المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
الرأي العام ودوره في التغيير
منتدى العقاب > ديوان الشخصية الإسلامية > القسم الفكري
ابو ايوب
الرأي العام ودوره في التغيير (1)


توطئة

سنتناول في هذا البحث بعض المواضيع المتعلّقة بالرأي العام بقدر ما يسمح به هذا البحث , خاصّة تأثيره في التغيير وتقّلباته .
ولكن سنتناول تعريفه أوّلا ، ومن ثمّ كيفيّة ايجاده وبعد ذلك نركّز على أهميّته وعلى تأثيره وننظر في مدى ثباته وتقلّبه ،أي
نبحث مدى ديمومته ،ونبحث في القوى القادرة على إيجاده وتغييره وكذلك نتعرّض لوسائل نشره ونلتفت إلى أنواعه.
نطرح بعض الأسئلة على أنفسنا متعلّقة بهذا الموضوع لنجيب عليها في هذا البحث ولنلفت نظر السّامع والقارئ إليها حتّى
يقيّم مدى إيجابتنا عليها وليضيف إليها أسئلة أخرى .

فهل يستطيع الرأي العام أن يؤثّر في المجتمعات ويغيّرها ؟ وهل يستطيع أن يؤثّر في الدول ويغيّرها أو يغيّر مواقفها؟
هل يوجد هناك رأي عامّ محليّ ورأي عام دوليّ أو عالميّ (أي ماهي أنواعه)؟ هل يوجد رأي واع وغير واع ؟ او رأي عام
منبثق عن وعي عام ورأي عاّم غير منبثق عن وعي عام ؟ أي ما هو دور الوعي العام في الراي العام؟ كيف يجري العمل
لتغيير الرأي العام؟ هل الأفراد قادرون على تغيير الراي العام أم أنّ ذلك مرهون بالأحزاب والتنظيمات والدّول؟ ما دور وسائل
الإعلام والنشر في تغيير الرأي العام؟ وما هي كيفية مخاطبة الرأي العام - اي نوجد الرأي العام -؟

مقدّمة

إنّ للرأي العام قوّة تأثير سحريّة يحسّ بها النّاس ويدركها المفكّرون ويخافها السياسيون المتربّعون على كراسيّ الحكم
ويستعملها السياسيون العاملون للوصول إلى سدّة الحكم. فالسياسيون وهم الذيين يرعون شؤون النّاس - سواء أكانوا من
القسم الأوّل وهم المنفّذون أم كانوا من القسم الثاني وهم الذّين ينتظرون دورهم ليكونوا منفّذين ويتحيّنون الفرص لذلك -
كلاهما يعملان على إيجاد الرأي العام وعلى تغييره وعلى توجييهه ، فكلّ يعمل لصالحه.

أما المفكّرون فهم الذّين يدرسون تقلّبات الرأي العام وتوجّهاته ، ويبحثون في الأفكار السائدة فيه وفي القوّة التـّــــي
أوجدته وينتقدون ويشرحون ما يتعلّق بها لأنهّم سائرون مع التيّار الجارف.إلاّ إذا كانوا مفكّرين سياسيين، فإنّهم يعتبرون
من السياسيين العاملين ولا يعتبرون من المفكّرين النظريين والمنظّرين ، فإنّهم يقومون بتقديم أفكار جديدة ويدرسون كيفية
إيجاد رأي عام لها ويقومون بالعمل على ذلك فعليّا ،وبالتالي تنفيذها في المجتمع.

وأما السياسيون البرغماتيون فهم الذّين يسيّرون الراي العام ويحاولون أن يستغلّوه ويحقّقوا بواسطته مصالحهم الآنيّة
فلا يعملون على الإصطدام مع الرأي العام ويعتبرون ذلك واقعيّة يجب موافقاتها والسير حسب الظروف المؤاتية، فهم ليسوا
عقائديين ولا مبدئيين وإن آمنوا بعقيدة أو بمبدأ فلا يتخذّونها أساسا لعملهم السياسي ،وهم مستعدّون للتراجع خطــوة
خطوة ، وللتغيير الفجائيّ حتّى يحافظوا على مكانتهم في العمل السياسي ويحافظوا على تحقيق مصالحهم ، وهـــــ/
مستعدّون للنفاق والدّجل والكذب والخداع ، فلا يضيرهم ذلك ، ولا يخدش حياءهم إن عرفوا معنى الحياء ، فهم محترفون
للسيّاسة كمهنة أو كتجارة ويعتبرون ذلك حنكة وقمّة في الذكاء والدهاء.

وأمّا عامّة النّاس فإنّهم يحسّون بتأثير الرأي العام وينساقون معه ، فهم متفاعلون ومتأثّرون وهم المستهدفون منه وهم
الذّين يقعون تحت سيطرته.

تعريف الرأي العام:

يقول بعض العلماء بأنّ الرأي العام له طبيعة مائعة ، فهو قوّة حقيقيّة شانها شأن الريح ،له ضغط لا تراه ولكنّه ذو ثقل
عظيم. ولا تمسك به ولكنّك تحني له الراس مطيعا. واعتبر البعض بأنّ الراي العام عبارة عن منظومة متكاملة تبدأ بالمعلومات
وتنتهي بالسلوك فتشمل المعلومات والآراء والإتّجاهات والقيم والمعتقدات والسلوك. فالعالم الأميركيّ يوكون في كتابه
"علم النفس " أطلق على الراي العام مصطلح " الإتجاهات الجماعية" وعرّف الإتجاه ب "أنّه استعداد نفسي لإستجابة سلوكية
معينّة تجاه موقف معيّن لم يتحدّد بعد، فهو كامن إذا توفّر أحد شروط الرأي العام". وورد في الموسوعة الفلسفيّة التعريف
التالي:" الرأي العام هو مجموع الأفكار والمفاهيم التّي تعبّر عن مواقف مجموعة أو عدّة مجموعات اجتماعيّة إزاء أحداث
أو ظواهر من الحياة الإجتماعيّة وإزاء نشاط الطبقات والأفراد" وفي قاموس "واب ستر" عرّف بأنّه " الراي المشترك
خصوصا عندما يظهر أنّه رأي العامّة من النّاس" وفي معجم مصطلحات العلوم الإجتماعيّة يعرّف بأنّه " عبارة عن وجهات
النّظر والشعور السائد بين جمهور معيّن في وقت معيّن إزاء موقف معيّن أو مشكلة من المشكلات". ويعرّفه كوريد كينج
بأنّه " الحكم الذّي تصل إليه الجماعة في مسألة ذات أعتبار عامّ بعد مناقشات علنيّة وافية " وأمّا الدكتور مختار التهامي
فيعرّفه بأنّه " الراي السائد بين أغليّة الشعب الداعية بالنسبة لموضوع أو أكثر يمسّ مصالح هذه الأغلبيّة مباشرا أو يشغل
بالها ويحتدم فيها الجدل والنّقاش في فترة معيّنة ".

هذه مجموعة من تعاريف كثيرة عرف بها الرأي العام. فكلّها تبحث في فكر يسود المجتمع أو الأغلبيّة من النّاس بحيث
يسكت المعارضون أو ينصاع له الجميع ، ويكون إزاء مصلحة من مصالح النّاس المشتركة أو شيء يتعلّق بمشاعرهم و
أحاسيسهم ومعتقداتهم.

ولكن هذه التعريفات لم تكن صحيحة أو دقيقة بحيث تكون جامعة ومانعة، فتعطي المعنى الصحيح والدقيق للراي العام
وبشكل مختصر ومعبّر تعبيرا تامّا للمعنى. ولانّنا نبحث في الرأي العام ودوره في التغيير فكان لا بدّ لنا من أن نعرّفه .
فبعد التدقيق والتعميق في موضوع الراي العام والنّظر ودراسته بكافّة جوانبه يتبيّن لنا أنّ التعريف الصحيح للرأي
العام هو : الفكر الذّي يسود أجواء الجماعة
. فلنشرح هذا التعريف؟

فالراي هو فكر لأنّه حكم على واقع والجماعة وهي مجموعة أشخاص تتشكّل من ثلاثة فما فوق بحيث يكون بينهم
علاقات دائميّة ..وليس مجرّد وجود ثلاثة أفراد فما فوق يشكّل جماعة ، فيكونون عبارة عن أفراد لا علاقة بين بعضهم
البعض مثلما يتواجد عشرات أو مئات أو أكثر من الأفراد في فلات من الأرض كل فرد يسير لهدف لوحده ولا يوجد بينهم
ايّة علاقة. فهؤلاء لا يشكّلون جماعة وبالتالي لا يشعر الواحد بما يحدث للآخر فلا يسودهم أجواء معيّنة ولا يؤثّر عليهم
فكر معيّن. ولكن وجود ثلاثة في فلاة من الآرض بينهم علاقات دائميّة ، فإنّهم يشكّلون جماعة ، فيحسّون بوجود بعضهم
البعض ويتأثّرون بما يحدث لهم وبينهم بل لأحدهم ويتفاعلون مع قضاياهم وأهدافهم المشتركة، ويظهرون فرحهم
بالنجاحات التّي تتحقّق لجماعتهم ويرضون عن الذّين حقّقوها، ويحزنون لما يصيبهم من مصائب ، ويظهرو السخط والغضب
على الفشل والهزيمة وعلى الذّي سبّبهما .

فالجماعة بينهما رابط فكريّ ورابط مشاعريّ فلهذا تسودها أجواء معيّنة ويتأثر بها جميع من يشكّلون هذه الجماعة.
والمشاعر ناتجة عن الفكرعادة والأصل أنّ الفكرهو الذّي يوجد المشاعر ولكن ربّما تنتج المشاعر عن الغرائز ومعا هذا
فإنّها تحتاج إلى الفكر حتّى يوجّهها, وإلاّ تحدث ردّات فعل حيوانيّة فتسود الجماعة فوضى عشوائيّة وعصبيّة عمياء.
فالجماعة لديها أجواء والفكر الذي يسودها هو الذّي يشكّل هذه الأجواء وبالتالي يصبح هذا الفكر رأيا عامّا .

فعموميّته هي سيادته في الأجواء . فعندئذ نقول أنّه يوجد رأي عام لدى المجموعة الفلانيّة من النّاس سواء كانت قليلة
العدد أو كثيرة العدد، وعندئذ يخضع الجميع لهذا الرأي عن قناعة أو عن غير قناعة فيكسب صفة العموم , يمتلك قوّة
التأثير والتسيير ، والذّي أوجد هذا الراي ينفّذ ما يريد أو أنّ الذّين يركبون موجته ويحاولون أن يستغلّوه لصالحهم
يمسكون بزمام الأمور.

والغريب أنّه عندما يسود فكر ما أجواء جماعة ما ، أي عندما يتشكّل الراي العام ، ترى النّاس كلّهم ينساقون أو
يخضعون له أو يسكتون تجاهه سواء عن قناعة أو عن غير قناعة، وعن فهم أو عن غير فهم ،وعن رضى أو عن غير
رضى ، فله قوّة تأثير سحريّة ويصعب على المخالفين لهذا الفكر أن يقفوا في وجهه . فهذا الأمر وموضوع مدّة سريان
مفعول الراي العام كم تطول وكم تقصر فكل ذلك وغيره سنبحثه في الأبواب القادمة
دائم الأمل
إقتباس(دائم الأمل @ Jun 28 2009, 06:52 PM) *
نظرة في دور الإعلام في تضليل الرأي العام


مما هو معروف وبديهي أن الإعلام لا يوجه الرأي العام فحسب بل بإمكانه أن يخلق الرأي العام نفسه، وبالتالي فإن الدول، وخاصة ذات النفوذ منها، تحاول ألا يخرج توجه هذا الإعلام عن الإطار الذي ترسمه هذه الدول، بحيث يبقى متماشياً مع سياساتها وخادماً لأهدافها ومصالحها، مع هوامش بسيطة لذر الرماد في العيون وإيهام الناس بحرية هذا الإعلام واستقلاليته، رغم تبعيته وعبوديته.

و المتتبع لوسائل الإعلام الحالية يدرك بأن لكل منها توجهه وتبعيته ومصالحه إلا ما ندر، إلا أن السمة المشتركة بين معظمها هي تجاهلها المقصود للأحداث والفعاليات والأخبار التي تبرز الإسلام وقدرته على العودة من جديد إلى الساحة العالمية كمبدأ عالمي ونظام حياة تقوده دولة الخلافة التي لطالما قضت مضاجع الكافر المستعمر الذي سبق أن استخدم الإعلام كوسيلة فعالة في غزوه الفكري والتبشيري لبلاد المسلمين، فقام بشراء كثير من الذمم الإعلامية لنشر مفاهيم الغرب الكافر وضرب المفاهيم الإسلامية الصحيحة والتي يشكل وجودها خطراً محدقاً بالمستعمر.

إذاً، كثير من وسائل الإعلام مرتبطة ارتباطاً وثيقاً ومباشراً بدول كبرى تسيرها وفق هواها ومصالحها. وأضرب هنا قناة الجزيرة كمثال، فمن يدقق ويمعن النظر في إمكانيات هذه القناة وطبيعة أخبارها وتغلغلها في شتى أنحاء العالم عبر جيش من المراسلين واستضافتها لزعماء دول كبرى ونقلها للأحداث بشكل مباشر أولاً بأول، يدرك من يدقق في ذلك كله أن إمكانيات هذه القناة إمكانيات دولة كبرى، أنشأتها ورعتها وساندتها وطورتها لتواكب الأحداث وفق رؤيتها للأحداث، وهذا مالا تقدر عليه أي قناة عادية.

أما دور قناة الجزيرة في التستر والتعتيم على الصحوة الإسلامية الحقيقية فواضح، فهي تمعن في تزييف الحقائق لتضليل الرأي العام الذي ينقاد بسهولة في حال غاب عنه الوعي الإسلامي الصحيح، حيث أنها لا تستضيف من يتحدث عن الإسلام كنظام الحياة والمجتمع والدولة ولا عن الخلافة لا من قريب ولا من بعيد إلا إن كان كلامه قدحاً أو ذماً أو تشويهاً للحقائق، وإمعاناً منها في التضليل فإنها تتلقف بعض أخبار الحركات الإسلامية بأن تأتي بعملية من هنا أو تسجيل صوتي من هناك لتشويش الرؤية على المشاهد وإخفاء الصورة الحقيقية لهذه القناة التابعة. حتى المؤتمر الاقتصادي الناجح بكل المقاييس والذي عقده حزب التحرير في السودان لم تلق له بالاً، رغم أنها تنقل وعلى الهواء مباشرة أحداث وفعاليات اقتصادية أقل أهمية منه بكثير. ولاغرابة في هذا التجاهل لأن هذا المؤتمر يبين عظمة الإسلام وقدرته على إنقاذ البشرية جمعاء من براثن الرأسمالية وشرورها عبر دولة الخلافة، دولة العدل والأمن والرحمة والمساواة.

وحتى عندما تنقل الجزيرة خبراً عن الحزب فإنها تنقله بشكل مشوه وفق ماتريد المشاهد أن يفهمه، ومثال على ذلك، طريقة نقل وائل الدحدوح مراسل الجزيرة في فلسطين العام الماضي لمسيرة حزب التحرير في ذكرى سقوط الخلافة، حيث أقحم وجهة نظره ونأى عن الحيادية عندما تساءل بخبث مخاطباً المشاهد عن إمكانية التفات الناس لهكذا فلسفة فكرية خيالية بعيدة عن التطبيق لا توجد إلا في "كتبهم" حسب تعبيره. فهل هذه هي وجهة نظره هو؟! طبعاً لا. إنها وجهة نظر قناة تابعة للانجليز الذين أنشؤوها ورعوها ليقطفوا ثمارها في المنطقة وفي شتى أنحاء العالم. نعم، وجدت هذه القناة وفق وجهة النظر النفعية الرأسمالية العفنة، التي لا يعنيها جوع الجياع ولا صرخات الثكالى، وقس على ذلك بقية القنوات والإذاعات ووسائل الإعلام.

ابو ايوب
الرأي العام ودوره في التغيير(2)


أنواع الرأي والرأي العام

يوجد الرأي العام في نطاق الجماعة وفي الحزب ، كما يوجد في نطاق الدّولة وفي نطاق المنطقة .ويوجد في القرية ويوجد في المدينة
ويوجد على النّطاق الشعبيّ كما يوجد على النّطاق العالميّ. فأميركا أوجدت رأيا عامّا عالميّا ضدّ الإرهاب، فصار النّاس في العالم ضدّ
الإرهاب عن وعي وعن غير وعي، وبقناعة وبغير قناعة. فاحتلّت أفغانستان والعراق تحت ذريعة محاربة الإرهاب. وصار مطلب خروج
سوريا من لبنان بعد مقتل الحريري رأيا عامّا على النّطاق الشعبيّ في لبنان، فلم يجرأ أحد ليقول :" لتبقى سوريا في لبنان " حتـــى
أعوانهاو مؤيّدوها وحلفاؤها , وإن كانوا كثر ولديهم قوّة لا يستهان بها، بل يشكّلون من حيث العدد أكثر من نصف سكّان البلد.
وعندما وجد رأي عام لإقامة الدّولة الإٍسلاميّة في المدينة فلم يجرأ أحد يومئذ في المدينة على التصدّي لذلك ، مع العلم أنّه كان هناك
يهود ونصارى ومشركون ومنافقون وهم ليسوا قلّة ولديهم قوّة لا يستهان بها. ولكن سيطرة الفكرة الإسلامية وموضوع النبوّة وظهورها
في العلن وتاييد أهل القوّة للنبيّ صلى الله عليه وسلم ، أربك أولئك وجعلهم يسكتون ولا يعارضون لمجيء النبيّ إلى المدينة وبالتالي
الإنقياد له ، فإنك تستطيع أن تتصوّر ذلك كما حدث في لبنان عندما تشكّل رأي عام للمطالبة بخروج سوريا منها.

ومثلا ساد رأي عام لعبد النّاصر ولقوميّته واشتراكيّـه في الخمسينيّات من القرن الماضي في المنطقة العربيّة. فالكلّ انحنى أمام ذلك
وسار مع التيّار الجارف مع العلم أنّ اكثر النّاس الساحقة من المسلمين، وهذه الأفكار القوميّة والإشتراكيّة تخالف الإٍسلام مخالفة صريحة.
وعبد النّاصر لم يطبّق شرع الله بل كان مناقضا له ولأفكاره ولدعاته بل كان يحاربهم ، فلم يتصدّى لذلك إلاّ حزبا سياسيّا عقائدّيا واحدا
يدعو للخلافة وهو :حزب التحرير، فوصف هذا الحزب نفسه بأنّه كان يومئذ كقارب صغير بين أمواج بحر هائج تتراطمه هذه الأمواج من
كلّ جانب وهو يجذّف عكس التيّار تكاد هذه الأمواج أن تغرقه . ولكّن ثباته على مبدأه وعقائديّيته قد حفظه من الغرق او من الإنجراف
مع التيّار الجارف وإن خسر أكثر من خمسة وسبعين (75) بالمائة من أعضائه كما ذكر ذلك الحزب نفسه. وبفضل عقائدّته استطاع أن
يستعيد قوّاه الماديّة التي خسرها.

وتكرّر معه هذا الوضع في الستّينات تجاه العمل الفدائيّ ولكنّه لم يتأثّر كما تأثّر من قبل لأنّه صار أقوى عودا وأصلب ظهرا وأكثر
ثقة بنفسه ، وأصبح النّاس أكثر ثقة به . وتكرّر الأمر مع ثورة الخميني في نهاية السبعينات ووقف في وجه التيّار الجارف وثبت على
رأيه وعلى موقفه من تلك الثورة. والآن على وشك أن تصبح فكرته -فكرة الخلافة - هي السائدة في العالم الإسلاميّ.

فإذا لا يستطيع أحد أن يقف في وجه الرأي العام ولا يملك أن يعارضه ، بل لا يملك إلاّ أن يسير معه أو ينجرف مع تيّاره الجارف
إلاّ السيّاسي العقائديّ ، كما ضربنا مثال ذلك الحزب السيّاسيّ العقائديّ الذّي يدعو للخلافة والذّي وقف في وجه الراي العام الذّي
وجد لعبد النّاصر وتعرّض لنقمة النّاس والحكّام في آن واحد، ووقف في وجه غيره من غير المخلصين ، ومازال يقف نفس المواقف
تجاه كلّ ما فيه دجل وخداع للأمّة.

فهناك رأي عام يسود العالم فنقول له : رأي عام عالميّ أو دوليّ ، مثل محاربة الإرهاب أو محاربة الإستعمار في عهد الإتحــــاد
السوفياتيّ. وهناك رأي عام يسود منطقة ما ، مثل الدويّ الذّي حصل لعبد النّاصر ولقوميّته واشتراكيّته ، ومثل فكرة الوحــــــدة
الأوروبيّة التّي عمّت منطقة أوروبا ، وهناك رأي عام يسود البلد الواحد ، كما حصل في لبنان تجاه سوريا، وهناك رأي عام يسود
المدينة الواحدة فقط أو القرية الواحدة فقط. فمثل ذلك يقال له الرأي العام المحليّ ،لآّنه عام في محلّ محدود وصغير نسبيّا، وهناك
رأي عام يسود جماعة ما أو حزبا ما ، فكلّ ذلك رأي عامّ بسبب وجود فكر يسود أجواء الجماعة هذه أو تلك.

ديمومة الرأي العام

فهناك آراء عامّة تسود أجواء الجماعة الصغيرة أو الكبيرة لفترة قصيرة أو لفترة أطول من ذلك ،أي متوسّطة. أو لفترة طويلة
ربّما تدوم شهورا أو سنين أو عقودا كفكرة محاربة الإستعمار. فليس معنى سيادة فكر ما أجواء جماعة ما ، أنّ ذلك ثابت لا يتغيّر
و لا يزول وأنّه دائم ، بل سرعان ما يزول إن لم تكن ورائه قوى ترعاه وتسهر عليه وتحافظ عليه
، أو إذا لم تظهر قوى أقوى من
هذه القوّة. ومنها ما يحدث تغييرا جزئيّا أو محدودا كما حدث في لبنان تجاه سوريا ، ومنها ما يحدث تغييرا كبيرا كما حدث فــــي
أوروبا في مسألة الإتحاد. ومنها ما يحدث تغييرا جذريّا كما حدث في المدينة المنوّرة عندما مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلّم
وأقام لأوّل مرّة في التاريخ دولة إسلاميّة.

فالراي العام يحتاج إلى قوى تحافظ عليه وتسهر على ديمومته ، وإلاّ فإنّه يزول ويحلّ مكانه رأي عامّ آخر وخاصّة عند ظهور
قوى أخرى وتطرح فكرا آخرا أو مغايرا . فعندما سقط الإتحاد السوفياتي سقطت معه فكرة محاربة الإستعمار ، لأنّه كان يرعى
هذه الفكرة ويغذّيها عالميّا .
ولايتململ المعارضون للرأي العام للقيام بالمعارضة العلنيّة إلا بعدما يحسّون بضعف القوّة التيّ ترعى هذا الرأي أو عندمــــــا
يحسّون بأنّ الفكرة السائدة قد فقدت بريقها بسبب أنّ القوى التيّ ترعها ضعفت همّـتها في المتابعة و السهر على رعايتها ولم
تعــــــد تتجدّد اساليبها لتلميع تلك الفكرة السائدة أو جمدت على أسلوبها القديم ولم تقم بتجديد دعوتها وشرح فكرتها والهاب
المشاعر وإيثارة الفكر عند النّاس .

وكذلك عندما تفشل الفكرة او يفشل أصحابها يتغيّر الراي العام . فعندما فشل عبد النّاصر في المحافظة على الوحدة بين
مصر وسوريا ، بدأ الرأي العام ينقلب عليه والمعارضون له بدأوا بالتحرّك ضدّه ، إلى أن جاءت هزيمة الخامس من حزيران يونيو
من عام 67 من القرن العشرين المنصرم حتّى لم يبق له منه شيئا.

والرأي العام الذّي يستند إلى عقيدة الأمّة هو أقوى ثباتا وأكثر ديمومة من غيره، وعندما تكون وراءه قوى شجاعة
وواعية تحافظ عليه
، فليس من السهل أن يتلاشى ويزول . ولهذا السبب ذهب قوميّة عبد النّاصر واشتراكيّته أدراج الريّـــــاح
فلم يبقى منها شيء لأنّها لا تستند إلى عقيدة الأمّة . ولكنّ فكرة الخلافة نراها يوما بعد يوم تنمو وتتقدّم وتنتشر ويتكوّن لها
رأيا عامّا رغم تكالب كلّ القوى العالميّة والمحليّة عليها وبطشهم بالدعاة لها . ولو سمح لها بالظهور طبيعيّا كباقي الأفكار
الأخرى لكانت من أمد بعيد هي السائدة في الرأي العام.
ابو ايوب

الرأي العام ودروه في لاتغيير (3)


دور الوعي العام في موضوع الرأي العام

والرأي العام إمّا أن يستند إلى وعي عام أو لايستند إلى ذلك، أي ينساق فيه النّاس بعواطف جيّاشة ولكن سرعان ما تخمد هذه العواطف ويرجع
النّاس إلى نعراتهم وعنعناتهم الجاهليّة وأفكارهم الخاطئة و مفاهيمهم المغلوطة . ولكن عندما يتحرّك النّاس بمشاعر صادقة نابعة من أفكار متبناة
من قبلهم أو ممزوجة بأفكار مدركة لديهم ،فالحال يختلف عندئذ، فإنّ حركة النّاس ستتواصل ولن تتوقّف حتّى تحقّق هدفها المنشود ولا ترجع إلى
جاهليّتها ،لأنّها انطلقة من تبنّيها لأفكار معيّنة ، فلذلك فإنّها تسير وتتحرّك عن وعي وادراك ، وهي لا تنطلق لتحقيق مصالح آنيّة حتّى إذا تحقّقت
هذه المصالح تهدأ وترضى ،و إن كان غير مانع من أن تتحرّك لتحقيق مصالح جزئيّة هادفة من ذلك تحقيق المصلحة الكليّة وهي قضيّة الأمّة
المصيريّة. وكذلك الضغط على الذّين يمسكون بزمام الأمور لجعلهم يحقّقون المصالح الآنية للنّاس واستخدام تقصيرهم في ذلك لضربهم وضرب نظامهم
الفاشل.

فهناك فرق بين المصالح الآنية والمصالح الجزئيّة .فالمصالح الجزئيّة وهي عبارة عن أجزاء من المصالح العامّة للأمّة أي أجزاء من القضية
المصيريّة للآمّة. وفرق بين أن تتخذ المصالح الجزئية مصالح كبرى أو أهداف منشودة ونهائيّة وقضايا مركزيّة ومصيريّة ، وبين أن تكون وتتّخذ
كأجزاء من مصلحة للأمّة الكبرى.

فالمصلحة الآنيّة هي المصالح اللاّزمة لمعيشة النّاس اليومية ، مثل تأمين الخبز وتأمين أقواتهم اليوميّة ومثل ايجاد أعمال لهم ليرتزقوا بواسطتها
أو بناء مدارس لتعليم أبنائهم أو شقّ طرقات للوصول لآماكن سكنهم وغير ذلك من المصالح الآنيّة.

من المصالح الجزئيّة مسألة تحرير فلسطين ، فيتبنّاه الحزب الذّي يعمل للتغيير ويربطها بالقضيّة المصيريّة وقد تخيّل للبعض بأن مسألة تحرير
فلسطين الهدف النهائيّ ، وبعد يتحقّق إقامة الدولة الفلسطينيّة وتنتهى القضيّة، أي هي القضيّة المصيريّة بالنسبة لهم. وهذا التخيّل جاء بسبب
الوطنيّة والتّي هي عبارة عن عاطفة مؤقّتة تجعل الإنسان ضيّق الأفق ، ولكن إذا دقّقنا في الأمر نرى أنّ قضيّة فلسطين قضيّة جزئيّة من قضيّة
الامّة الإسلاميّة المصيريّة وهي تطبيق شرع الله في الأرض عن طريق إقامة الخلافة. فعندئذ تحلّ بتطبيق الحكم الشرعي بحقّها من قبل الدولـة
الإٍسلاميّة وهو إعلان الجهاد لتحريرها من مغتصبيها.

إنّ الأحزاب والتنظيمات غير المبدئيّة من عادتها أن تسوق النّاس سوقا عاطفيّا ولتحقيق مصالح آنيّة أو جزئيّة وتعتبرها قضايا مصيريّة أو مركزيةّ
حسب تعبيرها ، وهي تساير النّاس وتسير مع الواقع ، فلا يضيرها أن تتراجع عن أهدافها وعن شعاراتها وتتوافق مع أهواء النّاس ومع الظروف
الآنيّة ، لانّه لا يهمّها التغيير ولا النهوض بالأمّة ولا العمل على تحقيق القضايا المصيريّة ، لأنّها تعتبر ذلك ضربا من ضروب الخيال إن لم تعتبـره
مستحيلا وتتركه للغير. وإنما تعمل على تحقيق ما يمكن تحقيقه وهو ما يسمّى عندهم بالواقعيّة والسير حسب الظروف ، وكذلك ما يسمّـــــى
بالبراغماتيّة .

وأمّا الأحزاب المبدئيّة فلا تساير الجمهور ولا تتقلّب حسب الظروف ، ولاتتماشى مع الواقع أو ترضخ له ، فلا تسلّم بالأمر الواقع مهما تضرّرت
من ثباتها على مبدئها وعلى رأيها، وإنّما تعمل لجعل مبدئها هو السائد وتحمل النّاس على تبني أفكارها والسير معها حسب ذلك ،وتعمل على
جعل فكرها الذّي أصبح رأيا عامّا أن يتحوّل إلى عرف عامّ ، لايستطيع أحد أن يخالفه أو أن يعارضه ، بل الكلّ يستسلم له ويخضع له ، ولهذا
يجب أن يحرص على تحويل الرأي العام إلى عرف عامّ . وكذلك على إيجاد الرأي العام الذّي يستند إلى وعي عام على الفكرة التّي تبثّها وتعمل
لإيجاد أجواء لها.

فيتطلّب ذلك القيام بالتثقيف الجماهريّ والقيام بالعمليّة الصهريّة للأمّة لجعلها تنصهر في بوتقة المبدأ. فمن الأمور التّي تلزم للتغير إيجاد الراي
العام عن الشيء الذّي يراد إيجاده ، ولكن حتى يكون هذا الراي العام أقوى وأثبت وأكثر ديمومة ونجاحا واصلب عودا وأقوى مقاومة لا بدّ
من إيجاد الوعي العام وجعله عرفا عامّا. ولإنجاح كلّ ذلك يجب القيام بالتثقيف الجماعيّ المستمرّ بكلّ الوسائل والأساليب ، وإيجاد الأجواء
والمناخ المناسب لذلك ، والصّراع الفكري العلنيّ مع كلّ الأفكار المخالفة ، وكذلك الكفاح السياسيّ ، وهذا يكون مع من يمسك بزمام الأمور
وكذلك العمل على تبنّي مصالح الأمّة.

فالرّسول صلى الله عليه وسلّم عندما أرسل مصعب بن عمير إلى المدينة ليحمل الدّعوة الإسلاميّة فيها ، ومن ثمّ يهيئ الأجواء لمجيئه إليها
ويعمل على إيجاد الراي العام لإقامة الدّولة الإٍسلاميّة فيها قال له صلى الله عليه وسلم:" أقرئهم القرآن ، وعلّمهم الإسلام وفقّهم في الدّين"
فهذا العمل هو لإيجاد الوعي عند المسلمين ولم يكتف بقبولهم لفكرة الإسلام ، بل طلب إيجاد الوعي العام إلى جانب قبولها.

وبمقدر ما يتحقّق من ذكل أثناء الحصول على مقوّمات التغيير كلّها فهو خير. فالذّين يعملون لإيجاد الخلافة في هذا العصر نراهم يعملون
على إيجاد الوعي العام إلى جانب عملهم لإيجاد الراي العام حتّى تتكامل لهم مقوّمات التغيير ، وتتاح لهم الفرص للتغيير الجذريّ الشامل
فيكونون قد قطعوا مسافة في عمليّة التغيير الجذريّ . وهذا أضمن لهم وأنجح على المدى البعيد ومفيد في ثبات الراي العام لصالحهم وفي
ديمومته ومفيد لهم أيضا لما بعد إقامتهم للخلافة. فلا ينهار كلّ شيء عند أيّة ضربة كما حصل مع عبد النّاصر في الوحدة مع سوريا ،فبمجرّد
أنقلاب من قبل ثلّة من عملاء لسوريا تنهار الوحدة بكلّ سهولة وبدون أيّة حركة لامن قبله ولا من قبل الشعب. بل ينجحون كما نجح الصّديق
خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما ارتدّ من ارتدّ وامتنع من امتنع عن أداء الزكاة بعد وفاته صلى الله عليه وسلمّ . فاستطاع هذا
الخليفة الراشد أن يهزم المرتدّين ومانعي الزكاة في فترة قصيرة جدّا وبدأ بحرب أقوى دولة في العالم أنئذ، ألا وهي امبراطورية الروم
التيّ كانت تسيطر على الغرب والشرق ومنه بلاد الشام وعاصمة هذه البلاد دمشق التّي طوّقتها جيوش هذا الخليفة بعد هزيمة الّروم في معركة
اليرموك . وكلّ ذلك ، سواء هزيمة المرتدّين ومانعي الزّكاة في الداخل أو هزيمة الرّوم في الخارج ، تحقّق في ظرف سنتين ونصف لاغير

افلا ترون الفارق بين ما حصل في عهد عبد النّاصر من الهزائم ابتداءا من انهيار تلك الوحدة ومن ثمّ هزيمة جيوشه أمام دولة يهود ، وبين
عهد الخليفة الراشدي الذّي قضى على كلّ حركات الإنفصال الداخلية إلى الإنتصار على اقوى امبراطوريّة شرّ في العالم يومئذ.




أبو عقاب الشامي
أيسمح لنا الاخ الكريم بالمداخلات ام ننتظر الى حين انتهاء هذا البحث؟

السلام عليكم
ابو ايوب
البحث من اصدارات المكتب الإعلامي لحزب التحرير ويتضمن ثماني حلقات .

حفظكم الله .

ابو ايوب
الرأي العام ودوره في التغيير(4)


تاريخ الرأي العام

حسب المؤرّخين الغربيين يبدأ كلّ شيء دائما من الإغريقيين أو من الرّومان ولذلك أرّخوا لبداية الرأي من المدن اليونانيّة ، لأنّ دراستهم تبدأ من هناك
وتنتهي إلى هناك. فقالوا أنّ المدن اليونانيّة هي أوّل من عرف الرأي العام وأولاه أهميّة .

ولكن إذا راجعنا القرآن الكريم وهو يحدّثنا عن قصص الأنبياء مع أقوامهم والقائمين على مجتمعات هذه الأقوام من القادة والزعماء ، نرى أنّ الراي العام
قديم قدم البشريّة .ففرعون الّب الراي العام ضدّ سيّدنا موسى عليه السّلام وأظهر موسى التحدّي بالمعجزات ، وردّ فرعون على هذا التحدّي وجمع النّاس
ليروا التحدّي بالسحر والسحرة . والأنبياء والرّسل من قبل ذلك كانوا يخاطبون النّاس عامّة ويعملون على إيجاد رأي عام لدعواتهم ، وكانت المجابهـة
الفكريّة علنيّة والكلّ كان يسمع بها ويراقبها وينتظر النتائج. وكان أصحاب الرأي الآخر والقادة يحاولون أن يردّوا على دعاوي الأنبياء والرّسل ويعملون
على تأليب الراي العام ضدّهم لإبعاد النّاس عنهم حتّى لايؤمنوا بدعواتهم لأنّه أصبح لها رايا عامّا وصار تؤثر على النّاس.

فمثلا قصّة نوح عليه السّلام مع قومه وقد تصدّى له قادة القوم فيقول القرآن عنهم
﴿ فقال الملأ الذّين كفروا من قومه ما نراك إلاّ بشرا مثلنا وما نراك اتّبعك إلاّ الذّين هم أرذالنا بادي الرأي ﴾

وفي قصّة أهل الكهف يحتدم الصّراع حولهم فيحدّثنا القرآن الكريم عنهم
﴿ فقال الذّين غلبوا على أمرهم لنتّخذن عليهم مسجدا ﴾


فهؤلاء الذّين أرادوا بناء مسجد سيطر رأيهم واستطاعوا أن ينفّذوا رأيهم ، وانحسر رأي الذين أرادوا أن يبنوا عليهم بنيانا ما.
كلّ ذلك ليس بكثرة العدد أو قلّته ،بل هو متعلّق فقط بسيادة فكر ما على أجواء الجماعة المعيّنة.

وفي قصّة اصحاب الأخدود كما في رواية البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :أنّ الغلام المؤمن طلب من الملك الكافر جمع النّاس كلّهم على صعيد
وأن ينطق باسم ربّ الغلام حتّى يتمكّن من قلته ، فآمن النّاس كلّهم وضحّى الغلام بنفسه في سبييل نشر عقيدته، ولكن بعد أن جعل لها رأيا عامّا باسلوبه
هذا، فأضحى النّاس كلّهم مؤمنين ، فلم يستطع هذا الطاغية أن يقف في وجه الرأي العام فلجأ إلى حفر أخدود وإشعال النّار فيه ومن ثمّ إلقاء كلّ مؤمن
فيها ، وقد اشار إليها القرآن الكريم في سورة البروج.

فنستنتج أنّ الفكر إن لم يصبح علنيّا وهو يناقش في العلن ويتحدّى من بيدهم زمام الأمور ويتحدّى أصحاب الرأي الآخر فلن يصبح رأيا عامّا ، أي لن
يسود أجواء الجماعة، وبالتّالي فلن ينتصر. فمن مقوّمات انتصار الفكر علنيّته وتحدّيه للأفكار الأخرى وأصحابها ومن بيدهم زمام الأمور وبالتالي ليجعله
رأيا عامّا.

ففي سيرة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم وهو قدوتنا الحسنة وطريقته طريقتنا ، وهي ليست تاريخا وإنّما هي تشريعا، نرى أنّه كان يعمل على
إيجاد الرأي العام ، ولكن عن وعي وإدراك تامّين بما يدعو له، إلى أن تمكّن من إقامة الدولة الإسلاميّة . فكان يصدع بدعوته ولا يخفيها وكان يتحدّى
الأفكار الأخرى وأصحابها من صناديد قريش وغيرهم. وكان قريش تألّب الراي العام ضدّه حتّى تتغلّب على دعوته ، بل كانت تعمل على أن لا تسمـــع
دعوته ويصبح لها رأيا عامّا،فكانت تدرك خطورة ذلك. وقد نجحت دعوته صلى الله عليه وسلّم في المدينة بعد أن أصبح لها رأيا عاما.

ونستطيع أن نقول أنّ بعض الأحكام الشرعيّة كان يهيّأ لها الرأي العام ليتقبّلها النّاس ولتطبّق عليهم بكلّ أريحيّة ، أي بدون حرج وبتسليم كامل
ومطلق . كما قال تعالى

﴿ ثمّ لايحدوا في أنفسهم حرجا ممّا قضيت ويسلّموا تسليما ﴾

فتحريم الخمر وتحريم الرّبا لم يكن تدريجيّا ، وإنّما قد هيّأ الرأي العام لتحريمهما، وذلك بتقبيح كلّ منهما وبيان فسادهما وأنّهما ليسا في صالح الناس.
ونراه صلى الله عليه وسلم قبل أن يغزو كان يهيّأ الرأي العام بين المسلمين وعلى نطاق الجزيرة العربيّة ، حتى أنّه كان ينتظر من العدّو حصول ما
يبرّر الغزو ويثير الرأي العام لذلك وعليه. حتّى أنّنا نستطيع أن نقول أنّه لم يقم بأيّ عمل قبل أن يهيّأ له الرأي العام، فهذا إستنتاج من سيرته المباركة.
لانّ الفكر عنده يسبق العمل ويريد أن يقوم النّاس به عن قناعة مسبقة فكان عمله بعيدا كلّ البعد عن الإستبداديّة أو ما يسمّى بالديكتاتوريّة ، وهــي
ليست ديمقراطيّة لأنّه ينطلق من الوحي ويشاور حسب ما يوحى إليه، لأنّ الديقراطيّة تعني حكم الشّعب ، فالرأي يكون حسب رغبة النّاس ومصلحتهم ، بل
إنّ الديمقراطيّة لا تعترف بوجود دور للدّين في السياسة أو في واقع الحياة والمجتمع والدّولة ،و تفصله كلّ الفصل عن كلّ ذلك. ففصل الدّين ع الحياة
هو أساس الديمقراطيّة والشعب هو المشرّع وهو الذّي يحكم ولو كان ذلك نظريّا ، لأنّه في الحقيقة لا الشعب هو الذّي يشرّع ولاهو الذّي يحكم ، بل هناك
زمرة قليلة من أصحاب النفوذ والمال هي التّي تشرّع وتحكم بإسم الشّعب.



.................
ابو ايوب
الرأي العام ودوره في التغيير (5)



القوى التي تعمل على إيجاد الرأي العام



أولا: الأحزاب والتنظيمات السياسية

تأتي الأحزاب والتنظيمات السياسية على رأس القوى التي تعمل على إيجاد الرأي العام، لأنها تعمل على كسب المجتمع حتى تصل إلى الحكم
لتنفيذ فكرتها السياسية سواء عن طريق الانتخابات أو عن طريق الثورة أو العصيان المدني أو الإضرابات أو القوة العسكرية أو عن طريق أهل النصرة.
والأحزاب هي قوى مؤثرة تؤثر في الدولة وفي الأمة، لأن لديها فكرة سياسية معينة. فالذي يطرح فكرا ويعمل لجعل الناس تتبناه وتقبله يكون مؤثرا
وفاعلا. فكيف إذا كان ذلك فكرا سياسيا، أي فكرا ليسود المجتمع ولترعى به شؤون الناس، وتسير به الأمور؟! فإن ذلك سيكون مؤثرا قطعا.

وقد أدركت الدول الغربية قيمة الأحزاب وخطورتها إن لم تضبط تحت رقابتها، ولهذا جعلت في ميزانياتها مبالغ من الأموال لتمويلها حتى تكون تحت
رقابتها ولا تخرج عن نطاق سيطرتها، ولتخدم مصلحتها. فأصبحت الأحزاب السياسية الديمقراطية شبه مؤسسات من مؤسسات الدولة الديمقراطية
، فتتداول الحكم بينها ودور المعارضة، فالتي في الحكم تنفذ القوانين وتطبق الدستور، والتي في المعارضة تراقب هذا التطبيق وتنتقده، فتقوم بدور
المعارضة للحزب الحاكم حتى تحل محله، وذلك عن طريق إيجاد الرأي العام حتى تكسب الانتخابات وتصل إلى الحكم.

وفي الدولة الإسلامية سيسمح للأحزاب القائمة على أساس الإسلام بممارسة العمل السياسي، وسيسمح لها بإيجاد الرأي العام لأفكارها. وعندما
تقوم الأحزاب بمحاسبة الخليفة ومن معه من الحكام وتوجد الرأي العام على ذلك، فإن ذلك سيؤثر عليه وتضطره لمراجعة سياسته، فيرجع عنها عندما
يرى صحة الرأي أو يجابهه إذا لم ير صحة ذلك. فبلال ومعه بعض الصحابة خالفوا الخليفة عمر في مسألة عدم تقسيم سواد العراق، وأوجدوا لفكرهم
رأيا عاما، فتأثر الخليفة حتى قال: "من يكفيني بلالا وصحبه"! لأنه أي عمر كان يرى صحة رأيه، وحاول إقناع بلال ومن على رأيه، حتى تمكن من ذلك
وأقنعهم بصحة رأيه. وأبو ذر عندما خالف والي الشام معاوية في مسألة الكنز وأوجد رأيا عاما له، لم يستطع معاوية مجابهته، فكتب إلى الخليفة عثمان
يخبره بأن أبا ذر يثير الناس ضده، أي يثير الرأي العام عليه، حتى يستدعيه الخليفة ويبعده من الشام.



واليوم حتى تعاد الخلافة من جديد فلا بد من إيجاد الرأي العام لها، والذي يوجد ذلك هو الأحزاب التي تعمل لإعادة الخلافة. لأنه حتى تقام الخلافة فلا
بد من نشر فكرتها حتى تتبناها الناس، فالدولة تنشأ بوجود فكرتها في المجتمع. لأنها هي جهاز تنفيذي لمجموعة المفاهيم والمقاييس والقناعات التي
يتبناها الناس. فالفكرة التي تقوم عليها الدولة مكونة من هذه المجموعة من المفاهيم والمقاييس والقناعات. فكان من الواجب نشر هذه المفاهيم
والمقاييس والقناعات بين الناس، فعندئذ يقوم الحزب الذي تبنى ذلك بالعمل على إيجاد الرأي العام لها. فوجود الفكرة، ووجود الحزب الذي يتبناها ويعمل
لها، ووجود رأي عام لها، ووجود أهل نصرة ومنعة لها هو الذي يقيم الدولة. فالرأي العام هو عنصر من عناصر إقامة الدولة، أي هو جزء من أجزاء الطريقة.
والحزب هو الذي يوجد الفكرة أو يتبناها، وهو الذي يعمل لإيجاد رأي عام لها، وهو الذي يعمل على كسب أهل النصرة والمنعة، وباختصار هو الذي يبني
الدولة لبنة لبنة، ثم هو الذي يقودها ويسهر عليها بعد بنائها.



ثانيا: الدولة

الدولة في صيرورتها كيان تنفيذي؛ تصبح قوة سياسية تعمل على إيجاد الرأي العام أو تعمل على كسبه لتأييد سياستها أو قراراتها أو إجراءاتها؛ فكما
قلنا آنفا بأن الدولة هي جهاز تنفيذي لمجموعة المفاهيم والمقاييس والقناعات التي يتبناها الناس. فالدولة إذن تحرص على إرضاء جمهور الناس وتحاول
إقناعهم بصحة ما قررته أو ما ستقرره وتطبقه، وتخاف من سخط الناس عليها وتخاف من أن يتحول هذا السخط إلى عمل ضدها، وبالتالي يسقط القائمون
على الحكم. ولهذا تخاف من الأصوات المنتقدة والمعارضة والمحاسبة، وتهاب التجمعات والتحركات الجماهيرية، وحتى أنها تتوجس خيفة من الأحزاب
المرخصة، لأن هذه الأحزاب وإن كانت مرخصة إلا أنها تعمل للوصول إلى الحكم، فربما تنقلب عليها. حتى أن الدول الغربية والتي تتبنى الديمقراطية
وتتبنى الحريات العامة وترفعها كشعار وتتغنى به تخاف من ذلك كما تخاف دول ما يسمى بالعالم الثالث المتأخر. والدليل على ذلك القوانين التي سنتها
والإجراءات التي اتخذها كثير من الدول القائمة في العالم في السنوات الأخيرة بحجة محاربة الإرهاب ضد ما يسمى بحرية الرأي وضد العمل الفكري
والسياسي، وحتى باتوا يمنعون المظاهرات والاحتجاجات السلمية التي تخالف رأيهم، ويضيقون الخناق على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة
والتي هي مرخصة ومسموح لها من قبلهم؛ لأن الدولة تريد أن يكون الرأي العام بجانبها حتى تتمكن من تنفيذ سياستها. ولقد رأينا أمريكا كيف كذبت
على الرأي العام المحلي والدولي وأخرست كل الأصوات المضادة لها لتبرر شن حربها على العراق حتى تتمكن من استعماره ونهب ثرواته وتدمير قوته
وتمزيقه حتى لا تقوم للمسلمين قائمة ولا يبقى لهم كيان يتخذونه كنقطة ارتكاز لينطلقوا منه لتوحيد الأمة وتطبيق الشريعة السمحة وحمل الدعوة إلى
العالم.
ابو ايوب

الرأي العام ودوره في التغيير (6)



ثالثا: التنظيمات أو المجموعات و المنتديات والمعاهد والمدارس الفكرية البحتة

فهي قوى فكرية تحاول أن تصدر أفكارها وتعمل على نشرها، وعادة يشرف عليها مفكرون وباحثون أو تتكون منهم، فربما تنجح هذه في إبراز أفكارها لدى
الرأي العام، وتؤثر في أحزاب أو في الدولة، ولكن لا يمكن أن توجد الرأي العام إذا لم تقم بنشاط علني ومنظم بين الجماهير، ولا يمكن أن تصل إلى الحكم. فلم نر
أن ذلك حدث في تاريخنا في عهد نهضتنا السابقة أو في تاريخ الغرب الذي نهض فيما بعد. فحركة المعتزلة كانت فكرية فلم تصل إلى الحكم وإن استطاعت أن تنشر
أفكارها وتوجد رأيا عاما لها وتؤثر على بعض الخلفاء العباسيين لأنها قامت بنشاط جاد ومنظم بين الناس ولكن لم تستهدف الوصول إلى الحكم وإن أوصلت فكرتها
إلى بعض الحكام. ولكن الحركة العباسية كانت سياسية فوصلت إلى الحكم بعد أن أوجدت لها رأيا عاما وقامت بحشد قوى لها للانقلاب. وفي الغرب لا نرى الحركات
الفكرية تصل إلى الحكم، ولكننا نرى الأحزاب السياسية هي التي تصل إلى الحكم. ولكن هذه الحركات تحاول أن تنشر أفكارها أو توصلها لأصحاب القرار حتى يأخذوا
بها أو ينظروا فيها. فلقد كان المفكرون الاشتراكيون ومدارسهم وتجمعاتهم الفكرية تنظّر في الفكر الاشتراكي فلم تغير في النظام الرأسمالي شيئا ولكنها بدأت
تعمل لجعل أفكارها رأيا عاما. إلى أن جاء ماركس ولم يعجبه عملهم فصاغ هذه الأفكار بشكل مبدئي سياسي قابل للتطبيق، حتى يأتي رجل مثل لينين ويؤسس
على أساسها حزبا عقائديا سياسيا يهدف لتغيير المجتمع ومنه النظام ونجح في ذلك.

ويرجع سبب ذلك إلى أن هذه الحركات لم تضع في برنامجها الوصول إلى الحكم، ولم تشكل نفسها على هذا الأساس، وتكاد تنحصر في فرد يكتب وله قراء، أو أفراد
قلوا أو كثروا جمعهم التمازج في الأفكار، ولا يتعدى ذلك إلى العمل السياسي، ورسم طريق للعمل، وتحديد الأهداف والغاية. فهي ليست سياسية، ولهذا لا يمكن أن
تصل إلى الحكم.

ولهذا نستطيع أن نقول أن الحركات الفكرية بحالها هذا إن لم تتحول إلى حزب سياسي أو إن لم يتبن أفكارها حزب سياسي أو نظام معين فلا تستطيع أن تحدث
تغييرا سياسيا وإن كانت قادرة على أن تؤثر في الرأي العام أو توجده، لأن عملها نشر الأفكار بين الناس.



رابعا: العلماء


فهؤلاء من الذين يستطيعون أن يؤثروا في الناس بخطاباتهم الرنانة وأرائهم المقنعة، ويكون لها تأثير وصدى في الرأي العام، ولكن لا يستطيعون أن يغيروا المجتمع
ولا أن يقيموا دولة وهم مكتفون بالخطابات فقط! ومثال ذلك العلماء والخطباء في عالمنا الإسلامي ومنهم الجريئون المتمكنون؛ فنرى قدرتهم على التأثير على الناس
وصدى ذلك في الرأي العام، فإن لم يكن هناك قوى سياسية توظف ذلك لمصلحتها السياسية أو تتحول حركتهم إلى عمل سياسي منظم أو يصبحوا جزءا من تنظيم
سياسي فلا يؤدي ذلك إلى التغيير. فمثلا؛ بعض العلماء الخطباء الجريئين في مصر لم تؤد خطبهم إلى إيجاد الرأي العام ولا إلى التغيير. ولكن في إيران تحولت حركة
العلماء إلى عمل سياسي منظم، وكانت هناك قوى سياسية قد وظفت ذلك سياسيا فأوجدوا رأيا عاما ضد الشاه، وقادوا العمل بأنفسهم، فقامت الثورة وحصل
التغيير، وهذا لم يتوفر في مصر مثلا. فمجرد الخطابة الرنانة وإثارة الناس وحتى بث الأفكار فقط غير كاف لإيجاد الرأي العام ولا يؤدي إلى التغيير بل لا بد من عمل
فكري سياسي منظم يهدف إلى التغيير. ولهذا قام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بعمل منظم حيث كتّل أصحابه ونظمهم واستهدف التغيير وقام بالأعمال اللازمة لذلك
ومنها إيجاد الرأي العام، ولم يكتف ببث الأفكار أو بالخطب. والعلماء الذي وقفوا في وجه ظلم بني أمية لم يستطيعوا أن يغيروا وإن كانت آراؤهم لها تأثير في الرأي
العام. ولكن الذين أسسوا الحركة العباسية الفكرية السياسية قاموا بعمل منظم يستهدف قلب بني أمية واستخدموا كافة الوسائل والأساليب لتحقيق ذلك فنجحوا في ذلك.



خامسا: المؤسسات الأكاديمية

وذلك مثل المدارس والجامعات والمعاهد العلمية والتعليمية فإنها مؤسسات تقوم على تعليم وتثقيف الأفراد وتهيئتهم ليؤثروا في المجتمع، فيكون تأثيرهم جزئيا ضعيفا
وضيقا، فهو محصور في عمل فردي، فلا يمكن أن يؤثر في الدولة أو في الأمة، لأن كلا من الدولة والأمة كيانان، والفرد ليس كيانا وإنما يصلح لأن يكون جزءا من
كيان؛ سواء كيان الأمة أو كيان الدولة أو كيان الحزب. والمدرسة أو الجامعة لا تتحرك ككيان فكري أو سياسي، والأفراد فيه ليسوا كأجزاء من كل فكري وشعوري
كما هو حالهم في الحزب المبدئي، ولا تقدر أن تتشكل مع الوقائع وتحس بما يجري في المجتمع. وليس لديها برنامج لذلك، وليس من السهل أن يوضع لها مثل هذا
البرنامج. فإذن ليس من الوارد أن تتمكن هذه المؤسسات الأكاديمية على مختلف أنواعها من مخاطبة المجتمع وأن توجد رأيا عاما أو أن تؤثر في الرأي العام.


.................
ابو ايوب
الرأي العام ودوره في التغيير (7)


وسائل إيجاد الرأي العام

تقوم القوى التي تريد إيجاد الرأي العام بالبحث عن وسائل لإيجاده؛ ففي القديم كانت الوسائل بدائية لا تعتمد التكنولوجيا، ولكن هذه الوسائل
ما زال معمولا بها فلم تلغها التكنولوجيا، مثل مخاطبة الجماهير مباشرة في كافة الأمكنة والتجمعات، ومثل الكتب والكتيبات والرسائل، ومن ثم
أضيف إليها النشرات والبيانات فكانت وما زالت وسيلة فعالة في إيجاد الوعي والرأي العامين. فالنشرة أو البيان يصدره الحزب ليشرح فكرته
أو لبيان رأيه السياسي أو لفضح وكشف مخططات ومؤامرات الدول الاستعمارية أو للكفاح السياسي لأنظمة الحكم العميلة، أو للصراع الفكري
ضد كل الأفكار الأجنبية. ويوزعها المنتسبون للحزب وأعوانهم على الناس باليد ومجانا، فيتم إيصالها إلى يد كل شخص مباشرة وبدون ثمن
فيتلقفها عامة الناس، وكأنك تطعم أحدهم أو تسقيه بيدك وتوصل لقمة العيش أو جرعة الماء إلى فمه، وهو يرى الذي يسقيه ويطعمه مباشرة
فيحس بوجود الحزب مباشرة ويتأثر به، وهذا يدفع الإنسان لأن يطلع على ما تريد أن تطلعه عليه وأن يتفاعل معك. وبما أنها مجانية فإن الناس
سيأخذونها، فإنك لا تسألهم أجرا على عملك إلا كسب مودتهم من أجل إرضاء الله بقصد إعلاء كلمته سبحانه وتعالى. وهذا بعكس الجريدة أو
المجلة أو الكتاب التي تكون بثمن فلا يقبل كل شخص على شرائها وخاصة عندما تكون مخالفة لرأيه. ولكن عندما تكون مجانا ولو كانت مخالفة
لرأيه فإنه يأخذها أو يطلع عليها. أضف إلى ذلك أن النشرة تكون قصيرة تتضمن فكرك بشكل مختصر ومؤثر؛ يجمل الحدث بشكل يلفت الانتباه
مصورة الحدث بشكل ملموس أو محسوس، ويحرك العواطف ويثير المشاعر ممزوجة بالفكر بحيث تدفع الإنسان إلى العمل، فيقبل الناس على
قراءتها بشوق.

ووجدت الصحف والجرائد والمجلات وتصدرها عادة الدول أو الأحزاب لغرض سياسي، أو قوى اقتصادية لغرض تجاري، وكذلك قوى فكرية لغرض
نشر الأفكار. وهي وسائل تستعمل لإيجاد الرأي العام وتوجيهه أو لتضليله، وتكون بثمن فلا يشتريها كل شخص وخاصة المخالفين لما يصدر
فيها أو لمن يصدرها. ولكن النشرة لأنها مجانية وتصل إلى يد الشخص بدون عناء ولو كانت لمخالفين له فإنه يأخذها كما قلنا. عدا ذلك فإنها
تلفت الانتباه بأن أصحاب فكر ما يوزعون نشرة فيريد الناس أن يعرفوا ما فيها لأنهم يحسون أن شيئا مهما حدث حتى استدعى توزيع نشرة
وتحمل العناء والضرر الذي سيصيب أصحابها. وخاصة عندما تصدر من حزب نال ثقة الناس بعمق فكره وصدق لهجته وإصابة رأيه السياسي ودقة
تحليلاته السياسية وعمقها، ومواقفه الشجاعة في كفاحه وصراعه، وبعده عن التملق والمداهنة لمن بيدهم زمام الأمور وللقوى المخالفة له. وما
يظهر أحيانا في الصحف والمجلات مما يعتبر كشفا فإذا لم يأخذ به حزب سياسي ويبدأ بترويجه ونشره فلا يؤثر في الرأي العام لوحده. ومع
هذا تبقى الصحيفة أو المجلة وسيلة إعلامية مؤثرة عندما يستخدمها حزب سياسي أو أتباعه لتحقيق هدف ما من خبر معين. ففضيحة "ووترغيت"
لنيكسون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية حصلت بعد أن قامت إحدى الصحف الأمريكية المحلية بنشر الخبر المتعلق بها. فقام أتباع الحزب
الديمقراطي الذين كانوا في المعارضة يومئذ باستغلال الخبر، وأوجدوا رأيا عاما إلى أن اضطر هذا الرئيس الجمهوري إلى الاعتراف ومن ثم إلى
الاستقالة.

وظهرت الإذاعة فصار الناس يستمعون لها بعدما أصبح الجميع يشتري جهاز الراديو ولا يستغني عنها، فأصبحت وسيلة جيدة للتثقيف ولإيجاد
الرأي العام. ولكنها وسيلة تتحكم فيها الدول، فأحزاب التغيير الجذري تمنع من تملكها أو استخدامها. وإن كانت تعمل على تملكها أو استخدامها.
أما الأحزاب التي تتوافق مع النظام القائم فإنه من السهل عليها تملكها.

وبعد فترة من الزمن من ظهور الإذاعة ظهر التلفزيون وهو إذاعة مرئية فأصبح الإقبال عليه أكثر؛ لأنه يخاطب السمع والبصر، فالصورة مؤثرة
ومقربة للقلب أكثر من غيرها. والسمع مقرب للتفكير أكثر، لأن الإنسان عندما يسمع يبدأ بالتفكير لرسم الصورة في ذهنه. ولكن في التلفاز
فالصورة مرئية فيتأثر الإنسان بها رأسا وربما ينخدع بها إذا لم يعمل ذهنه بها، أي يفكر فيها. وعلى كل حال فالتلفاز وسيلة جيدة لإيجاد
الرأي العام.

وهناك الأفلام السينمائية التي تعرض في دور السينما؛ وعادة تكون تحت إشراف الدول أو بقدر ما تسمح به هذه الدول. وهي مكلفة ماليا، وتتطلب
عملية إعداد وإخراج طويلة، وأناس قادرون على التمثيل، وأعمال فنية ليست سهلة، وأموال طائلة. وكذلك عملية تسويقها وعرضها على
الجمهور تتطلب عملية دعائية. وقلما تلجأ الأحزاب السياسية إليها. ويكاد ذلك معدوما في البلاد العربية بالنسبة للأحزاب السياسية. وتترك تأثيرا
عاطفيا على الناس في الأغلب، ويكون مؤقتا، وهي تعتمد على الإثارة أكثر مما تخاطب العقل. ويقبل الناس على مشاهدتها عند عمل دعاية
كبيرة بين الناس. فلا تذهب إلى الناس وتخاطبهم بل يجب على الإنسان أن يذهب ليشاهدها ويدفع أجرا مقابل ذلك. فصار استخدامها لإيجاد
الرأي العام غير مشجع للأحزاب السياسية وليس في مقدورها فعل ذلك. وعدا ذلك فالأحزاب السياسية يوميا بل على مدار الساعة يجب عليها
أن تخاطب الجماهير وتحشد الرأي العام بجانبها.

ومثل ذلك المسرح والمسلسلات التلفزيونية؛ فهي تتطلب ما تتطلبه الأفلام السينمائية تقريبا. ولم تلجأ إليها أيضا الأحزاب السياسية حتى الآن
لإيجاد الرأي العام.

ومن ناحية أخرى يجب النظر في مشروعيتها من ناحية إسلامية لأن فيها اختلاط وفيها كذب من تقمص أدوار لأشخاص آخرين وغير ذلك.


................
ابو ايوب
الرأي العام ودوره في التغيير (8)


كيفية إيجاد الرأي العام

لقد عرّفنا الرأي العام بأنه هو الفكر الذي يسود أجواء الجماعة؛ ومن هنا إذا أردنا أن نغير الرأي العام أو على الأصح إذا أردنا أن نوجد الرأي العام
وجب طرح فكر معين على الناس والعمل على جعله هو السائد في الجماعة المطلوب أن يسودها، ولكن يجب إثارة الإحساس عند الناس فيما يتعلق بالفكر
الذي يراد أن يسود الجماعة. ولهذا وجب العمل على إيجاد الظروف والأوضاع أو اغتنام ذلك أو العمل على إظهار الوقائع ولفت نظر الناس إليها أو جعلهم
يحسون بها وإثارة هذا الإحساس لديهم، ومن ثم إنزال الفكر الذي يراد أن يسود عليها أو ربطه بهذه الوقائع، مع اختيار الأساليب والوسائل التي ستستعمل
لذلك.

فمثلا؛ عندما جاءت أمريكا وأرادت إيجاد رأي عام ضد الإرهاب لتبرير هجومها على المسلمين وعلى بلادهم وعلى دينهم للقضاء عليه ولنهب ثرواتهم
والسيطرة عليهم فإنها عملت أولا على إيجاد الظروف، وهيئت الأوضاع لذلك، وعملت على اغتنام الفرص، وأثارت المشاعر والعواطف عند الناس، ومن ثم
قامت بربط فكرة الإرهاب بذلك؛ فكان تدمير البرجين لمراكز التجارة في نيويورك في 11أيلول عام 2001 فرصة مناسبة لإيجاد الرأي العام المحلي
والعالمي لمحاربة ما يسمى بالإرهاب، فسهل لها الهجوم على أفغانستان واحتلالها ووقف العالم كله بجانبها.

ولاحتلال العراق أثارت أكذوبة سلاح الدمار الشامل الذي يملكه صدام؛ واستطاعت أن توجد رأيا عالميا حول هذا الموضوع فصدقها العالم وحققت ما شاءت.

وكان مصرع الحريري فرصة سانحة لمن أراد أن يطرد سوريا من لبنان، فاستغلت هذه الأطراف هذه الفرصة، وأوجدت رأيا عاما ضد الوجود السوري
في لبنان باتهامها لسوريا بأنها وراء اغتياله، فولت سوريا الأدبار وانسحبت من لبنان بسرعة فائقة لم يتوقعها أحد!

وحتى تبدأ عملية الاعتراف بدولة يهود في فلسطين والتي تسمى عملية السلام في الشرق الأوسط وجدت مسرحية حرب أكتوبر/ تشرين بالهجوم
المصري السوري على دولة يهود والذي رتبته أمريكا، فأوجد رئيس مصر آنذاك أنور السادات له شعبية لدى الرأي العام بأنه حقق انتصارا عظيما
وأنه سيدخل عملية السلام من موقع القوة وليس من موقع الهزيمة! وبالفعل فبعد الانتصار الوهمي هذا؛ بدأت عملية الاعتراف بدولة يهود والتي سماها
العبور الثاني، وتحقق السلام لدولة يهود مع مصر.

وأمريكا عملت على نشر أفكار الحرية والديمقراطية في الإتحاد السوفيتي وإيجاد رأي عام لها في تلك البلاد، وقد تأثر الكثير من الناس هناك بها
ووجد رأي عام حول ذلك، إلى أن جاء ممن هم في أعلى المستويات في الدولة وفي الحزب الشيوعي وقاموا بالتغيير تحت مسمى الانفتاح وإعادة
البناء، فأصبحت الشيوعية ودولتها في خبر كان.

وإذا نظرنا إلى كثير من الانقلابات والتغييرات التي حدثت في العالم ما كانت لتحدث لولا وجود الرأي العام الداعي لذلك، وهذا بعد وجود ظروف وأوضاع
معينة ووقائع أو إيجادها، ومن ثم إثارة الإحساس بها لدى عامة الناس، ومع ربط الفكر المطلوب لجعله رأيا عاما بها.

فمثلا؛ أوضاع المسلمين المتدهورة حاليا وتأخرهم عن ركب التقدم والفوضى التي تسود بلادهم هي وقائع يحس بها الناس ويبحثون عن حل لها أي
يبحثون عن فكر يعالجها؛ فتأتي أمريكا وتقول أن الحل هو الديمقراطية، فتقوم وتعمل على إيجاد رأي عام لها في المنطقة الإسلامية، وتستخدم
كافة الوسائل والأساليب حتى القوة العسكرية، وتسخر من استطاعت أن تستفزهم من الحكام العملاء ومن الناس المضبوعين بها لذلك. وكان الشيوعيون
في السابق يستغلون هذه الأوضاع ويعملون على إقناع الناس بأن الاشتراكية هي الحل ويعملون على إيجاد رأي عام لها، إلى أن وجدت أنظمة في
كثير من البلاد العربية تدعي أنها اشتراكية.

والرسول الكريم وحزبه المتكون من الصحابة الكرام كانوا يتناولون الوقائع والأوضاع وكانت الآيات الكريمة تتنزل على هذه الوقائع وتعالجها، فكان
الرسول صلى الله عليه وسلم وحزبه يعملون على سيادة الأفكار المتعلقة بذلك. فهاجم عبادة الأصنام ببيان عجزها عن الخلق، حتى أنها عاجزة عن
استرداد العسل الذي كانت تمسح به والذي كان الذباب يمتصه عنها، وأنها لا تضر ولا تنفع، وكان يلفت نظر عبادها وإثارة الإحساس والتفكير عندهم
حتى يتكون رأي عام عن قبح هذا الشرك وتحويل الناس لعبادة ربهم الحق لا غير. وهاجم وأد البنات وبين الحل حتى أصبح وأد البنات عملا قبيحا
وجريمة عظمى لدى الرأي العام. وهكذا عمل في كل فكر ليجعله رأيا عاما حتى يتمكن من التغيير الجذري ويستلم الحكم ليبدأ بتطبيق ما بلغ عن ربه
عمليا ولا يكتفي بالتبليغ لوحده، إلى أن نجح في ذلك في المدينة، حتى أن الكفار هناك من اليهود والنصارى ومشركي العرب سكتوا أمام هذا الرأي
الكاسح المؤيد لرسول الله ولدعوته. وأما في مكة فكان قادة قريش يعملون على إيجاد رأي عام ضد الرسول الكريم ودعوته باتهامه بأنه ساحر ومجنون
وشاعر وكاهن وأن كلامه أساطير الأولين، وكانوا يلجئون إلى استخدام القوة والعنف والتعذيب والحصار وكل الوسائل والأساليب ضد حملة الدعوة ومنها
التعتيم على الدعوة وتقبيحها وإثارة المغالطات، ومنع الناس من أن يستمعوا للنبي ولحملة الدعوة ومنها السجن ومنها التهجير والطرد من البلد أو إجبارهم
على ذلك، ومنها إثارة الدعاية المغرضة ضد النبي بأنه يعمل على إثارة الفتنة بين الناس ويفرق جماعتهم ويبعد الولد عن أبيه، وأنه يرفض ما عليه الآباء
والأجداد. وكان القرآن يتنزل رادا عليهم ومفندا لاتهاماتهم، مما يدل على أن اتهاماتهم كانت تترك أثرا لدى الرأي العام، وإلا لما لجأ رب العزة أن يرد عليهم!
وهذا يدل على أهمية الرأي العام!

وعندما قتل المسلمون رجلا من مكة في الشهر الحرام على يد سرية عبد الله بن جحش التي أرسلها رسول الله لمراقبة حركة قريش، أثارت قريش الرأي
العام بين العرب ضد النبي صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله آية تجابه ذلك بأن قريش فعلت ما هو أقبح وأشنع من ذلك ألا وهو كما ورد في الآية:
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ ﴾

.(البقرة 217)
فالصد عن سبيل الله والكفر بالله ومنع المسلمين من زيارة المسجد الحرام وإخراج أهله أي المسلمين المهاجرين من هناك، وكذلك فتن الناس عن دينهم هي
أمور عظيمة وهي أكبر عند الله وأكبر من قتل شخص في الشهر الحرام! فبدأ المسلمون يشنون حملة مضادة لحملة قريش وتكوين رأي عام ضد أعمالهم
الشنيعة تلك. وهذا يدل أيضا على أهمية الرأي العام.



فالناس يتأثرون بالرأي العام، بل ينقادون له، وخاصة أن مظهر القطيع من غريزة البقاء لدى الناس عامل مساعد في انسياقهم وراء بعضهم البعض والتأثر
بأجواء الجماعة. ولا يستطيع أحد أن يتصدى للرأي العام ويقف في وجهه أو يتحداه إلا الحزب السياسي العقائدي؛ لأن الحزب السياسي العقائدي صاحب
فكر مؤثر ويتميز بالثبات والإصرار على فكره، وهو يتمتع بإرادة صحيحة، وهو كيان يستطيع أن يؤثر في كيان الأمة وفي كيان الدولة بل في كيان العالم
كله. وهو يدرك أن مهمته مبدئية وهي جعل الأمة تتبنى مبدئه، فلا يهمه إن وقف في وجه الرأي العام الذي يناقض رأيه أو تصدى له، لأنه يعلم أن مهمته
هي تغيير المجتمع وجعل الرأي العام لفكره لا للأفكار الأخرى، فلا يمكن أن ينساق وراء الرأي العام المخالف لفكره. وإذا تعرض لنقمة الناس فإنه يثبت
على مبدئه، لأنه يعلم أن نقمة الناس مؤقتة وثباته على مبدئه هو الذي يفيده، وأنه قادر على كسب ثقة الناس فيما بعد.



والخلاصة أن العمل للتغيير طريقه إيجاد الرأي العام، أي جعل أفكار التغيير هي السائدة في أجواء الجماعة. ولهذا يجب مخاطبة الناس علانية في كل
مكان وبكل الوسائل، ومقارعة من بيدهم زمام الأمور وتحديهم علنا وعلى رؤوس الأشهاد، وأن يصبر دعاة التغيير مهما أصابهم من ظلم وضيم وعسف. قال الله تعالى:

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ.



./.
علي البدري
بارك الله فيك واسال الله ان يجعل هذا الموضع في ميزان حسناتك
.
Invision Power Board © 2001-2012 Invision Power Services, Inc.