أسطورة المال اليهودي
تاريخ النشر: الإثنين 31 مايو 2010

هناك أسطورة تتردد على الدوام مؤداها "أن الأموال اليهودية" هي العامل الحاسم في تحديد أوجه سياسة الشرق الأوسط. وهذه الأسطورة لا تمثل اعتقادا جوهريا لدى المعادين للسامية فحسب، وإنما يتم الترويج لها أيضا من قبل بعض المدافعين عن إسرائيل، الذين يرون أن هذه الصورة تخدم أغراضهم.

وأذكر هذه الأسطورة هنا، لأن رئيس الوزراء الإسرائيلي سيزور واشنطن خلال أيام، ولأن الصحافة العربية والإسرائيلية تحفلان حاليا بالتنبؤات حول هدف الزيارة ومعناها. وفي خضم ذلك الاهتمام، أشار عمود في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية إلى تلك الأسطورة بطريقة لافتة للنظر، لدرجة أني قررت أنها ربما تحتاج إلى فحص أدق.

هذا العمود الذي كتبه المعلق "بن كاسبيت" يبدأ بالإشارة إلى أن نتنياهو ينظر إلى دعوته للقاء أوباما كدليل على أنه "كسب" صراع الإرادات بينه وبين الرئيس الأميركي. ويمضي "كاسبيت" مستشهدا بـ"مصادر عليمة في واشنطن"، أشارت إلى أن الشهر الأخير شهد تغيرا في مقاربة البيت الأبيض لإسرائيل، في سياق جهد مقصود لـ"تنقية المياه التي تعكرت". والسبب كما ترى مصادر كاسبيت "العليمة"، هو قلق الديمقراطيين بشأن الانتخابات التي ستجري في نوفمبر المقبل. ونقل كاسبيت على لسان "مصدر عليم" قوله: "لقد باتت خزائن الحزب الديمقراطي خاوية... كما اشتكى العديد من النواب والشيوخ الديمقراطيين من أنه إذا ما استمرت المعاملة الأميركية الخشنة لإسرائيل، فلن يحصلوا على أي تبرعات لحملاتهم من الناخبين اليهود، مما قد يعرضهم لخسارة الانتخابات".

ولفت ذلك الادعاء انتباهي من ناحيتين: الأولى أنه يلخص تماما الأسطورة التي يؤمن بها المعادون للسامية، كما يوظفها خبراء الدعاية المؤيدون لإسرائيل، ولأنه زائف بشكل صارخ.

فقبل عدة أيام فقط على إدلاء مصدر كاسبيت "العليم" بملاحظته تلك، أعلنت "اللجنة الوطنية الديمقراطية"، ولجنتين أخريين من لجان الحزب الديمقراطي، أحدث البيانات الخاصة بحملاتهم الخاصة بجمع الأموال اللازمة للحملات الانتخابية.

فبعيداً عن أن تكون خزائن الحزب الديمقراطي "خاوية"، كما أشارت المصادر "العليمة"، أشارت "اللجنة الوطنية الديمقراطية" إلى أنها تمكنت من جمع 15.1 مليون دولار، مقابل12.4 مليون دولار للحزب الجمهوري. أما خزائن "لجنة الكونجرس الانتخابية الديمقراطية" و"لجنة مجلس الشيوخ الانتخابية الديمقراطية" فكانت متخمة بالأموال، وسجلت أرقاماً تفوق تلك الخاصة بمثيلتيها في الحزب الجمهوري.

والأكثر دلالة، أنه منذ الشد والجذب الأخير بين أوباما ونتنياهو، والذي كان قد بدأ في مطلع مارس الماضي، ازدادت كمية الأموال التي تمكنت اللجان الانتخابية للحزب الديمقراطي من جمعها بشكل حاد.

ولا أجد أمامي على ضوء ذلك، سوى التساؤل عن الهدف الذي أرادت مصادر كاسبيت "العليمة" تحقيقه على وجه الدقة، من خلال ادعاءاتها المفضوحة؟ هل كانت تهدف إلى إبراز "أسطورة" وجود كيان ضخم، من المتبرعين اليهود فائقي الثراء، والمهووسين بإسرائيل، والذي يمكن أن يكون أداة مفيدة، وإن كان هناك احتمال لأن تكون ضارة في ذات الوقت؟ لو كان ذلك هو الهدف، فإنه هدف سيصب في مصلحة المعادين للسامية... لكني سأفترض مع ذلك، ومن منظور بعض المدافعين عن إسرائيل، أنه يستحق المخاطرة من أجله... كيف؟

فكون الأسطورة تجد تصديقا لدى بعض العرب، يجعل منها أسطورة مزدوجة الفائدة والقيمة في آن واحد. فإذا ما آمن العرب أن أي شيء يفعلونه لن يغير من سياسة الولايات المتحدة، لأنهم سيفقدون دوما المواجهة مع" القوة اليهودية" في كل مرة يفكرون في مواجهتها، سيجعلهم يقتنعون في نهاية المطاف أنه لا جدوى من أي محاولة لإقناع الولايات المتحدة بتغيير موقفها.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك بكثير... لأن اليهود الأميركيين في حقيقة الأمر متبرعون سخيون في حقل السياسة الأميركية، علاوة على أن "لجان العمل السياسي"، وهي مؤيدة لإسرائيل في معظمها، تقدم مساهمات ضخمة للمرشحين في الانتخابات.

لكن معظم الأموال التي يمنحها اليهود الأميركيون ليس لديها علاقة بإسرائيل. ورغم أن بعض الشخصيات السياسية السيئة السمعة المؤيدة لإسرائيل، قد وجهت تهديدات في الماضي بسحب "المساهمات المالية اليهودية" إذا لم تتمكن من تنفيذ هدفها، فإن تهديداتها كانت لا تقل خواءً عن وعودها.

هناك تفسير أكثر معقولية للجهود الأميركية لـ"تنقية المياه المتعكرة"، وهو أن لقاء أوباما القادم مع كل من نتنياهو وعباس، يأتي في سياق جهود الإدارة لتحريك عملية السلام المتعثرة في الشرق الأوسط.

لذلك يمكن لنتنياهو أن يدعي ما يشاء عن المستوطنات، كما يمكن للمصادر العليمة أن تتباهى، أو أن تهدد -كما يحلو لها- لكن الحقيقة تبقى وهي أن الحزب الديمقراطي يبلي بلاء حسنا رغم كل شيء.

والحقيقة الواقعية، وليست الأسطورة، هي أن المحادثات جارية قدما، وأن واشنطن لا تزال توجه الدعوات للمتفاوضين، وهي التي لا تزال تمسك بزمام الأمور.


http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=52849