دولة الخلافة... دولة وحدة وليس إتحاد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على اشرف المرسلين، وبعد،،،
قال تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أمة وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ). الأنبياء:92
رحم الله هارون الرشيد، الذي خاطب غيمة، مارة من شرفة بيته في بغداد، قائلاً لها:"اذهبي أينما شئتي، فإن خراجك راجع إليَّ" دليل سعة الأرض المحكومة، ودليل على وحدتها. وطوبى لأمتنا، التي كان فيها العِيسُ، ينطلق بحرية، من أقاص الهند إلى أقاصِ أفريقيا، ورحم الله الخلفاء، الذين حكموا أغلب أفريقيا وآسيا، والأندلس والبلقان وغرب فرنسا، وجنوب إيطاليا، حتى وصلوا أبواب فينا، وأغلب أجزاء الاتحاد السوفيتي، رحمهم الله، وقد حكموا كل ذلك بدولة واحدة موحدة، تحت إمرة حاكم واحد.
أننا لم نفقد المقدمة، التي كان عليها آبائنا فقط، بل فقدنا المقدمة والمؤخرة، وداستنا النعال، ففي هذه السنوات الخداعات، فإن الصين التي تمثل ربع العالم، تسمى دولة والبحرين وهي في مثل محافظة متواضعة، تسمى دولة.
في هذا المحاضرة سنتطرق إلى ماهية هذه الوحدة، وحكمها الشرعي، وتطبيقها عبر التاريخ الإسلامي، وسننوه لأعداءها، وإلى المنادين فعلاً بها، ونتوج كل ذلك ببشائر دولة الوحدة الإسلامية.
الوحدة لغة ضد الفرقة، والوحدة تختلف عن الاتحاد، حسب المفاهيم السياسية الاصطلاحية في هذه الأيام.
فهناك الاتحاد الفدرالي: وهو من أشهر الاتحادات وأقواها، بحيث تكون السياسة الخارجية، تابعة لهيئة الاتحاد أي الحكومة المركزية، وكذلك المالية، والجيش، إضافة لوجود جهاز قضائي خاص أي محاكم اتحادية تفصل الخلافات بين الولايات، وتفصل أي خلاف قانوني بين حكومة الاتحاد وحكومة أي ولاية، ويحتم وجود اتفاقية أو ميثاق الاتحاد، إضافة للدستور الاتحادي، ومجلس للبرلمان الاتحادي إي الهيئة التشريعية، ورئيس الدولة، ينتخب انتخاب مباشر من الشعب، أو من ممثليه في البرلمان، علماً أن الاتحادات الفدرالية، ليست بالضرورة متشابهة، إلا أنه توجد قواسم مشتركة.
وأكبر اتحاد فدرالي، يتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية، من خمسين ولاية، وبرلمانها إي الكونجرس يتكون من مجلس النواب المنتخب حسب النسبة العددية لسكان الولاية، ومن مجلس الشيوخ الذي يضم ممثلان عن كل ولاية بغض النظر عن عدد سكانها. وكذلك ما كان يسمى الاتحاد السوفيتي، الذي ضم خمس عشرة جمهورية، قبل أن يتمزق شر ممزق، ويتفكك عراه إلى غير رجعة، وكذلك يوغسلافيا التي تكونت من ست جمهوريات قبل أن تصبها قارعة الذين سبقوها، وتتفكك بشكل دموي.
وهناك الاتحاد الكونفدرالي: وهو اتحاد أضعف من الفدرالي، وقليل الوجود، وصلاحيات قيادة الاتحاد التنفيذية، أقل من نظيرتها الفدرالية، لوجود ضوابط دستورية، وميثاقيه، وسلطات الجمهوريات المنضوية تحت الاتحاد الكونفدرالي، أكبر وأوسع من الولايات الفدرالية، فلكل جمهورية السيادة الكاملة على شؤونها الداخلية، وممارسته نزر يسير من الشؤون الخارجية، بحسب وثيقة الاتحاد والدستور. وسويسرا مثال على الاتحاد الكونفدرالي، حيث تتكون من أربع وعشرين جمهورية، أو "كنتون" تتوزع فيها اللغة الفرنسية، الألمانية، والإيطالية عبر أراضيها.
وعموما فان الدول القائمة على أساس هذه الاتحادات تعامل دولياً كوحدة سياسية واحدة، بخلاف الدول التي توقع على أحلاف أو ائتلافات سياسية، بين الحين والآخر، تحقيقاً لمصلحة ما، فإنها تبقى دول مستقلة ذات سيادة.
أما الوحدة، فهي اندماج كامل متكامل، بين أكثر من بلد في دولة واحدة، بحيث تختفي هويات تلك الدول، مثلما حصل مع دولة المانيا الموحدة. والوحدة هي الأمر الغالب على معظم الدول. وهذه الدول قد يوجد فيها ولايات، ولكن على أساس تقسيمات إدارية، لتسهيل رعاية الشؤون.
والمطلوب في دولة الخلافة، وحدة وليس اتحاد، حيث أمر الشرع بتنصيب خليفة واحد فقط للأمة الإسلامية، قال عليه السلام: "من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الأخر". وقال أيضاً: "إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهم". كما أن الصحابة، أجمعوا على حرمة وجود أكثر من خليفة للمسلمين.
ومعنى فرضية وجود خليفة واحد، هو حرمة تعدد الدول الإسلامية، كما أنه عليه السلام حكم حكماً مركزياً، وعين ولاة، وقد أجمع الصحابة أيضاً على الشكل الوحدوي للحكم، وليس الاتحادي، فقد قسمت البلاد تقسيماً إدارياً لتسهيل الحكم وليس تقسيماً للحكم، ففي عهد الصحابة، ورغم تعدد الشعوب، وتعدد الديار واتساعها وغير ذلك من الاختلافات، اعتبر المسلمون أنفسهم أمة واحدة، وبلاد واحدة، ودولة واحدة تحت حكم واحد، وفعله عليه السلام، وإجماع الصحابة دليلان شرعيان على وجوب وحدة الخلافة والأمة. والشكل السياسي للحكم في دولة الوحدة الإسلامية، هو طراز فريد ومختلف عن النظام الملكي، والجمهوري، والإمبراطوري، ومختلف عن الاتحادي.
إن الوحدة الإسلامية، ليست وحدة سياسية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، بين دول العالم الإسلامي اليوم، بل هي حكم الإسلام لبلاد المسلمين في ظل دولة الخلافة، فالخلافة هي الوحدة، أما الجامعة العربية، أو المؤتمر الإسلامي، أو أي صيغة اتحادية أخرى، فهي صور ممسوخة لإلهاء الأمة، وتنفيس مشاعر الوحدة عندها، أوجدها الاستعمار، لضمان التجزئة والفرقة الجذرية للأبد. والوحدة الإسلامية هي قضية مصيرية، يتخذ إزائها إجراء الحياة أو الموت، وتحملها الأمة على محمل الجد الشديد، مثلها مثل قضية استئناف الحياة الإسلامية، وقتل المرتدين، وتحرير أراضي المسلمين. نعم إنها حكم شرعي، منبثق من عقيدة الوحدانية، رب واحد، رسول واحد، وقرآن واحد، وخليفة واحد، وعقيدة واحدة، وأمة واحدة، ودولة واحدة.
ولقد ترجمت الوحدة الإسلامية، على أرض الواقع، منذ أسس عليه السلام الدولة في المدينة المنورة، حتى سقوطها في الأستانة عام 1924م، وخلال هذه المدة، ورغم انفصال بعض الولايات واقعياً، عن جسم الدولة الأساس، مثل الفاطميون في مصر، والأميون في الأندلس، إلا أن هذه أوضاع شاذة سرعان ما كانت تنتهي قياساً بالتاريخ الطويل، وكانت عبارة عن محاولات من القائمين على تلك الولايات، لاستلام الخلافة، لتصورهم أنهم أحق بها أكثر من كونها محاولات انفصالية.
والناظر في التاريخ الإسلامي، يرى صورة مشرقة، عن الوحدة الإسلامية بين شعوب شتى، وأقوام مختلفة، ولغات متباينة، صهرها الإسلام وحكمها بدولة واحدة، من عهد الهجرة، فالخلفاء الراشدين ثم الخلافة الأموية، ثم العباسية، وصولاً إلى العثمانية، التي مثلت أعظم وحدة يومذاك، فقد توغلت في أوروبا، وحافظت على رتبة الدولة الأولى في العالم مذ أصبحت كذلك زمن الفاروق، وبلغت من العظمة والقوة الشيء الأسطوري، فقد كانت تعبر فيها الخيول من الهند والسند حتى المغرب العربي، دون حواجز أو حدود. وبعد القضاء على الخلافة العثمانية، قسمت بلاد المسلمين شذر مذر، إلى أكثر من خمسين دولة.
واليوم أوشكنا أن ننسى، أن كل هذه البلاد، كانت دولة واحدة، ويجب شرعاً أن تكون دولة واحدة، تحت حاكم واحد، وقد روضنا الاستعمار على تذوق الفرقة حتى استمرئنا كل التشرذم.
إننا نعلم أن الاستعمار لا سيما بريطانيا هي التي أنهت خلافتنا، وقطّعت أوصال بلادنا حيث قامت بإنشاء هذه الكيانات الكرتونية الهزيلة، ومعها سرطان يهود في أعز بقعة، وأوجدت مؤتمرات ومؤسسات ظاهرها الوحدة وباطنها التجزئة تطبيقا لمبدأ "فرق تسد"، ولكنها تسترها بورقة توت. ولكن ما كان للكافر أن يقوم بما قام به لولا أننا كنا ضعفاء، وأشباه أحياء وما نحن بأحياء؛ نتيجة هجران ديننا وابتعادنا عن عقيدتنا، واستيلاء الأجنبي على عقليتنا النيرة، وتسليم قيادتنا لابناء من جلدتنا عقوا أمتهم وخانوا دينهم من أمثال: أتاتورك والشريف حسين.
وقد حصلت محاولات جزئية، باتجاه وحدة بعض الكيانات المشرذمة، ورغم علمنا انها لا تقع تحت باب الوحدة الإسلامية، إلا أنها خطوة باتجاه الوحدة، فهي تزيل عقبة، فضلاً أن أية وحدة لأراضي المسلمين، مهما صغرت، هي واجبة شرعاً. ولكن للأسف تم فك عرى وحدة أبناء الضفتين، لأجل إنشاء ما سمي بالدولة الفلسطينية، على أرض الهباء وفي الهواء، بل وتمزقت إلى مسخين الضفة وغزة، كما ان دولة اليمن تعاني من اكبر المخاطر لإعادة فصلها، ومثلها السودان وجنوبه، وقبلها اندونيسيا واتشي... وغيرها الكثير.
ومن العقبات الداخلية في طريق الوحدة:
• انتشار الأفكار الخاطئة والمغلوطة-والتي بدأ بعضها يتهاوى- كالأفكار الاشتراكية، والرأسمالية، والديمقراطية، ومفاهيم الاستقلال والحرية لكل بلد وسيادة البلد، …الخ.
• التوجهات القومية، والوطنية، والطائفية، والتعصب للغة.
• الاتجاه الذي يقوم بإحياء العادات والتراث والأفكار البائدة، مثل احتفالات فرعونية، نوبية، كنعانية، رومانية...
• اتجاه من يقول بأن الفرقة هي الأصل، وأن عدة عقود من الانفصال، قد أوجدت من الاختلاف ما يستحيل معه الاتفاق والانسجام، كما أن البعض يرى أنه لا ضير من بقاء الدول على الأساس الوطني، مع نوع من التنسيق القومي عند البعض، أو التنسيق الإسلامي عند آخرون.
• إفرازات الفرقة السيئة والتي من أبرزها اشمئزاز بعض من تتوفر الخيرات في بلادهم، من الوحدة التي ستؤدي –حسب زعمهم- إلى مشاركة آخرين فيها، أو إلى أزمة عمل وإسكان، أو إلى تلاشي البحبوحة المعيشية الخ.
• العملاء المندسون بين المسلمين، وبعضهم يلبس ثوب الإسلام، أو القومية، والذي يقوم بأي عمل، من شأنه المحافظة على التجزئة والفرقة، حسب أوامر أسياده في الغرب.
• الحكام وقوات الأمن الخاصة، التي وجدت لقمع أي عمل مخلص للخلافة والوحدة.
ومن العقبات الخارجية:
• الاستعمار الغربي، لا سيما أمريكا وأوروبا، فهو يخطط باستمرار لإحباط الوحدة، بل وضربها لو قامت، مستعيناً بذكريات الماضي من أمجاد المسلمين وعزتهم، والتي ذاقوا منها الكثير.
• إسرائيل، التي هي وليدة الغرب والاستعمار وعصاه الغليظة التي يبطش بها وعن طريقِها أي تحرك مخلص يهدد الغرب في المنطقة، والتي هي شوكة في حلق المسلمين، وسد في وجه الوحدة.
• النظام الدولي الجديد، والتي تبلوره أمريكا، وتسير فيه باقي الدول، طوعاً أو كرهاً.
• مؤسسات المنظمات الدولية والإقليمية.
أن القوميين والوطنيين، وسائر الإقليميين، لا يعتبرون من المنادين بالوحدة الإسلامية، بل أن زعمائهم من ألد أعدائها، لذلك فدائرة المنادين بها تضم من يحمل "الفكر الإسلامي"، وليس أي فكر آخر، والقسم الأعظم منهم هم أبناء الحركات الإسلامية، والتي تسعى لاستئناف الحياة الإسلامية، والبقية هم باقي أفراد الأمة الإسلامية.
إن الناظر باستنارة وتبصر، يستيقن أن القضية المصيرية للأمة الإسلامية، هي إيجاد دولة إسلامية لهم، تحكم بلادهم، كل بلادهم، تحت حكم واحد، وأن ينتظم عرى الأمة الإسلامية بالإسلام ولأجله، وأملنا بالله العظيم مطلق، أن تستأنف الحياة الإسلامية، وتتكون دولة المليار مسلم، وأن نتحول من أغنام تسير جذلى للذبح، إلى قوة ضاربة دولية، ويتحقق وعد الله تعالى، في النصر المبين، قال تعالى: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ ) 55-النور، ووعده على لسان رسوله عليه السلام (إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها و إن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها) رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد.
فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (6) وَنَرَاهُ قَرِيباً (7) / المعراج