الجمعة 14/6/1431 هـ
الموافق 28/5/2010 م
ودوا لو تدهن فيدهنون
(الخطبة الأولى) أيها الناس: قال تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ}، والإدهان هو الملاينة والمسامحة والمداراة. قال الفراء: المعنى لو تلين فيلينوا لك، وكذا قال الكلبي. وقال الضحاك والسدي: ودوا لو تكفر فيتمادوا على الكفر. وقال الربيع بن أنس: ودوا لو تكذب فيكذبون. وقال قتادة: ودوا لو تذهب عن هذا الأمر فيذهبون معك. وقال الحسن: ودوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك. وقال مجاهد: ودوا لو تركن إليهم وتترك ما أنت عليه من الحق فيمايلونك. قال ابن قتيبة: كانوا أرادوه على أن يعبد آلهتهم مدة، ويعبدوا الله مدة. وقال ابن عباس لو ترخص لهم فيرخصون. وقال مجاهد "ودوا لو تدهن" تركن إلى آلهتم وتترك ما أنت عليه من الحق. أي: توافقهم على بعض ما هم عليه، إما بالقول أو الفعل أو بالسكوت عما يتعين الكلام فيه، ولكن اصدع بأمر الله، وأظهر دين الإسلام، فإن تمام إظهاره، بنقض ما يضاده، وعيب ما يناقضه. وقال صاحب الظلال: فهي المساومة إذن, والالتقاء في منتصف الطريق. كما يفعلون في التجارة. وفرق بين الاعتقاد والتجارة كبير! فصاحب العقيدة لا يتخلى عن شيء منها; لأن الصغير منها كالكبير. بل ليس في العقيدة صغير وكبير. إنها حقيقة واحدة متكاملة الأجزاء. لا يطيع فيها صاحبها أحدا, ولا يتخلى عن شيء منها أبدا. وما كان يمكن أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق, ولا أن يلتقيا في أي طريق. وذلك حال الإسلام مع الجاهلية في كل زمان ومكان. جاهلية الأمس وجاهلية اليوم, وجاهلية الغد كلها سواء. إن الهوة بينها وبين الإسلام لا تُعبر, ولا تقام عليها قنطرة, ولا تقبل قسمة ولا صلة. وإنما هو النضال الكامل الذي يستحيل فيه التوفيق! ولم يساوم النبي عليه السلام في دينه وهو في أحرج المواقف العصيبة في مكة، وهو محاصر بدعوته، وأصحابه القلائل يتخطفون ويعذبون ويؤذون في الله أشد الإيذاء وهم صابرون. ولم يسكت عن كلمة واحدة ينبغي أن تقال في وجوه الأقوياء المتجبرين, تأليفا لقلوبهم, أو دفعا لأذاهم. ولم يسكت كذلك عن إيضاح حقيقة تمس العقيدة من قريب أو من بعيد. وحسم الله مساوماتهم بالمفاصلة الجازمة في قوله عز وجل: {قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون...}.
أيها الناس: لا يجوز بعد هذا البيان لأحد من المسلمين حاكما كان أو محكوما أن يساوم على شيء من دين الإسلام دق أو جل، ولو تقية، فمن قال بأن التقية تسعة أعشار الدين فقد حاد عن الجادة، فلا يكفينا العشر الباقي حتى نقوم بأمر هذا الدين، بل إن القيام بأمره يستلزم الدين كله تاما غير منقوص. ولا يجوز بعد هذا البيان لعالم من علماء المسلمين أن يقعد عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأن يسكت عن حكام زماننا الذين لا يحكمون بعشر معشار هذا الدين. ولا يجوز بعد هذا البيان لأحد من المسلمين أن يقعد عن العمل مع العاملين لإعزاز هذا الدين وتحقيق سيادته وإظهاره، مما لا يتم إلا بإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة. ولا يجوز بعد هذا البيان أن يقوم أحد من المسلمين بمداهنة أحد من الكافرين أو أوليائهم وأشياعهم، ولا أن يقولوا بقولهم أو بشيء منه، ولا أن يعينوهم بشيء من أشياء المعونة المادية أو المعنوية أو الفكرية. فلا يجوز بعد هذا البيان أن يبقى للكفار في أرض المسلمين قاعدة عسكرية، أو مدرسة تبشيرية، أو مؤسسة تعليمية، أو معهد فكري، أو سفارة أو مؤسسة حكومية وغير حكومية، أو منظمة دولية وغير دولية، أو جمعية خيرية وغير خيرية، أو سائح غني أو متشرد، أو موفد عسكري أو مدني، أو متجول متسكع، صحافيا كان أم غير صحافي، ومن باب أولى فإنه لا يجوز أن يبقى في بلاد المسلمين عسكري واحد من عساكر الكفار الغزاة الطامعين القتلة المجرمين. وقد جاءت الأنباء مؤخرا عن وزارة الدفاع الامريكية أنها قالت: إن عدد الجنود الأمريكيين العاملين في افغانستان تجاوز للمرة الاولى منذ غزو العراق عام 2003 عددهم في ذلك البلد، حيث يوجد في افغانستان الآن 94 الف جندي أمريكي بينما لم يتبق في العراق إلا 92 الفا! وكشفت صحيفة نيويورك تايمز نقلا عن مسؤولين عسكريين ووثائق عسكرية أن الجنرال ديفيد بتريوس القائد العام للقيادة المركزية الأمريكية أمر بتوسيع نطاق العمليات العسكرية السرية التي تستهدف تفكيك الجماعات المسلحة ومواجهة مصادر التهديد في منطقة الشرق الاوسط. وأن الولايات المتحدة الأميركية لا تفتقر إلى القوة، ولكنها تحتاج إلى استخدامها بطرق مختلفة. وستتحول واشنطن من ممارسة القوة وتطبيقها بشكل مباشر، إلى توليفة صعبة ومعقدة من القوة غير المباشرة والتأثير! فاللهم رد كيدهم إلى نحرهم، واجعل تدميرهم في تدبيرهم، واجعل الدائرة تدور عليهم.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: إزاء هذا الهجوم الكاسح من الكفار على المسلمين ودينهم ونبيهم ومقدساتهم ورموزهم وأموالهم وأرضهم وسمائهم وقيمهم، وقتل أبنائهم والتنكيل بهم، إزاء ذلك كله يقف المسلمون عاجزين عن فعل أي شيء، فما هو السبب في ذلك يا ترى؟ ومم نعاني حتى يحصل لنا كل هذا الذل والهوان، وتضرب علينا المسكنة والمهلكة والمقتلة، ونذل ونخزى بين الأمم؟ هل نعاني من قلة في العدد؟ أم ترانا لا نصلي ولا نصوم ولا نحج ولا نزكي؟ أينقصنا المعتمرون والمسبحون؟ أم أنه لم يبق فينا عالم فاتخذ الناس رؤوسا جهالاً فأفتوا بغير علم فضلوا وضللنا؟ أجل هذا جزء من المسألة، ولكن الجزء الأهم أن حكامنا يدهنون للكفار ويلينون، ولشرع الله هم معطلون، ولسنته تاركون. فما كان من الكفار إلا أن ذهبوا أبعد من المداهنة والملاينة والمساومة، ودخلوا بلادنا ونشبوا أضفارهم فيها، وأخذوا جل ما في أيدينا. وفي الحديث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "... لم تظهر الفاحشة في قوم قط إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، ولا نقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوهم فأخذ بعض ما كان في أيديهم، ولم يحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم. قال: ثم أمر عبد الرحمن بن عوف يتجهز لسرية أمّره عليها، فأصبح قد اعتم بعمامة كرابيس سوداء، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فنقضها وعممه وأرسل من خلفه أربعة أصابع، ثم قال هكذا يا ابن عوف فاعتم، فإنه أعرب وأحسن، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا أن يدفع إليه اللواء، فحمد الله ثم قال: اغزوا جميعا في سبيل الله، فقاتلوا من كفر بالله، لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا، فهذا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته فيكم".
أيها المسلمون: أما وقد وقعت المصائب جميعها في المسلمين اليوم، فالحل كما جاء في الحديث: تجهيز السرايا ودفع الألوية والغزو في سبيل الله. ولا يقوم بهذه الأعمال الكبيرة إلا أمير المؤمنين، وخليفة المسلمين، ولا أخال هذا خافياً على أحد منكم، فاتقوا الله واعملوا للخلافة، فهي سبيل الخلاص، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
www.al-asqa.org