إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد
أيها الاخوة الأكارم قبل أيام انتضى الخطباء من الحركات الوطنيه لالقاء الكلمات في ذكرى النكبه , حتى ذرفوا الدموع على انغام الموسيقى, والرقصات الشعبيه التي شارك بها فتيان وفتيات , ورفعت الرايات والأعلام الملونه التي ما وجدت الا على أنقاض دولة الخلافه التي حمت حمى عروس بلاد الشام فلسطين , وعجب عجاب لهؤلاء في نسيانهم لمصدر عزهم الدولة الاسلاميه التي أججت النار من تحت أقدام الغزاة , وصانت فلسطين من رجس اليهود والصليبيين , حتى كاد لها القريب والبعيد , وأسقطوها من سدة الحكم لتسقط بعدها فلسطين في أيدي أرذل خلق الله يهود , ويخرج المصطلح المعروف (ذكرى النكبه) , وما كان هذا المصطلح ليوجد لو كانت دولة الخلافة قائمة , وكلّنا يعرف موقف الخلافة الإسلامية زمن العثمانين وهي في أشد حالاتها ضعفاً وقد رماها الكفار عن قوس واحدة.
وكلّنا يذكر قولة السلطان عبد الحميد الثاني، رحمه الله وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء؛ فقد قال قولته المشهورة عندما ردّ الوفد اليهودي الذي جاء يفاوضه من أجل بيع فلسطين لهم فقال: "إنّي لا أستطيع أن أتخلّى عن شبر واحد من أرض فلسطين فهي ليست ملك يميني... بل ملك الأمة الإسلامية... وإذا مزّقت دولة الخلافة يوماً فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن".وهذا فعلاً ما حدث، ففلسطين ضاعت بعد هدم الخلافة ولن يعيدها من جديد إلا دولة الخلافة، وعندها يتحقق قول الله فيهم: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف 167]. ويتحقق وعد رسولنا (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم، يا عبدالله، هذا يهودي خلفي فتعالَ فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود». أخرجه البخاري في باب فضائل الجهاد, ومسلم في كتاب الفتن.
أيها الاخوه , ان أعظم نكسه أو قل نكبه حلت بالأمة الاسلامية انما هي سقوط دولة الخلافة الاسلامية التي فقد المسلمون بسقوطها فلسطين أرض الإسراء والمعراج أرض المحشر والمنشر, وإنا لنجد ارتباطاً واضحاً بين هدم الخلافة العثمانية وبين ضياع فلسطين وقيام دولة يهود عليها، فدولة المسخ هذه ما كانت لتوجد على أرض فلسطين لو كانت الخلافة الإسلامية قائمة.
وليس سقوط فلسطين هو النكبة الوحيدة بعد سقوط دولة الخلافة بل هناك نكبات وويلات أخر فتحت على الأمة الاسلامية منها :
فقدت الأمة الإسلامية الحكم بما أنزل الله وتلك جريمة كبرى أطاحت بكتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) من سدة الحكم والمرجعية عند الأمة. وهي مخالفة صريحة لقوله تعالى: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة 49] وهذا وحده كاف لإثارة غضب الله علينا ,فان فقد حكم الله فى الأرض ليعتبر بحق الخسارة الفادحة والجريمة الكبيرة, كونه فتح الباب واسعاً لارتكاب كافة أنواع الجرائم من قبل الكفار وبعض المسلمين على حد سواء , فالكفار يقتلون النفوس , وينهبون الثروة, ويغتصبون الحقوق ، ويصولون ويجولون فى بلاد المسلمين لا فرق بين فلسطين والعراق، ولا بين إندونيسيا ودارفور وغيرها من بلاد المسلمين.
وبعض المسلمين يرتكبون الجرائم المختلفة مما تؤاخذ على مثلها الشريعة الإسلامية حداً أو قصاصاً أو تعزيراً، ولكنهم يفلتون من العقاب الشرعي كون تلك الجرائم لاتشكل خرقاً للقوانين الوضعية؛ فيكون بذلك سجل الجرائم فى ازدياد مستمر مع مرور كل دقيقة من الزمن...لقد حجب الله نصره عن الصحابة والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بين أظهرهم فى بداية معركة حنين بسبب معصية واحدة ........نعم واحدة , وهى الاغترار بأن الكثرة ستجلب النصر. فما بالكم وسجل المعاصي التى ترتكب فى بلاد المسلمين نتيجة غياب حكم الله فى الأرض فى ازدياد مستمر، وهذا كفيل بحجب النصر عنا رغم استغاثة المستغيثين. وصدق الله العظيم عندما قال: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه 124].
فالإعراض عن ذكر الله (أي عن شرع الله) تنتج عنه المعيشة الضنك (أي الشقاء فى الدنيا) والعذاب فى الآخرة.
لذلك كان على المسلمين أن يعملوا بأقصى سرعة وأقصى طاقة لاسترجاع ما فقدوه بإقامة خلافتهم لأنها السبيل الوحيد لإعادة حكم الله فى الأرض.لان غياب الحكم بما أنزل الله جريمة من أكبر الجرائم , انها بحق جريمة العصر .
أيها الاخوة : بفقد الخلافة فقدت الأمة الاسلامية وجودها كجماعة , ومزقت كل ممزق , وغدت نهبا لاعدائها يسومونها سوء العذاب , اسمعوا ما قاله الجاسوس الإنجليزي الخبيث لورانس والذي خطط لما يسمى بالثورة العربية من أولها إلى آخرها: "إن نشاط الحسين (جد ملك الأردن السابق) مهم لنا، إذ إنه ينسجم مع أهدافنا المباشرة وهي: تفكيك الرابطة الإسلامية وهزيمة الإمبراطورية العثمانية" ثم يقول: "فإذا تمكنا من التحكم بهم فإنهم سيبقون منقسمين سياسياً إلى دويلات تحصد بعضها البعض ولا يمكن لها أن تتوحد".
تهاوت مع سقوط الخلافة مهابة المسلمين التي كانت في قلوب أعدائهم منهم مصداقاً لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ولينـزعنّ الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم» وإنا نتساءل هل بقيت لأمة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) مهابة في قلوب أي أمة على وجه الأرض مهما كانت ضعيفة أو فقيرة؟ لا، لا نرى ذلك، مع أنه عليه الصلاة والسلام يقول: «نصرت بالرعب مسيرة شهر» ويقول: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه».
بسقوط دولة الخلافة غاب الجهاد لنشر الدعوة الاسلامية في العالم , وتحرير ما اغتصب , وتولى على رقابنا حكام عملاء أسقطوا من اعتباراتهم الجهاد في سبيل الله , وراحوا يزجون بالمجاهدين اليوم غياهب السجون , ويصفونهم بتوجيه الكفار ارهابيين , ويقنعوننا بالحلول الوسط والارتماء على عتبات الأمم المتحدة ومجلس الأمن لاستجداء الكرامة والحق المغصوب .
أخوتي الأعزاء لست هنا بصدد احصاء المصائب التي حلت بنا بسقوط دولة الاسلام , ولكن لاستشراف الحاضر , واصلاح الخلل من حيث بدأ , وأعدكم وأعد نفسي بما وعدكم به الله ورسوله , قال تعالى ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم , وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا , يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون)
وقال الرسول صلوات الله وسلامه عليه (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضّاً فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت )
اللهم من اعتز بك فلن يذل،
ومن اهتدى بك فلن يضل،
ومن استكثر بك فلن يقل،
ومن استقوى بك فلن يضعف،
ومن استغنى بك فلن يفتقر،
ومن استنصر بك فلن يخذل،
ومن استعان بك فلن يغلب،
ومن توكل عليك فلن يخيب،
ومن جعلك ملاذه فلن يضيع،
ومن اعتصم بك فقد هدى إلى صراط مستقيم،
اللهم فكن لنا وليا ونصيرا، وكن لنا معينا ومجيرا، إنك كنت بنا بصيرا
اللهم صل و سلم و بارك علي سيدنا محمد و علي آله
و صحبه و سلم و الحمد لله رب العالمين