الجمعة 16/5/1431 هـ
الموافق 30/4/2010 م
قرارات الحكام سم زعاف يسري في الأجسام
(الخطبة الأولى) أيها الناس: جرى سباق للخيل إبان ولاية عمرو بن العاص على مصر في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بين قبطي من أهل مصر وابن الوالي، فتغلب القبطي على ابن عمرو بن العاص، فضرب ابنُ الوالي القبطيَّ وهو يقول له: أنا ابن الأكرمين، فتقدم القبطي بشكواه إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، فقام باستدعاء الوالي وابنه، وطلب من القبطي أن يضرب ابن الوالي قائلًا: اضرب ابن الأكرمين، ثم أمره أن يضرب الوالي نفسه لأن ابن الوالي لم يجرؤ على ضرب الناس إلا بسلطان أبيه.
أيها الناس: تقول حكومة غزة: لقد رش الأمن المصري الأنفاق بغاز سام فقتل أربعة وجرح ستة آخرين، ما يعتبر جريمة رهيبة ارتكبها الأمن المصري ضد عمال فلسطينيين بسطاء يحاولون كسب قوتهم. أما حكومة مصر فتقول: إن مصر كانت تقوم بغلق فتحة نفق في مدينة رفح المصرية، وتسبب ذلك في انهيار نفق مجاور كان فيه المهربون. ولا صحة لما تناقلته بعض وسائل الإعلام عن قيام مصر باستخدام غازات سامة في تطهير أحد الأنفاق الأرضية على خط الحدود الدولي المشترك بين مصر وقطاع غزة. وفسر المصدر المصري موت العمال بالقول إنه كانت بحوزة المهربين مواد ملتهبة تسببت في إصابتهم بحروق شديدة وحالة اختناق، وإن هناك تنسيقا مسبقا بين المسؤولين في مصر والحكومة المقالة في غزة قبل تدمير أي نفق! ويُذكر أن السلطات المصرية قد قامت بتفجير أنفاق عديدة يتراوح عددها من العشرات إلى المئات وراح ضحيتها عشرات العمال الذين يخاطرون بأرواحهم لتحصيل لقمة عيشهم.
أيها الناس: لا شك أن إحدى الحكومتين كاذبة في قولها، فلا شك في أن هناك أنفاقا، ولا شك في أن أحدها قد انهار أو حصل فيه أمر غير عادي تسبب في سقوط قتلى وجرحى، ولا شك أن الذين قتلوا أو جرحوا كانوا يبحثون عن لقمة العيش بطرق التفافية بعد تعذر السبل الكريمة، ولم يكن تسللهم عبر الأنفاق لتحرير مصر من نظامها الطاغوتي، أو دحر الاحتلال عن غزة ورفع أطول حصار في التاريخ لشعب أعزل، فلماذا يقتلون ويجرحون؟ والجواب الذي لا جواب غيره لهذا السؤال هو: خدمة يهود والتزام بأمر أميركا والرباعية الدولية. يا للعار، عار والله عليكم يا أهل مصر الكنانة أن تفعلوا هذا بجيرانكم ذوي القربى، عار عليكم، فقد تجاوز نظامكم حدود كل خيانة، ألم يكفه خذلانه للمستضعفين، وترك فلسطين والأقصى تحت دنس يهود الذين أعلنوا الحرب على غزة من القاهرة! ألا يكفيه ضرب الحصار وبناء الجدار بلا خوف من الله أو خجل من عباده، ثم هو يتفنن اليوم في قتل المحاصرين بالغازات تارة وبالتفجيرات تارة أخرى؟!
أيها الناس: انظروا كيف كانت مصر لما حكمها الإسلام، وانظروا كيف أصبحت لما تخلت عن الحكم بما أنزل الله! وإننا والله في شوق إلى مصر عمرو بن العاص الذي فتحها وأدخلها إلى حياض الإسلام والعدل والكرامة، ونتوق إلى مصر قطز وبيبرس الذين سحقوا قوة التتار، ونتوق إلى مصر صلاح الدين الذي وحد صف مسلميها مع إخوانهم في الشام وحرر بيت المقدس من الصليبيين، ونتوق إلى مصر العز بن عبد السلام الذي حشد الأمة من خلفه لتضغط على الأمراء كي يجاهدوا في سبيل الله، ولا حاجة لنا بأنظمة تتكلم بألسنتنا وتقتل ضعيفنا وتنصر عدونا، وتبث علينا السموم بأنواعها فتقتلنا وتجرحنا وتقطع أوصالنا.
أيها الناس: إنه لن يطول الأمر بإذن الله حتى تزاح هذه الأنظمة عن صدر الأمة، ويقودها من يعمل فيها بكتاب الله ويجاهد في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله، فقد ظهرت خيانة هذه الأنظمة، وبان عوارها، ولم تعد ورقة التوت الإعلامية قادرة على ستر عوراتها وتغطية عيوبها، فقد اتسع الخرق على الراقع، وأوشكت الأمة أن تأخذ بحلاقيم هؤلاء الطواغيت، وترمي بهم وبعروشهم إلى المكان الذي يستحقون. فوالله ما رش الجنود المصريون الغاز ليقتلوا عمال الأنفاق إلا بأوامر من سلطانهم اللامبارك، وما قتل الجنود الباكستانيين إخوانهم في وزيرستان ووادي سوات إلا بأوامر من سلطانهم اللامشرف، وما فتكت قوات شرطة دايتون الفلسطينية بالمسيرات السلمية، وانتهكت حرمات المساجد، وفصلت الموظفين من وظائفهم إلا بسلطانها اللامحمود، وهكذا دواليك، فالمجرمون الحقيقيون هم الحكام وليس الجنود الأغبياء والضباط المنفذون المنتفعون. فما ينبغي لكتلة حماس البرلمانية أن تعبر عن استهجانها لما تقوم به السلطات المصرية من تشديد حلقات الحصار وممارسة القتل المبرمج ضد المواطنين الأبرياء الذين يبحثون عن قوت عيالهم وحليب أطفالهم في بواطن الأرض عبر شرايين الحياة الأساسية؟ وما ينبغي لها أن تطالب رئيس مصر بتحديد القتلة والمجرمين وتقديمهم إلى العدالة ومحاكمتهم، ولا أن تطالب القاهرة بمواقف جادة ومسؤولة لإنهاء الحصار عن قطاع غزة وفتح المعابر. فتلك السلطات خاضعة للقرار السياسي الذي اتخذه رئيسهم بتشديد الحصار وبناء الجدار؟ وتلك السلطات هي التي عشتم في أحضانها ردحاً من الزمن تفاوضون وتتفاهمون من أجل ما يعرف بالمصالحة الوطنية؟ وتلك السلطات هي التي تحافظ على أمن يهود أكثر من حفاظها على أمن مواطنيها في سيناء وغيرها؟ فلماذا العجب والدهشة؟ ولماذا المطالبات؟ وما هذه المفارقات يا كتلة الإصلاح والتغيير؟ {يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًۭا. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.
أيها الناس: إن الغاز السام الذي سرى في رئات عمال الأنفاق الأبرياء قتلهم واستراحوا من المعيشة الضنكا، وقد أقبلت أرواحهم إلى بارئها لتتعلق بقاتليها يوم القيامة تسألهم بين يدي الواحد الديان الذي لا يظلم عنده أحد قائلة: يا رب، سل هؤلاء فيم قتلونا؟ سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن رجل قتل مؤمنا ثم تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى، قال: ويحك وأنى له الهدى؟ سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: يجيء المقتول متعلقا بالقاتل يقول: يا رب سل هذا فيم قتلني؟ والله لقد أنزلها الله على نبيكم صلى الله عليه وسلم وما نسخها بعد إذ أنزلها، قال: ويحك وأنى له الهدى! فأنى لحكام المسلمين الهدى بعد أن قتلوا شعوبهم عمدا مع سبق الإصرار والترصد؟ وأنى لهم الهدى وقد حكموا الناس بغير ما أنزل الله، ووالوا أعداء الله ورسوله والمؤمنين؟ وكيف يطلب من هؤلاء أن يقدموا خيراً للأمة المنكوبة بهم وبوجودهم؟ وهل يجتنى من القتاد إلا الشوك؟
(الخطبة الثانية) أيها الناس: لقد قضى إخواننا – رحمهم الله - بعد أن استنشقوا السموم الغازية المباشرة وهم في أنفاق العزة والكرامة يطلبون الرزق الكفاف، وأما باقي المسلمين فإنهم يستنشقون سموم قرارات الحكام قياما وقعودا وعلى جنوبهم، الغازية منها والسائلة والمقولة، وكلها تخترق رئاتهم، وتقطع أمعاءهم، وتصخ آذانهم، وتعذبهم العذاب الأليم. فقرارات الحكام سموم تسري في أجسادنا، وأقوالهم وأعمالهم سموم تفتك بنا، وحتى مجرد رؤيتهم وسماع أخبارهم سم زعاف يعرضنا للموت البطيء كما قال المتنبي:
لا إفتخار إلا لمن لا يضام
مدرك أو محارب لا ينام
واحتمال الأذى ورؤية جانيه
غذاء تضوى به الأجسام
ليس عزما ما مُرّض المرء فيه
ليس هما ما عاق عنه الظلام
ذل من يغبط الذليل بعيش
رب عيش أخف منه الحمام
كل حلم أتى بغير اقتدار
حجة لاجئ إليها اللئام
من يهن يسهل الهوان عليه
ما لجرح بميت إيلام
أيها الناس: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن "لا ضرر ولا ضرار"، وأن الأصل إزالة الضرر، فلا يصح لنا شرعاً أن نسمح لحكامنا المضرين أن يجرعونا السموم القاتلة لتقتلنا ونحن ننظر لا نحرك ساكنا، فليس هذا والله من شيم المسلمين المؤمنين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، بل إن الواجب الشرعي علينا أن نهب في وجوههم، وننتفض عليهم، ونحرض عليهم أهل القوة والمنعة لخلعهم، وها هم إخوانكم في الباكستان قد قرروا أن يكون يوم التاسع من الشهر القادم يوم مناداة لأهل القوة والمنعة كي ينصروا حملة الدعوة للإطاحة بحاكم باكستان وطغمته الفاسدة، وإقامة خلافة إسلامية راشدة ثانية على منهاج النبوة، فاحذوا حذوهم، وكونوا معهم، وتابعوا أخبارهم، فلعلها تكون القاضية على عهد الظلم الذي طال أمده، ومؤذنة بانبلاج الصبح الذي طال ليله، وآزروهم بالدعاء إلى الله أن يؤيدهم بأقوياء المؤمنين عندهم. فاللهم نصرك الذي وعدت، اللهم نصرك الذي وعدت، اللهم نصرك الذي وعدت.

www.al-aqsa.org