بسم الله الرّحمان الرّحيم
العمّال يحتفلون في يوم ظلمهم
(حمد طبيب: ابو المعتصم )
الخطبة الاولى
الحمد لله ربّ العالمين
نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب اليه
وأشهد أن لاا له الا الله وحده لا شريك له القائل
﴿ اتّبعوا ما أنزل اليكم من ربّكم ولا تتّبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكّرون ﴾
وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله وصفيّه من خلقه وخليله ، بلّغ الرّسالة وأدّى الامانة ونصح أمّة الاسلام وتركها على المحجّة البيضاء ، ليلها كنهارها لايزيغ عنها الاّ هلك
القائل :" لتتّبعنّ سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتّىلو دخلوا جحر ضبّ دخلتموه" صلّى الله عليه وعلى آله وصحابته ومن سار على دربه واستنّ بسنّته الى
يوم الدّين.
وبعد أيّها الاخوة المؤمنون، يقول الحقّ تبارك وتعالى في محكم كتابه العزيز وهو اصدق القائلين عبد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم انّما يريد الله ليعذّبهم بها في الحياة الدّنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ﴾
أيها المسلمون
يحتفل الغربيّون والشرقيّون من الكفّار بعيد العمّال العالمي ، ويتّبع سنن هؤلاء الكفّار في احتفالاتهم بعض ابناء المسلمين في بلاد المسلمين.
فما هي حقيقة هذا العيد - أيّها المسلمون - وما هي اسبابه؟ وكيف نظر لمعالجة أمور العمل وأجرة الاجير وساعات العمل؟
وقبل الاجابة عن هذه الاسئلة - ايّها المسلمون - نقول: انّ الله تبارك وتعالى وهو العليم ، الخبير ، الحكيم ، قد أنزل للنّاس شريعة هادية مستقيمة، تهدي الى سواء السبيل
من اتّبعها فلا يظلّ ولا يشقى ومن جافاها وابتعد عن هداها ، ظلّ وضاع وشقي وكانت حياته ضنكا لا يطاق ، وهذا - ايّها المسلمون - مصداقا لقوله تعالى
فمن اتّبع هدايا فلا يظلّ ولا يشقى ، ومن أعرض عن ذكري فانّ له معيشة ضنكا ،و نحشره يوم القيامة أعمى
وحقيقة هذا العيد -أيها المسلمون -المسمّى بعيد العمّال العالميّ يندرج وينضوي تحت هذه القاعدة الربّانية العريضة ، فقد جاء هذا العيد بعد صراعات طويلة بين العمّال
في بلاد الغرب وبين أرباب الصناعات ، نتيجة احساس هؤلاء العمّال بالظلم وعدم الانصاف، ونتيجة تحميلهم فوق طاقتهم في العمل وبأجور قليلة نتيجة تحكّم الرأسماليين
برؤوس الاموال وبالصناعات والاسواق ومنها سوق العمل. وقد أخذ العمّال ينفّذون اضرابات طويلة بلغت في بعض البلاد مثل أمريكا أكثر من ثلاث سنوات متتالية. وبعد
هذه الاضرابات تدخّلت الدولة في كسر بند عريض من بنود النظّام الراسمالي وهو حريّة سوق العمل . فاضطرّت لتحديد ساعات العمل وتحديد حدّ لاجر الاجير ، فكان هذا
الحلّ زيادة في معاناة العمل والعامل وخديعة انطلت على العمّال ظنّوها حسنة ، وفي حقيقتها اهدار لجهودهم ومنافع اجارتهم لصالح الراسماليين أرباب العمل بشكل
قانونيّ منظّم .
أيها المسلمون
انّ نظام الاسلام العادل لايوجد فيه مشاكل عمل وعمّال ولاتوجد فيه مشكلة الفقر والفقراء ولا مشكلة اسمها " مشكلة اقتصادية" لانّ الاسلام قد وضع حلاّ لكلّ أمر
من الامور قبل وصوله لدرجة المشكلة أو الازمة. فالعامل في الاسلام لاتحدّد له أجرة اطلاقا كما هو عند الغرب، بالحدّ الادني لامور العيش، وانّما يتبع ذاك منافع الاجارة
التي يقدّمها هذا العامل، فقد يستحقّ على عمله عشرة دنانير وقد يستحقّ ألف دينار، فهذا الامر يتبع ما يقدّمه العامل من منافع. ومن الظلم تحديد أجرة لهذا العامل
وربطها بأمور العيش لانّ أمور العيش مرتبطة بالرّعاية التي تقدّمها الدّولة لجميع النّاس ، اذا نزلت أو انخفضت عن حدّها الادني ، وهي الحاجات الاساسية لاستمراريّـــة
العيش والحياة .
وهناك ظلم آخر - أيّها المسلمون - حدث في هذا العيد الذّي يحتفل به العمّال دون عمق في التفكير. هذا الظلم هو اجبار العامل على ساعات محدّدة في العمل ، دون أيّة
نظرة أخرى ، وهذا ظلم للعامل وتحمّل على طاقاته وتحميل له فوق رغباته في العمل.
ايها المسلمون
انّ العمل والاجارة في الاسلام هو عقد كأيّ عقد آخر، يتبع رغبات العامل وربّ العمل ضمن شروط شرعيّة معيّنة ولا دخل للدولة فيه ، سواء أكان ذلك في تحديد
السّاعات أو الاجرة التّي يستحقّها العامل على منافع جهده. وقد وضع الاسلام ضوابط شرعيّة تحفظ حقوق العامل مثل اعطائه الاجرة فور انتهائه من العمل. قال صلى
الله عليه وسلم:" أعط الاجير أجره قبل أن يجفّ عرقه" وقال عليه الصلاة والسلام:" ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة....." وذكر صلى الله عليه وسلم منهم رجلا استأجر
أجيرا ثمّ اكل عرقه أو جهده.
ومثل رعايته في حال العجز وعدم القدرة على العمل ورعاية أبنائه ومن يعول ، ومثل اعطائه من الاموال العامّة التّي ترجع منفعتها لجميع الرعايا بالدولة، ومثل
رعاية حاجاته بالطبّ والتعليم والتداوي مجّانا لهم ولجميع الرّعايا ، للعامل وغير العامل.ومثل رعاية حاجاته الاساسية الثلاث حسب أوسط النّاس في حال عدم قدرته
على اكمالها بنفسه في عمله وجهده ، وهذا النظّام -أيّها المسلمون - لا يوجد في دولة على وجه الارض بهذه الكيّفيّة التّي أمر الاسلام بها.
أيها المسلمون
رغم احتفال العمّال بهذا العيد ، مازال أغلب العمّال في أغلب بلاد الغرب والشرق يعانون من ظلم القوانين المطبّقة عليهم، ومازلت الاضرابات تستخدم هنا وهناك في
عدّة مناطق في العالم، ومازال الراسماليّون ينهبون أجرة العامل بطرق قانونيّة منظّمة عن طريق خفض قيمة النقد وزيادة أسعار الموّاد في الاسواق . ولايحلّ هذه
المشاكل جميعا -أيها المسلمون - الاّ نظام واحد هو نظام ربّ العزّة جلّ جلاله في ظلّ دولة ترعى وتطبّق هذا النّظام.
الاسلام -أيّها المسلمون - ليس كما يظنّ البعض من النّاس ،أنه بعض العبادات كالصّلاة والصّيام والحجّ . انّ الاسلام - أيّها المسلمون - هو نظام كامل متكامل ،قال تعالى
﴿ ونزّلنا عليك الكتاب تبيانا لكلّ شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ﴾
ولكن للاسف، فان أغلب المسلمين لا يدركون هذا الامر بسبب غياب دولة الاسلام التي تطبّق هذا النّظام في واقع الحياة . فهو نظام عادل فريد في الاقتصاد وفي
السياسة وفي الحكم وفي الاجتماع وفي كلّ شيء . وقد شهد بهذه الحقيقة البعض من الكفّار الراسماليين في الازمة الاقتصادية الاخيرة، حيث قال رئيس مجلّة
"شيلزنجر" (challenger) :" أظنّ أننا بحاجة أكثر في هذه الازمة الى قراءة القرآن بدلا من الانجيل ، ولو حاول القائمون على مصالحنا احترام ما ورد في القرآن
من تعاليم وأحكام وطبّقوها ، ما حصل بنا ما حلّ من كوارث وأزمات." ويقول رئيس تحرير (le journal) ، قال في مقالة له في الصحيفة نفسها :" يجب تطبيق
الشريعة الاسلامية في المجال المالي لوضع حدّ لهذه الازمة - الاقتصادية -" .
وقد طبّق المسلمون - أيّها المسلمون - هذا النظّام طيلة حياتهم في دولة وسلطان، حتّى صار الرّاكب من صنعاء الى حضرموت ، لا يخشى الاّ الله والذّئب على غنمه
وحتّى بحث عمّن يأخذ المال في عهد الخلفاء المسلمين، فلم يجدوا أحدا من فقراء، ونصب القضاء فكان قلّة من يأتون للمحاكمات بسبب العدل والتقوىز
فنسأله تعالى أن يكرم المسلمين في هذا الزّمان بدولة تطبّق هذا الدّين العادل المستقيم ليرى المسلمون عدله وليحملوه الى كلّ أنحاء الارض ، مردّدين قوله تعالى
﴿ وقل جاء الحقّ وزهق الباطل انّ الباطل كان زهوقا ﴾
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فيا فوز المستغفرين استغفروا الله
الخطبة الثانية
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على المبعوث هداية رحمة للنّاس أجمعين
وبعد ايها المؤمنون
اعلموا أنّ الدنيا دار ممرّ وانّ الاخرة هي دار المقرّ ، فتزوّدوا من ممرّكم لمقرّكم وتأهبّوا لحسابكم وعرضكم، فانكم غدا موقوفون وعلى أعمالكم ستحاسبون وسيعلم
الذّين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون
اللهم انصر الاسلام والمسلمين وأعلي يا مولانا راية الحقّ والدّين
اللهم من أراد بالاسلام والمسلمين خيرا فوفّقه الى كلّ خير ، ومن أراد بهم شرّا وسوءا ومكرا فخذه أخذ عزيز جبّار منتقم مقتدر ياكريم
اللهم أعزّنا بخلافة راشدة على منهاج النبوّة يرضى عنها ساكن الارض وخالق السماوات والارض يا ربّ العالمين.
اللهم أكرم هذه الامّة الطيّبة بحاكم طيّب كريم كأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، يقودها بكتابك وسنّة نبيّك ويحرّر المسجد الاقصى وكلّ بلاد المسلمين من دنس الكافرين
آمـــــــــين يا ربّ العــــــــالمين
الرّابط الصوتي
http://www.al-aqsa.org/index.php/nidaat/nn.../C10/S24/N1559/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بوركت شيخي الفاضل ( ابو المعتصم)