعلى أية كفيفة يراها. ومن هذا كله يتبين الفرق الواسع بين إباحة الملك وإباحة العمل، وبين حرية الملك وحرية العمل. ولهذا لا تحصل في الإسلام هذه المشاكل التي تحصل في النظام الرأسمالي، لأن الملكية مقيدة بأسباب معينة، وتنمية الملكية وحيازة العين المعينة كل منهما مقيدة بأحكام معينة، والعمل مقيد بما هو مباح من الأعمال وبأحكام معينة لكيفية القيام به. أي أن الملكية والعمل مقيدان بمعاملات ترفع المنازعات من الأساس فلا تقع هذه المشكلات، ومن جملة هذه المعاملات أحكام الإجارة التي تنظم العلاقة بين الأجير والمستأجر إلى جانب الأحكام الأخرى للأعمال، كأحكام التجارة والزراعة والصناعة، والأحكام الأخرى للعيش كأحكام النفقة وأحكام رعاية الشؤون. فلا يحتاج إلى قيود تقيد المستأجر أو تقيد الأجير لأنه لا توجد حرية ملكية ولا حرية عمل حتى تحتاج إلى قيود ترقع نظام الحريات، وإنما الموجود هو إباحة الملكية وباحة العمل.

ثم إن الأساس الذي يجري عليه تقدير الأجرة للأجير هو منفعة الجهد الذي يبذله الأجير في السوق العام لهذه المنفعة وليس مستوى المعيشة عند أدنى حد، ولهذا لا يوجد فيه استعباد المستأجرين للأجراء ولا استغلال عرقهم وجهدهم. فالأجير وموظف الحكومة سواء بسواء، والأجير يأخذ أجره حسب ما هو مقرر لمثله في المجتمع لدى الناس. فإن اختلف الأجير والمستأجر يأتي دور الخبراء لتقدير أجر المثل، وهؤلاء الخبراء يختارهم الطرفان، فإن لم يتفقا تختارهم الدولة، ويلزم الطرفان بما يقوله الخبراء. أما تعيين أجرة معينة من الحاكم فلا يجوز قياساً على عدم جواز التسعير للسلع، لأن الأجرة مقابل المنفعة، والثمن مقابل السلعة. وكما أن سوق السلعة تقرر سعرها تقديراً طبيعياً كذلك سوق المنافع للأجراء تقرر الأجرة. أما الحقوق التي أعطتها الترقيعات الرأسمالية للعمال فإنه بالنسبة لحرية الاجتماع أباح الشرع لكل الرعية أن يجتمعوا إن كانوا أجراء أم غير أجراء.

وبالنسبة لحق تكوين النقابات فلا توجد نقابات في الإسلام، لأن رعاية الشؤون محصورة بالدولة وليس لأحد غير الإمام حق رعاية حق رعاية الشؤون لا كلياً ولا جزئياً. والنقابات هي رعاية شؤون من ينتسبون للنقابة وهي لا تجوز. وأما بالنسبة لحق الإضراب فإن الإجارة من العقود اللازمة وليست من العقود الجائزة، فلا يحق لأحد منهما فسخ العقد، ويجب على الأجير القيام بما استؤجر عليه فإن لم يقم به لا يستحق الأجرة ولهذا ليس له حق الإضراب. وأما التقاعد والإكراميات والتعويضات فإنها من ترقيعات الرأسمالية لتخفيف ظلم النظام الرأسمالي، لأن من يعجز عن العمل يستحق أخذ كفايته من الدولة، فلم تبق هناك حاجة لتقاعد وإكراميات وتعويضات. والقيام بما يلزم لإشباع الحاجات الأساسية حق لكل من يعجز عنها على الدولة وليس على صاحب العمل لأنها من رعاية الشؤون وهي ليست على صاحب العمل. وأما ما يحتاجه العمال من ضمان صحي لهم ولأهلهم وضمان تعليم أبنائهم وما شاكل ذلك من الضمانات فهو على الدولة وليس على صاحب العمل ولا تبحث في موضوع الأجير والأجراء. وأما ضمان نفقاتهم في حال خروجهم من العمل فإنه على الدولة، إذ عليها أن توجد لهم أعمالاً، فإن لم توجد لهم أعمالاً كانوا عاجزين حكماً وحينئذ تطبق عليهم أحكام النفقة. وهكذا جميع ما هو موجود في بحث العمال في النظام الرأسمالي، وهي المشاكل الجارية الآن في المصانع والمعامل غير وارد على بحث الأجراء في الإسلام لأنه لا يتأتى وجوده لاختلاف الأساس الذي يقوم عليه تقدير أجر الأجير، ولاختلاف الجهة التي تلزم بكفالة الفقراء والعاجزين وإيجاد الأعمال لمن لا عمل لهم، ولاختلاف مفهوم الدولة في الإسلام عنها في الديمقراطية، إذ هي في الإسلام مؤسسة واحدة تباشر بنفسها جميع أمور رعاية الشؤون، ولكنها في الديمقراطية مؤسسات متعددة تشرف عليها مؤسسة واحدة هي الحكومة.

هذا هو المصدر الرابع من مصادر الاقتصاد وهو جهد الإنسان أو على الأصح الأجراء. ومن خطوطه العريضة يتبين أن الشرع أباح الإجارة، وأباح للمتعاقدين فيها أن يشترطا ما يشاءان لقول الرسول: «المسلمون عند شروطهم»وجعل تقدير الأجرة على أساس منفعة الجهد، وجعل السوق العام لمنافع الجهود الحكم إذا اختلف المتعاقدان والزمهما بما تفرضه هذه السوق حسب تقدير الخبراء. وبهذا قطع المنازعات في معاملات الإجارة كلها، وأتاح للمستأجر والأجير أن يبذلا نشاطاً غير محدود في الإنتاج.

كتاب السياسة الاقتصادية المثلى
أبو حاتم
http://web.alquds.com/docs/pdf-docs/2010/5/7/page21.pdf

القدس
7/5/2010
صفحة 21
أبو حاتم
http://www.maannews.net/arb/ViewDetails.aspx?ID=280770
.
Invision Power Board © 2001-2012 Invision Power Services, Inc.