إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ
الحمد لله أمهل الظالمين ولم يهملهم, ثم أخذهم أخذ عزيز منتقم ولم يفلتهم, وتوعد المتغطرسين بالخزي في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة, فقال جلَّ شأنه:- {وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} وصلوات ربي وسلامه عليك يا حبيبي يا رسول الله, يا من أخضعت رقاب الجبابرة وهشمت رؤوس الأكاسرة, وحكمت بالعدل والحق حتى استوليت على القلوب فانقادت لك العقول, ثم حذرتنا من جور السلطان فقلت:-
"من وَليَ أمرَ عشرةٍ من أمتي جاء يومَ القيامةِ يداه مغلولتانِ إلى عنقه حتى يفكهُ العدلُ أو يُوبقَهُ الجَوْر"
أيها الناس: لقد أطبق الظلم والجور على الدنيا بأسرها حتى لم يعد يُرى بصيصُ الحق والعدل فيها, وهذه هي نتيجة حتمية لتطبيقات الرأسمالية ومفاهيم الكفر الغربية, وليس لهذا الواقع للإسلام منه نصيب, لأنه مغيبٌ عن التطبيق والتنفيذ منذ هدم دولته.
نعم, هُدمت دولة الإسلام وبعدها أصبحنا أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام, وضاقت علينا الأرض بما رحبت وضاقت علينا أنفسنا وتنكرت لنا الدنيا, فأصبحنا كالشاة الجرباء في الليلة الشاتية, تتقاذفنا الأمواج السياسية يُمنةً ويسرة, وتتلاعب بنا الرياح الخيانية باردة وحارة, وتهوي بنا المؤامرات إلى واد سحيق وقعر عميق, وفي وسط الزحام ومن بين الركام نهض رجلٌ هُمام ليأخذ بيد الأمة إلى جادة الصواب وطريق الخلاص بوضعها على خطى رسولها الكريم صلى الله عليه وآله وسلم لتتنسم خطاه ولتسير على هداه, وذلك بإحسان فهم مبدأ الإسلام العظيم وتطبيقه وحمله للعالمين, بدأت دعوته منذ قرابة ستين سنه من بيت المقدس, نورٌ سطع من الأقصى فعّمت أنواره أرجاء العالم, لاستئناف ما انقطع من الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة التي تآمر على هدمها الكافر المستعمر بالتعاون مع خونة العرب والترك الذين باعوا أنفسهم للشيطان.
فمنذ ذلك اليوم الذي أخذت فيه الأمة تتلمس طريق الخلاص, أخذ التثقيف في ثلة من أبناء الأمة مأخذه, ثم أخذت تتفاعل مع شرائح الأمة المختلفة حتى أصبحت الأمة تنادي بالخلافة على منهاج النبوة خلاصاً لها من أزماتها ونكباتها فتغلغلت في أوساط الأمة أهميةُ العقيدة والخلافة والجهاد, حتى قامت على هذه الأفكار جماعات وحركات وأحزاب فأصبحت مطلباً جماهيرياً ورأياً عاماً منبثقاً عن وعي عام.
ولكن ما جعل الأمة حتى الآن تتأخر عن إيجاد كيانها السياسي هو تخلفُ أهلِّ القوة والمنعة فيها عن نصرتها, بل لا أقول أن الجيوش الإسلامية تخلفت حتى الآن عن شرف نصرة الإسلام, بل أصبحت تُجيّشُ لضرب أي مشروع إسلامي وتسدد الأهداف لصالح الخونة من الحكام والمتآمرين على أمة الإسلام.
ولكن المخلصين من أبناء هذه الأمة الذين يعملون فيها ومعها ومن أجل خلاصها أدركوا واجبهم تماماً فقاموا بالاتصال مع أهل القوة والمنعة في الأمة لوضعهم أمام واجباتهم ومسؤولياتهم بالدفاع عن الأمة وحفظ كيانها والجهاد في سبيل الله معها, وحرصاً منهم على توضيح الرسالة ورسم معالم الطريق سيعقد إخوانُنا في الباكستان بعد يومين _التاسع من أيار_ مؤتمراً ضخماً لتوجيه خطاب لكل من كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد من أهل القوة في هذه الأمة أمام مقر الصحافة طالباً من جميع وسائل الإعلام في العالم بتغطية هذا الحدث الجلل, ونحن هنا في فلسطين الأسيرة ندعو لهم بالسداد والتوفيق, مطالبين الجيوش في العالم الإسلامي بأن تلبي نداء الله _نعم_ نداء الله قبل أن يكون نداء العالمين لتحكيم شرع الله في أرض الله على عباد الله, فالله جل في علاه يقول في سورة الفتح: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10) }
يُعقد هذا المؤتمر في الباكستان لتوجيه خطاب طلب النصرة من مظانها من أهل القوة والمنعة تأسيّاً بحبيبنا وقائدنا رسول الله الذي ثقف أصحابه وتفاعل مع المجتمع وطلب النصرة وكان يسأل أهلها سؤالاً واضحاً :-
(كيف المنعة فيكم) فإن لم يجد عندهم منعةً تركهم إلى غيرهم حتى أراد الله الخير للأوس والخزرج فكانوا الأنصار _أنصار الله ورسوله_ وهكذا يجب على كلِّ مسلم غيور على دينه أن يفعل تماماً كما فعل قدوتنا محمد ليصل إلى ما وصل إليه من عز ونصر وتمكين.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون, أقول قولي هذا ...













الخطبة الثانية
الطبراني باسناد قواه الحافظ في الفتح: حدثنا عُبَيْدُ بن غَنَّامٍ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بن سُلَيْمَانَ عَنْ مُجَالِدٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُقْبَةَ بن عَمْرٍو أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: وَعَدَنَا رَسُولُ اللَّهِ ص فِي أَصْلِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ الأَضْحَى، وَنَحْنُ سَبْعُونَ رَجُلا، قَالَ عُقْبَةُ: إِنِّي لأَصْغَرُهُمْ سِنًّا فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ص، فَقَالَ: "أَوْجِزُوا فِي الْخُطْبَةِ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ كُفَّارَ قُرَيْشٍ"، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَلْنَا لِرَبِّكَ، وَسَلْنَا لِنَفْسِكَ، وَسَلْنَا لأَصْحَابِكَ، وَأَخْبِرْنَا مَا لَنَا مِنَ الثَّوَابِ عَلَى اللَّهِ ﻷ وَعَلَيْكَ، فَقَالَ: "أَمَّا الَّذِي أَسْأَلُ لِرَبِّي أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِي أَسْأَلُ لِنَفْسِي فَإِنِّي أَسْأَلُكُمْ أَنْ تُطِيعُونِي أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ، وَأَسْأَلُكُمْ لِي وَلأَصْحَابِي أَنْ تُوَاسُونَا فِي ذَاتِ أَيْدِيكُمْ، وَأَنْ تَمْنَعُونَا مِمَّا مَنَعْتُمْ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ، فَإِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَلَكُمْ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةُ وَعَلَيَّ"، قَالَ: فَمَدَدْنَا أَيْدِيَنَا فَبَايَعْنَاهُ.
أيها الناس: هذه بيعة العقبة الثانية التي غيّرت وجه التاريخ في العالم ومعالم الجغرافيا في الدنيا, فمن لبيعة العقبة الثالثة ليفوز بخيري الدنيا والآخرة.
يا مِصرُ يا عمَانُ أين جيوشُكم؟ هذي الليالي السُّودُ أين صباحُها
يا جيشَ تركيا الأبيَّ لَكَمْ لَكُم من قبلُ ضرباتٍ تَغورُ جِرَاحُها
يا جيشَ سوريا الأبيَّ تحركوا قدْ هبَّ مِن لَدُنِ الجِنانِ رياحُها
بغدادُ: مُعتصماهُ كم صاحتْ بها ثكلى, ولكن أين حَطَّ صِياحُها
أيها الناس:- إننا ننتظر الآن ممن بيدهم مقاليد الأمور يوماً ينصرون فيه الإسلام وأهله.. إننا ننتظر منهم يوماً كيوم أبي بكر في الردة، وخالد في اليرموك، وسعد في القادسية، وصلاح الدين في حطين، وقطز في عين جالوت ومحمد الفاتح في القسطنطينية، ننتظر من سيحوز وسام الشرف بتحقيق نبوءة رسول الله بفتح روما معقل النصرانية وحينا نبعثُ برسالةٍ عاجلةٍ إلى أميرِ الشعراءِ أحمد شوقي الذي رثى الخلافةَ العثمانية بقوله:
عادت أغاني العرس رَجعَ نُواح ونُعيتِ بين معالم الأفراح
كُفِّنت في ليل الزفاف بثوبه ودُفنتِ عند تبلّج الإصباح
شُيّعت من هلَعٍ بعَبْرةِ ضاحكٍ في كل ناحيةٍ, وسكرةِ صاحِ
ضجَّت عليك مآذنٌ ومنابر وبكت عليك ممالك ونواح
الهند والهـةٌ ومصر حزينة تبكي عليك بمدمع سحاح
والشام تسأل والعراق وفارس أمحا من الأرضِ الخلافةَ ماح؟
فنقول له ولأمتنا الإسلامية ونحن نحمل خبر إعلان قيام الخلافة من جديد:
عادت ليالي العرسِ بالأفراح قد لاحَ فجرٌ مُبْلَجُ الإصباحِ
فرمالُ غزةَ خُضِّبَت بدمائنا وبَكَتْ أباها طِفلَةُ النُّزَّاحِ
وصدقت شوقي قد ذُكرتَ برحمةٍ لما رَثَيتَ خلافةً بنُواحِ
ورأيتَ كلَّ الهولِ من أيامِها ببصيرة من لحظِك اللّمّاحِ
واليومَ نرقُب عودةً لخلافةٍ وبنورِ ربي يهتدي مصباحي
ما خابَ عبدٌ حسبُه من ربِّه وعدُ الكتابِ وبِشرُهُ بِصِحاح
إنا نراها فرحةً قد أقبلت بالنصر بالتمكين بالإصباح.
وصدق رسولُ اللهِ في حديثه الذي يرويه عن ربِه:{وعزتي وجلالي وارتفاعي فوقَ عرشي، ما من قريةٍ ولا أهلِ بيتٍ كانوا على ما كِرهتُ من معصيتي ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي إلا تحولتُ لهم عما يكرهون من عذابي إلى ما يُحبون من رحمتي).
إلهي قد أصبحت أهواؤنا شيعاً فامنُن علينا براعٍ أنت ترضاهُ
راعٍ يُعيدُ إلى الإسلامِ سيرتَه يرعى بنيه وعينُ اللهِ ترعاهُ
اللهم ألهم هذه الأمة رشدها، وارض عنها، وأجب دعاءها، ومكن لها دينها، واجعلها هادية مهدية، اللهم اجعلها للخير أهلاً، ولرضاك محلاً، اللهم اجمعها على إمام، وانصرها على الكفار اللئام، واجعلها أهلاً للشهادة على الأنام، اللهم هيئ لنا السند والحامي وأزرنا بأقوياء المؤمنين وأتقيائهم، يا أرحم الراحمين، كنا لأنفسنا ظالمين، ولشرعك معطلين، ونحن اليوم لتطبيقه بالأشواق، قد ذلت منا إليك الأعناق. فاقبل توبتنا، واجمع فرقتنا، بعزتك وجلالك، ارحم ضعفنا واجبر كسرنا، ووحد شملنا، اللهم حقق وعدك، وعجل نصرك، وانشر رحمتك، نسألك العافية في السر والعلانية، يا أرحم الراحمين، اللهم أبدلنا بالفرقة جماعة على إمام, بالغثائية قوة ومنعة, وبالإحجام إقداماً, وبالخذلان نصراً, وبالجور عدلا, وبالمظاهرات زحفاً, وبالدفع طلباً, وبالخور عزماً, وبالعصبية أخوة ورحمة, وبالخوف أمنا, يا منان يا حنان, يا أكرم الأكرمين أكرمنا ولا تهنّا أعطنا ولا تحرمنا.