الجمعة 7/6/1431 هـ
الموافق 21/5/2010 م
قادتنا اليوم وزعماؤنا لا يعقلون
الخطبة الأولى (أيها الناس): يقول الحق تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ}. يقول ابن كثير رحمة الله في تفسيره لهذه الآية: أي قد لاح على صَفَحات وجوههم، وفلتات ألسنتهم من العداوة، مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله، ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل. وقال القرطبي رحمه الله: هذا إخبار وإعلام بأنهم يبطنون من البغضاء أكثر مما يظهرون بأفواههم.
أيها الناس: نشرت صحيفة "ذي نيشن" قبل أيام قليلة تعليقاً على مقابلة للجنرال ريتشارد دنّات، تحت عنوان: الحرب الأفغانية حربٌ على الإسلام، حيث ذُكر أنّ قائد القوات البريطانية السابق - الذي تقاعد حديثاً وعُيّن مستشاراً للدفاع ضمن رئاسة رئيس الوزراء البريطاني الجديد يوم الأحد - أكد على أنّ الحرب في أفغانستان حربٌ على الإسلام، وذلك في مقابلة له على راديو بي بي سي في برنامج عندما سُئل عن استمرار بريطانيا في احتلال افغانستان، قال الجنرال ريتشارد دنّات: هناك أجندة إسلامية والتي إن لم نتعرض لها ونواجهها في جنوب أفغانستان أو في أفغانستان أو جنوب آسيا، فإنّ تأثيرها سوف ينمو وينتشر. وقال: يمكننا أن نراها تتحرك من جنوب آسيا إلى الشرق الأوسط إلى شمال أفريقيا حتى تصل إلى العصر الذهبي للخلافة الإسلامية في القرن الرابع عشر والخامس عشر. وقال: بصراحة إذا تبنى المسلمون الأفكار السياسية في الإسلام ونظام حكم الخلافة، فإنّه سيكون غير مقبول، وسيكون الرد العسكري من قبل بريطانيا مُبرَّراً! وأضاف: لا يوجد لديه مشكلة مع المسلمين في صلاتهم أو في إقامة الشعائر الدينية، ما داموا مستسلمين وخاضعين للحياة السياسية والقيم الغربية .
أيها الناس: لقد أصبح لدينا تخمة من مثل هذه التصريحات والأقوال، وليس فيما قاله هذا العلج البريطاني أي جديد، وقد سبقه رئيس وزرائه في حرصه على حظر أي نشاط للمسلمين في بريطانيا من شأنه أن يؤدي إلى نهضة المسلمين أو استعادة مجدهم والحفاظ على هويتهم الإسلامية. ومن قبل ما نطق به أساطين السياسة الغربية الكافرة وقادة عساكرهم، بأنهم يشنون حربا صليبية على المسلمين، وأنهم يخشون إقامة الخلافة الإسلامية، ويعملون ما وسعهم لمنع إقامتها! ولكن الجديد في هذه المسألة أننا لم نسمع من قادتنا أو زعمائنا من يرد على أقوال هؤلاء العلوج، أو يفند مزاعمهم، أو يرفض أقوالهم وتصريحاتهم، أو يهددهم ويتوعدهم إن لم يرعووا عن غيهم، أو يقول شيئا يفيد أنهم – أي قادتنا وزعماءنا - ينتمون إلى الأمة الإسلامية، أو يحرضون العاملين للإسلام – ولو من طرف خفي – على الاستمرار في سعيهم لإعزاز هذا الدين، أو غض الطرف عنهم وعدم ملاحقتهم، أو غير ذلك من الكثير الكثير الذي يمكن عمله في هذا المجال، لو كانوا يعقلون. ولكن حكامنا وقادتنا لم يصدر عنهم أي شيء مما ذُكر، بل إنهم قد قاموا بأفعال في الاتجاه المعاكس تماما، كان أدناها سكوت مطبق على تلكم التصريحات، وأعلاها هجوم صارخ بمختلف أنواع الأسلحة على المجاهدين والعاملين المخلصين لإقامة خلافة المسلمين، وبين الأدنى والأعلى أمور كثيرة يندى لها الجبين، ويرفضها في بطن أمه الجنين. من هذه الأمور على سبيل المثال وليس الحصر: توجيه الرسائل والمناشدات من قبل بعض القادة والزعماء لأئمة الكفر من قادة أميركا وبريطانيا وروسيا وغيرها طلبا للمساعدة، وسعيا لأخذ الضمانات والتطمينات، ورجاء الضغط على بعض الأطراف لوقف القتل والقصف والاعتقال وبناء المستوطنات! حقا إن قادتنا وزعماءنا لا يعقلون، وهذا ليس تجنيا عليهم ولا توجيه تهمة لهم بلا بينة، بل النص القرآني القطعي في ثبوته ودلالته هو الذي يدينهم ويحكم عليهم بأنهم لا يعقلون. فالله سبحانه وتعالى يقول: {قد بدت البغضاء من أفواههم}، يعني أفواه الكفار وهم قادة أميركا وبريطانيا وروسيا وغيرها من دول الكفر، ويشترك معهم في هذا الأمر حكام المسلمين وقادتهم وزعماؤهم قاطبة دون استثناء. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {وما تخفي صدورهم أكبر}، يعني صدور الكفار وهم قادة أميركا وبريطانيا وروسيا وغيرها من دول الكفر ويشترك معهم في هذا الأمر حكام المسلمين وقادتهم وزعماؤهم قاطبة دون استثناء. فإذا بدا من فم أحدهم قول يحمل البغضاء للمسلمين فإن صدره يخفي أقوالا أكبر وأشد بغضا للمسلمين.
أيها الناس: كتب كاتب في جريدة السبيل مقالا جيدا أذكر لكم بعض ما جاء فيه يقول: والبغضاء مشتقة من البغض، والبغض هو الكره والحقد والنفور والابتعاد، وهو عكس الحب والرغبة والألفة. والبغضاء مبالغة من البغض وهي تعني البغض الشديد الكثير الكبير! فالكفار الأعداء يكرهوننا ويبغضوننا، ولا يحبوننا، ولا يرغبون فينا، ولا يطيقون رؤيتنا ولا وجودنا، ويتمنون لو أن الأرض انشقت وابتلعتنا! هذه البغضاء هي التي تحكم نظرتهم إلينا وتحددها، ماذا ترجو وتأمل من رجل يكرهك ويبغضك، ويتمنى لو أبادك وأفناك، يحاول أن يخفي تلك البغضاء المتغلغلة في كيانه ويخادع، فيظهر لك حرصه عليك ومحبته لك واهتمامه بك، ويطلب منك أن نثق به وتطمئن إليه، وأن تطلب منه حل مشكلاتك، فيصدقه السذج المغفلون من القادة والزعماء، ويذهبون إليه طالبين الخلاص على يديه، وما دروا أن ذلك هو الهلاك والدمار، وكانوا بذلك كالرجل «المضبوع» الذي تبع الضبع باعتباره سيخلصه وينقذه! ومهما حاول هذا العدو اللدود أن يمثل ويخادع، فإن ذكاءه يخونه، فيتكلم بكلمة أو كلمات كلها بغضاء وكراهية، وتقطر حقداً ولؤماً وسماً، وتخرج من فمه مترجمة لما في قلبه. كلمة قالها بوش بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر المعروفة: إننا سنعلنها حرباً صليبية، وقالها آخر بمنتهى الصراحة بأنه يتمنى أن يرى البحر قد ابتلع غزة بما فيها ومن فيها، فكيف بمن فيها يرسلون لأمثال هؤلاء يطلبون المساعدة منهم؟
(الخطبة الثانية) أيها الناس: لقد عرّفنا الله على حقد أعدائنا علينا وبغضهم لنا، ذلك البغض الذي ملأ صدورهم وكيانهم، وظهر من أفواههم، ولم يتركنا جاهلين غافلين، غير مدركين خطورتهم علينا! والعاقل منا هو الذي يستفيد من هذه الآيات القرآنية، ويتبرأ من هؤلاء الأعداء، والله يريد منا أن نكون من الذين يعقلون. أما الذين لا يأخذون بما جاء في هذا البيان القرآني، ولا يحذرون أعداءهم، ويصرون على جعلهم بطانة وخبراء ومستشارين، ويوجهون إليهم الرسائل ويطلبون منهم المساعدة فإنهم قطعا لا يعقلون.
أيها الناس: لا نريد قادة لا يعقلون، ولا نريد زعماء لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، بل نريد قادة لهم قلوب يفقهون بها ولهم أعين يبصرون بها ولهم آذان يسمعون بها. وبما أنه قد ثبت بالدليل القطعي أن قادتنا اليوم وزعماءنا لا يعقلون، فقد أصبح واجبا علينا أن نخلعهم من مواقعهم ونحجر عليهم - إن بقوا أحياء - ونضع مكانهم قادة وزعماء يعقلون، وإذا قرأوا نصوص القرآني يفقهون، ولما جاء فيها يطبقون. وهؤلاء قادة مختلفون تماما عن قادة اليوم في الفكر والمنهجية! إنهم قادة ينتمون إلى دينهم وأمتهم، ولا يتبعون خطوات الشيطان، ولا يتخذونه وذريته أولياء من دون الله. بل إنهم يتخذون المؤمنين أولياء لهم وبطانة، ويتخذون الشيطان وأولياءه لهم عدوا مبينا، إنهم قادة الخلافة الثانية الراشدة على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله، فكونوا من العاملين المخلصين الجادين والهادفين لإيجاد القادة العقلاء، والتخلص من القادة المجانين الجهلاء العملاء.
www.al-aqsa.org