الحد الفاصل بين ما يجوز سنه بالعقل, و ما لا يجوز من قوانين؟
الإخوة الأكارم: ليكن معلوماً لديكم بداهة أن الإنسان يقوم بأفعال تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول منها: أفعال جبلية, مثل البصر والسمع والتنفس والشمِّ وغيرها .
هذه الأفعال لا يوجد بها تأس ٍ, لأنها جبلية, لا ثواب فيها ولا عقاب .
أما القسم الثاني: وهو المقصود, فهي الأفعال التي يترتب عليها مدح أو ذم في الدنيا, وثواب أو عقاب في الآخرة. وهذا بيت القصيد. فالإنسان مادة, وقد أودع الله فيه الروح ( سر الحياة ) من أجل إشباع غرائزه فيبذل الإنسان جهده لإشباعها نتيجة الإثارة الداخلية للحاجات العضوية وببذل جهده كذلك لإشباع غرائزه, فالطاقة الحيوية هي المُسير الأصلي للجسم .
والأعمال التي يقوم بها الإنسان لا تخرج عن كونها أعمالاً لإشباع غرائزه وحاجاته العضوية, فالإنسان لا يقوم بأعمال إلاَّ من أجل تحقيق غاية في نفسه, فإما أن تكون الغاية نفعية مطلقاً كالنظام الرأسمالي, ولا اعتبار عنده للإنسان بوصفه إنسان بقدر ما يُحقق له مصالح ومنافع, وعليه كان جُلَّ همه استعمار الشعوب .
أما المسلم فقد جعل أسمى غاياته نيل رضوان الله تبارك وتعالى, وقد أدرك أنه مخلوق لخالق أزلي واجب الوجود, له الأمر والنهي فعـَّال لما يريد, فجعل مقياس الأعمال الحلال والحرام حسب أوامر الله ونواهيه. كيف لا وقد ألزمه الباري أن لا يُقدم على أي عمل حتى يعلم حكم الله ورسوله فيه, قبل أن يقوم بأي فعل فإن كان أمراً يقدم, وإن كان نهياً يحجم .
لأن الأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي. ولأن القاعدة الشرعية تقول: لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود الشرع.
الإخوة الأكارم: هناك أحكام متعلقة بالفعل بحد ذاته, لا تحتمل مدحاً أو ذماً, كالقتل مثلاً, فالقتل مجرداً لا يحتمل مدحاً ولا ذماً, وعندما يكون لديه وجهة نظر خاصة عن الكون والإنسان والحياة, فإنه يُسَيِّرُ سلوكه حسب مفاهيمه, فينظر إلى عقيدته وما أتت به من أفكار, فيؤمن بها مُسَلماً, أو ما انبثق عنها من أنظمة ومعالجات فيلتزم بهما .
فقتل الكافر المحارب, أو قتل القاتل عمداً, أو قتل الثيب الزاني, هذه الأفعال ممدوحة .
أما قتل النفس المعصومة دون جريرة, فهذا القتل مذموم عند الله ورُتب على فاعله حدٌّ في الدنيا, وعقاب في الآخرة.
وهذا يعني أن الإنسان يحتاج إلى معرفة حكم الله في حالتِهِ التي هو فيها.
وأوجب عليه أيضاً طلب الأدلة الشرعية من مصادرها فقط, وحرَّم ما سواها. وتطبيقها على ذلك الفعل, حتى يعرف حكم الله في الفعل من كونه: فرضاً, أو حراماً, أو مباحاً, أو مندوباً, أو مكروها, وبدون الدليل السمعي بهذه الأحكام, فلا يمكن أن نحكم بإباحة ولا حرمة ولا غيرها من الأحكام الشرعية الخمسة إلاَّ أن يقوم الدليل السمعي على هذه الأحكام من الكتاب أو السنة أو إجماع الصحابة أو القياس .
والأشياء غير الأفعال: فالأشياء هي المواد التي يتصرف فيها الإنسان بأفعاله, وتستعمل لتنفيذ الفعل الذي أراد الإنسان به الإشباع, لأن الدليل العام في النصوص أباح جميع الأشياء إلاَّ ما استثناه الشارع الحكيم .
الإخوة الأكارم: الحكم على الأشياء مجرداً ممكن أن يَحكم الإنسان عليه: فنقول بأن السكر حلو, أو أن العلقم مر .
أما الحُكم على الأشياء والأفعال بالحسن والقبح من جهة الثواب والعقاب عليها لا يكون إلاَّ من عند الله سبحانه وتعالى, فإنه ليس للإنسان, وذلكَ لأنه عاجز بما أعطي من خصائص, عن معرفة كون الأمر مما يثيب عليه الله, لأن ذلك لا يقع تحت حسِّه, فلا يمكن أن يدركه عقله إلاَّ بإخبار من الله تبارك وتعالى, وهذا الإخبار جاء من الكامل كمالاً مطلقاً نزل به الوحي الأمين, فما يراه الإنسان حسناً, بعد حين سيصبح قبيحاً, وبالعكس .
وقد يرى المرض أو الفقر أو فقدان عزيز عليه يراه بحكمه هو أنه قبيح . ولكن المسلم التقي النقي يقدم على القيام بأيِّ فعل ويصفه بالخيرية أو الشر, أو المدح أو الذم أو الحسن أو القبح: فينظر إن كان الشرع قد حسنه فهو عنده حسن: كالجهاد وإقامة الحدود, ويصفه بالقبح إن كان الشرع قد ذمه أو رتب عليه عقاباً, لأن ميزان المسلم حين قيامه بأي فعل أو قول هو الحلال والحرام .
وعليه: فإن وصف الأفعال بالخير والشر, وكذلك وصف الأشياء بالحسن والقبح, أو بالحلال والحرام, من جهة الثواب والعقاب, هو للشرع الذي أنزله الله تبارك وتعالى, وليس للعقل, أو للقوانين التي وضعها الإنسان من عنده .
أما بالنسبة للحكم الخامس من الأحكام الشرعية والمتعلق بالمباح وقد عرفه الأصوليون: بأنهُ خطاب الشارع بالتخيير بين الفعل والترك, إفعل ولا تفعل. فالله تبارك وتعالى أباح الأشياء جميعها بمعنى أنه أحلها. وبعضُ الأفعال العامَّة عندنا من المباحات, مثل القوانين الإدارية, كقانون السير, أو النظام الإداري, أو المجالس البلدية. فأصل هذه الأمور أنها مباحة حتى وإن أخذناها من غير المسلمين, إن لم تكن متعلقة بوجهة نظر عن الحياة, وليست خاصة بمبدأ.
إذن يجوز أن نأخذ منهم ما هو متعلق بالمدنية العامة, ولا نأخذ من المدنية الخاصة, ولا يجوز أن نأخذ من الحضارة أبداً, فيجوز أن نأخذ كيفية صناعة الطائرات والغواصات والدبابات وكل ما هو متعلق بتقوية شوكة المسلمين, وإرهاب الأعداء, وكذلك صناعة السيارات وجميع أنواع الماكنات, وبذل الجهد والطاقات وكافة الإمكانيات الذاتية في كل أمر إن أمكن, والعمل الجاد والدؤوب للتخلص من سيطرة وهيمنة الغرب والشرق, والإعتماد على قوانا الذاتية, حتى نتمكن من صناعة الماكنة التي تصنع القالب ونصنع الدواء, ونصنع أدوات الزراعة, ونصنع كل ما يلزمنا في كل أمر, وأن نكرر البترول في بلادنا, وألاَّ نبيعه ألاِّ بالذهب أو الفضة. وتوزيع المال على المسلمين بالتساوي, لا فرق بين حاكم ومحكوم, لا كما يفعل المجرمون من حكام العرب والمسلمين وقد أهدروا طاقات وإمكانيات المسلمين, فلا يرعوا شؤونهم, ولا اعتبار لهم عندهم, فلم يمكنوهم من خيراتهم, ولم يملكوهم الإنتفاع منها, وحتى إشباع الحاجات الأساسية حرموهم منها, ولم ينصحوهم لما فيه الخير لهم, وجل همهم إرضاء أسيادهم من الكفار المستعمرين, وهم مبدعون في قهر شعوبهم, فأضاعوا وفرطوا بمقدراتهم . فأخذوا من الكفار حضارتهم, وطريقة عيشهم, وتبنوا أفكارهم, واحتكموا لأنظمتهم, واستنوا بسنتهم, وطبقوها علينا, وأخذوا النظام الإقتصادي الغربي الوضعي القائم على الربا المحرم, ولم يأخذوا سياستنا الإقتصادية .
وانتشر الربا في أمهات بلاد المسلمين, فالمسلمون يطوفون بالكعبة: ومن حولها الربا قائم على أشده.
فحملونا ما نكرهه, وكلفونا ما لا نطيق, فهم ليسوا منا ولا نحن منهم .
حتى الأملاك العامة استأثروا بها لأنفسهم ومعهم بطانتهم وحاشيتهم وزبانيتهم, وحرموا أصحابها منها, كالركاز والأرض الموات, والأملاك العامة.
ووالله الذي لا إله غيره: لو ملكنا صنبورة البترول بأيدينا, لملكنا العالم من عنقه.
هذا ما يجب أن نأخذه من الصناعة وأدوات الإنتاج, وهذه الأشياء عالمية ولا تختص بوجهة النظر, أما إن كانت خلاف ذلك فلا يجوز, من مثل صناعة ماكنات القمار, أو صناعة الأفلام الإباحية أو الترويج لها بذريعة الحرية الشخصية. أو استغلال أنوثة المرأة, فكل ما كان متعلقاً بحضارتهم لا يؤخذ, وكل ما يدخل بالثقافة كالتصوير والنحت والموسيقى فلا تؤخذ إذا تناقضت مع وجهة النظر في الإسلام. ويجب أن يكون الإسلام والإسلام وحده هو المحور الذي تدور حوله جميع الأفكار والأحكام والأنظمة والمعالجات, وكذلك جميع السياسات, الداخلية منها والخارجية, العامة والخاصة .
وقد أجاز الإسلام للعقل أن ينظم فيما هو متعلق بالمباحات, وأن يضع القوانين الإدارية أو أخذها من الغير بدون حرج, لأنها ليست من الأفعال التي يترتب عليها مدح أو ذم, لأن أصلها مباح, والضابط في أخذها هو السهولة والمتعلقة بالتسهيل والتيسير على الناس, فرعاية المصالح وتسهيل المعاملات, والرفق والإحسان في كل أمر هو المطلوب, والنهي عن التضييق, وعدم الإقعاد, تماما كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يوم أخذ الدواوين من الفرس من أجل تذليل العقبات, وجعل العلاقات بين الأفراد سهلة ميسورة تتم بزمن قصير, وجهد يسير, ومبلغ زهيد ( إن لم يكن بدون مقابل). وكما أخذ الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم بمشورة الصحابي الجليل سلمان الفارسي بفكرة الخندق, وأخذ برأي الحباب بن المنذر في بدر, لأنه كان صائبا وإن كان من رجل واحد. فالحرب خدعه, فلا يعقل أن يجاهد المسلمون بكيفية محددة دائما وإلاَّ انكشفت خطتهم في معاركهم. ولكن لها طريقه ثابتة متعلقة بالحكم الشرعي, فيكون لزاما على أمير الجهاد أن يَدعوهم إلا خصال ثلاث: إما الإسلام, أو الجزية, أو القتال.
أمَّا الأفعال فهي ما يقوم به الإنسان من تصرفات فعلية أو قولية لإشباع جوعاته, والأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي, لأن التحليل والتحريم هو من شأن الله وحده, وليس لأحد من البشر أن يشركه فيه .
وكل من يعطي رأياً من عنده فهو آثم معتد أثيم ومفتر على الله سبحانه وتعالى .
وعليه: فكل عمل من الأعمال التي يقوم بها المسلم يجب أن يعلم حكم الله في هذا العمل قبل مباشرته له, لأن الله سبحانه وتعالى الزمنا تطبيق الأحكام الشرعية, وحرم الأخذ من سواها. وسيسألنا مولانا عما فعلناه لقوله تعالى: ( فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ
أَجْمَعِيْنَ {92} عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ {93}) الحجر .
وقوله عليه السلام: ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ).
وقوله: (من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده. من غير أن ينقص من أجورهم شيء. ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده. من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) رواه مسلم.
وقوله أيضاً: ( أيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع فإن له مثل أوزار من اتبعه ولا ينقص من أوزارهم شيئا, وأيما داع دعا إلى هدى فاتبع فإن له مثل أجور من اتبعه ولا ينقص من أجورهم شيئا ) وقد قيل: إن المراد أعوان الظلمة. وقيل: أصحاب البدع إذا اتبعوا عليها. وقيل: محدثوا السنن الحادثة إذا عمل بها من بعدهم. والمعنى متقارب والحديث يجمع ذلك كله .
وصدق الله العلي العظيم إذ يقول: ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ {50} المائدة.
ويقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم: ( لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء )
فنحن أيها الإخوة الكرام: نرفض الروايات الإسرائيلية جملة وتفصيلا, ونرفض رواياتهم التي تعتمد على التخمين والتشهي والهوى, وكذلك النهي عن سماع رواياتهم وأخبارهم المحرفة, فكيف بمن أخذها وتبناها وجعلها أساس حكمه والفصل في قضائه !!
أيها الإخوة العقلاء: التوراة والإنجيل أصلهما سماويٌّ وقد حُرفا على يد الأحبار والرهبان! وقد نهانا الله أن نحتكم لأي منهما! فعن جابر بن عبد الله: ( أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب, فقرأه النبي صلى الله عليه وسلم فغضب فقال: أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب, والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية, لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به, أو بباطل فتصدقوا به, والذي نفسي بيده لو أن موسى صلى الله عليه وسلم كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني). رواه أحمد في مسنده.
فإذا كنا قد نـُهينا عن أخذ كلام ٍوضعيٍّ, وضَعَهُ المؤلفون من نسج خيالهم الممزوج بالهوى, ألا يكون التحذير أشد, وقد أخذنا التشريعات والأنظمة والدساتير والقوانين من البشر مباشرة. ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي العظيم.
